‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة مخيفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة مخيفة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 يوليو 2026

خيارات الوفاة

تأليف : امل شانوحة 

الرحلة الأخيرة


في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك :

- أيها السادة الركّاب ... أعتذر منكم... أحد أفراد الطاقم يهدّدني بسلاحه ، ويجبرني على الهبوط فوق البحر ! ادعوا الربّ أن يُنجينا من هذا البلاء


وفجأة ! حلّ مكانه صوت المضيف الإرهابيّ ، وهو يقول ببرود :

- نلتقي قريباً في الجحيم


واثناء ارتفاع صرخات الركّاب ، أسرع جاك بربط حزام امانه.. قبل تتطايّر من حوله من مقاعدهم مع انقلاب الحقائب من المخازن العلوية ، فور الهبوط الإجباري نحو الأسفل !

وقبل ان يستوعب جاك ما يحصل ، حلّ الظلام فور ارتطام الهيكل بسطح البحر


وبثواني ! خلت مقصورة درجة رجال الأعمال (التي يجلس فيها) من الركّاب ! مع بقائه وحده مُثبّتاً بكرسيه ، اثناء غرقه ببطء نحو عمق البحر 

وآخر شيءٍ صرخ به ، قبل انقطاع انفاسه :

- لا اريد الموت غرقاً !!!!


ليستيقظ في مقعده والعرق يتصبّب من جبينه ، على صوت المضيفة التي تربت على كتفه : 

- استيقظ لوّ سمحت ، فأنت ترعب الركّاب بصراخك


فعدّل جلسته وهو يتنفّس الصعداء ، بعد علمه بسلامة رحلته الجويّة .. محاولاً تجاهل نظرات الإنزعاج من بقية الركّاب ، بعد صراخه من كابوسه المفزع


وكان اول ردّة فعلٍ لجاك ، ان فكّ حزام مقعده (الذي كان مُثبّتاً اثناء غفوته)

بهذه الأثناء .. لمح رجلاً يلبس عباءة وشماغٍ اسوديّن ، قادماً من مقصورة ركّاب الدرجة الأولى.. حيث بدى وكأنه انتقل من العصور الماضية ، بعيونه الكحيلة الحادة وزيّه الشعبي القديم !

والذي ظلّ يركّز نظره على جاك .. الى ان وصل بجانب كرسيه 


ثم انحنى نحوه .. دون تمكّن جاك من التحرّك ، كأنه التصق بكرسيه من الموقف المرعب ! 

وهمس بإذن جاك :

- لم يكن كابوساً ، بل كانت رؤية قدريّة.. فجميع الركّاب سيموتون خلال دقائق ، بعد غرق الطائرة بالبحر 

فسأله جاك مرتجفاً :

- من انت ؟!

- ملك الموت


وكانت ابتسامته المرعبة ، كفيلة بجعل جاك يصرخ بعلوّ صوته :

- لا اريد الموت الآن !! رجاءً أجّلني لزمنٍ آخر

- توقيت الوفاة لا يتأخّر ثانيةً واحدة .. وقد قُدّر موتك اليوم في هذه الرحلة الجوية .. الشيء الوحيد الذي يمكنك اختياره ، هو طريقة موتك داخل الطائرة .. وطالما لم يعجبك الموت غرقاً ، يمكنك تجربة اسلوباً آخر

فرد جاك بيأس :

- ايّ شيء اهون من غرقي في ظلام البحر الموحش

فصفّق الملك بيديه..


ليفتح جاك عينيه مع اختفاء الرجل الغامض ! فظن انه رأى كابوساً آخر.. الا ان امله تلاشى ، بعد سماعه صرخات ركّاب الدرجة السياحية.. 


ولم يمضي وقتٌ طويل حتى دخل رجلٌ مقنّع الى مقصورة رجال الأعمال بعد فتح ازرار قميصه ، لتظهر قنبلةٌ موصولة بجسمه .. وهو يصرخ مهدّداً :

- سأفجّر نفسي وأقتلكم جميعاً ، ايها الكفار الملاعيين !!

فتمّتم جاك بضيق :

- رائع ! سأموت هذه المرة مُنفجراً لأشلاءٍ صغيرة

وقبل ان يكمل جملته ، علت تكبيرات الإرهابي الذي دمّر الطائرة بالحال


وهنا فتح جاك عينيه ، بعد سماعه صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار هذه الطريقة لموتك ؟

جاك : لا طبعاً !! لا اريد ان أتحوّل لذرّات تتطاير بالهواء

الملاك مُتأفّفاً :

- يبدو انك ستتعبني.. حسناً اذاً ، لنخترّ طريقةً اخرى

ثم صفّق بيديه


ليفتح جاك عينيه وهو يشعر بانكتام انفاسه ، بعد تصاعد دخان من مقصورة الدرجة الأولى ! حيث فهم من صراخ المضيفة : ان ثريّاً سكراناً اطفأ سيجارته بالخطأ في كأس الويسكي ، أدّت لاشتعال ملابسه ! 

بينما تحاول المضيفة الأخرى اطفائه ، مع علوّ صرخاته المؤلمة.. 


وبأقل من دقيقتين ، اشتعلت مقاعد مقصورة الدرجة الأولى بالكامل ..مع صعوبة تنفّس بقية ركّاب مقصورتيّ الدرجتين التاليتين ، اللتين امتلئتا بالدخان الكثيف 

كما ان وصول الدخان الى مقصورة الطيّار ، جعلت الطائرة تترنّح يميناً ويساراً مع بكاء الركّاب الخائفين 


وقبل ثواني من وصول النار الى جاك ، استيقظ مرتعباً على صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار...

جاك مقاطعاً بعصبية :

- ومن الأحمق الذي يفضّل الموت احتراقاً ؟!

الملك ساخراً :

- معك حق ، ليس من العدل ان تحترق دنيا وآخرة.. اذاً ما رأيك بهذه الطريقة؟


وأكمل جاك الكابوس ذاته.. لكن هذه المرة تمكّن الهرب من النيران بآخر لحظة ، بعد نجاح المضيفون من إخمادها بطفايات الحريق المخصّصة للطوارئ .. لكن تدافع ركّاب مقصورة الدرجة الأولى للهرب من الدخان الكثيف ، أوقعت جاك ارضاً وهو يصرخ متألماً بعد دهسه بالأرجل.. 


وقبل لفظ انفاسه الاخيرة بعد تكسّر عظام ظهره ، استيقظ من كابوسه مرتعباً ! ليُسرع بشدّ عباءة ملك الموت بعصبية :

- بالتأكيد لا اريد الموت دهساً بالأقدام ، كأنني حشرةٌ قذرة !! 

الملك :

- اهدأ قليلاً.. عليك اختيار احد الطرق السابقة ، لكتابتها بتقرير موتك

جاك : وهل انا الوحيد الذي سيموت بهذه الرحلة ؟

- بل جميع الركّاب

- اذاً لماذا تركّز عليّ ؟

الملك : انظر مجدداً


وأشار الى الركّاب خلفه.. لينتبه جاك لأول مرة ، بوجود ملائكة الموت بجانب كل راكب ، وهم يعطونه الخيارات لطريقة الوفاة !

جاك بدهشة : كم عزرائيل يوجد في الدنيا ؟!

الملك : واحد فقط .. وانا وزملائي ، جنوده .. هو يعطينا قائمة بأسماء الأشخاص الذين علينا قبض ارواحهم كل يوم .. ونحن ننفذ اوامره ، حسب ما كتبه الله في اقدارهم 

جاك : وهل مكتوب بالسجلّ الذي تحمله ، طريقة موتي ؟


فقلّب الملك صفحات ملف جاك الذي يحمله : 

- مكتوبٌ عندي .. تاريخ وفاتك ، والمكان الذي سأقبض روحك فيه.. ولهذا انت مُلزم بالموت ضمن هيكل الطائرة.. وليس لديك خيارات كثيرة لطريقة الوفاة

جاك بيأس : انا احاول فقط إختيار أقلّها إيلاماً

- هذا موت يا عزيزي.. سيؤلمك خروج الروح من جسدك لبضعة دقائق ، قبل شعورك بالراحة الأبدية.. لذا استرجل قليلاً ، ودعني أُنهي مهمّتي بسلام


فمسح جاك دمعته .. ثم أخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول بحزن :

- طالما موتي مقرّراً هذا اليوم بجميع الأحوال ، فأريد طريقة اكثر رحمة من الموت غرقاً او حرقاً او تفجيراً او دهساً بالأقدام


ففكّر الملك قليلاً ، قبل ان يقول : 

- حسناً ، يوجد طريقةٌ اسهل .

وعاد لتصفيق يديه من جديد


وعندما فتح جاك عينيه.. وجد نفسه في مقعده وهو يمسك بطنه متألماً ، بجانب طعامه المتبقي على الصينية.. وهو ينادي المضيفة صارخاً:

- ماذا يوجد بالطعام ؟!! فبطني يتمزّق من الألم 

فصارت تعدّد له المكونات المكتوبة في قائمة الغداء .. الى ان اوقفها منصدماً :

- ماذا قلتي ؟! هل الدجاج مطبوخ بالفول السوداني ؟

المضيفة : نعم سيدي.. على الطريقة الهندية

جاك : انا لديّ حساسية منه.. احتاج لحقنتي فوراً ، والا سأموت في الحال


فساعدته بإنزال حقيبته الصغيرة من المخزن العلويّ فوق مقعده.. الا انه تفاجأ بأن محلول حقنة (الإبينيفرين) انكسر بضغط الهواء ! 

فصار يتلوّى بألم ، قبل ظهور ملك الموت من جديد :

- هآ يا جاك.. هل تفضّل الموت بهذه الطريقة ، لكيّ اكتبها في تقريري..

لكن جاك قاطعه ، بعد إمساك عباءته بعنف :

- لا طبعاً !! لا اريد الموت مسموماً.. إلغي الطريقة بالحال ، فمعدتي تكاد تنفجر !!


وفجأة ! اختفت جميع آلامه .. بينما الملك يتأفّف بجانبه :

- لقد اتعبتني يا جاك ! إخترّ ايّة طريقة .. وعشّ التجربة كاملةً ، لحين خروج روحك تماماً.. وبذلك تنتهي وظيفتي معك ... (ثم اشار بيده) ..انظر خلفك


فرأى جاك جميع الركّاب موتى في مقاعدهم !

الملك : جميع زملائي انهوا مهمّاتهم ، وعادوا للسماء ..وانت مازلت متردّداً باختيار طريقة موتك ! وكل ما عليك فعله ، هو تحمّل الألم قليلاً ..الى ان ينتهي عذابك بهذه الدنيا المتعبة


ففكّر جاك قليلاً ، قبل ان يقول :

- نعم وجدتها !! فقدان الوعيّ حتى الموت

الملك مستفسراً : وكيف سيحصل ذلك ؟

جاك : دعّ الطائرة تهبط بسرعة للأسفل بشكلٍ عاموديّ..وسيؤدي تغيّر الضغط داخل المقصورات الى جعل جميع الركّاب ، بمن فيهم الطيّار يفقدون وعيهم.. وبذلك نموت جميعاً اثناء نومنا دون رعبٍ او ألم

- حسناً ، كما تشاء يا جاك.. سأكتب الطريقة المختارة في تقريري.. وبعد قليل اسحب روحك معي الى السماء.. القاك لاحقاً


ثم اختفى الملاك مع إغماض جاك عينيه ..ودموعه تسيل على خده ، لعلمه بعدم وصوله مطلقاً الى وجهته او رؤية اهله من جديد..


وفجأة ! شعر بتغيّر ضغط الهواء .. جعلت الأصوات من حوله تضعف ، والوجوه تتلاشى .. قبل استسلامه لنومته الأبدية 


الخميس، 16 يوليو 2026

التشابه المخيف

تأليف : امل شانوحة 

انعكاس الأدوار


لم يستطع وليد النوم ، رغم ارهاقه بعد يوم عملٍ طويل .. وطالما غداً يوم عطلته ، قرّر متابعة السهر حتى الصباح .. ولأنه يعيش وحده ، أعدّ قهوته .. وخرج لشرفة غرفته ليشربها ، مستمتعاً بنسمات الليل الباردة .. 

ومع اول رشفة قهوة ، واول نفثة دخان من سيجارته .. لاحظ شاباً يقف بالبقعة المظلمة من الشارع دون حراك .. وحين ركّز وليد نظره اليه .. مشى الظلّ بضعة خطوات باتجاه عامود الإنارة الخافتة .. وهو يرفع بصره نحو الطابق الثالث (شقة وليد) 


حيث ظهر شكل الشاب بوضوح ، والذي يشابهه بالعمر وملامح الوجه .. والأغرب من ذلك ، انه يلبس ذات البيجاما في وسط الشارع !

فظن وليد ان ارقه ، جعله يتوهّم ذلك .. قبل ان يلوّح له الشاب بيده ، بابتسامةٍ مريبة .. أشعرت وليد بقشعريرةٍ باردة سرت في جسده مع ارتفاع نبضات قلبه ، جعلته يسارع بنزول الأدراج لاكتشاف اللغز ..


لكن ما ان وصل للشارع ، حتى اختفى الشاب تماماً ! 

فأخذ يبحث عنه بين السيارات المتوقفة ، الى ان سمع صافرةً حادّة قادمة من عمارته ! 


وحين رفع نظره للأعلى ، إنصدم برؤية ذلك الشبيه يقف على شرفته .. وهو يرتشف قهوته ، وينفث دخان سيجارته بهدوءٍ مُستفزّ ! 

فتساءل وليد بقلق ، اثناء ركضه عائداً الى شقته :

((هل تركت باب شقتي مفتوحاً ؟!))


وحين دخل منزله .. اقترب بحذر من شرفته ، وهو يرفع عصا مكنسته .. ليجد ان الشرفة خالية تماماً ! 

وللحظة ظنّ ان ارهاقه ، تسبّب بهلوسته .. لكن عندما رأى سيجارته المنتهية ملقاةً على الأرض ، والتي لا يزال يتصاعد منها خيط دخانٍ رفيع.. وكوب قهوته مشروبة بالكامل .. 

لم تعد قدماه تحملانه ، وانهار رعباً ..وهو يتساءل برعب :

((هل كان توأمي ، ام جني ؟! ام قريني ، اراد ممازحتي بتبادل الأدوار؟!))


وأيّاً تكن الحقيقة وراء ذلك الشبيه ! فقد نجح تماماً في زرع الرعب بقلب وليد ، لدرجة جعلته يحزم حقيبته مع بزوغ الفجر.. تاركاً شقته والحيّ والمدينة بأكملها ، هرباً من انعكاسه المريب !


الجمعة، 10 يوليو 2026

اعتراف الكوشة

تأليف : امل شانوحة 

العدو الخفي


فجأة ! فُتح باب صالة الأعراس بقوة .. قبل ان تسارع العجوز بإقفاله خلفها ، ثم الركض بين الطاولات بوجهها الشاحب ، وهي تصرخ بعلوّ صوتها :

- ساعديني ارجوك !!

بينما انظار المعازيم تلاحقها .. لحين سقوطها بجانب كوشة العروس ، وهي تبكي خائفة :

- عليك ان تغفري لي الآن ، كيّ يتوقفوا عن ملاحقتي

فسألتها العروس بقلق :

- مالذي يحصل معك يا خالتي ؟!

الخالة باكية : لقد لاحقوني طوال الطريق ! وهم الآن يقفون عند باب الصالة.. وإن لم تسامحيني ، سيهجمون عليّ دون رحمة !!

فهمس العريس :

- ماذا هناك عزيزتي ؟!

العروس : لا ادري حقاً !


ونزلت الى خالتها ، محاولةً رفعها عن الأرض :

- رجاءً إجلسي على إحدى الكراسي ، لمعرفة مشكلتك

الخالة برعب : لا وقت لديّ !! ان لم تسامحيني انت و..

ثم نظرت لبقية الأقارب المتواجدين بالقاعة ، وهي تكمل كلامها :

- ان لم تسامحوني جميعاً ، سأموت شرّ موتة !!


فأراد احد المعازيم فتح باب الصالة ، لرؤية من يلاحق العجوز التي صرخت وهي تشير له :

- لا ، توقف !! ايّاك فتح الباب لهم ، سيقتلونني امامكم

وهنا ساد الخوف بين الحضور ، لظنهم بتورّطها بعصابةٍ تُحاصر القاعة !

لتتابع العجوز كلامها بقهر :

- اساساً الملاعين باستطاعتهم اختراق الصالة ، ولوّ كانت مُقفلة بالسلاسل الفولاذية

العروس : خالتي توقفي رجاءً ، انت ترعبين الجميع .. إخبرينا بوضوح من يلاحقك؟

فقالت العجوز بعلوّ صوتها :

- الجن !! الجن الذين استخدمتهم طوال اربعين سنة ، لأذيّتك انت وبعض الحاضرين هنا.

فجاء كلامها صادماً للجميع !


العروس بدهشة : هل مارستي السحر علينا ؟!

الخالة بندم : نعم.. وجميع مصائبك الماضية ، كانت بسببي : سواءً الأمراض والمشاكل الإجتماعية ، وفسخ خطوباتك القديمة .. وكل دمعة بكيتها ، كانت انتصاراً بالنسبة لي

العروس بضيق : ولما فعلتي كل هذا ؟!

الخالة بحقد : لأنك ستحصلين على كل ما تمنّيته في حياتي .. فأنا عندما كنت صبية ، اردّت الزواج من رجلٍ وسيمٍ وثريّ ، يحبني بجنون.. لكن نصيبي كان رجلاً بسيطاً وفقيراً ، دمّر كل طموحاتي!!

العروس بقهر : وماذا عني يا خالتي ؟ هآ انا تجاوزت الأربعين .. وعريسي هذا ، مرتبطٌ بعائلةٍ اخرى..


الخالة : صحيح انك الزوجة الثانية ، لكنك ستسعدين معه ..علمت ذلك من مشعوذة قابلتها قديماً.. وسألتها عني ، إن كنتُ سأكون سعيدة ؟ لكنها اخبرتني ان لا احد من اقاربي سيحصل على السعادة المادية والعاطفية معاً ، سوى ابنة اختي.. مما ضايقني كثيراً .. ولهذا بعت منزلي ، لإعطاء المال للمشعوذة التي اوهمتني بقدرتها على قلب الأقدار بيني وبينك.. لكن هذا لم يحصل ابداً ! حينها كرّست حياتي لتعذيبكِ بأسحارٍ متتابعة ، تسبّبت في إفلاسي المادي .. بل وأمتدّ ذنبي ، لسحر بعض الأقارب أيضاً.. لكنكِ كنتِ فريستي الأولى وسبب انحرافي عن الطريق المستقيم ! 

العروس بعصبية : أسحرتني منذ طفولتي ، فقط لأن مشعوذة خرِفة مثلك تنبّأت بحياتي المثالية ؟! .. والآن أتيتِ لتخبريني أن كل تجاربي التعيسة والفاشلة ، كانت بسببك ! وانا من ظننتها روتيناً طبيعياً للحياة..

الخالة بإصرارٍ وخوف : ارجوك عليك مسامحتي الآن ، وإلا سيقتلونني بعد قليل


العروس : هل تقصدين خدّام اسحارك الماضية من الجن ؟

- نعم !! فأنا حين استخدمتهم ، ظننتهم خدّاماً لي.. لكني بالحقيقة كنت عبدة للشيطان الذي اجبرهم على طاعتي.. عرفت ذلك متأخراً.. والآن تحرّروا جميعاً ، بعد مضيّ اربعين سنة على احتجازهم بإسحارك التي رميت بعضها بالبحر ودفنت بعضها بالقبور.. وهاهم يلاحقونني للإنتقام مني ، بعد تقيدي حرّيتهم لسنواتٍ طويلة.. وكل ما احتاجه منك ، ان تقولي بصوتٍ عالي : انك سامحتني دنيا وآخرة ..كيّ يتركوني وشأني ، ويعودون للعالم اللعين الذي ينتمون اليه


فسكتت العروس قليلاً وهي تستذكر طفولتها الصعبة مع متنمّري المدارس ، وقسوة المعلمات وتجاهلهن لها .. وكسرة قلبها التي تكرّرت من خطوباتها ١٣ التي لم تتم لسببٍ مجهول.. وعدم تمكّنها من إيجاد وظيفة بشهادتها الجامعية ، او نجاحها بموهبتها الفنية.. وأحلامها وآمالها التي ماتت الواحدة بعد الأخرى طوال اربعين سنة ، بعد عيشها خيبات املٍ متتالية .. صنعتها في الخفاء ، خالتها الحاقدة..


فإذّ بالعروس ترفع صوتها ، بقهر : 

- بحياتي كلها لم أكن امرأةً حقودة ، وسامحت جميع من آذاني .. لكن انت يا خالتي .. لا سامحك الله ، لا دنيا ولا آخرة !!!


وما ان قالت العروس ذلك.. حتى فُتح باب الصالة على مصراعيه ! وتلاعبت الأضواء وحدها مع هبوب رياحٍ باردة .. سرعان ما تحوّلت لزوبعةٍ رمادية ، رفعت الخالة عالياً.. مما ارعب الحضور الذين تراجعوا للخلف وهم يستمعون لصراخ العجوز التي تحوّل وجهها لسوادٍ مُتفحّم ، كأنها تحترق من الداخل ! قبل ان تُقلع عيناها وينقطع لسانها ..ويتطاير اطرافها مع انفجار جسمها لأشلاءٍ صغيرة تناثرت في المكان ، مُلطّخةً المعازيم بدمائها ! 


وبعدها انسحبت الزوبعة عبر باب الصالة ، ليعمّ الهدوء من جديد ! بينما وقف الجميع بذهول وهم ينظرون إلى بقعة الدم الضخمة بجانب الكوشة ، وإلى فستان العروس الذي صُبغ باللون الأحمر القاني ! 


وهنا شعرت العروس باسترداد انفاسها ، بعد سنواتٍ طويلة من إحساسها بوجود بلاطة ثقيلة على صدرها !

وكذلك شعر بعض اقاربها المتواجدين بالحفل ، بعد ان فُكّت اسحارهم بموت الخالة الساحرة.. 


فنظرت العروس لعريسها :

- لوّ لم تمت خالتي اليوم ، لما توّفقت بالحياة معك.. الآن فقط ، بدأت حياتي بعد اربعين سنة من الجفاء والقهر.. فهل انت موافق على اتمام العرس بعد الذي حصل امامك ؟

العريس : كما قلتي ، الآن بدأتي صفحة جديدة من حياتك.. وانا من سيتكفّل بتعويضك عن مآسيك السابقة .. وبذلك تتحقّق نبوءة المشعوذة التي اخرجت كل ذلك الغلّ والحقد من قلب خالتك التي سيُتابع تعذيبها في قبرها ، وهي تشاهدنا نحيا حياةً سعيدة ، حُرمت منها للأبد


وبعدها ودّعت العروس المعازيم بعد قرارها بإنهاء العرس باكراً ، وصعودها مع زوجها الى غرفة الفندق.. بينما راجعت الشرطة بذهول شريط الفيديو الذي وثّق الحادثة المرعبة ، وهم يرفعون بقايا الساحرة الحقودة من الصالة .. لتكون قصتها عبرة لكل من تسوّل له نفسه ، لتدمير الآخرين بغلّه وحقده !


السبت، 4 يوليو 2026

الروتين المريب

تأليف : امل شانوحة 

السكّان المنسيّون


في المساء .. راقب ولد (بعمر التاسعة) من شرفة عمارته الجديدة (في مجمّعٍ سكني قيّد الإنشاء) جيرانه في المنزل الأرضي القديم المجاور 


وبعد قليل .. خرجت امه إلى الشرفة ، وهي تسأله : 

- أمازلت تراقبهم؟

ابنها : نحن وأياهم الوحيدون الذين نسكن هذه المنطقة الرملية غير المأهولة ! ولهذا أشعر بالملل الشديد.

- هذا ذنب والدك ، استعجل انتقالنا قبل اكتمال المشروع.. وعندما يعود من سفره ، سأطلب منه إعادتنا الى المدينة 


فأشار ابنها للعائلة المجتمعة في حوش منزلهم الأرضي : 

- المشكلة يا أمي أنهم اشخاصٌ مريبون.

- وكيف ذلك؟

- يفعلون الأشياء ذاتها كل ليلة ، وبنفس التوقيت!

الأم : ربما هو روتينهم اليومي، يحبون شرب الشاي في الحوش كل مساء.

ابنها : لا امي ، الأمر ارعب من هذا .. انظري الآن .. الجد سيدخل المنزل ، ويخرج بعد دقائق 

- ربما يريد دخول الحمام 

- إذاً انظري للولديّن الصغيرين.. الكبير سيعرقل أخاه ، لأخذ الكرة منه .. فتعاتبه أمه.. بنفس الوقت الذي سيوقع فيه الأب الشاي على الحصيرة .. فتمسح زوجته البقعة بعصبية .. ثم يخرج الجد وهو يعاتب كنّته على رفع صوتها على زوجها 


وبخوف راقبت الأم تصرّفات العائلة التي تحرّكت بدقةٍ متناهية ، وفقاً للتتابع الذي تنبّأ به ابنها الذي التفت اليها وهو يقول : 

- كل ليلة يفعلون الشيء ذاته ! حتى عندما أنادي الصغيريّن للعب معهما ، يتجاهلانني تماماً .. انظري بنفسك.

وصرخ بعلوّ صوته ، لكن لا احد من تلك العائلة التفت لشرفة العمارة !


فشعرت الأم بالقشعريرة الباردة تسري في جسدها ! وسحبته من يده ، قائلةً: 

- ادخل فوراً إلى الشقة.. الجوّ أصبح بارداً.

الابن: حتى أنتِ ارتعبتِ منهم ، أليس كذلك؟

فحاولت الأم تغيير الموضوع ، لتهدئة روعه:

- ما رأيك لو نتعشّى ، قبل ذهابنا للنوم ؟

- وماذا سنأكل يا امي ؟

- بيض ولبن

الأبن متأففاً : أكل ليلة نأكل العشاء ذاته ؟!

الأم : قريباً تصلني حوالة والدك المالية ، ونذهب معاً لتسّوق من المول.. والآن ساعدني بتحضير العشاء

^^^


بهذه الأثناء ، في حوش المنزل الأرضي .. نظر الحفيد الأكبر نحو العمارة (حديثة البناء) وهو يقول لعائلته باستغراب : 

- ذلك الولد المريب يراقبنا كل ليلة !

الجد : الأولاد فضوليون في هذا السن 

الحفيد : لا جدي ، هو ليس طبيعياً .. فقد ناديته مراراً للعب معي ومع اخي ، لكنه لم يسمعنا !

وأضافت امه :

- صحيح عمي .. الأمر مُقلق ، فوالدته تظهر كل ليلة بالتوقيت نفسه لإدخاله للشقة ..

فقال زوجها : 

- ربما موعد نومه.

هزّت زوجته رأسها بالنفي : 

- ليس ذلك فحسب.. بل ترتدي الفستان ذاته منذ شهور ، مع ان السكن بالمجمّع ليس رخيصاً ! يعني ليسوا فقراء مثلنا 

وهنا قال ابنها الصغير :

- وابنها ايضاً لم يُغيّر بيجامته المرسوم عليها سوبرمان  

فقال الجد لكنّته :

- حتماً هي وابنها يشعران بالوحدة والمللّ في تلك العمارة غير المأهولة.. إذهبي غداً ، لتعرّف عليها .. فربما يُصاحب ولداكِ ابنها.

الأب وهو ينظر لساعته :

- تأخر الوقت ، دعونا ندخل المنزل استعداداً للنوم 

^^^


وبعد دخول كلا العائلتيّن منازلهما .. ظهر ككل ليلة ، حارس المجمّع وهو يحاول إشعال سيجارته ، قبل بدء جولته المعتادة حول مواد بناء المشروع قيد الإنشاء

***


في صباح اليوم التالي.. وصل صحفي إلى المنطقة الرملية ، لعمل تقرير على المكان المهجور

قائلاً امام كاميرا جواله :

- كان من المفترض أن يصبح هذا المكان مُجمّعاً سكنياً ضخماً.. لكن المشروع توقف بعد حادثةٍ غامضة وقعت قبل ثلاث سنوات


ثم وقف الصحفي بالزقاق الضيّق الفاصل بين العمارة الجديدة والمنزل الأرضي.. وهو يقول :

- في نهار ذلك اليوم المشؤوم ، إخترقت إحدى الجرّافات بالخطأ أنبوب غازٍ رئيسيّ تحت الأرض.. وبحلول المساء ، امتلأت المنطقة بالغاز المُتسرّب دون شعور العائلتيّن بذلك ، فماتا اختناقاً اثناء نومهما.. أما حارس المجمع : وفور إشعال سيجارته الليلية المُعتادة ، حتى انفجر المكان بالكامل ! وبعد دفن الضحايا .. رفض العمّال العودة للعمل ، مؤكّدين رؤيتهم لظلالٍ وحركة في كلا المبنيين المُدمّرين.. ويُرجّح الكثيرون : أن الموتى الذين قضوا في نومهم لم يدركوا حقيقة موتهم ، فتحوّلوا إلى أشباح تُعيد روتينها الأبدي.. حتى صوت قدّاحة الحارس ، مازالت تُسمع بوضوح بمحيط المبنيين كل مساء! 


بهذه اللحظة .. تدحرجت كرة خارج الحوش المهجور ، لتقف بجانب قدم الصحفي .. الذي ما أن رآها ، حتى فرّ راكضاً باتجاه سيارته .. هارباً من المكان المسكون بالأشباح المنسيّة ، بروتينها المُملّ الأبدي! 


الأحد، 24 مايو 2026

العملة الملعونة

تأليف : امل شانوحة 

ذهب الجن


في سوق الذهب .. راقب الصائغ عامله وهو يرمي مجموعة من الحليّ المُباعة داخل وعاء الصهر.. ومن بينها عملةً ذهبية بنقوشٍ غريبة ، لفتتّ انتباهه ! 


فاندفع الصائغ لسحبها بملقطه ، قبل أن تذيبها النيران.. ثم سأل عامله:

- من اين حصلت عليها ؟!

العامل : عجوزٌ باعتها صباحاً.. فحصتها جيداً .. هي من الذهب الخالص.

تمعّن الصائغ بنقوش العملة الغريبة وهو يحاول التذكّر ، ان كان رآها من قبل !


ثم صعد الى مكتبه العلويّ ، باحثاً عن مذكّرات والده الراحل .. ليجد عملةً شبيهة ، مُلصقة بإحدى صفحات دفتره .. وتحتها الملاحظة التالية :

((يُمنع بيع أو إذابة هذه العملة ، فهي من ذهب الجن ! ..علمت متأخراً ان المرأة التي احضرتها ، تتعلّم الشعوذة .. وحين رفضتُ التعامل معها مجدداً ، ذهبت إلى جاري في المحل المجاور .. الذي ما ان استفاد منها ، حتى اصابته اللعنة .. ومات بعدها قهراً ، عقب افلاسه بذات الشهر ! فأقسمت بعدم لمس العملة الملعونة مطلقا))

فأغلق الصائغ الدفتر ، وهو يحمد ربه على عدم إذابتها !


ثم عاد لعامله ، ليسأله عن مواصفات العجوز (التي يشكّ انها المرأة ذاتها التي تعامل والده معها في صباها) 

فأخبره العامل انه سيدلّه عليها ، بعد مراجعة كاميرا المحل  


وبعد احتفاظ الصائغ بصورتها بجواله ، طلب من عامله عدم استقبالها ثانيةً في متجره

***


بعد شهر ، وأثناء تدخين الصائغ سيجارته خارج متجره .. لمح رجلاً (يعرفه من المسجد) يُصافح العجوز المشبوهة ! 

فانتظر رحيلها ، ليناديه .. وبعد السلام عليه ، سأله عنها .. فأجابه الرجل :

- هي عمتي..

فسأله الصائغ : 

- هل سبق أن تناولت الطعام في بيتها؟

ورغم غرابة السؤال ! الا ان الرجل اجابه :

- قبل عام ، دعتني أنا وزوجتي للعشاء.. استغربت وقتها ، لأنها لطالما عارضت زواجي ! رغم أن زوجتي فتاةٌ محترمة ، تحفظ القرآن.

الصائغ : وهل تعسّرت امورك بعد تلك العزيمة ؟

سكت الرجل بدهشة ، بعد تذكّره ما حصل : 

- نعم ! خسرت عملي باليوم التالي .. فعُدتّ غاضباً الى منزلي ، وتشاجرت مع زوجتي التي تركت المنزل.. ولليوم ترفض الصلح بيننا ! .. لكن كيف عرفت ان اموري تعسّرت بعد تلك العزيمة ؟!


فأخبره الصائغ عن العملة المذكورة في مذكّرات والده ، وعن تحذيره من المرأة المشعوذة !


شيئاً فشيئاً ، بدأ الرجل يتذكّر خلافات الأقارب وامراض كل من زار بيتها! 

فقال بعصبية:

- إن كانت فعلاً وراء مصائب العائلة ، فلن تنجو بفعلتها !!


فحاول الصائغ تحذيره من مواجهتها .. لكن الرجل تركه ، متوجهاً الى منزل عمته 

***


وهناك ، سألها دون مقدّمات :

- هل النحس الذي غرقت فيه ، هو بسبب سحرك ؟!

ليتفاجأ بضحكتها الساخرة :

- ليس ذنبي ، انك ضعيف وسهل الكسر..

فهدّدها بالسجن .. لتردّ بلا مبالاة :

- القانون لا يحمي المُغفلين 

^^^


فخرج من بيتها غاضباً ، متوجهاً لمخفر الشرطة الذين لم يفعلوا شيئاً ، لغياب الأدلّة المادية.. 

فلم يكن امامه سوى تحذير اقاربه الذين اتهموه بالعقوق وسوء الخلق ، لاتهام عمته العجوز بالسحر والشعوذة .. بل بعضهم قطع التواصل معه !

***


ومرّت الشهور ثقيلة على الرجل الذي لم يستطع إيجاد عملٍ جديد ، يُراضي به زوجته !

الى ان وجد إعلاناً على الإنترنت : لرجلٍ ثريّ يبحث عن معلومات ، تخصّ مجموعة تمارس الشعوذة سرّاً في المدينة.. والتي تسبّبت بوفاة زوجته بالسرطان .. وانه مستعد لدفع جائزةً مالية ، للقضاء عليهن ! 


فتواصل الرجل معه ، وأخبره بشكوكه عن عمته 

فطلب منه الثريّ مراقبتها ، وإعطائه دليلاً قوياً ضدها

***


وبعد أسابيع من ملاحقة عمته ، شاهدها تغادر بيتها في منتصف الليل ! 

فتبعها بسيارته ، الى ان وصلت إلى حيٍّ مهجور على أطراف المدينة..


فلحقها لمنزلٍ متهالك ، رأى من بين شقوقه : مجموعة من النساء ينحنين لها ، كأنها رئيستهن ! قبل جلوسهن على الأرض في دائرةٍ واسعة ، حولها الشموع والرموز الشيطانية المرسومة بالدم..

فصوّر الطقوس في مقطع فيديو ، أرسله للثريّ

^^^


بغضون نصف ساعة ، وصلت سيارات الحرس (التابعين للثريّ) الذين اقتحموا المنزل بعنف .. 

لتتعالى من الداخل صرخات النساء المرتعبة ، قبل خروج الرجال وهم يسكبون البنزين حول المنزل الذي اقفلوا بابه بالسلاسل !


بينما وقف الرجل منذهلاً وهو يشاهد اللهب تلتهم المنزل القديم ، مع صرخات عمته وهي تستنجد بإلاهها إبليس ! قبل اختفاء عويلهنّ نهائياً 

***


في الأيام التالية .. كتبت الشرطة بتقريرها : ان سبب الحريق هو ماسٌ كهربائيّ.


لكن الغريب ، أن حياة الرجل عادت تدريجياً كما كانت ! فصاحب عمله القديم عرض عليه العودة بضعف الراتب ! 

كما رجعت زوجته وحدها الى منزله ، وهي تعتذر عن نفورها منه الفترة الماضية

عدا عن الجائزة المالية الضخمة التي حصل عليها من الثريّ ، والتي نقلت حياته لمستوى افضل 

***


أما الصائغ ، فصعد الى مكتبه .. لإلصاق العملة الملعونة بجانب الأخرى (الموجودة في دفتر مذكّرات والده) 

ليتفاجأ بالرموز الغريبة المنقوشة على العملتيّن تتحرّك كالحشرات ، قبل تحوّلها الى كلمتيّن عربيتيّن ! 

ففي العملة الأولى ظهرت كلمة : إنتظر

أما الثانية ، فظهرت كلمة : إنتقامي 


وهنا شعر الصائغ بأنفاسٍ باردة ، جعلته يلتفت .. ناظراً من زاوية الدرج نحو الأسفل : ليرى نيران فرن صهر الذهب ، تشتعل وحدها.. وسرعان ما امتدّت نحو السلالم المؤدية إليه !


الثلاثاء، 31 مارس 2026

الروح البديلة

تأليف : امل شانوحة 

صفقة اللاعودة


في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ متهالك على أطراف المدينة.. 

وقبل طرقها الباب ، سألتها بنبرةٍ حاسمة : 

- هل انت مستعدة ؟ فهو قرارٌ لا رجعة فيه 

شيماء بحماس : انا مستعدة !! اريد الحفاظ على شبابي اطول مدةٍ ممكنة

صديقتها بامتعاض :

- لم يكن هذا هو الهدف الذي أخبرتني به سابقاً !

شيماء بحنق : آه صحيح .. فأنا قدمتُ معك ، بنيّة تدمير كل من اذاني من الأقارب والأصحاب

- احسنت !! لا تنسي فكرة الإنتقام ابداً

^^^


ثم دخلتا الصالة المتهالكة.. حيث جلست النساء ينتظرن دورهن للدخول الى المشعوذ الجديد الذي ذاع صيته بين سكّان المنطقة .. 


وحين جاء دورهما قبيل الفجر ، تقدّمت شيماء بخجل:  

- مرحباً يا شيخنا .. 

فرد غاضباً :

- هل ترينني شيخاً ، ايتها الجاهلة ؟!!

فسارعت صديقتها بالقول :

- اعتذر عنها ، سيدي المشعوذ .. فهي المرة الأولى التي تُقدم بها على هذا العمل

فسأل الساحر شيماء :

- ومن تريدين سحره ؟ زوجك وحماتك ، ام حبيبك ؟

وكادت تجيبه ، لولا ان سبقتها صديقتها بحماس : 

- بل تريد شيئاً اعظم !!

المشعوذ بعصبية :

- أصمتي انت !! ودعيها تخبرني بما تريد

شيماء بارتباك :

- اريد بيع روحي للشيطان

فإذّ بالنار امامه تشتعل فجأة ! مما ارعبها..

ليردّ الساحر بسعادة :

- ممتاز !! هذا يعني ان العالم السفلي رحّب بقرارك الجريء

شيماء مُبرّرة طلبها :

- ارغب في ذلك .. لأني سمعت ان من تبيع روحها ، تُحافظ على شبابها الدائم دون امراض او مصائب تحلّ بها

الساحر وهو مُنشغل برميّ اعشابٍ معينة بالنار :

- لا يوجد شيء دون ثمن .. والآن أصمتي ، لحين تحضيري الكيان لأخذ روحك

شيماء برعب :

- ماذا ! انا لا اريد الموت

فهمست لها صديقتها :

- لن تموتي ، هو فقط يساوم الشياطين على روحك.. ستفهمين ما اقصده لاحقاً


ثم بدأ الساحر يتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة ، مع ارتفاع أصواتٍ تبدو كأنها خرجت من تحت الأرض ! 

وفور انهاء تعويذته التي نفخها على وجه شيماء ، حتى شعرت بدوارٍ مفاجئ.. 

^^^


وحين فتحت عينيها.. وجدت نفسها داخل مصعدٍ زجاجيّ ينزل ببطء نحو أرضٍ ملتهبة بالنيران.. وفي المصعد المقابل : رأت شبيهتها تصعد مبتسمة ، كأنها تشكرها على تحريرها ! 


وظلّت شيماء ترتجف من هول ما يحدث ، الى ان فتحت صديقتها باب المصعد .. فاحتضنتها بقوة ، خوفاً من أشكال الجن والشياطين المنتشرين بين ممرّات باطن الأرض الممتلئ بشعلات النار !

شيماء بخوف : اين انا ؟!

صديقتها : انت في العالم السفلي

- ولما أنزلنا الساحر معاً الى هنا ؟!

صديقتها :

- نزلتي لوحدك .. فأنا هنا منذ خمس سنوات

شيماء : لا ، غير صحيح ! كنا معاً في منزل الساحر ..هل نسيتي ؟!

- تلك قرينتي التي استبدلتُ روحي معها قبل اعوام ، بعد بيع نفسي للشيطان ..وأكيد هي من أقنعتك بفعل الخطأ ذاته

شيماء بقلق : خطأ !

- تعالي نتكلّم بعيداً عن هؤلاء الملاعين

^^^


وأخذتها الى كهفٍ صغير ، قائلةً بصوتٍ منخفض :

- بيع الروح يعني : أن تحلّ قرينتك مكانك في الدنيا ، بينما تُسجنين أنتِ هنا.. هي ستعيش حياتك ، وتنتقم من جميع اعدائك 

شيماء بخوف : وهل ستؤذي زوجي وأولادي ؟! 

- الجن لا تعرف الرحمة ، وليس لديهم ذرّة ضمير … لذا ستحرص على تدمير المحيطين بكِ بلا استثناء ، كما حصل مع معارفي

شيماء : آه صحيح ! كيف لم انتبه لذلك.. فأنت طلقتِ زوجك ، وتخلّيتي عن اولادك الثلاثة بعد معاداتك جميع اقاربك.. مما أجبرك بالنهاية على العمل كخادمة في مدرسة اطفال

- لا طبعاً !! الملعونة قرّرت ذلك ، لخطف الصغار كقرابين لإبليس من وقتٍ لآخر

شيماء : وبالفعل اختفى خمسة طلّاب من تلك المدرسة قبل اعوام .. وينوي الأهل اغلاقها للأبد ، بعد فشل الشرطة باكتشاف الفاعل .. أأنت من فعلتِ ذلك ؟! 

فردّت صديقتها بعصبية :

- بل قرينتي يا امرأة ! الا تفهمين ؟!!

شيماء بقلق : يعني من احتلّت جسدي ، ستشوّه سمعتي في الدنيا ؟!

- طبعاً !! وتصبحين منبوذة ، كما حصل معي

شيماء : وكيف عرفتي بمصيرك ، وانت عالقة هنا ؟


فأخرجت من جيبها ، بلّورة صغيرة :

- هذه ستريك كل ما تفعله شبيهتك في غيابك.. لكن نصيحتي ألا تراقبي ، لأنك ستندمين على كل لحظة بعتي فيها روحك. .. خاصة بعد رؤية دموع اولادك المقهورين ، وصدمة اهلك بأخلاقك التي ستسوء حتماً بعد هذه الليلة.. كما ستسحر الملعونة كل معارفك ، لوقف رزقهم ونصيبهم.. وهو أمرٌ محبطٌ للغاية

شيماء بندم : لم اكن انوي فعل هذا ! كنت فقط غاضبة من شقاوة اولادي ، وتهديد زوجي بالزواج بأخرى ، وتفضيل اهلي لإخوتي عليّ ..لكني لم اردّ إيذائهم لهذه الدرجة !

- الغضب والحقد والحسد هو المنحدر التي انزلقنا به جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق) .. لكن الندم لم يعد ينفعنا الآن ، فقد خسرنا الدنيا والآخرة 

ثم وضعت يدها على كتفها : 

- والآن إخبريني.. هل كان الأمر يستحق التخلّي عن روحك الطاهرة ؟

فسكتت شيماء والدموع في عينيها..

فأكملت صديقتها الكلام :

- إمسحي دموعك ، فهي لن تُكفّر ذنبك وعارك.. ولوّ كانت تفعل ، لأغرفت نفسي بالدموع.. ليس امامنا سوى ترك قرائنا تُفسدان كل الروابط التي بنيناها طوال حياتنا ، ونحن نراقبهما بيأسٍ شديد .. (ثم شدّت ذراعها) .. والآن دعيني أُعرّفك على عالم الملاعين الذي ستبقين فيه لفترةٍ طويلة .. فحياتك الآن كجنية ، قد يمتدّ لقرون

شيماء بصدمة : قرون !

- نعم.. الم ترغبين بطول العمر دون مرضٍ او مصائب ؟ وهآ انت حصلتي على مرادك


وهنا صرخت عليهما رئيسة الجن من خارج الكهف :

- هاي انتما !! كفاكما ثرّثرة ، وعودا فوراً الى عملكما

الصديقة بارتباك : حاضر سيدتي !!


وبعد ذهاب الجنية ، سألتها شيماء بقلق :

- ايّ عملٍ تقصد ؟!

الصديقة بقهر : البشر مهانون هنا ، يعني نحن بمقام عبيدهم.. وهذا يعني بأن كل الأعمال المرهقة ستكون من نصيبنا ، حتى آخر يومٍ من عمرنا

^^^


ثم أخذتها لمطبخٍ ضخم ، حيث يُشوى الأطفال كقرابين لإبليس ! 

وهناك أدركت شيماء أن خلودها المزيّف لن يكون سوى عذابٍ أبدي ، وأن صفقتها لم تكن سوى ((صفقة اللاّعودة)) 


الثلاثاء، 3 فبراير 2026

قربان البحر

تأليف : امل شانوحة

جزيرة المنفيّون


كان الصيّادُ شاباً خبيراً بالبحر .. لكن في هذا النهار .. هبّت عاصفةٌ مفاجئة ، مزّقت شراعه وضيّعت بوصلته ! 

وقبيل غروب الشمس .. لمح جزيرةً صغيرة ، لم يرها من قبل ! 
فجذّف بحذر ، الى ان وصل اليها 

بعد رسّوه على الشاطئ بسفينته الشبه مُحطّمة .. لمح أكواخاً خشبية متفرّقة ، لا تتجاوز العشرين بيتاً.. بدا المكان مأهولاً ، لكن صامتاً ، كأن الزمن توقف فيه ! 
^^^

وبحلول المساء .. شاهد سكّان الجزيرة ، غريباً يشوي سمكةً على الشاطئ ! فتجمّعوا حوله .. كانوا رجالاً ونساءً ، بلا أطفال او شباب بينهم ! وجوههم كئيبة وغير مريحة .. وأعينهم حادّة كالسيف ، دون ان ترمش ! 
نظروا للصيّاد ، كأنه معجزة ! فجزيرتهم بعمق البحر ، ونادراً ما تمرّ السفن بجانبهم 
***

ثم مكث أياماً بينهم ، محاولاً إصلاح سفينته مع خياطة شراعه المُمزّق.. 
لكن بتلك الأيام .. بدأ جسده ينهار تعباً ، دون سببٍ واضح !
صداعٌ متكرّر ، جروحٌ لا تلتئم بسهولة ، كوابيس مزعجة لكائناتٍ مرعبة تلاحقه لتفتك به !
أما سفينته : فكلما أصلح جزءاً ، تلف الآخر .. كأن الجزيرة ترفض رحيله! 
^^^

شيئاً فشيئاً ، بدأت طباع السكّان الحقودة بالظهور .. بعد سماعه بالصدفة لأحاديثهم الجانبية : عن زيجاتٍ دُمّروها بخبث .. وشماتتهم بأطفالٍ أُصيبوا بإعاقاتٍ دائمة .. وتجاراتٍ سعوا في خرابها ، وإفلاس تجّارها ! 

ليكتشف الحقيقة المرعبة:
بأنهم مواطنون منفيّون من المدن المجاورة .. أُبعدوا جبراً ، بسبب سحرهم وعيونهم الحارقة التي أفسدت حياة الآخرين ! 
***

وفي ليلةٍ مظلمة.. أيقظه صوت تراتيلٍ غريبة ، من كهفٍ في أعلى الهضبة! 

فتسلّل الى هناك .. ليراهم مجتمعين حول النار ، يتضرّعون بلغةٍ تبدو غير بشريّة ! 
ارتعب هارباً باتجاه قاربه ، محاولاً الفرار.. لكن ضربةً غادرة ، أسقطته مغشياً عليه 
^^^

ليستيقظ وهو مقيدٌ بشجرة ، تحته حزمة من الحطب.. وحوله السحرة والحسودين ، بعد إطلاعه بقرارهم : بتقديمه قرباناً لإبليس !

إحترق الصيّاد وهو يصرخ بعلوّ صوته .. ليس طلباً للنجدة ، بل تنبيهاً للعالم من الخطر القادم اليهم ! 

ولأنه قربانهم الأول منذ سنوات (بعد القرار الإجماعي بنفيهم) .. كافأهم ابليس بوجوهٍ جديدةٍ مريحة ، بلا علامات تكشف حقيقتهم 

ثم حشروا انفسهم بسفينة الصيّاد ، متوجهين لأقرب شاطئ .. ومن بعدها تفرّقوا بالمدن المجاورة ، لاستعادة حياتهم السابقة 
***

ومنذ ذلك اليوم.. عاد المرض والحسد والخلافات بين الأزواج ، دون معرفة أحد : بأن أعدائهم هربوا من سجنهم المعزول ، بعد تقديمهم جسد الصيّاد ثمناً لحريّتهم ونواياهم الشريرة ! 

الخميس، 8 يناير 2026

الجريمة النابضة

تأليف : امل شانوحة 

القلب المسروق


فجأة ! شعرت الصبية بالدوار ، وحين فتحت عينيها .. وجدت نفسها جالسة على درجٍ باردٍ في مبنى مجهول ! 

- اين انا ؟!

وهنا سمعت خطوات رجلٍ ينزل بسرعة نحوها ، صارخاً بغضبٍ شديد :

- أعيدي قلبي !! 


ولم تجد نفسها الا وهي تركض بسرعة باتجاه المصعد الموجود آخر الممرّ بأنواره الخافتة التي أظهرت الرجل الخمسيني وهو يلاحقها ، حاملاً سكينته الحادة !  

فضغطت مراراً على ازرار المصعد الذي انغلق ، قبل ثواني من وصوله اليها .. 

لتنهار على ارضيّة المصعد ، وهي مازالت تسمع طرقاته العنيفة على الباب :

- قلبك ، ملكي انا !! 

^^^


لتستيقظ مُتعرّقة على صوت منبه الجامعة ! 

فأغلقت الساعة بيدٍ مرتجفة ، وهي تمسح دموعها ..مُتسائلة بحيرة :

- لما يتكرّر الكابوس ذاته في الآونة الأخيرة ؟ ومن الرجل الذي يلاحقني ، كأني سرقت روحه ؟!

^^^


على الفطور ، لاحظ والدها شحوبها .. فنصحها بالعودة للنوم ، فالحضور ليس الزامياً باختصاصها الأدبيّ..

فأخبرته بمنامها ، لتتفاجأ بسؤاله :

- صفي لي الرجل ؟

- خمسيني ، قويّ البنية… يحمل السكين بيده اليسرى ، وعلى وجهه ندبة…

فأكمل كلامها :

- اسفل عينه اليمنى

- ابي ! هل تعرف شخصاً بتلك المواصفات ؟!

- هو شخصٌ قهرته ، غصباً عني 


وأخبرها بسرّ اخفاه عنها طوال حياتها : وهو ولادتها بعيبٍ خلقيّ ، جعلها بحاجة لقلبٍ آخر لكيّ تعيش ..اما ذاك الرجل ، فإبنته العشرينية ماتت دماغياً بعد حادث سير .. لكنه رفض توسّلاته ، والمبلغ الكبير الذي قدّمه له .. فدفع رشوى للجرّاح ، جعله يخدّر الرجل .. ويزيل قلب ابنته ، ويضعه لها .. وبدوره لم يعلم بوفاتها الا عقب رؤيته جرح صدرها ، بعد بدء جسدها بالتحلّل ! 

ابنته بقلق : وماذا حصل لذلك الرجل ؟

- انتحر بعد قتله الجرّاح .. بينما نقلتك معي الى هنا ، عقب تهديداته بسرقة قلبك ودفنه مع رفات ابنته التي كان يُحضّر لعيد ميلادها العشرين 

ابنته بخوف : الهذا اشاهده هذه الفترة ، لأني سأبلغ العشرين بعد اسبوع ؟! 

الأب : لا تفكري بأمره ، فاللعين انتحر وانتهى امره .. رجاءً لا تنظري اليّ هكذا .. فإبنته كانت ميتة .. لكن بعناده رفض إزالة اجهزة الإنعاش عنها ، لإنقاذ طفلةٍ صغيرة.. لهذا كلانا مذنبيّن 

***


وبمرور الأيام ، توقفت عن رؤية الكابوس المزعج .. ومع ذلك ، بحثت بحاسوبها عن معلومات للنادي الرياضيّ الذي عمل فيه الرجل .. لتجد بأرشيفه ، صورة للمدرّب الخمسيني مع ابنته قبل الحادث.. فشعرت بثقل الذنب ، لامتلاكها قلب أُخذ عنوة ، دون إذن الأب المكلوم !

***


بعيد ميلادها العشرين ، وقبل اطفائها شموع الكيك .. شعرت بالدوار المفاجئ ، ولم تعي ما حصل .. الا بعد استيقاظها على سرير المشفى ، ووالدها بجانبها يقول :

- انخفض ضغط دمك ، وسنخرج من هنا بعد انتهاء المحلول.. لا تقلقي بشأن الحفلة ، سأعوّضها لك بيوم تخرّجك .. 

فقالت بتعب : يبدو انني توتّرت بشأن الإمتحانات النهائية 


وهنا رن جوال والدها ، فخرج من الغرفة للتحدث بشؤون العمل .. وإذّ بها تلمح ذات الرجل (الذي ظهر بكوابيسها) يراقبها من الزجاج الجانبي للغرفة ، وهو يرفع صورة ابنته ، وبيده الأخرى سكينةً حادة!


وعلى الفور !! ازالت المصل من يدها .. وسارعت الخروج من الغرفة ، لمناداة والدها .. لكنها وجدت نفسها امام درجٍ طويل !

وقبل ان تعي ما حصل ، شاهدت الرجل يلاحقها وهو يصرخ غاضباً:

- أعيدي قلب ابنتي !!


فنزلت بسرعة الأدراج ، ثم ركضت بالممرّ الشبه مظلم .. الى ان وصلت للمصعد .. لكن هذه المرة تمكّن الدخول اليه ، قبل ثواني من انغلاق بابه ..

ليسارع بغرز السكين بصدرها ، وهو يقول بحنق :

- سأستعيد قلبها الطاهر أخيراً !!

^^^


لكن بمجرّد وصول المصعد للطابق الأرضي للمشفى ، إكتشف الحارس جثة الصبية بالداخل .. وصدرها مشقوق طولياً ، وقلبها مازال ينبض خارج ضلوعها !  


وقبل اعلان الحارس عن الجريمة ! تفاجأ بجرّاحٍ خلفه ، يقطع القلب ويضعه بحاوية الثلج ، وهو يأمره بثبات :

- ضعّ الجثة بمشرحة المشفى ، واياك إخبار احد بالقلب المسروق.. فهناك ثريّ سيدفع الملايين مقابله ، لأجل طفلته المريضة 


ثم سارع الجرّاح نحو غرفة العمليات ، بعد طلبه من الممرّضة تحضير طفلة الثريّ لعمليةٍ عاجلة .. دون علمه بأن الشبح (الذي فشل باسترداد القلب) سيقتله قريباً .. فروحه لن تهدأ ، قبل دفن قلب ابنته بجوار رفاتها ..والذي يبدو سيتأجّل لعيد ميلاد الطفلة العشرين! 


الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

البستاني الصامت

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 
تنسيق : امل شانوحة 

أبناء الجذور


انتقل الروائي الشاب (سام) إلى بلدةٍ اسكتلنديةٍ غامضة ، كان اختفى بعض سكانها قبل سنوات في ظروفٍ غامضة ! 

فاستأجر كوخاً صغيراً فوق التلّ ، يواجه قصراً مهجوراً بحديقته المسوّرة بسياجٍ صدئ ، أشبه بمتاهةٍ من الأشجار الشائكة.

***


وفي يومه الأول هناك.. سار سام بجوار سياج القصر ، وهو يُحدِّث نفسه :

- كم أحب الأجواء الكئيبة للمناظر الطبيعية المهملة ، التي تُلهم مخيّلتي الكتابية!


وشرد بأفكاره ، حتى أوشك الاصطدام بعجوزٍ يمرّ من هناك..

سام: عفواً سيدي ! لم أنتبه لوجودك.

العجوز: أأنت الغريب الذي قدم إلى بلدتنا ؟

سام : نعم ، البارحة استأجرت ذلك الكوخ.. (وأشار إلى بيته المواجه للقصر).. فأنا كروائيّ ، تُلهمني الأجواء الغامضة للقصر المهجور على كتابة قصتي الجديدة.

العجوز: أرجو لك التوفيق.. لكن بما أنك أتيتَ على موضوع القصر ، فاسمعني جيداً !! إيّاك أن يدفعك الفضول لدخول حديقة القصر أو عبور سياجه.. وإذا رأيتَ بستانيَّ القصر ، اهرب فوراً دون التحدّث معه.

سام باهتمام : لماذا ؟ ما السر وراء ذلك ؟!


العجوز بتردّد : حسناً ، سأخبرك القصة.. عائلة "ويليوود" سكنت القصر قبل عقود.. فسيدُ القصر هو الدوق "آرثر" وزوجته الدوقة "جوديث" وابنهما اللورد "جون"... وذات يوم.. اكتشف آرثر خيانة زوجته مع عشيقها ، صديق العائلة : الإيرل "سميث".. فجنَّ جنونُه.. وقام بتسميم زوجته وعشيقها الذي دعاه على العشاء.. حتى إنه لم يتردّد بوضع السمّ في صحن ابنه الوحيد ، ظناً بأنه ابنُ عشيق زوجته.. وبعدها انتحر.. وانتشرت الأقوال بأن روحه عادت ككائنٍ أثيريٍّ يجول في حديقة القصر.. فالمرحوم عُرف بعشقه للبستنة.

سام بابتسامةٍ ساخرة : أهذه أسطورة منطقتكم ؟ 

العجوز بجديّة : فعلت واجبي بنصحك ، والقرار يعود لك.


وولّى العجوز ظهره ، مختفياً في الظلام بعد غروب الشمس.. 

فتمّتم سام بامتعاض : ((العجائز يعشقون روايةَ الأساطير والخرافات.. لا يهم ، لن أدع ذلك الخَرِف يُفسِد إلهامي وأفكاري)) 

وعاد إلى كوخه.

***


في تلك الليلة.. فشلت محاولات سام المتكرّرة ، لكتابة مقدمة روايته الجديدة ! وهي المرة الأولى التي يشعر فيها بخمول أفكاره الإبداعية.. فقرّر التنزّه حول القصر المهجور ، طالما الساعة لم تتجاوز العاشرة مساءً..


وما إن اقترب من سور القصر ، حتى ازدحم عقله بالأفكار الاستثنائية.. وكأنه التقط حديث اشخاصٍ يتحاورون فيما بينهم ، عن تجاربهم المرعبة التي عاشوها منذ وقتٍ قصير!

وكان أمام قراريّن : إما العودة لكوخه ، لتدوين تلك الأفكار الغريبة.. أو استكشاف القصر المهجور الذي زاد رعباً مع عتمة المساء !


فأضاء جواله ، وقفز من فوق سوره الصدئ.. ثم مشى بين أشجار حديقته حتى وصل إلى بوّابة القصر الرئيسية التي وجدها مقفلة. 

فالتفّ حول القصر، لعلّه يجد مدخلاً آخر !


وفعلاً بعد وقتٍ قصير.. وجد في أحد جوانب القصر ، باباً خشبياً مهترئاً لمطبخ الخدم.. فدفعه ببطءٍ ، سائراً باتجاه صالة القصر. 

وهناك ، التفت يمنةً ويسرةً.. فلم يجد غير أثاثٍ فخمٍ قديمٍ ، مليءٍ بالأتربة والغبار.. 

بينما وجد في ردهة القصر الرئيسية ، لوحةً جداريةً كبيرة مرسوماً فيها : رجلٌ أربعينيٌّ وسيدةٌ ثلاثينيةٌ ومراهقٌ بعمر الخامسة عشرة.


فتمّتم سام في نفسه :((يبدو أنها عائلة ويليوود المالكة لهذا القصر، السيد آرثر وزوجته جوديث وابنهما جون)).


ووقف أمام اللوحة متأملاً فيها ، وهو شاردُ الذهن لبضع دقائق.. حتى عاد انتباهه بعد سماعه خشخشةَ الفئران في إحدى نواحي القصر.. فخرج إلى حديقة القصر.. 

ليلاحظ عدة أشياءٍ مريبة : خاصة بعد تعثّره فوق نبتةٍ عريضة ! ليشعر بحرارة أوراقها توشك على حرق قميصه ، وكأنها اسيد  

وعندما دنا منها.. سمع أنفاس ورودها المتسارعة ، كأنها غاضبة من تناثر بعضها على الأرض ، بعد سقوطه عليها.. 

وعندما قرّب نور جواله من ساق النبتة المكسور ، رأى شيئاً لزجاً أحمر اللون ينزف منها كالدماء!  


فسارع بقفزه من السور الى خارج القصر.. ليلاحظ شيئاً أشدّ رعباً : بعد بزوغ الفجر ، رغم أنه لم يمضِ بالقصر سوى بضع دقائق.. حتى ساعته توقفت طوال وجوده بالداخل !  

ورغم غرابة ما حصل ! إلا أنه قرّر كتابة تجربته المريبة ، كجزء من روايته الجديدة دون الإستغراق بالتفكير 

***


بعد أيام ، وفي إحدى الليالي المُقمرة.. بينما كان سام يُحدّق من نافذة غرفته المُطلة على حديقة القصر ، لاستلهام بقيّة أحداث روايته.. رأى شخصاً مُنهمكاً بالعمل هناك 

- أوه ! ذاك هو البستاني الذي أخبرني عنه العجوز.. أخيراً وجدتُ من يُلهِب أفكاري ، ويخبرني بحقيقة القصر وما حصل لمالكيه.


ومع ذلك فضّل مراقبة البستاني أولاً ، قبل التجرّؤ على التحدّث معه.. والذي رآه يعمل بجهد دون إنارة جواله أو حتى قنديل قديم ، مكتفياً بضوء القمر الذي يسطع فوق حديقته!


حيث لم يبدُ كرجلٍ عادي ، بل كان طويلاً ونحيلاً بشكلٍ غير طبيعي ! يرتدي بذلةَ عملٍ عتيقةً ، وقبعةَ قشٍّ مهترئةً تُخفي ملامح وجهه.. 

وكان يتحرّك ببطءٍ شديد ، حاملاً مقصّاتِ تقليمٍ ضخمةً وصدئة.. دون إصداره أيَّ صوت ! حتى حفيفَ أوراق الشجر الجافة تحت قدميه ، كان معدوماً.. 

ورغم ذلك ، كانت أغصان الشجر تلاحقه.. فتدنو منه ، كلما انحنى لزراعة شيءٍ أسفل منها.. ثم تلتفت للقمر ، كأنها تناجي ربها بخوف!


عدا عن تصرّفات البستاني التي لا تفسير لها : 

فأحياناً يقف مطوّلاً أمام الشجرة دون فعل شيء ، كأنه يتحدّث معها أو يلومها.. بينما الأشجار ترتعش أمامه ، كضحايا مذعورة! 

وحين يرمش سام عينه.. يجد البستاني انتقل لطرفٍ بعيد من الحديقة ، دون علمه كيف وصل إلى هناك بهذه السرعة!


كل هذا جعله يتردّد بمقابلة البستاني المريب.. لكن فضوله وافتتانه بالأجواء المحيطة ، جعلاه يراقب البستاني كلَّ ليلة وهو يُقلم الأغصان الميتة ويعيد ترتيبها ويجدّلها في أشكالٍ مشوهةٍ تُشبه الأطراف البشرية ! فكل زاويةٍ في الحديقة عبارة عن تمثالٍ حيٍّ من اليأس النباتيّ.


فتساءل سام في نفسه :((ترى هل ما قاله العجوز عن ذلك البستاني صحيحٌ ؟ وما سببُ جعله النباتاتِ والأشجارَ ملتوية بهذا الشكل المرعب ؟ وهل له علاقة باختفاء السكان المفقودين ؟!))

***


وفي إحدى الليالي.. استيقظ سام من نومه بعد سماعه أصواتاً قادمة من حديقة القصر.. وعندما تنصّت جيداً للريح ، سمع أسماءً تُتلى مع نسمات المساء الباردة.. فانتبه على اسمٍ منها ، قرأه سابقاً بإعلانٍ مُعلّق على إحدى دكاكين البلدة ، لشخصٍ مفقود منذ شهور! وقبل استيعابه ما حصل ، سمع اسمه بشكلٍ واضح: 

- تعال يا سام !! نحن بحاجتك يا سام !! أنقذنا يا سام !!

كل هذا جعله يخرج من كوخه باتجاه القصر ، كأنه منومٌ مغناطيسياً!


وعندما استيقظ من غفلته ، وجد نفسه واقفاً أمام لوحة العائلة المُغبرّة.. ورغم عدم حمله الجوال ، إلا أن نور القمر الذي تسلّل من النافذة المفتوحة أضاء اللوحة.. 

لكن هذه المرة تغيّرت ملامح العائلة ! فالزوجة وابنها ينظران برعب لسيد القصر الذي بدا على وشك الانفجار غضباً (كأن اللوحة رُسمت بعد معرفته بخيانة زوجته).


وعندما سمع سام خطوات أقدامٍ تتعثّر فوق الدرج ، سارع الهرب باتجاه الحديقة.. وهناك اشتمّ رائحة التربة (المُسقاة حديثاً) ثقيلة ومعدنيةً ، كرائحة الدم القديم المخلوط بالصدأ.


وعندما وصل للنافورة الرخامية الجافة وسط الحديقة.. تفاجأ بما رآه! 

وكاد قلبه يقف رعباً بعد إدراكه بأن البستاني لا يعتني بالنباتات فحسب ، بل يزرع شيئاً مقزّزاً ، أشبه ببقايا بشرية مُختلطة بالبذور والأعشاب!


وهنا تأكّد بأن البستاني المشبوه هو سبب اختفاء بعض سكان البلدة ، بعد قتلهم وزراعتهم بشكلٍ يُجبر رفاتهم على النمو بطريقةٍ مشوّهة ومرعبة! 

فقال سام بخوف : عليّ الهرب سريعاً ، قبل شعوره بوجودي.. وإلا سيصبح مصيري مثل هؤلاء المساكين 


وحينما استدار للهرب ، وقبل أن يُسلِم ساقيه للريح ، شعر بلمسةٍ باردةٍ على كتفه! فتوقف سام متجمداً ، ملتفتاً للخلف ببطءٍ.. ليرى وجه البستاني تحت قبعته المهترئة. 

فجحظت عيناه من هول ما رآه ! إنه الدوق آرثر بعينين مجوّفتين مليئتين بالتراب والدود ! 

بينما ابتسم البستاني آرثر ابتسامةً مرعبةً ، وفاحت من فمه (الخالي من الأسنان) رائحةُ الموت الأقوى من رائحة التربة الملوّثة بدماء المفقودين!

- نجحتُ بجذبك إليّ يا سام ، فأنا بحاجة لروائيّ يدوّن إنجازاتي.

***


في صباح اليوم التالي.. لاحظ بعضُ سكان البلدة (ممن مرّوا بجانب القصر أثناء ذهابهم إلى أعمالهم) أن شجرةً جديدةً وغريبةَ الشكل ، نمت سريعاً قرب نافورة القصر.. أغصانُها ملتفةٌ حول بعضها ، ككتابٍ مغلق!


وعندما وجد العجوز كوخ الروائي مفتوحاً وأوراقه مُبعثرة ، لا تحوي روايةً بل جداول دقيقة لمواعيد الريّ والزراعة بعد منتصف الليل.. سارع لإخبار رئيس بلدته بعودة اللعنة ، بعد الاختفاء الغامض للكاتب الشاب ! 

***


لاحقاً ، أحاطت السلطات التلّ بأسلاكٍ شائكة ، بعد تطاير أوراق مكتوبة بالدم تحكي طرق موت المفقودين.. ورغم عدم جرأة أحد على الاقتراب من التلّ الملعون.. إلا أن البستاني الصامت عاد أكثر شباباً وحيوية ، لمواصلة عمله كل مساء دون كللٍ أو ملل!


الخميس، 4 ديسمبر 2025

السجن المدفون

تأليف : امل شانوحة 

الحريّة الإنتحارية


في وادٍ معزول ، مُحاصر بجبالٍ شاهقة .. بُنيّ سجن شديد الحراسة ، مُخصّصاً لأعتى المجرمين الذين حاولوا بكل الطرق الهرب منه دون فائدة! 


سنواتٌ مرّت دون جديد ، الى أن حلّ شتاءٌ قارص .. تساقطت فيه الثلوج فوق الوادي ، الى ان دُفنت بوّابة السجن تحت طبقاتها الكثيفة! 

مما قطع إتصال المدير بالمدينة الذي قلق من موتهم ببطء ، لقلّة الطعام في مخزنهم الذي بالكاد يكفي شهراً .. عدا عن ثياب المساجين الغير سميكة ، التي لن تحميهم من صقيعٍ لم يعهدوه بطقسهم المعتاد ! 

***


وبعد انتهاء العاصفة الثلجيّة التي استمرّت اسبوعاً متواصلاً .. جمع المدير موظفيه والمحكومين في قاعة الطعام ، لإخبارهم بقراره الأخير : 

- كل من يساهم بخروجنا من هذه الأزمة ، سيحصل على حرّيته !!


ورغم انه الخبر الذي انتظروه طويلاً ، لكنهم لم يُظهروا سعادتهم .. لأن حرّيتهم مرتبطة بمهمّةٍ شبه مستحيلة .. فهم وإن نجحوا بإزالة الثلوج عن البوّابة ، يبقى امامهم التسلّق (دون وسائل حماية) لإرتفاعٍ شاهق شديد البرودة .. 

فهم نقلوا الى السجن على التوالي ، بواسطة مروحيّة .. فعدد المساجين (الأشد إجراماً في البلاد) لا يزيد عن المئة ! 

اما الحرس العشرون ، فعطلتهم سنويّة .. والمدير العجوز الأعزب ، يعيش بالسجن منذ بنائه !    


والخطوة التالية التي اتخذها المدير : هو إجبار المساجين على ازالة الألواح الخشبية من سرائرهم ، وتجميعها بقاعة الطعام .. ثم تكسيرها ، لجعلها حطباً لتدفئة .. بعد ضعف الكهرباء بالسجن ، إثر تعطّل بعض اسلاكها بواسطة العاصفة الثلجيّة السابقة 


ثم قسّم المساجين الى ثلاث مجموعات ، للتناوب على الحفر خارج السجن 

فيما يتقاسم الجميع وجبتيّن يومياً ، بدل ثلاثة ! 

***


بعد ايام من العمل الشاق ، مات بعض المساجين الذين يعانون من امراضٍ مزمنة ..

  

وفي الليلة السابعة .. حصلت ثوّرة بقيادة السفّاح جاك الذي لم يعد يحتمل اوامر مدير السجن الذي سارع بخنقه حتى الموت ، امام مرأى الجميع ! 

ولم يستطع الحرس إنقاذه ، بعد تمكّن مساعدي جاك من السيطرة على غرفة الأسلحة بالسجن ! ليستسلم العساكر لخطة جاك الجديدة ، لنجاة من الأزمة الثلجيّة


لكن قبل تنفيذها ، أمر بإعدام الطبّاخ الذي لطالما قدّم لهم عصيدته المقرفة ! طالباً من احد المساجين إستلام المطبخ ، وطهوّ اللحوم المخصّصة للحرس الذي أجبرهم على إكمال الحفر بدلاً منهم .. وبسبب الجوّ القارص ، ماتوا الواحد تلوّ الآخر ! 

***


وبعد ايام .. لاحظ جاك قرب نفاذ الطعام ، مع انتهاء اخشاب التدفئة!

ورغم تمكنهم الخروج من السجن ، الا ان تسلّقهم الجبل الشاهق تبدو مهمةً انتحارية!


فاقترح اريك (آخر شرطي على قيد الحياة ، لديه خبرة جيولوجيّة) : 

- الجبل طبشوريّ..الأفضل حفر نفقٍ فيه ، فهو يبقى أدفأ من قمته الثلجيّة 


ولم يكن امام جاك الا قبول اقتراحه ، مُرغماً زملائه على استخدام كل ما ينفع بالحفر .. بدأً بالعصيّ المعدنية للحرس ، ووصولاً لسكاكين وشوك المطبخ ! 


ولم يكن الحفر صعباً ، الا ان الجوع والبرد قتل معظمهم .. 

عدا عن الأحجار الزلقة التي انهار بعضها فوق مجموعة من المساجين ، أبادتهم بالحال !


وعندما وصل العشرون ناجياً (مع الشرطي) الى الجهة المقابلة من الجبل ، عبر نفقٍ امتدّ داخله.. وقفوا تائهين بجانب الطريق العام الذي يبعد 70 كيلو عن المدينة ! 

فاقترح إريك الإتصال بالشرطة من برج الإرسال القريب ، كونهم لا طاقة لهم لإكمال المسير ! 

فوافقوا جميعاً .. ماعدا اربعةً ، اختاروا الحرّية مهما كان الثمن !

^^^


لاحقاً وصلت الشرطة بحافلة ، لنقل المساجين 16 الى سجن المدينة .. حيث شهد اريك بشجاعتهم ونزاهتهم خلال الأزمة .. فتمّ تخفيف أحكامهم التي سيكملوها في سجنٍ دافئ ، بطعامه المقبول الذي يبدو حلماً عمّا مرّوا به سابقاً !


أما الأربعة الهاربون ، فلا أثر لهم ! 

فرجّحت الشرطة افتراس الحيوانات البرّية لهم ، لانتشارها بتلك المنطقة المنعزلة ! 


لكن الحقيقة ، لم ينجوا منهم : سوى السفّاح جاك الذي تمكّن من إيقاف شاحنة نقلٍ عابرة .. فقتل سائقها العجوز ، مُكملاً طريقه لمدينةٍ اخرى ، وهو ينوي متابعة سلّسلة جرائمه .. رغبةً بدخول موسوعة جينيس : كأسطورةٍ إجرامية ! 


لهذاً خطّط لاقتحام المنازل المنعزلة ، بملاّكها العجائز او الأشخاص الإنطوائيين الذي فضلوا العيش وحدهم بعيداً عن جيرانهم .. 

واستغلّ انشغالهم بمشاهدة برامج رأس السنة ، لخنقهم بسلكٍ رفيع حتى الموت .. وآخر ما سمعوه ، هو جملته الشهيرة : 

- أراك في الجحيم قريباً

^^^


((وهآ أنت أيها القارئ .. مُستمتعٌ بتصفّح جوالك ، دون الإنتباه للفحة الهواء الباردة التي تسلّلت من نافذتك المفتوحة ! 

نصيحةٌ مني لا تلتفت ، فهو خلفك الآن 

وهذه آخر قصة تقرأها ، قبل سماعك ضحكته الشيطانيّة الماكرة ! 


الأحد، 30 نوفمبر 2025

اللعنة المرتدة

تأليف : امل شانوحة 

التوبة المرفوضة


في ليلةٍ مظلمة بوسط الغابة .. إجتمعت النّسوة في كوخ العجوز ، للشكوى حول مصيبتهن .. قائلةً إحداهن بفزع :

- جميع الأسحار التي دفعنا لكِ ذهبنا مقابل صنعها ، تنفكّ الواحدة تلوّ الأخرى

وأردفت الأخرى بعصبية :

- جارتي العانس إنخطبت البارحة ، رغم تجديدي سحرها منذ مدةٍ وجيزة !

امرأى ثالثة : وحماتي استيقظت من غيبوبتها ، بعد سنوات من سحري لها

- وزوج صديقتي إزدهرت تجارته ، بعد سنوات من البطالة

- وابن ضرّتي استعاد بصره ، بعدما أعميتُه طفلاً ! فمالذي يحصل معنا؟

- هل هناك كوكبٌ سحريّ تسبّب بفكّ الأسحار المُزمنة ؟!


فردّت الساحرة العجوز : 

- الموضوع لا دخل له بحركة الكواكب.. لكن الله عادل ، ولن يسمح باستمرار اسحاركن لآخر العمر.. فبعضكن إمتدّ آذاها لأربعين عاماً ! الم تكن كافية لإطفاء غلّكن ، بعد إضاعة صحّة وشباب من سحرتموه ؟! 

امرأة بقلق : المشكلة انهم عرفوا بأسحارنا ! فمن فضحنا ؟!

العجوز : الله فضحكنّ بإحلامٍ واضحة للمسحورين ، بعد أن أمهلكن دهراً لفكّ ما دفنتموه بالمقابر او ربطتموه بالأشجار .. لكن قلوبكنّ السوداء منعتكن التراجع عن ذنوبكن ! 


فاعترضت احداهنّ : 

- لا يمكننا فكّ جميع الأسحار .. فأنا ربطّت سحري بجناح طائر ، فكيف سأستعيده ؟!  

- اما انا ، فرميته بالبحر.. ثم انت تلوميننا بعد تعليمنا السحر ، الم تكوني شريكتنا ؟! 

العجوز : سأخبركن برأيّ لاحقاً ، لكن دعوني اشارككن هذه المعلومة الغريبة : الرزق موجود بالسماء ، ولا يمكن لبشري التحكّم به .. يعني في حال ذُكر باللوح المحفوظ : ان فلان سيعطيك مالاً باليوم الفلانيّ .. فسيفعل ذلك دون ارادةٍ منه ، لأنه قدرك المكتوب .. والدليل ، قول الله تعالى بكتابه : ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾

امرأة بدهشة : هذه اول مرة اسمعك تستشهدين بالقرآن ؟! 

العجوز بحزم : دعوني اكمل كلامي .. الرزق وإن ضاق بسبب اعمالكن الخبيثة ، لم يُمحى من القدر .. بل اسحاركن جمعته بحصّالةٍ ضخمة في السماء 

- لم نفهم !


الساحرة : يعني فور فكّ أسحاركن ، سينزل الرزق على المسحور دفعةً واحدة .. كأنكن قدمتنّ خدمةً له .. وهي تجميع فتات رزقه ، حتى اصبح ثروّة تؤمّن مستقبله 

فسكتن بغيظ ، فأكملت العجوز كلامها :

- تخيّلن طالباً جامعياً عليه انهاء عددٍ محدّدٍ من المواد ، خلال سنواته الأربعة الدراسية  .. فاختار جميع مواده الصعبة بالسنوات الثلاثة الأولى ، لجعل سنة تخرّجه سهلة .. وهذه هي الحياة : فيها مصائب ومكافآت .. وانتن بسحركن ، ضغطتن المسحور بالمصائب المتتالية .. وعندما يأتي إذن الله بفكّ الأذى عنه ، سينعم المسحور بحياةٍ سهلة خالية من الإبتلاءات .. حتى صحته التي ضاعت بسببكن ، سيضاعفها الله بعض انتهاء ازمته .. بعكسكن !! فأنتن عشتن حياةً رغدة ، بعد نجاح مكائدكن بأذيّة منافسينكن .. لكن طالما بدأت اسحاركن تُفكّ بالوقت الحالي ، فابشرن بحياةٍ عصيبة من اليوم فصاعداً .. 


فقالت احداهن بفزع : آمنا بقوّة الأسحار ، وإنه يمكن بها القضاء على نصيبهن وأرزاقهن للأبد ! 

العجوز : مُحال ان توجد وسيلة تمنع ما كتبه الله لضحاياكم ، وإن كنتن نجحتن بتعسيره لفترةٍ من الزمن.. حتى بقيّة اسحاركن الخفيّة ، ستُفكّ بمجرّد موتكن .. كما تنكسر العين الحارقة بموت الحاسد


فسألتها احداهن بحنق : طالما تعرفين هذه الحقائق ، لما علّمتنا السحر ؟

العجوز : لأشارككن همّي.. فأنا تبرّأت مني عائلتي .. وهاجرت من منطقةٍ لأخرى كلما ذاع صيتي السيء ، خوفاً من عقاب الأهالي الغاضبين.. وكما ترينّ !! انا مطلّقةٌ عقيمةٌ ، وفقيرة .. والأهم انني منبوذة من الجميع ، وهو المصير المُقدّر لجميع السحرة !


فسادت لحظة صمتٍ ثقيلة ، قبل ان تسألها إحداهن بمرارة : 

- ولما لم تنذرينا قبل خسارة أنفسنا ؟ 

فابتسمت العجوز بمكر : 

- خُفت تفرّدي بالعقاب ، ورغبت بمن يرافقني .. فاخترتكن !! أكثر النساء حقداً وغيرة ، لتؤنسنَ وحدتي في جهنم 

فقالت إحداهن بتحدّي : لن اجتمع معكِ في الأخرة ، لأني أُعلن توبتي منذ اليوم !!

فضحكت العجوز ضحكةً مجلّجلة ، ارعبتهن : 

- لا توبة لساحر ، بل نارٌ ابديّة !! 


فخرجنّ من بيتها ، وهن تشعرنّ بثقل ذنوبهن بعد خسارتهنّ الدنيا والآخرة!


اساليب التحقيق الجنائي

تأليف : امل شانوحة  المتهم الداهية   في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ وبعد نقله الى مركز الشرطة (ال...