‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة رومنسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة رومنسية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

العروس المشؤومة

تأليف : امل شانوحة 

الحب المُقدّر


في مكتب السيد خليل بقصره الريفيّ ..

وضعت الخادمة القهوة امامه ، وهي تسأله : 

- سيدي .. هل يمكنني العمل اليوم بالحديقة بدلاً من زينب ؟

السيد : واين هي ؟ لما لم تأتي للقصر حتى الآن ؟

- اليوم يصادف وفاة خطيبها .. وعادةً تقضي نهارها في المقبرة

السيد باستغراب : هل كانت مخطوبة ؟!

- قبل عامين .. وللأسف توفيّ عريسها بالفرح ، من طلقةٍ طائشة أطلقها أحد المدعوين ابتهاجاً.

- لم اكن اعلم !.. هل كانت تحبه ؟

- كان ابن الجيران ، نشآ معاً منذ الطفولة.. وعقد والديهما خطبتهما منذ صغرهما 

- اذاً كان موتته صدمةً عنيفة لزينب ؟!

- من الجيد انها لم تفقد عقلها .. خصوصاً بعد انتشار اشاعة بقريتنا ، بأنها كانت نذير شؤمٌ عليه .. لهذا لم يتقدّم احد لخطبتها من بعده

السيد بضيق : وما ذنبها ؟! .. فعلاً القرويون يصدّقون أغرب الخرافات ! ..هل ذهبت للمقبرة الجنوبية ؟

- هي المقبرة الوحيدة في قريتنا.. وأظن زينب لوحدها الآن ، فهي ترفض ان يرافقها احد الى هناك.. فهل تسمح بعملي مكانها بالحديقة ؟ فهي وإن عادت باكراً ، ستكون نفسيّتها متعبة

السيد : حسناً ، إذهبي واعتني بالمشتل. 

^^^


وقد آثار كلام الخادمة فضوله ، جعلته يركب سيارته متوجهاً للمقبرة


وعندما دخل .. وجد زينب تسند رأسها باكية على قبر عريسها ، وهي تغني اغنيةً شعبية.. 

فاختبأ خلف الأشجار ، دون أن تشعر بوجوده.


وبعد انهائها الأغنية بصوتها العذب ، أكملت حديثها مع خطيبها المتوفي :

- حبيبي .. أتذكر عندما غنيت هذه الأغنية في صغرنا ، ووعدتني ان تغنيها بفرحنا ؟ .. للأسف ، لم اسمعها منك ثانيةً.. (ثم تنهدت بقهر) .. ليتك تعلم بالمصائب التي تراكمت فوقنا ، طوال السنة التي لم ازرك فيها ؟ .. فقد خسر أبي ثرّوته في البورصة ، ومات مقهوراً.. واضّطررت للعمل عند الرجل الذي اشترى مزرعتنا وبيتنا في المزاد ، بعد انتقالي مع أمي وجدتي وأختي الصغيرة الى ملحق الخدم بحديقة قصرنا ! اما السيد الذي اعمل عنده ، فلا ادري حقاً كيف أصفه ! فهو يحترم عائلتي ، لكنه يتعمّد القسوة عليّ .. كأنه يخشى تتطوّر عواطفه اتجاهي ، بعد معاناته مع طليقته في محاكم المدينة !.. (ثم شهقت ، وهي تضع يدها على فمها).. آه ! آسفة حبيبي ، لم اقصد ما قلته .. اعرف غيرتك الشديدة عليّ


ثم ازالت خاتم خطوبتها التي كانت تضعه في عقدها ، وهي تقول :

- هذه المرة سألبسه باليد اليسار ، لأني اعلن امامك : بقائي عزباء طوال حياتي ، الى ان نجتمع ثانيةً في الآخرة.


ووعدها هذا ، اغاظ خليل الذي لم يتوقع أن تكون مُتمسكة بالماضي إلى هذه الدرجة!


ثم نظرت زينب لساعة جوالها :

- يا الهي ! تأخر الوقت.. عليّ العودة إلى القصر قبل أن يغضب السيد.. فهو منحني فرصة العمل بتنسيق حديقته ، للإستفادة من شهادتي الزراعية..لذا سأودّعك على عجل ، قبل عودتي الى العمل


واثناء قراءتها الفاتحة امام قبره .. سارع خليل بالخروج من المقبرة ، والجلوس بسيارته محاولاً تهدئة نفسه.

^^^


وعندما خرجت من هناك ، شاردة الذهن .. أطلق بوق سيارته .. 

فالتفتت اليه بدهشة :

- سيد خليل ! ماذا تفعل هنا ؟

- كنت ازور قبر صديقٍ لي ، هل لديك مانع ؟

- لم اقصد سيدي

خليل : اذاً اركبي ، فورائك عملٌ كثير بالقصر

^^^


وفي الطريق ، ظلّت زينب صامتة وهي تنظر من النافذة بشرود .. 


وعند توقفه امام إشارة المرور ، لاحظ تحريكها للخاتم بتوتّرٍ وارتباك .. 

فشعر بالإنزعاج لفكرة : أن تظلّ صبية فاتنة ، وفيّة لرجلٍ ميت .. فهو هدر للجمال وسنوات العمر ! 

^^^


وبعد عودتهما للقصر ، سارعت زينب للحديقة للقيام بعملها 


وبعد ساعتين .. دخل خليل الى مشتله ، لرؤية ما انجزته من عمل .. ليسمعها تدنّدن نفس الأغنية التي غنتها بالمقبرة .. 

ثم توقفت عن الغناء ، وهي تُحدّث نفسها بصوتٍ مسموع :

- ارأيت حبيبي كيف اصبح مشتلنا جميلاً ؟ .. طبعاً !! فزوجتك بارعة بالزراعة

فتضايق خليل من كلامها ، قائلاً بنفسه بغيظ :

((مازالت تفكّر بذلك اللعين !)) 


وعند استدارتها ، تفاجأت بخليل خلفها ! وكادت تسقط فوق التربة المُبلّلة..

فأسندها ، بلفّ ذراعه حول خصرها .. لكنها أبعدته عنها بعنف ، معاتبة:

- لا تلمسني رجاءً .. انا امرأة متزوجة

فصرخ بعصبية : توقفي عن هذا الغباء !! خطيبك توفيّ وانتهى امره

- هو ميت بالنسبة لكم... لكنه سيبقى زوجي للأبد !! 

- انت تتوهمين !! فهو لم يصبح يوماً زوجك  

- وما دخلك انت ؟! 

- زينب اهدأي قليلاً ..أنت مازلت شابة ، لما تدفنين نفسك مع رجلٍ ميت؟ 

- لأني وعدّته ان اكون وفيّة له ، لآخر عمري ..

خليل بعصبية : وانا لن اسمح لك بذلك !!


وحاول نزع الخاتم من اصبعها بالقوة .. ليُفاجأ بصفعتها القوية :

- من انت لتزيل خاتم زواجي ؟!! ان كنت ستذلّني بالعمل لديك ، فأنا استقيل !!

خليل : لا يمكنك الإستقالة ، فأهلك بحاجة لراتبك

- سأعمل بمزرعةٍ اخرى !!

وخلعت مئزر العمل ، وخرجت من المشتل غاضبة ..


خليل بدهشة : المجنونة ! .. اساساً لما اهتم بخادمتي العنيدة ؟!

***


في اليوم التالي ، واثناء شربه القهوة في مكتبه .. لمح من نافذته ، زينب وهي تركب سيارة اجرة متوقفة خارج بوابة قصره !

فلم يجد نفسه الا وهو يلاحقها بسيارته ، الى ان نزلت في ارضٍ زراعيةٍ أخرى .. 


ثم راقبها من بعيد وهي تتفق مع صاحب المزرعة على العمل لديه ! 

فعاد غاضباً الى قصره ، بعد تأكّده من استقالتها

***


وعندما حلّ العصر .. انتابه القلق الشديد ، جعلته يقود للمزرعة المجاورة 


وهناك رأى زينب تشرح للمالك طريقة زراعة المحاصيل ، حسب معرفتها الزراعية ..

لكنه شعر بالرجل يقترب منها أكثر مما ينبغي.

ودون ان تنتبه ، أمسكها من الخلف..

فقاومته زينب بعنف ، وهو يحاول جذبها اليه 


فنزل خليل من سيارته مسرعاً .. وانهال على الرجل بلكمةٍ قوية ، أسقطته أرضا..وهو يصرخ مهدّداً :

- ان لمستها ثانيةً ، سأقتلك.. أفهمت !!

الرجل خائفاً : آسف سيد خليل ، لم اعرف انها تهمّك 

فرفع خليل يد زينب المرتبعة :

- هي زوجتي !! الا ترى الخاتم ؟!! 

فحدّقت زينب فيه بدهشة ! 

الرجل بخوف (فهو يعرف خليل القادم من المدينة ، وقوته بالسوق): 

- سامحني رجاءً ، لن اقترب منها مجدداً .. احلف لك 


فسحب خليل ذراع زينب الخائفة إلى سيارته

***


وفي الطريق ، سألها غاضباً : 

- ألم تجدي مكاناً آخر للعمل غير تلك المزرعة ؟

زينب : هو الوحيد الذي وافق على توظيفي ، بعد قراءة ايميلي  

خليل : طبعاً سيوافق بعد رؤيته لصورتك الجميلة بالملف 


وكانت المرة الأولى التي يمتدح فيها شكلها ! رغم انه عاملها بجفاء طوال الست شهور من شرائه املاك والدها بالمزاد العلني 


خليل : لن اسمح بعملك عند احدٍ غيري .. مفهوم !!

فسكتت زينب قليلاً .. قبل ان تسأله :

- اخبرته بأنني زوجتك ! لما فعلت ذلك ؟!

فردّ بعصبية : لأنك مصرّة على وضع خاتمك السخيف بيدك اليسار .. هيا أعيديه الى عقدك ، او ارميه بعيداً !!

زينب : هذا الخاتم يخصّني وحدي .. لا افهم سبب غضبك منه لهذه الدرجة!


فالتزم الصمت وهو يكاد ينفجر من الغيرة.. بينما تجاهلت زينب انفاسه الغاضبة وهي تنظر للحقول بصمت اثناء عودتهما للقصر

***


في الأيام التالية ، تعمّدت زينب الإبتعاد عن خليل .. 

فإذا طلب منها القهوة ، أرسلتها مع إحدى الخادمات.

وإذا دخلت إلى مكتبه ، بقيت رسمية معه.

وإذا تحدّث معها ، أجابته باختصار.


شيئاً فشيئاً بدأ خليل يفتقد جدالها وعنادها معه ، ووجودها قربه 

***


وذات يوم ، دخلت الخادمة الى مكتبه وهي تسأله : 

- هل طردّت زينب من العمل ؟ 

خليل باستغراب : لا ! لما تسألين ؟

- رأيتها تصعد الى علّية القصر(التي مازال فيها اغراض تخصّ زينب وعائلتها) باكية ، ومعها كيسٌ اسود وقارورة ماء ! ناديتها ، فلم تجبني .. بدت كئيبة للغاية !

^^^


مما اقلق خليل الذي سارع الى هناك .. لينصدم برؤية زينب بفستان عرسها (الذي احتفظت به منذ يوم الحادثة ، مع تغيّر لون بقع الدم مع الزمن) 

كانت تجلس على الأرض غائبةً عن الوعيّ ، وبجانبها ادويةً فارغة (تخصّ جدتها) ونصف قارورة ماء.. 

وورقة مكتوباً عليها : 

((سامحوني... لم أعد أحتمل الحياة دون حبيبي.. فقرّرت الذهاب اليه))


فعرف ببلعها الأدوية ، انتحاراً ! 

وحملها إلى سيارته ..وانطلق بها إلى المستشفى بأقصى سرعة.

***


وبعد ساعة .. خرجت الطبيبة وهي تخبره بأنهم انقذوها بآخر لحظة ، بعد غسل معدتها


وعندما دخل غرفتها.. جلس بجانب سريرها وهو يدعو لها بالشفاء العاجل 


لكن ما ان استيقظت ، وعرفت بنجاتها .. حتى صرخت عليه معاتبة:

- لما أنقذتني من الموت ؟!! كنت على وشك اللقاء بحبيبي.. 

خليل مقاطعاً بعصبية : اللعنة عليه !! اساساً انتحارك سيرميك في جهنم ، لا الجنة ..ايتها المتهورة العنيدة !!

زينب باكية : سيغفر الله لي ولوّ بعد حين ، فهو يعلم بانفطار قلبي بعد موت حبيبي الذي لا استطيع ..


وقبل ان تكمل كلامها ، تفاجأت بخليل يحضنها باكياً : 

- توقفي يا زينب !! انا اموت كل يوم ، غيرةً وشوقاً عليك .. ولن اسمح بهدر حياتك على شخصٍ ميت 

ثم أمسك وجهها بيديه :

- انت لي يا زينب !! انت لي وحدي

زينب بصدمة : لم اكن اعرف انك تحبني !

- أحببتك منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه بالمزاد.. لكني قاومت شعوري طوال الشهور الماضية ، خوفاً من الفشل ثانيةً بعد طلاقي المرير..

وإذّ بزينب تقول بحزم : 

- إذاً إثبت حبك الآن !! .. أحضر المأذون إلى هنا ، وإلاّ أحلف انني سأعيد محاولة انتحاري بأقرب فرصة !

^^^


وبالفعل أحضر خليل الشيخ والشاهديّن للمشفى ، لكتب كتابهما.. 

ومن بعدها ، اتصل بالعائلتين لإخبارهما بالزواج .. 

فكانت صدمة للجميع ! لأن أهله يعلمون خوفه من الزواج ثانيةً .. وعائلة زينب تعرف تعلّقها الشديد بخطيبها الراحل ! 

***


بعد انتهاء شهر العسل .. التقت زينب بالطبيبة وخادمة القصر في المطعم ، لشكرهما على وقوفهما معها ..

فصديقتها الطبيبة (من ايام الجامعة) تكفّلت بإخباره عن عملية غسل المعدة الوهمية 


اما الخادمة : فهي من أرسلت خليل للمقبرة ، باتفاقٍ مع زينب التي بدأت حوارها التمثيلي مع عريسها الميت ، فور لمحها لسيارته تتوقف بجانب المقبرة .. لكيّ تشعل نار الغيرة في قلبه.. فكما يقال : ((كل ممنوعٍ مرغوب))


كما تعمّدت العمل عند صاحب المزرعة المعروف بعشقه للنساء الجميلات ، لجعله ينوي الزواج من جديد 

^^^


لكن السرّان اللذان لا يعرفهما احد : 

اولاً : بأن والدها أجبرها على قبول خطبة ابن الجيران في صغرها ، رغم عدم انجذابها له مطلقاً 

وثانياً : هو اتفاقها مع عريسها (قبل وفاته) على انهاء زواجهما سريعاً ، بعد اكتشافها خيانته قبل يومين من العرس ! 

ومع ذلك اكملا الإحتفال ، كيّ لا يصدما اهاليهما .. بشرط عدم لمسها ، وتطليقها بعد شهرٍ واحد .. لكن الطلقة الطائشة انهت حياته ، قبل ان يعرف احد كرهها لعريسها الخائن !

لهذا لم تبكي فقداً لحبيبها ، بل لخسارة فرصتها ببناء حياةٍ جديدة بعد الفضيحة الإجتماعية (كونها نذير شؤم على العرسان) !


فقامت بالتخطيط مع صديقتيها للإيقاع بالسيد الوسيم القادم من المدينة ، الذي لن يهتم بخرافات القروين وشكوكهم الظالمة !

***


وبعد سنوات .. اصبح خليل زوجاً رائعاً ، وأباً حنوناً لولدين .. دون علمه بأن قصة عشقه ، كانت خطّة ذكيّة نفّذتها زينب قرب قبر رجلٍ خائن لم تحبه قطّ.


الجمعة، 11 سبتمبر 2026

التمثيل الهادف

تأليف : امل شانوحة 

المشهد المصيري


في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن خطيبته ؟ 

فأجابه الأستاذ :

- هي غائبة اليوم.. 

الممثل سعيد : هذا خطأي ، كان عليّ الإتصال بها قبل القدوم الى المعهد

الأستاذ : ما رأيك لوّ نستفيد من وجودك ، بإعطائك درساً عملياً للطلّاب ؟

فتحمّست الطالبات للفكرة ..


فوقف سعيد أمامهم ، وهو يسألهم بثقة:

- قبل أن أبدأ ، ما رأيكم بفيلمي الأخير ؟

فارتفعت أصوات الإعجاب والثناء.

فسألهم بغرور : 

- أفهم من ذلك ، أن لا أحد لديه نقد لدوري السابق ؟


فوقفت الطالبة مروى من الصفّ الخلفيّ ، وهي تقول :

- كان دورك جريء أكثر من اللازم 

فردّ سعيد :

- هذه طبيعة الأفلام الرومانسية.

مروى : ليس بالضرورة.. تستطيع تنويع أدوارك.. فأنت قدّمت طوال السنوات الماضية الشخصيّة ذاتها.. فلما لا تجرّب الدراما أو الأكشن ، او أيّ فيلم لديه فكرة هادفة ؟ 

فضحك سعيد :

- لوّ كان الأمر بيدي ، لفعلت.. لكن المخرجين يرونني مناسباً للأدوار الرومانسية.

فقالت إحدى الطالبات بإعجاب:

- لأنك أجمل ممثلٍ شاب بالوسط الفني ، وحنانك الفيّاض يساعد على نجاحك بتلك الأدوار الجميلة 

فالتفتت إليها مروى:

- وكيف عرفتي أنه حنون ؟ ألم تطلّقه زوجته السابقة بسبب الخيانة؟

فعاتب سعيد مروى :

- لوّ سمحتِ !! طليقتي توفيّت منذ فترةٍ وجيزة ، ولا أحب أن يتحدّث عنها أحد


فتدخل الأستاذ لتهدئة الوضع المتوتّر بالقاعة : 

- مروى !! لا داعي لإحراج ضيفنا.

فردّت بهدوء : اعتذر من الأستاذ سعيد .. كنت فقط أوضّح لزملائي ، بأن أدوار الممثل لا تعكس بالضرورة شخصيّته الحقيقية 

فأراد الأستاذ تغير الموضوع :

- حسناً ، لننتقل إلى التطبيق !! أستاذ سعيد .. إخترّ مشهداً من أعمالك ، تمثلّه مع أحد الطلاّب.


فاختار سعيد مروى التي نزلت اليه من المدرّج ..

وأراد تطبيق مشهدٍ رومنسي ، لكنها ابعدته عنها بعنف 

- لوّ سمحت !! لا أحب أن يلمسني أحد.

سعيد باستغراب : 

- وكيف اذاً ستنجحين في التمثيل ؟ فبعض المشاهد يتطلّب ذلك.

مروى :

- استطيع التمثيل دون تجاوز حدود الأدب والأخلاق 

فقالت إحدى الطالبات:

- هي تعتمد على والدها ، فهو مخرجٌ مشهور.

فسأل سعيد باهتمام :

- ومن والدك؟

مروى بفخر :

- أحمد مروان.

سعيد :

- آه اعرفه ! هو مخرجٌ بارع بالأفلام الإجتماعية.. لكن الواسطة ليست كل شيء ، يجب أن تمتلكي الموهبة والخبرة.

مروى : تتكلّم وكأنك خرّيج معهد التمثيل ، فأنت عملت بهذا المجال منذ صغرك 

سعيد : صحيح ، واخترت كلّية المحاسبة التي تخرّجت منها بتفوّق.

مروى : كان الأفضل لوّ اكملت بذلك المجال ، بدل تكرار الأدوار ذاتها.


فلاحظ الأستاذ ضيق الممثل ، فأسرع بالقول :

- سيد سعيد .. دعنا نغيّر المشهد

سعيد ساخراً :

- دعّ السيدة مروى تختار على ذوقها 

مروى : اذاً لنخترّ مشهد الزوجة حين عرفت بخيانتك 

فنظر سعيد اليها غاضباً ، لتردّ بابتسامةٍ باردة :

- قصدّت إفتتاحيّة فيلمك الأخير.

فردّ بغيظ :

- اذاً ابدأي المشهد


لتفاجئه بصفعةٍ قوية ، جعلت كل القاعة تشهق بصدمة !

لكنها لم تتوقف ، بل واصلت الحوار باتقانٍ شديد .. مُجبرةً سعيد على إكمال تمثيل دوره باحتراف.

ليعلو التصفيق بعد انتهاء المشهد 


سعيد معاتباً :

- مثّلتي بقوة ، لدرجة ان خدّي مازال يؤلمني.

مروى : الدور تطلّب ذلك.

ثم عادت الى مقعدها دون أن تعتذر !

***


في تلك الليلة ، رأى سعيد مناماً غريباً :

((طليقته المتوفاة وهي تقف أمامه ، وتشير الى فتاةٍ من بعيد : 

- تلك ستحتلّ قلبك قريباً

فظن انها تشير لخطيبته .. لكن ما ان اقتربت الفتاة ، حتى ظهرت الطالبة مروى !))


وقد اربكه المنام لدرجة إتصاله بخطيبته ريم ، ليخبرها بزيارته للمعهد غداً

***


في اليوم التالي ..حضر سعيد المحاضرة ، جالساً بجوار ريم.

وبعد قليل ..إختار الأستاذ مروى وريم ، لأداء مشهدٍ أمام الطلاّب.


بعد انتهاء المشهد.. طلب منهما تقويم أدائهما للمشهد

 فقالت مروى:

- تمثيل ريم يُذكّرني بالأفلام العربية القديمة.. ففيه شيء من التصنّع.

ريم غاضبة :

- ولما تتحدّثين كأنك ممثلة مشهورة ؟ اساساً لولا والدك ، لرسبتي من السنة الأولى

فردّت مروى:

- ولولا خطيبك الفنان ، لما وصلتِ لسنة التخرّج 

فتدخل المعلم :

- الأستاذ سعيد هو من سيقيّم أدائكما هذه المرة 

فنظر سعيد إلى ريم ومروى ، قائلاً : 

- لا تغضبي يا ريم .. لكن التمثيل الحديث يحتاج إلى عفويّة وتقمّص الدور ، كأنه يحصل معك فعلاً.. وهذا ما اتقنته مروى 

فغادرت ريم القاعة غاضبة ، ليلحق بها سعيد إلى ساحة المعهد.

^^^


وهناك عاتبته ريم بعصبية : 

- أحرجتني أمام الجميع!

سعيد : كان رأياً مهنياً بحتاً ، فأنا ..

مقاطعة :

- لا تتظاهر بالبراءة.. صديقتي أخبرتني ما حصل بينك وبين مروى في غيابي 

- لم يحصل شيء ! 

- وهل مدحتها قبل قليل لأن تمثيلها أعجبك ، ام لأنها أثارت اهتمامك ؟

وما ان ظهرت مروى من بعيد ، حتى غادرت ريم المعهد دون سماع اجابة خطيبها 


فاقتربت مروى من سعيد معتذرة :

- لم أردّ إثارة المشاكل بينكما !

سعيد : أتدرين انك ستخربين بيتي ؟ 

مروى : اذاً كان عليك مدح تمثيلها

- انا لا يعجبني أدائها منذ البداية .. اما انت..

- انا ماذا ؟

سعيد : مازلت خائفاً من التمثيل امامك بعد صفعتك القوية ! عليك ان تكوني اكثر انوثة ، ان كنت ستدخلين هذا المجال 

- لا تحاول اقناعي ، فأنا لن ابيع مبادئي لأجل الشهرة 

فتغيّر لون وجهه : 

- هل تُلمّحين أنني بلا شرف؟

مروى : انت أضعت موهبتك في الأفلام الهابطة

- هذا ما يطلبه الجمهور

- ربما حصل ذلك بالسبعينات والثمانينات ، عصر ازدهار التلفاز والسينما .. لكن بعد ظهور وسائل التواصل الإجتماعي ، إهتمّ الناس بالأفلام العائلية الهادفة التي تتحدث عن ابطالٍ حقيقين غيّروا العالم باختراعاتهم ومواقفهم الإنسانية 

سعيد : 

- وهل تكتبين مثل تلك القصص ؟

- بكل تأكيد !! ولديّ الكثير منها.

- اريد قراءة احداها 

مروى : معي واحدة بالفعل.

فاستلمها منها وهو يعدها بقراءتها بأقرب وقت ، ثم إعطائها رأيه المهني.

*** 


في اليوم التالي ، التقيا في ساحة المعهد.. وأعاد اليها القصة مبهوراً :

- الفكرة رائعة وعميقة للغاية !

مروى باهتمام : وهل ستعرضها على منتج ، كما وعدتني؟

- بل سأنتجها بنفسي ، ووالدك سيكون المخرج

مروى بصدمة :

- هل وافق ابي ؟!

- نعم .. بشرط !! ان تكوني انت البطلة

مروى : ولما لا ؟ فأحداث القصة نظيفة تماماً ، وذات رسالة راقية.

- وهذا ما يقلقني ، خوفاً من رفض جمهوري ..

مقاطعة : بل سيعجبهم رؤيتك بأدوارٍ جديدة تحترم عقولهم.

***


بعد شهور ، عُرض الفيلم.

وكانت المفاجأة أن الجمهور أحب سعيد بدوره الدراميّ .. ((فالقصة تدور حول رجلٍ يكافح لأجل عائلته ، متخذاً قراراً صعباً يغيّر حياتهم للأفضل.. اما مروى ، فمثّلت دور زوجته وام اطفاله التي ساندته رغم استقالته المفاجئة من عمله ، لملاحقة موهبته النادرة .. حيث أظهر الفيلم حبهما العفيف اللطيف ، دون مشاهد تخدش حياء المشاهدين)) 


وبعد عرض الفيلم ، انهالت على سعيد التعليقات الإيجابية وإشادات النقاد

أما مروى ، فتحوّلت إلى نجمةٍ صاعدة.. وعُرضت عليها عشرات الأدوار ، لكنها رفضت معظمها..

فقال لها والدها:

- للآن رفضتِ ثلاثة أفلام ممتازة!

ابي ، أدوارها لا تناسب معاييري ومبادئي.

والدها : لكن بطل إحداها مشهوراً جداً ، وسيفيد مشوارك الفني !

- لكنه معروف بتحرّشه بالممثلات خلف الكواليس. 


فسكت والدها بتفكيرٍ عميق ، قبل أن يبتسم بفخر:

- طالما تفكّرين بهذه الطريقة الواعية ، فأنا فخورٌ بك يا ابنتي


بهذه الأثناء .. دخل سعيد الى مكتب والدها :

- سمعتكما قبل قليل .. ما رأيك لوّ كنتُ انا البطل ، هل ستمثلين معي مجدداً ؟

مروى باستغراب :

- لكن الدور معروض على الممثل الشهير  

 سعيد : أخبرني المنتج قبل قليل عن رفضه الدور ، لانشغاله بأعمالٍ اخرى .. لهذا عرض الدور عليّ 

مروى بتردّد : المشكلة ان هناك عناق رومنسي بآخر الفيلم .. لهذا لن اقبل ان ..

سعيد مقاطعاً :

- الن تعانقي خطيبك ؟

ثم نظر لوالدها :

- هذا ان وافق والدك على زواجنا ؟ .. (ثم نظر لمروى التي التزمت الصمت)..فأنا وريم انفصلنا بعد عملي معك بالفيلم السابق ، كما تعلمين 

فأجاب الأب ، وهو ينظر لوجه مروى الذي احمر خجلاً :

- انا موافق ، بشرط أن تستمّرا في تقديم الفن النظيف معاً.

سعيد بحماس :

- اذاً اتفقنا

***


وتزوج سعيد ومروى.


ومع مرور السنوات .. أصبحا ثنائياً فنياً ناجحاً ، ومحبوباً من الجميع.. حيث أصرّ الجمهور على رؤيتهما معاً في ادوارٍ درامية راقية ..حتى أصبحا رمزاً لسينما النظيفة


وبسبب إصرارهما المستمر على المواضيع الهادفة ، أدركت شركات الإنتاج أخيراً أن الجمهور هو صاحب القرار الأول فيما يريد مشاهدته.. وطالما أن الأفلام العائلية الهادفة صارت تحقق أعلى الإيرادات والأرباح ، تغيّرت خيارات المنتجين والمخرجين جذرياً نحو الأفضل.

***


وبعد سنواتٍ طويلة من العمل السينمائي المشترك .. قرّر الممثلان المبدعان الإعتزال سوياً ، لتفرّغ لحياتهما الأسرية الخاصة


وفي آخر مقابلةٍ تلفزيونية لهما ، سأل المذيع سعيد:

- هل تندم على تركك الأدوار الرومانسية التي صنعت شهرتك؟

فنظر لزوجته مروى مبتسماً :

- على العكس... فلولا فتاةٌ شجاعة صفعتني يوماً أمام طلاّب معهد التمثيل ، لما اكتشفت براعتي الحقيقية في تجسيد أدوارٍ متنوعة وعميقة.. زوجتي هي من صنعَت مني ممثلاً متكاملاً 

مروى ممازحة ، وهي تنظر بابتسامة الى زوجها :

- لم أدري أن صفعتي ستغيّر حياته ومساره الفني إلى هذه الدرجة!

المذيع بإعجاب : بل أنتِ غيّرتي ملامح السينما كلها!

مروى بتواضع: الفضل يعود للجمهور الواعي الذي فضّل جودة الأفكار وسموّ الرسالة على الأفلام الهابطة.

زوجها سعيد بفخر : وأنتِ من تنبأتِ بذلك قبل الجميع!


وهكذا أثبتت مروى ما آمنت به منذ البداية :

((بأن الجمهور لا يتّبع بالضرورة ما يفرضه عليه المنتجون والمخرجون ، بل يمتلك القرار لاختيار الفن الراقي الذي يستحق المشاهدة والإستمراريّة لسنواتٍ طويلة)) 


الأحد، 30 أغسطس 2026

سنوات الفراق

تأليف : امل شانوحة 

العوض الجميل


عاد من سفره دون إخبار زوجته ، رغبةً في مفاجأتها.. لينصدم برؤيتها مع زميلها في العمل على سريره ! 

فتجمّدت برعب ، ظناً بإقدامه على قتلها مع عشيقها ..لكنه اكتفى بتصويرهما ، ومغادرة المنزل بهدوء !

 

لم يكن التصوير بدافع الإنتقام ، بل ليكون دليلاً ضدّها في المحكمة .. بعد عجزه عن تطليقها سابقاً ، بسبب الحسابات المالية المشتركة بينهما .. 


ثم جلس في سيارته ، وهو يشعر كأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدره..

^^^


وفي الطريق ، عادت ذكرياته إلى سنة زواجه الأولى .. بعد تفضيل عروسته وظيفتها ونزهاتها مع صديقاتها ، على قضاء الوقت معه ! حتى أصبح وحيداً في منزله 


وبسبب ملله ، تعرّف بالإنترنت على فتاةٍ عزباء.. ظنها في البداية ساذجة ، لسرعة تعلّقها به.. 

لكن بمرور الأيام ، أحبّ لطفها وصدق مشاعرها .. الى ان قرّر تطليق زوجته ، والإرتباط بها .. 


وقبل إقدامه على هذه الخطوة المصيرية ، تفاجأ بخبر حمل زوجته بطفلتهما الأولى ! فاختار ان يبقى مع اسرته على حب حياته .. 

ولهذا تعمّد تجاهل رسائل حبيبته ، مع الإستخفاف بمشاعرها الصادقة .. حتى كرهت الحديث معه .. قبل حذفه حسابه ، والإختفاء من حياتها تماماً 

كان يعلم أنه يُحطّم قلبها البريء ، لكنه أهون من ربطها برجلٍ لا يستطيع الزواج بها..


ثم مرّت عشرون عاماً .. تحمّل فيها حياته الزوجية المضّطربة ، المليئة بالمشاكل والخلافات.. كل هذا لأجل ابنته..

لكن بعد زواج صغيرته وخيانة زوجته ، لم يعد هناك داعي للإستمرار بهذه العلاقة الفاشلة والمدمرّة نفسياً  

***


وبعد انتهائه من إجراءات الطلاق ، عادت تساؤلاته حول حبيبته السابقة .. ترى كم ولداً انجبت ؟ وهل هي سعيدة مع زوجها ؟


وبدأ البحث عنها في الإنترنت .. الى ان وجد موقع رسوماتها الذي تحوّل إلى منصّة يتابعها آلاف المعجبين 

ورغم قراءته لجميع تعليقاتها مع المتابعين ، الا انها لم تتحدّث معهم عن حياتها الشخصية !


وبترددٍ شديد ، بعث لها رسالةً قصيرة :

((لقد عاقبني الله على كسر قلبك.. فقد انفصلت حديثاً عن زوجتي ، بعد تزويج ابنتي ..وأصبحت وحيداً ، اعاني من تأنيب الضمير عما فعلته بك.. وانا لا اريد شيئاً ، سوى الإطمئنان عليك.. هل انت بخير؟)) 


فصُدمت برسالته بعد سنوات الفراق الطويلة ! وأرادت حذفها على الفور.. لكنها بعد ساعاتٍ من التردّد ، اجابته :

((رفضّت كل من تقدّم لخطبتي من بعدك.. لم أردّ أن أظلم رجلاً ، بقلبي المكسور الذي حطّمته بيديك .. وذنبي الوحيد انني أحببتك أكثر من نفسي))


فشعر بالندم لجرحه العميق لها .. وبنفس الوقت ، أحسّ بالراحة لبقائها وفيّة لحبه.. 

وكتب إليها:

((رجاءً ، إسمحي لي بتعويضك عن سنوات الخذلان.. إمنحيني فرصةً أخيرة .. فإن فشلت في إسعادك ، سأرحل من حياتك للأبد))


فاكتفت بإرسال رقم شقيقها الأكبر ، وهي تقول : 

((هو وليّ أمري بعد وفاة والدي.. فإن كنت جاداً ، تحدّث إليه بشأن الزواج.. أما إن كنت مازلت متردّداً ، فإيّاك العودة الى حياتي مجدداً)) 

^^^


بعد ساعة ، اتصل اخوها ليخبرها عن العريس الذي لم يكشف معرفته بأخته قبل عشرين عاماً.. مكتفياً بالقول : إن بعض المعارف دلّوه عليها..

***


وبعد أسابيع قليلة ، عُقد القران..


وفي حفل زفافٍ بسيط ، أقيم في منزل العروس (حسب طلبها) ..

لاحظ المعازيم لمعة العشق في عينيّ العريسيّن ، والإبتسامة التي لم تفارق وجهيهما طوال الحفل !

 

وبعد وداع الأهل ، سافرا في رحلة شهر عسل امتدّت لسنواتٍ طويلة.. 

***


وفي إحدى الليالي ، أمسك يدها وهو يعتذر عن الماضي :

- سامحيني على تضييع أجمل سنوات شبابك

فردّت بابتسامة : 

- انتظارٌ طويل ينتهي بسعادةٍ حقيقية ، خيرٌ من زواجٍ سريع ينتهي بالندم.. فسنوات الفراق جعلتنا ننضج ، ونعرف قيمة حبنا .. وكما يقال : كل تأخيرة فيها خيرة

- لقد عوّضني الله بأجمل وأحنّ زوجة

- وأنت كنت العوض والأمان.. ولا أريد من الدنيا شيئاً ، سوى قضاء ما تبقى من عمري بإسعادك 

- وهذا واجبي ايضاً ... وحتى آخر يومٍ في حياتي

ثم حضنها بحنان


الأربعاء، 26 أغسطس 2026

امرأة بلا ماضي

تأليف : امل شانوحة 

الذاكرة المنسية


بعد إدخال الزوجة الضيافة إلى غرفة الجلوس ، طلب منها زوجها إحضار بلاي ستيشن للعب مع صديقه

 فسألته باستغراب : 

- الم تطلب مني إخفاء الجهاز ، بعد ان اصبحت مهووساً به ؟!

- لا يهم .. إذهبي واحضريه


فعادت لغرفتها ، وهي تتمّتم بضيق :

- هو يعلم ان صحتي ليست بخير اليوم .. ومع ذلك يريدني ان احضر اللعبة من فوق الخزانة ، رغم شعوري بالدوار ! 


ثم وضعت السلّم الخشبي ، في محاولة لإنزال الصندوق الكرتوني الذي بداخله بلاي ستيشن .. لكنها لم تنتبه لعكّاز زوجها الحديديّ الذي فوقه (استخدمه قبل شهرين ، عندما أصيبت ساقه) الذي سقط بقوّة على رأسها ، مُتسبباً بجرحه 


في صالة المنزل .. سمع الزوج وصديقه صوت وقوعٍٍ عنيف للسلم ، فهرعا مذعوريّن للداخل.. 

ليجداها ممدّدة على الأرض ، والسلم فوقها .. والدماء تسيل من رأسها ! 

فحاول الزوج إيقاظها ، بهزّ جسمها بعنف .. لولا إصرار صديقه بأخذها فوراً للمستشفى

^^^


في الطريق ..

جلست المرأة في المقعد الخلفي ، مُسندةً رأسها على فخذ زوجها الذي يحاول ايقاف دمائها بالمناديل .. بينما صديقه يقود السيارة ، وهو يسأله بقلق : 

- هل تتنفس ؟

فوضع الزوج يده أمام أنفها ، قبل ان يجيبه برعب : 

- لا... لا تتنفس!

فصرخ صديقه:

- ماذا تنتظر؟ أنقذها بالحال !!

فأحنى الزوج رأسه ، لإجراء التنفس الإصطناعي.. 

وإذّ بها تنتفض فجأة ، وهي تبعده عنها بفزع :

- ماذا تفعل ؟!! 

ثم نظرت حولها بدهشةٍ مفزعة : 

- أين أنا؟!

وهنا رأت الدماء على المناديل ! فوضعت يدها على رأسها ، وهي تشعر بالألم :

- ماذا فعلتما بي؟!

فردّ الزوج بانزعاج :

- كفّي عن هذه السخافات !! فأنت جرحت رأسك ، بعد سقوطك من السلم..

فجلست بعيدةً عنه ، وهي تسأله بخوف : 

- ومن انت يا رجل ؟ ولما حاولت تقبيلي قبل قليل ؟ 

فساد الصمت بالسيارة ! 


فأجاب صديقه بقلق :

- هذا زوجك ، وكان يحاول إنعاشك .. الا تتذكرينه ؟!

فردّت بدهشة :

- وهل انا متزوجة ؟!

ثم انتبهت على خاتم اصبعها :

- يبدو ذلك ! 

فقال الزوج لصديقه ببرود:

- إنها تبالغ.

فردّ صديقه بعتاب :

- لقد سقطت من علوّ مترين ، ووقع السلّم على رأسها.. لابد ان الإصابة أضرّت بذاكرتها .. وكلّه بسببي ! ليتني لم أصرّ على لعب بلاي ستيشن معك

فسألت المرأة باستغراب:

- وما علاقة الجهاز بجرح رأسي ؟!

فأجاب زوجها : 

- اللعبة كانت في صندوقٍ فوق الخزانة ..هل تذكرتي الحادثة الآن؟

المرأة بقلق :

- لا .. لا اتذكر شيئاً 

فقال الصديق:

- لا تقلقي ، سنصل الى المشفى بعد قليل .. وهناك سيتبين كل شيء.

^^^


بعد الفحوصات.. خرج الطبيب من غرفة الأشعة ، وهو يقول للزوج: 

- مجرّد ارتجاجٌ بسيط .. لكنه يبدو اصاب جزء الذاكرة في دماغها! 

الزوج بقلق :

- ومتى ستتذكّرني؟

الطبيب : الأمر بيدك .. عليك تذكيرها بالماضي الجميل.. يعني المواقف العاطفية بينكما ايام الخطوبة وشهر العسل ، فهي وحدها ما يعلق بذهن المرأة.

^^^


فعادت الى المنزل مع زوجها المحتار بطريقة تصرّفه معها .. خصوصاً بعد إصرارها على البقاء وحدها بغرفتها التي أقفلتها بإحكام .. فهو بالنسبة لها ، رجلٌ غريبٌ عنها!

***


في الأيام التالية ، إضّطر لتغير معاملته معها .. فهو لم يعد يرفع صوته ، او يعطيها اوامر صارمة .. بل صار يستشيرها ويأخذ اذنها ، قبل فعله شيء..


ومع مرور الأيام .. حدث شيءٌ لم يتوقعه ، حين بدأ يكتشفها من جديد .. فهي لم تعد زوجته الباهتة الصامتة التي اعتاد عليها .. بل صارت تناقشه وتعارضه بجرأة .. وتخبره النكات وهي تضحك من قلبها .. وتطلعه على أحلامها .. وتشاركه طموحها ومواهبها التي لم يعلم عنها سابقاً ! كما صارت تهتم بمظهرها ، وتختار ملابسها بنفسها.. وتمازحه بروحها الطفولية وعفويتها الجميلة !


مما جعله يستذكر سنواتهما الماضية ، بعد إجبارها على التصرّف كزوجةٍ هادئة ومطيعة .. بعد ان نصحه الأقارب والأصدقاء قبل الزواج : بطمس شخصيتها تماماً ، وتحقير آرائها وأحلامها .. ومنعها من الخروج والإختلاط بالناس .. وجعل كلمته دائماً هي الأولى والأخيرة 


وبعد تنفيذ نصائحهم ، تحوّلت زوجته إلى امرأة تخاف اعتراضه وإغضابه .. خصوصاً بعد اجبارها على الإستقالة من عملها الذي تحبه .. وإبعادها عن اهلها واصدقائها .. كما كان ينصحها باستعلاء ، بالتفكير بكلامها الف مرة قبل التحدث اليه وإضاعة وقته بآرائها التافهة .. كل ذلك ، رغبةً بخلق زواجٍ بلا مشاكل .. لكنه بالحقيقة صنع بيتاً بلا روحٍ او حياة !  


اما بعد الحادثة ، فصارت تفاجئه بطباعها الجميلة كل يوم.. والأغرب أنه بدأ يعشق هذه المرأة الجديدة.. او بالأصح ، يكتشف حقيقتها بعد خمس سنوات من الحياة الرتيبة المملة ! 

***


ذات مساء ، وهما يشاهدان التلفاز .. سألته بجرأة : 

- هل لديك مشكلة صحية تمنعنا من الإنجاب ؟

فنظر اليها بصدمة :

- ماذا قلت ؟!

- هذا الصباح ، وجدت ملفي الصحي بخزانتي .. وكانت نتائجي جيدة ، لكني لم اجد فحوصاتك ضمن الملف ..

فقاطعها بعصبية :

- هذا يعارض رجولتي !!


ورفع صوت التلفاز لقطع محادثتها .. لكنها أطفأت الجهاز ، وهي تسأله بحزم : 

- نحن متزوجان منذ خمس سنوات ..الا تريد أن تصبح أباً ؟

- كيف وانت تمنعيني الإقتراب منك ؟

- لا تغير الموضوع .. غداً نذهب معاً إلى الطبيب لإجراء .. 

مقاطعاً بعصبية :

- ارفض ان اصبح موضع سخرية أمام الناس.

فأمسكت يده بحنان : 

- لن يعرف أحد.. وإن كان هناك شيء يحتاج إلى علاج ، فسأقف إلى جانبك.. فكلانا اقترب من سن الأربعين ، ولا أريد تضيع المزيد من الوقت.

ففكّر مطولاً ، قبل ان يوافق بتردّد

^^^


وجاءت النتائج مطمئنة..

فهو لم يكن لديه مرضٌ خطير ، بل مجرد عارضٌ بسيط يتطلّب علاجاً بسيطاً

ولأنه وافق على الفحوصات والعلاج ، سمحت بعودته الى غرفتها ..

***


وبعد شهرين ، علم بحملها.. فاحتضنها سعيداً ، وهو يعدها بحفلةٍ عائلية 


وفي الحفل ، لاحظ الجميع تغير طباع الزوجة .. فهي لم تعد صامتة ومنزوية بالمناسبات .. بل ظهرت متألقة بثوبها الفخم ، وهي تضحك بطلاقة وتشارك احاديث الجميع بثقةٍ واعتزاز 

اما زوجها ، فلم يعد يقاطعها أو يأمرها بإذلال امام الغرباء .. بل ينظر إليها باحترام وبابتسامةٍ حنونة ، كأنهما عروسان جدد !

^^^


بعد انتهاء الحفل ، وفي غرفة النوم..

قال الزوج بنبرةٍ نادمة :

- اريد الإعتذار عن سنوات قسوتي معك .. كنت أظن أنه بجعلك مطيعة لكل أوامري ، سأعيش حياةً هادئة.. لكني كنت مخطئاً.. فعندما فقدتِ ذاكرتك ، ظهرت أمامي امرأة لم أعرفها من قبل ! امرأة قوية ومرحة ، لها أحلام وطموح وآراءً سديدة ... واكتشفت أنني أحب هذه المرأة ، أكثر من زوجتي التي أطاعتني بكل شيء ! ليتني عرفت جوهرك الحقيقي منذ البداية.

فأسندت رأسها على كتفه بدلال : 

- المهم أنك عرفتني الآن.. وطالما اصبحت لطيفاً معي ، وتحترمني امام الناس .. فهذا يكفيني..


فحضنها بحنان ، دون علمه بما تخفيه عنه :

((فهو يظنها فاقدة الذاكرة .. لكنها بالحقيقة قبل الحادثة بيوم ، التقت بصديقتها من أيام الجامعة..وجلستا في أحد المطاعم..

لتتفاجأ بصديقتها تسألها بأسى :

- ما الذي جرى لكِ ؟ لما تحولتِ إلى امرأةٍ كئيبة وذابلة ، مقارنةً بأيام الجامعة؟!

ثم أرتها مقاطع فيديو قديمة لهما : وهما تضحكان وتمرحان بحرّية 

متسائلةً بحرقة:

- أين ذهبت تلك الروح الجميلة ؟! 

ثم نصحتها بوضع حدٍ لزوجها النرجسي ، او الطلاق منه

 

فعادت الزوجة الى منزلها مهمومة ، بعد تأكّدها بأنها بعلاقةٍ غير صحية ..


وبعد ان وقع العكّاز من فوق الخزانة ، جارحاً رأسها .. خطرت ببالها ، إسقاط السلم بقوة .. ثم الإستلقاء تحته .. لإيهام زوجها بوقوعها من ارتفاعٍ كبير ، متسبباً بفقدان ذاكرتها ..


ثم بدأت خطتها بعد استيقاظها بسيارة صديق زوجها ، مُدعيةً نسيان الماضي .. او بالأصح ، ناكرةً للوحش الذي صنعته بيدها طوال الخمس سنوات الماضية .. فهي من جعلته نرجسياً ، بطاعتها العمياء له .. وإغداق المديح عليه ، رغم عدم استحقاقه ذلك .. ولهذا ارادت إصلاح خطأها اولاً ، بالعودة لشخصيتها القديمة 


في البداية عاملها زوجها بحذر ، خوفاً من خسارتها .. ثم باحترام ، بدافع الفضول..ثم بدافع الإعجاب.. وأخيراً... بدافع الحب.


فهي بالنهاية لم تفقد ذاكرتها .. بل استعادت نفسها الحقيقية بذكاءٍ أنثويٍّ ناعم)) 


وفي هذا المساء ، وبينما تراقب زوجها النائم .. وضعت يدها على بطنها ، وهي تتمنى أن يرسّخ الطفل الحب بينهما .. عاقدةً العزم على الإحتفاظ بسرّ حيلتها للأبد .. فهي لم تفعل ذلك هدماً لمنزلها .. بل لترسيخ قواعد الحب والإحترام والمساواة ، لبناء زواجٍ سعيد يدوم العمر كلّه !


الأحد، 2 أغسطس 2026

أشرعة الحرية

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 

ملحمة الحب


في قلب بيريتوس (بيروت حالياً) عام 1000 قبل الميلاد، حيث تتقاطع الأزقة الضيقة لتصب في الميدان الكبير، وسوقها سيمفونية من الفوضى المنظمة، رائحة خشب الأرز الخام تمتزج بملوحة البحر، وصياح الباعة يختلط بقعقعة العربات. 


وفي زقاق خلفي يفوح برائحة النشر وورق البردي، كانت الفتاة الجميلة 'عنّات' بثوبها الحريري الأرجواني الفاخر الذي يستخرج صباغه من محار الموركس محاصرة من قبل جنود آشوريين الذين أتوا لمهمة عسكرية وتجارية، كان الجنود الآشوريون يحيطون بها بوجوههم القاسية ودروعهم البرونزية.

اندفع شاب من ورشته، كان الغبار الخشبي لا يزال عالقاً على قميصه الكتاني، لكن نظراته كانت حادة كإزميله. 

وقف بجسده الفارع حائلاً بين الجنود و'عنات' ، وشد قبضتيه حتى ابيضت مفاصله.

الجندي الآشوري وهو يزأر بلهجة ثقيلة وغريبة:

ابتعد أيها النجار القذر! هذه المرأة لم تدفع ضريبة العبور لقائدنا.. والجمال له ضريبة مضاعفة عندنا!

الشاب الفينيقي 'حيّام' بصوت هادئ وثابت:

هذه بيريتوس الحرة، أرض البحر والأرز، وليست إقطاعية تابعة لأحد. ليس لكم حق في فلس واحد هنا.. اتركها وشأنها وارحلوا بسلام.


ضحك الجندي الآشوري بسخرية،

- أتتحدانا أيها الصعلوك؟ يبدو أنك ستبني تابوتك الخاص اليوم!

لم ينتظر 'حيّام' طويلاً؛ فبما أن حركة الجنود بطيئة بسبب دروعهم الثقيلة، وهو خفيف كالبحارة، تبادل معهم اللكمات في اشتباك سريع وعنيف، وبضربة متقنة من ذراعه القوية، طرح أولهم أرضاً، ثم عاجل الآخر بركلة دفعته نحو أكوام السلال المجاورة. 

فرّ البقية وهم يلوحون بأسلحتهم ويتوعدون بالعودة بجيش لا يُقهر.


التفت 'حيّام' نحو 'عنات'، فرآها تلفظ أنفاسها بصعوبة، وهي تحاول ترتيب ثوبها الحريري الأرجواني الذي تضرر في زحام الباعة المجاورين والمارة، نظرت إليه بإعجاب لم تستطع إخفاءه خلف بريق عينيها.

عنات بصوت يرتجف رقةً وامتناناً:

شكراً لك أيها الغريب الشجاع.. لقد خاطرت بحياتك من أجل فتاة لا تعرفها.

حيّام يلتقط قبعته من الأرض، ويبتسم بتواضع:

هذا واجب كل من يجري في عروقه دم فينيقي، اسمي حيّام.. نجار بسيط في أحواض المدينة.

عنات وهي تستعيد هدوءها:

وأنا 'عنات'، ابنة التاجر 'متّن'، لن ينسى والدي هذا المعروف، أرجو أن تتقبل دعوتي لزيارة منزلنا هذا المساء، ليشكرك بنفسه.

تجاذبا أطراف الحديث بسرعة، وبدا بينهما الإعجاب حتى نمى بينهما الحب بسرعة البرق. 


انصرفت 'عنات'، لكن عطر الأرجوان ظل عالقاً في هواء الزقاق، بينما وقف 'حيّام' ينظر في أثرها، مدركاً أن حياته الهادئة بين أخشاب الأرز قد انتهت للأبد، وأن عاصفة أكبر من عواصف البحر في طريقها إليه.

***

خلف الأسوار العالية لمنزل التاجر 'متّن'، حيث تضاء الشموع المعطرة برائحة اللبان، كان الترف يملأ المكان، لكن البرود كان سيد الموقف. 

وقف 'حيّام' في القاعة الكبرى، يشعر بضآلة حجمه أمام التماثيل العاجية والأعمدة المزخرفة، لكنه بكل شجاعة واحترام تجرأ وطلب يد 'عنات' من أبيها دون خجل، بينما كان 'متّن' يتفحصه بنظرات تقطر كبرياءً.

متّن بلهجة جافة، وعيناه مسمرتان نحو الشرفة المطلة على الميناء:

شكراً لك على شجاعتك أيها الشاب، لقد أنقذت بضاعتي الأغلى، لكن.. لنكن واقعيين، الشجاعة لا تبني القصور، ابنتي 'عنات' مخطوبة لـ 'بعل-إيسر'، شريكي الذي يزن ذهبه وزن سفن الأرز.

حيّام رافعاً رأسه، وبصوت تملؤه العزة:

أعلم مقامي يا سيدي، فأنا نجار أبني السفن التي تحمل تجارتكم، لكن الحب لا يعترف بالطبقات ولا بالصكوك التجارية، 'عنات' وأنا...

متّن يقاطعه بغضب وقد احمرّ وجهه:

يكفي! أنت نجار تعمل بيديك ويعلو وجهك غبار الخشب، و'بعل-إيسر' يملك أسطولاً يسيطر على الموج، هذا الزواج هو ميثاق يضمن بقاء اسم عائلتنا وتجارتنا الأرجوانية، اخرج من قصري، ولا تطأ قدماك عتبة هذا المنزل ثانية!

خرج 'حيّام' والحرقة تنهش صدره، لكن الليل كان يخفي في طياته خطة أخرى.

***

في مساء اليوم التالي ذهبت 'عنات' إلى أسوار المدينة، للقاء حبيبها 'حيّام' ليتبادلا وعود الوفاء، وفي هذه الأثناء كانت هناك أعين تراقب في الظلام، وعقول تحيك الدسائس خلف الأبواب الموصدة. 

في ركن ناءٍ من غرفة التجارة ببيريتوس، حيث تزدحم الرفوف بلفافات البردي وعينات الأرجوان، جلس 'بعل-إيسر'، وهو يفكر بروية غير طامح لقلب 'عنات' حباً فيها، بل لأنها الجوهرة التي تنقصه للسيطرة على إمبراطورية والدها التجارية.


في تلك الغرفة المخنوقة برائحة الحبر والذهب، استقبل 'بعل-إيسر' ضيفه، جندياً آشورياً بملامح غليظة، تفوح منه رائحة النبيذ الرخيص والجشع.

'بعل-إيسر' بصوت خافت وماكر، وعيناه تلمعان كأفعى في العتمة:

القائد الآشوري لا يزال يبحث عن ذاك المتطاول الذي أهان كبرياء جنوده في السوق، أليس كذلك؟

الجندي الآشوري يمسك بكيس من العملات الذهبية، يزنه في يده بابتسامة صفراء:

بالتأكيد.. القائد 'سنحاريب' رجل لا ينام على ضغينة، إنه يريد رأس ذلك الفتى ليعلقه على بوابات الميناء عبرة لكل فينيقي يظن أن أسوار مدينته ستحميه.

اقترب 'بعل-إيسر' من الجندي الآشوري أكثر، هامساً بسمومه:

اسمه 'حيّام'.. نجار بسيط يدّعي الشرف، لكنه في الحقيقة لص يحترف سرقة أخشاب الأرز الملكية ويحرض العمال على التمرد ضد سلطة القائد، ستجده الليلة عند أسوار المدينة في حوض بناء السفن، وحيداً تحت جنح الظلام.

الجندي الآشوري يهز رأسه بحقد وهو يغلق كيس الذهب:

معلوماتك دقيقة وذهبيّة كعملاتك أيها التاجر، سنعتني بأمره قبل بزوغ الفجر، وبموته سيخلو لك الطريق لتكون السيد الوحيد على تجارة الأرجوان.. وعلى ابنة 'متّن'.

ضحك 'بعل-إيسر' ضحكة مكتومة، بينما كان يراقب الجندي وهو يختفي في أزقة المدينة، لم يكن يعلم أن القدر كان قد بدأ بالفعل في تحريك أحجاره، وأن الشاب الذي ظنه صيداً سهلاً، سيتحول إلى ربان يقود سفينة الحرية نحو أفق لا تصله خناجر الغدر. 

***

في الجانب الآخر، عند أسوار المدينة العتيقة حيث تتكسر الأمواج، تسللت 'عنات' كظل هارب، كان وشاحها يرفرف خلفها وهي تركض نحو 'حيّام' الذي كان ينتظرها بلهفة.

عنات بصوت مخنوق بالدموع، وهي تتشبث بذراعه:

لا يمكنني يا 'حيّام'.. لا يمكنني تحمل فكرة أن أكون ملكاً لـ 'بعل-إيسر'. 

إنه رجل ذو قلب بارد كحجر الصوان، ومخادع لا يرى فيّ سوى صفقة رابحة، لذلك أحببتك أنت.

حيّام يمسح دموعها بيده الخشنة:

يجب أن نجد حلاً يا حبيبتي، سأواجه الموج والعواصف، وسأبني لكِ وطناً من الأرز، أنا مستعد للمخاطرة بكل شيء، حتى بحياتي، لنكون معاً.

عنات بنبرة مرتعشة من الخوف:

احذر يا 'حيّام'.. لقد سمعتُ ما لا يجب سماعه! 

حيام بتوتر: وماذا سمعتي؟ هيا أخبريني. 

عنات: عندما كنت في طريقي إليك مررت بغرفة التجارة، سمعت 'بعل-إيسر' يهمس في أذن جندي آشوري، إنه ينسج لك فخاً من الانتقام، ويستغل حادثة السوق ليحولك من بطل إلى طريد، اهرب قبل أن يطبق الفخ عليك.

***

في ليلة اكتمال القمر، كانت بيريتوس تتزين لاحتفال زفاف مشؤوم، وبينما كان 'بعل-إيسر' يوزع النبيذ في الردهات السفلية احتفالاً بانتصاره الوشيك، كان 'حيّام' يتسلق جدران قصر 'متّن' كظلٍّ لا يُرى.

قفز إلى شرفة 'عنات'، التي كادت تصرخ من الدهشة والخوف.

عنات بهمس محموم: 'حيّام'! الحراس في كل زاوية، وأبي قد عجل بموعد الزفاف، هذا قدري الذي اضطررت لقبوله .. أنت تلقي بنفسك في المهلكة!

حيّام يمسك يدها بعزم: المهلكة هي بقاؤكِ هنا، لقد باع 'بعل-إيسر' رأسي للآشوريين، والوقت ينفد، سفينة عمي 'أدوني- بعل' تترقب الإشارة، هل تثقين بي؟

ترددت 'عنات' للحظة، نظرت إلى القصر الذي ولدت فيه، ثم إلى عيني حيّام الصادقتين.

عنات: أثق بك أكثر من أي شيء في هذا العالم!


لكن لحظة الهروب قُطعت بصرخة مدوية؛ كان 'بعل-إيسر' يقف عند مدخل الشرفة، وجهه يتشنج غضباً.

بعل-إيسر: خيانة! أمسكوا بالعبد النجار!

استل 'حيّام' سيفه، وفي مبارزة خاطفة تحت ضوء القمر، تمكن من جرح كتف 'بعل-إيسر'، مما أفسح لهما طريقاً للهرب عبر الأزقة المظلمة، بينما كان صوت أبواق الإنذار تملأ سماء المدينة. 

^^^

قبل الهروب إلى الميناء، كان 'حيّام' و'عنات' يشتركان في سر صغير لا يعرفه حتى والدها التاجر' متّن' . 

كان 'حيّام'، بفضل عمله كنجار يتعامل مع مختلف التجار والبحارة، قد تعلم نظام كتابة جديد ومبتكر، كان التجار الفينيقيون يطورونه لتبسيط سجلاتهم، على عكس الأنظمة المسمارية أو الهيروغليفية، كانت هذه الأبجدية تتكون من عدد محدود من الرموز الصوتية البسيطة.

***

وفي مخزن صغير في الميناء، اضطرا لدخوله متخفين من الجنود الآشوريين عرض 'حيّام' ألواحاً طينية صغيرة على 'عنات'. 

حيّام: انظري يا 'عنات'، هذا هو المستقبل، أبي كان يستخدم عشرات الرموز لحساب شحنة واحدة، أما أنا فأستخدم هذه الـ 22 إشارة فقط.

عنات تنظر بدهشة إلى الرموز المحفورة: "مثل "ألف" و "بيت"؟ إنها بسيطة جداً!

حيّام: بالضبط.. التجارة في بيريتوس مزدهرة جداً، وسفننا تصل إلى كيميت (مصر حالياً) وهيلاس (اليونان حالياً) وهيسبانيا (إسبانيا حالياً)، فنحتاج إلى طريقة سريعة ودقيقة لتوثيق العقود، البضائع، والكميات، هذا النظام الجديد يجعل التجارة أسهل وأسرع بكثير من أي نظام آخر.

عنات: هل تعلمت هذا بنفسك؟

حيّام: لقد ساعدني عمي 'أدوني-بعل'، إنه سلاحنا السري للتفوق في التجارة.

حيّام بعد استيعابه مرور الوقت: هيا يا 'عنات' لا وقت لدينا. 

^^^

وبينما كان 'حيّام' و'عنات' يركضان نحو الميناء، خطرت لـ 'عنات' فكرة.

عنات تسحب حيّام إلى الخلف للحظة: انتظر! 'بعل-إيسر' ، قبل أن نهرب، رأيته يخفي لفيفة في صندوق التجارة الخاص بوالدي!

حيّام: ليس لدينا وقت يا 'عنات'، الجنود خلفنا!

عنات: قد تكون دليلاً يدينه هو وينقذ سمعتك أنت! يجب أن نحضرها!

^^^

قبل 'حيّام' رأي 'عنات' بتوتر، فعادا بسرعة فائقة عبر الأزقة إلى منزل التاجر 'متّن'، تسللا إلى غرفة التجارة، و'بعل-إيسر' كان قد غادر للتو لمطاردتهما، بحثت 'عنات' بخفة على اللفيفة المخبأة في الصناديق، فعثرت عليها بسرعة، وعندما فتحا اللفيفة وجدا أنها كانت مكتوبة بالأبجدية الفينيقية الجديدة، وهي عبارة عن تعليمات مرسلة للقائد الآشوري 'سنحاريب' بشأن 'حيّام'.

عنات بصوت يرتجف: إنها خطة كاملة! هو من رتب كل شيء، حتى إنه استخدم الأبجدية الجديدة لضمان السرية التامة!

حيّام: هذا يثبت براءتي، لكنه لن ينقذنا هنا، لن يصدق والدك أبداً ما دمنا في بيريتوس، يجب أن نأخذ هذه الوثيقة كدليل لرحلتنا الجديدة.

أخفى' حيّام' اللفيفة في حزامه، وهربا مرة أخرى نحو السفينة.

^^^

وصل 'حيّام' و'عنات' إلى الميناء الذي غمره ضجيج الفوضى واختلطت فيه أصوات الأمواج بصرخات البحارة. كانت سفينة 'أدوني-بعل' تتمايل على الرصيف كأنها خيلٌ جامح ينتظر إشارة الانطلاق.

بصوتٍ رعدي يملأ الأرجاء، صرخ القبطان 'أدوني-بعل' في طاقمه:

ارفعوا المرساة! حطموا القيود! أسرعوا، فظلال الحرس تقترب من الرصيف!

^^^

ومع أول تحرك للسفينة مبتعدةً عن اليابسة، انشق الزحام عن مشهدٍ مهيب؛ وصل الجنود الآشوريون يتقدمهم 'بعل-إيسر' بوجهه المليء بالغل، والتاجر 'متّن' الذي غطى الانكسار ملامحه. 

وقف القائد 'سنحاريب' على حافة الصخور، يلوح برمحه في الهواء كشيطانٍ غاضب، صارخاً بوعيدٍ زلزل الميناء:

لن تفلتوا أيها الفينيقيون! سلموا الهارب وإلا جعلت من مدينتكم رماداً تذروه الرياح!


وسط هذا الوعيد، برز صوت 'متّن' مخنوقاً بالعجز والحسرة، وهو يمد يده نحو السفينة التي بدأت تشق عباب الماء:

عنات! عودي يا ابنتي.. لا ترحلي، لقد خدعكِ هذا النجار!

وقفت 'عنات' على مؤخرة السفينة، تتشبث بالحبال والدموع تشق طريقها فوق وجنتيها، لكن صوتها جاء حاداً وقوياً، ردت على والدها بكلماتٍ كانت بمثابة إعلان استقلالها:

بل أنت من خدعني يا أبي! لقد بعتَ قلبي لرجلٍ لا قلب له، واليوم أشتري حريتي بالبحر!


التفتت 'عنات' لترى 'حيّام' واقفاً خلف الدفة كالصخرة، عيناه مثبتتان على الأفق حيث تغيب الشمس، بينما أشار عمه 'أدوني-بعل' بيده نحو الغرب المجهول، هاتِفاً بلهجة المنتصر:

إلى البحر الواسع يا أحفاد صور وصيدون! حيث لا تصل يد الطغاة ولا تُحكم القيود.. وجهتنا قرطاجة!

^^^

على متن سفينة 'أدوني-بعل'، وبعد الهروب الملحمي، واجهوا العواصف، لكن وجود اللفيفة ودراية 'حيّام' و'عنات' بالأبجدية الجديدة منحهم ميزة حاسمة.


وفي وسط البحر وعباب الأمواج أثناء عاصفة عنيفة مفاجئة على سطح السفينة، البحارة يركضون بتوتر. 

'أدوني-بعل' يصرخ وسط الرياح لحيّام: الرياح ضدنا! لا أستطيع قراءة الخرائط النجمية بوضوح!

أحاط بعض البحارة بـحيّام وعنّات.. 'حيّام' يمسك بالدفة بقوة، بينما 'عنات' تمسك بلوح طيني محفورعليه توجيهات الأبجدية الجديدة: استخدمي الرموز التي تعلمناها يا 'عنات'! ما هو رمز التيار الجنوبي؟

عنات: إنه حرف 'ميم'! يقول إن علينا الانحراف 10 درجات جنوباً الآن!

حيّام يعدل الدفة: توجهنا صحيح! هذه الأبجدية أنقذتنا من التحطم!

***

وبعد إسبوع وصلوا أخيراً إلى قرطاجة (تونس حالياً)، وبفضل معرفتهم العميقة بالصناعة الأرجوانية (خبرة عنات) ونظام الكتابة التجارية الفعال (خبرة حيّام)، أسسوا تجارة مزدهرة في المستعمرة الجديدة. 

أصبحت الأبجدية الفينيقية هي اللغة المشتركة لجميع التجار في قرطاجة، مما ساهم في ازدهار المدينة وانتشار الأبجدية في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط.

***

في سوق قرطاجة الجديد، 'حيّام' و'عنات' أصبحا تجاراً مرموقين. 

حيّام وهو يوقع عقداً كبيراً مع تاجر إغريقي باستخدام الأبجدية الفينيقية: من كان يظن أن الهروب من الظلم في (بيريتوس) سيجعلنا نبني إمبراطورية تجارية هنا؟

عنات تنظر بحب وفخر: الحب والشجاعة هما ما قادا سفينتنا، والأبجدية هي شراعنا الذي لا يغرق أبداً.

استخدم 'حيّام' و'عنات' القسيمة المظلمة التي أدانت 'بعل-إيسر' كوثيقة تأسيسية لشركة عائلتهم الجديدة، دليلاً على أن العدالة يمكن أن تنتصر حتى في أصعب الظروف، وأن الابتكار التجاري الفينيقي غير وجه العالم.

^^^

بعد أن عرف التاجر 'متن' والد 'عنات' ببراءة 'حيّام' وتورط شريكه' بعل-إيسر' بتواطئه مع الآشوريين، طرد شريكه' بعل – إيسر' منهياً شراكته معه، وأرسل رسالة يبارك فيها زواج ابنته بـ 'حيّام'.

عاد 'حيام' و'عنات' بعد يوم عمل إلى منزلهما بعد وصول مباركة التاجر 'متن' على زواجهما، احتضنا بعضهما بكل سعادة وهما يبتسمان بحب كبير.


الأحد، 28 يونيو 2026

انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة 

بين الفقد والأمل


عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغم عقمها .. وبعد سنواتٍ طويلة من العلاج ، حملت اخيراً .. وكان كلا الزوجيّن ينتظران مولودهما الأول بفارغ الصبر .. 

وبشهرها الثامن ، ضجّ الإعلام بخبر وفاتها مع جنينها بحادث سير على الطريق العام .. مما افقد مراد صوابه ، خصوصاً بعد علمه بأن المُتسبّبة بالحادث : هي سارة (الآنسة ثلاثينية) التي دخلت بغيبوبة بعد الحادثة .. والتي عملت كسائقة حافلةٍ صغيرة ، تابعة لمدرسةٍ ابتدائيةٍ شعبية ..


وبعد انتهاء العزاء .. تردّد مراد على المشفى بانتظار استيقاظ سارة ، لمعرفة اسباب الحادث ..

حيث رشى الممرّض ، للسماح له بدخول غرفتها .. رغم منع الشرطة إقترابه منها ، بعد شعورهم بغضبه الشديد اتجاهها 

^^^


وخلال الليالي التي بقيّ ساهراً امامها ، خطرت بباله مراراً : فكرة خنقها بالوسادة حتى الموت .. فهي حرمته حب حياته ، ومن شعور الإبوّة .. 

رغم ان شرطة المرور والشهود أكّدوا قيامها بخطوةٍ جريئة بعد انحراف شاحنةٍ امامها .. ولكيّ تحمي 20 طالباً من موتٍ حتميّ ، خاطرت بحياتها بالإنحراف نحو اليمين .. مما أدّى لاصطدامها بسيارة زوجة مراد التي ماتت على الفور .. بينما صدمت سارة رأسها بزجاجها الأماميّ بعنف ، مُتسبّباً بغيبوبتها ..

لكن مراد لم يهتم بنجاة الطلّاب الفقراء ، بل صبّ اهتمامه على عقاب سارة التي دمّرت حياته.. ولهذا تكفّل بعلاجها ، لكيّ يضمن نجاتها !

***


وطوال شهر غيبوبتها .. جلس مراد بجانب سريرها لساعات ، وهو يتأمّل جمالها البريء.. مع عدم السماح لنفسه بتطوير مشاعره اتجاهها ، فهي بالنهاية قاتلة عائلته .. ولهذا خطّط طوال تلك الليالي ، بطريقة تجعلها تدفع الثمن غالياً ..

***


الى ان اتى يوم ، استيقظت فيه اخيراً .. لتجد اهلها بجانبها ، يُهَنِّئونها على السلامة ..لكن بنفس الوقت وجوههم قلقة ، كأنهم يخفون أمراً مريباً ! 


وبعد إصرارها على معرفة ما حصل.. اجاب اخوها :

- جميع الطلاّب بخير يا سارة ..أصيبوا بجروحٍ بسيطة ، وتعالجوا جميعاً.. لكن المشكلة بزوج المرأة الحامل التي ماتت بالحادثة ، فهو يصرّ..

فقاطعته بقهر : لم يكن امامي حلٌ آخر ، فالشاحنة انزلقت باتجاهي بعد انفجار إطارها !

- نعلم ذلك ..والشرطة اخبرت الرجل ببطولتك الجريئة ، لكنه مُصرّ على عقابك

سارة بخوف : هل سيسُجنني ؟!

اخوها : لا ندري بعد.. هو يرفض الكلام معنا.. حتى انني اخبرته باستعدادنا لرهن منزلنا ، لدفع تعويضٍ له.. لكن ذلك آثار غضبه .. وأخبرني انه ليس بحاجة لمالنا القذر !


وقبل إكمال كلامه ، دخل مراد الغرفة دون استتئذان ! وهو ينظر لسارة بحنق :

- اخيراً استيقظتي !! قدمت فور علمي بشفائك

سارة بارتباك : سيدي ، انا..

مراد مقاطعاً بلؤم : أغلقي فمك !! لم آتى لسماع تبريراتك عن الحادثة .. 


ثم فتح باب الغرفة وهو ينادي اشخاصاً من الخارج .. وما ان دخلوا ، حتى صُدمت عائلة سارة برؤية موظفٍ حكوميّ ورجليّن !

فسأله اخو سارة بقلق : مالذي يحصل ؟!

مراد : هذا كاتب عدل وشاهديّن .. سأتزوج سارة بالحال

وجاء كلامه صادماً للجميع !


سارة بارتباك : سيدي .. انا لا اريد الزواج مطلقاً

مراد بعصبية : أصمتي !! زواجك بي ، ليس خياراً.. بل أمر واجبٌ عليك.

سارة بقلق : وفي حال رفضت ؟

مراد : ارفع قضية تعويض ، تُفلسك انت وأهلك بعد بيع جميع املاككم

فصمت الجميع برعب !


ثم وجّه كلامه للموظف الحكومي : 

- رجاءً ، قم بواجبك

فجلس الموظف بجانب سريرها ، وهو يفتح دفتره :

- آنسة سارة ..هل توافقين على الزواج من السيد مراد ؟


فنظرت للعريس بعيونٍ دامعة .. فهي لا تعرف الرجل الذي يكبرها بعشرين سنة ! والذي كان واضحاً من عيونه الحادّة ، انه سيؤذيها بعد الزواج

لكنها ايضاً شعرت بخوف اهلها على مصيرهم الماديّ .. ولهذا وافقت مُرغمة بتوقيع عقد الزواج بيدها المرتجفة ! 


وبعد خروج الموظف والشاهديّن من الغرفة .. نظر مراد الى أهلها ، وهو يقول بحزم : 

- من اليوم ستنسون ان لديكم ابنة اسمها سارة التي سأجبرها على مقاطعتكم.. فنسبكم الوضيع لا يليق بمستوايّ الإجتماعي.. وإن حاولتم البحث عنها ، سأرسل من يحرق منازلكم !!

فالتزم الجميع الصمت برعب ، امام تهديده الغاضب !

مراد : والآن اريد البقاء وحدي مع عروستي القاتلة 

ثم سمح لهم بتوديعها للمرة الأخيرة


وبعد ذهابهم ، اقترب من سريرها مُهدّداً :

- سأجعلك تتمنّين الموت الف مرة.


ثم ازال المصل بعنف عن ذراعها ، جعلت الدماء تنفر منها وهي تحاول كتم ألمها

مراد بنبرةٍ آمرة : 

- هي إلبسي بسرعة !! سآخذك لمنزلي الجبليّ.. انتظرك بالخارج ، لا تتأخري


وبصعوبة نزلت من سريرها ، وهي مازالت تشعر بدوار المخدّر.. ولبست ثيابها وهي قلقة من قتلها ببيته الجبلي ، لكنه لم يترك خياراً آخراً امامها

^^^


في الطريق .. جلست تنظر من نافذتها بشرود ، وهي تتذكّر صراخ الطلّاب قبل لحظات من الحادثة.. محاولةً تجاهل انفاس العريس الغاضبة ، وهو يقود بسرعة باتجاه المنزل الذي سيكون سجنها قريباَ

^^^


بعد ساعتين ، وصلا الى هناك.. لكن جسمها كان متعباً للغاية ، لدرجة عدم قدرتها على الخروج من السيارة

مراد صارخاً : هيا اسرعي !! هل تمشين على قشر بيض ؟

سارة بإرهاق : جسمي مازال مُخدّراً بالأدوية ، وأطرافي خاملة..


وقبل ان تكمل عذرها ، تفاجأت بحمله لها ! ليس كعريس يحمل عروسته ، بل اقرب الى ذبيحة على وشك شوائها بالنار !

^^^


وبالفعل ما ان وصل لسرير غرفتها ، حتى رماها بعنف فوقه ..وهو يقول :

- ستُسجنين بهذا البيت ، الى ان تترجّيني على قتلك


ثم خرج ، وقفل الباب عليها من الخارج.. بينما انهارت سارة بالبكاء ، بعد تأكّدها بأنها ستعيش اسوء كوابيسها في الأيام القادمة 

^^^


بعد ساعة .. دخل عليها وهو يحمل صينية الشوربة :

- اريدك ان تستعيدي صحتك سريعاً .. لأن الأسابيع ، وربما الشهور القادمة لن تكون سهلة عليك


ثم خرج من غرفتها مجدداً .. وهذه المرة نسيّ إغلاق الباب ، بعد انشغاله بمكالمة على جواله..

فشربت حسائها ، وهي تستمع لمقتطفات من حديثه مع قريبه :

((انا اعرف كيف آخذ حقي منها.. لا تقلقوا بشأني ، لن ادخل السجن بسببها.. لكني سأجعلها تندم على اليوم الذي قتلت فيه حبيبتي))


فارتاحت قليلاً ، لمعرفتها بأنه لن يقتلها ويدفنها بالجبل.. خصوصاً بعد عثورها على ملف بخزانة غرفتها ، فيه شهادات تقدير : عن كونه افضل تاجرٍ بالبلد.. وهذا يعني انه لن يدمّر سمعته المهنية ، للإنتقام منها.. 

كما وجدت صورة تجمعه بزوجته الفاتنة ، حيث كان واضحاً نظرات الحب بينهما.. ولهذا أدركت حجم الألم في قلبه.. وقرّرت الصبر لأجل عائلتها

***


وفي الأيام التالية ، بدأ عقابه لها : من خلال إجبارها على تنظيف جميع غرف منزله ، كما اعتنائها بحديقته ، وترتيب صناديق عمله المتراكمة بالعلّية ، والطبخ له بالأصناف التي يختارها ، والإهتمام بكل الشؤون المنزلية .. 

بينما هو منشغلٌ بالعمل على حاسوبه ، اثناء مراقبته عملها الذي استمرّ منذ الصباح حتى المساء كل يوم !

***


وبعد اسبوعين من العمل المتواصل .. سمع مراد طرقاً على بابه ، بوقت العصر.. فاستغرب ذلك ! فهو لم يخبر اقاربه بأيّ منزلٍ من املاكه ، حبس سارة فيه


وعندما فتح الباب .. وجد رجلاً بدى عليه إرهاق السهر ، سلّمه طفلاً صغيراً وهو يقول:

- سيدي .. انا فلان الفلاني ، جاركم بالمنزل المجاور.. زوجتي بالسيارة تلد طفلنا الثاني .. ولا ادري اين اضع ابني البكر.. وكنا لمحنا زوجتك قبل ايام وهي تعتني بالحديقة.. رجاءً اعتنيا بإبننا ، ريثما نعود 

وأعطاه حقيبة اغراض الولد ..


وقبل ان يستوعب مراد المهمّة ! أطلقت زوجة الرجل صرخةً موجعة من السيارة ، جعلته يركض نحوها .. ثم قيادة سيارته مبتعداً!


فدخل مراد منزله ، وهو ينادي على سارة التي نزلت من العلّية .. لتنصدم بحمله لطفلٍ لم يتجاوز السنة .. وضعه في حضنها ، وهو يخبرها عن جاره الذي لم يره من قبل !

سارة : حسناً سأهتم به ، لحين عودته مع زوجته ومولدهما بالسلامة

فسلّم مراد الحقيبة لها : 

- وهذه اغراض الصبي

سارة : اذاً سأحضّر حليبه في الحال .. فالصغير يبدو جائعاً


وصار مراد يراقبها من بعيد .. وهي تدنّدن للطفل الذي تحمله بذراع ، وبيدها الأخرى تُحضّر حليبه على عجل بعد انفجاره بالبكاء

- حسناً حبيبي .. الطعام قادم .. إنتظر ريثما يسخن الحليب.


ثم دخلت معه الى غرفتها .. وفوق سريرها ، وضعت الوسادة على قدميها .. وهي تهزّ الصغير الذي تُشربه الحليب .. دون علمها بمراقبة مراد لهما من شقّ الباب ، وهو يسمعها تغني للطفل بصوتٍ أموميّ حنون 


فتركهما بمفردهما ، وعاد الى الصالة بعيونٍ دامعة وهو يتذكّر زوجته التي رغم حملها بعد علاجٍ طويل ..الا انها اخبرته : برغبتها تعين مربية لإبنهما ، دون تضيع وقتها بالإهتمام به ! 

بينما سارة تهتم بإبن الجيران كأنه طفلها ، وبكل حنانٍ ومحبة .. جعلت الصبي يعتاد عليها سريعاً ، رافضاً ترك حضنها طوال اليوم! 

***


وفي اليوم التالي .. اخذ مراد يراقبها وهي تحاول تعليم الطفل المشي بالحديقه ، وهي تشجّعه بلطفٍ ومثابرة :

- هيا يا صغيري .. عمرك قرابة سنة .. عليك تعلّم المشي ، لكيّ تُسهّل عمل والديك مع قدوم اخيك الصغير .. هيا يا بطل !! بضعة خطواتٍ اخرى


فلم يجد مراد نفسه الا وهو يقف بالجهة المقابلة للصغير .. وهو يفتح ذراعيه ، لتشجيعه على المشي.. 


وبعد مرور وقتٍ بالمحاولة ، ترك الصغير حضن سارة ..متوجهاً بتردّد نحو مراد الذي حضنه بفخر ، وهو يقبله بسعادة بعد خطواته الأولى.. بينما سارة تخفي فرحتها ، لرؤية الجانب الرحيم من مراد لأول مرة !


وبعد قليل.. اضّطرت لتحميم الصغير بعد توسيخ نفسه.. وعندما دخل مراد غرفتها ، سمعها تغني للطفل بالحمام .. قبل ان تناديه ، دون وعيٍ منها :

- مراد !! اعطني المنشفة الكبيرة

وكانت المرة الأولى التي تناديه بإسمه ، دون لقب سيد !


وعندما دخل الحمام.. وجدها بفستانها المبلول ، داخل حوض الإستحمام مع الصغير.. ورغم التصاق الفستان بجسمها الا انها لم تخجل منه ، فهو بالنهاية زوجها التي طلبت منه لفّ الصغير بالمنشفة ، وإلباسه ثيابه التي تركتها على سريرها .. بينما تكمل استحمامها على عجل..


فصار يُلبس الصغير ، وهو يتمّتم بصوتٍ مقهور : 

- كان المفترض ان اكون الآن أباً لطفلٍ جميل .. لكن القدر اخذ جنين زوجتي السابقة ، وأبدلني بك وبسارة.


وبعدها خرجت سارة وهي تلبس روب المنشفة .. واقتربت من مراد برائحتها الجميلة وشعرها المبلول ، وهي تربت على كتفه :

- بابا مراد.. الصغير يلبس قميصه بالمقلوب .. أعدّ الباسه له ، لحين اختيار ملابسي

وفتحت الدرج وهي تسأله :

- لم احضر الكثير من الغيارات معي.. فهل تسمح باستعارتي لملابس المرحومة؟

فأومأ برأسه ايجاباً ، وهو مازال منشغلاً بالصغير


فاختارت فستاناً ، وعادت للحمام .. ثم خرجت وهي تلبسه ..

وما ان رآها ، حتى قال بضيق :  

- الم تجدي غير فستانها الأحمر ؟

سارة باستغراب : وهل هناك مشكلة ؟!

- كنت اعشقها به

- حسناً سأغيّره بالحال

لكن بكاء الصغير المفاجئ ، جعلها تسارع بحمله وهي تقول : 

- لابد انه جائع.. سأطعمه اولاً .. ثم أغيّر الفستان 

مراد : لا داعي لذلك.. فقط اهتمي بالصغير


ثم اخذ جواله للإتصال بالمشفى المتواجد بالجبل ، على امل ان يكون جاره هناك..

وبعد ان اعطى مراد اسم جاره لموظف الإستقبال ، اوصله هاتفياً بغرفته..


فاعتذر الجار عن تأخره يومين.. طالباً المزيد من الوقت ، لعلاج مشكلةً صحية بمولوده الجديد ..فوافق مراد ، مرغماً على ذلك.. 


ثم ذهب للمطبخ ، لإخبار سارة بالأمر ..فأجابت :

- كان الله في عونهما.. 

ثم قبّلت الصغير الذي يشرب حليبه :

- اساساً تعوّدت على وجوده معنا

***


لكن في اليوم التالي ، ارتفعت حرارة الصغير.. فأحضر مراد الطبيب له ، والذي كتب لهم بعض الأدوية .. وطلب منهما التناوب على الإهتمام به ، لحين انخفاض حرارته ..

فأعطى مراد جواله الآخر لسارة (الذي احتفظ به بدرج مكتبه)..

- هذا سيكون رقمك الجديد ، لا تتصلي بأحد من معارفك القدامى .. سأذهب للصيدلية لإحضار ادوية الصغير .. وان احتجتما لشيءٍ آخر ، اتصلي بي فوراً 

^^^


وبعد عودته .. اضّطر مراد للبقاء بغرفة سارة ، لوضع الضمّادات الباردة على جبين الصغير.. ومن شدة تعب مراد ، نام بجانب سارة التي غفت وهي تحتضن الطفل المريض  

***


وفي الصباح التالي ، استيقظ الطفل نشطاً وهو يلامس وجههما .. فاستيقظ مراد وسارة منصدميّن من نومهما معاً ، بعد ثلاثة اسابيع على زواجهما ! 

ورغم انه شعورٌ جديد بالنسبة لسارة ، الا انها أحسّت بالطمأنينة بجانب مراد الذي لم يغادر السرير ، بل ظلّ يلاعب الصغير ويدغده .. بينما الطفل يضحك بسعادة ، بعد تعوّده على والديه الجديدين !


وهنا ادركت سارة ان عصبية مراد وغضبه منها بالفترة الماضية ، هي بسبب قهره على فقدان حبيبته وطفله الذي انتظر قدومه طويلاً .. ولذلك لم تعد خائفة منه ، بل تفهّمت جرحه جيداً 

^^^


ظهراً.. جلسا مع الطفل على طاولة الطعام ، وهما يتناوبان بإطعامه.. الى ان سمعا طرقاً على بابهما.. ليجدا الجار قدم مع زوجته التي تحمل طفلهما الثاني بالسيارة

- اعتذر عن الأيام التي قضاها ابني معكما.. لكن اليوم حتى سمحوا لنا بإخراج المولود من الحضّانة  

مراد : ان اردت ، يمكن لإبنك البقاء معنا فترةً اطول

الجار : لا داعي لذلك .. فحماتي قادمة بعد قليل ، لمساعدة ابنتها بالصغيريّن


ثم اخذ طفله الذي كان متعلّقاً برقبة سارة ، الا ان والده سحبه من حضنها ..وهو يقول له : 

- لا تبكي حبيبي .. فأمك بالسيارة .. الا تريد رؤية اخيك الصغير ؟


ثم شاهد مراد وسارة ، العائلة تذهب نحو منزلها المجاور .. وعادا للداخل وهما يشعران بفراغٍ كبير ، بعد ذهاب الصغير الذي قرّب المسافة بينهما


حيث حاول مراد إظهار تماسكه ، بتمثيل انشغاله بجواله.. 

بينما مسحت سارة دموعها وهي ترتّب المنزل من آثار الصغير الذي تعلّقت به كثيراً بالأيام الماضية

***


وفي المساء .. استيقظ مراد لشرب الماء ، ليجد سارة تبكي بالمطبخ وهي تحمل قبعة الصغير الذي تركها بسريرها 

مراد : يبدو انك تعلّقتي به !

سارة : جداً .. فأنا لطالما تمنّيت الأمومة

فردّ بقهر : وانا ايضاً رغبت الإحساس بالأبوّة ، الذي حرمتني انتِ منه

فتفاجأ بها تمسك يده بحنان :

- صدّقني لم يكن امامي حلٌ آخر .. فإمّا ان يموت 20 ولداً ، او اصطدم بسيارة زوجتك.. رجاءً سامحني.

فجلس امامها حزيناً :

- كانت حب حياتي.. لكن من خلال الأسابيع التي راقبتك فيها ، فهمت عيوب المرحومة

- ماذا تقصد ؟


مراد : الطبقة المخمليّة التي اعيشها ، تُجبرني على نوعٍ محدد من النساء.. وهن بالعادة انانيات ، يحببن قضاء وقتهن بالنادي وصالونات التجميل والتسوّق.. وعادةً لا يتحملن مسؤولية منزلٍ ومطبخٍ واولاد.. بل يتكلون على الطبّاخين والخدم والمربّيين.. وكان الأمر عادياً بالنسبة لي ..الى ان تذوّقت طعامك الشهي .. ورأيت ذوقك بترتيب المنزل وحدك ، دون خدمٍ بيننا.. كما عنايتك بالصغير وحنانك عليه .. وتمنّيت للحظة ، لوّ كنتِ فعلاً ام اولادي

سارة : انا اساساً زوجتك شرعاً .. هل نسيت ؟

فنظر اليها بدهشة :

- ألست غاضبة مني ، لزواجي بك بنيّة الإنتقام ؟!

- كان جرحك كبيراً ... فبيومٍ واحد ، خسرت زوجتك وطفلك الذي انتظرته طويلاً ... لهذا أتفهّم ألمك وصدمتك.. لكني لست شريرة ، ولم أتعمّد ايذاء احد.. بل تمنّيت كثيراً لوّ بقيت زوجتك حية ، وتوفيّت انا بالحادث 

مراد : لا تقولي هذا.. فأنت امرأة حنونة ، وسيدة منزلٍ رائعة.. هل تقبلين ان نفتح صفحة جديدة بحياتنا معاً ؟


سارة : إخبرني اولاً .. ماهي اللحظة التي جعلتك تقرّر ذلك ؟

فأجاب بتردّد : رؤيتك بحوض الإستحمام مع الطفل .. أغاظني جداً وجوده معكِ ! 

فسألته بابتسامة : هل غرت منه ؟!

- بصراحة نعم .. 

سارة : وانا أعجبني جانبك الرحيم الذي نجحت بتخبأته طويلاً ، الى ان فضحه الصغير المشاغب 

- أتدرين يا سارة .. الله ارسله الينا ، لتقريب المسافة بيننا

سارة : ما رأيك ان يكون لدينا طفلاً نرعاه ، كما اهتممنا بإبن الجيران ؟

مراد : موافق طبعاً !!

وحملها بحماس لغرفتهما ، ليبدأ شهر عسلهما الحقيقي ..

***


بعد اسبوع .. زار مراد وسارة عائلة الجار ، بعد شرائهما الهدايا للصغيريّن .. 

ثم ودّعتهم سارة قبل انتقالها الى قصر مراد في المدينة ، لبدء حياتهما الزوجية بعلاقةٍ صحية خالية من الخوف والرغبة بالإنتقام 

*** 


بعد عام ، وفور انجاب سارة لطفلها الأول .. سمح مراد بإعادة تواصلها مع عائلتها .. ليس هذا فحسب ! بل نقلهم الى منطقةٍ افضل ، بعد شراء منزلٍ كبيرٍ لهم.. كما ساهم بتوظيف بعض افراد اسرتها ، بمعمله الغذائيّ .. فهم بالنهاية اقارب ابنه الذي ملأ حياته سعادةً وفرحاً ، بعد ان اعطته سارة فرصةً أخرى للحياة !


العروس المشؤومة

تأليف : امل شانوحة  الحب المُقدّر في مكتب السيد خليل بقصره الريفيّ .. وضعت الخادمة القهوة امامه ، وهي تسأله :  - سيدي .. هل يمكنني العمل ا...