تأليف : امل شانوحة
الأشباه الأربعة
اثناء رحلة موظفيّ الشركة مع رئيسهم المهووس بالكشّافة البرّية ، ضاع جاك (الأربعيني) عن بقيّة زملائه اثناء ملاحقته نوراً من بعيد ، جذبه بقوّة للسير للأمام دون العودة للمخيّم .. ليجد منارة قديمة فوق هضبة مُطلّة على البحر .. ولأن حلم طفولته إكتشاف المنارات القديمة ، إقترب من بابها المُهترئ الذي وجده مفتوحاً ! ليجد سلالم حلزونيّة للأعلى .. فظلّ يصعد ، الى ان وصل لبابٍ خشبي خاصّ بغرفة التحكّم بإضاءة المنارة. .
وقبل إدارة مقبضه .. فتح الباب رجلٌ (خمسينيّ) وهو يبتسم ، كأنه ينتظره ! وما ان رآه جاك حتى اوشك على فقدان وعيّه ، كأنه ينظر الى نفسه بعد عشر سنوات ! والذي قال ، وهو يسنده :
- لا تخفّ يا جاك .. هيا أُدخل ، وسلّم على بقيّة أشباهك
وكأن صدمة التشابه لا تكفي ! فقد عرف اسمه ، بالإضافة لتواجد ثلاثة اشخاص آخرين داخل الغرفة الصغيرة ، جميعهم نسخاً منه :
احدهم حين كان مراهقاً متهوّراً ، بشعرٍ طويل وثيابٍ فضّفاضة .. والثاني بالعشرينات ، بذقنٍ خفيفة ..والثالث بالثلاثينات ، بالعمر الذي توظّف فيه بالشركة الحاليّة !
ومن شدّة إرباك جاك وخوفه ، حاول الهرب .. لكن الرجل الخمسيني أمسك ذراعه وأدخله الغرفة ، مُغلقاً الباب بالمفتاح !
ليقول المراهق :
- لا تخف يا جاك ، فجميعنا بانتظار قفزتك الشجاعة
جاك بقلق : القفز الى اين ؟!
الخمسيني : يقصد قفزة الثقة
جاك : لا أفهم كلامكم !
الخمسيني : هؤلاء الثلاثة هم نسخك الماضية ، وانا نسختك المستقبليّة. .
الثلاثيني : نحن لم نستطع إضاءة المنارة المهجورة ، لأننا كنّا تابعين لغيرنا ..مثل تصرّفاتك الحاليّة !
الخمسيني بفخر : اما انا !! فقفزت للمجهول ، ثقةً بالربّ .. لأصبح بالنهاية منارة للجميع
جاك بعصبية : هل تشرحون ما يحصل هنا ، ام أقفز من النافذة وأنتحر !!
الخمسيني : اهدأ قليلاً
وأجلسوه على الكرسي المواجه للنافذة الزجاجيّة الكبيرة ، المُطلّة على البحر المُضاءة أمواجه بنور المنارة القويّ
المراهق : دعوني أتكلّم اولاً.. أتذكُر يا جاك حين كنت بعمري ، كم كنّا مشاغبيّن نعشق الموسيقى الصاخبة ، والموضة الهابطة .. عدا عن فشلنا الدراسيّ ، حتى أتعبنا والديّنا
جاك : نعم أذكر
المراهق : كانا يائسان منا.. فأنت ابنهم الوحيد ، ومع ذلك لم تنفع معك النصائح او دوّرات التدريب والنوادي الرياضيّة ، بل أصرّيت على اصدقاء السوء ..حتى وصلنا لليوم الذي تغيّرت فيه حياتنا..
العشريني مُقاطعاً : دعني أكمل القصة .. ببلوغك سن العشرين ، تغيّرت حياتنا بعد وفاة والدنا.. شعرت وقتها ان عليك الإسترجال لأجل امنا .. وثابرت بالدراسة صباحاً .. مع العمل بمتجر والدك مساءً ، لتأمين لقمة العيش
جاك بحزن : كنت مُجبراً على النضوج سريعاً
العشريني : هذا صحيح .. وأصبحت امك فخورة بك ، بعد تحسّن شخصيّتك .. لكنك بالحقيقة مشيّت مع التيّار ، مُطفئاً نورك الداخليّ .. خاصة بعد معرفتك بشغفك الحقيقيّ
جاك : تعرّفت على هواية الكتابة بعد رسالة التأبين التي ألقيتها بعزاء والدي ، والتي لاقت إستحسان الجميع .. وكانت المرّة الأولى التي أكتب فيها بحياتي
العشريني : لكنك تجاهلت موهبتك !
جاك بعصبية : لانشغالي بالدراسة والعمل !!
الثلاثيني مُهدّأً : وهما لا يلومانك (المراهق والعشريني)
جاك : وانت انا بعمر الثلاثين ؟
الثلاثيني : نعم ، وحينها ورثت عمك .. واستثمرت امك المال بمتجر والدك الذي أداره قريبها ، مُرسلاً مدخولاً شهريّاً ثابتاً .. ومع ذلك لم تطوّر موهبتك !
جاك : لأني كنت مشغولاً بالبحث عن وظيفة
الثلاثيني : وتعيّنت بهذه الشركة المختصّة بالأدوات الكهربائيّة ، رغم بعدها عن هوايتك وطموحك !
جاك : كنت اريد جمع المال لشراء منزل
الثلاثيني : للزواج من زميلتك ؟
جاك بضيق : طالما تعرفون عني كل شيء ، فلما تحقّقون معي ؟!!
الخمسيني : طبعا يعرفون ، فهم نسخك القديمة .. اما انا ، فلا تعرف عني شيئاً
جاك باهتمام : ومالذي تغيّر في حياتي مستقبلاً ؟
الخمسيني بفخر : الا ترى انني نجحت بإضاءة المنارة ؟
جاك : وما دخلي بالمنارة ؟!
الخمسيني مُعاتباً : أمعقول لم تفهم بعد ؟! .. ببلوغك سن الخمسين ، أصبحت من الكتّاب المشهورين ببلدك ، بل من العشرة الأوائل بالعالم !!
جاك بصدمة : انت تمزح !
الخمسيني : لا ابداً .. إحتاج الأمر لعشر سنواتٍ من العمل الدؤوب ، بعد ترك وظيفتنا المملّة ..والتفرّغ للكتابة ليل نهار ، عقب فتح مدوّنة لنشر قصة جديدة كل بضعة ايام .. الى ان وصلت لألف قصة قصيرة !! .. أذكر يومها كنت بنهاية الأربعينات حين وصلتني رسالة تهنئة ، بعد نجاحي بمسابقةٍ ادبيّة على مستوى الدولة ، مُتفوقاً على اهم كتّاب بلدنا !
جاك بحماس : وكيف كان شعورك وقتها ؟
الخمسيني : لا اذكر انني بكيت هكذا ، منذ وفاة امي
جاك بصدمة : امي ستتوفّى ؟!
الخمسيني بحزن : نعم للأسف ، وقريباً جداً.. حينها تكون أخذت قرار الإستقالة من وظيفتك ، والتخلّي عن إرضاء من حوّلك على حساب نفسك وطموحك
المراهق : مع ان شخصيّتنا لم تكن جديّة بهذا الشكل ، إلاّ اننا تغيّرنا مرتيّن : مرة بوفاة والدنا .. والثانية والأهم ، بوفاة امنا
جاك بقلق : وكيف سأعيش إن تفرّغت للكتابة ؟
الخمسيني : لا تقلق .. الراتب الشهريّ من مشروع امك ، سيكفيك حتى تقف على قدميّك.. صحيح بالكاد يسدّد الفواتير ، مع التوفير الشديد بالطعام .. لكن عليك الصمود لحين نجاحك المُبهر
جاك مُستفسراً : أقلت عشر سنوات من الآن ؟
الخمسيني : عشر سنوات من الجهد المتواصل ، مع إصابتك على الدوام بالصداع والأرق وألم العينيّن وعزلتك عن الناس .. عدا عن سخرية اقرانك الذين سيلقبونك بالفاشل والإنطوائي .. والأهم من ذلك ، خسارة حبيبتك التي ستتزوّج من عجوزٍ ثريّ ! فهل انت قادر على هذه التضحيّات ، لتصبح منارة وقدّوة لكل الكتّاب المبتدئين ؟
جاك : أجبني اولاً .. كيف كان شعورك بعد تحقيق النجاح الذي حلمنا به طوال حياتنا ؟
الخمسيني بعينيّن دامعتيّن : كأني عرفت اخيراً الحكمة من خلق الربّ لي.. فكلاً منا لديه دوّر بهذه الدنيا.. وصدّقني يا جاك : رؤية الكتّاب الصغار وهم يلاحقونني بالأسئلة والإستفسارات بحفلات التكريم ، وهم يطلبون توقيعي والتصوير معي ، تسوى الدنيا وما فيها.. والآن نصلّ للسؤال الأهم : هل ستقفز قفزة الثقة ، وتتخلّى عن كل ما حولك ، لتحقيق حلمك الذي خُلقت لأجله ؟
^^^
وقبل أن يُجيبه ، إستيقظ على صوت صديقه يهزّ كتفيّه (بعد رؤيته مُغمى عليه ، وسط الغابة)..
- لما ابتعدت عنا ؟! هيا دعنا نعود للمخيّم ، فالجميع قلقٌ عليك
فنهض جاك وهو يشعر بألم : آخ يا رأسي !
صديقه : هل تشعر بالدوّار ؟
فالتفت جاك نحو الهضبة البعيدة ، دون ان يرى المنارة المهجورة !
جاك بتعب : يبدو انه حلمٌ غريب ! .. هيا لنعدّ للمخيّم
***
وما ان وصل الى هناك ، حتى صرخ عليه رئيسه غاضباً :
- اين كنت ايها الأحمق ؟!! أرسلت الجميع للبحث عنك ..هل انت صبيّ صغير لتضيّع عنا ؟!!
وضحك زملائه ، ساخرين منه !
ليُفاجأ جاك الجميع بقوله :
- انا استقيل
المدير باستغراب : ماذا قلت ؟!
صديقه : جاك اهدأ قليلاً ، هو لم يقصد إهانتك
جاك : عملي بهذه الشركة الروتينيّة ، لا يُحقّق طموحي بالحياة .. الوداع يا اصدقاء!!
^^^
وركب سيارته ، عائداً الى منزله .. ليجد سيارة إسعاف متوقفة هناك!
وقبل فهمه ما حصل ، إقتربت جارته لتخبره باتصالها بهم ، بعد سقوط امه في الشارع دون حراك ! والتي ماتت بنفس الليلة بأزمةٍ قلبيّة
فانهار بالمستشفى باكياً ، رغم ان نسخته المستقبليّة أخبره عن موتها القريب ، لكنه لم يظن بهذه السرعة ! ويبدو ان هذه هي قفزة الثقة التي تحدّث عنها نسخه الأربعة بالمنارة
***
بعد انتهاء العزاء .. إفتتح جاك مدوّنته الأدبيّة ، ليبدأ بنشر قصته الأولى .. وفي نفس الوقت شارك بعدّة مواقع للكتّاب المبتدئين الذين ذُهلوا بموهبته الفريدة التي تطوّرت مع الوقت ، مع تزايد القرّاء والمتابعين في مدوّنته !
ورغم التعب الجسدي والنفسي الذي عاناه مع كل قصة تربويّة وهادفة ألّفها ، لكنه تابع المسيرة وهو مُتفائل بأن منارته على وشك إضاءة العالم كلّه !






