‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة رومنسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة رومنسية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 يونيو 2026

انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة 

بين الفقد والأمل


عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغم عقمها .. وبعد سنواتٍ طويلة من العلاج ، حملت اخيراً .. وكان كلا الزوجيّن ينتظران مولودهما الأول بفارغ الصبر .. 

وبشهرها الثامن ، ضجّ الإعلام بخبر وفاتها مع جنينها بحادث سير على الطريق العام .. مما افقد مراد صوابه ، خصوصاً بعد علمه بأن المُتسبّبة بالحادث : هي سارة (الآنسة ثلاثينية) التي دخلت بغيبوبة بعد الحادثة .. والتي عملت كسائقة حافلةٍ صغيرة ، تابعة لمدرسةٍ ابتدائيةٍ شعبية ..


وبعد انتهاء العزاء .. تردّد مراد على المشفى بانتظار استيقاظ سارة ، لمعرفة اسباب الحادث ..

حيث رشى الممرّض ، للسماح له بدخول غرفتها .. رغم منع الشرطة إقترابه منها ، بعد شعورهم بغضبه الشديد اتجاهها 

^^^


وخلال الليالي التي بقيّ ساهراً امامها ، خطرت بباله مراراً : فكرة خنقها بالوسادة حتى الموت .. فهي حرمته حب حياته ، ومن شعور الإبوّة .. 

رغم ان شرطة المرور والشهود أكّدوا قيامها بخطوةٍ جريئة بعد انحراف شاحنةٍ امامها .. ولكيّ تحمي 20 طالباً من موتٍ حتميّ ، خاطرت بحياتها بالإنحراف نحو اليمين .. مما أدّى لاصطدامها بسيارة زوجة مراد التي ماتت على الفور .. بينما صدمت سارة رأسها بزجاجها الأماميّ بعنف ، مُتسبّباً بغيبوبتها ..

لكن مراد لم يهتم بنجاة الطلّاب الفقراء ، بل صبّ اهتمامه على عقاب سارة التي دمّرت حياته.. ولهذا تكفّل بعلاجها ، لكيّ يضمن نجاتها !

***


وطوال شهر غيبوبتها .. جلس مراد بجانب سريرها لساعات ، وهو يتأمّل جمالها البريء.. مع عدم السماح لنفسه بتطوير مشاعره اتجاهها ، فهي بالنهاية قاتلة عائلته .. ولهذا خطّط طوال تلك الليالي ، بطريقة تجعلها تدفع الثمن غالياً ..

***


الى ان اتى يوم ، استيقظت فيه اخيراً .. لتجد اهلها بجانبها ، يُهَنِّئونها على السلامة ..لكن بنفس الوقت وجوههم قلقة ، كأنهم يخفون أمراً مريباً ! 


وبعد إصرارها على معرفة ما حصل.. اجاب اخوها :

- جميع الطلاّب بخير يا سارة ..أصيبوا بجروحٍ بسيطة ، وتعالجوا جميعاً.. لكن المشكلة بزوج المرأة الحامل التي ماتت بالحادثة ، فهو يصرّ..

فقاطعته بقهر : لم يكن امامي حلٌ آخر ، فالشاحنة انزلقت باتجاهي بعد انفجار إطارها !

- نعلم ذلك ..والشرطة اخبرت الرجل ببطولتك الجريئة ، لكنه مُصرّ على عقابك

سارة بخوف : هل سيسُجنني ؟!

اخوها : لا ندري بعد.. هو يرفض الكلام معنا.. حتى انني اخبرته باستعدادنا لرهن منزلنا ، لدفع تعويضٍ له.. لكن ذلك آثار غضبه .. وأخبرني انه ليس بحاجة لمالنا القذر !


وقبل إكمال كلامه ، دخل مراد الغرفة دون استتئذان ! وهو ينظر لسارة بحنق :

- اخيراً استيقظتي !! قدمت فور علمي بشفائك

سارة بارتباك : سيدي ، انا..

مراد مقاطعاً بلؤم : أغلقي فمك !! لم آتى لسماع تبريراتك عن الحادثة .. 


ثم فتح باب الغرفة وهو ينادي اشخاصاً من الخارج .. وما ان دخلوا ، حتى صُدمت عائلة سارة برؤية موظفٍ حكوميّ ورجليّن !

فسأله اخو سارة بقلق : مالذي يحصل ؟!

مراد : هذا كاتب عدل وشاهديّن .. سأتزوج سارة بالحال

وجاء كلامه صادماً للجميع !


سارة بارتباك : سيدي .. انا لا اريد الزواج مطلقاً

مراد بعصبية : أصمتي !! زواجك بي ، ليس خياراً.. بل أمر واجبٌ عليك.

سارة بقلق : وفي حال رفضت ؟

مراد : ارفع قضية تعويض ، تُفلسك انت وأهلك بعد بيع جميع املاككم

فصمت الجميع برعب !


ثم وجّه كلامه للموظف الحكومي : 

- رجاءً ، قم بواجبك

فجلس الموظف بجانب سريرها ، وهو يفتح دفتره :

- آنسة سارة ..هل توافقين على الزواج من السيد مراد ؟


فنظرت للعريس بعيونٍ دامعة .. فهي لا تعرف الرجل الذي يكبرها بعشرين سنة ! والذي كان واضحاً من عيونه الحادّة ، انه سيؤذيها بعد الزواج

لكنها ايضاً شعرت بخوف اهلها على مصيرهم الماديّ .. ولهذا وافقت مُرغمة بتوقيع عقد الزواج بيدها المرتجفة ! 


وبعد خروج الموظف والشاهديّن من الغرفة .. نظر مراد الى أهلها ، وهو يقول بحزم : 

- من اليوم ستنسون ان لديكم ابنة اسمها سارة التي سأجبرها على مقاطعتكم.. فنسبكم الوضيع لا يليق بمستوايّ الإجتماعي.. وإن حاولتم البحث عنها ، سأرسل من يحرق منازلكم !!

فالتزم الجميع الصمت برعب ، امام تهديده الغاضب !

مراد : والآن اريد البقاء وحدي مع عروستي القاتلة 

ثم سمح لهم بتوديعها للمرة الأخيرة


وبعد ذهابهم ، اقترب من سريرها مُهدّداً :

- سأجعلك تتمنّين الموت الف مرة.


ثم ازال المصل بعنف عن ذراعها ، جعلت الدماء تنفر منها وهي تحاول كتم ألمها

مراد بنبرةٍ آمرة : 

- هي إلبسي بسرعة !! سآخذك لمنزلي الجبليّ.. انتظرك بالخارج ، لا تتأخري


وبصعوبة نزلت من سريرها ، وهي مازالت تشعر بدوار المخدّر.. ولبست ثيابها وهي قلقة من قتلها ببيته الجبلي ، لكنه لم يترك خياراً آخراً امامها

^^^


في الطريق .. جلست تنظر من نافذتها بشرود ، وهي تتذكّر صراخ الطلّاب قبل لحظات من الحادثة.. محاولةً تجاهل انفاس العريس الغاضبة ، وهو يقود بسرعة باتجاه المنزل الذي سيكون سجنها قريباَ

^^^


بعد ساعتين ، وصلا الى هناك.. لكن جسمها كان متعباً للغاية ، لدرجة عدم قدرتها على الخروج من السيارة

مراد صارخاً : هيا اسرعي !! هل تمشين على قشر بيض ؟

سارة بإرهاق : جسمي مازال مُخدّراً بالأدوية ، وأطرافي خاملة..


وقبل ان تكمل عذرها ، تفاجأت بحمله لها ! ليس كعريس يحمل عروسته ، بل اقرب الى ذبيحة على وشك شوائها بالنار !

^^^


وبالفعل ما ان وصل لسرير غرفتها ، حتى رماها بعنف فوقه ..وهو يقول :

- ستُسجنين بهذا البيت ، الى ان تترجّيني على قتلك


ثم خرج ، وقفل الباب عليها من الخارج.. بينما انهارت سارة بالبكاء ، بعد تأكّدها بأنها ستعيش اسوء كوابيسها في الأيام القادمة 

^^^


بعد ساعة .. دخل عليها وهو يحمل صينية الشوربة :

- اريدك ان تستعيدي صحتك سريعاً .. لأن الأسابيع ، وربما الشهور القادمة لن تكون سهلة عليك


ثم خرج من غرفتها مجدداً .. وهذه المرة نسيّ إغلاق الباب ، بعد انشغاله بمكالمة على جواله..

فشربت حسائها ، وهي تستمع لمقتطفات من حديثه مع قريبه :

((انا اعرف كيف آخذ حقي منها.. لا تقلقوا بشأني ، لن ادخل السجن بسببها.. لكني سأجعلها تندم على اليوم الذي قتلت فيه حبيبتي))


فارتاحت قليلاً ، لمعرفتها بأنه لن يقتلها ويدفنها بالجبل.. خصوصاً بعد عثورها على ملف بخزانة غرفتها ، فيه شهادات تقدير : عن كونه افضل تاجرٍ بالبلد.. وهذا يعني انه لن يدمّر سمعته المهنية ، للإنتقام منها.. 

كما وجدت صورة تجمعه بزوجته الفاتنة ، حيث كان واضحاً نظرات الحب بينهما.. ولهذا أدركت حجم الألم في قلبه.. وقرّرت الصبر لأجل عائلتها

***


وفي الأيام التالية ، بدأ عقابه لها : من خلال إجبارها على تنظيف جميع غرف منزله ، كما اعتنائها بحديقته ، وترتيب صناديق عمله المتراكمة بالعلّية ، والطبخ له بالأصناف التي يختارها ، والإهتمام بكل الشؤون المنزلية .. 

بينما هو منشغلٌ بالعمل على حاسوبه ، اثناء مراقبته عملها الذي استمرّ منذ الصباح حتى المساء كل يوم !

***


وبعد اسبوعين من العمل المتواصل .. سمع مراد طرقاً على بابه ، بوقت العصر.. فاستغرب ذلك ! فهو لم يخبر اقاربه بأيّ منزلٍ من املاكه ، حبس سارة فيه


وعندما فتح الباب .. وجد رجلاً بدى عليه إرهاق السهر ، سلّمه طفلاً صغيراً وهو يقول:

- سيدي .. انا فلان الفلاني ، جاركم بالمنزل المجاور.. زوجتي بالسيارة تلد طفلنا الثاني .. ولا ادري اين اضع ابني البكر.. وكنا لمحنا زوجتك قبل ايام وهي تعتني بالحديقة.. رجاءً اعتنيا بإبننا ، ريثما نعود 

وأعطاه حقيبة اغراض الولد ..


وقبل ان يستوعب مراد المهمّة ! أطلقت زوجة الرجل صرخةً موجعة من السيارة ، جعلته يركض نحوها .. ثم قيادة سيارته مبتعداً!


فدخل مراد منزله ، وهو ينادي على سارة التي نزلت من العلّية .. لتنصدم بحمله لطفلٍ لم يتجاوز السنة .. وضعه في حضنها ، وهو يخبرها عن جاره الذي لم يره من قبل !

سارة : حسناً سأهتم به ، لحين عودته مع زوجته ومولدهما بالسلامة

فسلّم مراد الحقيبة لها : 

- وهذه اغراض الصبي

سارة : اذاً سأحضّر حليبه في الحال .. فالصغير يبدو جائعاً


وصار مراد يراقبها من بعيد .. وهي تدنّدن للطفل الذي تحمله بذراع ، وبيدها الأخرى تُحضّر حليبه على عجل بعد انفجاره بالبكاء

- حسناً حبيبي .. الطعام قادم .. إنتظر ريثما يسخن الحليب.


ثم دخلت معه الى غرفتها .. وفوق سريرها ، وضعت الوسادة على قدميها .. وهي تهزّ الصغير الذي تُشربه الحليب .. دون علمها بمراقبة مراد لهما من شقّ الباب ، وهو يسمعها تغني للطفل بصوتٍ أموميّ حنون 


فتركهما بمفردهما ، وعاد الى الصالة بعيونٍ دامعة وهو يتذكّر زوجته التي رغم حملها بعد علاجٍ طويل ..الا انها اخبرته : برغبتها تعين مربية لإبنهما ، دون تضيع وقتها بالإهتمام به ! 

بينما سارة تهتم بإبن الجيران كأنه طفلها ، وبكل حنانٍ ومحبة .. جعلت الصبي يعتاد عليها سريعاً ، رافضاً ترك حضنها طوال اليوم! 

***


وفي اليوم التالي .. اخذ مراد يراقبها وهي تحاول تعليم الطفل المشي بالحديقه ، وهي تشجّعه بلطفٍ ومثابرة :

- هيا يا صغيري .. عمرك قرابة سنة .. عليك تعلّم المشي ، لكيّ تُسهّل عمل والديك مع قدوم اخيك الصغير .. هيا يا بطل !! بضعة خطواتٍ اخرى


فلم يجد مراد نفسه الا وهو يقف بالجهة المقابلة للصغير .. وهو يفتح ذراعيه ، لتشجيعه على المشي.. 


وبعد مرور وقتٍ بالمحاولة ، ترك الصغير حضن سارة ..متوجهاً بتردّد نحو مراد الذي حضنه بفخر ، وهو يقبله بسعادة بعد خطواته الأولى.. بينما سارة تخفي فرحتها ، لرؤية الجانب الرحيم من مراد لأول مرة !


وبعد قليل.. اضّطرت لتحميم الصغير بعد توسيخ نفسه.. وعندما دخل مراد غرفتها ، سمعها تغني للطفل بالحمام .. قبل ان تناديه ، دون وعيٍ منها :

- مراد !! اعطني المنشفة الكبيرة

وكانت المرة الأولى التي تناديه بإسمه ، دون لقب سيد !


وعندما دخل الحمام.. وجدها بفستانها المبلول ، داخل حوض الإستحمام مع الصغير.. ورغم التصاق الفستان بجسمها الا انها لم تخجل منه ، فهو بالنهاية زوجها التي طلبت منه لفّ الصغير بالمنشفة ، وإلباسه ثيابه التي تركتها على سريرها .. بينما تكمل استحمامها على عجل..


فصار يُلبس الصغير ، وهو يتمّتم بصوتٍ مقهور : 

- كان المفترض ان اكون الآن أباً لطفلٍ جميل .. لكن القدر اخذ جنين زوجتي السابقة ، وأبدلني بك وبسارة.


وبعدها خرجت سارة وهي تلبس روب المنشفة .. واقتربت من مراد برائحتها الجميلة وشعرها المبلول ، وهي تربت على كتفه :

- بابا مراد.. الصغير يلبس قميصه بالمقلوب .. أعدّ الباسه له ، لحين اختيار ملابسي

وفتحت الدرج وهي تسأله :

- لم احضر الكثير من الغيارات معي.. فهل تسمح باستعارتي لملابس المرحومة؟

فأومأ برأسه ايجاباً ، وهو مازال منشغلاً بالصغير


فاختارت فستاناً ، وعادت للحمام .. ثم خرجت وهي تلبسه ..

وما ان رآها ، حتى قال بضيق :  

- الم تجدي غير فستانها الأحمر ؟

سارة باستغراب : وهل هناك مشكلة ؟!

- كنت اعشقها به

- حسناً سأغيّره بالحال

لكن بكاء الصغير المفاجئ ، جعلها تسارع بحمله وهي تقول : 

- لابد انه جائع.. سأطعمه اولاً .. ثم أغيّر الفستان 

مراد : لا داعي لذلك.. فقط اهتمي بالصغير


ثم اخذ جواله للإتصال بالمشفى المتواجد بالجبل ، على امل ان يكون جاره هناك..

وبعد ان اعطى مراد اسم جاره لموظف الإستقبال ، اوصله هاتفياً بغرفته..


فاعتذر الجار عن تأخره يومين.. طالباً المزيد من الوقت ، لعلاج مشكلةً صحية بمولوده الجديد ..فوافق مراد ، مرغماً على ذلك.. 


ثم ذهب للمطبخ ، لإخبار سارة بالأمر ..فأجابت :

- كان الله في عونهما.. 

ثم قبّلت الصغير الذي يشرب حليبه :

- اساساً تعوّدت على وجوده معنا

***


لكن في اليوم التالي ، ارتفعت حرارة الصغير.. فأحضر مراد الطبيب له ، والذي كتب لهم بعض الأدوية .. وطلب منهما التناوب على الإهتمام به ، لحين انخفاض حرارته ..

فأعطى مراد جواله الآخر لسارة (الذي احتفظ به بدرج مكتبه)..

- هذا سيكون رقمك الجديد ، لا تتصلي بأحد من معارفك القدامى .. سأذهب للصيدلية لإحضار ادوية الصغير .. وان احتجتما لشيءٍ آخر ، اتصلي بي فوراً 

^^^


وبعد عودته .. اضّطر مراد للبقاء بغرفة سارة ، لوضع الضمّادات الباردة على جبين الصغير.. ومن شدة تعب مراد ، نام بجانب سارة التي غفت وهي تحتضن الطفل المريض  

***


وفي الصباح التالي ، استيقظ الطفل نشطاً وهو يلامس وجههما .. فاستيقظ مراد وسارة منصدميّن من نومهما معاً ، بعد ثلاثة اسابيع على زواجهما ! 

ورغم انه شعورٌ جديد بالنسبة لسارة ، الا انها أحسّت بالطمأنينة بجانب مراد الذي لم يغادر السرير ، بل ظلّ يلاعب الصغير ويدغده .. بينما الطفل يضحك بسعادة ، بعد تعوّده على والديه الجديدين !


وهنا ادركت سارة ان عصبية مراد وغضبه منها بالفترة الماضية ، هي بسبب قهره على فقدان حبيبته وطفله الذي انتظر قدومه طويلاً .. ولذلك لم تعد خائفة منه ، بل تفهّمت جرحه جيداً 

^^^


ظهراً.. جلسا مع الطفل على طاولة الطعام ، وهما يتناوبان بإطعامه.. الى ان سمعا طرقاً على بابهما.. ليجدا الجار قدم مع زوجته التي تحمل طفلهما الثاني بالسيارة

- اعتذر عن الأيام التي قضاها ابني معكما.. لكن اليوم حتى سمحوا لنا بإخراج المولود من الحضّانة  

مراد : ان اردت ، يمكن لإبنك البقاء معنا فترةً اطول

الجار : لا داعي لذلك .. فحماتي قادمة بعد قليل ، لمساعدة ابنتها بالصغيريّن


ثم اخذ طفله الذي كان متعلّقاً برقبة سارة ، الا ان والده سحبه من حضنها ..وهو يقول له : 

- لا تبكي حبيبي .. فأمك بالسيارة .. الا تريد رؤية اخيك الصغير ؟


ثم شاهد مراد وسارة ، العائلة تذهب نحو منزلها المجاور .. وعادا للداخل وهما يشعران بفراغٍ كبير ، بعد ذهاب الصغير الذي قرّب المسافة بينهما


حيث حاول مراد إظهار تماسكه ، بتمثيل انشغاله بجواله.. 

بينما مسحت سارة دموعها وهي ترتّب المنزل من آثار الصغير الذي تعلّقت به كثيراً بالأيام الماضية

***


وفي المساء .. استيقظ مراد لشرب الماء ، ليجد سارة تبكي بالمطبخ وهي تحمل قبعة الصغير الذي تركها بسريرها 

مراد : يبدو انك تعلّقتي به !

سارة : جداً .. فأنا لطالما تمنّيت الأمومة

فردّ بقهر : وانا ايضاً رغبت الإحساس بالأبوّة ، الذي حرمتني انتِ منه

فتفاجأ بها تمسك يده بحنان :

- صدّقني لم يكن امامي حلٌ آخر .. فإمّا ان يموت 20 ولداً ، او اصطدم بسيارة زوجتك.. رجاءً سامحني.

فجلس امامها حزيناً :

- كانت حب حياتي.. لكن من خلال الأسابيع التي راقبتك فيها ، فهمت عيوب المرحومة

- ماذا تقصد ؟


مراد : الطبقة المخمليّة التي اعيشها ، تُجبرني على نوعٍ محدد من النساء.. وهن بالعادة انانيات ، يحببن قضاء وقتهن بالنادي وصالونات التجميل والتسوّق.. وعادةً لا يتحملن مسؤولية منزلٍ ومطبخٍ واولاد.. بل يتكلون على الطبّاخين والخدم والمربّيين.. وكان الأمر عادياً بالنسبة لي ..الى ان تذوّقت طعامك الشهي .. ورأيت ذوقك بترتيب المنزل وحدك ، دون خدمٍ بيننا.. كما عنايتك بالصغير وحنانك عليه .. وتمنّيت للحظة ، لوّ كنتِ فعلاً ام اولادي

سارة : انا اساساً زوجتك شرعاً .. هل نسيت ؟

فنظر اليها بدهشة :

- ألست غاضبة مني ، لزواجي بك بنيّة الإنتقام ؟!

- كان جرحك كبيراً ... فبيومٍ واحد ، خسرت زوجتك وطفلك الذي انتظرته طويلاً ... لهذا أتفهّم ألمك وصدمتك.. لكني لست شريرة ، ولم أتعمّد ايذاء احد.. بل تمنّيت كثيراً لوّ بقيت زوجتك حية ، وتوفيّت انا بالحادث 

مراد : لا تقولي هذا.. فأنت امرأة حنونة ، وسيدة منزلٍ رائعة.. هل تقبلين ان نفتح صفحة جديدة بحياتنا معاً ؟


سارة : إخبرني اولاً .. ماهي اللحظة التي جعلتك تقرّر ذلك ؟

فأجاب بتردّد : رؤيتك بحوض الإستحمام مع الطفل .. أغاظني جداً وجوده معكِ ! 

فسألته بابتسامة : هل غرت منه ؟!

- بصراحة نعم .. 

سارة : وانا أعجبني جانبك الرحيم الذي نجحت بتخبأته طويلاً ، الى ان فضحه الصغير المشاغب 

- أتدرين يا سارة .. الله ارسله الينا ، لتقريب المسافة بيننا

سارة : ما رأيك ان يكون لدينا طفلاً نرعاه ، كما اهتممنا بإبن الجيران ؟

مراد : موافق طبعاً !!

وحملها بحماس لغرفتهما ، ليبدأ شهر عسلهما الحقيقي ..

***


بعد اسبوع .. زار مراد وسارة عائلة الجار ، بعد شرائهما الهدايا للصغيريّن .. 

ثم ودّعتهم سارة قبل انتقالها الى قصر مراد في المدينة ، لبدء حياتهما الزوجية بعلاقةٍ صحية خالية من الخوف والرغبة بالإنتقام 

*** 


بعد عام ، وفور انجاب سارة لطفلها الأول .. سمح مراد بإعادة تواصلها مع عائلتها .. ليس هذا فحسب ! بل نقلهم الى منطقةٍ افضل ، بعد شراء منزلٍ كبيرٍ لهم.. كما ساهم بتوظيف بعض افراد اسرتها ، بمعمله الغذائيّ .. فهم بالنهاية اقارب ابنه الذي ملأ حياته سعادةً وفرحاً ، بعد ان اعطته سارة فرصةً أخرى للحياة !


الاثنين، 8 يونيو 2026

دفء الكواليس

تأليف : امل شانوحة 

شرفة الطابق العلوي


لم تبحث الكاتبة الأربعينية عن الأضواء حين وافقت على الإنضمام لفريق تصوير مسلّسلها في موسمه الثاني.


ومنذ وصولها للقصر (الذي يصوَّر فيه المسلّسل) أثارت فضول الجميع : بثيابها الفضّفاضة وشعرها المربوط ، ووجهها الخالي من الوان الزينة ! 

حيث اعتادت على قضاء وقتها في شرفة الطابق العلويّ للقصر ، مع حاسوبها التي تُعدّل عليه حوارات السيناريو حتى الصباح 


وإن اضّطرت للجلوس مع فريق العمل ، فهي تنسحب بهدوء نحو الطفليّن (المشاركيّن بالعمل الفني) لملاعبتهما ، والرسم لهما شخصياتٍ كرتونية على دفترها 


وكانت ضحكاتها الخافتة الخجولة ، كافية لجذب انتباه بطل المسلّسل اليها .. فهو رجلٌ خمسينيّ .. اشتهر بوسامته وعلاقاته الكثيرة ، بعد طلاقه من زوجته الأجنبية التي سافرت مع ابنهما للخارج !

ومنذ خسارة اسرته ، ارتبط اسمه بالشائعات والحفلات الصاخبة والعلاقات العابرة 

لكن لسببٍ لم يفهمه ! وجد نفسه يلتفت دوماً نحو الشرفة العلويّة ، باتجاه امرأةٍ هادئة لا تحاول لفت انتباه أحد.

***


في إحدى الليالي ، انتهى التصوير مُتأخراً.. فخرج البطل إلى الشرفة ، لتدخين سيجارته .. فانتبه على نوم الكاتبة فوق الطاولة ، بجانب حاسوبها المفتوح !

ودون وعيٍّ منه ، جلس بجانبها يتأمّل وجهها البريء ، وهو يلمس خصلتها الرمادية التي لم تحاول صبغها .. وأخذ يقارن يده الضخمة ، بأصابعها الصغيرة التي وضعتها فوق اوراق السيناريو .. حتى حذائها الرياضيّ البسيط ، ذكّره بإبنه !

وظلّ يبتسم لا شعورياً ، الى أن أحسّ بتحرّكها ..


فاتجه بسرعة نحو الشرفة ، مُشعلاً سيجارته .. بينما فتحت عينيها بتعب ، قبل تعديل جلستها مُعتذرة :

- آسفة .. يبدو أنني غفوت ! 

ثم سارعت بحمل حاسوبها ، متوجهةً نحو غرفتها المجاورة..


فلم يستطع المقاومة بأن يطلّ برأسه ، لمراقبة شرفتها .. 

ليجدها (بعد ان توضّأت) تمدّ سجادة الصلاة .. فأخذ يراقب خشوعها بذهول ..

- كم هي رائعة بالحجاب ! 


((وهنا تذكّر امه التي رآها تبكي وهي تجلس على سجّادة الصلاة (وهو بعمر الثامنة) 

- امي ! لما تبكين ؟

فمسحت دموعها : منذ زواجي ، ووالدك يؤمُّني في الصلاة .. والآن بعد وفاته ، اشعر بالوحدة 

فسارع بالقول : إنتظريني قليلاً !!

ثم توضّأ على عجل .. ومدّ سجادته امامها ، وهو يقول :

- منذ اليوم ، انا امامُك يا امي 

فصارت تدغّدغه ، وهي تبكي فرحاً :

- انت ابني البكر ، وسندي دائماً .. لا حرمني الله منك))


ثم عاد للواقع وهو يتذكّر خلافه الأخير معها ، بعد اصراره على دوره الأول بمهنة التمثيل : كحارس حانةٍ قذرة ! 

وبسبب ذلك قاطعته امه لسنوات ، رافضةً اخذ ماله الغير حلال 


وهنا مسح البطل دمعته ، وهو يتمّتم بضيق :

- سامحيني يا امي ، لم أفي بوعدي .. وتخلّيت عن الصلاة منذ دخولي عالم الفن ، رغم رفضك مهنتي القذرة منذ البداية .. ليتني سمعت كلامك ، ولم أعصي ربي يوماً 

ثم سارع بإطفاء سيجارته ، وهو ينظر للسماء : 

- ربي لا تتخلّى عني ، واهدني الى صراطك المستقيم

***


في الليلة التالية .. استيقظ مذعوراً من كابوسٍ خانق ، وهو يشعر بضيقٍ شديد في صدره.. فصعد مباشرةً الى شرفة الطابق العلويّ ، متوجهاً نحو الكاتبة المُنشغلة بتصحيح السيناريو .. 

وجلس بجانبها وهو يتنفس بصعوبة .. فسألته بقلق :

- لما وجهك مُتعرّقٌ هكذا ؟!

فسألها بتردّد : هل يمكنك ان تُرقيني ؟ فقد رأيت كابوساً مفزعاً : كأن الشياطين تسحبني من ذراع ، وأمي تسحبني من ذراعي الثاني وهي تبكي خائفة .. وقد ارعبني المنام فعلاً .. انت الوحيدة بيننا ، المُحافظة على صلاتها .. رجاءً اقرأي لي شيئاً من القرآن 

فوضعت يدها على رأسه الذي اسنده على طاولتها ، وهي تُرتّل المُعوّذات ..وكان صوتها هادئاً بشكلٍ جعلت دموعه تنهمر دون ارادةٍ منه ، لتذكّره امه وهي تُحصّنه بالقرآن قبل نومه 


ثم التفت نحو الكاتبة ، وهو يقول بحزن :

- كم اشتقت لعائلتي .. امي وأخوتي الثلاثة الذين قاطعوني منذ امتهاني الفن

- هم فعلوا ذلك خوفاً عليك ، لا كُرهاً لك

فنظر اليها بعيونٍ دامعة : 

- انت تذكّريني بدفء المنزل .. الوحيدة التي جعلتني اشتاق لنفسي القديمة 


وقد أربكها كلامه الحنون ، لدرجة إدّعائها النعاس .. ثم حملت حاسوبها وأوراقها الى غرفتها.. لكن رجفة قلبها ، منعتها النوم تلك الليلة

***


بعد أيام ، احتفل فريق العمل بعيد ميلاد البطل في حديقة القصر.

حيث امتلأت الطاولة بالساعات الفاخرة والعطور والهدايا الباهظة..

أما الكاتبة ، فتقدّمت نحوه بخجل وهي تحمل قارورة ماءٍ صغيرة :

- هذه ماء زمزم.. أحضرها أقاربي من مكة..

فقاطعتها البطلة بلؤم :

- هل هو ماءٌ مسحور لجذب البطل اليك ؟

فحاولت الكاتبة كتم غضبها ، بردّها الهادئ : 

- كما ترين ، مكتوب ماء زمزم على القارورة المختومة بإحكام .. ثم لن أعصي ربي لأهدافٍ دنيوية  

ثم نظرت للبطل :

- ان دعوّت ربك قبل شربها ، ستحميك بإذن الله من الكوابيس 

فابتسم قائلاً :

- هذه أغلى هدية حصلت عليها في حياتي 


فساد الصمت بين الحضور ! بينما اكتفت الكاتبة بابتسامةٍ رقيقة ، قبل دخولها الى القصر

^^^ 


بعد قليل .. أحضر البطل صحن الكيك اليها ، اثناء انشغالها على حاسوبها بشرفة الطابق العلويّ (مكانها المعتاد) 

- الن تأكلي من كيك عيد ميلادي ؟

فشكرته على لطفه ، وهي تقول :

- لا تترك اصدقائك وحدهم ، فهم مجتمعون للإحتفال بك 

لكنه جلس بجانبها ، وهو يسألها بجدية :

- لما تهربين دائماً من الناس؟

- الضجيج لا يناسبني 

فردّ بغزل : لم تنجح خطتكِ ، فملك الضجيج يُلاحقك في كل مكان 


وغمزها بدلال .. وللمرة الأولى شعرت بشيءٍ دافئ يتسلّل الى قلبها الذي اعتاد الوحدة طوال حياتها !

***


مع الوقت ، صار يفتعل الأسباب للجلوس معها : امّا بتناول العشاء البسيط معها بالمطبخ ، متجاهلاً البوفيه الفاخر لفريق العمل .. او بسؤالها عن مشاهده بالسيناريو.. او حتى فتح مواضيع دينية ، تعلّمها من امه سابقاً .. وأحياناً يكتفي بالتدخين ، وهو يراقبها تعمل بهدوء على حاسوبها .. بينما حرصت الكاتبة على ابقاء مسافةٍ حذرة بينهما

***


لاحقاً ، اضطرّت إحدى الممثلات للإنسحاب من المسلّسل ، بعد مشكلةٍ مفاجئة مع المخرج .. وكاد يتوقف تصوير الحلقة التي سيتأخر موعد عرضها على الجمهور 

فاقترح البطل ان تقوم الكاتبة بالدور ، فهي تحفظه (بما انها كتبته)

فوافقت الكاتبة مُرغمة ، بعد الحاح المخرج الذي تفاجأ باتقانها للدور بشكلٍ لم يتوقعه احد !

حتى ان طاقم التصوير انفجر ضحكاً ، بعد صعود الكاتبة على الكنبة لصفع الشرير بالمسلّسل (لقصر قامتها) 

ورغم انه خطأ بالتمثيل ، الا ان المخرج لم يحذف المشهد الذي اصبح متداولاً فور عرضه ، لتصرّفها العفوي الذي اعجب الجمهور .. مما أشعل غيرة البطلة التي اساساً تكرهها ، بسبب انجذاب البطل لها في الكواليس ! 

***


وفي رحلة تصويرٍ خارج المدينة ، تعطّلت حافلتهم قرب غابةٍ مع حلول المساء..

وارتبك الجميع لعدم وجود شبكة اتصالات هناك !

لكن الكاتبة حافظت على هدوئها .. حيث أشعلت ناراً صغيرة ، وأعدّت الطعام التي احضرته (تحسّباً لأيّ طارئ) 


وبعد العشاء .. لمحت الكاتبة نوراً بالجهة المقابلة للنهر ، فصارت تنير وتطفئ جوالها كإشارات مورس .. وسط دهشة فريق العمل !  

ولحسن الحظ ، ان ذاك الصيّاد كان خبيراً بلغة الإشارة .. وقدم بسيارته لتزويدهم بالوقود


وعادوا الى القصر قبيل الفجر ، والبطل أشدّ تعلّقاً بالكاتبة التي تبهره كل يوم بتعدّد مواهبها !

*** 


في المقابل ، كان الإنجذاب الواضح بين البطل والكاتبة يُثير غضب البطلة التي كلّمتها على انفراد :

- الا يكفي انك أجبرتنا على تمثيل مشاهدٍ عاطفية دون قبلات ، مع تدخلك بحشمة ملابسي .. والآن تحاولين تقليل المشاهد بيني وبين البطل 

الكاتبة بهدوء : 

- اولاً : قصتي تناقش الحب العذري ، ولهذا ارفض التجاوزات الأخلاقية بجميع قصصي بشكلٍ عام .. فأنا لن اكسب الذنوب بسبب جرأتك الفاضحة .. وثانياً : البطل صديقٌ وزميل ، ليس اكثر

البطلة بعصبية : لا تنكري !! الجميع لاحظ انجذابه لك .. وان لم تبتعدي عنه فوراً !! سأخبر متابعي مسلّسلنا عن محاولتك التفريق بين حبيبيّن ، وسيكرهك الجميع 

الكاتبة : اساساً مشاهدي بالمسلسل انتهت..

البطلة مقاطعة بلؤم : اذاً ارحلي دون وداع !!

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأ الجميع برحيل الكاتبة التي اكتفت برسالةٍ نصية للمخرج : عن عودتها الى قريتها ، بسبب مرض امها المفاجئ .. وبعدها ابقت جوالها مغلقاً ! 

وبذهابها المفاجئ ، اصبح القصر فارغاً دون روح ! 

خصوصاً بالنسبة للبطل الذي يشرد بخياله كلما وجد طاولتها فارغة ، اثناء تدخينه السيجارة بشرفة الطابق العلويّ

فهو لم يستطع اللحاق بها ، لتصويرهم الحلقات النهائية للمسلّسل

*** 


بعد شهر .. واثناء جلوس الكاتبة على أرجوحة مُعلّقة بين شجرتيّن ، وهي تقرأ كتاباً تحت ضوء الشمس.. توقفت عن التأرجح ، بعد إمساك البطل الحبال من الخلف .. فالتفتت اليه بصدمة !

بينما سألها بعيونٍ مرهقة : 

- لما هربتِ مني ؟! الا تدرين كم تعبت من المجتمع المُصطنع ، وأضواء الشهرة الزائفة ؟ معك فقط ، شعرت بطبيعتي التي نشأت عليها 

ثم جثا على ركبته ، وهو يرفع خاتماً الماسيّ : 

- هل تقبلين الزواج من رجلٍ يحاول اصلاح نفسه ؟


فسكتت الكاتبة قليلاً ، قبل ان تقول بلطف : 

- اوافق بشرط !! ان لا تعود للعالم الذي أثقل روحك 

البطل : هل اترك التمثيل ؟ 

- فقط اخترّ ادواراً نظيفة ، كمسلّسلنا الذي اعجب الجميع 

البطل : وأنا موافق على كل ما تطلبينه ، حتى لوّ طلبتي كنوز الدنيا كمهرٍ لك 

- مهري هو عمرة لبيت الله الحرام .. دعنا نبدأ حياتنا الزوجية بصفحةٍ نظيفة خالية من الذنوب .. وأتمنى ان تقبل والدتك مرافقتنا بتلك الرحلة الطاهرة 

البطل بدهشة : هي امرأة كبيرة بالسن ..

مقاطعة : سأخدمها كوالدتي تماماً .. فأنا ابنة ضيعة ، ومن عاداتنا خدمة كبار السن  

فردّ بابتسامة : انت اصيلة ، وأمي ستعشقك حتماً

- وانا من سأصالحك مع عائلتك .. اعدك بذلك 


ثم لبست الخاتم بعد شعورها لأول مرة باندفاعٍٍ لتجربة الحب ، التي لطالما كتبت عنه دون شعورها به ! 

وهكذا بدأت قصة عشقٍ حقيقية وُلدت خلف الكواليس .. من شرفةٍ علويّة ، منحت الدفء لروحيّن أتعبتهما الوحدة والمشاعر الزائفة ! 


الثلاثاء، 26 مايو 2026

جسد بلا روح

تأليف : امل شانوحة 

الإبتسامة المؤجلة


صعد الزوج إلى علّية المنزل ، بحثاً عن علبة العدةّ لإصلاح عطلٍ بمطبخه

ليلفت انتباهه صندوقٌ مغطّى بالغبار..

فاعتراه الفضول ، وفتحه .. ليجد بداخله :

((ملفاتٌ قديمة… صورٌ جماعية … بطاقة عمل بإسم زوجته ، عندما كانت موظفة بإحدى الشركات قبل زواجهما.. ودفتر مذكّراتها))


حين بدأ يتصفّح الدفتر ، شعر انه مكتوب بيد امرأة لم يعرفها يوماً ! مليئة بالحماس والطاقة ، والأحلام المتفائلة بالمستقبل .. خاصة عندما تصفّ زميلها : بحب حياتها ، كأنه بطل روايتها !

لكن بنهاية الدفتر ، تغيّر كل شيء ! حيث باتت متشائمة من الحياة ، وهي تصفّ حبيبها بكلماتٍ موجعة :

((أكره اليوم الذي عرفتك فيه…أكره نفسي لأنني صدّقتك…سأتزوج أول رجلٍ يطرق بابي ، حتى لوّ لم أحبه… فقط لأعاقب قلبي على سذاجته ، بحبّه شخصاً مخادعاً وكاذباً مثلك..))


أغلق الزوج الدفتر ، بعد فهمه كل شيء .. 

مُستعيداً ذكرياته مع زوجته التي بدت كتمثالٍ جامد طوال شهر العسل ! وكيف كان يستيقظ بجانبها ، وآثار الدموع على وجنتها وهي نائمة .. 

حتى عندما أنجبت طفلهما الأول ، حضنته دون حنانٍ او حماسٍ للأمومة ! 

وبمرور السنوات ، أدّت جميع واجباتها كزوجة وأم بإتقانٍ وكمال ، كأنها روبوت : حيث طبخت ونظّفت وربّت واعتنت ، كلّه دون روح!


حينها عقد الزوج العزم على مساعدتها لإغلاق صفحة الماضي ، وحصولها على الراحة النفسيّة التي تستحقها

***


وبعد البحث عن زميل زوجته القديم ، وجده في غرفة بمستشفى حكومي..

رجلٌ أنهكه السرطان على مدى سنتيّن ! 


وبعد السلام عليه ، اراه صورة زوجته يوم زفافها : وهي ترتدي الفستان الأبيض بشرود ، وعيناها فارغتان بشكلٍ مخيف .. وهي تقف بجانب زوجها كالشبح !

اعطاه الصورة وهو يسأله (محاولاً كتم غيظه) :

- أتعرف هذه المرأة ؟

وما ان رآها المريض ، حتى ادمعت عينيه : 

- كانت حبيبتي !

فجلس الزوج أمامه ، وهو يقول : 

- هي زوجتي الآن ، وأم أولادي الثلاثة.. لكن بسببك !! حصلت فقط على جسدها ، بعد تحطيمك روحها ! 

فطأطأ المريض رأسه بندم :

- انا لم اكرهها يوماً .. بل العكس ، احببتها اكثر مما ينبغي.. كانت بريئةٌ جداً كالأطفال ، وتخيّلتني طاهراً مثلها .. لهذا أحبتني بصدق ، رغم كل عيوبي !

الزوج : الهذا هربت منها ، بزواجك من اخرى ؟

المريض : لا ادري ان كنت ستفهمني .. لكني كنت قويّ الشخصيّة مع كل النساء .. لكن معها كنت ضعيفاً ، كأنها استطاعت التواصل مع طفلي الداخليّ ، ورؤيتي دون قناعي الإجتماعي الذي تعوّدت على وضعه طوال عمري .. فهي أعطتني اهم من الحب ، اعطتني الأمان الذي لم اتعوّد عليه من والدايّ المُنفصليّن ! ولهذا خُفت منها.. لأني علمت بأنني لكيّ استحق براءتها ، عليّ تغيير شخصيّتي وطباعي بالكامل .. فوجدّت ان بقائي فاسداً مع امرأةٍ تافهة وماديّة كطليقتي ، اسهل بكثير !


فقال الزوج بغيظ :

- أفهمك .. لكن بنفس الوقت ارغب بضربك وتكسير عظامك ، لولا مرضك .. أتدري انني طوال عشر سنوات ، لم ارها يوماً تضحك من قلبها .. ولم انجح بإسعادها بأيٍّ من تصرّفاتي الحنونة او هدايايّ الفاخرة .. وكأن قلبها ينزف حتى اليوم!

 

فأشار المريض الى الأجهزة الطبيّة الموصولة بجسمه :

- وهل تظن ان الله لم يعاقبني على كسر قلبها ؟ انظر إليّ الآن ، أحتضر وحيداً بعد ان حرمتني طليقتي من ابني .. وانا لا اعترض على قضاء ربي ، لأني استحقيّت عقابه بعد تلاعبي بمشاعر فتاةٍ بريئة ، كل ذنبها انها احبتني اكثر من روحها.. (ثم نظر اليه) .. رجاءً احبها عن كلينا ، فهي تستحق كل الخير والسعادة

***


فعاد الزوج الى منزله ، ليجد زوجته ترتّب الملابس وحدها .. بينما اولاده يلعبون عند الجيران..

فوضع دفتر المذكّرات أمامها ..

فنظرت اليه بارتباك :

- اين وجدته ؟!

- في العلّية .. (ثم سكت قليلاً).. لقد قابلته قبل قليل 

فشحب وجهها ! 


وصار يخبرها عن مرضه وندمه اتجاهها ، فانهمرت دموعها رغماً عنها..

فأمسك الزوج يدها المرتجفة :

- لا تعتذري..أنتِ أحببتِ بصدق ، وهذا ليس ذنبك.

***


وفي اليوم التالي .. أخذها إلى المستشفى دون علمها ..

الزوجة باستغراب : لما نحن هنا ؟!

فأشار الزوج الى باب الغرفة :

- هو بالداخل .. سأنتظرك هنا

الزوجة بصدمة : أتريدني ان اقابل حبيّ الأول ؟!

الزوج : لأني اعلم ان قلبك لن يرتاح ، قبل اغلاقك صفحة الماضي أخيراً .. هيا ادخلي ، فأنا اثق بك

^^^


في الداخل .. وما ان رأت حبيبها الوسيم ، أصلعاً يُصارع الموت ! حتى انهارت بالبكاء 

بينما ظلّ يعتذر عن وعوده الكاذبة ، وعن هروبه من حبها الصادق الذي لم يجد مثيلاً له في حياته    


وبعد ساعة ، خرجت وهي تمسح دموعها .. لكن نفسيّتها تحسّنت بشكلٍ ملحوظ ، حيث بدت روحها اخف .. كأن حمل الماضي انزاح اخيراً عن صدرها 

^^^


وطوال طريق ارتسمت على وجهها ابتسامة النصر ، بعد استرداد جزءاً من كبريائها المجروح !

بينما فضّل الزوج عدم مناقشتها بالحوار الذي جرى بينها وبين حبيبها ، وقاد سيارته بهدوء الى بيتهما

***


وفي نهاية الأسبوع… تفاجأ بزوجته ترتدي فستاناً أنيقاً ، وتضع مساحيق التجميل لأول مرة ! 

بل وراقصت اولادها وهي تغني وتضحك عالياً ، كأنها ولدت من جديد !


وأثناء الحفل ، وصلت رسالة إلى هاتفه من المشفى : يخبرونه بوفاة حبيبها .. فأغلق جواله ، وهو يقول بنفسه :

((لن أسمح للموت أن يسرق هذه اللحظة السعيدة منها…لقد انتظرت عشر سنوات لأرى قلبها ينبض من جديد)) 


ثم شاركها الرقص ، وسؤالٌ واحد يشغل تفكيره : 

((ترى كم امرأة تعيش بجسدها مع زوجها ، وروحها عالقة مع شخصٍ آخر ؟!))


السبت، 16 مايو 2026

سيدة القصر

تأليف : امل شانوحة 

الحياة المُستعارة


احضرها البستاني الى قصر الريف ، وهو يقول :

- اريدك ان تعملي بجهد على تنظيف القصر ، فالسيدان قادمان بعد اسبوع لقضاء عطلتهما الصيفية .. أبهريهما بترتيبك وأطباقك الشهية لكي يوظفاك بشكلٍ دائم.

فسألته الخادمة الثلاثينية :

- وكم شهر سيبقون هنا ؟ 

- فقط ثلاثة اشهر .. وبقية السنة ، تبقين هنا للحراسة .. وأنا أزوركِ مرة في الشهر ، لإحضار المؤونة والعناية بالحديقة

***


وبالفعل حصلت الخادمة النشيطة على رضا السيديّن اللذين وظّفاها في قصرهما براتبٍ شهريّ .. 

في البداية : اعتادا قفل غرفتهما ، كلما خرجا للتنزه خارج القصر


لكن بعد مضيّ ثلاثة اشهر ، وثقا بالخادمة ..لدرجة انهما عادا للمدينة دون اقفال خزانتهما : بما فيها من ملابس فاخرة واكسّسوارات وعطور ثمينة


وربما اخطئا الوثوق بيتيمةٍ فقيرة باكراً ، فكما يقال : ((المال السائب يُعلّم السرقة)) حيث خطّطت لبيع التحف واللوحات ، والهرب بالمال للقرية المجاورة ..لكن رائحة عطر السيدة المُترف ، أشعرها بلذّة حياة الرفاهية .. فأصبح هدفها العيش كسيدة القصر لما تبقى من شهور السنة ، ثم الهرب قبل عودتهما في الصيف القادم ! 

***


وبالفعل وضعت ملابسها القديمة جانباً ، بعد ملائمة فساتين السيدة لمقاسها.. حيث انذهلت من الحرير والقطن الأصلي فوق جلدها الذي لم يعتدّ ملمسهما الناعم طوال حياتها البائسة ! 


وصارت تتعمّد النوم على سرير الزوجيّن المريح .. وتأكل من طعامهما اللذيذ الذي امتلأت ثلاّجة المطبخ بها.. وتوقفت عن طبخ اكلاتها الشعبية ، بعد تعوّدها على تسخين المأكولات الجاهزة بالمايكرويف..ففي جميع الأحوال ستفسد ، لحين قدومهما بالصيف القادم


كما اعتادت شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تجلس كالأميرات على الكرسي الهزّاز .. وفستانها الناعم يتطاير مع النسمات الباردة ، مع بدء فصل الخريف.. دون علمها بأنها مُراقبة من شابٍ ثريّ في القصر المجاور كل صباح ، حتى تحوّل فضوله لافتنان !

***


وذات يوم .. قرّر القدوم الى قصرها ، للتعرّف على جارته 

بالبداية ارتعبت ، خوفاً من انفضاح لعبتها.. لكنها اعتبرته فرصتها الذهبية للإرتقاء الى طبقة الأثرياء في حال اقنعته بالزواج منها ، قبل حلول فصل الصيف 

***


وصارا يلتقيان في نادي الأثرياء بعد استخدامها بطاقة الأعضاء المميزين ، الخاصة بالسيد (التي تركها في درجه) .. مُعرّفةً عن نفسها : بأنها قريبة العائلة المالكة للقصر.

وقد أُعجب الشاب بهدوئها وعفويّتها ، فهي غير مُتصنّعة كالنساء اللآتي قابلهن في حياته !


أما هي ، فغرقت كل يوم في الشخصية التي اخترعتها.. حتى بدأت تصدّقها بالفعل! 

***


وبمرور الشهور ، واللقاءات المتكرّرة .. اوشكت خطتها على النجاح ، لولا ان شاهدها حبيبها (وهي ترتدي ثيابها القديمة) اثناء نقلها أكياس المؤونة مع البستاني ..

فاقترب منها ، وهو يسألها :

- من هذا الرجل ؟!


فانتبه البستاني على ارتباكها امام الشاب الثريّ ، فأسرع بالرد :

- انا بستاني القصر.. سيدي

فوجّه الثريّ كلامه لها : 

- حسناً ، إنهي عملك سريعاً .. اريد مناقشة ترتيبات حفل خطوبتنا 

ودخل الى الصالة ، كأنه اعتاد القدوم للقصر !


فجذب البستاني ذراع الخادمة جانباً :

- هل اوهمته انك صاحبة القصر ؟!

فترجّته بخوف : 

- رجاءً لا تفضحني.. فقريباً سأصبح زوجة الشاب ، واستقيل من عملي 

البستاني : ألهذا استغرب ثيابك الرثة ؟ حتماً كنت تستقبلينه بفساتين السيدة التي سرقتها..

مقاطعة بخوف : لم اسرق شيئاً ، بل استعرتها لتغيير حياتي .. رجاءً دعني اتزوج حبيبي ، فقد بقيّ شهر على قدوم السيديّن

- لن اخدعهما كما فعلتي .. وسأتصل بهما للحضور باكراً ، وانهاء هذه المهزلة

الخادمة بتحدّي : لا تستطيع اثبات شيءٍ ضدّي !!


فأخرج جواله ، وهو يعرض عليها : مقطع فيديو قديم وهي تنظف الحديقة.

- كنت أرسلته للسيديّن ، للموافقة على توظيفك.. ما رأيكِ لو شاهده خطيبك أيضاً ؟


فانهارت بخوفٍ شديد ، وهي تتوسّل إليه بالتزام الصمت .. حتى انها حاولت ارشائه بسيارة السيد التي تركها في المرآب ..

فردّ باشمئزاز :

- انت مجرّد طمّاعة فقيرة ، لعبت دور الأميرة .. ومن حق الشاب المسكين ان يعرف حقيقتك القذرة 

ثم ادار ظهره ، متوجهاً نحو باب القصر.


في تلك اللحظة ، شعرت أن احلامها بحياةٍ مثالية تنهار امام عينيها .. فلم تعي بنفسها الا وهي تضربه برفش الحديقة على رأسه.. 

لتسقط جثته في بركة المسبح ، ويختلط دمائه بمياها الزرقاء !


فخرج الشاب فزعاً من القصر ، بعد سماعه صرخة البستاني الأخيرة ! 

لينصدم بجريمة حبيبته التي شرحت ما حصل وهي منهارة بالبكاء .. وتؤكّد أن ما فعلته هو حباً له ، وخوفاً من خسارته .. 

لكنه لم يرى امامه ، سوى امرأة مخادعة ! واتصل بالشرطة التي قدمت للتحقيق بالجريمة .. ثم اقتادت القاتلة الى السجن


بينما عاد الشاب الى قصره المجاور وهو مُحطّم القلب ، بعد اغرامه بها فعلاً !

***


لاحقاً قرّر السيدان بيع القصر ، بعد ان فقدا رغبتهما في التواجد بمكانٍ وقعت فيه جريمة قتل.. وقد تعلّما درساً بالحياة : أن لا يثقا بالغرباء ثانيةً 


اما الشاب : فكان يمرّ كل صباح بجانب القصر المعروض للبيع ، رافعاً نظره نحو الشرفة الخالية .. وهو يتساءل بحزن : 

((ان كان احب امرأةً حقيقية ، ام مجرّد وهمٍ صنعه خياله في فصل خريفٍ بارد؟!)) 


السبت، 2 مايو 2026

ضحايا المعجبين

تأليف : امل شانوحة 

لعنة تل الرياح


بعد سنتين على انتهاء مسلسلهما الشهير (تل الرياح) .. عاد اسم جوك وجيمري يتصدّرا (التريند) من جديد.. لا في حفلات التكريم ، بل في العزاء والتأبين !


حيث بدأت سلسلة المصائب مع جوك الذي تلقى التعازي ، بعد خسارة عائلته في حادث سيرٍ غامضة ... واقفاً بين المُعزّيين بصمتٍ وذهول ، كأنه خيالٍ منكسر .. قبل وصول جيمري التي ارتمى في حضنها باكياً كطفلٍ صغير ! 

مما اشعل وسائل الإعلام عن عودة الثنائي اللذيّن كسرا قلوب الملايين بعد فراقهما المُتعمد ، عقب انتهاء عملهما الناجح !


وبعد آلاف التعليقات وتمنيات الجمهور باستمرارهما معاً .. اختفت جيمري مجدداً ، كأن شيئاً لم يكن ! 

***


لم تمرّ شهور ، حتى تكرّر المشهد ! 

فخلال انشغال جيمري بتصوير عملها الجديد ، أخبرها خفر السواحل عن غرق سفينة عائلتها برحلتهم البحرية ! 


وحين وصل جوك للعزاء ، انهارت باكية في حضنه الحنون  

فعادت الكاميرات لتصوير لقائهما الحزين المؤثّر .. 

بينما تساءل الجمهور : ان كانت صدفة ، ام لعنة تجمعهما في الأحزان فقط؟! 

***


لكن صدماتهما لم تنتهي هنا ! 

فبعد انتهاء مسلسل تل الرياح ، حاولا المضيّ قدماً .. وعاش جوك قصة حب مع زميلته الجديدة .. بينما اعلنت جيمري خطبتها من قريبٍ لها 


وفي نفس العام ، مات الإثنان ! 

بعد عثور الشرطة على خطيب جيمري غارقاً في حوض استحمامه ، وآثار المخدّر في دمه ! اما حبيبة جوك : فصدمتها سيارةً مجهولة ، أودت بحياتها !


وبذلك تحوّلت الإشاعة إلى يقينٍ مرعب : بأنهما منحوسان ، والموت يتتبّع كل من يقترب منهما ! 

لهذا انسحب المنتجون والأصدقاء ، تاركينهما في عزلةٍ مؤلمة !

***


وفي مقابلةٍ تلفزيونية جمعتهما وهما يلبسان السواد ، سألهما المذيع بوقاحة:

- الا تريان أن القدر يصرّ على جمعكما معاً ؟

فردّت جيمري بقهر : 

- لن اتحمّل أذيّة جوك بسببي ، لهذا الفراق افضل لنا

ولم يعترض هو على كلامها ، كأنه استسلم للقدر 

***


وبعد عرض مقابلتهما المُخيّبة للآمال ، اُختطفا من شقتيّهما !

ليستيقظا مساءً ، وهما مُقيديّن في مستودعٍ مهجور .. وامامهما رجلٌ مقنّع ، يوجّه سلاحه نحوها قائلاً :

- أتدرون من اكون ؟ .. انا مخرج حياتكما في السنة الفائتة.. فبعد ان ذكرتما بمقابلةٍ سابقة : عن اعتراض الأهل على اكمال علاقتكما ، تكفّلت بإبعاد العائق عنكما .. فقطعت مكابح سيارة عائلة جوك برحلتهم الجبليّة .. وفجّرت محرّك قارب عائلة جيمري التي قمت مؤخراً بإغراق خطيبها بعد تخديره .. كما دهست حبيبة جوك الفضوليّة ..  

فقاطعه جوك غاضباً : 

- انت مريضٌ نفسيّ !! لما فعلت كل هذا ؟!

فقال الرجل بنبرةٍ حزينة : 

- لأنني استطيع التمييز بين الحب الحقيقي والمزيّف .. فأنا مثلكما ، عشقت بجنون .. وأوشكت على الإنتحار بعد موت حبيبتي بالسرطان ، لولا مسلسلكما الذي أعطاني سبباً للحياة ، بعد ايماني بحبكما الصادق .. وحين افترقتما بعد انتهاء التصوير ، شعرت بفراغٍ مؤلم ! فأنا رجلٌ لا أتقبل النهايات الحزينة.. (ثم رفع مسدسه نحوها) ..ولهذا امامكم خياريّن : إما أن تتزوّجا هذه الليلة ، وتُفرحا قلوب ملايين المعجبين .. أو تموتا حالاً ، كقصةٍ فاشلة

***


وفي آخر الليل ، ببثٍ مباشرٍ على شاطئ البحر.. وقف البطلان وهما يرتديان (مُجبريّن) زيّاً ابيضاً يُشابه ما ارتدياها بنهاية الجزء الأول من (تل الرياح) امام القاضي والشاهديّن ، لتوقيع عقد زواجهما الحقيقيّ .. 

بينما المتابعون (خلف الشاشات) يهلّلون فرحاً ، بانتصار الحب اخيراً 


وبعد رحيل الرجل المهووس (الذي هدّد باختطافهما مجدّداً ، في حال قرّرا الإنفصال ثانيةً) ذهبت جيمري مُرغمة الى شقة جوك ، وسط احتفالات الجماهير في الشوارع بعد حصولهم على النهاية السعيدة التي تمنوها دائماً ، والتي دفع البطليّن ثمنها : دماء احبائهما ! عدا عن الزامهما باستمراريّة زواجٍ زائف ، من متابعٍ مهووس يريد إفراح ملايين المتابعين .. كأنه صدر حكماً جماهرياً : بمعاقبة البطليّن على ابداعهما التمثيليّ ، والعيش في مسلسلٍ دراميّ طوال حياتهما !


الخميس، 30 أبريل 2026

حب لا يتكرر

تأليف : امل شانوحة 

النسخة الوحيدة


كان رجلٌ عقلاني إلى حدّ القسوة .. لكنه بالحقيقة ضحيّة عائلةٍ مثاليّة من الخارج ، وعواطف شحيحة من الداخل 

فرغم ان والديه لم يتشاجرا يوماً ، الا انهما لم يتحابا ايضاً ! 


فهو عندما شعر بالقهر أول مرة ، اخبره والده بحزم :

- الرجال لا تبكي 

فابتلع دموعه !


وعندما انكسر قلبه من علاقةٍ بريئة في مراهقته ، إكتفت امه بالقول :

- البحر مليءٌ بالأسماك .. ستجد غيرها !


فكبر وهو يراقب المشاعر من بعيد .. يفهمها جيداً ، دون الإحساس بها !

***


ببلوغه سن الشباب .. اصبح ماهراً بالتلاعب بالفتيات ، واصطياد قلوبهن بالإنترنت .. يُغريهن بجماله ووسامته .. ويُغرقهن باهتمامه ومديحه الجذّاب 

وفور تعلّقهن به ، يتركهن ببرودٍ دون تقديم مبرّراتٍ لانفصاله المفاجئ .. فرؤيتهن يترجّين عودته ، يُعد انتصاراً بالنسبة له 


واستمرّ بلعبته المفضلة في وقت فراغه.. الى ان التقى بفتاةٍ تبدو ساذجة ، لعدم خبرتها بالرجال .. فهي مؤدبة ومنعزلة عن العالم 

((تبدو فريسةً سهلة))

هذا ما قاله في نفسه ، قبل مطاردتها باهتمامه الزائد .. الى ان جعلها تتعلّق به ، كما فعل بالأخريات 


ومع الوقت ، استشعر شيئاً مختلفاً يصعب تفسيره ! فنقاء قلبها وصدقها وعاطفتها الجيّاشة ، اربكت حساباته العقليّة.. فهي احبته بصدقٍ دون حذرٍ او تكلّف.. 

لهذا استعجل الرحيل ، لكن هذه المرة لم يشعر بالإنتصار!

^^^


ولكيّ ينكر تأثيرها عليه ، وسّع دائرة معارفه.. ليلاحظ أن شيئاً مازال مفقوداً ! فهو يبحث عنها في علاقاته الأخرى : طريقة كلامها ، خفّة دمها الطفوليّة ، وبراءتها الغير مصطنعة ! 

ورغم كثرة الجميلات حوله ، الا ان الفراغ بداخله يكبر كل يوم ! كأن العالم لا يملك نسخةً ثانيةً عنها 

***


وبمرور السنوات ، زاد شعوره بالملّل .. ولم تعد النساء يُثرن اهتمامه .. 

انعزل عن العالم .. لكن تأنيب الضمير لم يرحمه .. ففي كل مساء ، يسترجع عقله حواراته مع الفتاة البريئة ، كأنها محاكماتٍ لا تنتهي !

***


بالنهاية انهارت مقاومته بعد توجهه لخيمة بصّارة امام الشاطئ ، للسؤال عن حبيبته .. وهذا بحدّ ذاته هزيمةً له ، فهو لم يصدّق يوماً بالروحانيّات !


داخل الخيمة ، وخلال خلطها اوراق التاروت .. سألته باهتمام :

- هل ستصدّق كل ما اقوله لك ؟

فأراها صورة حبيبته على جواله :

- اخبريني كل شيءٍ عنها .. هل وجدت غيري بسنوات انفصالي عنها ؟


فرفعت البصّارة صورة شاب من اوراق التاروت ، وهي تومئ برأسها ايجاباً : 

- نعم !! وجدت فارس احلامها

فطأطأ رأسه ألماً :

- وهل يعاملها جيداً ؟

- كجوهرةٍ نادرة ، لا معركة يتوجب الإنتصار عليها


فأخذ نفساً ثقيلاً ، قبل ان يسألها :

- الا تتذكّرنني مطلقاً ؟

البصّارة : بلى .. كأسوء تجربة في حياتها

فمسح دمعته على عجل :

- لقد اذيت قلبها ، اليس كذلك ؟

فرفعت ورقة مرسوماً فيها ، قلبٌ مطعون بثلاثة سيوف :

- كسرتها من الداخل .. وأفقدتها الثقة بالحب ، بعد تدمير شعورها بالأمان

فقال بصوتٍ منخفض :

- لم اعرف كيف اتعامل مع حبها الصادق !

البصّارة : ذنبك كبير ..

مقاطعاً بعصبية : بل ذنب اهلي !! لم يربوني على الحب يوماً .. لهذا لم استوعب أنها الفتاة التي دعيت ربي طوال حياتي للقائها !.. (ثم تنهّد بضيق) .. الا توجد طريقة لاسترجاعها ؟

فرفعت كرتاً آخر فيه ، صورة عروس :

- للأسف لا.. فهي تستعدّ لزفافها القريب


فسكت مطوّلاً ، قبل ان يسألها بحزن :

- هل سأجد حباً آخر في حياتي ؟

فخلطت الأوراق جيداً ، قبل ان تقع احداها على طاولتها : 

- ستقابل نساءً كثيرات ، دون ايجاد شبيهتها.. فالنسخ الأصلية ، نادرة في حياتنا .. ولم يبقى امامك سوى التعايش مع النسخ المُكرّرة 


فخرج من خيمتها وهو يشعر بثقلٍ في قلبه .. وتوقف عند الشاطئ ، صارخاً بكل ما أوتيّ من ندم .. صرخةً ابتلعتها الأمواج ، ولم تصل لحبيبته أبدا !


السبت، 4 أبريل 2026

جزيرة الرياح

تأليف : امل شانوحة 

الحب الصادق


- انه القدر .. حتماً القدر ! 

هذا ما قاله الممثل (جوكبيرك يلدريم) حينما رأى الممثلة (جيمري آردا) مستلقية على الشاطئ بعد ان جرفها التيّار الى الجزيرة الصغيرة ، إثر سقوط طائرتهما العائدة الى تركيا !

دون علمه بأنها ضمن الركّاب ، كونه في مقصورة الدرجة الأولى بعد نجاحه الباهر في مسلّسله العائلي الأخير .. بينما هي بالدرجة السياحيّة بعد انطفاء شهرتها عقب تمثيلها للأفلام الهابطة ! 


واثناء توجهه نحوها ، إستعاد لقطات من ماضيهما معاً : فجيمري هي بطلة مسلّسلهما الشهير (تل الرياح) الذي اوصلهما للنجومية .. لكنهما افترقا بعد انتهائه ، مما احزن المتابعين المخلصين لهما !

وهاهو القدر يجمعهما بعد مقتل بقيّة الركّاب الثمانين !


ووصل اليها ، اثناء محاولتها التقاط انفاسها .. لتظهر الدهشة على وجهها بعد رؤية حبيبها الأول يمسح التراب عنها ، وهو يسألها بخوف :

- هل انت بخير ؟

- جوك ! أهذا انت ؟

- نعم .. لم أكن اعلم ان كلانا يُسافر على ذات الطائرة ! 

جيمري بقلق : واين بقيّة الركّاب ؟!

فأشار الى ذيل الطائرة الذي كان يغرق ببطء في البحر :

- رحلوا جميعاً عند خالقهم ، وبقينا بمفردنا على هذه الجزيرة المجهولة 


وبعد ان ساعدها على الوقوف ، اقترحت عليه استكشاف المكان

*** 


وبعد ساعات من البحث في ارجاء الجزيرة ، تأكّدا من وجودهما وحدهما هناك !

حيث تساعدا بإشعال النار ، وجمع الأوراق لجعلها فراشاً داخل شقّ الهضبة القريب من الشاطئ ، بعد حلول المساء 

^^^


وفي كهفٍ صغير ، بعد ارتوائهما من مياه المطر المتجمّعة داخله .. أدار كلاً منهما ظهره ، محاولان النوم .. 


وبعد دقائق من السكون الذي ضجّ بأنفاسهما الثقيلة ، سألته بتردّد :

- ان قلت انني اشتقت اليك ، هل ستصدّقني ؟

فتنهد بقهر :

- لا تنسي انك انتِ من قطعتي علاقتنا الصادقة  

- وانا نادمة على ذلك 

جوك بنبرةٍ غاضبة ، وهو مازال يدير عنها ظهره : 

- نصحتك كثيراً بأن لا تقبلي تمثيل ذلك الفيلم القذر !! لكنك أصرّيتي على هدم شخصيتك البريئة في مسلّسلنا ، التي أدّت لشهرتك بعالم الفن ! 

جيمري : مديرة اعمالي شجّعتني على اخذ دورٍ مخالف لشخصيتي القديمة 

- وبسبب دورك الجريء ، خسرتي عدداً كبيراً من متابعينك

- أعترف ان حماسي للعب ادوارٍ جديدة بأجورٍ ضخمة ، أغراني للمضيّ في طريقٍ زائف.. لاكتشف لاحقاً بأنني لم اعد المُفضلّة للكتّاب والمخرجين ، بعد ان ذاع صيتي كممثلة أدوارٍ فاسدة

جوك : صحيح انك حصلتي على شهرةٍ سريعة ، بينما بقيت سنتين عاطلاً عن العمل ، لإصراري على الأدوار النظيفة .. الا ان مسلسلي العائلي الأخير الذي دام ثلاثة مواسم شهرني كثيراً ، وعوّضني عن الأعطال السابقة .. وبذلك كسبت الشهرة والمال ، واحترام الناس لي 

- ليت لديّ صبرك يا جوك .. لكن مديرة اعمالي أقنعتني بأن جمالي لن يدوم لسنواتٍ طويلة ، وعليّ استغلاله لجمع ثروّتي باكراً .. وفي المقابل خسرت متابعي مسلسلنا الذين احبوني كفتاةٍ خلوقة .. والأهم من ذلك ، خسرت حبك لي ! 

جوك : لا تدري كم بكيت بعد رؤية قبلاتك للممثل المتزوج


فأدارت وجهها نحوه : 

- لم تعني لي شيئاً.. احلف لك !! 

فأبعد جوك يدها عن ظهره ، رافضاً الإلتفات اليها :

- تلك المشاهد ذبحتني !! أنت تعلمين غيرتي الشديدة عليك ، ومع ذلك لم تهتمي بمشاعري .. حينها علمت انك لم تحبيني اصلاً ، بل استغلّيتي مشاعري الصادقة لشهرتك فحسب

- ابداً يا جوك !! كل نظرة وابتسامة في مسلسلنا البريء ، كان حقيقياً .. بل تمنيت لوّ أكملنا حياتنا معاً ، بعد انتهاء التصوير .. وما آلمني اكثر هو بقائك عازباً حتى الآن 

جوك بحزن : لأني فقدت ثقتي بالنساء من بعدك .. (ثم سكت قليلاً) .. وانت ايضاً لم ترتبطي بعد ، رغم عروضات الزواج من اثرياء البلد! 

- لأنه لم يسكن احدٌ قلبي .. سواك 


وسكتا معاً ، قبل ان تكمل جيمري : 

- أتذكر كواليس مسلسلنا الجميل ؟ كنا نصوّر لساعاتٍ طويلة .. وما أن أضع رأسي على كتفك ، حتى يختفي تعبي ! كأنك الأمان بالنسبة لي .. ولغبائي ظننت أنه بإمكاني الشعور بذات المشاعر مع ممثلٍ آخر .. لكن حبي لك لم يتغيّر ، بل زاد شوقاً كل يوم 

جوك : هل تظني ان القدر جمعنا بهذه الجزيرة ، لنعيد حساباتنا السابقة ؟ 

- بل لنستذكر مشاعرنا الصادقة من جديد

فأدار ظهره لها :

- أتدرين انه بعد انهاء تجنيدي الإجباري ، أخبرت والدايّ بنيّتي الزواج بك ؟ لكنهما نصحاني بالتريّث ، ريثما يصدر فيلمك الجديد .. وبعد رؤية مشاهدك الجريئة ، إنكسر قلبي ، ورميت خاتم خطوبتك في درجي .. ومن يومها اغلقت قلبي نهائياً عن الحب والزواج.. خاصة عندما ارادوا تكريمنا ، كممثليّن صاعديّن .. قهرتني مديرة اعمالك : برغبتك التواجد وحدك امام المسرح ! مما أجبرني على الجلوس بالمقاعد الخلفية ، والخروج مباشرةً بعد التكريم

جيمري بصدمة : هل حقاً أخبرتك بذلك ؟! 

- الم يكن ذلك طلبك ؟

- لا ابداً ! بل كنت مُتحمّسة للقائك بعد عام على فراقنا ، وانكسر قلبي حين رأيتك تجلس آخر القاعة ! وتألّمت اكثر لخروجك السريع من الحفل ، دون سلامك عليّ ! حينها أخبرتني مديرة اعمالي بأنك قلت لها : أنك تستحقرني بعد فيلمي الهابط

جوك بدهشة : يا الهي ! يبدو انها استطاعت فعلاً التفريق بيننا

- الخبيثة ! كيف فعلت ذلك ، وهي تعلم شدّة شوقي لك ؟!

- لأنها تكسب من ورائك .. ومن مصلحتها ان لا تتزوجي رجلاً غيّوراً ، يمنعك من اختيار ادوارٍ لا تناسب اخلاق مجتمعنا

جيمري بحزم : ان عدنا لتركيا سالميّن ، سأطردها فوراً !! فهي تسببّت لي بصدمةٍ عاطفية إستمرّت لسنوات ، ظناً بتخليك عني 


جوك : يبدو ان جمهورنا كان محقاً بمطالبتنا البقاء معاً ! 

- لأنهم ليسوا اغبياء ، ويستطيعون التفريق بين التمثيل والمشاعر الحقيقية

جوك : وقد فعلوا المستحيل لإثارة شوقنا ، عبر استخدامهم الذكاء الإصطناعي

- لا تدري كم تألّمت بعد رؤية تلك المقاطع المُصطنعة ، التي أشعرتني بألم فراقك .. خصوصاً بعد فشلي بتمثيل مشاهد عاطفية صادقة مع ممثلين آخرين!

جوك : طبعاً !! فمشاعر الحب الحقيقية تُخلق بين روحيّن فقط ، وتستمرّ العمر كله

- تستمر ! أهذا يعني انك مازلت تحبني ، رغم اخطائي السابقة ؟

- بل سأتزوجك ان وعدتني بعدم توسيخ سمعتك من جديد

جيمري : وماذا لوّ كانت المشاهد العاطفية معك ؟

- ضمن حدود الأخلاق والأدب .. اما الرومنسية ، ستكون في بيتنا فقط .. لأنك ستصبحين يوماً ام لأولادي ، واريدك ان تكوني مثالاً صالحاً لهم 

جيمري السابقة : وهل تظن الجمهور سيسامحني على افلامي السابقة؟ 

- في حال ظهرتي كزوجةٍ صالحة واماً حنونة بعد زواجنا ، سيغفرون لك .. بالنهاية جمهور مسلسلنا مازال يطالبنا بالعمل سوياً  

- ما رأيك لوّ ننتج فيلماً عما يحصل معنا الآن ؟

جوك : أتقصدين بقائنا لوحدنا بالجزيرة ؟

- نعم !!

- سيكون ذلك رائعاً 

جيمري بحماس : لنمثله قبل اعلان زواجنا الحقيقي


فحضنها بحنان .. لتنهار بالبكاء بعد اشتياقها الشديد لحضنه الذي افتقدته لخمس سنوات

***


لم يستمرّ بقائهما في تلك الجزيرة طويلاً .. فمن خلال تتبّع الصندوق الأسود للطائرة التي غرقت بجانب الجزيرة ، تم إنقاذ الممثليّن .. وسط ضجّةٍ اعلامية كبيرة ، خصوصاً لمتابعي مسلسلهما القديم الذين أصرّوا على معرفة : كيف قضى الحبيبان السابقان ايامها الثلاثة ، بعد نجاتهما من حادث الطائرة ؟ 

مما سهّل ايجاد منتجٍ لتحويل ذلك الحدث الى فيلمٍ رومنسي ، حصد اعلى نسبة مشاهدة .. خصوصاً بعد عرضه (بآخر الفيلم) مشهد خطوبتهما الحقيقي وسط اهاليهما ، مما جعل صالات السينما تضجّ بتصفيق الجمهور المخلص لهما 

***


وهاهما اليوم يُشار إليهما ، كأعظم ثنائي فني في تركيا .. ليس لإنسجامهما فحسب ، بل لأن قصتهما علّمت الجميع : أن الحب الصادق قد يضلّ الطريق ، لكنه يعود دائماً مع الرياح الصحيحة !


الأربعاء، 25 مارس 2026

اعترافٌ هاتفيّ

تأليف : امل شانوحة 

الخط المفتوح


اتصل بزوجته كعادته قبل انتهاء دوامه الإداريّ ، سائلاً على عجل :

- هل تريدين شيئاً من الخارج قبل عودتي للمنزل ؟ 

فأجابت بهدوء :

- لا شكراً 

- حسناً ، أراكِ لاحقاً 

فسألته بارتباك : 

- لحظة ! ألم تنسى شيئاً ؟ 

- مثل ماذا ؟ 

فسمع تنهيدتها ، وهي تقول بنبرةٍ حزينة : 

- لا شيء ... سلام


أنهى المكالمة ، واضعاً جواله جانباً وهو مازال يقود سيارته .. لينتبه أن زوجته نست إغلاق خطها ! 

فسمعها تبوح لصديقتها بما لم تجرؤ يوماً على قوله : 

- اليوم هو عيد زواجنا 25… كنت أعلم أنه سينسى

فحاولت صديقتها مواساتها : 

- رجاءً لا تحزني

فردّت الزوجة بصوتٍ مُرهق :

- هذه ليست المرة الأولى التي يتجاهل اموراً تُهمّني .. فهو يعاملني كأمٍ لأولاده فحسب .. فأنا لم أعد أشعر بحبه منذ سنوات.. فكل حديثه معي عن الأولاد ودراستهم ، وحاجات المنزل ، وعزائم أصدقائه وأقاربه التي أنهكت صحتي…كأنني موجودة هنا ، لخدمتهم جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق)..حتى عندما أمرض ، يُحضر دوائي .. ثم ينتقل للنوم في غرفة الضيوف كيّ لا يُصاب بالعدوى ، دون حتى الدعاء لي بالشفاء العاجل ! 

فقالت صديقتها : 

- لكن أولادك كبروا الآن.. اثنان تخرّجا من الجامعة ، وهذه هي السنة الأخيرة لإبنك الصغير..


الزوجة بقهر : 

- وهذا ما يُصبّرني .. لكنه فور تخرّجه هذا العام ، سأطلب الطلاق ..وأعود إلى منزل أهلي ، لأستعيد ما تبقّى من عمري.. على الأقل أرعى والديّ العاجزيّن ، بدل إهدار صحتي على رجلٍ لا يكترث لوجودي.. (ثم سكتت قليلاً) .. مع اني لا الومه ، فهو بالنهاية ذنبي ! دلّلته كثيراً حتى شعر أنه الملك وأنا جاريته..

فأجابت صديقتها:

- هذا لأنك تنازلتي كثيراً .. تركتِ دراستك العليا ، واستقلتِ من عملك بعد ولادة ابنك الأول.

- أردّت الإهتمام به وبأولادي الثلاثة.. وفي المقابل أهملت نفسي وصحتي وجمالي.. أشعر وكأنني بئرٌ فرغ من مياهه ، بعد أن أغدقت العطاء على أسرتي ، دون أن يفكّر أحدهم بملئه من جديد !


سكتت للحظة ، ثم أردفت بحزم:

- لكني اكتفيت !! فبعد تخرّج صغيري ، سينتهي واجبي تجاه عائلتي.. سأطلّق والدهم ، وأعود إلى منزل طفولتي…على الأقل أستعيد حرّيتي بإكمال دراستي ، او العودة لوظيفتي السابقة … هذا في حال وجدت عملاً بعد ان قاربت على سن الستين.

فأمسكت صديقتها يدها : 

- تعالي نشرب الشايّ في الحديقة ، لربما تتحسّن نفسيّتك قليلاً 


ثم أختفى صوتهما بعد خروجهما من الصالة .. بينما بقيّ الزوج يقود سيارته بشرود ، بعد أن أفزعه ما سمعه ! فهي لم تشتكي يوماً من تصرّفاته المزعجة .. وهاهي تنفجر مرةً واحدة ، دون علمه بأن صمتها الطويل يُخفي انكساراً مؤلماً ! 

^^^


غيّر وجهته ، وعاد إلى البيت مُحمّلاً بما لم يفعله منذ سنوات : كعكة ، باقة زهور ، وعلبةٌ مخمليّة.. فنظر الأولاد الثلاثة اليه باستغراب ، بينما حدّقت زوجته بهداياه بدهشة ! 


ثم اقترب منها ، لإلباسها العقد الذهبيّ .. بعدها قبّل جبينها قائلاً :

- كل عام وأنتِ زوجتي الحبيبة… وأم أولادي… وشريكة حياتي.

فامتلأت عيناها بالدموع وهي تعانقه بامتنان ، كأنها لا تصدّق ما حدث ! 


ثم همس في أذنها بلقبٍ قديم لم تسمعه منذ ايام الخطوبة : 

- هل ظننتِ أنني نسيت عيد زواجنا 25 ، يا بطتي الصغيرة ؟ 


وبسبب خطوته المفاجئة ، تبدّلت أجواء المنزل .. حيث امتلأت سهرتهم بالضحكات والنكات .. بينما استمع الأبناء باهتمام لذكريات ابيهم مع امهم التي وصفها بحبه الأول والأخير 

***


وفي المساء .. نامت زوجته مُطمئنة على صدره ، كأن سنوات تعبها انتهت بعد ليلته الحنونة..  

أما هو : فنام قرير العين ، سعيداً بإنقاذ زواجه من طلاقٍ وشيك ! 

^^^


غير مُدرك بأن زوجته تعمّدت ترك هاتفها مفتوحاً ، كمحاولةٍ أخيرة لإحياء حُبٍ يحتضر ! 


الأحد، 1 فبراير 2026

رسالة العاشق الهارب

 تأليف : امل شانوحة

توأم الروح


((إلى روحي المنفصلة عني…

لا تظني أنني نسيتكِ يوماً ، او أن البعد خفّف شوقي اليك .. فأنتِ آخر ما يخطر في بالي قبل النوم ، وأول فكرة توقظني صباحاً.. حتى في ذرّوة انشغالي ، يكفي لحنٌ عابر أو موقفٌ بسيط ليعيدني إليكِ ! كأن ذاكرتي تعاقبني على تردّدي باتخاذ قرارٍ بشأن علاقتنا البريئة 


لطالما كنتُ رجلاً عنيداً مكابراً ، اعتدتُ تحمّل متاعب الحياة بصمت.. فطفولتي علّمتني أن لا أطلب عوناً من أحد.. وبذلك كبرتُ دون ثقتي بالعالم ، مؤمناً أن كل علاقة تحمل مصلحةً خفيّة ! 

 

وحين التقيتُكِ ، أربكتِ كياني .. وأخافتني براءتك وثقتك العمياء بي ، فظننته قناعاً آخر عليّ الهرب منه قبل تحطيمكِ قلبي .. 


ومع الوقت فهمت انك لست بساحرة او قارئة أسرار ، بل توأم روحي التي تواصلت مع طفلي الداخلي دون استئذان ! 

أدركت ذلك مُتأخراً بعد استهانتي بمشاعركِ النبيلة التي جعلتني أندم على كل لحظةٍ عشتها بعيداً عنكِ ، وكل محاولةٍ يائسة للبحث عن بديلٍ لا وجود له. 


واليوم أقف حائراً : هل ما زال مكاني محفوظاً في قلبكِ ، أم صرتُ ذكرى رجلٍ جبان تخجلين من معرفته ؟  


إن قبلتِ عودتي : فأعدكِ أن أكون زوجاً مخلصاً صادقاً ، وسنداً لكِ مدى الحياة 

وإن رفضتِ مسامحتي : سأتفهّم قرارك بالهجران 

لكني أطمع بطيبة قلبك الذي وقعت في غرامه للأبد))


كانت هذه رسالته المئة التي لم يحذفها كسابقاتها .. بل ضغط بيده المرتجفة على زر الإرسال .. تاركاً مصيره بيد امرأة غابت عنه خمس سنوات ، ولم تغبّ ثانية عن تفكيره ! 

***


في هذه الليلة ..لم ينم جيداً بعد فتح بريده كل خمس دقائق ، وهو يتخيّل كل ردودها الممكنة : 

شتيمة تكسر ما تبقى من غروره ، شماتة موجعة بعد عودته نادماً ، خبر خطوبتها التي ستُشعل غيرته… أو الأسوأ : صمتٌ طويل يُعلن حذفه من حياتها ، كما فعل سابقاً ! 

***


وجاء ردّها صباحاً : 

((أعرفك منذ عشر سنوات ، وافترقنا قبل خمس سنوات .. يعني لوّ كنتُ مخطوبة لسلحفاة ، لكان لديّ ثلاثة أبناء الآن)) 

وأرفقت الجملة بوجهٍ ضاحك..


فانشرح قلبه لأول مرة منذ سنوات ، كأن جبلاً انزاح عن صدره ! 

وارسل قائلاً : 

((كنتُ حصاناً مكسور القدم ، أنتظر إعدامي.. أما الآن ، فلا شيء سيوقفني.. أنا قادمٌ إليكِ ، وخاتم الخطوبة في جيبي.. إنتظريني يا توأم روحي)) 

***


بعد أسبوع .. وجدته واقفاً أمام عمارتها ، وهو يقول بحماس :

- هآقد أتيت !! 

نظرت إليه مذهولة :

- لم أعطك العنوان ! هل تعمل في المخابرات؟

ابتسم بثقة : لا شيء يمنعني من الوصول إليكِ.


فضغطت زر المصعد وهي تحذّره : 

- بالمناسبة ، أخي عندنا .. وإن رآك ، ستعلق معي للأبد.. ما زالت لديك فرصة للهرب.

فهزّ رأسه نافياً :

- لا ، تعبت من نكران قدري .. وجئتُ لأخذكِ معي.. فتجهّزي يا عروس.


وحين وصلا إلى الشقة ، قالت بابتسامة : 

- حسناً ، تذكّر انني حذّرتك.. ابقى هنا ، ريثما أخبر أمي وأخي أنني عدتُ من السوق … ومعي عريسٌ متهوّر.


استقبلته عائلتها .. ناقشوه وسألوه ، واختبروه.

فوافق على كل طلباتهم دون تردّد ! 

***


ورغم أن معرفتهما امتدتّ لسنوات الا ان زواجهما جاء سريعاً ، كأنه سباقٌ مع الزمن ! مُفاجآن الأقارب والأصدقاء بعرسهما اللطيف .. قبل سفرها معه إلى بلدته ، لبدء حياةً جديدة .. تعويضاً عمّا سرقه العناد والتجاهل من اعوام حياتهما ! 

فالحب إن كان صادقاً ، فهو حتماً يستحق فرصةً أخرى 


اساليب التحقيق الجنائي

تأليف : امل شانوحة  المتهم الداهية   في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ وبعد نقله الى مركز الشرطة (ال...