السبت، 9 نوفمبر 2019

اللعبة الناطقة

تأليف : امل شانوحة

نصائح دميتي 

إستيقظ الأب على صرخات زوجته على ابنتهما في الصالة , فذهب اليهما:
- مالذي حصل ؟!
الأم بغضب : لقد كسرت حاسوبي , وفيه جميع ابحاثي الجامعية
فوجّه سؤاله لإبنته : لما فعلت ذلك ؟
ابنته سلوى وهي تشير الى دبدوبها الصوفيّ : 
- نونا أمرتني بذلك
الأم بعصبية : دائماً ما تنسب اعمالها الشقيّة الى لعبتها السخيفة !!
الزوج : اهدأي عزيزتي
ثم قال لإبنته :
- سلوى , أصبح عمرك 6 سنوات .. وأنت فتاةٌ كبيرة , وتعلمين بأن لعبتك لا تنطق
سلوى : بلى !! هي تتكلّم معي دائماً

الأم بعصبية : اذا ظلّت نونا تدعوك للقيام بأشياء سيئة , سأتخلّص منها !!
فصرخت سلوى بضيق : 
- هي أخبرتني إنك سترميها اولاً , قبل ان تضعيني في دار الأيتام
الأم بدهشة : ما هذا الهراء ؟! 
سلوى بعصبية : نونا تعلم كل شيء .. وقالت أنك ستنفصلين عن ابي قريباً , وبأنك لم تحبني يوماً .. انت أمٌ سيئة !!
الأب بحزم : سلوى !! لا أقبل ان تتحدّثي مع امك بهذه الطريقة .. ثم نحن لن نتطلّق ابداً , لكنّا غاضبان من تصرّفاتك المشاغبة ..والآن إذهبي الى النوم , فقد تأخّر الوقت .. وغداً سنحاول حلّ المشكلة 
فذهبت ابنته الى غرفتها باكية ..

وبعد ذهابها ..
الأب باستغراب : وضعها يزداد سوءاً كل يوم !
الأم : كنت سألت الطبيبة النفسيّة عن موضوع اللعبة , وأخبرتني إنه طبيعي بعمر سلوى ان يكون لها اصدقاء وهميين
- برأيّ نتخلّص من اللعبة وينتهي الموضوع
- هي هدية من مدرستها .. وحاولت منذ يومين غسلها , لكنها منعتني من لمسها !
- أظننا نبالغ بردّة فعلنا

زوجته بضيق : الأسبوع الماضي حطّمت جوّالي , والبارحة أفسدت علبة مكياجي , واليوم حاسوبي .. أظن علينا البدء في عقابها
زوجها : حسناً , سنفكّر بطريقة تؤدّب سلوكها دون ان نُؤذي مشاعرها .. 
***

في غرفة سلوى ..إستلقت في سريرها وهي تبكي وتشكي همّها للعبة الصوفية التي نطقت قائلةً :
- أخبرتك بأن امك لا تحبك  
سلوى بحزن : لما تردّدين ذلك دائماً ؟!
اللعبة : لأنها الحقيقة , وقريباً ستتخلّص من والدك
- لكنهما أخبراني أنهما لن ينفصلا 
- صحيح , فهي لن تطلّقه .. بل ستقتله

فنهضت سلوى من سريرها فزعة : ماذا قلت ؟!
اللعبة : ستقتله هذا المساء .. لهذا اريدك ان تتصلي فوراً بالشرطة لينقذوه قبل ان تطعنه بالسكين
فتجمّدت سلوى في مكانها ! فصرخت عليها اللعبة :
- هيا تحرّكي !! ماذا تنتظرين ؟ أنقذي والدك من الموت 

فأسرعت سلوى باكية الى الصالة , واتصلت بالشرطة .. 
فردّ عليها عامل الهاتف :
- هنا الشرطة .. ما المشكلة التي تواجهكم ؟
فأجابته الطفلة وهي تنهج بالبكاء :
- اسرعوا ارجوكم .. امي تقتل والدي !!
- اهدأي يا صغيرة .. عنوانكم ظهر على الشاشة , والشرطة في طريقها اليكم .. اين انت الآن ؟
- في الصالة 
الشرطي : واين امك وابوك ؟
- في غرفة النوم 
- هل رأيتها تقتله ؟
سلوى بصوتٍ مرتجف : نعم , انها تطعنه بالسكين .. اسرعوا ارجوكم !! 
- ستصل الشرطة اليكم قريباً .. حاولي ان تختبئي بعيداً عن امك 
- حسناً 

وأغلقت الهاتف , لتختبأ مع لعبتها اسفل السرير ..
وهناك نطقت اللعبة من جديد :
- هل الشرطة قادمة الى هنا ؟
سلوى : نعم , ولن يتأخّروا 
- جيد .. والآن توقفي عن البكاء , كيّ لا تسمعك امك وتقتلك انت ايضاً
فكتمت الطفلة بكاءها بصعوبة , وجسدها مازال يرتجف بقوة ..
***

بعد دقائق , إقتحمت الشرطة المنزل .. ممّا افزع الوالدان اللذان صرخا برعب حين رأوهم داخل غرفة النوم , يأمرونهما برفع ايديهما عالياً !
الأب بفزع : ماذا حصل ايها الشرطي ؟!
الأم برعب : هل حصل مكروه لإبنتي ؟
وحاولت الخروج من سريرها للإطمئنان على سلوى , لكن الشرطي أوقفها بحزم :
- مكانك !! لا تتحرّكي

فتجمّدا في مكانهما ..الى ان دخل شرطيٌ آخر الغرفة , ومعه سلوى التي وجدها مختبئة تحت سريرها , وهي منهارة بالبكاء ..
فحاولت الأم إحتضانها , لكن الطفلة ابتعدت عنها بفزع :
- لا تقتليني امي !!
***

ولاحقاً .. إنصدم الوالدان بعد علمهما بادعاءات سلوى الباطلة !  
وحاولا جاهداً إفهام الشرطي بأن ابنتهما لديها مخيّلة واسعة , وان علاقتهما الزوجية بأحسن حال .. 

وبصعوبة اقتنع الشرطي بأن الصغيرة شاهدت كابوساً او فيلماً بوليسي قبل نومها , جعلها تتوّهم الحادثة .. فغرفتها مليئة بالألعاب , وصورها تدلّ أنها فتاة مدلّلة وسعيدة.. 

وحين استوجب سلوى جانباً , أخبرته بأن لعبتها حذّرتها من والدتها .. وبقولها هذا , أقفل الشرطي التحقيق بعد اعتذاره من الوالدين على اقتحامه المنزل .. ونصحهما بأخذ طفلتهما الى طبيبة نفسيّة .. 
***

بعد ذهاب الشرطة .. ارادت الأم رميّ اللعبة في سلّة النفايات , لكن ابنتها انهارت ببكاءٍ شديد , ممّا جعل الأب يُعيد لها الدمية .. ويبقى معها في غرفتها , الى ان نامت

حين عاد غرفته , وجد زوجته ما تزال غاضبة من ابنتها..
- لا أصدّق انها قالت للشرطة بأني أقتلك ! هذه ليس خيالات طبيعية 
الأب : أظن علينا علاج مشكلتها النفسيّة , كما نصحنا الشرطي .. 
- اذاً سأحجز موعداً مع الدكتورة
- لكن انا سآخذها , فهي تخاف منك 
الأم بضيق : منذ حصولها على تلك اللعبة اللعينة , وهي تتجّنبني بشدة ! لهذا أنوي الذهاب الى مدرستها , لأعرف من المعلمة التي أهدتها اللعبة المشؤومة
***

في اليوم التالي .. إنشغل الوالدان بعملهما , ونسيا أمر علاج ابنتهما 
ومع الأيام .. عادت الأمور جيدة بين سلوى ووالديها ..

وفي أحد الأيام , زارتهما الجدة (والدة الأب) .. واثناء إنشغال الأم بتحضير العشاء مع زوجها في المطبخ , تكلّمت سلوى مع جدتها قائلة :
- لا اريدك ان تغضبي من امي
- ولماذا أغضب منها ؟
سلوى : لأنها تبغضك كثيراً
الجدة باستغراب : أهي قالت ذلك ؟!
- نعم , وتكره زياراتك المتكرّرة لنا ..
- أحقاً ! وماذا قالت ايضاً ؟
- تريدني ان أعيش في منزك لأنني أشبهك ولا أشبهها بشيء , وتقول انك ستتسبّبين يوماً بخراب بيتها 
- هكذا إذاً !! حسناً

وتوجهت الجدة غاضبة الى المطبخ , بينما عادت سلوى الى غرفتها .. وسرعان ما حصلت مشاجرة عنيفة بين الجدة وزوجة ابنها 

وبعد ذهاب الجدة , حزمت الزوجة حقيبتها للمبيت عند امها , لغضبها الشديد من زوجها الذي لم يدافع عنها امام امه التي انهالت عليها بالشتائم والإتهامات الباطلة ! 
***

بعد ذهابها , جلس الأب حزيناً في الصالة .. فاقتربت منه سلوى وهي تحمل لعبتها الصوفية وتقول :
- لا تحزن ابي , فنحن نستطيع العيش وحدنا
- ماهذا الكلام يا سلوى ؟! امك ستعود قريباً , بعد ان تهدأ اعصابها قليلاً .. فما حصل اليوم كان غريباً للغاية , ولا ادري مالذي أغضب جدتك لهذه الدرجة ! 
- جدتي معها حق
الأب باستغراب : لماذا ؟!
- لأن امي لطالما تكلّمت بالسوء عنها امام صديقاتها , وتمنّت موتها العاجل 
- أهي قالت ذلك ؟!
- نعم , اكثر من مرة
الأب غاضباً : إن كان كلامك صحيحاً , فالأفضل ان تبقى في منزل والدتها 
- اذاً اتصل بها الآن وطلّقها
الأب بعصبية : سلوى !! إذهبي فوراً الى غرفتك ..وإيّاك ان تتدخلي بهذه الأمور ثانيةَ , أفهمتي ؟!!

فدخلت غرفتها .. لكنها عادت بعد دقائق وهي تقول :
- ابي , ارجوك لا تغضب مني .. لكني حزينة , لأنها تحب جارنا اكثر منك
- ماذا قلت ؟!
- جارنا الوسيم .. رأيتها تضحك معه مراراً , اثناء عودتي من المدرسة 
الأب بغضبِ شديد : هكذا اذاً !! 

فأخذ جوّاله واتصل على زوجته .. 
وما ان ردّت عليه , حتى صرخ قائلاً :
((الو ..انت طالق يا ليلى !! .. كما سمعتي .. امي لا دخل لها بالموضوع , فأنا لا اريدك في منزلي .. وابنتي ستبقى معي .. اللعنة عليك ايضاً !! ..اراك في الجحيم ايتها الخائنة))
وأنهى المكالمة ..

ثم دخل غرفته بعد ان صفق الباب بقوة .. 
فعادت سلوى الى غرفتها حزينة .. وقالت للعبتها :
- لقد طلّق امي !
اللعبة بحماس : ممتاز !!
- لكني حزينة جداً
- امك لم تكن جيدة لك او لأبيك.. والآن عليك اختيار إحدى معلماتك لتكون عروسته .. 

ففكّرت سلوى قليلاً , قبل ان تقول : 
- ابلة منال !!
اللعبة : لا طبعاً , هي مطلقة ولديها طفلتين .. فكّري ثانيةً 
- اذاً ابلة مرام , فهي تهتم بي .. وتهديني الحلويات والكثير من.. 
اللعبة مقاطعة : ممتاز !! مرام ستكون زوجة جيدة , وأمٌ حنونة.. وغداً عرّفيها على والدك 
- كيف وأنا اذهب الى المدرسة بالحافلة ؟ 
- اذاً سأخبرك بالخطة
***

في اليوم التالي .. تفاجأ الأب بإبنته تتألّم في السرير..
- سلوى مابك ؟!
- ابي .. بطني تؤلمني كثيراً , ولا استطيع الذهاب الى المدرسة اليوم
- سلوى , لا وقت للدلال .. عليّ الذهاب الى عملي بعد ساعة
- اذاً أتركني ارتاح , ليخفّ المغصّ قليلاً
الأب : لكن حافلتك ستصل بعد قليل 
- دعها تذهب , فأنا ..
ثم اسرعت للحمام وهي تدّعي المرض..
***

بعد رؤية سلوى للحافلة تبتعد عن عمارتهم (من النافذة) .. خرجت من الغرفة وهي تلبس ملابس المدرسة وتقول :
- الحمد الله , أصبحت بخير
ابوها : الآن بعد ان ذهبت الحافلة !
- لا مشكلة , أذهب معك 
فتنهّد بضيق : حسناً سأوصلك , ثم اذهب الى عملي
***

حين وصلا .. وجدت المعلمة مرام قرب المدرسة ..فنزلت سلوى مُسرعة من السيارة , ولحقها والدها ..لكنها وصلت قبله الى المعلمة التي عاتبتها : 
- إنتبهي يا سلوى وانت تقطعين الشارع 
سلوى بحماس : كنت اريد ان أعرّفك بوالدي

وما ان رأته مرام , حتى شهقت بدهشة :
- احمد سليمان !
الأب باستغراب : من ؟! مرام مرتضى
المعلمة بخجل : نعم 
الأب بدهشة : لم أكن اعرف انك معلمتها !
مرام : وانا ظننته تشابه أسماء , ولم أعرف انك والدها بالفعل ! 
سلوى باستغراب : هل تعرفا بعضكما ؟!
والدها : كنّا اصدقاء في الجامعة 
المعلمة : سلوى أدخلي المدرسة , سأتكلّم مع والدك قليلاً

وبعد دخولها..
مرام : هل سأأخّرك عن عملك ؟
- لا مازال لديّ وقت .. كيف حالك ؟ سمعت انك تزوجتي
- وتطلّقت قبل سنة
- آسف لسماع ذلك , هل لديك اطفال ؟
مرام : أجهضت مرتين
الأب : أعتذر عن السؤال
- لا عليك , فقد رحمني الله من إنجاب اطفال شياطين كوالدهم.. المهم , ماهي أخبارك ؟

فتنهّد الأب بضيق : طلّقت زوجتي البارحة
مرام باستغراب : أحقاً !
الأب بحزن : نعم للأسف .. واريدك ان تنتبهي على سلوى , فأنا خائف من تدهّور نفسيّتها  
- لا عليك , جميع التلاميذ اولادي .. هل انت .. (وسكتت)
- ماذا ؟
مرام : هل انت متفرّغ اليوم ؟ اريد التحدّث معك بموضوع , إن لم يكن عندك مانع
- بالعكس فأنا اكاد أنفجر , واحتاج أن أفضّفض لصديقٍ قديم مثلك .. 
- اذاً نأخذ سلوى معنا للغداء في المطعم المجاور
الأب : لا اريد التحدّث عن مشاكلي امامها , سنوصلها الى بيت امي ثم نُكمل طريقنا الى المطعم
- كما تشاء , اراك ظهراً .. الى اللقاء 
***

ومرّت الأيام والأسابيع .. سافرت فيها ام سلوى الى أخيها في الخارج , بعد حصولها على اوراق الطلاق .. بينما توطّدت العلاقة بين المعلمة ووالد سلوى .. الى ان طلبها للزواج , فوافقت على الفور بعد ان اعترفت بحبها له ايام الجامعة
***

بعد الزواج .. زارتها صديقتها بالوقت الذي كان فيه زوجها بالعمل , وابنته سلوى في المدرسة..
- لا أصدّق انك استقلت من المدرسة ! 
مرام : انا اعمل منذ تخرّجي , واريد الإستمتاع قليلاً بحياتي
صديقتها : وكيف وانت متزوجة من رجلٍ لديه طفلة , وطفلة مجنونة ايضاً.. فقد سمعت انها متعلّقة بلعبتها بشكلٍ مرضيّ ..وأظن زوجك أخبرك عن إبلاغها الشرطة ضدّ امها , وأخاف ان تقوم بتصرّفٍ ارعن معك

فابتسمت لها مرام , ودخلت غرفة الطفلة ..ثم خرجت ومعها اللعبة الصوفية وهي تقول لصديقتها : 
- لا تقلقي , فلعبتها ستصمت قريباً وللأبد
- لم افهم !
ففتحت مرام ظهر اللعبة التي كان بداخلها قطعة إلكترونية .. فسألتها صديقتها :
- ماهذه ؟!
مرام بابتسامةٍ خبيثة : كاميرا صغيرة وميكرفون موصول بحاسوبي
- لم افهم !

مرام : كنت علمت إنها ابنة حبيبي القديم من خلال اسمها بالملف , بعد ان جمعنا القدر بنفس المدرسة .. فقمت يوماً بامتحان الطلّاب بأسئلة شفويّة .. وحين أجابتني على سؤالٍ تافه , طلبت من الطلّاب التصفيق لها وأهديتها اللعبة .. وصرت أكلّمها مساءً من الميكرفون بعد مراقبتي لأحداث بيتهم من خلال الكاميرا , فأنا أجبرتها على حمل اللعبة أينما ذهبت 
صديقتها بدهشة : وهل انت أمرتها الإتصال بالشرطة ؟!

مرام بابتسامةٍ خبيثة : نعم , وبكسر اغراض امها الغالية ..وأقنعتها بأن والدتها لا تحبها وتريد التخلص منها بأيّ شكل .. كما لقّنتها كل حرف قالته لوالديها .. وكنت السبب في شجار امها مع حماتها الذي أدّى للطلاق بينهما.. فأنا درست علم النفس , وأعرف طرق السيطرة على الآخرين لتنفيذ اوامري دون اعتراض .. 
- خطةٌ مرعبة ! 

مرام : بل هي خطٌة مُحكمة , فأحمد كان متعلّقاً جداً بزوجته السابقة ..لهذا لم يكن امامي الا تشكيكه بإخلاصها , لإبعادها نهائياً عن حياتي
- وهل ستتخلّصين من اللعبة بعد حصولك على مرادك ؟
- ليس قبل إقناع الصغيرة بالسفر للعيش مع والدتها .. فأنا اريد إنجاب ابنائي من حبيبي , ولا اريدها معنا .. فلتذهب وتعشّ مع امها بعيداً عنّ عائلتي 
صديقتها بدهشة : أظن الشيطان يقف عاجزاً امام دهائك !

فضحكت مرام بمكر وهي تضع بطاريات جديدة للعبة , إستعداداً لخطتها الشريرة القادمة !

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

مسرحية حماية الطفولة (الجزء الثاني , للمرحلة المتوسطة)

تأليف : امل شانوحة


خطر الإنترنت على الصغار !

المشهد الأول :
إقترب سمير من صديقه وهو يحمل جوّاله , قائلاً بحماس :
- وجدّت البارحة لعبة رائعة على الإنترنت , اسمها الحوت الأزرق 
صديقه بقلق : لا ! هذه لعبة خطيرة تؤدي للموت
- لا تبالغ , هي فقط مراحل تتحدّى شجاعتك .. فقبل يومين , ارسلو لي فيلماً قصيراً مرعباً , شاهدته قبل قدومي الى المدرسة
- الهذا كنت مكتئباً طوال النهار ؟
سمير : شعرت فقط بالغثيان من مشاهد الدماء والقتل المقزّزة .. اما البارحة , فطلبوا مني الجلوس على حافّة سطح المبنى .. وأرسلت لهم صورتي وانا هناك , وانتقلت بذلك لمرحلة أقوى
- عليك التوقف حالاً , قبل ان يأمروك بالإنتحار
فضحك سمير ساخراً : وهل تظنني أحمق لهذه الدرجة , انا فقط استمتع بوقتي
***

المشهد الثاني :
قالت فتاة لصديقتها :
- روان ..ارسلت البارحة رسالة على جوالك , لما لم تردّي عليّ ؟
- كنت مشغولة بإيصال مريم الى بيتها 
- من مريم ؟!
روان : لعبة الكمبيوتر المشهورة .. الم تسمعي عنها ؟
- اعرف انها لعبة مُنعت في دولٍ عدّة لتأثيرها السلبي على نفسيّة الأولاد , بسبب موسيقاها وصورها المرعبة
- هي لعبة اطفال عادية .. مجرّد فتاة ضائعة عن بيتها , تقوم بسؤالنا مجموعة من الأسئلة ونجيب عليها 
- مثل ماذا ؟
روان : ماهو اسمي ؟ واسم مدرستي وعمل والدي ..
مقاطعة بقلق : أخاف ان تستخدم معلوماتك الشخصيّة ضدّك !
فتضحك روان ساخرة : هي لعبة وليست إستخبارات دولية ... والآن لوّ سمحتي , اريد إكمال المرحلة الجديدة قبل انتهاء فرصة الغداء والعودة لدراستنا المملّة .. 
فتركتها صديقتها وهي تشعر بالقلق حيالها !
***

المشهد الثالث :
سأل ولد صديقه ماجد :
- الجوّ ليس بارداً للبس الشال ؟!
ماجد : أحاول إخفاء هذا ؟
وفور إزالة شاله , سأله صديقه بقلق :
- ماهذا الإحمرار حول رقبتك ؟!
- طبيعي ان يحصل تسلّخات بعد لعبة الحبل
- لم أفهم ! 
ماجد بحماس : اولاً تضع حبلاً او حزاماً حول رقبتك , وتربط طرفه الآخر في مسكة الباب او السرير .. وتخنق نفسك الى ان ينقطع عنك الهواء ..
مقاطعاً بعصبية : هل جننت ؟!! أتريد شنق نفسك ؟!
ماجد : لا تقلق فأنا أتحكّم بالعملية كلّها , وأرخي الحبل بعد ان أصل لحالة استرخاء جميلة تأخذني لعالمٍ آخر 
صديقه بغضب : ومن المجنون الذي علّمك هذه اللعبة الخطيرة ؟
- هي لعبة مشهورة في اميركا , وجميع الأولاد يلعبونها هناك .. عليك ان تحاول تجربتها , ستُعطيك نشاطاً لا مثيل له 
صديقه بقلق : أخاف ان تقتل نفسك يوماً ما ! 
***

المشهد الرابع :
سأل ولد صديقه فؤاد : 
- مالذي حصل لك اليوم في صفّ الرياضيات ؟ لم تجبّ على أيّ سؤال , رغم تفوّقك بالمادة ؟! 
فؤاد وهو يضغط على رأسه بألم : 
- أصابني صداع من الصوت العالي 
- أيّ صوت ؟ لم اسمع شيئاً !
فؤاد بصوتٍ منخفض : قصدت المخدرات الرقمية
صارخاً بقلق : هل انت مُدمن ؟!!
- إخفض صوتك .. هي مقاطع لنغمات تنقل تردّدات عبر السمّاعات بين العالي والمنخفض , فتؤثّر على المخّ بشكلٍ يُخرجك عن واقعك .. لكن بشرط ان تربط يديك كيّ لا توقف الفيديو قبل نهايته .. ويبدو البارحة رفعت الصوت اكثر من اللازم , فتعرّضت لرجفة قوية أوقعتني أرضاً .. ولم استعدّ وعيّ , الا حين أيقظني ابي للمدرسة  
- هل جننت ؟! هذه الفيديوهات ستتسبّب في قتلك او فقدانك السمع .. إيّاك ان تجرّبها مجدداً ؟!!
فؤاد محذّراً : بل إيّاك انت ان تخبر احداً , والا صداقتنا ستنتهي للأبد 
وابتعد عنه , تاركاً صديقه يشعر بالحيرة والقلق بشأنه !
***

المشهد الخامس :
في المساء , إجتمع ثلاثة اولاد بالشارع .. وحين وصل أحمد اليهم , سألهم:
- سيؤذّن العشاء بعد قليل , وهذا وقت نومي
فقال زعيمهم باستهزاء : هل مازلت طفلاً ؟
وبدأوا يقلّدون صوت بكاء الأطفال بسخرية , فأوقفهم أحمد غاضباً:
- توقفوا فوراً والاّ عدّت الى بيتي !! 
وبعد ان توقفوا , سألهم :
- لما طلبتم مقابلتي في هذا الوقت المتأخّر ؟
زعيمهم : كنت أريد إنزال مقطعاً مخيفاً في قناتي على اليوتيوب 
أحمد : عن ماذا ؟
الزعيم : تصوير المنزل المهجور الموجود بآخر الشارع , لأزيد عدد المشاهدين 
أحمد : يمكننا تصويره غداً بعد عودتنا من المدرسة
الزعيم : يا ذكي .. البيوت المهجورة تصوّر عادةً في المساء , لأنها اكثر إثارة  
أحمد بقلق : أخاف ان نتعثّر بأدراجه المتهالكة
الولد الثاني : لا تخفّ , سنضيء جوّالاتنا ..
الولد الثالث : هآ ماذا قلت ؟ هل ستشترك معنا , ام ستخاف ؟
أحمد بعصبية : انا لا أخاف من شيء !!
الزعيم بحماس : ممتاز , اذاً لنقوم بالمهمة الآن 
*** 

المشهد السادس :
سأل ولدٌ بدين , صديقه : الى اين نذهب ؟
- الى البحر 
البدين بحماس : هل سنذهب الى مطعمٍ هناك ؟
- الا يهمّك الا بطنك ! (ثم تنهّد) .. لا , سنذهب للسباحة 
الولد البدين بقلق : لكني لا اعرف العوم 
- الأمر سهلٌ للغاية , سأعلّمك .. كما أحضرت لك شورت سباحة اخي , فهو بنفس حجمك 
البدين : اليس الأفضل شراء عوّامة مطاطية ؟
صديقه : تلك للأطفال .. هيا بنا !! الأمر لن يأخذ سوى 5 دقائق , وتصبح بعدها سبّاحاً ماهراً
***

المشهد السابع :
قدم ولد مع صديقه (مجبّس الذراع) الى منزله .. 
فأدخله الصالة .. ثم تكلّم مع امه في المطبخ على انفراد :
- امي .. هل يمكن لصديقي النوم عندنا هذا اليوم ؟
الأم : وما رأيّ اهله بالموضوع ؟
- هو خائف من العودة اليهم
- لماذا !
- لأنه تشاجر مع زوج امه البارحة , فكسر له ذراعه
الأم باستغراب : ماذا ! ولما لم تدافع والدته عنه ؟!
ابنها : امه لديها طفل من ذلك الرجل , وتخاف ان تغضبه
- ولماذا لا يعيش مع والده ؟
- والده توفيّ قبل سنتين
فأخرجت الأم جوّالها من جيبها , فسألها ابنها :
- امي , ماذا تفعلين ؟!
- سأتصل بجمعية حماية الطفل 
- لا ارجوك !! سيتعرّض بذلك للمزيد من العقاب
الأم بحزم : لا يمكننا السكوت عن هذا العنف .. علينا إبعاد صديقك عن زوج امه , قبل ان يتسبّب له بإعاقةٍ دائمة 
ثم تكلّمت بالجوّال :
((الو .. جمعية حماية الطفل .. نعم , اريد الإبلاغ عن ولدٍ معنّف..)) 
بينما استمع ابنها للمكالمة , وهو يشعر بالقلق اتجاه صديقه !
***

المشهد الثامن :
حين اجتمع الأولاد في الشارع .. قام زعيمهم بإخراج اعواد ثقاب وزجاجة بها سائل اصفر من كيسٍ يحمله.. فسأله أحدهم :
- مالذي معك ؟! 
- زيت وكبريت 
- وماذا ستفعل ؟!
- سنضع اكياس الزبالة في منتصف الشارع , ونقوم بإشعالها لقطع الطريق
- ولماذا تفعل ذلك ؟!
فصرخ زعيمهم بحماس : ثورة !!
- الثورات لا تقام هكذا ! 
الزعيم : في هذا البلد بالذات , نعم .. هيا يا اصدقاء !! اخرجوا اكياس النفايات من الحاويات , وارموها في وسط الشارع .. وانت !! لا تبقى واقفاً هكذا , شاركنا بطولتنا يا جبان
وبدأوا جميعاً بتكديس الزبالة في شارعٍ فرعيّ , قريب من البساتين الزراعية
***

المشهد التاسع :
نطفأ المسرح .. ثم نسلّط الإضاءة على اهالي الأولاد , كلاً على حدة ..

الحالة الأولى :
ام تبكي , والمحقّق يسألها :
- متى رمى ابنك نفسه من فوق العمارة ؟
- إنتحر هذا الصباح , ولا اعرف لماذا ! .. فسمير ولدٌ مدلّل 
وهنا يتقدّم شرطي من المحقّق قائلاً : 
- وجدنا وشم حوت على ذراعه 
المحقّق : الحوت الأزرق !
الأم : ماذا تقصد ؟
المحقّق : لعبة الكترونية لعينة تقتل الأولاد .. كان الله في عونك 
**

الحالة الثانية :
روان تصرخ كالمجنونة , وهي تقول : مريم !! مريم !!
ويحاول والداها إمساكها بفزع : ماذا يحصل لك ؟! ومن هي مريم؟
روان تبكي بقهر : مريم أخذت صوراً سيئة لي .. وهي تعرف كل شيء عني .. مريم ستفضحني حتماً !!
ثم تهرب من بين أيديهم , لتخرج مسرعة من المنزل .. 
وقبل ان يلحقاها , سمعا صوت اصطدام سيارة .. فيصرخا بخوف: 
- لا , روان !!!!
**

الحالة الثالثة :
في صالة العزاء .. سأل رجلٌ الآخر بصوتٍ منخفض : 
- كيف مات ابنه ماجد ؟
- منتحراً والعياذ بالله 
- أحقاً ! كيف ؟
- وجدوه مشنوقاً في غرفته , مع انه كان يضحك معهم قبل دخوله الغرفة .. وقد وجد الطبيب الشرعيّ آثار إحمرار وتسلّخات حول رقبته , تدلّ على محاولاته المتكرّرة لخنق نفسه ! 
- أعان الله عائلته على هذه المصيبة
**

الحالة الرابعة :
سأل صديق صديقه : اين فؤاد ؟ لم يأتي الى المدرسة منذ اسبوع
- الم تسمع ما حصل له ؟
- ماذا !
- دخل والده الغرفة مساءً .. فوجده ينتفض بقوة والسمّاعات على اذنيه , وكان فاقداً الوعيّ .. فأخذه الى المستشفى .. وهناك أخبروه بأن عقله تضرّر كثيراً بعد ادمانه المخدرات الرقميّة .. والأسوء ان سمعه ضعف جداً  
- المسكين ! كان طالباً مجتهداً , لما دمّر نفسه هكذا ؟!
**

الحالة الخامسة :
شيخ يقرأ القرآن على أحمد الذي كان ينتفض جسده بقوة (ورجله مُجبّسة) وهو يصرخ بألم ..
وبعد انتهاء الشيخ من قراءة سورة الإخلاص , يقول : 
- هآقد أنهيت قراءة الرقية الشرعية كاملةً 
فسأله الأب بقلق :
- ماذا حصل لإبني ؟
الشيخ : يبدو انه أذى جنياً , حين سقط من درج البيت المهجور .. فتلبّس به , وهو يرفض الخروج منه 
الأب بحزن : يعني كسرٌ في قدمه , ومسٌّ شيطاني ايضاً .. ما هذه المصيبة ؟ .. (ثم تنهد بضيق) .. ماذا نفعل الآن ؟
الشيخ : عليك الإكثار من الدعاء له .. والمداومة على قراءة الرقية الشرعية عليه , لعلّه يتخلّص من هذا العارض
الأب بغضب : اللعنة على رفاق السوء الذين أخذوه لتلك المغامرة المتهوّرة!!
**

الحالة السادسة :
كان والد الطفل البدين يعمل طبيباً في طوارىء المستشفى , حين تفاجىء بوصول إبنه في سيارة الإسعاف (صوت الإسعاف فقط) بعد غرقه في البحر !
فصرخ وهو يحاول إنعاش قلبه :
- ابني تنفّس ارجوك .. ابني عُدّ للحياة !! 
وكان صديقه (يقف بجانب نقّالة المرضى) يبكي , وهو يرتجف من البرد: 
- سامحني يا عمّ .. كنت أعلّمه السباحة , ولا ادري كيف سحبه التيّار  
فأمسك الأب الغاضب بصديقه (الذي يلبس شورت السباحة , وشعره مبللّ) وهزّه بعنف :
- هل انت خبير في السباحة ؟.. لقد قتلت ابني بحماقتك !!!
فانهار صديق ابنه باكياً : آسف يا عمّ .. سامحني ارجوك
**

الحالة السابعة :
الأم تسأل ابنها :
- كيف حال صديقك الآن ؟
- هو سعيد بالعيش مع جدته , بعد ان أجبرتهم الجمعية لإرساله الى هناك  
- وهل أغضب ذلك والدته ؟
ابنها : بالعكس.. فقد أتت اليوم الى المدرسة لتشكرني , لأني خلّصته من عذاب زوجها .. كما تُرسل لك تحياتها , لاتصالك بجمعية حقوق الطفل.. (ثم احتضن امه) .. وانا ايضاً أشكرك , لأنك أعدّت الإبتسامة الى وجه صديقي العزيز 
**

الحالة الثامنة :
في مركز الشرطة .. صرخ الشرطي على الأولاد المشاغبين :
- هل انتم سعداء بما فعلتم ؟!!
- آسف سيدي , كنّا نقلّد المظاهرات التي شاهدناها بالتلفاز 
الشرطي بغضب : بالإضافة لأنكم أحدثتم فوضى بالشارع , وحريقٌ ضخم قضى على محاصيل البساتين المجاورة .. أحرقتم صديقكم ايضاً ! 
زعيم الأولاد بقلق : وكيف أصبح الآن ؟
الشرطي : يعاني حروقاً من الدرجة الثالثة , ويحتاج الى علاجٍ طويل بعد ان أمسكت النار بثيابه الصوفية .. وبسببكم أصبح مشوّهاً طوال حياته 
فحاول زعيم الأولاد الإعتذار منه : 
- لم نكن نعلم ان الرياح ستنقل الحريق الى كل مكان , سامحونا ارجوكم
الشرطي بعصبية : القانون لا يحمي المغفلين , وسترسلون الى سجن الأحداث بعد محاكمتكم .. اما صديقكم , فقد نال المسكين ما يكفي من العقاب
فانهاروا جميعاً بالبكاء وهم يشعرون بندمٍ شديد
*** 

المشهد العاشر والأخير :
وهنا تتقدّم فتاة من الجمهور وهي تقول :
((كما رأيتم .. اخطاء بسيطة أدّت لكوارث مخيفة , ضحاياها بعمر الورود .. لهذا عليكم ..(وتشير الى الأهالي).. ان تنبّهوا اولادكم من خطر الإنترنت .. وان تراقبوا حواسيبهم وجوّالاتهم , كيّ لا يتورّطوا بمواقع والعاب تؤذيهم نفسياً وجسدياً .. وحاولوا ان تتعرّفوا على اصدقائهم , لتبعدوهم عن رفاق السوء .. وصاحبوهم , لتعلموا ما يخبئون في صدورهم من افكار واهام ومشاكل .. ولا تنسوا الإبلاغ عن حالات العنف الأسريّ لجمعيات حقوق الطفل , لإنقاذ ولدٍ يعاني الظلم والقهر .. واعلموا جيداً ان هذه الفئة العمرية الصغيرة مُعرّضة دائماً للإيذاء والاستغلال من قبل عصاباتٍ منظّمة .. وما أكثرها هذا الأيام .. حمى الله ابنائكم من كل شرّ)) 

النهاية

الأحد، 3 نوفمبر 2019

سرٌّ خلف الخزانة !

كتابة : امل شانوحة


هل هي قصة خيالية ام مذكّرات حقيقية ؟!

قام المدير الجديد للثانوية المختلطة بعمل إصلاحات شاملة بعد استلامه إدارة مدرسة بُنيت في اوائل الخمسينات , ومنها إزالة خزائن الطلّاب الصدئة .. 

وفي ظهر ذلك اليوم .. دخل عامل الحِدادة الى غرفة المدير وهو يحمل حقيبة جلديّة قديمة , وجدها مرمية خلف الخزائن

حين فتح المدير الحقيبة الحمراء , وجد فيها دفتراً كبيراً وبطاقة مكتبة لفتاة اسمها (ريمفولا) تعود لسنة 1957 !
***

في المساء .. عاد المدير الى بيته مع الحقيبة .. 
وحين جافاه النوم , بدأ يتصفّح الدفتر القديم .. فإذا هو أشبه بقصة درامية تتحدّث عن معاناة فتاة مع زوج امها الشرير الذي كان يضرب امها ويعتدي عليها , ويعاقبهما بالتجويع والحبس في القبو لأيامٍ متتالية .. لكنه سمح للفتاة بالذهاب الى المدرسة كيّ لا يثير انتباه جارتهم المحامية 

ويبدو ان (ريمفولا) توقفت عن الكتابة في منتصف القصة ! 
فرجّح المدير انها لم تُكمل بسبب بدء حصتها الدراسية , لتضع حقيبتها فوق الخزانة التي سقطت الى الخلف , ثم نستها هناك !

لكن شيئاً ما حرّك مشاعر المدير , فوصف ريمفولا للألم والتعذيب النفسيّ والجسديّ الذي مارسه الرجل على بطلة قصتها تبدو واقعية بشكلٍ مخيف ! فهل هي قصة خيالية كُتبت بشكلٍ مُبدع , ام هي مذكرات حقيقية ؟!

ولم يجد نفسه الا وهو يقضي ليلته في البحث عن الطالبة المجهولة بكافة وسائل التواصل الإجتماعي .. 

وحين يأس من إيجادها , وضع اعلاناً على صفحة خرّيجي القدامى لمدرسته .. لعلّ احد اصدقائها يخبره بما حصل لها 
***

ووصلته رسالة بعد اسبوع من صديقتها المقرّبة (سالي) التي بلغت سن السبعين , التي أخبرته بأن ريمفولا عانت بالفعل من قساوة زوج امها .. حتى انها مازلت تذكر يوم أضاعت صديقتها مذكراتها : ((حين قامت طالبة متنمّرة بسحب الدفتر منها وقراءة بعض أسطره امام الطلاّب , ممّا أفقد ريمفولا اعصابها .. فتضاربا بعنف , الى ان قامت المتنمّرة برمي مذكراتها فوق الخزانة .. وقد عاقبتهما المديرة بالطرد ليومين.. وبعد عودة ريمفولا للمدرسة , طلبت مراراً إحضار عامل التصليحات لإزالة الخزانة من اجل دفترها , لكن المديرة رفضت طلبها .. وبعد ايام سافرت مع امها الى خارج المنطقة , وانقطعت اخبارها عن الجميع !))

بعد معرفة المدير بأن الدفتر هو مذكرات طالبة مُعنّفة , اراد إكمال بحثه لمعرفة مصيرها .. 
وحاول بكل الطرق , لكن لم يجد لها اثراً .. ورغم شكّه بوفاتها , الا انه لم ييأس بسهولة .. وذهب الى مكتب المخابرات الذي يعمل فيه صهره , وطلب منه البحث عنها 
***

بعد ايام .. علموا بأنها في دار رعاية العجزة بالمنطقة المجاورة .. 
فذهب المدير الى هناك بعطلة الأسبوع , برفقة صديقتها القديمة (سالي) التي وافقت على الذهاب لرؤيتها ..

وهناك اخبرهم الطبيب انها تعاني من الخرف , فهي تدّعي بأن زوج امها حبسها في قبو منزله لنصف قرن بعد وفاة امها .. واعتدى عليها آلاف المرات , وقتل طفليها امامها فور إنجابهما ! 

فسأله المدير : ومنذ متى هي في الدار ؟
الطبيب : قبل 5 سنوات , أبلغ أحد الجيران الشرطة بانبعاث رائحة كريهة من البيت المجاور .. وحين كسروا الباب , وجدوا رجلاً في التسعينات من عمره ميتاً في الصالة وقد تحلّل جسده .. واثناء إخراجهم الجثة من البيت , سمعوا طرقاً من القبو الذي وجدوه مقفلاً بإحكام من الخارج .. وتفاجؤا بوجود ريمفولا هزيلة هناك .. وبالكاد أنقذنا حياتها بعد ان بقيت اياماً دون طعام

فبكت سالي بقهر : كم تعذّبت المسكينة ! لا أصدّق انها لم تتخلّص من ذلك اللعين طوال هذه المدة ! .. رجاءً دكتور , إسمح لنا برؤيتها

فأخبرهما بأن حالتها النفسية سيئة للغاية , وتعاني من نوبات غضبٍ مفاجئة ..وأحياناً اضطّروا الى ربطها بالسرير , بعد قيامها بضرب نزلاء المستشفى دون سببٍ واضح !
***

حين دخلت الغرفة , لم تعرفها ريمفولا ! رغم محاولات سالي تذكيرها بأيامهما سوياً في المدرسة , ومعلمتها المفضّلة , وزميلها جيم التي كانت معجبة به في مرحلة المتوسطة قبل زواج امها بذلك الشيطان .. لكن يبدو ان ذاكرتها مُسحت تماماً , او ان عقلها حذف الماضي لحماية ما تبقى من نفسيّتها المدمّرة !

وظلّت ريمفولا تنظر بشرود من النافذة , غير آبهة بكلام سالي التي بدأت تيأس من استجابتها لها .. 
وهنا دخل المدير ليضع المذكرات بين يديها وهو يقول :  
- لقد وجدّتُ دفترك يا ريمفولا 

وما ان تصفّحته , وقرأت بعض عناوينه .. حتى انهارت بالبكاء , قائلةً بقهر : 
- لقد عذّبني كثيراً , وقتل ابنائي الإثنين
سالي : اهدأي يا صديقتي , فهو يتعذّب في الجحيم الآن 
ريمفولا معاتبة : لما ذكّرتماني بالماضي ؟ كنت سعيدة بنسيان ذلك الحقير
سالي : إسمعيني جيداً , انا عملت كطبيبة نفسيّة لخمسين سنة .. وسأتكفّل بعلاجك.. 
ريمفولا مقاطعة : وماذا ستعالجين ؟ فأنا محطّمة تماماً , وميتة منذ سنوات طويلة .. (ثم تنهّدت بضيق) .. لوّ كانت المديرة وافقت على إخراج دفتري من خلف الخزانة , لما حصل لي كل هذا

المدير : ماذا تقصدين ؟
ريمفولا : كنت اتفقت مع صاحب المطبعة على نشر قصتي , آملةً ان يفضح كتابي زوج امي , فيتمّ إنقاذي انا ووالدتي من شروره
سالي بقهر : بل هو ذنبي , كان عليّ إخبار الشرطة منذ ان أخبرتني بأفعاله المشينة .. لكن إنتقالك المُفاجىء من المنطقة , جعلني أظن بأنك تمكّنت وامك من الهرب منه , كما كنت تخطّطين دائماً .. ولم أكن أعرف انه هو من أبعدكما عن الأقارب والأصدقاء .. سامحيني ارجوك
وقامت باحتضانها , ليبكيا سويّاً ..
***

منذ ذلك الحين , دوامت سالي على زيارة ريمفولا لمتابعة علاجها النفسيّ من خلال تشجيعها على التحدّث بتفاصيل معاناتها الأليمة 

كما طلب منها المدير إكمال قصتها لأنها تملك الموهبة الأدبية , ووعدها بنشرها فور انتهائها ..وهذا ما اعطى ريمفولا دافعاً جديداً للحياة .. فقامت بطباعتها على الحاسوب الذي أهدته لها سالي .. الى ان أنهت الفصل الأخير من قصتها الحزينة .. 

وقام المدير بدوره بإخبار طلاّب مدرسته بموجز تجربتها المريرة , ممّا شجّعهم على التبرّع لنشر قصتها التي بيعت جميع نسخها فور عرضها في المكاتب 
***

وفي اليوم المنتظر لعمل مقابلة تلفزيونية مع ريمفولا في دار العجزة , للتحدّث عن معاناتها وعن نجاح كتابها .. تفاجؤوا جميعاً بموتها الهادىء في سريرها وهي تحضن قصتها المطبوعة , وعلى وجهها ابتسامة عريضة لتحققّ حلمها بعد سنواتٍ طويلة من العذاب والألم !
***********

ملاحظة :
هذه القصة مستوحاة من حادثتين حقيقيتين :
1- قصة الحقيبة المفقودة منذ الخمسينيات , تجدونها في هذا الفيديو : 
https://www.youtube.com/watch?v=LxmstYqeTJk&t=41s

2- وقصة الرجل الذي حبس ابنته 24 سنة , تجدونها في هذا الرابط : 
https://www.youtube.com/watch?v=gsC46249mpQ

وقمت بدمج القصتين معاً .. أتمنى ان تعجبكم 

الأربعاء، 30 أكتوبر 2019

المُعتقلة المشبوهة

تأليف : امل شانوحة


الفتاة التائهة وشرطي المرور

اثناء تجوّل شرطي المرور في طريقٍ فرعيّ مُظلم , لمح صبيّة تمشي وحدها هناك !  
وحين سألها , أخبرته بأنها تائهة .. فوضعها في خلفيّة سيارته مُتوجهاً بها نحو المركز , بعد ادعائها نسيان عنوان منزلها ! 
***

بعد دقائق .. نظر في مرآته , ليتفاجىء بزميله الشرطي يجلس بالخلف ! فأوقف سيارته مرتعباً .. 
وحين نظر اليه , رآه يضع يده على جرح صدره وهو يقول متألماً:
- لما قتلتني يا صديقي ؟

فردّ عليه مرتجفاً : لم أقصد ذلك , صدّقني .. فحينها كان الظلام حالكاً , وشعرت بمجرمٍ يهجم نحوي ! 
- كنت أهرب من العصابة بعد انكشاف امري .. (ثم تنهّد بحزن).. لكني لم آتي اليك اليوم لأعاتبك , بل لأعبّر عن خيبتي وحزني بعد ان نقلت عملك الى شرطة المرور المملّة 
- لأنه لم يعد بإمكاني حمل السلاح 
- بذلك تكون قتلتني مرتين يا صديقي

وهنا تبدّل شكل صديقه بالصبية غريبة الأطوار ! فحاول الشرطي فزعاً الخروج من السيارة , لكن تعسّر عليه فتح الباب ..

وهنا سمع صوت امه تسأله من المقاعد الخلفيّة :
- لما لم تأخذني الى المستشفى تلك الليلة ؟
فنظر من جديد الى الخلف , قائلاً بدهشة :
- امي !
- كنت اتصلت بك مساءً , وأخبرتك بأن قلبي يؤلمني
فانهار الشرطي باكياً :
- سامحيني يا امي .. كنّت في عملية سرّية , ولم استطع ترك رفاقي قبل القبض على عصابة المخدرات متلبّسين بالجرم
- لطالما أشغلك العمل عنّي يا بنيّ 

وهنا تبدّلت الأم الى هيئة الصبية من جديد , وهي تقول : 
- عارٌ عليك !

فحاول الشرطي كسر نافذة بابه للهروب من الفتاة المخيفة , التي تبدّلت فجأة الى هيئة زوجته التي عاتبه :
- لا تكسر سيارتي !!

فنظر مرتعباً الى المرأة الموجودة خلف الشبك الفاصل بين المقاعد الأمامية والخلفية , قائلاً باستغراب : زوجتي !
- لما تركتني انتحر ؟
الشرطي بعصبية : ولما قمت بذلك العمل الطائش بدل عودتك اليّ؟!! 
- لم يكن بإمكاني ذلك بعد طلاقنا 
- انت طلبت الإنفصال عني 

زوجته بغضب : بالتأكيد سأفعل بعد خيانتك لي !!
- أفهمتك الف مرة ان صورتي مع تلك المرأة كان خلال عملي السرّي كشرطي متخفّي في بارٍ مشبوه , لكنك لم تصدّقيني

فتنهّدت طويلاً , قبل ان تقول : 
- وقفت تلك الليلة فوق الجسر بعد انتهاء اموالي , حيث لم يقبل احد توظيفي .. وكانت وصلتني نتائج فحوصاتي الطبّية التي أكّدت إصابتي بالسرطان , لأصاب بعدها باكتئابٍ شديد .. ولا ادري الى اليوم كيف زلّت قدمي لأسقط في البحر .. الأمر حصل في ثواني !
- بل الخطأ خطأي , كان عليّ البحث عنك والإستفسار عن أخبارك .. سامحيني ارجوك 

وانهار بالبكاء ثانية .. ليتفاجىء بالصبية تربت على كتفه , بعد ظهورها بجانبه بالمقعد الأمامي ! 
فأغميّ عليه من شدة الفزع 
***

حين استيقظ , وجد سيارته متوقفة قرب المقابر .. وعلى المقعد الأمامي وجد ورقة بها ارقام قبور امه وصديقه وزوجته الذين لم يزرهم يوماً لإحساسه بالذنب اتجاههم ..
فلم يجد نفسه الا وهو يقف قرب قبورهم , ليبكي ويعتذر لهم عن اخطائه معهم .. 
*** 

حين عاد الى المركز ظهراً .. طلب من رئيسه إعادته الى فرقته السابقة , دون توضيح الأسباب .. فوافق رئيسه على طلبه لأنه أفضل رجاله 
***

نام الشرطي تلك الليلة وهو يشعر بحماسٍ شديد , بعد ان أخبره رئيسه بأنه سيقبض على عصابة مخدرات اثناء استلام شحنتهم المشبوهة من المرفأ مساءً ..
***

حين استيقظ صباحاً .. لاحظ على الفور إنقلاب اثاث منزله , وكأنه يرى بيته من خلال مرآة ..
وفجأة ! دخل الى غرفته طفلٌ صغير ببشرةٍ خضراء , فصرخ فزعاً .. 

فإذّ بتلك الصبية تدخل غرفته وهي تقول :
- مابك ! أفزعت الولد
- انت ! ماذا تفعلين في بيتي ؟
- هذا بيتنا , وهذا طفلك الصغير
الشرطي باستغراب : الصغير ! هل لديّ غيره ؟
فصرخت بعلوّ صوتها : يا اولاد !!
فإذّ بغرفته تمتلأ بالأولاد بأشكالهم المفزعة , ومن جميع الأعمار 
وحين لاحظت الصبية إصفرار وجهه , قالت للأولاد :
- هيا إذهبوا لإكمال فطوركم , قبل ان يفقد والدكم وعيه ...

وبعد خروجهم من الغرفة , سألها صارخاً :
- من انت بحق الجحيم ؟!!
- انا زوجتك 
- انا لم ارك سوى تلك الليلة !  
- وهل نسيت الفتيات الجميلات اللآتي رأيتهم في منامك بعد إنفصالك عن زوجتك ؟

فصمت بدهشة ! .. فأكملت قائلة : 
- إضّطررت لتغير شكلي دائماً , لأثير اعجابك .. وفي كل مرة , أُنجب منك ولداً ..وقد حان الوقت لتجتمع مع عائلتك في عالمنا الجميل
- عن أيّ عالمٍ تتكلمين ؟
- عالم الجن 
صارخاً بفزع : ماذا !
- هل كنت تفضّل عالم الشياطين ؟!
- لم أقصد هذا .. (ثم بلع ريقه) .. لما اخترتني ولم تتزوجي من جني لعين مثلك ؟!! 

فأجابت : لأن عمري الف سنة , وانا عانس بنظر رجال الجن .. لهذا بحثت عن عريس مناسبٌ لي في عالمكم .. فوجدّت رجال المنطقة متزوجين او مرتبطين عاطفياً , فيما عداك .. وحين كشفت على قلبك اثناء نومك , وجدّته مثقلاً بتأنيب الضمير ! فعرفت إنك لن تحبني إن لم تفضّفض عن مشاعرك المكبوتة .. لهذا أجبرتك على مقابلة ارواح احبابك , كيّ تبكي عند قبورهم وتطلب منهم السماح .. وبذلك أكون عالجتك نفسيّاً .. وبما انك طلبت العودة الى عملك القديم , فهذا يدلّ أنك أصبحت جاهزاً لتحمّل مسؤولية عائلتك الجديدة

الشرطي صارخاً : لا اريد البقاء هنا !! أعيديني فوراً الى حياتي السابقة .. فأنا لديّ مهمّة خطيرة هذا المساء
- صدّقني حياتنا لا تفرق كثيراً عن حياتكم كما ترى (وأشارت الى منزله المقلوب) .. كما يمكنك العمل مع شرطة الجن , بل عملياتنا اكثر إثارة .. وسيوهبك رئيسنا ميزة الطيران والإختفاء وتغيّر الشخصيات للإمساك بأشرارنا
- قلت لا اريد !! أعيديني الى حياتي الآن 

فانقلبت فجأة الى وحشٍ مخيف ! أرعبه كثيراً .. صارخة في وجهه بغضب:
- هل تريد حقاً ان ترى جانبي السيء ؟!!
- لا ! انا آسف آسف

فعادت الى شكلها البريء : أحسنت , والآن قمّ لتوصيل اولادك الى المدرسة , هيا يا عزيزي .. ولا تقلق , ستعتاد على حياتك الجديدة سريعاً

فقام من سريره بتعبٍ شديد .. فمدّت يدها نحوه وهي تقول :
- هيا تعال , يمكنك الإستناد عليّ 

فأمسك بيدها الباردة وهو يجرّ اقدامه بصعوبة , بعد ان ادرك بأن حياته السابقة لم يعد لها وجود ! 

الاثنين، 28 أكتوبر 2019

الملك العادل (رسوم متحركة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة


حاكم الأخيار والأشرار

على سطح الجبل , إصّطفت الأمهات وهنّ يرتجفنّ بقلقٍ شديد .. حين بدأ مشعوذ القرية بمناداة كل واحدة منهنّ لوضع طفلها الرضيع بين ذراعيّ التمثال الذهبيّ العملاق الذي سيحدّد مصيره 

بهذه الأثناء .. همست الأم سوني لأبنها وهي تتأمّل عينيه البريئتين: 
- حتماً حبيبي ستكون من الأخيار .. فوالدك المرحوم كان رجلاً طيباً , وانا لم ارتكب خطأً في حياتي 

ثم جاء دورها .. ووضعت ابنها في حضن التمثال الذي سرعان ما أصدر صفيراً مزعجاً , أرعب الأهالي ! 
فتغيّرت ملامح المشعوذ قائلاً : 
- ابنك اليتيم سيكون ... ملك الأشرار !!!

فشهقت النسوة بدهشة ! وانهارت سوني بالبكاء المرير .. في الوقت الذي وضع فيه المشعوذ علامة حمراء على جبين الطفل لترحيله قريباً من القرية 
***

في صباح اليوم التالي .. توجّه الأهالي برفقة اطفالهم المنبوذين الى النهر برفقة المشعوذ وجنوده الذين نزعوا الأطفال من اهاليهم بالقوة , ووضعوهم في سفينة وجّهوها نحو الكهف المظلم الفاصل بين القريتين .. 

وهنا انتبه المشعوذ على إختفاء سوني وطفلها , وأخبر الجنود الذين اسرعوا في البحث عنها ..الى ان وجدوها مختبئة ببين الأشجار.. وقبل ان يأخذوا طفلها , وضعت له عقداً لقلبٍ مكسور 

وقد بكت بهستيريا بعد وضعه بعوّامة صغيرة للحاق ببقية الأطفال المتوجهين لقرية الأشرار , وسط نواح الأمهات اللآتي لن يرينّ ابنائهنّ ثانيةً !
*** 

في الجهة المقابلة .. وبعد ان وضعت مشعوذة الأشرار أطفال السفينة في عربتها , سمعت بكاء طفلٍ قادم من الكهف .. فانتظرته لحين وصول عوّامته اليها .. 

ورفعته وهي تقول باستغراب : تُرى لما ارسلوك وحدك ؟! 
ثم اقتادت العربة الى قصر الملك الذي قام بتوزيعهم على نساء القرية الأشرار العقماء ! 
***

كبر جوني في منزل امه الحقودة ووالده السكّير اللذان اعتادا على افتعال الشجارات , مما جعله يبيت لياليٍ في منزل الشجرة رغم الطقس السيء , هرباً من طاقتهما السلبيّة !

وفي المدرسة .. عانى من قساوة المتنمّرين وعقوبات الأساتذة لرفضه تعلّم الأساليب الملتوية في الحياة التي يشعر بأنها تخالف معتقداته التي لا يؤمن بها أحدٌ سواه !

وفي يوم تجرّأ على سؤال استاذه :
- لماذا يُمنع علينا الإقتراب من كهف الحدود ؟!
فأجاب الأستاذ بحزم : إيّاكم ان تفكّروا بالإقتراب من هناك !! ففي الضفّة المقابلة يعيش تنينٌ ضخم يتغذّى على لحوم الأطفال 

فشهق التلاميذ بخوف ! بخلاف جوني الذي لم يصدّق هذه الخرافة .. وعقد العزم على استكشاف الكهف حينما يكبر 
***

وفي أحد الأيام .. صرخ والده بعصبية : من كسر لوحتي المفضلة؟!!
فأجابه جوني : انا
فعاتبته امه : كم مرة أفهمتك ان لا تجيبنا بصدق ؟
جوني : انا لا احب الكذب يا امي
والده : هذا الولد يتعبنا دائماً .. الم يعلّموك في المدرسة اساليب الكذب للهروب من العقاب ؟
الأم : هو كسول في هذه المادة , كما في حصة المصارعة
جوني : انا لا احب أذيّة احد

الأب : يبدو انك سترسب في المدرسة
ابنه : المهم ان أنجح في مدرسة الحياة
الأب باستغراب : من علّمك هذه السخافات ؟!
فتنهّد جوني بضيق , ثم أشار للوحة المكسورة : 
- كسرتها لأن منظرها يخيفني ويصيبني بالكوابيس
الأم معاتبة : هذه لوحة لإبليس , الم تتعلّم قوانينه في المدرسة ؟
جوني بعصبية : أتسمي القتل والسرقة والخمور والفسوق قوانين ؟! بل هي محرّمات !! فأنا لا اريد ان اكبر لأصبح سكّيراً فاشلاً يخون زوجته ويضرب ابنائه 

الأب بغضب : تقصدني انا , اليس كذلك ؟ لا اظن الكلام ينفع معك
وسحب حزامه من بنطاله , مُهدّداً : 
- سأظلّ اعاقبك الى ان تفسد اخلاقك كبقيّة الأولاد !!
***

ومرّت السنوات بصعوبة على جوني , الى ان أصبح شاباً اعتاد على سخرية اقرانه لاستقامته , ولقّبته الفتيات : بالملاك الأحمق
لكن جوني لم يكترث لهم , فهمّه الوحيد كان إكتشاف الكهف المحرّم 
***

وذات صباح .. وجد والداه رسالة وداعٍ منه , بعد حزم امتعته ومغادرته المنزل (دون إخبارهما بوجهته) يعتذر فيها عن استعارته الحمار  

فمزّق الأب الرسالة وهو يقول : الأحمق يعتذر مني , بدل سرقته الحمار ! 
الأم بقلق : اين تراه ذهب ؟!
الأب : ربما اراد الإحتفال بعيد ميلاده في قرية الذنوب , كما يفعل شبابنا 
***

وصل جوني مساءً قرب النهر , وبدأ بالسباحة داخل الكهف المظلم .. وظلّ يسبح الى ان وصل الى ضفّة النهر المقابل المليئة بالأشجار المثمرة .. ثم أكمل صعوداً باتجاه حصنٍ موجود بأعلى الجبل 

ووصل اليه مع إشراقة الشمس وهو يشعر بتعبٍ شديد .. وحاول تسلّق بوابّته العملاقة بكافة الطرق , دون جدوى .. 

وحين أحسّ بالجوع , عاد للأسفل لتناول فاكهة اشجار النهر .. 
وهناك لمح امرأة حزينة تُشعل شمعة على لوحٍ خشبيّ تُرسله باتجاه الكهف , وهي تقول :
- اليوم هو عيد ميلادك يا ابني العزيز , سيصبح عمرك عشرين سنة .. أتمنى ان يُعيدك عقد القلب المكسور اليّ , كما وعدتني الساحرة

وهنا تذكّر جوني (المختبأ خلف الأشجار) محاولات أصدقائه سرقة عقده , الا انهم تعرّضوا دائماً لصعقة كهربائية .. حتى لُقّب بصاحب العقد المسحور ! 
كما تذكّر إحدى شجارات امه الحقودة في طفولته : 
- الم يختر لي الملك سوى هذا الولد العاق ؟!!
فقال في نفسه بدهشة : هل سيدة النهر , هي امي الحقيقية ؟!

وقبل ان يقترب منها .. سمع بكاء نساءٍ من بعيد .. ثم رآهم وهنّ يحملنّ اطفالهنّ برفقة المشعوذ وجنوده , متوجهين نحو النهر ..
وهنا انتفضت سوني بغضب , صارخةً في وجه المشعوذ : 
- متى ستتوقف عن حرماننا من اطفالنا , ايها العجوز الهرم؟!!

فقال لها أحد الجنود : إلتزمي الصمت يا امرأة !! لا يمكنك الحديث هكذا مع مشعوذنا القدير
فتوجّهت سوني نحو الأمهات الحزينات : 
- الى متى ستطيعون اوامره ؟! انه يرسل اطفالكم نحو المجهول .. هل تظنوا بأنكم ستنسونهم ؟ أنظروا الى حالتي .. 
فقال لها أحد الآباء : هذا أفضل من ان يكبر الفاسدون بيننا
سوني : لن يصبحوا كذلك ان ربّيناهم جيداً

وهنا عادت الى ذاكرة جوني : حنان امه الشريرة مع القطط .. ورحمة والده السكّير بجاره العجوز .. ولطف صديقه المشاغب مع اخته الصغرى  
فقال في نفسه : ((هذا صحيح ! لا يوجد اناس اشرار مئة في المئة!)) 

ثم سمع المشعوذ يقول لأمه بازدراء : 
- ليس ذنبنا انك رفضت الزواج بعد وفاة زوجك , والاّ لكنت أنجبتي ولداً طيباً بدل الشرير الذي تبكين عليه .. والآن أغربي عن وجهي لأكمل عملي , والاّ أمرت بسجنك في منزلك !!!
فأبعدوها الجنود عنّوة عن بقية الأمهات المستسلمات لقدرهنّ ! 
***

فقام جوني باللحاق بها الى الحصن (دون انتباهها عليه) .. مُتمكّناً في آخر لحظة من دخول بوّابته الضخمة قبل إنغلاقها .. وسرعان ما لاحظ بأن سوني لم تتوجه الى بيتها , بل أكملت صعوداً لأعلى الجبل .. 

وهناك رآها تقوم باقتطاع أغصان الشجر المجاور بهستيريا , وترميها حول التمثال .. ثم أخرجت علبة الثقاب من جيبها .. وقبل ان تقوم بإشعاله , أوقفها جوني :
- لا !! توقفي  
فصرخت عليه بغضب : أقتلني ان أردّت , لكني سأحرق هذا اللعين لإنقاذ اطفال القرية !!
- اخاف ان يقتلوك يا امي
وأظهر لها قلادته , لتسقط على الأرض مذهولة ! 

فحاول تهدأتها , بينما كانت تتلمّس وجهه غير مصدّقة بعودته اليها!
جوني : إهدأي يا امي , فأنا بخير كما ترين
سوني وهي تحتضنه بقوة : ماذا فعل بك الأشرار ؟
- لا شيء , لم يستطيعوا إفسادي 
- كنت متأكدة انك من الأخيار .. لكن هذا الأحمق ..(وأشارت الى التمثال العملاق) ..حكم بنفيك من هنا !
- رجاءً إخبريني بالقصة منذ البداية

وبعد ان أخبرته , قال باستغراب : أقال انني ملك الأشرار ؟! لابد ان مشعوذكم فسّر صفيره خطأً .. وسأثبت لك ذلك 
واتجه نحو التمثال , فحاولت امه إيقافه :
- جوني !! هذا للأطفال فقط
لكنه استلقى بين ذراعيّ التمثال الذي أصدر لحناً موسيقياً جميلاً , وصل صداه الى كلا القريتين ! 
***  

في هذه الأثناء , بقرية الأشرار .. سأل الملك مشعوذته باستغراب: 
- ماهذا اللحن الجميل ؟! 
فأسرعت مشعوذته بفتح خزانة الملك السرّية , لإخراج كتاب سحرٍ قديم.. 
الملك باستغراب : ماذا تفعلين ؟!

ثم اعطته الكتاب , بعد ان فتحته على صفحةٍ معينة ..وهي تقول : 
- إقرأ هذا النصّ 
وبعد ان قرأه , قال بدهشة :
- اذاً النبوءة صحيحة , فهناك ملك سيحكم القريتين !
المشعوذة : نعم , وهو من سيدمّر الفاصل بيننا للأبد
***

في قرية الأخيار .. تجمّع الناس حول التمثال .. ثم اخترق المشعوذ الجموع صارخاً : 
- من استخدم التمثال دون أذني ؟!!
فردّ جوني : انا !!
المشعوذ : من انت ؟! لا اعرفك !
فأشار الى امه : انا ابنها
واندهش الجميع !

فسأله المشعوذ باستغراب : وكيف عُدّت الى هنا ؟!
جوني : سبحت داخل الكهف ..
المشعوذ غاضباً : هذا ممنوع !! انت خالفت العهد الذي بيننا وبين قرية الأشرار ..

وضجّت الناس مُطالبة بطرده فوراً من مدينتهم الطاهرة..
لكن امه سحبت سيف الجندي , لتدافع به عن ابنها ..مُهدّدة الجميع: 
- سأقتل كل من يقترب من ابني !!

فقالت لها إحدى النسوة : جميعنا تخلّينا عن ابنائنا , ولن نميّزك عنّا 
وقالت الأخرى بغضب : هذا صحيح !! وإن كنت تحبيه لهذه الدرجة , فاذهبي معه لقرية الأشرار
وسرعان ما طالب الجميع برحيلها مع ابنها .. 

فقال لها جوني : هيا امي , لا مكان لنا هنا
الأم بقلق : أخاف ان يؤذونني اهل قريتك
جوني : هم ليسوا اشراراً لهذه الدرجة , لا تقلقي .. هيا بنا
***

وتوجّه اهالي قرية الأخيار نحو النهر للتأكّد من رحيل الشاب الفاسد مع امه التي امسكت يده بقلق حين مرّت سفينتهما داخل الكهف المظلم , لتختفي معها معالم قريتها فوق الجبل 
***

حين وصلا للجهة الثانية .. كان جنود الأشرار في انتظارهما , حيث اقتادوهما الى قصر الملك ..

وهناك سألهم الملك عن اللحن الجميل .. فأخبره جوني بالقصة كاملة 
فاقتربت منه المشعوذة مُبتسمة وهي تقول : 
- انت ملك القريتين 
جوني بدهشة : أتقصدين النبوءة التي علّمونا إيّاها في المدرسة ؟!
الملك : نعم .. انت الذي سيحكم القريتين بالعدل بعد دمج شعبينا من جديد .. ولحن التمثال الجميل هي علامتك  
جوني : لكن التمثال ذاته أصدر حكماً بأني ملك الأشرار حين كنت رضيعاً!

فنزع الملك تاجه ووضعه فوق رأس جوني وهو يقول : وهو محقّ بذلك
جوني بدهشة : ماذا تفعل سيدي ؟!
الملك مبتسماً : إجلس على عرشك , فأنت من اليوم ملكنا .. وقريباً ستكون ملك القريتين ..

وأخذته المشعوذة من يده ووضعته فوق العرش , لينحني له الجنود بما فيهم الملك والمشعوذة , وامه الفخورة به 

وما ان جلس جوني على عرشه .. حتى خرج من تحت قدميه شجيراتٍ مزهرة أكملت نموها الى خارج القصر , وصولاً لشوارع قرية الأشرار التي حوّلت اشجارها اليابسة الى مثمرة .. ليشتمّ الجميع رائحة الورود العطرة , وهم يقولون لبعضهم بدهشة:
- ظهر الملك العادل ! 
- تحقّقت النبوءة أخيراً 
عجوز : إنتظرت هذه اللحظة طوال حياتي ! 
وعمّت الإحتفالات قرية الأشرار ..
***

في الجهة المقابلة .. كان مشعوذ الأخيار يراقب الوضع في قرية الأشرار بمنظاره .. وفجأة تكلّم التمثال من خلفه : 
- ايها المشعوذ !!
فانحنى المشعوذ له بدهشة : سيدي ! إنتظرنا كلامك لسنواتٍ طويلة
- انت تعرف ما عليك فعله 
- لكن ..
صوت التمثال : ابدأوا ببناء قصر الملك العادل فوق كهف النهر , كيّ ينشر السلام بينكما .. فعداوة 100 سنة انتهت الآن 
- كما تشاء سيدي 
***

وعمل اهالي القريتين بجدٍ ونشاط لبناء قصر جوني فوق النهر .. 

وفي يوم تتويجه ملك القريتين .. إصطفّ الأهالي كلاً على جانبه .. فأمرهم جوني بالإختلاط بينهم , والعيش سويّاً .. ووعدهم بقوانين صارمة لمعاقبة من يتعدّى حدود الآخرين .. 
فنادى الجميع بصوتٍ واحد : 
- يحي الملك !! يحي ملكنا العادل !!

وكان الإندماج بينهم صعباً في البداية .. لكن مع الوقت تعلّم الأشرار بأن هناك قوانين عليهم احترامها .. وتعلّم الأخيار مسامحة الأشرار والصبر عليهم .. كما دُرّس اولادهما سويّاً في المدارس , حيث عُوقب المشاغب وكُوفئ المجتهد .. وقد أدّى الإندماج لازدهار التجارة بينهما ..وازداد عدد المواليد , لعدم خوف الأهالي من فقدانهم .. 
***

في نهاية السنة .. أقيم إحتفالٌ ضخم حول التمثال الذهبيّ لتزويج مشعوذ الأخيار من مشعوذة الأشرار (رغم كبر سنهما) .. وزُيّنت نصف الكوشة بالجماجم والنصف الآخر بالورود .. بحضور الملك جوني وامه الملكة .. وسط فرحة القريتين التي عمّ السلام بينهما أخيراً !

الجمعة، 25 أكتوبر 2019

مساعدة مجانيّة

تأليف : امل شانوحة


إمسكي يدي

بدأ روتين الحياة المملّ يضغط على اعصاب سعاد , لذا أصبحت تقضي جلّ وقتها في تصفّح الإنترنت , الى ان وجدت موقعاً مختصّاً بالمواضيع المخيفة .. وسرعان ما اصبحت عضوة ناشطة فيه ..وكان أحد اقسامه عن التجارب الحقيقية المخيفة ..  

وعلّق أحدهم بإسم ((سهاد)) الى صاحب التجربة :
- رؤيتك للكوابيس باستمرار يدلّ بأنك مسحور .. وبإمكاني فكّ سحرك بسهولة , لأني خبير بهذه الأمور

فانهالت التعليقات الساخرة عليه .. ومنهم سعاد التي طالبته بعدم إعطاء أملاً كاذباً للآخرين..

والغريب انه لم يردّ على أحدٍ سواها :
- كنت انتظر تعليقك يا سعاد , فأنت الأسوء حظاً بين اعضاء الموقع من الناحية العاطفية والمالية والعملية والحياة الشخصية .. فإن أردّت القضاء على النحس الذي رافقك طوال عمرك , إتصلي بي على ايميلي التالي

وقد ضايق سعاد تدخله بحياتها , فأجابته : 
- شكراً أخ سهاد , لكني لا أصدّق بهذه الأمور 
فردّ قائلاً : رجاءً إقرأي رسالتي التي بعثتها قبل قليل 

وبالفعل وجدت رسالة على ايميلها , بعنوان : 
((اريد حقاً مساعدتك , يا سعاد أحمد))

فأحسّت بالإرتباك ! لأنها سجّلت في الموقع بإيميلٍ وهميّ .. وعلّقت على كافة المواضيع بإسمها الأول , فكيف عرف اسم والدها ؟!

وحين فتحت الرسالة , وجدت جملة واحدة تقول :
((إسمحي لي بحلّ مشاكلك.. صديقك سهاد))

ولاحقاً حذفت إيميلها وتسجيلها في الموقع , بعد ان ضايقها الشاب الغامض (سهاد) بإلحاحه على مكالمتها , ولأيامٍ متتابعة ! 
***

وبعد اسبوع .. وقبل نومها , وصلتها رسالة على جوّالها :
- لا تشربي دوائك , فهو يسبّب لك الأرق
فردّت قائلة : عفواً ! يبدو انك اخطأت بالرقم 
فأجابها : سهاد لا يُخطأ ابداً
فنهضت فزعة من سريرها وهي تقول :
- كيف عرف اللعين رقم جوّالي ؟!

وقبل ان تستوعب ما حصل ! ارسل لها صورة لغرفة نومها , كادت تُسبّب لها أزمةً قلبية 
فأسرعت بتفحّص شقتها جيداً , لتأكّد من إغلاقها جميع النوافذ وقفلها للباب الخارجيّ ..

وحين عادت الى غرفتها , وجدته أرسل على جوّالها : صورته دون إظهار وجهه !

فردّت بغضب : توقف عن الآعيبك السخيفة يا سهاد !! فأنت هكر لعين , إخترقت كاميرا حاسوبي لتصوير غرفتي .. كما إن فوتوشوب صورتك غبيٌ للغاية 
فردّ قائلاً : أنظري وراءك , عزيزتي

وما ان التفتت خلفها , حتى وجدته واقفاً قرب نافذتها دون ملامحٍ واضحة لوجهه (تماماً كالصورة) .. فأغميّ عليها من شدّة الخوف!
***

واستيقظت بعد قليل , لتجده واقفاً قرب سريرها دون حراك ! 
فصرخت بعلوّ صوتها وهي ترتعش رعباً :
- أنقذوني !!! هناك لصّ في غرفتي 
فأجابها بهدوء : لا تتعبي نفسك , فقد أخفيت صدى صوتك 
فسألته وهي تبكي : من انت ؟ وماذا تريد مني ؟!
- اريد مساعدتك في فكّ سحرك القديم
صارخةً بهستيريا : قلت لك الف مرة , انا لست مسحورة !!
- اذاً دعيني أريك الماضي .. هيا إمسكي يدي

ومدّ يده نحوها .. لكنها حاولت الهروب من الغرفة , الا ان قدميها لم تتحرّكا من السرير ! 
فعاد ومدّ يده نحوها :
- إفهميني يا سعاد .. مهمّتي هي إنقاذك من حياتك البائسة , لذا رجاءً لا تضيّعي المزيد من وقتي , وامسكي يدي 

فمدّت يدها نحوه بترددٍ شديد .. وحين شدّ قبضته عليها , عادت معه الى زمن الماضي !
***

حين فتحت عيناها ! رأت نفسها في منزل اهلها , داخل غرفتها القديمة .. وكانت هناك طفلة تلعب بدميتها فوق السرير ..
فالتفتت سعاد نحو سهاد (الواقف بجانبها) قائلةً بدهشة :
- تلك الطفلة هي انا في سن السادسة !
- اعرف هذا .. والآن انظري من القادم 

وأشار الى باب الغرفة الذي انفتح , لتدخل خالتها وبيدها كوب العصير ..واعطته للطفلة (دون ان تراهما واقفين في زواية الغرفة) :
- هيا يا سعاد , إشربي العصير .. فأمك طلبت مني الإهتمام بك , لحين عودتها من السوق
فارتشفت الطفلة قليلاً منه .. لكن خالتها أصرّت على شربه لآخر قطرة

وبعد خروج الخالة من الغرفة مع الكوب الفارغ , قالت سعاد لسهاد:
- خالتي لم تفعل شيئاً ! 
- اذاً دعينا نعود الى زمن تحضيرها العصير .. هيا إمسكي يدي

وفجأة وجدت سعاد نفسها في المطبخ , ورأت خالتها تضع قطراتٍ من سائلٍ شفّاف في العصير ..

فقال لها سهاد : ارأيتي !! لقد وضعت لك سحر العنوسة
سعاد باستغراب : ولما سحرتني ؟!
- ارادت خدمة من الجن وكان الثمن إيذاء احدهم , وكنت فريسة سهلة
سعاد باستنكار : لا ! اظنك مخطأً , فأنا مخطوبة حالياً

سهاد : وكم مرة إنخطبت سابقاً ؟ 
- ثماني مرات .. لكن هذه المرة سيتمّ الزواج , لأن خطيبي يحبني ..
سهاد مقاطعاً بحزم : إن لم تفكّي سحرك , فلن تتزوجي طوال حياتك
سعاد بقلق : وكيف أفكّه ؟! 
- دعيني اريك اولاً بقية مشاكلك.. هاتي يدك 

وحين أمسكت يده , وجدت نفسها في شركة الإعلانات .. 
فشهقت باستغراب :
- توظّفت في هذه الشركة بعد تخرّجي الجامعي !
سهاد : وكيف كان الوضع هناك ؟
- كنت متفوقة بأفكاري على بقيّة الموظفين , قبل ان يقوم المدير الغبي بطردي دون إخباري السبب ! 
- طردك لأنك ارسلتي فكرة اعلانٍ مهم للشركة المنافسة
سعاد بعصبية : لا لم افعل !! 
- أعرف هذا , فهناك من ورّطك بالموضوع .. إمسكي يدي لتعرفي الفاعل 

وإذّ بها تنتقل الى مكتبها القديم .. حيث رأت نفسها منشغلة بكتابة شعار الإعلان , حين دخلت زميلتها ومعها اوراق البريد .. فوقّعت عليهم دون النظر الى محتواهم  

وهنا قال لها سهاد : لقد دسّت بين الأوراق بريداً للشركة المنافسة , وفيه ملخّصاً لفكرة الإعلان الذي تعملين عليه  
سعاد بقهر : اللعينة , لما فعلت ذلك ؟! فقد كنّا أصدقاء !
- لأنها تغار من تفوّقك في الشركة , رغم حصولها على علامات افضل منك في الجامعة .. وعلى فكرة .. هي لم تكتفي بطردك فقط , بل حرصت على تشويه سمعتك ونزاهتك العملية عند رؤساء النقابة ..

سعاد بغيظ وغضب : لهذا رفضت جميع شركات الإعلان توظيفي , رغم براعتي بتقديم الأفكار المبتكرة ! 
- وهآ انت الآن أدركتي سبب تعسّر زواجك وعملك , وبقيّ عليّ ان أفضح تصرّفات خطيبك الفاسد
سعاد بقلق : هل يخونني ؟!
- دعيني اريك ماضيه الأسود .. أمسكي يدي

وبترددٍ وارتباك أمسكت يده , لتعود الى مراهقة خطيبها حين كان مدمناً للحشيش والخمور والنساء الفاسدات 
سعاد وهي تمسح دموعها : لا أصدّق ما رأيت ! 
- لهذا هو شكّاك وغيّور بشكلٍ مرضيّ .. والآن بعد ان عرفتي حقيقته , هل مازلتي ترغبين الزواج به ؟
سعاد : لربما تاب عن ماضيه..
سهاد مقاطعاً بعصبية : سعاد !! لا تكوني غبية هكذا .. 

فسكتت وهي تشعر بخيبة املٍ كبيرة .. 
فاقترب منها وهو يقول : ارجوك إسمحي لي بالإنتقام منهم
فأجابته بيأسٍ كبير : لا اريد شيئاً يا سهاد , فقط أعدّني الى واقعي
- كما تشائين

وهنا استيقظت سعاد في سريرها .. فأسرعت بالبحث بين محادثات جوّالها عن رسائل سهاد , لكنها لم تجدها ! .. فتنهّدت بارتياح :
((كان كابوساً مزعجاً))
***

بعد اسبوع .. تشاجرت مع خطيبها لاعتذاره عن زيارتها مجدداً .. فأغلقت المكالمة وهي تكتم غيظها بصعوبة .. 
وهنا ظهر لها سهاد في زاوية الغرفة .. 
فسقطت على الأرض من هول الصدمة : يا الهي ! ألم تكن حلماً ؟!
- لا , ومازلت اراقب وضعك جيداً
- هل انت جني , ام شيطان ؟!!

سهاد : قلت لك سابقاً , انا هنا في مهمّة محدّدة .. واريدك ان تأتي معي لأريك سبب غياب خطيبك المتكرّر ؟
سعاد : قال بأنه مريض 
- وهل صدّقتي ذلك الفاسد ؟ هيا إمسكي يدي لأريك افعاله الوسخة

فأمسكت يده وهي ترتجف بقوة .. 
وحين فتحت عينيها .. وجدت خطيبها يرقص مع عشيقته على ضوء الشموع في غرفة نومه , بعد ان نثر الورود الحمراء فوق سريره ..

ثم أعادها سهاد الى بيتها بعد إنهيارها بالبكاء المرير ..
سهاد : رجاءً إمسحي دموعك , فهو لا يستحق ذلك 
سعاد وهي تبكي بقهر : لما يريد الجميع إيذائي ؟ فأنا لم افعل لهم شيئاً ! 

فاقترب منها وهو يقول بحزم : 
- للمرة الثانية أطلب منك ان تعطيني الإذن للإنتقام منهم جميعاً 
فتردّدت قليلاً , قبل ان تومأ برأسها موافقة .. فابتسم قائلاً :
- ممتاز !! والآن هات يدك
***

وانتقلا لطفولتها من جديد .. 
وما ان أعطتها الخالة العصير المسحور , حتى تجسّدت سعاد بهيئتها الصغيرة التي أصرّت على شرب العصير وحدها .. فخرجت الخالة وهي تقول : 
- إشربيها حتى آخر قطرة يا سعاد , مفهوم !! 

وما ان عادت الخالة الى المطبخ , حتى تسلّلت سعاد (الطفلة) من غرفتها لتقوم بإشراب العصير الى ابن خالتها الصغير , دون ان تلاحظ امه ذلك 

ثم عادت سعاد الى عمرها الحاليّ , وسألت سهاد : 
- قمت بما طلبته مني , فماذا حصل ؟
- ستعرفين قريباً .. هات يدك , فمازال امامنا زميلتك الحقودة 

حين فتحت عيناها , وجدت نفسها في مكتبها القديم بالشركة .. بلحظة دخول زميلتها مع اوراق البريد .. فطلبت منها سعاد خدمة اخرى .. فخرجت زميلتها وهي قلقة من إنكشاف امرها .. 
وبعد ذهابها .. أسرعت سعاد الى مكتب مديرها , لتريه الورقة المدسوسة داخل البريد .. 
وعلى الفور !! طلب المدير من سكرتيرته مناداة الموظفة الخائنة الى مكتبه.. 

وقبل ان ترى سعاد ما حصل لزميلتها , نقلها سهاد الى إحدى الكازينوهات لترى خطيبها المراهق وهو يقامر باحتراف .. 
فسألت سهاد : وماذا افعل الآن ؟ 
فأعطاها جوّالها وهو يقول : 
- إتصلي بشرطة الآداب للقبض عليه , فهو تحت سن 18 

وفور وصول افراد الشرطة للقبض على المقامرين , عادت سعاد وسهاد للزمن الحالي !
سعاد : مالذي حصل له ؟
سهاد مبتسماً : ستعرفين لاحقاً .. والآن إستمتعي بحياتك الجديدة
- لم افهم !

واختفى سهاد فجأة ! لتجد نفسها جالسة في مكتب مدير شركة الإعلانات  

وعرفت لاحقاً بأنها اصبحت مديرة الشركة , وبأن زميلتها الفاسدة طُردت من نقابة المهنة بعد سوء سلوكها (تماماً كما حصل مع سعاد سابقاً)
***

بعد انتهاء الدوام .. خرجت سعاد من الشركة , لتجد رجلاً يفتح لها باب السيارة وهو يقول :
- لقد تأخّرت اليوم عزيزتي  
وعرفته على الفور ! فهو خطيبها الأول الذي كسر قلبها بعد تركها قبل اسبوع من عرسهما ..  
فسألته بدهشة : سمير ! هل تزوجنا بالفعل ؟! 

فضحك قائلاً : لا وقت للمزاح الآن , علينا إحضار اميرتنا الصغيرة من منزل امك 
سعاد باستغراب : وهل لدينا طفلة ايضاً ؟!
- هل أصبت بالزهايمر المُبكر يا سعاد ؟! هيا إركبي , سنأخذ الولدين من المدرسة , قبل ذهابنا الى حماتي  
***

وكم كانت فرحتها كبيرة حين رأت اولادها الثلاثة الذين يشبهونها الى حدٍ كبير .. 

واثناء وجودها في منزل امها , سألت اختها عن مصير خالتها .. فاستغربت اختها من السؤال ! لكنها اخبرتها بوفاتها قهراً بعد هجرة ابنها الوحيد للخارج بعد تعسّر زيجاته الخمسة .. 
وحين سألتها عن خطيبها الفاسد , قالت بأنها لم تسمع بإسمه من قبل !
***

في تلك الليلة .. نامت سعاد في سريرها وهي تشعر بفرحةٍ غامرة , لكونها مديرة أكبر شركة إعلانات في البلد , ومتزوجة من حبيبها السابق , ولديها ثلاثة اطفال في غاية الذكاء والجمال.. 
قائلةً في نفسها : ((شكراً يا سهاد , لتغيرك حياتي للأفضل))

وهنا أحسّت بزوجها يحضنها من الخلف , فابتسمت لشعورها بالأمان .. بالوقت الذي كان فيه زوجها يعاني من جاثومٍ ثقيل ! وسهاد ينام بينهما وهو يحتضنها بحنان , قائلاً في نفسه :
((طالما استخدمتي قدرات الجن , فحان الوقت لردّ الديّن)) 

ونامت سعاد قريرة العين وهي لا تدرك بانها ارتبطت بجني عاشق , سيبقى حاجزاً بينها وبين زوجها للأبد ! 

اللعبة الناطقة

تأليف : امل شانوحة نصائح دميتي  إستيقظ الأب على صرخات زوجته على ابنتهما في الصالة , فذهب اليهما: - مالذي حصل ؟! الأم بغضب : لقد ك...