السبت، 30 أكتوبر 2021

أكاذيب تاريخيّة

كتابة : امل شانوحة 

الحقائق المخفيّة


توجّه طلّاب المدرسة الإبتدائية الأمريكية مع معلمهم الى المتحف الوطني ، وكلّهم حماس لاكشاف التاريخ .. وكان أحمد (12 سنة) الطالب العربي الوحيد بينهم ، والذي وقف مذهولاً وهو يراقب التماثيل والتحف الموجودة خلف الزجاج العازل ..


وكان في مدخل المتحف صورة كبيرة للرحّالة (كريستوفر كولمبوس) مُكتشف الولايات المتحدة .. وأخذ المعلم يصفّ رحلته المليئة بالمخاطر لاكتشاف القارة الأمريكية ، ليعترض أحمد قائلاً :

- أستاذي .. المسلمون وصلوا إلى شواطئ أمريكا قبل كولمبوس بحوالي 500 عام ، بقيادة (خشخاش القرطبي) الذي أبحر من الشاطئ الغربي للأندلس في خطٍ مستقيم حتى وصل لأميركا التي سمّاها الأرض المجهولة.. حتى أن كولمبوس كتب في مذكّراته أنه رأى في هندوراس ، قبيلة سوداء مسلمة يُطلق عليها لقب إمامي .. كما شاهد مسجداً فوق جبل كوبا ..

فردّ المعلّم بعصبية : لا تصدّق الأكاذيب الموجودة في الإنترنت .. هيا يا اولاد !! لنتوجّه اولاً الى قسم الإختراعات 

***


وهناك أطلعهم بمعلوماتٍ عن المخترعين والعلماء .. 

وقبل خروجهم من القسم ، رفع أحمد يده .. فسأله المعلم :

- ماذا تريد ؟

أحمد : المعلومات التي قلتها غير صحيحة

ولأنه من طلّابه المتفوقين ، ردّ عليه بهدوء :

الأستاذ : انا ذكرت اسماء العلماء الذين حصلوا على براءة الإختراع 

أحمد : هذا لأنهم يملكون المال ، بعكس المخترعين الأصليين الذين سُرقت أفكارهم .. بل بعض العلماء المشهورين غيّروا التاريخ بأكمله  

الأستاذ : ماذا تقصد ؟


أحمد : مثلاً الجاذبية الأرضيّة ، يُنسب الفضل في اكتشافها للسير (إسحاق نيوتن) بعد قصته مع التفاحة الشهيرة .. لكن الحقيقة إن العالم العربي (الهمداني) هو من أوائل العلماء التجريبيين الذين أشاروا إلى الجاذبية في كتابه (الجوهرتين العتيقتين) ..اما قوانين الحركة لنيوتن ، فسبقه عالمين عربيّن : ابن سينا في كتابه (الإشارات والتنبيهات) ، والعالم (هبة الله البغدادي) في كتابه (المعتبر في الحكمة) .. ستجد كتبهم مترجمة للإنجليزية في المكتبة العامة ، ويمكنك التأكّد ممّا أقوله..


فقال المعلم للطلّاب ، بعد تضايقه من ملاحظات أحمد : 

- لا تهتموا لكلامه ، فهو لا يفهم ما يقوله 

أحمد : لم أُنتهي بعد .. فأنت قلت إن مكتشف الدورة الدمويّة الصغرى (نقل الدم من القلب إلى الرئتين والعكس) هو الطبيب والفيزيائي الإسباني (ميجيل سيرفيت إي كونيسا) 

المعلم : وهذا صحيح 

أحمد : لكن المخطوطات القديمة تشير إلى اكتشاف العالم المسلم (ابن النفيس) لهذه الدورة .. 

المعلم بعنصريّة : انت تتحيّز للعرب الذين إنتهت حضارتهم منذ قرون 


أحمد : حسناً إذاً ، سأخبرك بعلماء اجانب سُرقت تجاربهم رغماً عنهم .. فمثلاً : (توماس أديسون) نسب لنفسه الكثير من الإختراعات التي سرقها من علماء فقراء : فهو لم يخترع المصباح الكهربائي كما علّمتمونا في المدارس ، بل (همفري ديفي) .. كما إنه لم يصنع جهاز عرض أفلام السينما ، التي هي مُلك ل(وليام ديكسون) .. ولم يكتشف الأشعة السينيّة التي سبقه اليها العالم الفيزيائي الألماني (ويلهلم رونتجن).. 

..اما بالنسبة لأول سيارة تعمل بالوقود في العالم فهي إبتكار الألماني (كارل بنز) وليس شركة فورد كما هو معروف للجميع .. و(جيليلبو ماركوني) ليس مُخترع الراديو الذي سرق الفكرة من (نيكولا تسلا) ..حتى الطائرة  ، لم يكن الأخوان (أورفيل وويلبر رايت) هما من قاما بأول رحلة طيرانٍ ناجحة في التاريخ ، بل سبقهم المهاجر الإلمانيّ (جوستاف وايتهيد) ..اما أشهر كذبة إستمرّت لعقود فهي التلفون الذي لم يخترعه (جراهام بيل) بل (إليشا جراي) ، والبعض يقول إن (انطونيو مويتشى) هو المُخترع الحقيقي للتليفون .. وهذا يدلّ أنه لا يمكننا الوثوق تماماً بالمعلومات التاريخيّة  


المعلم : وكيف عرفت كل تلك المعلومات ؟

احمد : قمت ببحثٍ شامل قبل اشتراكي بالرحلة 

المعلم : الأفضل أن تحتفظ بمعلوماتك لنفسك ، كيّ لا تشوّش أفكار اصدقائك

ثم أخذهم الأستاذ الى قسم الملوك في المتحف 

***


وهناك أخبرهم عن قصة (ماري انطوانيت) وجملتها الشهيرة التي أحدثت ثورة الشعب وهي :(طالما لا يوجد خبز ، فليأكلو الكعك) .. فتمعّن احمد بصورتها المرسومة في اللوحة ، ليشعر فجأة بدوارٍ شديد ! فأغمض عينيه محاولاً السيطرة على إرتجاف جسمه .. 

وحين فتح عينيه : شاهد نفسه في قصرٍ ملكي ، وسمع الخادم ينادي الأميرة : ((ماري !! تعالي لأخبّئك في العلّية ، خوفاً من ثورة الشعب)) .. وكان عمرها 10 سنواتٍ فقط ! 


وما أن رمش أحمد عينه ، حتى عاد وعيه للحاضر ! فعرف بكذب المقولة الشهيرة ، لكنه لم يردّ إثارة اعصاب معلّمه الذي كان يخبرهم عن اللوحة الثانية المرسوم فيها (نيرون) وهو يعزف الكمان اثناء مراقبته حريق روما 


فأغمض احمد عينيه مرة ثانية ، ليشاهد نيرون يأمر مساعده بحرق البيوت المجاورة لتوسيع قصره ، وانه يريد إتمام الأمر بعد عودته من السفر .. وهذا يدلّ انه لم يكن موجوداً وقت الحريق ! 


ليس هذا فحسب ، بل حين شرح المعلم قصة (حصان طروادة) والجنود الذين اختبؤا داخل هدية الآله مينيرفا .. وكيف سمح الأغريق بمرورهم خلف بوّابة طروادة .. ثم خرجوهم من الحصان الخشبيّ العملاق لفتح الأسوار لجيشهم 

حينها شاهد احمد كاتباً يؤلّف تلك القصة الخيالية في التراث الأدبي اليوناني ، ليقوم عدّة رسّامين بعده برسم الحادثة التي انتقلت الينا كحقيقيةٍ تاريخية !  


حتى (فان كوخ) لم يسلم من الأكاذيب ، فهو لم يقطع أذنه لأجل فتاةٍ يحبها .. عرف أحمد ذلك بعد انتقاله الى عالمه ، حيث وجده يتعارك مع الفنان (بول غوغان) الذي قطع أذنه بالسيف خلال شجارٍ حادٍّ بينهما !

لكنه فضّل الإحتفاظ بالحقائق لنفسه ، لأن أصدقائه لن يصدّقوا إنتقاله للعصور الماضية خلال ثوانيٍ قليلة ! 

***


من بعدها توجّه الطلّاب مع معلّمهم الى قسم الحروب في المتحف الوطني ، واستمعوا جيداً لشرح الأستاذ وهو يطلعهم على اسماء الأبطال في الحرب العالمية الثانية ..حيث قال لهم : 

المعلم : في الأول من سبتمبر 1939 بدأت الحرب العالمية الثانية بشكلٍ رسميّ مع إجتياح ألمانيا النازية لبولندا التي كانت بثّت في إذاعتها (غلايفتز) رسالةً معاديّة لألمانيا باللغة البولندية ..


وبينما كان الأستاذ مستمرّ بشرح تفاصيل الحرب ، لمس أحمد تمثال هتلر الشمعيّ ..لينتقل مباشرةً الى مكتب هتلر الذي كان يعطي الأوامر بالمذياع لعملائه النازييّن بارتداء الزيّ العسكري البولندي والسيطرة على الإذاعة ، لبثّ تلك الرسالة بغرض إقامة الحرب الذي خطّط لها منذ سنوات ! 


وحين فتح أحمد عيناه ، رأى الطلّاب والأستاذ ينظرون اليه بدهشة ! فعلم إنه أخبرهم بما رآه دون وعيٍّ منه !

فاقترب الأستاذ لقراءة الورقة المكتوبة اسفل تمثال هتلر .. 

ثم قال له بعصبية :

- من اين تخترع تلك المعلومات يا ولد ؟!!

أحمد : أخبرتكم الحقيقة ، فأنا سمعت هتلر وهو يعطي اوامره السرّية لبدء الحرب

المعلم ساخراً : وهل تعرف اللغة الإلمانية ؟

- لا

- اذاً إيّاك مقاطعتي ثانيةً !! 

ثم قال المعلم للطلّاب : دعونا نرى تمثالاً آخر 


وقبل أن يلحقهم أحمد ، إلتفت للتمثال الذي رأى شفتاه تتحرّكان وهو يقول:

هتلر : لم يكن قراري صائباً 

فارتعب أحمد مما رآه ، ولحق بالطلّاب مبتعداً عن المكان

***


حين وقف الأستاذ امام صورة لانفجار محطة الطاقة النوويّة في تشيرنوبيل أوكرانيا ، قال للطلّاب : 

- حصل ذلك في 26 أبريل 1986 ، وأدّى الإنفجار لتعريض الملايين للإشعاع.. لكن السلطات السوفيتية استطاعت إخلاء السكّان من المدن المجاورة بعد يومٍ من وقوع الحادثة


بهذه الأثناء .. إنتقل أحمد إلى ذلك الزمان ، حيث تابع الأحداث المرعبة في روسيا ! ورأى الخوف بأعين الناس التي خرجت من بيوتها لمشاهدة الدخّان المتصاعد من المحطّة .. وتدخّل الجيش لنقلهم بالقوة في حافلاتٍ ، لإبعادهم عن المكان .. 

وما أن رمش عينه ، حتى وجد نفسه في مكتب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي (ميخائيل غورباتشوف) وهو يرفض إعلان الخبر للعالم 


وهنا قال أحمد بصوتٍ مسموع امام زملائه :

- الخبر لم يذاع بعد يومٍ من الحادث ، بل بعد 18 يوم .. مما جعل الكثيرين يصابون بالسرطان والأمراض المزمنة ، خاصة عمّال الإنقاذ ورجال الأطفاء الذين مات الكثير منهم بعد الحادثة بأيام ، لتعرّضهم للإشعاع الخطير


فاقترب الأستاذ من أحمد وهو يقول بلؤم :

- ما رأيك أن تشرح المعلومات لزملائك ، وأعود انا الى منزلي 

احمد : آسف استاذ

فقال المعلم لتلاميذه : هيا نكمل رحلتنا !!.. (ثم نظر لأحمد) .. بهدوء هذه المرة..مفهوم !!

ومشى أحمد خلفهم وهو لا يدري ما يحصل معه !

*** 


وانتقل الطلّاب برفقة استاذهم لصور حرب الفيتنام ، واصفاً لتلاميذه شجاعة الجنود الأمريكان :

- قام جيشنا باحتلال الفيتنام الشمالية بسبعينات القرن العشرين ، بعد أن هاجمت طوربيدات فيتنامية شمالية ، مدمّرة أمريكية في أحد الخلجان 


وخلال شرح الأستاذ ، أغمض احمد عينيه ..ليجد نفسه يسبح في إحدى المستنقعات برفقة الجنود الأمريكان الخائفين من أفخاخ الفيتناميين .. وكان خوفهم في محلّه بعد تفاجأهم بعشرات الأسهم التي رماها المزارعين الفيتنام من فوق الأشجار ! فشعر أحمد بقرب أجله ، وانتفض جسمه رعباً (دون شعور الطلّاب بمعاناته) ليرى نفسه إنتقل الى حفلٍ إستعراضي مهين ، بعد عودته مشلولاً مع رفاقه المصابين الى الوطن التي أعلنت هزيمتها بحربٍ أشعلوها دون سببٍ مقنع  


وهنا فتح أحمد عينيه وهو يقول بعصبية :

- انتم خسرتم الحرب رغم معدّاتكم الحديثة ، في مقابل وسائل الفيتناميين البدائية ..فعن أيّة بطولة تتحدّث ؟!! 

فقال الأستاذ : هم اعتدوا علينا اولاً..

أحمد مقاطعاً : تلك كذبة تاريخية ، فهم لم يملكوا القوة العسكرية لمهاجمة المدمّرة الأمريكية

المعلم غاضباً : أحمد !! بدأت تضايقني بتكذيب معلوماتي 

- انا اقول ما حصل بالفعل  

- سأحرص على حصولك على علامةٍ سيئة في هذه الرحلة .. وإن تكلّمت ثانيةً ، أعيدك الى منزلك !!

فسكت أحمد مجبراً ، ليتابعوا رحلتهم لرؤية أقسام أخرى من المتحف

***


وحين وصلوا لقسم معسكرات الموت ، أخذ المعلم يشرح لهم الصور المروّعة لأتلال الجثث الشبيهة بالهيكل العظمي ، كدليل واضح على الإبادة المنظّمة لليهود 


بهذه الأثناء إنتقل أحمد بمخيّلته لزمن الماضي .. حيث وجد نفسه في معسكر (أوسشڤيتس) وتحديداً في (الهولوكوست) التي لم تكن سوى مصنعاً للمطّاط الصناعي في إلمانيا ! ولم يكن المتواجدون هناك عراء او يلبسون زيّ السجون ، بل كانوا عمّال يحصلون على أجرٍ زهيد ، بعد توظيف الأجانب الذين يعيشون في المانيا بسبب إنخراط القوى العاملة الإلمانية بأعدادٍ كبيرة في الجيش لسدّ الثغرات الموجودة في الخطوط الألمانية على الجبهة الروسية .. 

وأثناء وجوده هناك ، توجه أحمد نحو المحرقة المزعومة .. ليسمع المسؤول الإلماني يقول لأحد جنوده : ((سنحرق من مات منهم لنقص الدواء والطعام ، وخاصة من توفيّ بسبب التيفوس قبل انتشاره بين العمّال))


فإذّ بأحمد يصرخ وسط المتحف : 

- كل هذا كذب !! هتلر لم يقتل اليهود بتلك الأعداد المبالغ فيها ..حصل هذا لإستعطاف الأوربيين لدعم خطّة إرسالهم الى فلسطين 


فجنّ جنون الأستاذ الذي كان من اصولٍ يهودية ، وحاول صفعه .. إلاّ أن مدير المتحف أوقفه (فهو يراقب أحمد منذ سماعه ملاحظته الأولى التي أثارت إعجابه) 


مدير المتحف : سأوصله بنفسي الى منزله ، وانت تابع مع تلاميذك الرحلة دون هذا المشاغب

الأستاذ بعصبية : دعه يغرب عن وجهي ، قبل ان أربّيه على طريقتي !!

فأمسك مدير المتحف بيد أحمد الخائف ، وأخذه الى خارج المتحف

***


في سيارة رئيس المتحف الفخمة ، أعطى احمد كوب ماء لتهدئة خوفه ..قائلاً له:

- أتدري انني لاحقتك في المتحف منذ سماعي لمعلوماتك الصحيحة المخفيّة عن عامة الناس   

احمد بدهشة : أحقاً !

- نعم ، فهناك حقائق من الأفضل أن تظلّ مجهولة

- تقصد مثل إن الأرض مسطحة ، وإن قارة افريقا ضعف قارة اميركا وروسيا ؟

المدير : هل قرأت هذه المعلومات من الإنترنت ؟

احمد بارتباك : بالحقيقة لا .. فقد حصل شيءٌ غريب في المتحف ، لا ادري إن كان حلماً او تخيّلات !

المدير باهتمام : إخبرني ما حصل بالضبط


فأخبره احمد كيف انتقل للعصور التي عاش فيها أصحاب التماثيل واللوحات ، وكيف فهم لغاتهم المختلفة ..

المدير : كما توقعت !! انت موهوب بشيءٍ خارق ، لذا عليّ أخذك الى رئيسي

- الن توصلني الى بيتي ؟!

- سأوصلك بعد قليل ، الآن إشرب الماء لترتاح قليلاً


وما ان أنهى احمد كوب الماء ، حتى غفى فوق المقاعد الخلفية (دون علمه بوجود مخدّر في الكأس) .. 

ليغيّر رئيس المتحف مساره نحو مكانٍ مجهول !

***


حين استيقظ احمد ، وجد نفسه في قبوٍ رطب ، مُضاء بشعلات النار ..فصرخ طالباً النجدة ، بعد أن وجد يديه مقيدتين بالسلاسل !

 

وبعد قليل ..نزل اليه رئيس المتحف مع رجلٍ عجوز إقترب منه ليسأله :

- نريدك أن تخبرنا الطريقة التي استخدمتها للإنتقال للعصور الماضية

احمد بخوف : لا اعرف كيف حصل ذلك ! فمجرّد تركيزي على اللوحات والتحف ، إنتقلت لعالمهم .. رجاءً أعيدوني الى منزلي ، فأنا لم افعل شيئاً

مدير المتحف : لا يمكننا الإستغناء عن موهبتك الفريدة  


وهنا شخصت عينا احمد بعد رؤيته لشيءٍ أفزعه ، صارخاً بخوفٍ شديد :

- إبعداه عني !!

فنظر الرجلان لبعضهما باستغراب ! وسأله رئيس المتحف :

- مالذي رأيته يا احمد جعلك تفزع هكذا ؟!

احمد باكياً : الشيطان .. انه خلفك ، هو مخيفٌ جداً

العجوز بدهشة : أحقاً تراه ؟! .. أوصفه لنا

احمد : قرونه حادة ..قدماه تشبه أرجل الماعز ..ولديه لسانٌ مشقوق وعينيّ قطط ، وذيلٌ طويل

العجوز باستغراب : هذا وصف الشيطان بالفعل ! 

رئيس المتحف : يبدو انه يستطيع التواصل مع العوالم الخفيّة ايضاً

فقال العجوز للرئيس : انت اكتشفت جوهرةً حقيقة ! 


فاخذه الرئيس جانباً ليسأله : 

- أهذا يعني انني لن أعيده منزله ؟

العجوز : سأكون غبياً إن تخلّيت عنه ، فهو سينفع الماسونيين لتلقّي الأوامر من ابليس دون وساطة السحرة غريبي الأطوار.. إذهب وخدّره ثانيةً ، لآخذه الى مقرّهم

رئيس المتحف : وماذا عن جائزتي ؟

- يالك من طمّاع ، سأرسل نصيبك على حسابك البنكيّ 


ثم نظرا الى احمد الذي مازال خائفاً من الشيطان .. وابتسما بخبث! 

********

المصادر :

1-اكاذيب تاريخية :

  https://atlas-know.com/%D8%A3%D8%B4%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%A7%D8%B0%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9/

2- اكاذيب حربية :

https://www.alaraby.co.uk/%D8%A3%D8%B4%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%A7%D8%B0%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%BA%D9%8A%D9%91%D8%B1%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%88%D9%82%D8%AA%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81

3- المفاعل النووي :

https://arabi21.com/story/1327430/9-%D9%83%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%AA-%D9%85%D8%AC%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%A8%D8%B9%D8%B6%D9%87%D8%A7-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%A9

4- حرب الفيتنام :

https://alwafd.news/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/857892-%D8%A3%D8%B4%D9%87%D8%B1-14-%D9%83%D8%B0%D8%A8%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%A9

5- اليهود والنازيّة :

https://tafhim.org/2020/03/15/a3/

6- إكتشافات العرب :

https://www.sasapost.com/muslim-discoveries/

الاثنين، 25 أكتوبر 2021

الوشم الملعون

تأليف : امل شانوحة 

 

الحظّ العاثر


كانت الشمس على وشك المغيب ، حين استيقظ الشاب في قاربٍ مطاطيّ صغير بعرض البحر ! واول ما لاحظه هو ملابسه البرتقالية التي تبدو كأنها ملابس سجن ! وكان ذهنه مشوّشاً للغاية ، وبجانبه كيس صغير فيه بقايا بودرة بيضاء .. وما أن اشتمّه ، حتى عرف سبب فقدان ذاكرته المؤقّت ! 

وعاتب نفسه :

- هل أخذت معي كيس هيروين دون طعامٍ وماء لهذه الرحلة المشؤومة ؟! وهل كنت مسجوناً ؟ .. اللعنة ، لا أذكر شيئاً !


كما لاحظ إختفاء مجذاف القارب ! وهذا يعني انه علق في بحرٍ واسع لا نهاية له .. ولأنه شعر بجوعٍ وعطشٍ شديدين ، لم يكن امامه سوى حلٍّ وحيد : وهو ربط قدمه بحبل القارب (كيّ لا يفقده) والنزول الى البحر ، في محاولةٍ يائسة لاصطياد سمكة بيديه قبل غروب الشمس .. 


ومرّت نصف ساعة وهو يغطس ويصعد للتنفّس ، دون فائدة .. 

وحين رأى زعنفة كبيرة تقترب منه ، خشيّ أن تكون سمكة قرش او حوتٌ قاتل ! فأسرع بركوب قاربه الذي يعلم إنه لن يحميه من اسنان القرش الحادّة ..

وجلس فيه دون حِراك ، كيّ لا تشعر السمكة الضخمة بذبذباتٍ على سطح البحر .. وظلّ متجمّداً مكانه ، الى أن حلّ المساء .. وبعد هدوء البحر ، إرتخت أعصابه المتعبة ، وغفى بعد انتهاء الموقف المرعب


في منامه : ((شاهد امرأة تحمل طفلاً ، وتصرخ عليه :

- ألم يكفيك إنك ضيّعت مالنا بلعب القمار ، والآن تخبرني انك سرقت مال عصابةٍ خطيرة ، وخسرته بالرهان .. هل جننت ؟!!

فردّ بعصبية : لم أعلم إنها حقيبتهم ! حصل الإلتباس بسبب وشمي اللعين)) 

***


إستيقظ من نومه وقت الظهيرة ، وهو مازال في قاربه ..

وعلى الفور عادت لذاكرته بعض أحداث الماضي ، خاصة بعد أن خفّت آثار الهيروين في جسمه.. لتتسارع الصور في عقله على النحو التالي :


((إدمانه على القمار الذي تسبّب بطلاقه من زوجته وخسارته وصاية ابنه .. دفع صديقه دين القمار بشرط حصوله على وشمه الأول .. إختياره وشم العقرب بعد رؤيته الرسمة في محل الوشوم (التاتو).. وقوفه قرب النافورة وسط الساحة بانتظار صديقه ، ليتفاجأ بشخصٍ يعطيه حقيبة مليئة بالمال .. إسراعه الى محل القمار للمراهنة بهم .. بكائه خارج المحل بعد خسارته المبلغ الضخم .. إختطافه من قبل رجلين مقنّعين ، أوصلاه لرئيس عصابة العقرب الذي هدّده بالقتل لتبذيره مال الصفقة))


وهنا أوقف الشاب سيل ذكرياته ، وهو يحلّل شريط حياته :

- نعم تذكّرت ! ساءت حياتي منذ حصولي على الوشم اللعين 


ورفع كمّ زيّه البرتقاليّ ، ليشاهد وشم العقرب ..فقال ممّتعضاً :

- كان على صاحب المحل أن يخبرني أن وشم العقرب يخصّ زبونه .. والغبي الآخر !! لِما أعطاني ثمن المخدرات فور رؤيته وشمي ، دون تأكّده من هويّتي ؟! هاهو ورّطني مع عصابة العقرب.. (ثم تنهّد بضيق) .. طليقتي معها حق ، ما كان عليّ المراهنة بمالٍ لا أعرف مصدره .. فبسببه ضاعت حياتي !


ثم تابع شريط حياته :

((وتذكّر رئيس العصابة وهو يجبره على الإعتراف امام القضاء بجريمة إغتصاب سيدة وقتلها ، إرتكبها ابنه المنحرف ! ليُحكم عليه بالمؤبد في سجنٍ فوق جبلٍ على جزيرةٍ نائية وسط البحر .. 


ثم تذكّر صديقه العجوز الذي جاورهُ في الزنزانة لسنتين ، والذي أخبره قبل وفاته بأزمةٍ قلبية : عن نفقٍ تحت سريره ، حفره طيلة الأربعين سنة ! يوصله لكهفٍ اسفل الجزيرة .. وسيجد هناك قاربٌ مطاطيّ مازال مُغلّفاً ، وضعه قريبه قبل سنوات .. وأخبره أن عليه إستخدام المجذاف للهرب من الجزيرة .. 

وبعد موت صديقه ، نفّذ الخطة مساءً بعد نوم الحرس .. واثناء زحفه في السرداب ، وجد كيس الهيروين الخاص بالعجوز ، فأخذه معه .. ووصل لأسفل الجبل ، ونفخ القارب وجلس فيه .. 


وقبل هروبه من الكهف ، تفاجأ بحارس المنارة لحقه الى هناك ! فلم يجد نفسه إلاّ وهو يضرب رأسه بقوة بالمجذاف الذي كُسر لنصفين بعد إغماء الحارس .. ومن حسن حظه إن الأمواج المضّطربة سحبته بعيداً عن الجزيرة .. وحين وصل لعرض البحر ، إشتمّ الهيروين بغرض الإنتحار من شدّة يأسه وجوعه))


وهنا قال السجين :

- اللعنة !! حتى الهيروين لم يُنهي حياتي البائسة .. أعليّ الموت جوعاً وعطشاً ؟ تلك أسوء موتة على الإطلاق ! .. ليتني لم أهرب من السجن

وصار يبكي اشتياقاً لإبنه الصغير ، ولحياته السابقة قبل إدمانه القمار

 

وفي غمرة يأسه وحزنه ، شاهد قارباً من بعيد ! 

وفي البداية لم يحرّك ساكناً ، خوفاً أن يكون حرس السجن يبحثون عنه .. لكن كلما اقترب منه ، تأكّد انه قارب صيد عاديّ ..

فأسرع بنزع ملابس السجن التي ربطها بحذائه الثقيل ، ورماهم في البحر حتى لا يفزع قبطان السفينة منه .. ومزّق قميصه لربط ذراعه ، إخفاءً لوشم العصابة 


من بعدها لوّح للقارب وهو يصرخ بعلوّ صوته ، إلى أن ساعده الصياد العجوز على ركوب قاربه ..

فاستلقى الشاب على الأرضيّة الخشبية وهو يحمد الله على نجاته ، بينما كان العجوز متفاجئاً من نجاة الشاب في بحرٍ مليء بأسماك القرش .. 

ودخل كابينته لإحضار شطيرة وقارورة ماء ..تناولهما الشاب على عجل من شدّة جوعه ..


وبعد انتهائه من الطعام ، سأله الرجل عن اسمه :

فأعطاه الشاب إسماً مزيفاً ، خوفاً أن يكون اسمه الحقيقي مُذاع بنشرات الأخبار 

العجوز : إذاً إسمك جاك ؟

- نعم سيدي

- ولما انت هنا ؟ هل سحبك التيّار لعرض البحر ؟

جاك بارتباك : نعم !! هذا ما حصل بالضبط .. كنت أسكر في قاربي وأغني .. وغفوت ، لأجد نفسي هنا .. شكراً على إنقاذي .. (ثم نظر للبحر) .. هل نحن بعيدون جداً عن الشاطىء ؟

- لا ، مسافة ساعتين .. لا تقلق ، سأبلّغ الشرطة فور وصولنا

جاك بخوف : لماذا ؟!

- كيّ يوصلوك لأهلك 

- لست صغيراً يا عم ، وأعرف عنوان منزلي .. يكفي أن توصلني للشاطىء


العجوز : كما تشاء .. هناك ملابس في خزانة غرفتي السفليّة .. إختر ما يناسبك ، فالجوّ يزداد برودة .. اما عن الحذاء ، فلا املك واحداً إضافيّ

- لا مشكلة ، تكفي الملابس .. فمن الصعب ركوب سيارة الأجرة بملابسي الداخلية.. المشكلة انني لم أحضر محفظتي معي!  

- سأعطيك أجرته 

جاك : شكراً يا عم ، انا مدينٌ لك بحياتي

- ستجد ايضاً في خزانة المطبخ حقيبة الإسعافات الأولية ، فهل جرح ذراعك بليغ ؟

جاك : ليس جرحاً ، بل شدّ عضلي .. سأعالجه بعد عودتي للمنزل ، لا تقلق سيدي


ثم نزل للأسفل .. واختار قميصاً بأكمامٍ طويلة ، لإخفاء وشم عصابة العقرب 

***


وصلا عصراً الى الشاطىء .. وبعد حصول جاك على مال من العجوز ، شكره وركض باتجاه الطريق العام لإيقاف سيارة اجرة .. فسأله السائق وهو ينظر لقدميه ضاحكاً :

- هل أضعت حذائك على الشاطىء ؟

جاك : لم أجده في أيّ مكان ! 

- اكيد أخذوه اولاد الشوارع ، فهم لصوص محترفين .. سأحاول إيصالك الى منزلك ، كيّ لا تمشي حافياً على الطريق 

- شكراً لذوقك سيدي

***


وأوصله لمنزل طليقته ، التي استقبلته بغرابة :

- مايكل ! كيف وصلت الى هنا ؟ الم تكن في .. 


فدخل مسرعاً ، وهو يطلب منها إخفاض صوتها ..

طليقته : أعلنوا في الأخبار هروبك قبل يومين ، وخفر السواحل تمشّط البحر بحثاً عنك ! 

مايكل بدهشة : هل بقيت يومين في البحر ؟! يبدو إن المخدّر أفقدني الإحساس بالوقت !

فقالت بعصبية : كنت مقامراً وسارقاً ، ومتّهم بجريمة إغتصاب وقتل .. والآن أصبحت مدمناً ايضاً ؟!!

- أخبرتك سابقاً إن لا علاقة لي بتلك الجرائم ، وستظهر براءتي يوماً ما ..اما هوسي بالقمار ، فعوقبتُ عليه أكثر من اللازم .. المهم الآن ، اريدك أن تعطيني المال لإزالة وشمي اللعين ، قبل أن يورّطني بالمزيد من المشاكل .. سأعيدهم لاحقاً ، أعدك بذلك 

فقالت بسخرية : كما أعدّت ذهبي المسروق 

- ديانا رجاءً 


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول :

- حضّرت العشاء .. تعال لتأكل مع ابنك ، بعدها أعطيك المال للخروج من المنطقة .. فأنا لا اريد مشاكل مع الشرطة او مع تلك العصابة 

مايكل : حسناً أعدك بالرحيل بعد توديع ابني ، فأنا مشتاقٌ اليه 

- هو في غرفته

فأسرع لرؤية طفله الذي كبر سنتين بعيداً عنه ..

*** 


في صباح اليوم التالي .. إضّطر مايكل للذهاب لنفس محل الوشوم ، لأن المحل الثاني يبعد امتاراً عن منطقته .. فأخبره صاحب المحل إن إزالة الأوشام من إختصاص العيادات ، لكن باستطاعته الرسم فوقه لتغير معالم الوشم القديم .. فقبل مايكل لأنه حجز تذكرة سفر بالحافلة مساءً .. 


بعد خروجه من المحل ، فكّر بزيارة مطعمه المفضّل قبل رحيله نهائياً عن منطقته الساحلية التي عاش فيها طوال حياته..


بهذه الأثناء .. إتصل صاحب المحل برئيس عصابة العقرب لإخباره بما حصل 

رئيس العصابة : اذاً مايكل مازال حيّاً ولم يغرق في البحر ، كما أعلنت الشرطة!

صاحب المحل : نعم ، وأرسلت مساعدي للحاق به

- أحسنت !! فهو لم يسدّد دينه بعد 

- لكنه سُجن مكان ابنك ..

الرئيس مقاطعاً بضيق : إبني المهووس بالإغتصاب ، تمادى هذه المرة في اختيار ضحيّتة .. وطالما إن الجثتين قتلتا بذات الطريقة ، فالأفضل نسبهما للمجرم ذاته  


صاحب المحل : اذاً جيد إن مايكل هرب من السجن ؟

الرئيس : هذا من حسن حظ ابني المتهوّر .. (بعصبية) .. ثم لماذا تكلّمني كأنك صديقي !! 

صاحب المحل بارتباك : لم أقصد سيدي .. كنت اطمئن فقط إنك سامحتني عن خطئي السابق : بوشمي شعاركم لمايكل دون التأكّد من هويّته .. 

الرئيس : انت شاركت بخسارتنا مال الصفقة ، لكن لا يهم .. كنت بحاجة لشخصٍ فاشل كمايكل ، لتخليص ابني من جرائمه .. المهم أن تخبرني بتحرّكاته اولاً بأول ، مفهوم !!

- حاضر سيدي

*** 


لم تمضي 24 ساعة حتى قبضت الشرطة على مايكل مُتلبّساً في كراجٍ مهجور ، وبجانبه اشلاء جثة ابنة رئيس البلدية .. وبيده المنشار ، وهو ينزف من رأسه بغزارة !


وبعد التحقيقات ، أصرّ أنه لا يذكر ما حصل ! 

وأثبت التقرير الصحيّ : إن ذاكرته تضرّرت بعد الضربة العنيفة التي تلقّاها على مؤخرة رأسه .. 

ولغضب رئيس البلدية من جريمته الشنعاء ، شدّد بحصوله على حكم الإعدام لقتله ابنته .. 


إلاّ أن المحقّق شعر بغموض القضية ! فمايكل سُجن لسنتين في الجزيرة ..وليس محتملاً أن يخطّط مباشرةً فور هروبه ، لجريمةٍ معقّدة كهذه .. فالفتاة أخُتطفت من بين حرسها بخبثٍ ومهارة ، وهذا يحتاج لأسابيع لترقّب حركاتها ومواعيد خروجها من القصر بدقّةٍ وحذر...

ثم هم وجدوا في جيبه بعد تفتيشه بمستشفى السجن (لتقطيب جرح رأسه) تذكرة سفر بالحافلة ذاك المساء ، فلما انشغل بتقطيع الجثة التي حتماً ستفوّت عليه موعد الرحلة ؟ 

ومن الذي ضربه في الكراج المهجور ، ليُغمى عليه بجانب الضحيّة ؟ هل هو ذاته الشخص الذي بلّغ الشرطة عن الجريمة ؟ 

تبدو الأحداث غير متناسقة فيما بينها !


ورغم الأدلّة المتضاربة ، إلاّ أن رئيس البلدية إكتفى بتشابه جريمة إبنته مع الضحيّة الأولى التي سُجن بسببها مايكل ..وضغط على القاضي للإسراع بمحاكمته ، وإصدار حكم الإعدام دون حصوله على حقّ الإستئناف ..

ولأن رئيس البلدية من اصحاب النفوذ في المنطقة ، لم يسمح لمايكل بتوكيل محامي للدفاع عنه !


وفي أقل من شهر ، حصل على حكم الإعدام ..رغم اعتراض المحقّق الذي كان بحاجة للمزيد من الوقت لاكتشاف الحقيقة .. خاصة مع فقدان مايكل ذاكرته لما حصل يوم الجريمة !

***


وفي يوم تنفيذ الإعدام .. زار المحقّق طليقة مايكل لسؤالها عن آخر مرة رأته فيها.. 

فأكّدت إنه استلف منها المال للسفر بعيداً عن المنطقة ، هرباً من العصابة ..وأصرّت أنه مستحيل أن يرتكب جريمة قبل ساعات من سفره !


وبعد انتهاء الأسئلة .. وقبل خروج المحقّق من بيتها ، قالت له :

- رجاءً إحضروا له أضلع اللحم المشويّة من مطعمه المفضّل (خروفي السمين) ..

وبعد مسح دموعها ، قالت :

- قبل طلاقي ألّحيت عليه بالخروج من المنطقة ، لكنه رفض لأنه ليس هناك فرعٌ آخر للمطعم .. أعرف انه فاقد الذاكرة الآن ، لكن ربما حين يتذوّق طعامه المفضّل ، يتذكّر ما حصل 

***


فكّر المحقق بكلامها بعد ركوبه سيارته ، قائلاً في نفسه : 

((طالما أراد مايكل السفر تلك الليلة ، فحتماً زار مطعمه للمرة الأخيرة)) 


وانطلق الى هناك ، بعد اتصاله برئيس السجن وهو يترجّاه أن لا ينفّذ حكم الإعدام قبل تلقّيه إتصالاً منه 

***


حين وصل المحقّق للمطعم ، طلب منهم تسجيل الكاميرات قبل شهر .. ولسوء الحظ ، حُذفت فيديوهات الكاميرات الداخلية بعد مرور كل هذا الوقت .. 


اما الكاميرا الخارجية الخاصة بموقف السيارات ، فنسيّ الموظف حذفها .. فراجع المحقّق الفيديو تلوّ الآخر (التي صُوّرت قبل قبض الشرطة على مايكل) 

 

ليجد بعد ساعتين من البحث المتواصل : لحظة خروج مايكل من الباب الخلفيّ للمطعم ، وهو يتناول وجبته سعيداً .. ليقترب منه رجلان مقنّعان ، ضربه احدهما بالعصا بقوّة على رأسه .. ثم وضعاه في صندوق السيارة التي ابتعدت سريعاً عن المكان 

 

وهذا يدلّ انهم ألقوه في الكراج وهو غائب عن الوعيّ ، ووضعوا المنشار الكهربائيّ في يده ، بجانب الجثة المقطّعة .. قبل إتصالهم بالشرطة.. مما يؤكّد براءته !


فأسرع بالإتصال برئيس السجن ، وهو يقول بارتياح :

- وجدّت دليل براءة مايكل !! هو لم يقتلها .. الو ، هل تسمعني؟! 

رئيس السجن : آسف سيدي المحقّق ، أصرّ رئيس البلدية على تنفيذ الحكم في موعده المحدّد.. ويقوم رجالي الآن بدفن جثة مايكل في مقبرة السجن


فأقفل المحقّق المكالمة حزيناً ، وهو يقول :

- يا مسكين يا مايكل ، الوشم دمّر حياتك مرتين : فحين وشَمته ، سُجنت ظلماً .. وحين أزلته ، عجّلوا إعدامك.. يالا حظّك العاثر!  


الأربعاء، 20 أكتوبر 2021

الصراط المستقيم

تأليف : امل شانوحة 

حساب الآخرة


اسفل العمارة .. وجد وليد جاره يبيع اثاثه قبل سفره ، ومن بينها نظّارةً شمسيّة فخمة.. 

فسأل جاره عن سعرها ، فأجابه :

- هذه ليست نظّارتي !

وليد : لكني وجدتها فوق الكرسي المعروض للبيع 

فسأل الجار الناس : هل نسيّ أحدكم نظّارته ؟!!


فلم يجبه أحد ، فقال لوليد :

- خذها إن أعجبتك  

- اذاً سأدفع لك ، طالما لم نجد صاحبها

فطلب الجار مبلغاً زهيداً .. وفرح وليد بالصفقة الرابحة 

***


في نهاية الإسبوع ، قرّر وليد التنزّه على الكورنيش في وقت الظهيرة .. وكانت أشعة الشمس حارقة ، فوضع نظّارته الشمسيّة الجديدة التي لم يجرّبها في اليومين الفائتين .. 


وخلال إستمتاعه بمنظر البحر ، طلب رجلٌ تصويره مع زوجته ..

وقبل ضغط وليد زرّ الكاميرا ، شاهد شيئاً أفزعه !


فخلف الزوجين وقفت امرأة على سور الكورنيش ، وهي منهارة بالبكاء.. فعلم انها على وشك الإنتحار !


لكن ليس هذا ما أرعبه ، بل رؤيته لمخلوقين غريبين يقفان بجانبها:

احدهما اسود اللون ولديه قرون وذيلٌ طويلة ، وهو يهمس في أذنها مبتسماً .. يبدو انه الشيطان يحثّها على الإنتحار ! 

بينما وقف مخلوقٌ وسيم بجناحيه الأبيضين وهو يترجّاها أن لا تفعل ، كأنه ملاكها الحارس !


وبعد ثواني ، صرخ الناس بعد رؤيتها تقفز باتجاه صخور البحر المسنّنة !

وكادت الكاميرا تسقط من يد وليد ، الذي أرجعها للزوجين وهو يعتذر عن عدم التقاطه الصورة .. وابتعد سريعاً عن المكان 

*** 


عاد وليد الى سيارته وهو يشعر بالغثيان .. 

واثناء القيادة .. حاول إزالة النظّارة التي التصقت بقوة ، كأنها جزءٌ من وجهه ! 

ورغم غرابة الموضوع ، لكنه تابع السير بعد إطلاق السيارات خلفه أبواقها المزعجة ..

***


وحاول السيطرة على اعصابه ، الى أن توقف بجانب مطعم ..

ودخل ليطلب من النادل قارورة ماء ، وهو يتصبّب عرقاً ..

وبعد جلوسه على الطاولة .. حاول مجدّداً إزالة النظّارة ، لكن دون فائدة !


وحين إلتفت الى الزبائن ، رأى شيئاً أرعب كيانه ..

فمعظمهم خرج من جسمهم الدخّان الأسود ! ماعدا إثنين تطاير من أذرعتهم الورود العطرة ، التي استطاع شمّها رغم بعده عنهما 


وحين وصل صاحب المطعم ، رأى النار تشتعل في يديه .. 

فجاءت ردّة فعله سريعة ، حيث أفرغ قارورة الماء على المدير الذي استشاط غضباً ، وطرده من مطعمه بعد أن بللّ وليد ملابسه !


وبعد خروجه من المطعم ، أدرك بأن النظّارة توضّح اشياء لا يراها أحدٌ سواه .. لكنه لم يجد تفسيراً لذلك !  

وابتعد بسيارته للهروب من نظرات الزبائن المتفاجئين من تصرّفه الغير منطقي! 

***


في المنزل .. وفور مروره بجانب مرآة الصالة ، صرخ فزعاً بعد رؤية ذراعه وفمه يحترقان !

فلم يعدّ يطيق النظّارة التي تريه اشياء مُفزعة .. وحاول بكل قوته إزالتها ، لكنه توقّف بعد شعوره بألمٍ شديد 


وفي غمرة حيرته ، رنّ جرس شقته ..

ليجد جاره يدعوه لحفل زواج ابنه .. وذُهل وليد من كميّة الورود العطرة التي تخرج من جسم العجوز ! 

فسحب يده للداخل ، ليعزمه على كأس شاي .. 


وبعد جلوسهما في الصالة ، سأله العجوز :

- هل عيناك تؤلمانك ؟

وليد : آه ! تقصد النظّارة ؟

- نعم

فاضطّر وليد للكذب : 

- نعم ، أمرني الطبيب أن أحميهما من النور هذه الفترة  

- مُعافى سيد وليد

- سلمت .. (ثم سكت قليلاً) .. أعرف إن سؤالي غريب ، لكن هل بإمكانك إخباري بأعمالك الصالحة ، فأنا اراك من اهل الجنة

العجوز مبتسماً : نحن وإياكم ان شاء الله .. انا فقط أقوم بما أمرني به ديني من صلاةٍ وصوم..

وليد مقاطعاً : لا ، أعني فعلٌ صالح بينك وبين الله ؟ 


فسكت العجوز مطوّلاً ، قبل أن يقول :

- سترت على فتاةٍ من الريف

- ماذا تقصد ؟

العجوز : كنت مزارعاً في شبابي .. وفي فترة الحصاد ، وجدت فتاةً تبكي بين الأحراش .. فسألتها عن سبب حزنها .. فأخبرتني الحقيقة لشدّة إحباطها .. فهي تركت قريتها مع بزوغ الفجر للحاق بحبيبها الذي سافر الى المدينة بعد علمه بحملها ، فهربت خوفاً من عقاب أهلها إن عرفوا بذنبها.. فطلبتُ منها العودة الى قريتها ، ونسيان ذلك النذل ..ووعدّتها بالقدوم مع عائلتي لخطبتها في المساء 

- وهل فعلت ؟

- نعم ، رغم اعتراض اهلي على تسرّعي بالزواج 

- وهل هي زوجتك الحالية ؟


فضحك العجوز : لوّ سمعتك زوجتي لضربتك .. لا ، كنت أحدّثك عن طليقتي 

- ولما طلّقتها ؟ هل خانتك ؟

- معاذ الله ، هي فتاةٌ طيبة وبسيطة .. لكنها أصرّت على الطلاق بعد موت جنينها بقدرٍ من الله .. فنفّذت طلبها ، وسافرت الى هنا 

وليد : وماذا حصل لطليقتك ؟

- تزوجت ثانيةً من قريتها ، ولديها الآن ثلاثة اولاد .. 

- ولم تُخبر زوجتك بها مطلقاً ؟!

العجوز : هي تعرف بطلاقي ، لكني لم أخبر أحداً بسرّ الفتاة .. وأريدك أن تُبقي الموضوع بيننا 

- سرّك في بئر ، يا عمّ .. بارك الله فيك


وخرج الجار من عنده ، بعد تأكيد وليد له بحضور العرس في اليوم التالي

***


بعد ساعة .. تجوّل وليد في السوق لشراء ملابس جديدة لحضور المناسبة (والنظّارة الغريبة مازالت مُلصقة في وجهه !).. 


وبعد تبضّعه ، ذهب للسوبرماركت لشراء حاجيات منزله .. 

ووقفت قبله : امرأة ورجل في انتظار حساب مشترياتهما .. فلاحظ وليد إرتباك المرأة بعد معرفتها بثمن الأغراض .. 

فأسرع الرجل الذي خلفها برميّ ورقة نقدية امام قدميها ، وإخبارها أنها وقعت من حقيبتها .. فدفعت الحساب بعد تنفّسها الصعداء 

***


في موقف السوبرماركت .. شاهد وليد الورود تتطاير من ذراع الرجل الذي كان منشغلاً بوضع اغراضه في السيارة .. 

فاقترب منه ليسأله : 

- عفواً استاذ ..رأيت ما فعلته في الداخل ، فلما أعطيتها المال ؟

الرجل مبتسماً : عادةً ما أساعد المحتاجين بهذه الطريقة ، كيّ لا يشعروا بالإحراج .. فالصدقات هي أفضل الأعمال التي تقرّبك من الله .. فالآية تقول :((وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ)).. وهذا يدلّ على أهميّة الصدقة يوم القيامة 

 

فشكره وليد بعد إيجاده الحلّ لإطفاء لهيب ذراعه ، وهي الإكثار من الصدقات 

***


قبل وصول وليد الى منزله .. مرّ بجانب مقبرة ، تشاجر امام بوّابتها اهل الميت والحارس الذي رفض دفن والدهم المتوفي ، لعدم دفعهم رسوم القبر 


فاقترب وليد منهم ، ليسمع الحارس يقول :

- لن أدخل الجثمان قبل دفعكم 300 دولار مقدّماً

فردّ الإبن باكياً : أخبرتك اننا فقراء ، ولا نملك شيئاً .. فأين ندفنه ؟

- انا موظفٌ هنا ، وسأطرد إن أعطيتكم قبراً مجّانيّ .. كما إن الشمس على وشك المغيب ، وعليّ إقفال المقبرة بعد قليل


فوضع وليد المبلغ المطلوب بيد الحارس وهو يقول :

- إدفنه على حسابي


فكبّر الناس فرحين بشهامة وليد ، وحضنه ابن الميت وهو يشكره على كرمه وعطفه .. 

فابتعد وليد بسيارته ، خوفاً من الرياء الذي يُبطل الصدقات ..

***


بعد وصول وليد الى منزله .. وقف بجانب المرآة ، ليلاحظ إختفاء النار من ذراعه التي ظهرت فيها براعم زهورٍ صغيرة ! 

فعلم إن عليه التصدّق اكثر ، للنجاة من عذاب الجحيم .. 


لكن فرحته لم تكتمل لاستمرار خروج النار من فمه ، دون معرفته السبب! 

***


نام وليد تلك الليلة ، والنظّارة مُثبّتة فوق عينيه ! 

وفي عصر اليوم التالي ، جهّز نفسه لحضور عرس ابن جاره ..


وبعد جلوسه في القاعة ، عادت نظّارته الغريبة بإظهار صورٍ مخيفة ! حيث تصاعد الدخان من اجسام بعض المعازيم ، بينما اشتعلت النيران بأطراف المعازيم الأخرى .. ولم ينجو منهم سوى خمسة اشخاص ، فاحت منهم الرائحة العطرة التي لم يشتمّها أحد سوى وليد .. 


وبعد تجمّع الشباب للرقص مع العروسين .. فُتح شقٌّ عميق وسط الصالة ، ليقع فيه بعض المعازيم ! 

ولأن اهاليهم تابعوا التصفيق والزغاريد ، عرف وليد انه الوحيد الذي رأى ذلك ! لكن هذه المرة ظهرت عبارةٌ مكتوبة على الزجاج الداخليّ للنظّارة ، لتوضيح ما حصل : 

((هذا وادي الغيّ في جهنم ، يُقذف به متتبعين الشهوات))


فعلم وليد انه شاهد عقابهم يوم القيامة ! ورغم حزنه على مصيرهم ، لكن ليس بإمكانه فعل شيء سوى متابعة الحفلة بصمت


وحين سمع ضحكات نساءٍ خلفه ، إلتفت الى طاولتهن ليرى أظفارهنّ من نُحاسٍ ، يخْمِشون فيها وجوهَهن وصدورَهن ! 


وظهرت جملة على نظّارته : 

((هنّ يأكلن لحوم الناس ، وكذلك يفعل الرجال بجانبك)) 


فنظر لطاولة عليها 5 رجال يأكلون جيفة عفنة بنهمٍ شديد ! 

فعلم انهم ايضاً يغتابون المتواجدين في الحفل 


وفجأة ! تبدّلت الأطعمة على الطاولات ، الى أكلٍ نتنٍ وحار .. 

وقرأ المكتوب على النظّارة :

((طعامهم يومئذٍ الزقّوم والضريع والغسّلين ، وشرابهم الحميم والغسّاق والمهل والصديد الذي سيعتادون على طعمه في جهنم .. وسيتفاوت مرارته على حسب ذنوبهم))

فنظر وليد الى طعامه ، فوجده كما هو .. فشكر الله انه ليس منهم .. 


ثم التفتت لمن يظنّهم من اهل الجنة ، فوجدهم يأكلون اكلاً فاخراً غير متواجد بالحفلة ! فتمنى أن يجمعه الله بهم في جنات النعيم


ثم أخذ يتجوّل في القاعة .. ليرتعب بوجود نهرٍ من نار على مقربة من كوشة العريسين ، بداخلها رجلٌ كبير يَسبَحُ ويُلقَمُ الحِجارةَ .. ليظهر ذنبه على النظّارة : (هذا مدير بنك ، وهو آكِلُ الرِّبا)


بهذه الأثناء ..دخل رجلان مهمّان القاعة ، فأسرع اهل العريس لاستقبالهما ..وكان وليد الوحيد الذي رآهما بهئيةٍ مختلفة

فأحدهما هو خطيب منبر ، والكلّ يحترمه .. ومع هذا رأى وليد شفاه تُقرَضُ بمَقاريضَ مِن نارٍ.. فعلم انه يحدّث الناس بما لا يلتزم به في نفسه ومع اهله !


اما الثاني فتاجرٌ مشهور بكرمه وأعماله الخيّرة ، ومع ذلك رآه يسحب على وجهه حتى رُميّ في النار ! فعلم إن الرياء أصاب أفعاله


اما النادل المراهق فرآه يمشي بصعوبة .. وحين نظر لقدميه ، وجده يلبس نعالاً من نار يغلي بها دماغه ! 

وكُتب داخل النظارة : 

(هذا أهون عذاب اهل النار !)


فضاق صدر وليد بما رآه ، وسلّم على جاره بعد مباركته للعريسين .. وحين همّ بالخروج من القاعة ، دخل معازيم جدّد جميعهم مُقرنين في الأصفاد وسرابيلهم من قطران ، وتشتعل نواصيهم بالنيران !


فأسرع عائداً الى منزله ، وهو يدعو الله أن يهديهم جميعاً قبل فوات الآوان 

***


في المنزل ، شعر وليد بإحباطٍ شديد لاستمرار خروج النار من فمه ! مما يعني انه نطق بشيءٍ سيء ، سيُعاقب عليه يوم القيامة 


فأمضى ليلته باسترجاع الماضي : وهل قال شهادة زور ، او كذب على احدهم ، او أذى شخصاً بكلمةٍ لاذعة ؟

وظلّ يفكّر ، الى أن غفى من شدّة الإرهاق ..


في المنام : ((شاهد يوم القيامة ، والملاك ينادي بين الناس :

- فيلتقي المتخاصمون !!

فأوقفوه في مواجهة مع فتاةٍ بدينة ، طالبت عقابه لأذيّته مشاعرها 


ولم يسمع ما قالته للملاك الذي أعلن فوزها بالمحاكمة ! وطلب منها الحصول على حسناته ، إلى أن ترضى .. 

وبعد أن أخذتها جميعاً ، سألها الملاك :

- هل سامحت وليد ؟

فردّت غاضبة : ليس بعد !!

فأذِن لها بإضافة سيئاتها عليه ، حتى ترضى ..فأعطته جميع ذنوبها! 

ومن بعدها أوصلوها الى الجنة ، بينما نقلوه الى جهنم 

وقبل رميه في اللهب)) إستيقظ من كابوسه وهو يرتجف خوفاً ..


حينها فقط تذكّر زميلته البدينة في الجامعة ، التي راهن اصدقائه على إستمالة قلبها ..وبعد صداقة سنتين ، أخبرها يوم التخرّج : انه فاز بعلبتيّ دخان ، بعد إعترافها بحبها له .. وحين عاتبته ، أخبرها أنه لن يتزوج بفتاةٍ لا تهتم برشاقتها وجمالها .. وأكمل الحفل دون اكتراثه بدموعها


فعلم إن الله سيعاقبه على كلامه الجارح ، فقرّر البحث عنها للإعتذار منها 

***  


لم يجد وليد زميلته إلاّ بعد اسبوع من إتصالاتٍ متواصلة مع أصدقائه القدامى ، الذي أخبره أحدهم بعنوان عملها 


فذهب الى الشركة التجارية .. وفور دخوله مكتبها ، قالت بدهشة :

- وليد المغرور في مكتبي ، كيف حصل ذلك ؟!

- نوال ! تغيّرت كثيراً

- نعم خسرت وزني بعد عملية قصّ معدتي ، وعانيت بعدها من مشاكل صحيّة عديدة .. كلّه بسبب تعليقك السخيف يوم التخرّج ، هل تذكره ؟

- انا آسف

نوال بلؤم : واين أصرف إعتذارك هذا ؟ 

- خذي حقك مني في الدنيا دون الآخرة ، رجاءً 

فقالت ساخرة : هل انصلح حالك أخيراً ؟ او عاقبك الله بمرضٍ في عينيك ، تخفيه بنظّارتك الغريبة ؟  

وليد : لا اريد الجدال معك ، أتيت للإعتذار عن تعليقي الساخر الذي جرح شعورك


نوال بحزن : وماذا عن طلاقي مرتين ؟

- أكان بسببي ؟! 

نوال : لا تسرح بخيالك ، لم يكن عشقاً لك ايها المغرور !! بل لفقداني الثقة بالحب بعد بيعك قلبي بعلبتيّ دخان ، وإشعاري بتفاهة مشاعري في نظرك !

- ارجوك سامحيني ، سأفعل أيّ شيء لإرضائك

- ولما تترجّاني يا وليد ؟ قلّ الحقيقة وإيّاك الكذب !! 

فتنهّد بضيق : كابوسٌ مفزع ، رأيت فيه عقابي يوم القيامة.. لهذا لن أخرج من هنا قبل أن تسامحيني

نوال بلؤم : بصراحة .. لا أشعر برغبة لغفران ذنبك  

- نوال رجاءً !

- وداعاً وليد ، فورائي عملٌ كثير


فخرج حزيناً من مكتبها ، بعد شعوره بالجرح العميق الذي تسبّبه لقلبها 

*** 


في الأيام التالية.. لاحق وليد جميع الأشخاص الذي رآهم بنظّارته : أنهم من اهل الجنة .. وسألهم عن السرّ بينهم وبين الله ، وحاول تقليدهم قدر المستطاع : وكان أحدهم يهتم كثيراً بالنظافة قدوةً بالرسول ، والثاني مُرضي الوالدين ، والثالث تاجرٌ أمين يرخّص الأسعار لزبائنه الفقراء دون إشعارهم بذلك .. 


وفي الوقت ذاته حاول وليد الإكثار من الصدقات ، لعلّ الله يغفر ذنبه اتجاه نوال التي ترفض مسامحته : ففتح ماء سبيل في حيٍّ فقير ، وتبرّع لدار ايتام ، وتطوّع يومين في الإسبوع بدار العجزة .. 


ورغم كل هذا لم تُطفىء اعماله الخيّرة لهيب فمه (حسب النظّارة) وإن كانت ذراعه ازدادت نوراً ، وفاحت منها رائحة الورود الزكيّة .. فعلم انه لن يهرب من عقاب الآخرة ، طالما نوال لم تغفر ذنبه بعد !

*** 


في الإسبوعين التاليين .. لاحق وليد نوال في كل مكان ، وهو يغدق عليها الهدايا وكلمات المديح .. الى أن صرخت في وجهه في النادي:

- أتبعتني الى هنا ايضاً !!

وليد بإصرار : لن اتركك قبل أن تسامحيني 

- كل هذا لأجل كابوس !

- لوّ حلمتِ به ، لعذرتي خوفي 

- حسناً أرني عينيك

وليد بدهشة : ماذا !

- اريد معرفة إن كنت صادقاً هذه المرة ام لا

- لا استطيع إزالة النظّارة

نوال : إنارة النادي خفيفة ولن تؤذي عينيك ، كما حذّرك الطبيب

- صدّقيني انا انام واستحمّ بالنظّارة

- أزلها يا وليد ، أريد رؤية عينيك..


وحاولت إزالة نظّارته بالقوة ، لكنها لم تستطيع !

نوال : هل ألصقتها بوجهك ؟!

- ربما حين تسامحيني ، تُزال من تلقاء نفسها

- أهذا لغز ؟!

وليد : فقط جرّبي 

- حسناً ، سامحتك يا وليد.. هيا حاول من جديد 

لكنه لم يستطع إزالة نظّارته !

وليد : نوال رجاءً ، قوليها وانت تعنين ذلك 


فسكتت قليلاً ، قبل أن تقول :

- أتدري لما أحببتك في الماضي ؟ لأنك الوحيد لم تسخر من وزني الزائد .. لهذا انصدمت من تعليقك القاسي يوم التخرّج ! والآن بعد مرور سنوات على تلك الحادثة .. أرى إنك كنت شاباً يافعاً ، وطبيعي أن تتصرّف بطيش لإرضاء رفاقك

وليد : وماذا عن لومي بفشل زيجاتك السابقة ؟

- صحيح انه بسببك لم أفتح قلبي لهما ، لكنه قدري بنهاية الأمر ولا اعتراض على حكم الله


وليد : أهذا يعني انك سامحتني يا نوال ؟

فابتسمت قائلة : بعد كل تلك الهدايا الجميلة ، أسامحك طبعاً

وليد : إبتسامتك رائعة .. لا تدعي احداً يحرمك منها ، ولا حتى انا

نوال : شكراً لإطرائك ، يمكنك العودة الى حياتك .. فلا أظنك سترى الكابوس ذاته بعد اليوم 


فشكرها وعاد الى سيارته .. واثناء تعيدله مرآته الأماميّة ، لاحظ إختفاء النار من فمه ! مما أراحه كثيراً بعد حلّه اللغز الصعب.. 

ليس هذا فحسب ، بل استطاع إزالة النظّارة بسهولة دون تركها أثراً على وجهه ، رغم إلتصاقها به لأكثر من شهر !  


فوضعها خلف مقوّده ، وأدار المحرّك للعودة الى منزله بعد انتهاء الأزمة 

***  


في الطريق .. توقف خلف عشرات السيارت المزدحمة حول حادثٍ مروريّ .. فنزل وليد على عجل لرؤية ما حصل ، ناسياً قفل باب سيارته


بهذه الأثناء .. إقترب رجلٌ غامض بعباءته البيضاء ، لسرقة النظّارة بخفّةٍ ودهاء .. واختفى بين الجموع ! 


وبعد عودة وليد الى سيارته ، لم يجد النظّارة في أيّ مكان .. فقال في نفسه :

(لربما اختفت بعد أن إهتديتُ بسببها الى الصراط المستقيم !)

وحمد ربه ، وأكمل طريقه سعيداً بنجاته من عذاب الجحيم

***


بمكانٍ آخر ، وفي صالة لبيع الأثاث المستخدم .. دخل الرجل الغامض بين المشتريين الذين تجمّعوا حول مزادٍ لغرفة نومٍ مستعملة .. ووضع النظّارة في درج الخزانة ، دون أن يراه احد ..ثم خرج بهدوء من هناك

***


في السماء السابعة ..إجتمع الملاك مع الرجل الغامض الذي عاد لهيئته الحقيقة بعد خروج جناحيه المضيئين قائلاً :

- أتمنى أن تهدي نظّارتي ، العريس الذي اشترى غرفة النوم المستعملة

الملاك الثاني : ما كان عليك التورّط بالموضوع ، فالبشر عليهم هداية أنفسهم دون تدخلٍ منا .. 

- ساعدتُ فقط مئة رجل يشبهون وليد في طيبة قلبهم ، وأبعدتهم فتن الحياة عن الصراط المستقيم ..اما العصاة المتفاخرون بذنوبهم ، فلا يهمّني أمرهم

- هل برأيك سيتوقف العريس عن مواعدة الفتيات على الإنترنت بعد استقراره مع زوجته ؟ وهل سيفكّ لغز النظّارة كما فعل وليد ؟

- سنراقبه ونرى 


ونظرا من خلال الغيوم الى العريس الذي كان سعيداً مع زوجته بتجهيز منزلهما الجديد ، دون اكتراثه بخيبة امل عشرات الفتيات اللآتي وعدهن بالزواج عبر الإنترنت .. لكنه سيتعلّم خطأه قريباً 


******

ملاحظة :

انواع العذاب المذكورة في القصة ، هو ما رآه الرسول محمد عليه السلام برحلة الإسراء والمعراج .. اما الحديث المشهور عن عذاب النساء في جهنم ، فهو حديثٌ موضوع وغير صحيح 

## 

تخيلوا لوّ بإمكاننا رؤية ما ينتظرنا من عقاب يوم القيامة ، أمرٌ مرعبٌ بالفعل ! لكنه حتماً سيهدي الكثيرين منا ، اليس كذلك ؟ 


السبت، 16 أكتوبر 2021

الرسمة المُدمّرة

تأليف : امل شانوحة

إستغلال الفرص


في منتصف المحاضرة .. لاحظ الدكتور عادل طالبة تجلس في طرف القاعة وهي تنظر اليه بتمعّن من وقتٍ لآخر ، ثم تحرّك قلمها في كرّاستها بطريقةٍ لا تدلّ على الكتابة ! 

فتوجّه اليها ، اثناء إنشغال الطلبة بكتابة الملاحظات من السبّورة 


وحين وصل اليها .. سحب كرّاستها بسرعة ، مما جعلها ترتبك 

ليجد انها ترسمه ببراعة ، خاصةً تفاصيل وجهه !


فنظر اليها بعتاب ، وقد احمرّ وجهها خجلاً .. قائلاً بصوتٍ منخفض ، كيّ لا يلتفت الطلاّب لهما :

- إكملي الرسمة ، واعطيني إيّاها بنهاية المحاضرة


ثم عاد الى مكانه في مقدّمة القاعة ، لإكمال محاضرته عن علم الإجتماع

***


بعد المحاضرة وخروج الطلاّب .. وضعت الفتاة رسمتها على طاولته ، وهي تشكره لعدم توبيخها امام رفاقها.. 

فسألها : ما اسمك ؟ هل انت طالبة جديدة ؟

- إسمي ريم .. وهذه اول مرة اتابع محاضراتك ، بالعادة أدرس في البيت إستعداداً للإمتحانات

- خطأ يا ريم .. فأحياناً أحذف مواضيع من مقرّر الكتّاب ، وعليك الحضور لمعرفة ذلك .. بشرط !! عدم إنشغالك بالرسم ، رغم براعتك فيها

ريم : شكراً دكتور ، لن أكرّر غلطتي ثانيةً .. (ثم اشارت الى رسمتها) ..كما تلاحظ لم أوقّعها ، كيّ لا أثير غيرة زوجتك او شيء من هذا القبيل


فابتسم ، وهو يخرج جوّاله :

- هي بالفعل غيّورة ، لكن يمكننا حلّ المشكلة برسمها ايضاً

واراها صورتها من جواله وهو يقول : هل يمكنك ذلك ؟

ففاجاته قائلة : هي كبيرةٌ عليك !.. آسفة ، لم أقصد

- كلامك أزعجني يا ريم

- أعني من ناحية الرسم لا اكثر .. سأحاول رسمها الليلة .. لكن كيف سأحصل على الصورة ؟

فسحب الدكتور جوالها من يدها : سأرسلها لك .. 

ريم : حسناً ..وفور إنهائي الرسمة ، إرسل الصورة على جوالك ..ومن بعدها أحذف رقمك ، لأني لا أحبّذ وجود أرقام شباب في جوّالي .. (ثم نظرت الى ساعتها) ..آه تأخّرت ! ..سلام دكتور


وأسرعت بالخروج ، بعد أن أثارت إهتمامه بأخلاقها وجمالها الناعم وموهبتها الفريدة

***


بعد يومين ، في المحاضرة .. تحدّث الدكتور عادل عن موضوع : وأد البنات في الجاهلية ، وكيف حصلت المرأة على حرّيتها في العصر الحديث .. 

فعلّقت إحدى الطالبات : 

- جيد اننا لم نعشّ تلك الحقبة الزمنيّة .. مع إنه مازال بيننا اشخاص يعيشون بعقليةٍ متخلّفة ، ويرفضون لبناتهم واخواتهم الإستمتاع بعلاقات رومنسية قبل الزواج !


فرفعت ريم يدها للردّ عليها ، فوافق الدكتور .. لتقول لها بحنق :

ريم : عزيزتي .. هناك نوعين من النساء ، وإنقسامهما يعود لحقائق تاريخيّة .. ففي زمن الجاهلية : إعتادت القبائل البدويّة على غزو بعضها ، وخطف النساء للإعتداء عليهن وجلب العار لقبيلتها .. لهذا فضّل الآباء وأد بناتهن فور ولادتهن .. لكن بعد رواج التجّارة ، أحضر التجّار العرب نساءً افارقة لإستعبادهن كجواري وبنات هوى .. وبذلك أفرغ الشباب طاقتهم عليهن ، مما قلّل عمليات الخطف لبنات العرب .. لهذا لم يعد الآباء يتخلّصون من بناتهن اللآتي ربّوهن على التهديد بالقتل إن ارتكبن الرذيلة .. وحين بايعت النساء الرسول محمد الذي قال لهن في خطبته : (لا تسرقن ولا تزنين) ..ردّت هند بنت عتبة : (وهل تزني الحرّة ؟) ..وتقصد إن هذا فعلٌ مستحيل على النساء الشريفات ، لأن الرذيلة من عمل الجواري فقط .. لكن الرسول اراد تعليم نساء العالم ، وكان من ضمن تعاليمه : عتق رقاب العبيد ، كتكفير عن الذنوب .. وبعد مرور اعوام ، لم يعد هناك عبيد في بلاد العرب .. وبعد عتق الجواري تزوجن وأنجبن البنات اللآتي ربتهنّ على إن العلاقات قبل الزواج أمرٌ طبيعي ، فهنّ عشن التجربة من قبل .. فصار هناك نوعين من النساء : امهات أحرار تربّي بناتها على العفّة ..وامهات كن عبيداً في الماضي ، ربّت بناتها على التحرّر الجسدي .. وفي عصرنا الحالي : كل امرأة ترفض أن يمسّها رجلٌ إلاّ زوجها ، فهي حرّة بنت حرّة .. وأيّ واحدة تنادي بالتحرّر الجسدي ، فهي جارية بنت جواري ..هل وصلتك الفكرة ؟


فغضبت الطالبة ، وانتظرت رأيّ الدكتور بكلام ريم المستفزّ .. فقال مبتسماً :

- تحليلٌ رائع يا ريم ، أحسنتِ !!

فخرجت الطالبة من القاعة ، وهي تكاد تنفجر غضباً ..

***  


بعد خروج الطلاّب من المحاضرة ، ظلّت ريم ترسم في كرّاستها..

فاقترب منها الدكتور : 

- الم تعديني أن لا تنشغلي عن محاضرتي ثانيةً ؟ 

ريم : آسفة كنت أهدئ اعصابي ، بعد أن شتمتني تلك الطالبة 

- بصراحة أعجبني تحليلك كثيراً ، فكيف توصّلت اليه ؟! 

- لا ادري ! إستفزّني كلامها ، فأردّت إسكاتها .. فبرأيّ المرأة دون حياء لا تسوى شيئاً 

عادل : هذا صحيح .. ماذا ترسمين هذه المرة ؟

وحين رأى رسمتها ، قال مبتسماً :

- انا ايضاً !

ريم : ماذا افعل ، وجهك الوسيم سهلٌ رسمه .. (بارتباك) ..أعني من الناحية الفنّية

- كان عليك دخول معهد الفنون 

- ابي يرفض ذلك .. قال انه لا مستقبل لموهبة الرسم 

- وماهو حلمك في الحياة ؟

ريم بحماس : أن أفتح معارض لرسوماتي حول العالم

- ربما تفعلين ذلك يوماً ما  

ريم بضيق : مع والدي الأمر مستحيل 

عادل : ربما تحقّقين حلمك مع زوجٍ يتفهّم موهبتك


ريم : أتمنى ذلك .. آه صحيح ، لم تخبرني عن رأيّ زوجتك برسمتي ؟

- كما توقعتي ، غارت كثيراً واستجوبتني عنك طوال الليل  

ريم : قلّ لها انني رسمتك ، لتميّزك عن الآخرين 

- بماذا ؟ 

- أنفك

الدكتور باستغراب : عفواً !

- آسفة ، لم أحسن التعبير .. بعد دراستي الرسم على الإنترنت ، عرفت إن هناك انواع محدّدة للأنف تختلف حسب الأعراق .. يعني الأنف الأجنبي له رأسٌ بارز ، بعكس الأنف الإفريقيّ المفلطح .. اما الأنف العربي فحادٌّ كالسهم 

- وما نوع انفي ؟

ريم : اجنبي ! لكن ليس امريكي او روسي .. بل اوروبي ، إلماني او فرنسي تحديداً.. فهل لديك اصول من تلك الدولتين ؟

- لا ، انا عربي مئة في المئة 

- اسأل والديك ، لربما احد اجدادك من ..

مقاطعاً : والدي متوفي منذ سنوات .. لكن سأسأل امي ، بعد أن أثار الموضوع إهتمامي 


فشكرته لإعطائها بعضاً من وقته ، وخرجت من القاعة 

***


بنهاية الأسبوع .. زار الدكتور والدته التي سألته عن زوجته وابنه 

فأجابها وهو يشعر بالإحراج : كنت وعدّتها بالذهاب للمول.. 

الأم مقاطعة : فذهبت مع ابنها بعد إيصالك الى هنا 

عادل بضيق : عقب شجار حادّ 

- لا بأس بنيّ ، عليك تحمّل طباعها الصعبة 

عادل بعصبية : والله لولا ابني لطلّقتها دون تردّد !!.. (ثم تنهّد مطوّلاً) .. آه قبل أن أنسى ، اريد إخبارك بأمرٍ يشغل تفكيري 


وأخبرها عن الطالبة الرسّامة ، ثم سألها :

- هل لديّ اصول اوروبية ؟ سواءً المانية او..

- فرنسيّة

عادل بدهشة : كيف عرفتي إن الطالبة إختارت هذه الدولة ايضاً ؟!

امه بتردّد : لأن والدك فرنسيّ

فضحك عادل ساخراً :

- ابي الحنطيّ الشعبيّ من فرنسا ، كيف يعقل هذا ؟

فسكتت قليلاً ، قبل أن تقول بإرتباك : 

- احمد ليس والدك الحقيقيّ

ونزل الخبر كالصاعقة عليه ! 


عادل مستفسراً بقلق : هل ابي .. أقصد (احمد مرتضى) هو زوجك الذي ربّاني منذ ولادتي ؟ 

فأومأت برأسها إيجاباً ..

عادل بعصبية : إذاً اين والدي الحقيقي ؟.. امي تكلمي ؟!!

امه بحزن : لم اكن أنوي فضح سرّي مطلقاً ، رغم انه ضاق صدري به 

- قولي الحقيقة يا امي !! 

الأم : كنت حصلت في صبايّ على منحةٍ دراسية في فرنسا 

- آه ! كيف نسيت انك درستِ في فرنسا .. إكملي رجاءً

- وهناك أحببت زميلي الفرنسيّ ، الذي كان يعيش في القسم الثاني من سكن الطلّاب  

عادل بصدمة : امي ! كلامك يعني انني ابن حرام 


الأم : دعني اكمل دون مقاطعة ، فالموضوع يمزّق قلبي منذ سنواتٍ طويلة .. (ثم تنهّدت بضيق) .. اللعين رفض الزواج مني بعد حملي بك .. فترجّيته باكية ، خوفاً أن يقتلني جدك إن علم بالأمر .. لكنه لم يهتم لتفاهات العرب كما وصفها .. فبحثت عن طبيب لإجهاض الجنين ، لكن الأمر لم يكن قانونياً في ايامي .. بعدها بإسبوع إتصلت امي لتخبرني عن عريس تقدّم لوالدي ، وبأنها عارضت زواجي لحين تخرّجي الجامعي .. لكني فاجأتها بعودتي السريعة للوطن ، وقبولي الزواج منه دون اعتراض .. فظنّ والدي انني على معرفة مُسبقة بالعريس .. لكن احمد أكّد له انه رآني اول مرة مع عائلته


عادل بعصبية : وطبعاً تزوجته دون إخباره بحملك ؟ 

- نعم ، وأخبرت الجميع انك ولدّت في الشهر السابع

- وكيف لم يفضحك زوجك ليلة عرسك ؟!

الأم : بعد العرس ، ذهبنا الى الفندق الذي اتفقت فيه مسبقاً مع النادل بوضع الخمر في عصير أحمد .. وكان في حقيبتي صبغةً حمراء .. وبذلك مرّت الليلة بسلام 

عادل باشمئزاز : أتدرين امي ، جيد انه مات قبل صدمته بخباثتك

الأم بعصبية : تأدّب يا ولد !!

- لا يحقّ لك تقويم سلوكي بعد الآن

- إفهمني يا عادل ، لم يكن امامي حلٌ آخر .. لوّ عرف جدك بغلطتي ، لقتلني دون تردّد


عادل محاولاً إمساك دموعه : 

- الآن بعد 38 سنة تخبريني إنني ابن حرام ، كيف برأيك سيكون شعوري ؟ 

- أعتذر منك حبيبي

فتنهّد بصعوبة ، قبل أن يقول : 

- اريدك معرفة كل المعلومات عن والدي الحقيقي 

- وماذا تريد منه ؟!

- سأبحث عنه 

- أستسافر الى فرنسا ؟!

عادل : ربما افعل 

- اذاً تحتاج صورته

عادل باستغراب : أمازلت تحملين صورة عشيقك بعد زواجك ؟!

- إحتفظت بواحدة ، لنيّتي إخبارك الحقيقة اثناء احتضاري .. لولا أن تلك الرسمة فضحت المستور !

 

وذهبت الى غرفة نومها ، وعادت ومعها صورة شخصيّة لوالده الفرنسيّ .. فاندهش عادل لشدة التشابه بينهما ! فسألها :

- كيف لم يلاحظ اقارب زوجك إنني لا اشبهه بشيء ؟!

- لأني أخبرتهم إن امي لديها اصول فرنسيّة ، فلم يشكّوا بالأمر لسعادتهم بوسامتك المميزة في عائلتهم 

عادل بإصرار : اريد معرفة حكايتك مع ابي منذ البداية  

- صدّقني لا اعرف إن كان بيير حيّاً او ميتاً

- اسمه بيير !

- بيير راندال .. سأخبرك ما اعرفه عنه .. وإن كان مقدّراً لكما أن تجتمعان ، سيسهل الله ذلك

*** 


بعد تواصل عادل مع السفارة الفرنسيّة ، علم أن والده مازال حيّاً .. فأخذ عطلة من الجامعة دون إخبار أحد بسرّه ، خاصةً زوجته التي جنّ جنونها لشكّها أنه ذاهب لرؤية عشيقته ! 

وبعد تأزّم المشكلة بينهما ، أخبرها الحقيقة التي صدمتها كثيراً ! وطلب منها كتمان الموضوع طوال حياتها ..

***


في يوم سفره وقبل ذهابه للمطار ، تفاجأ بحقيبتها بجانب شنطة ملابسه ! ثم خروجها من غرفتها بكامل اناقتها وهي تقول :

- ارسلت ابننا لأمي ، لنذهب معاً الى فرنسا

- لست ذاهباً في عطلة ، عليّ البحث عن ابي

- حلم حياتي أن ارى فرنسا ، واريد التسوّق من هناك ..هيا ارجوك!!

عادل بعصبية : الا تفهمين ؟! انا ذاهب للبحث عن الحقيقة .. رجاءً دعيني وشأني ، فهمّي يكفيني 


واشتدّ الشجار بينهما ، الى أن صرخت غاضبة :

- من واجبك أن تكافئني برحلةٍ سياحية ، لعدم فضحك يا ابن الحرام!! 


فصعق عادل من كلامها ! فحاولت التراجع بالإعتذار له .. 

لكنه قال بحنق : 

- انت طالق !! وبعد عودتي من فرنسا ، أُنهي الأمور القانونية بيننا

وغادر منزله ، وهي منهارة بالبكاء 

***


في البداية تعسّر بحثه عن والده ، فطلب المساعدة من الشرطة التي أخبرته بتواجده في المستشفى .. فذهب الى هناك ، ليخبره الطبيب أنه في مرحلةٍ متقدّمة من السرطان !


وبدخوله الغرفة .. وجد رجلاً أصلعاً ، أنهكه المرض .. وفور ملاحظة بيير التشابه بينهما ، بكى قائلاً :  

- كنت أعرف إن الربّ سيعاقبني لما فعلته بأمك ..

عادل : يعني تعترف انني ابنك 

- وكأنك نسخة عني وأنا شاب ! 

- وكيف كانت علاقتك بأمي ؟

بيير بندم : هي كانت اجمل ما حصل في حياتي 

- ولماذا تركتها ؟


بيير : لأنني كنت زير نساء .. وكان مبدأي الحصول على وردة من كل بستان ، لهذا واعدت فتيات من جنسياتٍ المختلفة .. لكن العربية كانت أفضلهن وأخلصهن للحبيب .. إلاّ أنني لم أقتنع بأن أمك تكفيني ، رغم انها أعطتني كل ما تمنّيته .. ربما لحبي للحرّية ، وكرهي لروتين الزواج وتحمّل المسؤولية .. فقد كنت عاشق لبداية العلاقات .. وحين يطالبنني بالإرتباط ، أفرّ هارباً لحبٍ جديد .. 

عادل : وهل لديك ابناء غيري ؟ 

- لا 

- الم تفكّر يوماً بي ؟

- لا

عادل بدهشة : لماذا ؟!


بيير : لأن امك أخبرتني بآخر اتصالٍ بيننا : انها قرّرت إجهاضك ، لهذا تفاجأت برؤيتك ! فهي لطالما أخبرتني بخوفها من جدك في حال علم بذنبها 

عادل : لا أحد عرف بسرّها ، وزوجها المرحوم ربّاني كأني ابنه 

- يبدو أن الربّ عوّضها بأفضل مني .. رجاءً عادل لا تلومها ، فما حصل كان ذنبي وحدي  

عادل بحنق : وامي مخطئة ايضاً ، ما كان عليها إقامة علاقة مع شخصٍ من غير دينها 

- آه مشكلة الأديان ! نسيت هذا الموضوع

- يعني انا في جميع الأحوال ابن حرام 


بيير : أنا مستعدّ لنسبك لعائلتي إن رغبت في ذلك

- لا !! هذا سيفضحني في بلادي ، وسأخسر اعمامي الذين لا يعلمون بهذه الفضحية  

بيير : كما تشاء .. ليتني كنت ثرياً لوهبتك مالي ، لكني اتعالج على حساب الدولة كما ترى 

- هل تحتاج مالاً ؟ 

- اريد منك فقط أن تكون متواجداً في جنازتي .. كما أشكر امك بالنيابة عني لحسن تربيتها لك  


فأمسك عادل يد والده برفق ، محاولاً السيطرة على مشاعره المضّطربة 

***


قام عادل بتمديد إجازته ، لإنهاء عزاء والده .. 

وبعد عودته للوطن ، تفاجأ بطليقته (التي هاجرت لإستراليا مع ابنه) قد فضحت سرّه لدى اعمامه ، وفي جامعته ايضاً !


وفور دخوله الجامعة .. توجهت انظار الطلبة والأساتذة اليه ، التي تفاوتت بين السخرية والإشمئزاز ! 


وقبل جلوسه في مكتبه ، طلب المدير رؤيته .. وهناك اخبره عن تقاعده المبكّر

عادل بدهشة : تقاعد مبكّر ! انا لم ابلغ الأربعين بعد

المدير بحزم : على اساتذة جامعتي أن يكونوا قدّوة لطلاّبهم 

عادل : ما حصل قبل ولادتي ليس ذنبي !

المدير بلؤم : تلك مشكلتك وحدك

عادل بعصبية : فهمت !!

- المحاسب سيعطيك تعويض نهاية الخدمة ، ولا تنسى تسليمه مفاتيح مكتبك 

***


في موقف الجامعة ، إلتقى عادل بريم .. فقال غاضباً : 

- رسمتك اللعينة دمّرت حياتي !!

ريم : أتريد التكلّم في الموضوع ؟ 

- نعم !! إركبي السيارة ، سنتحدث في المطعم

وخرجا معاً من الجامعة

***


في المطعم ، أخبرها بموجز ما حصل

ريم بدهشة : آسفة ! لم اكن اعرف إن الأمور ستتطوّر لهذه الدرجة 

- بسببك كرهت امي ودفنت ابي الحقيقي ، وتدمّر زواجي ..وهاجرت طليقتي مع ابني الذي ربما لن اراه مجدّداً .. وهآ انا اطرد من عملي ايضاً .. (ثم نظر اليها بغضب) ..أصبح من واجبك تعويضي عن كل ما حصل 

- كيف !

عادل : أن تبقي بجواري طوال حياتك

- لم افهم !

- هل تتزوجينني ؟ 

وقبل أن تجيبه ، أكمل كلامه : 

- بشرط !! أن لا يعرف اهلك بالحقيقة .. وبعدها نسافر لفرنسا لنعيش في منزل والدي الذي ورثته عنه ، فهناك لن يهتم أحد بطهارة نسبي 

ريم بابتسامةٍ حنونة : موافقة

عادل بدهشة : أحقاً !


فأخرجت كرّاساتها العشرة الخاصة بالرسم ، ووضعتهم امامه

ريم : إفتحهم 

فوجد رسمته في كل صفحات الكراريس ! 

ريم : حين أمسكتني في المحاضرة ، أخبرتك انني رسمت كل الأساتذة .. لكني كذبت .. أنا لم ارسم شاباً غيرك في حياتي ، فقد أعجبت بك من لحظة دخولك القاعة.. ومن يومها وانا مهووسة برسمك .. ولم تمضي ليلة إلاّ ودعوت ربي أن يجمعنا سويّاً ..وهآقد تحقّقت معجزتي !!

- لم تكن معجزة ، بل قنبلة نوويّة دمّرت حياتي

ريم بسعادة : لا يهم ، فالنتيجة واحدة .. سأكون مع حبيبي اخيراً 


عادل بضيق : بصراحة لا ادري إن كان سيكون بيننا شهر عسل ، فأنا مازلت أحمّلك مسؤولية ما حصل 

- يكفي أن اكون بجانبك .. ولا تقلق ، لن تعرف عائلتي بموضوع والدك الفرنسيّ

وأمسكت يده بحنان ، لتعود اليه مشاعر الإنجذاب نحوها !

***


بعد انتهاء شهر العسل ، ودّعها عادل للذهاب الى عمله في الجامعة الفرنسيّة ..


وفي الصالة .. فتحت العروس ريم حاسوبها ، لكتابة مذكراتها :

((هآ انا حقّقت حلمي بالزواج من حبيبي ، دون علمه بحقيقة ما جرى ! ولإراحة ضميري ، سأدوّن ما حصل .. انا من عائلةٍ متواضعة ، وكنت أحلم دائماً بالزواج من عريسٍ ثريّ .. لهذا جمعت مصروفي كل شهر للذهاب الى قهوة ستاربكس في حيٍّ راقي .. وأمضيت الوقت بالرسم وانا ارتشف قهوتي ، على أمل لفت إنتباه أحد الشباب الأثرياء هناك ... وفي يومٍ حارّ .. إجتمعت حماتي بصديقتها ، وجلستا خلفي .. فسمعت صديقتها تسألها عن وسامة ابنها الأوروبية ، واختلاف شكله عنها وعن زوجها .. فأخبرتها حماتي بسرّها .. بعدها بقليل دخل ابنها عادل الى القهوة .. وعلى الفور أُعجبت به ، لكنه لم ينتبه لوجودي .. فتبعتهما بسيارة الأجرة ، الى أن وصل لجامعته بعد توصيل امه الى منزلها .. وسألت الطالبة التي كان يحدّثها ، عن إختصاصه .. فأخبرتني انه دكتور في علم الإجتماع .. وكنت حينها خرّيجة فنون جميلة ، وهذا سرٌّ آخر لا يعلمه عني .. المهم جلست في القاعة بمكانٍ قريبٍ منه .. وأخذت أشخبط بقلمي بطريقةٍ تلفت إنتباهه .. وكانت رسمته هي الطعم في السنّارة .. ولاحقاً أطلعته على سرّ امه بطريقةٍ ملتويّة والتي أدّت لنتائجٍ سلبية في حياته ، جعلتني بنهاية المطاف خياره الوحيد بعد فضيحته المدويّة .. ليس هذا فحسب .. البارحة علمت انه يحضّر معرضاً لرسوماتي ، كهدية عيد ميلادي .. وبذلك أكون حقّقت كل احلامي))


ثم أغلقت حاسوبها ، وهي تقول في نفسها :

(فقط الأغبياء يشكّكون بدهاء المرأة ، فلا شيء يوقفنا عن الوصول لأهدافنا .. ولدينا القدرة على التخطيط برويّة ، كالطبخ على نارٍ هادئة .. بصراحة لم أنوي هدم حياة عادل السابقة .. لكن الدنيا فرص ، ولن أتهاون في استغلالها لصالحي)

وابتسمت بخبث !

الصداقة الأبديّة

تأليف : امل شانوحة  التعلّق المرضي إلتحق جاك بالمدرسة المتوسطة في منتصف العام .. وحين نزل الى قاعة الطعام ، لاحظ طالباً يأكل وحده بوجهٍ حزين...