الخميس، 2 مايو 2019

التخاطر الروحيّ

تأليف : امل شانوحة

الإتصال عن بعد !

في أواخر القرن 19م .. حاول فريدرك إقناع استاذه بدراسةٍ يُجريها عن إمكانية إنتقال الأفكار ، ومعرفة السبب وراء التزامن في التفكير بين شخصين , مُطلقاً عليه مصطلح : التخاطر الروحيّ 

لكنه لم يحصل على الدعم الكافي لمتابعة أبحاثه .. وكان على وشك التخلّي عن فكرته , قبل ان تقترح عليه زميلته جاكلين مشاركته في تطبيق نظريته وتجاربه .. 

فجلس معها في مكتبة الجامعة , وأخبرها بخطوات نجاح التخاطر بينهما .. قائلاً : 
- عليك اليوم مساءً وفي تمام الساعة الحادية عشر وقبيل نومك , ان تنظّمي تنفّسك بين شهيقٍ وزفير .. ثم تتخيلي شكلي وانا انتظر رسالتك ..وانت مقتنعة تماماً بأني أستقبلها , وكأنني واقفٌ امامك وجهاً لوجه
جاكلين : وما مضمون تلك الرسالة ؟

فريدرك : دعينا بالبداية نفكّر بشيءٍ بسيط , كنوع من الفاكهة مثلاً .. ولا تخبريني نوعها الآن .. فقط إرسلي الليلة صورتها , وانت تتخيلي طعمها وملمسها .. وسأحاول غداً إخبارك ماهي ..
جاكلين : يعني أرسل لك الكلمة مباشرةً , ثم أُنهي الرسالة ؟ 
- نعم , وتنامين بعدها دون التفكير بشيءٍ آخر .. هل تستطيعين فعل ذلك ؟
- سأحاول .. لكن ماذا ستفعل انت في المقابل ؟
فريدرك : سأكون مستلقي بفراشي باسترخاءٍ تام , محاولاً إستقبال رسالتك دون التفكير بشيءٍ آخر .. والآن لنعدّ الى بيوتنا , وغداً نلتقي في المكتبة بنفس الموعد
- إتفقنا
***  

في اليوم التالي .. وما ان دخلت جاكلين المكتبة , حتى وجدته يرفع كرّاسته نحوها , وقد رسم عليها صورة تفاحة .. 
فابتسمت له وهي تهزّ رأسها إيجاباً .. 
فتقدمّ نحوها وهو يسألها باهتمام :
- أحقاً هذا ما فكّرت به البارحة ؟!

جاكلين بسعادة : نعم !! أحلف لك .. حتى انا متفاجئة من نجاح نظريتك .. لكن مالذي أحسسّت به بالفعل ؟
- وكأنك أعطيتني تفاحةً حمراء لأتذوّقها 
جاكلين بدهشة : وهذا بالفعل ما تخيّلته ! 
فريدرك بحماس : ممتاز !!
- اذاً دعنا نخبر الأستاذ ..
فريدرك مقاطعاً : لا !! لن يصدّقني الآن .. دعينا أولاً نطوّر التخاطر بيننا .. وندوّن تجاربنا في بحثٍ مفصّل , نقدّمه لاحقاً لإدارة الجامعة 
- وانا معك يا صديقي 
*** 

وتطوّرت نوعيّة الرسائل التخاطريّة بينهما مع الأيام ..وأصبح بإمكانهما إرسال رسالةٍ خطّيةٍ ذهنيّة مكوّنة من سطرٍ واحد لبعضهما , في أيّ وقتٍ كان ! 

وأصبح الأمر سهلاً بعد شهورٍ من الممارسة اليوميّة , حيث صارا يتواصلان ذهنياً أثناء المحاضرات الجامعية , وحتى في منامهما.. 
***

وفي أحد الأيام .. إقترح فريدرك ان تتخيّل انها زارته في بيته مساءً .. ورغم تردّد جاكلين , الا انها وافقت على إتمام التجربة .. 
فقال لها :
- غداً قبل ان تنامي إشتمّي هذا العطر , فقد أحضرت لكلانا زجاجتين منه لنشتمّ الرائحة ذاتها , لربما يُساعد ذلك في إلتقاء أرواحنا !.. ثم تخيّلي انك تلبسين ثياب سهرة , سوداء اللون .. وتقتربين ببطء من غرفتي , حيث انتظرك هناك
فسألته بقلق : وماذا سيحصل بعدها ؟
فأجاب بابتسامةٍ حنونة : سنعرف الإجابة غداً 
*** 

وفي اليوم التالي .. لم تقابله جاكلين في المكتبة ! 
فبحث عنها طويلاً , الى ان وجدها تدرس وحدها في ساحة الجامعة .. 
وحين جلس بجانبها , حاولت تجاهله بالنظر الى كتابها .. 
فقال ممازحاً :
- مابك جاكلين ؟ كان مجرّد حلمٍ جميل
فأجابته بضيقٍ وتوتر : لا اريد إكمال التجارب بعد اليوم 
وحاولت الإبتعاد عنه , لكنه أمسك يدها قائلاً :
- البارحة لم تكوني خجولةً هكذا ! 
فقالت بغضب : أترك يدي يا فريدرك !! 
- حسناً إهدأي .. (ثم سكت قليلاً) .. ما رأيك لوّ نحوّل حلمنا الى حقيقة ؟

فسألته بقلق وارتباك : ماذا تقصد ؟!
- أعني ان نتزوج بعد تخرّجنا مباشرةً 
- بعد شهر ؟! 
فريدرك : نعم , فأنا أعيش وحدي في شقة أهلي بعد وفاتهم بحادثة القطار , وهي مفروشة بالكامل .. ويمكننا الزواج فيها , لنكرّر تجربة البارحة مراراً 
فابتعدت عنه , بعد ان احمرّ وجهها خجلاً .. فعرف انها وافقت عليه 
***

وبعد الزواج .. صارا ماهران في التخاطر , حيث كانت ترسل له طلبات المنزل ذهنيّاً أثناء عمله .. وهو بالمقابل يُخبرها بنوع الطبخة التي يريدها قبل قدومه الى بيته .. 

وعاشا سعيدان لسنوات مع طفلهما , الى ان بدأت الحرب !
وتمّ تجنيد فريدرك برتبة ضابط , قبل تمكّنه من نشر أبحاثه عن التخاطر بعد إنهائه مسودّة كتابه  .. 

فودّع زوجته وابنه قبل سفره , قائلاً لجاكلين :
- أتدرين انك ستكونين أكثر حظاً من بقيّة النساء اللآتي ستنقطع أخبار أزواجهنّ مع اشتداد المعارك , فأنتِ يمكنك مراسلتي ذهنيّاً متى تشائين , وكأننا لم نبتعد يوماً عن بعض 
جاكلين : أفكّر ان أعلّم طريقة التخاطر لبقيّة النسوة 
- لن تنفع , لأن على الطرفين إتقانها .. وانت تعلمين رجال بلدتنا لا يؤمنون بهذه الخرافات , مع الأسف .. المهم , لا تنسي ان تطلعيني على أخبارك انت وابني على الدوام
- سأفعل كل يوم ..وانت ايضاً لا تنساني 
- سأحاول عزيزتي

وقبّلها هي وأبنه .. ثم أسرع للمحطة , للحاق بفرقته العسكريّة المسافرة الى المنطقة المتحاربة ..
***

إمتدّت المعارك لشهورٍ طويلة , نجحت جاكلين فيها أكثر من مرة بالتواصل مع زوجها تخاطريّاً , لكن بعض محاولاتها فشلت لانشغال فريدرك بمهمّاته العسكريّة 

وفي نهاية فصل الشتاء من ذلك العام .. وصلتها رسالة من الجيش يخبرونها بمقتل زوجها مع أفراد كتيبته , بعد وقوعهم بكمين للإعداء .. 
وانهارت جاكلين , كما بقيّة الزوجات لسماعهم الخبر .. 
وأُقيم في مدينتهم قدّاس كبير عن روح الشهداء 
***

وبعد اسبوعين من انتهاء العزاء .. إقترب منها إبنها (6 سنوات) أثناء انشغالها بسلق البطاطا للغداء , بعد قلّة الموارد الغذائية بسبب الحرب .. قائلاً :
- امي !! رأيت ابي البارحة في المنام , وكان غاضباً منك لأنك لم تعودي تكلّميه 
جاكلين بدهشة : ماذا قلت ؟! أمتأكّد انك رأيته ؟
ابنها بحزن : نعم .. كان في مكانٍ يُشبه السجن , وكان وجهه ينزف كثيراً 
- لا تبكي يا صغيري , أظن والدك مازال حيّاً .. (ثم تنهّدت بضيق) .. يا الهي ! كيف نسيت موضوع التخاطر 
- هل هو فعلاً بخير يا امي .. ام ميت , كما قال لي ابن الجيران ؟ 
جاكلين بقلق : سأعرف الإجابة الليلة , بنيّ
***

في المساء وبعد نوم ابنها .. حضّرت جاكلين نفسها لبدء عملية التخاطر , بعد ان قرأت مسودّة كتاب زوجها (التي تحتفظ بها) لإتقان الطريقة من جديد ..

وفي منامها : ((شاهدت نفسها تسير في أرضهم المحتلّة من الأعداء , دون ان يروها ! ثم دخلت ثكّنتهم .. ونزلت الأدراج نحو مكانٍ إضاءته خافته , يتردّد فيه صرخات المساجين بسبب الضرب والتعذيب .. ومشت في الممرّات , الى ان وصلت الى سجنٍ إنفرادي مُعتم.. وجدت فيه فريدرك جريحاً وآثار التعذيب واضحة على جسمه , وكان يأنّ بألم في زاوية زنزانته القذرة .. وما ان رآها تقف بقربه , حتى مدّ يده اليها وهو يقول بعينين دامعتين :
- جاكلين ! أخيراً أتيتِ .. الم تعديني ان تستمري بالكلام معي؟
فأجابته وهي تمسك بيده , وتبكي : آسفة حبيبي .. ظننتك ميتاً ! 
- سأموت حتماً ان بقيت هنا .. ارجوك ساعديني))

واستفاقت جاكلين فزعة من نومها ! لكنها شعرت براحة بعد تأكّدها من بقاء زوجها على قيد الحياة
*** 

وما ان أشرقت شمس اليوم التالي , حتى أسرعت جاكلين الى مركز بلدتها العسكريّ (المسؤول عن تجنيد الشباب وإرسالهم لأرض المعركة) وأصرّت على التكلّم مع القائد .. 
وحين دخلت مكتبه .. أخبرته بأن زوجها بخير , بعد ان شرحت موجزاً عن مفهوم التخاطر الذهنيّ 

القائد بلؤم : ما هذه الخرافات ؟! أتريديني أن أُرسل جيشاً الى ثكنة  الإعداء , فقط لأن حدسكِ يخبركِ بأن زوجك مسجوناً هناك ؟!
جاكلين : سيدي .. هو ليس وحده , بل معه بعض افراد كتيبته الذين نجوا من الكمين .. وإن كنت لا تصدّقني , أستطيع ان أرسم لك أماكن بوّابات الثكنة ومعتقل التعذيب , فأنا رأيت جميع التفاصيل في ..
مقاطعاً وبسخرية : في منامك .. عزيزتي , انت رأيت كابوساً وانتهى الأمر .. فأعدائنا ليس من عادتهم إبقاء الأسرى احياء , لذا تقبّلي موته كالأخريات , واكملي حياتك دونه .. (ثم قال بابتسامةٍ خبيثة) .. أمّا إن كنت أتيتِ اليّ بعد ان فاضت بكِ الأشواق والمشاعر , فيمكنني حلّ هذه المشكلة 

فخرجت من عنده وهي تكتم غضبها , وتلعن وقاحته (في قلبها) ..
***

وعلى مدى اسبوعين .. حاولت جاكلين كثيراً إيصال فكرتها للقادة العسكرين لإنقاذ زوجها , لكن دون جدوى ! 
فاستعانت بإستاذهما الجامعيّ القديم , لكنه مازال لا يصدّق بأبحاث فريدرك بعلم النفس .. رغم إطلاعه على مسودّة كتابه , الذي أعاده لها بعد يومين وهو يقول : 
- كانت خيالاته قوية ! رحمهُ الربّ

جاكلين بعصبية : لم تكن خيالات !! بل جميع التجارب المكتوبة في الكتاب نجحت بيني وبين زوجي 
الأستاذ باستخفاف : هذا لأن هناك عشقٌ بينكما , ولا دخل للتخاطر بالموضوع .. اما عن فريدرك , فمن رأيّ ان تصدّقي كلام قادتنا العسكريين , فهم أعلم بمصير جنودهم 
جاكلين بغضب : زوجي لم يمت !! وسأثبت ذلك للجميع  

وخرجت من مكتبه وهي تشعر بيأسٍ كبير !
***

ولم يتبقّى امامها سوى السفر مع ابنها الى قرية زوجها .. 
وفور وصولها الى هناك , توجّهت الى بيت جده الذي قام بجمع أعمام فريدرك واولادهم , بعد ان أطلعته جاكلين على كل شيء.. 
ورغم انهم جميعاً لم يصدّقوا منامها , الا ان الجد فاجأهم قائلاً بحزم :
- حفيدي فريدرك بخير !! وزوجته تعرف اين هو .. فماذا تنتظرون لإنقاذه؟ 
فأجابه أكبر ابنائه : لكن ابي ! نحن سنخاطر بحياتنا لشيءٍ غير مؤكّد , وربما نُقتل جميعنا

الجد بعصبية : وهل تفضلّون البقاء في بيوتكم الى ان يصلنا جثمان حفيدي , ام تستشهدون في محاولة إنقاذه ؟ .. فريدرك لم يمت !! وإحساسي يُوافق منام زوجته , وحدسي لم يخطئ يوماً .. لذا دعوا جاكلين تدلّكم جيداً على مكانه .. ومن ثم تتسلّحون جيداً , بعد ان تلبسوا بذلات العدو التي نزعناها من جثثهم في معاركهم السابقة معنا , ستجدونها في مخزن رئيس البلدية .. وانت يا جون !! ستتكفّل بالكلام مع حرس الثكنة , لأنك تتقن لغتهم .. وبعد إنهائكم مهمّة هذه الليلة بنجاح , تعيدون حفيدي الى هنا حيّاً .. هل كلامي مفهوم ؟!!

فقبل خمسة منهم إقتراح والدهم , وعاد الباقون الى بيوتهم ..
ثم استمع المتطوّعون بتركيزٍ واهتمام الى شرح جاكلين لخريطة الثكنة التي رسمتها لهم , كما رأتها في تخاطراتها الأخيرة مع زوجها المعتقلّ .. 

ومن بعدها , ذهب الرجال الى بيوتهم لتجهّز لتنفيذ الخطة 
***

في المساء .. وبعد ذهابهم للمهمّة , أتتّ زوجاتهم غاضبات الى بيت الجد لمعاتبة جاكلين على مخاطرتها برجالهنّ من أجل منامها السخيف .. لكن الجد دافع عنها وأمرهم بالعودة الى بيوتهنّ .. كما طلب من جاكلين البقاء في بيته لحين عودة الرجال مع زوجها .. وبدورها حاولت (في غرفة الضيوف) القيام بالتخاطر لإخبار فريدرك بما حصل .. لكنها فشلت بالإتصال معه , ممّا جعلها متوترة للغاية !
***

في ثكنة الأعداء .. واثناء نوم الجنود , وبقاء حارسين للحراسة .. تسلّل الرجال الخمسة من البوّابة الخلفية التي وجدوها في المكان ذاته الذي حدّدته جاكلين في خريطتها !

ثم نزلوا سريعاً نحو المعتقل , بعد ان قال جون للحرس بلغتهم : إنهم يريدون تفتيش السجن بأوامر عليا .. 

وقد حاولوا كتمان سعادتهم حين رأوا ابن عمهم حيّاً في زنزانته , لكنه كان فاقداً الوعيّ من شدة التعذيب ! 

واستغلّوا وجود حارسٍ واحد على بابه , ليقوم أحدهم بخنقه حتى الموت.. ثم بدلّوا ملابسه مع ملابس فريدرك , وحبسوه مكانه .. 
ثم أسندوا قريبهم وأخذوه للأعلى .. 

وقبل خروجهم من البوّابة الخلفية , ناداهم حارس المراقبة من فوق السور 
- هاى انتم ؟!! ماذا تفعلون ؟
فأجابه جون بارتباك : زميلنا يعاني من تسممٍ حادّ , سنعالجه في المستشفى القريب من هنا 
فقال الحارس : ذلك المستشفى لأهل المدينة , وقد يقتلوكم جميعاً .. الأفضل ان تأخذوه الى عيادتنا داخل الثكنة 
فأجابه جون : لا تقلق , سنبدّل ملابسنا قبل وصولنا الى هناك .. كما انني أتقن لغة البلد
الحارس : إذاً خذه وحدك , وليعود الجنود الأربعة الى ثكنتهم حالاً!!

ففكّر جون سريعاً , قبل ان يقول : جميعنا ذاهبون في مهماتٍ خارج المعسكر .. وان كنت لا تصدّقنا , يمكنك سؤال القائد
الحارس بتردّد : لا طبعاً !! قائدنا عصبيٌّ جداً , ولن أيقظه بشأن أمرٍ تافهٍ كهذا .. هيا أخرجوا !! وعودي الى هنا فور انتهاء مهمّاتكم 
ولم يصدّق الشباب نجاح خطتهم بهذه السهولة ! 

وفور خروجهم من الثكنة , قام أقواهم بحمل فريدرك الجريح .. ثم تعمّقوا في الأدغال متوجهين لقريتهم , مستعينين بقناديل أخفوها هناك
***

وفي بيت الجد .. إحتضنت جاكلين زوجها بعد استيقاظه .. لكنه مازال يهلوّس من ألمه , غير مُدركاً بما حصل !

فأسرع أحدهم بجلب طبيب القرية اليه , والذي عالج كسوره وقطّب له جروحه العديدة 
ثم رجع أقاربه الخمسة الى بيوتهم بعد الإطمئنان عليه .. 

وقد غفت جاكلين على الكرسي امام سريره من شدة التعب , بعد ان غيّرت طوال الليل الكمّادات الباردة فوق جبينه للتخفيف من حرارته المرتفعة .. كما دهنت المرهمٍ طبّي فوق أورام الرضوض المنتشرة بكافة انحاء جسمه الذي تعرّض للكثير من التعذيب الوحشيّ !  
*** 

في صباح اليوم التالي .. إستعاد فريدرك وعيه بعد تناوله الفطور الذي أعدّته زوجات أقاربه اللآتي قدمنّ للإعتذار من جاكلين .. 
وحين استيقظ ابنه ورأى والده حيّاً ! إرتمى فوق صدره وهو يبكي من الفرح.. وكان والده فخوراً به لاستقباله إشارات التخاطر الذي ارسلها له , بعد فشله بالتخاطر مع زوجته حين صدّقت بوفاته (في بادىء الأمر)
***  

في عصر ذلك اليوم .. وصلت رسالة خطيّة من فريدرك الى قائده يخبره فيها : عن وقوع بعض افراد كتيبته بالأسر , وبأنهم على وشك الموت اذا لم يتمّ إنقاذهم سريعاً , خاصة بعد هربه من المعتقل ! 

وبعد تأكّد القائد من هذه المعلومات , قام بإعطاء اوامر فوريّة بغزوّ ثكنة الأعداء الذين هربوا بالأدغال فور رؤيتهم لكتيبتين عسكريتين ضخمتين متوجهة نحوهم , تاركين الأسرى بالسجون ..والذي تمّ علاجهم , قبل تسريحهم الى بيوتهم , لتستقبلهم عائلاتهم بالدموع بعد ان أعتقدوا لشهورٍ طويلة بوفاتهم !
***

بعد اسابيع في بيت الجد , التأمت أخيراً جروح فريدرك الذي أصرّ على العودة مع عائلته الى المدينة , ليتمّ تكريمه هناك بنيشان الشجاعة بعد تقهقر العدو عن محيط منطقتهم .. كما أهدوا زوجته درع الوفاء لإنقاذها زوجها وجنود كتيبته من موتٍ محقّق 

وقد تمّت طُباعة كتاب فريدرك للتخاطر على نفقة الدولة , ليتمّ تعليمها لاحقاً لأفراد الجيش والمخابرات السرّية .. ومن بعدها أُدرج ضمن نظريات علم النفس التي دُرّست في الجامعات حول العالم ! 

وبالرغم من التفاصيل المذكورة بدقّة لخطوات التخاطر في كتابه الا ان القليلين أجادوها , كما فعل فريدرك في تواصله البيّن مع زوجته جاكلين التي أنقذت حياته  

ومازال علم التخاطر موضع جدال علميّ الى يومنا الحالي !
*********

ملاحظة :
التخاطر (بالإنجليزية : Telepathy) هو مصطلح صاغه فريدرك مايرز عام 1882م , وساعده زملائه في إثبات نظريته التي تعتمد على الحاسّة السادسة والإدراك فوق الحسّي , او ما يسمّى بالإستبصار .. 

وقد تمّ إستخدام هذه النظرية كثيراً في افلام الخيال العلميّ !
- اما موضوع الحرب في القصة , فهي من تأليفي ..أتمنى ان تعجبكم

الأحد، 28 أبريل 2019

ذاكرة القلب

تأليف : امل شانوحة


الحب الأبديّ

بدأت أعراض الزهايمر تظهر عند الحاج أحمد بعد بلوغه سن السبعين .. لهذا وكّل إبنه بإدارة شركاته , بينما تكفّلت إبنته الإعتناء به بعد ملازمته القصر .. وقد لاحظ من حوله إن حاضره يتلاشى مع الأيام , لكن مازال يتذكّر ماضيه جيداً !

الى ان أتى يوم , نادى فيه ابنته : 
- مريومة !! غنّي لي بصوتك الجميل
ابنته باستغراب : انا زينب يا أبي ! ولا أحسن الغناء 

الا انه منذ تلك اللحظة صار يناديها دائماً بهذا الإسم , وظنّت زينب بأنه نسيّها بسبب المرض .. لكن أخوها الأصغر شعر بأن في الأمر سرّاً , ولهذا سافر في يوم عطلته الى قرية والده التي لطالما حدّثهما عنها ..
***

في القرية .. بعد ان سأل هنا وهناك , وصّل أخيراً الى منزل عجوزٍ من أقارب والده , والتي سألت عن أحواله .. 
فأخبرها بأن والده تزوج في سنٍ متأخرة , وأنجبه هو وأخته قبل وفاة امهما 

وأردف الشاب قائلاً بقهر : 
- رغم حبي الكبير لأبي , الا انه كان قاسياً علينا قبل مرضه ! فقد رفض تزويج اختي من صديقها الجامعيّ , وزوّجها بالغصب لإبن صديقه الذي طلقها بعد سنة .. اما انا , فهدّدني بالطرد من شركته في حال تزوجت الفتاة التي أحببتها من الإنترنت .. ولا أدري ما سبب كره والدي للحب لهذه الدرجة ! 

فتنهّدت العجوز بحزن : ربما يحاول حمايتكما من كسرة القلب , كما حصل معه ومع حبيبته مريم 
الشاب بدهشة : مريومة !
- نعم , هل أخبركما عنها ؟
- لا ! لكن بعد إصابته بالزهايمر صار يردّد إسمها كثيراً , فهل تخبريني المزيد عنها ؟

فأخبرته ان أرض عائلة مريم وأرض جده كانتا متلاصقتين , ويتشاركان بئراً واحداً للسقاية بالتناوب بينهم .. وكان أحمد شاباً يافعاً حين أُغرم بصوت غناء المراهقة مريم أثناء عملها بأرض والدها .. وصارا يلتقيان عند البئر كل يوم قبل الغروب .. وبعد ان شاع حبهما بالقرية , تمّت الخطوبة ..وبعدها بأسابيع , إجتمعت القرية لحضور عرسهما 

الشاب : إذاً تزوج والدي من حبيبته ؟
العجوز بقهر : لا .. فأخوها الأحمق تشاجر مع عمك قبل يوم العرس على سقاية الأرض , وأطلق النار عليه في الحفل 
الشاب بدهشة : لكن ابي أخبرني بأن عمي مات بحادث سير !
- لا , مات مقتولاً .. وبسبب التار بين العائلتين , رفض جدك إتمام الزواج .. وعادت العروس مريم منهارة الى منزل والدها الذي قام بتزويجها لرجلٍ آخر بعد شهور , ممّا قهر والدك الذي سافر الى المدينة ولم يعدّ الى هنا مجدداً

الشاب : وماذا حصل للسيدة مريم ؟
العجوز : تطلّقت من زوجها القاسي بعد سنتين من زواجها , وحرمها من ابنها الوحيد الذي عاش في القرية الثانية مع اعمامه .. هل تريد عنوانها ؟
- نعم , رجاءً
***

وفي منزل مريم .. وما ان عرفت بقصة الحاج , حتى بكت قائلةً : 
- أحمد أصيب بالخرف ؟!
الإبن : ليس بعد , مازال يتذكّرنا .. ويتذكّرك ايضاً 
مريم بحزن : وانا لم أنسه يوماً في حياتي .. (ثم تنهّدت بقهر) .. سامح الله أخي الذي فرّق بيننا , ثم هرب للخارج واختفت أخباره!  

فطلب منها ان تسافر معه للعيش في قصر والده , لكنها خافت من كلام الناس .. الا ان الشاب أقنعها بأن الأمر سيبقى سرّاً بينهما.. 
فقبلت مريم لشدّة شوقها لرؤية حبيبها القديم
***

حين وصلا الى القصر .. كانت زينب تطعم والدها الحساء في شرفة غرفته وهو على الكرسيّ المتحرّك , شارداً بالنظر نحو حديقة قصره
فنادى الأخ أخته لتركهما وحدهما ..

فجلست مريم بجانبه وأمسكت بيده , وهي تتمعّن في تفاصيل وجهه التي هرمت كثيراً عن آخر مرة رأته فيها ! 
وبدأت تحدّثه عن ذكرياتهما سويّاً لأكثر من ساعة , لكنه ظلّ يبتسم وهو يراقب طائراً وقف عند حافّة شرفته وكأنه طفلٌ صغير !

وحين يئست من لفت انتباهه .. نزلت الى الصالة لتخبر إبنه برغبتها العودة الى قريتها , لأنها لا تطيق رؤيته ضعيفاً هكذا ..
فحاول إقناعها بالبقاء أكثر معهم .. 

وهنا تذكّرت زينب بأن والدها في الفترة الأخيرة كان يدنّدن جملة :
((فأتِ أو لا تأتِ , أو فافعل بقلبي ما تشاء)) .. وسألت السيدة مريم عنها ..والتي مسحت دموعها قائلةً : 
- هذه أغنية ((أغداً ألقاك)) لأم كلثوم .. 
ثم أكملت الجملة التي يردّدها أحمد , بغنائها الجهوريّ :
((هكذا أحتملُ العمر نعيماً وعذابا
مُهجةً حُرّى وقلباً مسّه الشوق فذابَ
أغداً ألقاك ؟)) 

وفجأة ! سمعوا صراخ أحمد من غرفته وهو ينادي بحرقةٍ وشوق :
- مريومة !!!! حبيبتي !!!.. انا قادمٌ اليك !!!

فأسرعوا جميعاً الى غرفته , ليجدونه يجرّ كرسيه بكل قوته للوصول الى مصدر الغناء الذي سمعه قبل قليل .. 
فأسرعت مريم اليه وأمسكت يده :
- انا هنا يا أحمد .. انا هنا يا حبيبي المشاغب العنيد
فاحتضنها بقوة , وأغرقا في بكاءٍ مرير .. 
فخرج الولدان من الغرفة ليتركاهما سويّاً ..

وأمضى أحمد مع حبيبته مريومة طيلة النهار وهما يسترجعا الماضي , بعد ان عادت معظم الأحداث الى ذاكرته !
***

حين حلّ المساء .. تفاجأ الأخوان بقرار والدهما بتزويجهما ممّن يحبان 
ابنته بحزن : لكن صديقي تزوج قبل سنة , ولديه طفلة يا ابي..هل نسيت ؟
والدها : لا عليك , سأتكفّل بالموضوع .. وانت بنيّ , إتصل بصديقتك من الإنترنت , واخبرها بأني سأخطبها لك قريباً .. بل سيُعقد قراننا نحن الثلاثة في اليوم ذاته !! 

فنظر الولدان بدهشة الى مريم التي كانت تبتسم بخجل :
- يصرّ على الزواج بي رغم كبر سننا ! 
الحاج أحمد بحزم : لقد قرّرت بأن الحب سينتصر بالنهاية , ولا اريد إعتراضاً من أحد !! 
***

وبالفعل .. تزوّجت زينب من خطيبها القديم كزوجته الثانية , بعد ان وعده الحاج بتوظيفه في إحدى شركاته .. كما زوُّجَ ابنه من حبيبته التي انتظرته طويلاً , لكن بعد إشتراطه : تعين ممرّضة لأبيه وزوجته مريم للإطمئنان على صحتهما في القصر , بعد ذهابه هو وأخته الى بيتهما الزوجيّ المستقلّ
***

وقد أثبت الحاج أحمد للجميع بأن ذاكرة القلب أقوى بكثير من ذاكرة عقله التي بدأت تضعف مع الأيام , نسيّ فيها ولديه لكنه لم ينسى ابداً زوجته مريم التي انتظرت لقاءه نصف قرن , والتي بقيت معه حتى آخر يومٍ في حياته ..

وقد أعطت قصتهما الأمل لكل العشّاق الذين ردّدوا : بأن الله سيجمع المحبيين ولوّ بعد حين , مثل ما حصل مع المرحوم أحمد وحبيبته المخلصة مريومة !  

الأربعاء، 24 أبريل 2019

التفكير الإيجابيّ

تأليف : امل شانوحة

العلاج النفسيّ للطاقة السلبيّة !

عاد مساعد الطبيب الى الفيلا مساءً , بعد تثبيته للشجرة الإصطناعية في الحديقة العامة .. والتي في داخلها : كرسيٌ مريح , ولافتة مكتوبٌ عليها : ((إجلس هنا , لتغير حياتك للأفضل)) 
كما كان في الشجرة : كاميرات داخلية وخارجية موصولة بشاشة مراقبة في مكتب الفيلا القريبة من الحديقة ..
***

بعد خروج المساعد (خبير الكمبيوتر) من المكتب , سأله الطبيب الجالس في الصالة : 
- هل تأكّدت من عمل الكاميرات ؟
المساعد : نعم , كل شيء على ما يرام .. لكني لم أفهم بعد عمل الشجرة ؟
الطبيب : معظم المرضى يرفضون القدوم الى العيادات النفسية خوفاً من كلام الناس , او لرفضهم الإعتراف بمشاكلهم النفسيّة .. لذلك طلبت منك إختراع جهاز على شكل شجرة يقيس طاقاتهم السلبية اثناء مرورهم بجانبها .. وفور جلوسهم على الكرسي , نرُشّ على وجوههم مخدّراً يهدّأ نفوسهم المضطربة  ..لأقوم بعدها بالتكلّم معهم بالميكرفون عن طريق التنويم المغناطيسي ليخبروني بمشاكلهم .. ومن ثم أحاول مساعدتهم قدر الإمكان 

المساعد : لكن ليست كل المشاكل يمكن حلّها .. إفترض لوّ أن أحدهم يشعر بالحنين الى شخصٍ ميت , فكيف نحضره له ؟!
الطبيب : انت لا تعرف قوة التنويم المغناطيسي , فباستطاعتي إيهام المريض بأن صوتي هو صوت الميت .. فيتكلّم معي على إنني والده او حتى امه .. وبعد هذا الحديث , يشعر المريض براحةٍ نفسية لشعوره بأن الميت يراقبه من السماء .. هل فهمت الآن ؟
المساعد : سأفهم أكثر حين أراك تعمل على المرضى , مع اني أشكّ بنجاح التجربة 

وهنا ظهر صوت المنبّه من المكتب.. 
المساعد باستغراب : يبدو ان أحدهم دخل فعلاً الشجرة !
الطبيب : إذاً هيا بنا نساعده 
*** 

وكانت الحالة الأولى : لطفلٍ من اولاد الشوارع , فتحت له الشجرة بابها بعد مروره بجانبها حزيناً ..
وما ان جلس على الكرسي , حتى إنغلق الباب عليه .. وقام المخدّر المرشوش بتهدئة فزعه !

وفي الفيلا .. إستطاع المساعد قياس طاقة الولد السلبية , قائلاً للطبيب :
- انه حزينٌ جداً رغم صغر سنه ! فكيف سنعرف سبب تعاسته ؟
الدكتور : تعاسته واضحة يا بنيّ , الفقر والحاجة .. لكن السؤال الأهم , ماهو حلمه ؟ .. هيا إفتح الميكرفون لأتكلّم معه 
وبدأ الطبيب يحدّثه : 
- ماهو حلمك يا صغير ؟
فأخبره الولد بكلامٍ شبه مفهوم : بأنه يحلم بنوع من الشوكولا ذاقه منذ ايام , بعد ان نسيّه أحدهم فوق مقعد الشاطىء

وحين سمع المساعد حلم الصبي , قال للطبيب : حلمه بسيطٌ جداً !
- لكن بالنسبة له صعبُ المنال 
المساعد : وهل أشتري له ما يريد ؟
الطبيب : لا !! اريده ان يعتمد على نفسه 

ثم قام الدكتور بتكرار عنوان بيته , كيّ يحفظه الصبي ..
وأنهى كلامه قائلاً :
- ستنسى موضوع الشجرة فور خروجك منها .. والآن إستيقظ!!!
وما ان خرج منها , حتى عاد للشحاذة في الطرقات وكأن شيئاً لم يكن !  
***

في صباح اليوم التالي , راقب الطبيب كاميرا مدخل الفيلا .. 
فسأله المساعد : الم يأتي الولد بعد ؟
- سيأتي , انا متأكّد من نجاح خطتي ... آه , هاهو !! إسرع ونفّذ ما قلته لك 

فخرج المساعد ليرى الولد تائهاً قرب الفيلا دون ان يفهم سبب قدومه الى هنا !  
فناداه الشاب : هاى انت !! أتريد شيئاً ؟
الولد بارتباك : لا سيدي , انا آسف ..سأذهب حالاً
- لا انتظر !! هل تستطيع جزّ العشب ؟ فمزارِعنا مريض , وسيأتينا ضيوف على المساء .. 
فأجاب الولد بحماس : بالطبع أستطيع !!

وأدخله المساعد الى حديقة الفيلا .. وعلّمه طريقة استخدام ماكينة القصّ التي عمل عليها لساعات , الى ان أنهى عمله بإتقان .. 

وبعد انتهائه , إقترب منه الشاب وهو يقول :
- هذه أجرتك .. بالإضافة لكيس شوكولا وصلني هدية , وانا لا أحب الحلوى
فقال الصبي وهو يطير فرحاً : انا أحب هذا النوع بالذات !! 
- اذاً هو لك 
فأخذه سعيداً .. وقبل ذهابه ناداه قائلاً :
- على فكرة !! السوبرماركت القريب من هنا يبحث عن اولاد في مثل عمرك للعمل بتوضيب الأغراض بالأكياس .. فإن كان يهمّك الأمر , إذهب اليه الآن .. فالراتب لا بأس به 
الصبي بحماس : أحقاً ! سأذهب اليهم حالاً  

وبالفعل توظّف الولد هناك , وابتعد عن الشحاذة في الطرقات .. وقام الدكتور بالإتفاق مع صاحب السوبرماركت على إكرام الصبي بالحلوى في نهاية كل شهر .. وبذلك حقّق حلمه الطفوليّ
***

في مساء أحد الأيام .. نادى المساعد الطبيب لمعالجة شخصٍ جديد دخل الشجرة .. 
وظهر بالكاميرا : رجلٌ مشرّد , قويّ البنيّة .. والذي أغضبه كثيراً إنغلاق الباب عليه , لكن المخدّر هدّأه قبل ان يكسره ..
ثم سأله الدكتور عن احلامه .. فأخبره المشرّد بعشقه الكبير للملاكمة 

فقام المساعد بالبحث بالإنترنت عن أقرب نادي رياضيّ .. 
ثم اتفق الطبيب مع المدرّب على دفع كافة المصاريف لدروس الملاكمة , التي سيرسلها له فور قدوم المشرّد للتسجيل في ناديه .. 

ومن بعدها .. كرّر الدكتور عنوان النادي على مسامع المشرّد الشبه النائم ..وأقنعه بأن باستطاعته أن يصبح ملاكماً مشهوراً في حال ركّز على أهدافه.. 
ومن ثم أيقظه , ليخرج الرجل مُتناسياً ما حصل له داخل الشجرة! 
***

ولم يتصل المدرّب بالطبيب الا بعد يومين , حين قدم المشرّد لا شعورياً ليسأله عن مبلغ التسجيل
الطبيب باهتمام : وماذا قلت له ؟
المدرب (من الجوّال) : قلت كما طلبت مني , بأني سأدرّبه بالمجّان لحين فوزه بالمباراة الأولى , ثم أشاركه الجائزة .. وهو الآن يتدرّب بنشاطٍ وقوة , فلياقته عالية بالنسبة لحالته البائسة ! 

وعلى الفور !! ارسل الطبيب مبلغ الإشتراك من حسابه , بعد ان اشترط على المدرّب إكمال تدريب المشرّد الى ان يصل لمستوى المحترفين 
***

في الليلة التالية .. ظهرت بالكاميرا : سيدة تبكي بحرقة داخل الشجرة !
وقد أخبرت الطبيب : بأن صديقها يسيطر عليها بشكلٍ دمّر شخصيتها وأحلامها  
فاستمع الدكتور لتفاصيل علاقتها برجلٍ ساديّ يهوى تعذيبها نفسيّاً! 
وحين سألها ان كان لديها أصدقاء آخرين ؟ 
أخبرته عن صديق طفولتها الذي ينصحها دائماً بترك هذا الرجل ..

فقال لها الطبيب بالميكرفون : اريدك ان تتخيلي الآن إنك تزوجتي الرجل السيء .. فكيف ستكون علاقته بأهلك ؟
فأجابت بحزن : سيئة .. فهو يقول دائماً , بأنه سيمنعني من زياراتهم بعد زواجنا 
الطبيب : وكيف تتخيّلين علاقته بأولادك ؟
- سيئة ايضاً , فهو غير حنون على الأطفال 
- وكيف ستكون علاقتكما سويّاً ؟
السيدة بقلق : أحياناً أخاف منه حينما يغضب 
- وهل تظني انه سيضربك يوماً ما ؟
السيدة بقلق : ربما 
- وهل سيخونك ؟
- بالتأكيد !! فهو خانني أكثر من مرة 
صوت الطبيب : وهل في قرارة نفسك تظنين انه شخصٌ سيء ؟ 
السيدة بحزن : نعم 

الطبيب : وماذا عن صديق طفولتك , هل هو رجلٌ جيد ؟
السيدة : نعم جداً , وحنونٌ عليّ ..ويحب اللعب مع الأطفال 
- وهل تظنينه سيكون زوجاً مناسباً لك ؟
فأجابت بتردّد : نعم
- اريدك ان تتخيلي حياتك مع صديق طفولتك .. وكيف ستمضين فترة الأعياد برفقة عائلتكما , والأطفال تلعب من حولكم .. الن تكوني سعيدة ؟
- أظن ذلك 

الطبيب : اذاً بعد قليل .. ستأخذين قراراً حاسماً بالتخلّي عن صديقك الشرير , فنحن لا نعيش في هذه الحياة سوى مرة واحدة .. أتريدين ان تعيشي بشقاء ام بسعادة ؟
- بسعادة طبعاً 
- اذاً في هذه الليلة !! ستختارين الشخص المناسب الذي ستمضين حياتك السعيدة معه ... والآن ستستيقظي بعد العدد 3 , وستنسين كل شيء عن الشجرة فور خروجك منها .. سأبدأ بالعدّ : 1 – 2 – 3 ..إستفيقي !! 

وفور خروجها .. ظهر بالكاميرا الخارجية (المعلّقة بأعلى الشجرة) إنها اتصلت بصديقها السيء وأنهت علاقتها معه , قائلةً بحزم :
- إضحك كما تشاء , فأنا لن أعود اليك ثانيةً 

ثم رآها الطبيب ومساعده وهي تكسر شريحة جوّالها وترميها في حاوية الحديقة , قبل ان تسرع الى سيارتها وهي تبتسم ابتسامةٍ عريضة 

وفي مكتب الفيلا .. سأل المساعد الطبيب : 
- هل برأيك ستذهب الى صديق طفولتها ؟ 
الدكتور : أظن ذلك , فالفرحة واضحة عليها 
- وهل تظنه سيتزوجها ؟ 
الطبيب : على حسب ما ذكرته عن مساندته الدائمة لها , أظنه سيتقرّب منها فور معرفته بتركها للرجل الشرير .. فهي فتاةٌ بريئة وتستحق العيش مع شخصٍ يعرف قيمتها جيداً , تماماً كصديقها القديم .. فدعنا نتأمّل نهايةً سعيدة لقصتها
***

في إحدى الليالي .. أيقظه مساعده بعد ان ارتفع صوت المنبه من المكتب .. ليريا على الشاشة : رجلٌ خمسينيّ يجلس مكتئباً داخل الشجرة .. 
وعلما بعد تخديره : بأنه يملك فكرة عبقرية للعبة أطفال , إحتفظ بها لسنوات ..وبسببها أصيب بأرقٍ جعله يتجوّل بوقتٍ متأخّر في الحديقة 

وهنا قال المساعد للطبيب : فكرته جميلة وتعليمية , وأظنها ستكتسح السوق ! فلما لم يتصرّف حيالها طوال عشر سنوات ؟!
الطبيب : أحياناً ما يوقفنا عن تحقيق حلمنا هو الخوف من الفشل , او سخرية الناس علينا ..او ربما فقط , قلّة همّتنا .. لذا اريد منك تصميم فكرته باستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد .. لنرسلها لاحقاً الى شركة تهتم بألعاب الأطفال 
المساعد : بإسمه هو ؟
الطبيب : طبعاً , فنحن لن نسرق فكرته .. ولا تقلق , سأكافئك على مجهودك بالعمل
- لم أقصد هذا سيدي , بل كيف ستصل الشركة اليه ؟ 
- آه ذكّرتني !

ثم سأل الطبيب الرجل عن إيميله واسمه الكامل ؟ 
وبعد ان اعطاه إيّاه وهو تحت تأثير التنويم المغناطيسي .. قام الطبيب بإيقاظه .. ليعود الى بيته دون ان يتذكّر شيء !  
***

وخلال اسبوع .. إستطاع مساعد الطبيب تحويل الفكرة الى لعبةٍ مميزة قام بإرسالها لشركة مختصّة بالألعاب الذكيّة , وأرفق البريد بإيميل الرجل .. 
وفور إعجابهم بالفكرة , أرسلوا طلباً بمقابلة الرجل في مكتبهم .. 
***

وبعد اسبوعين .. وصلت الأخبار للطبيب : بأن الرجل سجّل إختراعه بإسمه , وبأن الشركة ستقوم بطرح اللعبة في السوق قريباً.. 
فقال المساعد للطبيب : انا سعيد بأن اموره المادية تحسّنت كثيراً , لكن ألم يستغرب إتصالهم به ليسألوه عن التصميم الذي قمت انا بصنعه ؟! 

الدكتور : سيفكّر لاحقاً حين يهدأ حماسه .. فدعه الآن سعيداً بتحقيق حلمه القديم .. (ثم تنهد بضيق) .. آه لوّ كل واحدٍ منا يملك الجرأة على تنفيذ حلمه , لما دُفنت أفكارٌ عظيمة مع اصحابها في القبور , ولكانت حياتنا أجمل بكثير 
- معك حق سيدي 
- إذاً دعنا نُكمل حلمنا بمساعدة الآخرين 
***

ومع مرور الأيام .. إزداد عدد الأشخاص الذين دخلوا ارادياً لتجربة الشجرة الغريبة .. وكان منهم شاب تخلّى عن حلم الكتابة للعمل في محل والده المتوفي , فقام الطبيب بمكالمة منتج لقصص اطفال والذي اتفق مع الشاب على سلسلة من القصص , بيعت لاحقاً لعدد كبير من المكاتب والمدارس 

وايضاً كان من بين الحالات : والدٌ قاسي على اولاده .. فعرف الطبيب بعد تنويمه : بأنه عانى ايضاً من قساوة ابيه .. فاستطاع الدكتور إيهامه بأن روح والده تكلّمه للإعتذار عن سوء معاملته له , ولتحذّيره من إرتكاب الخطأ ذاته مع اولاده .. ثم أغدق عليه بالمديح , بعد ان شعر الطبيب ان الرجل بحاجة لسماع ذلك من والده 
وقد التقطت الكاميرا الخارجية : صورة الأب بعد خروجه من الشجرة وهو يشتري مجموعة من البالونات .. ويبدو انه اتخذ قراراً بأن يكون والداً حنوناً لأطفاله , بعد مسامحته لوالده أخيراً 

وايضاً قام الطبيب بإقناع رجلٍ اراد الإنتحار (بسبب خسارته لأمواله بالبورصة) بتمتّعه بالعبقرية التجارية التي تساعده على النجاح .. 
فخرج التاجر من الشجرة وهو متفائل بالحياة , وراغباً بإعادة ثروته من جديد

وكان ايضاً ممّن دخل الشجرة : رجلٌ ثريّ يشعر بالإكتئاب بسبب الملّل ! فهو عاش طفولته بين الخدم والمربّيين لإنشغال والديه بأعمالهما التجارية والخيريّة .. 
فاستطاع الطبيب إقناعه بأن العطاء ومساعدة الآخرين هي أجمل فرحة بالحياة .. وحينها أخبره الثريّ عن حلمه القديم بحفر آبارٍ للفقراء حول العالم .. فشجّعه الطبيب على فكرته .. 
وقد شاهده فور خروجه من الشجرة وهو يتصل بالمطار للحجز على دولةٍ إفريقية فقيرة , وهو في قمّة الحماس !
***

وبعد شهر .. واجه الطبيب ثلاث حالات فريدة من نوعها ..
الحالة الأولى : لشابٍ يعشق الإنحراف ولا يهمّه أحد ! وبعد ان طال حديثه معه , إستطاع الطبيب بصعوبة التوصّل الى شخصٍ واحد يقدّر رأيه , وهو استاذه في المرحلة الإبتدائية .. لهذا أوهمه بالتنويم المغناطيسي ان استاذه يحدّثه : ويلومه على إنحرافه , وعلى خيبة أمله فيه .. فانهار الشاب باكياً وهو يعتذر من استاذه الذي وعده بتنفيذ جميع نصائحه , وأن يعود صالحاً كما كان .. فطالبه الطبيب بإثبات ذلك فور خروجه من الشجرة 

وبالفعل .. رآه الطبيب ومساعده من الكاميرا الخارجية : وهو يتصل بصديقه الجامعي ويطالبه بجميع المحاضرات التي فاتته , بعد ان قرّر متابعة الدراسة وترك شلّة الفاشلين التي ساهمت في انحرافه 
***

اما الحالة الثانية : فهي لرجلٍ يعشق السرقة , مُفتخراً بخفّة يده ! 
فأسرع مساعد الطبيب بالبحث عن سيرك يعلّم ألعاب الخفّة , وحجز مكاناً للشاب .. 
ثم كرّر الطبيب عنوان السيرك , لكيّ يعلق في ذهن الشاب الشبه نائم .. 
لكن بعد خروجه من الشجرة , لم تظهر عليه ردّة فعلٍ واضحة !


وبعد اسبوعين .. أخبرهم مدير السيرك : بأن الشاب تسجّل عندهم , بعد ان قبضت الشرطة على اصدقائه السيئين .. وهو يتعلّم الآن جميع خدع الورق السحريّة التي أجادها بسهولة .. ويشعر بحماسٍ كبير بعد قبولهم مشاركته في عروضاتهم التي ستقام حول العالم 
***

اما الحالة الثالثة فهي أصعب ما مرّ على الطبيب : وكان لرجلٍ غاضب إحتاج لمضاعفة المخدّر لتهدأته من شدة طاقته السلبية ! لإصراره على قتل صديقه بعد سرقته حسابهما المشترك الذي أراد به فتح مطعمه الصغير 

ولم تنجح مساعي الطبيب لإزالة فكرة القتل من دماغه , لهذا اضطر ان يكتب شيكاً بالمبلغ المسروق .. وطلب من مساعده ان يُسرع للحديقة , ويفتح باب الشجرة ويدسّ الشيك بمحفظة الرجل النائم مع رسالةٍ قصيرة ..
وبعد ان قام المساعد بذلك , عاد الى الفيلا التي لا تبعد كثيراً عن الحديقة 

ثم أيقظ الطبيب الرجل وأخبره ان يفتح محفظته .. والذي تفاجأ بمضمون الرسالة التي فيها : 
((آسف يا صديقي لأني أضعت مالك بالقمار .. وقد أعدّت لك كامل المبلغ بعد ان تديّنته من قريبي الطبيب , والذي سأعيده له على دفعات .. وأعتذر لأنني تسلّلت الى بيتك وانت نائم لأضع الشيك في محفظتك , فأنا لا استطيع مواجهتك .. ورجاءً لا تبحث عني لأني سأسافر بعيداً .. كل ما أتمناه هو ان تغفر لي , فقد ظننت حينها بأني سأضاعف مالك بالقمار .. لكني خسرت أغلى شيء , وهو صداقتنا .. أرجوك سامحني))

فخرج الرجل من الشجرة وهو سعيداً باستعادة ماله الذي جمعه لسنوات , وعاد الى عمله بعد إختفاء مؤشراته السلبية التي تؤكّد تخليه عن فكرة القتل أخيراً

وفي الفيلا .. سأل المساعد الطبيب :
- لما جعلتني أعطيه من مالك الخاص ؟
- لأني لم استطع إخراج هاجس الإنتقام من رأسه .. وبالنهاية المال لن يكون أغلى من إنقاذ روحين من الهلاك .. 

وقبل ان يكمل كلامه , اضاءت الماكينة من جديد بعد إقتراب شرطي من الشجرة الإصطناعية ..
فقال المساعد للطبيب بقلق : برأيّ لا تفتح له الباب , فقد يسجننا لأننا لم نأخذ تصريحاً من البلدية لوضع إختراعنا في الحديقة العامة

الطبيب وهو ينظر الى التعابير البائسة على وجه الشرطي من خلال كاميرا مكتبه : 
- لكن طاقته سلبية , ويبدو انه حزينٌ جداً .. فهيا دعنا نعرف قصته .. ولا تقلق , بالنهاية سأنسيه الموضوع بالتنويم المغناطيسي كما فعلت مع الآخرين .. 

وحين قام بتنويم الشرطي .. أخبر الطبيب بأنه يشعر بذنبٍ كبير لقتله صديقه عن طريق الخطأ في عملية قبضه على تجّار مخدرات قبل سنوات .. ولذلك ترك عمله في الشارع وتحوّل للعمل الإداري الذي يشعره بالمللّ 

فاستطاع الطبيب إيهامه بأن الشرطي الميت يكلّمه ويخبره بمسامحته , لأن الوضع كان فوضوياً تلك الليلة بعد حصول تبادل نيران مع المجرمين 
كما أخبره بأنه يعيش حياةً جميلة في الجنة , ويأمره بالعودة سريعاً للعمل في الشارع ..

فنزلت دموع الشرطي وهو نائم ..وصار يتمّتم : 
- حاضر ..سأنفّذ طلبك وأعود لإنقاذ الناس كما كنّا نفعل سويّاً , يا صديقي العزيز
وخرج الشرطي متجهاً نحو سيارته وهو في قمّة النشاط والسعادة , وكأن روحه رُدّت اليه ! 

وحين شاهده مساعد الطبيب من الكاميرا الخارجية : 
- يبدو انه ذاهب لتقديم إستقالته من الوظيفة الإدراية ؟
الدكتور : أظن ذلك , فنحن أرحناه من تأنيب الضمير الذي لازمه لسنواتٍ عديدة

المساعد : ولما فعلت كل ذلك سيدي ؟ لما ساعدتهم جميعاً وبالمجّان .. حتى ان بعضهم دفعت من جيبك لتحقيق حلمهم ؟!

فتنهّد الطبيب بحزن وهو يستذكر ماضيه : 
- هذا لأنني مرّرت بجميع تجاربهم .. ففي طفولتي عانيت كثيراً من قساوة والدي .. وفي شبابي , تعرّفت على امرأةٍ سيئة قلبت حياتي جحيماً .. وفي إحدى الليالي تشاجرت معها وطردتها من بيتي , لتقود سيارتها ثملة وتموت بحادث سير .. فشعرت بعدها بتأنيب ضمير قادني للسكر والفشل في دراستي , ممّا أجبرني على العمل كأجير في عدة محلاّت تجارية , مُتخلّياً عن فكرة الطب .. لكن كل شيء تغير بعد ان أهداني صديقي كتاب عن قوة الطاقة الإيجابية أثّر بي كثيراً .. فعدّت لمقاعد الدراسة , وبدأت أنجح في عملي الى ان أصبحت طبيباً مشهوراً .. وكسبت المال الوفير من بيع كتبي النفسيّة , وخاصة كتاب ((كيف تبدأ من الصفر؟)).. ولأنني مررّت بالكثير من التجارب السيئة , لهذا لا اريد ان يمرّ بها غيري .. وسأعمل جاهداً على تغيّر أفكارهم السلبية التي تؤذيهم وتؤذي الناس من حولهم .. فالأمراض النفسية تأتي بعد تخلّينا عن أحلامنا التي ليست من السهل تحقيقها , فهي تحتاج الى مجهود فكريّ وجسديّ والذي مهما كان متعباً فهو مؤقت , اما النجاح والمجد فيدوم طويلاً لنا ولعائلتنا .. فالحلّ إذاً جداً بسيطٌ : غيّر عقليتك , يتغيّر مستقبلك .. وفي اعتقادي الجميع يستحق فرصة ثانية بالحياة  

المساعد : لكن أليس المفترض ان نغيّر مستقبلنا بأنفسنا ؟
الدكتور : نعم , لكن تغير روتين حياتنا هو أصعب قرار يواجهنا .. لذلك يحتاج بعضنا الى دعمٍ ماديّ او معنويّ لتشجيعه على اتخاذ قرارٍ مصيريّ يغير حياته للأبد .. وهذا ما فعلته لأجلهم .. بمساعدتك طبعاً

وهنا ظهر في كاميرا المكتب : إنفتاح باب الشجرة من جديد 
الطبيب : هيا لنعود للعمل , فما زال أمامنا الكثير لنقدّمه للآخرين  

وانغمسا سريعاً بمشاكل المرأة العجوزالنائمة داخل الشجرة , والتي حتماً لن تكون الحالة النفسيّة الأخيرة التي سيعالجانها بمهارةٍ وسرّية ! 

الجمعة، 19 أبريل 2019

اللطف الإلهيّ

كتابة : امل شانوحة

 
حُرّاس الخفاء !

- لن أنتحر اذا تبسّم لي شخصٌ واحد قبل وصولي لآخر الجسر

ردّدها شاب في نفسه وهو ينظر الى أعين الناس المُجتمعة فوق الجسر لمشاهدة الألعاب الناريّة التي سيتمّ إطلاقها مع بداية العام الجديد

وحين وصل الى منتصف الجسر (كاليفورنيا) دون ان يلتفت اليه احد , قال بيأس :
- لا فائدة من إكمال الطريق فأنا مجرّد نكرة , كما يقول ابي دائماً

واقترب من درابزين الجسر مُخترقاً الحشود , في انتظار إنشغالهم ببدء الإحتفالات للقفز سريعاً دون ان يوقفه احد .. 
ثم نظر الى ساعته.. 
- بقيّ نصف ساعة على إطلاق المفرقعات .. لما الوقت بطيءٌ هكذا ؟!

وفي هذه اللحظات ..شدّت فتاةٌ صغيرة طرف قميصه , بعد ابتعادها عن عائلتها القريبة منه .. 
فسألها بضيق :
- ماذا تريدين ؟
فقالت والدموع في عينيها : رجاءً لا تقفز 
فسألها بدهشة : ماذا قلتي ؟!
- الملاك يطلب منك العودة عن قرارك
- وهل ترينه ؟!
- نعم , هو فوقك تماماً
فقال الشاب بحزن : هذا ليس ملاكاً , بل عزرائيل ينتظر أخذ روحي
- لا !! انه ملاكك الحارس .. وهو يقوم الآن باحتضانك بجناحيه , الا تشعر بهما ؟!

فأغمض الشاب عينيه ليشعر بدفءٍ أُحيط به , رغم برودة الطقس! 
الفتاة : هل صدّقت كلامي ؟ 
فسألها باهتمام : وماذا يفعل ملاكي الآن ؟
- يقول لك بأن لا تستسلم , لأن تجاربك ستنجح قريباً .. 
فقال بحماس : أحقاً ! فأنا احاول منذ سنتين إختراع رقاقة إلكترونية صغيرة يمكنها توصيل الإشارات الكهربائية من الدماغ من خلال طرفيّ النخاع الشوكي المقطوع كيّ ... آه آسف , لا اعتقدكِ تفهمين كلامي
الفتاة بابتسامة : بلى !! انت تريد مساعدة المشلولين , كحبيبتك التي تعرّضت لحادث .. اليس كذلك ؟

فأسرع باحتضانها وهو يبكي , بعد تأكّده من وجود ملاكٍ يحميه .. 
فهمست في إذنه :
- ويقول لك بأن لا تخبر أحداً بأحلامك , خاصة للمحبطين من حولك الذين سيغارون غداً من نجاحك المُبهر
الشاب وهو يمسح دموعه : حسناً سأفعل , وسأتابع تجاربي الى ان أنجح في مساعدة حبيبتي , وملايين المرضى حول العالم .. شكراً لك يا صغيرتي

وفي الوقت الذي بدأت فيه الناس فوق الجسر بعدّ الثواني العشرة الأخيرة لبدء العام الجديد , كان الشاب ينطلق عائداً الى بيته وهو في قمّة التفاؤل والأمل بعد ان تخلّى عن فكرة الإنتحار للأبد
***

وفي جهةٍ أخرى من العالم , وفي صحراء إفريقيا .. عاد الأب غاضباً الى خيمته بعد ان رمى ابنته الصغيرة في البئر , بسبب إضاعتها لثلاث عنزات اثناء رعايتها لهم ..

وفي البئر العميق المهجور .. جلست الفتاة (12سنة) ترتجف وتبكي من الخوف وهي تشعر بحركة الثعابين والعقارب من حولها , داخل بئرٍ موحش لا ينيره سوى ضوءٍ خافت قادماً من سطح البئر الذي يبعد عنها 38 متراً !

وازداد خوفها مع حلول المساء بعد انخفاض الحرارة , فتكوّرت لتدفئة نفسها , مُحاولةً حماية وجهها من الحشرات والكائنات المخيفة التي تزحف من حولها بعد ان أصبح صوت الفحيح واضحاً مع سكون الليل ! 
فصارت تدعو الله والدموع على وجنتيها :
- يارب !! حنّن قلب ابي عليّ , ودعه يُعيدني الى الخيمة .. او خذّ روحي وريّحني من هذا العذاب .. فأنا خائفةٌ جداً

وفجأة ! ظهر لها رجلٌ بثيابٍ بيضاءٍ ناصعة وهو يحمل قدحاً من اللبن , ويقول بابتسامةٍ مريحة : 
- إشربيه , ولن تظمأي بعده ابداً
فشربته على عجل من شدة عطشها وجوعها .. 

وما ان أنهته حتى أحسّت بالشبع والإرتواء , وبالنعاس ايضاً ! 
وقبل ان تسأله : من هو ؟ وكيف وصل اليها ؟ .. غفت على فور 
وآخر ما سمعته منه : 
- إصبري , فقريباً ستتغير حياتك للأفضل يا ابنتي

في صباح اليوم التالي .. سمعت اطفالاً يلعبون قرب البئر المهجور , فنادت بعلوّ صوتها :
- أنقذوني !!! انا في البئر

فهرب الأطفال فزعين لخوفهم من ان تكون الجنية التي أخبروهم اهاليهم عنها , كيّ لا يقتربوا من البئر ! 

وقام أحدهم بإبلاغ والده عمّا حصل , فذهب معه ناحية البئر ونادى بعلوّ صوته :  
- هل هناك أحد بالأسفل ؟!! 
فأجابته الفتاة : نعم انا !!
فسألها الرجل بعد ان شعر بالخوف : وهل انت إنسيّة ام جنيّة ؟!
- بل انا ابنة الراعي الفلاني !!
- آه عرفته ! لحظة سأنادي والدك 
الفتاة بخوف : لا تفعل !! فهو من رماني هنا
الرجل بدهشة : أحقاً ! اذاً سأحضر حبلاً وأرميه لك .. إنتظريني

وبعد إنقاذها , ضجّت القرية بالخبر ! ولام الجميع والدها القاسي على عقابه الغير إنسانيّ , ورفضوا عودتها للعيش معه من جديد 
لهذا قرّر ابن عمها الزواج بها , واضّطر والدها للقبول بعد ان ضغط عليه شيخ القبيلة .. 

وبعد يومين.. زُفّت الصبية بعرسٍ كبير حضره الجميع , فيما عادا والدها الذي وكّل رئيس القبيلة بتزويجها , وأخذ خيمته وأغنامه ورحل بعيداً بعد ان أصبح مكروهاً لدى الجميع ..
***

وفي بلدةٍ عربية ... سقطت صبية على الأرض وهي تنزف بغزارة , بعد ان ضربها زوجها العجوز بقسوة دون الإكتراث بحملها .. فوالدها باعها له للستر عليها بعد اعتدائه على ابنته , عقب تطليقه امها ! 

واثناء وقوعها على أرضيّة الصالة (بعد خروج زوجها من البيت وإقفال الباب عليها , رغم توسّلاتها بتوصيلها للمستشفى) أخذت الزوجة الثانية تتشاهد في بركة من الدماء , بعد ان استشعرت بقرب أجلها 

في البيت المجاور .. صرخ طفل لأمه بخوف :
- أمي !! جارتنا تموت 
- ماذا تقول ؟! 
- رأيتها بالمنظار , حتى أنظري بنفسك

وكان والده ضابطاً بالجيش , واستخدم ابنه منظاره العسكريّ للنظر الى بيوت الحارة .. ليرى بالصدفة الصبية من شقّ نافذتها : وهي واقعة على الأرض , وقد تحوّل فستانها الأبيض للون الدماء..

وما ان رأتها ام الطفل من المنظار , حتى أسرعت هي وزوجها الى بيتها .. وكسرا الباب , وآخذاها الى المستشفى .. ليتمّ إنقاذها بصعوبة , دون جنينها الذي أسقطته ..

واستيقظت الصبية في المستشفى , لترى الطبيب المعالج يمسك يدها ويدعي ربه وهو يبكي .. 
فسحبت يدها منه بقلق :
- من انت ؟! 
الطبيب وهو يمسح دموعه : ألم تعرفينني ؟ انا ابن خالك الذي كنّا نلعب سويّاً في صغرنا , قبل طلاق والديك 
- يا الهي ! أهذا انت ؟ لم ارك منذ سنوات
الطبيب بقهرٍ وغضب : والله اني أوشكت على قتل زوجك اللعين بعد ان رأيت آثار الجلد والرضوض على كافة جسمك 

فأجابته بحزن : ماذا أفعل , هذا قدري 
- قدرك سيتغير قريباً , أعدك بذلك
- ماذا تقصد ؟ 
الطبيب : ستصبحين زوجتي غصباً عن زوجك العجوز , ووالدك الحقير الذي أذاكِ في صغرك 
- كيف عرفت ؟
- زوجك أخبرني بكل شيء بعد ان هدّدته بإبلاغ الشرطة عن عنفه معك الذي كاد ان يقتلك .. وقال انه مستعد لطلاقك لإنهاء الموضوع .. وسأتابع الأمر بنفسي , الى ان تحصلي على الطلاق .. وبعد انتهاء العدة , أتزوجك وأعيدك الى بلدتنا لترين امك 

الصبية بدموع الفرح : أحقاً !! فأنا لم ارها منذ طفولتي 
- اهدأي رجاءً .. فأيامك الصعبة انتهت الآن , ومنذ اليوم لن تبكين الا دموع الفرح .. أعدك بذلك عزيزتي
***

في إحدى القرى الزراعية .. إتجه شاب غاضباً الى بيت عمه الذي استولى على مزرعة والده المتوفي , بسبب توكيلٍ قديم بينهما .. 

وقبل وصوله الى بيته , إعترضه عجوز وهو يقول له بحزم :
- لا تفعلها بنيّ !!
فسأله الشاب بغضب : وماذا تريد انت ايضاً ؟!!
العجوز : لا تقتل عمك 

فتجمّد الشاب في مكانه ! حيث كان أخفى المسدس داخل بنطاله , فكيف عرف العجوز بسوء نيّته ؟! والذي أردف قائلاً :
- عمك سيموت قريباً بعد وقوعه تحت عجلات الجرّافة بخطأٍ منه .. وبذلك تعود الأرض لكم , بسبب عقمه ..

الشاب باستغراب : وكيف عرفت إنه سيموت بحادثة ؟! 
- انا رجلٌ ذو بصيرة .. وأرى انك في حال قتلته , ستُسجن لسنواتٍ طويلة , تاركاً اخوتك الصغار دون مُعيل .. أتريد ان تنظّف امك البيوت لتصرف عليهم ؟
الشاب : ان كنت تعلم بالغيبات كما تدّعي , فكم من الوقت عليّ الإنتظار لعودة الأرض الينا ؟ 
- لا يعلم الغيب الا الله , لكن اموركم ستتحسّن قريباً .. فدعّ ربك ينتقم من الظالم بطريقته

فعاد الشاب الى بيته , لتستقبله امه بالأحضان والدموع بعد تراجعه عن قراره المتهوّر .. وبدوره أخبرها بقراره : بالعمل أجيراً في اراضي القرية لإعالة أخوته , لحين تحققّ نبوءة العجوز وعودة أرضهم من جديد 
***

وفي بلدةٍ خليجية ... وقف الناس لمشاهدة تنفيذ القصاص بقاتل , بينما استمرّ اهله بالتوسّل لأبناء القتيل للإعفاء عنه..
الا ان اولاد القتيل الأربعة رفضوا ذلك , بعد ان سألهم الشيخ عن قرارهم الأخير ..

ثم توجّه نحو الإبن الأصغر الذي انتظره القضاء سنتين لحين بلوغه ..
الشيخ : بنيّ .. أصبحت كبيراً الآن , ولك رأيك الخاص .. لهذا لا تقرّر بناءً على ضغوطات أخوتك .. فأنا اسألك انت .. هل تسامح قاتل والدك ؟

فنظر المراهق الى أخوته الكبار الذين أشاروا برؤوسهم بالنفيّ .. 
فأجاب الشيخ بارتباك : لا , أرفض مسامحته
ليعمّ الحزن الجميع , فيما عدا اهل القتيل المتحمّسون لرؤية القصاص ..

واقترب السيّاف من القاتل الجالس على الأرض , بعد ان تبلّلت عصابة عينيه بالدموع , ولسانه يكرّر الشهادة بأنفاسٍ ثقيلة مُتعبة ..

وحين رُفع السيف لتنفيذ حكم الإعدام .. همس شخص في إذن المراهق : 
- سامحه ولك جنة عرضها السموات والأرض
فصرخ المراهق بعلوّ صوته امام الجميع :
- عفوت عنه !!!!

ليتراجع السيّاف الى الوراء , ويكبّر الحاضرون مهلّلون بفرح .. 
وركض أفراد عائلة القاتل لتحضنه بعد حصوله على العفو .. 
بينما انهال اخوة المراهق عليه بالشتمائم واللعن , وهم ينعتونه بالولد العاقّ الذي خذل والده القتيل !

وتركوه وذهبوا الى بيوتهم .. بينما عاد المراهق مع صديقه , وهو يتمّتم براحة ضمير :
- أعرف يا ابي انك ستسامحني حين نلتقي في الجنة بإذن الله تعالى
***

في السماء السابعة .. إجتمعت الملائكة مع قائدهم لمناقشة المهمّات التي نفّذوها في الدنيا..
فقال أحدهم : قائدي !! لقد قمت بمهمّتي حين لقّنت فتاةً صغيرة ببعض الكلمات لإنقاذ شاب عبقريّ من الإنتحار , والذي باختراعه سينقذ ملايين المعاقين حول العالم , كما ذُكر في كتاب قدره 
ملاك آخر : اما انا .. فقد ساعدت فتاةً مسكينة رماها والدها في البئر , وأشربتها من لبن الجنة ..وهي تعيش الآن سعيدة من ابن عمها الحنون  

- وانا أنقذت صبية من قسوة والدها وزوجها , بعد ان فتحت نافذتها المغلقة وأوحيت لإبن جيرانها بالنظر ناحيتها بالمنظار , وبذلك أنقذت حياتها وجمعتها بحبيب طفولتها الذي ستُنجب منه ثلاثة أطفال
- وانا تجسّدت بهيئة عجوز لإنقاذ شابٍ متهوّر من القتل , والذي سيحّول ارض ابيه الى جنة ومزار للسوّاح بعد إكتسابه للخبرة الزراعيّة من خلال عمله لسنوات كأجير في اراضي القرية 
- اما انا , فأنقذت شخصاً من الإعدام بعد ان همست في أذن أصغر ابناء القتيل بثوابه الكبير في حال عفوه عنه .. وهو ما سيحصل عليه فعلاً لاستقامته وحسن تربيته , بعكس إخوته الحاقدين

فقال قائدهم : أحسنتم جميعاً !! فكل واحدٍ منكم أنقذ روحاً بشريّة بعد ان صدر بحقه اللطف الإلهيّ .. 
ملاك : ليت البشر تعرف بعملنا المُستترّ لحمايتهم من الحوادث ومن سوء قرارتهم المصيريّة

قائد الملائكة : سيعلمون يوماً ما , لكن ليس بحياة الدنيا .. والآن سأذهب الى مجموعةٍ أخرى من الملائكة لإعطائهم مهمّاتهم الجديدة في حماية البشر .. وانتم خذوا إجازةٍ قصيرة , الى ان يحين دوركم من جديد

وطار مبتعداً الى كتيبةٍ أخرى من جنود الله في الخفاء
*******

ملاحظة :
قصة الفتاة التي رميت بالبئر صحيحة وحصلت بالسودان , وتمّ إنقاذها بعد 40 يوماً في البئر , والبعض يقول 33 يوم .. 
اما قصة الصبية التي تزوجت قريبها الطبيب , فهي لفتاةٍ يمينية من طالبات مدرستي المتوسطة في السعودية .. 
وقصة القصاص حصلت في السعودية , وعُرضت كحلقة من مسلسل طاش ما طاش .. 
اما القصة الأولى فهي ما كتبه شاب في رسالة الإنتحار قبل قفزه من فوق الجسر , وهذا ما أحزنني وجعلني أكتب هذه القصة .. أتمنى ان تعجبكم 

وكمثال على وجود الملاك الحارس , أضع هاذين الفيديوهين الغريبين :
1- شخص مجهول ينقذ تركي من شاحنة كادت تقتله



2- ملاك ينقذ صيني من الدهس تحت عجلات شاحنة



اما هذا الفيديو : فبرأيّ ليست لأناس محظوظين , بل لأشخاص حصلوا على اللطف الإلهيّ , وفرصة ثانية بالحياة ..



فسبحان الله الذي سخّر لنا جنوداً في الخفاء لحمايتنا !  

الاثنين، 15 أبريل 2019

الشرطة الفاسدة

تأليف : امل شانوحة


من قتل صديقي ؟! 

في تلك الليلة العصيبة .. 
سأل صديقه بتعبٍ وغثيان : هل لديك كيسٌ ثاني ؟
- ماذا دهاك يا إريك ؟ هذه المرة الثالثة التي تتقيّأ فيها ؟!
- لا أشعر انني بخير يا مايكل !
- ان كنت تشعر بتوتّر من العملية , فدعني أنزلك هنا ..ثم اتصل على سيارة أجرة لتُعيدك الى المنزل 
إريك وهو يمسك معدته بألم : لا سأكون معك , لكن يبدو ان السمك.. 
وعاد للتقيّأ ثانيةً ..

مايكل : ولهذا لا أتناول الطعام قبل ذهابي للمهمّات , فالمعدة تكون متوتّرة بهكذا ظروف 
- انت تعرفني جيداً , لا أفوت عليّ وجبة مجانيّة 
- يالك من بخيل ! 
إريك : المهم لا تقلق عليّ , سأكون بخير بعد قليل 
- المشكلة انني اقتربت كثيراً من مخزن المجرمين .. لهذا سأوقف سيارتي فوق التلّة , وأنزل بمفردي اليهم 
- لا دعني أرافقك 
مايكل بحزم : بل ستبقى مكانك , وهذا أمرّ !! 

ونزل الشرطي المتخفّي مايكل للحاق بالمجرمين الذي انخرط معهم في التجارة الممنوعة منذ سنتين , بهدف القبض عليهم بالجرم المشهود بعد استلامهم لأضخم شحنة مخدرات قادمة عن طريق البرّ , بعد تجاوز شاحنتهم الحدود المكسيكية قبل ساعات , بناءً على معلوماتٍ سرّية للشرطة 

وكان المفترض ان يرافقه إريك ليحمي ظهره , لكنه تعرّض لتسمّم غذائي بالوقت الخاطىء !  

وبعد ان أخفى مايكل مسدسه جيداً , إقترب من عمّال المخزن وسألهم :
- هل وصلت الشاحنة يا رفاق ؟!!
- أخبرنا السائق بأنه على وشك الوصول .. 
***

وبعد عشر دقائق .. ظهرت من بعيد اضواء الشاحنة قادمة من الشارع المعتمّ ..
فصرخ العامل : هاهي وصلت ؟!!
فضغط مايكل على قلادته التي بداخلها ميكروفون صغير كيّ يسمع رجال الشرطة (المتواجدون داخل شاحنتين متوقفتين خلف الجبل القريب من المخزن) لكل ما يحصل .. والقبض على العمّال فور إنتهائهم من تفريغ الشاحنة من بضاعتها المشبوهة ..  

لكن حصل شيءٌ لم يكن بالحسبان ! حين وصلت سيارة حارس رئيس العصابة , ونزل منها وهو يحمل رشّاشاً وجّهه على العمّال , وهو يصرخ غاضباً : 
- من منكم يا ملاعيين تجرّأ على خيانتنا ؟!! هيا تكلّموا والا أطلقت النار عليكم جميعاً !!! 

ورغم ارتباك مايكل ! الا انه استجمع قواه ليسأله :
- ماذا حصل ؟!
فقال الحارس بعصبية : عدّ مكانك يا مايكل !! فأنت ايضاً مشتبه به 
مايكل بإصرار : فقط إخبرنا مالمشكلة ؟
فأجاب : وصلنا خبر بأن هناك تحرّي مُتخفّي بيننا , وسيبلّغ الشرطة عن هذه الحمولة  
***

في هذه الأثناء , وداخل إحدى شاحنتيّ المراقبة .. قال الملازم (المشرف على دوريّة الشرطة) بقلق :
- اللعنة !! لقد انكشفت العملية .. لنُسرع بإنقاذ الضابطين مايكل وإريك 
***

وماهي الا لحظات .. حتى اشتبكت الفرقتان بوابلٍ من الرصاص المتبادل .. واستطاع مايكل الهروب بصعوبة من وسط المعركة , متوجهاً نحو سيارته ..

لكن قبل وصوله للشارع , أحسّ بفوهة الرشّاش تلتصق بظهره ! وصوت حارس رئيس العصابة يقول من الخلف :
- طالما يا جبان هربت دون ان تحارب معنا , فهذا يعني انك انت الخائن الحقير !!

وكانت التلّة مظلمة لا ينيرها سوى ضوء بعيد قادم من إنارة الشارع , فرفع مايكل يداه مستسلماً وهو يقول : 
- دعنا نتفاهم اولاً 

وفجأة ! قفز صديقه إريك على الحارس , وبدءا يتعاركان بعنف على الأرض ..فأسرع مايكل بإخراج مسدسه المخفي , وأطلق النار على رأس الحارس , مُتزامناً مع طلقةٍ ثانية أصابت خاصرة إريك الذي سقط متألماً امام جثة الحارس , وهو يقول لمايكل معاتباً:
- أأطلقت النار عليّ ؟!
مايكل بفزع : لا ! أطلقت على الحارس فقط , أحلف لك !!
إريك بألم : ربما اللعين أصابني قبل مقتله .. هيا خذني الى المستشفى , فالوجع لا يطاق !! 

ثم اتكأ على مايكل الذي وضعه في السيارة ..وانطلق مسرعاً نحو الطوارىء , بعد ان أخبر قائده بإصابة صديقه بالعملية ..
***  

في السيارة .. كان إريك يضغط بالمناديل على الدماء التي تدفّق بغزارة من خاصرته , وهو يأنّ من الألم .. وحين بدأ يشعر بالدوار , صار يوصيه بزوجته وأبنيه .. بينما حاول مايكل تشجيعه على التحمّل وهو يقود بأسرع ما يمكنه لإيصاله الى المستشفى , مُخفياً قلقه الشديد من خسارة صديقه الذي شحب وجهه , وأمال برأسه على النافذة بعد فقده للوعيّ ! 

ورغم ان جسمه كان رخواً وهو يضعه فوق سرير الطوارىء , الا ان مايكل لم يستوعب موته قبل إعلان الطبيب ذلك ! ليشعر بعدها بمرارة فقدانه زميل الدراسة في كلية الشرطة , والذي رافقه في العديد من العمليات السرّية الخطرة .. والأسوأ حين اضطر لإخبار الزوجة بوفاة إريك مقتولاً..
*** 

بعد ساعة .. كان جاك اول الواصلين من أفراد الشرطة الى المستشفى , فهو صديق مايكل وإريك , فالثلاثة من الدفعة ذاتها .. وقد أحزنه كثيراً ما حصل .. وهو من اعاد مايكل الى بيته , لينهار باكياً فوق سريره وهو يستحضر الذكريات , الى ان نام من شدة التعب والحزن مع تباشير الصباح
***

وفي منامه , شاهد كابوساً أفزعه .. حيث رأى إريك يقول :
- إبحث عن قاتلي يا مايكل , وعاقبه بشدّة !! 
واستيقظ مايكل وهو يتصبّب عرقاً , وقد انشغل باله بالمنام الغريب ! فإريك يعلم بأن الحارس هو من أصابه , فلما طلب البحث عن قاتله ؟! وهل هناك شيءٌ غامض بالموضوع ؟
***

في ظهر اليوم التالي .. ظهر تقرير التشريح الجنائي : بأن وفاة إريك كان بسبب رصاصة اخترقت كبده , وتسبّبت بنزيفٍ حادّ أدّت لوفاته 

وفور صدور تقرير المختبر , أمر مدير الشرطة بدفنه عصراً في مراسم تأبين , حضره رجال الشرطة وعائلة الميت .. 
وبعد دفن إريك , سلمّوا زوجته العلم الأمريكي ونيشان الشجاعة , وأطلقوا عيارات ناريّة بالهواء توديعاً للشهيد البطل .. 
***

في المساء ..زار جاك صديقه مايكل الذي لزم بيته بعد انتهاء الجنازة ..
وفي الصالة , سأله بقلق :
- مابك يا مايكل ؟ لما لا تردّ على جوّالك ؟
فأجابه بجزن : دعني بهمّي يا جاك
- أعرف انك حزينٌ على إريك , وجميعنا كذلك
- هو أنقذ حياتي .. (ثم تنهّد بندم) .. كان عليّ إعادته الى بيته بعد ان ساءت حالته الصحيّة
- ماذا تقصد ؟!
مايكل : كان يعاني من تسممّ غذائي , لهذا بقيّ في السيارة .. ورغم تعبه الشديد الا انه أنقذني من الحارس , ليموت برشّاشه اللعين !!  
جاك باستغراب : أقلت رشّاش ؟! مع انه بالعادة لا ينطلق منه رصاصةٍ واحدة 
- معك حق ! لكن يبدو انني قتلت الحارس بعد طلقته الأولى 

جاك : ماذا عسانا ان نقول , هذا قدره .. أعان الله زوجته وطفليه الصغيرين ..(ثم تلفّت حوله) .. وانت ايضاً عليك الإنتباه على نفسك , فبيتك أقرب الى زريبة !
- سأتصل بالخادمة لتنظّفه حين أتفرّغ لذلك
- أخبرتني ذات الجملة الشهر الفائت .. يارجل اهتم بنفسك قليلاً .. ولوّ كنت متزوجاً لكانت اهتمّت.. 
مايكل مقاطعاً بيأس : لكانت ترمّلت كما حصل مع زوجة إريك .. لا يا صديقي , انا لن اتزوج ابداً 
جاك : أرى ان اعصابك مازالت متعبة , لهذا سأتركك ترتاح قليلاً .. والمدير أعطاك إجازةٍ مفتوحة لما عانيته في مهمّتك الأخيرة .. فحاول ان تنام قليلاً , وسألقاك لاحقاً

وبعد ذهابه .. ترامى مايكل بجسده المرهق فوق اكوام الملابس المرمية على سريره , لينام على الفور..
***

وفي المنام : شاهد إريك يقول له وهو يضع يده على خاصرته المثقوبة : 
- خذّ بثأري يا مايكل , فتلك الرصاصة لم تقتلني 

واستيقظ مايكل مرتعباً في منتصف الليل ! 
وعلى الفور فتح حاسوبه وبحث بصور جوجل عن تشريح الإنسان 
وما ان شاهد الصورة , حتى قال بارتياب :
- كيف لم ينتبه احد على الموضوع ؟! الكبد اسفل الرئة , وإريك أُصيب في خاصرته اليسرى .. فلما كذب علينا الطبيب الشرعيّ ؟ أم هو من ضمن شبكة الشرطة الفاسدين الذي أخبرني عنها المحقق العجوز آدم , قبل وفاته بحادثٍ غامض السنة الفائتة ؟! ... الهذا استجعل في إصدار تقرير التشريح ؟ .. ولماذا قرّرت الإدارة دفنه بسرعة ؟! ومالذي ارادوا إخفاءه ؟! .. (ثم فكّر قليلاً) .. يبدو ان روح إريك تحاول إخباري شيئاً , فهل كان القاتل شخصاً آخر ؟!... هيا يا مايكل تذكّر جيداً ما حصل تلك الليلة 

وأغلق عيناه وبدأ يحدّث نفسه بصوتٍ مسموع , وهو يتذكّر التفاصيل :
- اولاً حدث الإشتباك .. ثم صعدّت التلّة .. وقبل وصولي للشارع , أحسست برشّاش الحارس يلامس ظهري .. ثم رأيت إريك يقفز عليه .. واثناء تعاركهما , أخرجت مسدسي الذي ألصقته تحت قميصي ..وأطلقت النار على رأس الحارس الذي كان أسفل جسم إريك .. وأجزم انني قتلته على الفور .. وقد حدث ذلك بعد سماعي لصوت رصاصةٍ أخرى .. آه يا الهي ! تذكّرت الآن .. الطلقة التي اصابت إريك مرّت بجانبي ! يعني أطلقها شخص يقف بعيداً عنا .. فهل كان أحد عمّال المخزن ؟ ام شرطيٌ أحمق أخطأ التصويب ؟... وهناك امرٌ ثاني يحيّرني .. فإصابة إريك كانت جانبية , ولم تكن بهذه الخطورة لتقتله ! فهل مات لأن جسمه كان ضعيفاً بسب التسمّم ؟.. (ثم فكّر قليلاً).. لحظة ! ذلك الطعام وصل مكتبنا قبل ساعة من خروجنا للعملية .. وإريك الوحيد الذي أكل منه .. فهل كان السمك مسموماً بالفعل , ام كانت لديه مشكلة صحيّة ؟ 

وعلى الفور اتصل بزوجة إريك ليسألها ان كان عانى زوجها من حساسية الأسماك .. ورغم استغرابها من سؤاله في مثل هذا الوقت المتأخر ! الا انها أخبرته بأنه يعشق السمك بأنواعه .. فودّعها بعد ان قدّم لها التعازي من جديد .. 

وفكّر مايكل طويلاً قبل ان يتخذ قراراً متهوّراً بإخراج جثة إريك من قبره لإعاده تشريحه , لكن ليس عند الطبيب الشرعيّ المتعاقد مع الشرطة لخوفه من تورّطه بالموضوع .. بل أخذه الى طبيبٍ آخر كان صديق طفولته ..وهو طبيب بيطريّ يعيش في منزلٍ بعيد عن المجمّع السكني 
***

قبيل الفجر .. استيقظ الطبيب على طرقات الباب .. وحين فتحه , وجد مايكل يحمل جثة في كيس اسود بلاستيكي
- مايكل , ماذا معك ؟!
- هل عيادتك مازالت في المنزل ؟
الطبيب بعصبية :  نعم لكني لا ادخل جثث بشريّة الى بيتي ! أتريد ان تقتلني زوجتي ؟
- اذاً افتح عيادتك , فالجثة ثقيلة يا رجل
- تعال معي , ومن دون ان تصدر صوتاً ..

وأخذه الى الكراج الذي فيه عيادته البيطرية الصغيرة .. ووضعا الجثة على السرير القصير , حيث تدلّت قدما إريك خارجه 
الطبيب بقلق بعد ان رأى أثر الرصاصة : هل انت من قتلته ؟
مايكل : لا طبعاً , هذا صديقي إريك .. وقُتل اثناء عمليةٍ سرّية 
- وما كل هذا التراب , هل نبشت قبره ؟!
مايكل : نعم , القصة طويلة .. والتقرير الشرعي يقول : إنه مات بسبب رصاصة أصابت كبده
وحين فحص الطبيب مكان الجرح , قال باستغراب :
- لا طبعاً ! الرصاصة جانبية وغير قاتلة , حتى انها لم تصب كليته
- وهذا ما توقعته ايضاً 
ثم أخبره عن الطعام المسموم ..

فبدأ الطبيب بتشريحه , وما ان رأى المعدة حتى سأله : 
- هل دفنتموه على الفور ؟!
مايكل : نعم , هو قتل البارحة ..كيف عرفت ؟
- لأن عصارة معدته مازالت موجودة ! يبدو ان طبيبكم الشرعيّ غير كفؤ بعمله , فمن مهمّاته الأساسية : تحليل ما بداخل المعدة , حتى لوّ مات الشخص مقتولاً 
مايكل : ولهذا أحضرته اليك , فهناك إشاعة عن وجود شبكة فاسدة داخل مركز الشرطة التي أعمل فيها
الطبيب : حسناً سأحلّل العصارة , وأعطيك النتائج بأسرع وقتٍ ممكن 
***

قبيل الفجر .. قاد مايكل سيارته بسرعة , لإعادة جثة إريك الى المقبرة 
وحين حمله متوجهاً الى غرفة حفّار القبور , تفاجأ بضربةٍ قوية على رأسه من الخلف ! أسقطته مع الجثة على الأرض بعد ان فقد وعيه !
***  

حين استيقظ ..وجد نفسه في البرّية , امام جثة إريك التي بدأت تتحلّل مع أشعة الشمس الحارقة ..
وحين عدّل جلسته , تفاجاً بجاك يخرج من سيارته .. فسأله وهو يشعر بألمٍ في رأسه :
- جاك ! اين نحن ..
وحين رآه يلبس قفازه الجلديّ , سأله بقلق وعصبية : 
- أتريد قتلي يا جاك ؟! هل انت الشرطي الفاسد ؟ أأنت من قتلت صديقنا إريك ؟ .. هيا أجبني !!
وهنا أخرج جاك مسدسه وهو يقول :
- حسناً يا مايكل سأخبرك بالمعلومات التي لا تعرفها وباختصارٍ شديد , لأنك بعد اليوم ستصبح متوّرطاً معنا

((وأخبره انهم لم يستطيعوا ضمّه هو وإريك الى مجموعتهم الفاسدة لأنهم مدعوميّن من الإدارة العليا والتي أخفت عنهم العملية السرّية التي لم تنكشف الا قبل يومين من تلك الليلة , لهذا اتفقوا على التخلّص منهما لإرضاء العصابة التي تدفع لهم مكافئاتٍ شهرية .. وبسبب ما قاله مايكل في جنازة إريك , فقد وصلت شكوكه الى الأدارة العليا التي طالبت بإعادة تشريح الجثة .. لذلك يريده ان يطلق رصاصة من سلاحه على كبد إريك ليتوافق مع تقرير طبيبهم الفاسد .. فلجنة التحقيق بالنهاية لن تشكّك بكلام الطبيب العجوز , كما ليس لديهم خبرة بالأمور الطبّية .. لذلك يكفي لإقناعهم بأن مايكل هو من قتل إريك بالخطأ تلك الليلة , بأن يروا بقايا رصاصته المُستخرجة من الجثة))

وحين انتهى , قال مايكل : 
- يبدو ان رئيسكم الفاسد يريد إنقاذ الشخص المجهول الذي أصاب خاصرة إريك ؟ فمن هو يا جاك ؟
فأجاب بلا مبالاة : لا أعرفه , ولا يهمّني أمره 
مايكل باستغراب : مازلت لا أصدّق ما سمعته منك ! فأين ذهب ضميرك يا جاك ؟
- ذهب مع الديون يا صديقي , فأنت ليس لديك عائلة تُجبرك على دفع مصاريفها التي لا تنتهي ابداً !! 
ثم وضع مسدسه في رأس مايكل وهو يقول :
- هيا إخرج سلاحك واطلق رصاصة واحدة على كبد الجثة .. ودعنا نعود الى بيوتنا , فأنا اراقبك منذ البارحة وأشعر بتعبٍ شديد 

وهنا سمعا صوت سيارة تقترب منهما , فاستغلّ مايكل ارتباك جاك للقفز عليه وسحب سلاحه الذي انطلقت منه رصاصةٌ طائشة , قبل ان يضربه مايكل بقبضة مسدسه على رأسه , أفقدته الوعيّ ... 

وهنا وصلت السيارة قربهما : وكان فيها صبية مع جدتها العجوز اللتان قدمتا للبرّية في نزهة .. وحين رأت الصبية ما حصل امامها , تراجعت للخلف مُسرعةً في الهرب ! 

لكن مايكل أجبرها على الوقوف بعد ان لاحظ إصابة الرصاصة الطائشة لعجلة سيارة جاك .. ممّا اضّطره لحمل الجثة والركوب في الخلف , شاهراً سلاحه في وجه الصبية لإكمال طريقها نحو المقابر .. 

فنفّذت اوامره وهي ترتجف خوفاً , بينما كانت الجدة سعيدة بما يحصل وكأنها تشاهد فيلم آكشن ! 
***

في الطريق الى هناك .. إتصل مايكل بالطبيب البيطريّ وأخبره بما حصل , وبدوره أكّد له موت إريك مسموماً بعد ظهور نتائج التحاليل ..

فأسرع بالإتصال بخادم المركز : ليُخبره بأن الطعام وصل الى مكتب المدير اولاً , قبل ان يطلب منه إرساله الى مكتبه هو وإريك .. فعرف مايكل ان مديره متورّطٌ بالأمر .. 

ثم اتصل بصديقٍ آخر يعمل في المختبر الشرعيّ التابع للشرطة , وطلب منه ارسال الرقم التسلّسلي للرصاصة التي أخرجوها من خاصرة إريك , لمعرفة القاتل الذي اخطأ بالتصويب تلك الليلة .. وبدوره وعده بإرسالها له في أقرب وقتٍ ممكن ..

وبعد انهائه للمكالمات الثلاثة المهمّة , قالت له العجوز بابتسامةٍ عريضة (بعد ان ادارت وجهها له من المقعد الأمامي) : 
- تمثيلك رائع ايها الشاب ! حتى رائحة اللعبة التي تحملها تبدو حقيقية مع ان المُشاهد لن يشمّها , لكني أحب الإتقان بالعمل 
فقالت له الصبية : آسفة يا سيد , لكن جدتي تعشق الأفلام البوليسية 
الجدة بحماس : نعم !! وأعرف حلّ جميع الألغاز , جرّبني ان أردّت 

وربما فقدان مايكل للثقة بمن حوله , هو ما جعله يفضّفض للعجوز ويخبرها بتفاصيل مُبسّطة عن مقتل صديقه الغامض ! 
من بعدها , فاجأته العجوز بسؤالها : 
- وهل لدى مديركم أقارب يعملون في سلك الشرطة ؟
مايكل بدهشة : نعم ! ابنه الوحيد تخرّج من الكلّية قبل سنتين , كيف عرفتي؟!

العجوز : لأنه على حسب خبرتي بهذه الأفلام , فالشرطي لا يصبح فاسداً الا لغرضين : امّا طمعه بمكافأةٍ مالية من المجرمين , او لحماية افراد عائلته .. فهل كان ابنه معكم في العملية السرّية ؟
مايكل : بالحقيقة هو عمل معنا لسنة وبضعة أشهر , قبل ان ينتقل للعمل في مركز شرطة البلدة المجاورة 
العجوز : الا يستطيع السفر اليكم ؟ 
مايكل : هذا ما سأعرفه قريباً .. شكراً لك 
وهنا قالت الصبية لمايكل :
- هآقد وصلنا للمقابر 

وقبل نزوله من السيارة , أصرّت العجوز ان يسجّل رقمها كيّ تساعده بحلّ ألغازٍ أخرى .. وبعد ان نفّذ طلبها , نزل وهو يحمل جثة إريك لإعادة دفنه في المقبرة .. وذلك بعد ان طلب منهما كتمان ما سمعاه من معلوماتٍ مهمّة , لسلامتهما الشخصية  
***

وبسبب خوف مايكل من انتقام جاك بعد ان كشف تورّطه مع الشبكة الفاسدة , ترك منزله ونزل في فندق لحلّ اللغز ..

وبعد ايام واسابيع من البحث المتواصل مع اصدقائه القلائل الموثوق بهم .. وصله أخيراً الرقم التسلّسلي للرصاصة التي جرحت إريك .. وبعد مقارنتها بالملف الوظيفي التابع لمركز شرطة المدينة المجاورة التي يعمل بها ابن المدير , تأكّد بأنها خرجت من مسدسه.. (تماماً كما توقعت العجوز!) 
ثم قام بالإتصال بالمطار الذين أكّدوا له وصول الأبن الى البلدة قبل يومٍ واحد من تلك العملية ! 

فبدأ مايكل يفكّر في نفسه : 
((هل يا ترى أرسله والده للتخلّص مني , بعد معرفته بأنني لم اتناول الطعام المسموم كإريك ؟ ام ان والده لا يعلم اصلاً بذهابه لمهمّتي السرّية؟.. وكيف يمكنني ان أعرف الإجابة ؟))

وبعد تفكيرٍ عميق .. تذكّر سكرتيرة المدير التي فسخت خطوبتها بإبنه قبل فترةٍ وجيزة .. فاتصل معها , واتفق على لقائها في المطعم  
***

وفي صباح اليوم التالي بالمطعم.. سألها عن حبيبها القديم ادوارد , فبدأت تشتمه وتنعته بالمغرور كوالده ..
مايكل : اريدك ان تجيبيني بصدق , هل ارسله والده للحاق بي وبإريك في  تلك المهمة ؟
فإجابته : في ذلك اليوم , عدّت مساءً الى المركز بعد ان نسيت مفاتيح بيتي في درج مكتبي .. وحينها سمعت صراخ ادوارد الغاضب وهو يتحدّث مع والده في مكتبه .. وقد فاجأني قدومه الى البلد ! لأنه أخبرني باتصاله الأخير الذي فسخ فيه علاقتنا : بأنه لن يعود للعمل مع والده المتسلّط ! 

مايكل باهتمام : وهل تذكرين ما قاله لوالده تلك الليلة ؟ 
- كان مغتاظاً جداً لأنه لم يدرج اسمه ضمن الدورية التي ستقبض على المجرمين بالجرم المشهود .. فأجابه : بأنه متخرّج جديد وليس لديه الخبرة الكافية لهكذا عمليات معقدة
- وماذا حصل بعدها ؟
السكرتيرة : سمعت ادوارد يقول له : بأنه سيثبت خطأه .. وخرج غاضباً من الغرفة , حتى انه لم يلقي السلام عليّ رغم صداقتنا التي دامت شهورٌ طويلة .. ياله من لعينٍ مغرور !!
- شكراً لك , فما قلته وضّح لي الصورة أخيراً 
*** 

ثم ذهب عند صديقه البيطريّ , وأخبره بكل المعلومات التي حصل عليها في الأيام السابقة .. فقال له الطبيب : 
- اذاً مديرك المرتشي اراد تسميمك انت وإريك بطلب من تجّار المخدرات , لكنك لم تأكل ذلك الطعام وأكله إريك .. وفي نفس الوقت , توجّه ابنه الى مكان العملية لإثبات جدارته لوالده , لكنه اصاب خاصرة إريك بالخطأ بدلاً من حارس العصابة .. 
- هذا صحيح
- لوّ كنت مكانك لذهبت وتحدّثت مع ادوارد , فربما يكون منهاراً لإعتقاده بإنه قتل شرطياً , وفي أول عملية ميدانية يشارك فيها  

مايكل : وكأنك تقرأ افكاري , فأنا مسافرٌ اليه بعد قليل .. وأظنه سيعترف على والده الذي لطالما أهانه امامنا .. وحتماً سيلومه ان عرف بإخفائه المعلومات الحقيقية عن موت إريك .. وبذلك احصل على اعترافٍ يُثبت تورّط مديري مع تجّار المخدرات ..(ثم نظر الى ساعته).. أوه ! لقد تأخرت على المطار .. الوداع يا صديقي
*** 

وفي المدينة المجاورة .. وما ان فتح ادوارد بابه , ورأى نظرات مايكل الغاضبة , حتى اعترف قائلاً :
- صدّقني !! لم أقصد قتل صديقك , لكني لم أرى جيداً بالظلام 
مايكل : دعني أدخل بيتك اولاً ..

وبعد ان جلسا بالصالة , أخبره مايكل بالتفاصيل التي يجهلها.. 
فقال ادوارد غاضباً :
- ماذا ! أجعلني ابي أعاني كل الأيام الماضية بتأنيب الضمير , وهو من أجبر الطبيب الشرعيّ على تزوير تقريره ؟!.. ما هذا الوالد القاسي ؟!
مايكل : ربما فعل ذلك ليجعلك تحت سلطته 
فقال بحزن : حين رجعت اليه تلك الليلة منهاراً , أخبرني إنه لن يفضحني ان عدّت للعمل تحت ادارته .. لكني رفضت وسافرت الى هنا لأعيش في بيت امي المرحومة , بعد ان تركت الشرطة نهائياً.. وقرّرت إكمال دراستي بالجامعة باختصاص المحاسبة الذي أحبه , والذي أجبرني والدي على التخلّي عنه لدخول كلية الشرطة ! 
- الم يغضبه قرار استقالتك ؟

ادوارد : بلى , لكن لم يعد يهمّني شيء بعد مقتل إريك .. (ثم تنهّد بضيق) .. يا الهي ! لا أصدّق انه فعل بي ذلك .. كان تأنيب الضمير لا يطاق , وبُتّ ليالي أبكي بمرارة كلما تذكّرت صراخ إريك وهو يتلوّى من الألم !
مايكل : اهدأ قليلاً , واخبرني عن تورّط والدك مع العصابة ؟
ادوارد بغضب : بعد الذي فعله بي , سأعترف عليه بكل شيء !!

((وأخبره بأن والده مدمن قمار , وديونه الكثيرة جعلته يتعاقد مع المجرمين لتمرير بضاعتهم من الحدود , مقابل مبلغ من المال يوزّع عليه وعلى شبكة من الشرطة الفاسدين تحت أمرته : ومنهم حرس الحدود والطبيب الشرعيّ))

ثم فاجأه ادوارد بإعطائه شريطاً سجّله لوالده أثناء سكره دون علمه , وفيه اسماء كل الشرطة الفاسدة المتورّطة معه !  
ادوارد بقهر : كنت احتفظ بالشريط للانتقام منه على تربيته القاسية , ولما فعله بأمي المسكينة التي ماتت من سوء المعاملة.. لهذا أطلب منك الإسراع بالقبض عليه وعلى فرقته الفاسدة , فالمكان المناسب لهكذا إنسان هو خلف القضبان

مايكل : أظن بعد شريطك هذا , سترقد روح إريك بسلام 
ادوارد بقلق : وهل سأُسجن معهم ايضاً ؟
- لا ..فكما أخبرتك , رصاصتك كانت جانبية .. وتعاونك معنا يشفع لك .. وأعدك ان آخذ الدليل مباشرةً الى الأدارة العليا .. واريدك ان تتجهّز , لربما طلبك القضاء للإدلاء بشهادتك 
- وانا طوّع أمركم 
***

لكن ما لا يعرفه ادوارد : إن والده كان يضع كاميرا مراقبة في بيت زوجته القديمة , لشكّه الدائم بإخلاصها له ! وبذلك سمع كل الحوار الذي دار بينهما .. فأخبر افراد شبكته الفاسدة للهروب فوراً من البلاد , قبل بدء التحقيقات ضدّهم .. اما هو , فقد سافر في نفس الليلة الى ابنه الذي ارتعب حين شاهده يوجّه مسدسه نحوه ..وهو يقول غاضباً :
- أتعترف على والدك ايها العاقّ ؟!!
ادوارد بخوف : ابي ! اهدأ ودعنا نتفاهم

لكنه اطلق عليه ثلاث رصاصات دون ان يُرفّ جفنه ! ثم أسرع الى سيارته قبل استيقاظ الجيران , مُنطلقاً نحو طائرته الخاصة المتوجهة الى اصدقائه المجرمين في المكسيك..
***

ومن بعدها , ضجّت الصحافة بخبر هروبه بعد إنكشاف افراد شبكته الفاسدة التي عُرضت صورهم واسمائهم على نشرات الأخبار , مما ساهم في القبض عليهم رغم هروبهم الى عدة ولايات امريكية .. 
***

والأغرب ما حصل له بعد شهر.. حين ارسل احدهم للصحافة : صورة مدير الشرطة ميتاً بعد التعذيب .. مع رسالةٍ قصيرة تقول : إنحرقت ورقة هذا الطمّاع , فتخلّصنا منه بطريقتنا 
***

وبعدها بأيام , عصراً .. عاد مايكل الى بيته مع شهادة تقدير حصل عليها من ادارة الشرطة النظيفة الجديدة التي كرّمته على مجهوداته في كشف شبكة الشرطة الفاسدة .. 

وقد حاول تمضية وقته بمشاهدة التلفاز واللعب على حاسوبه , لكنه شعر بحاجة للتكلّم مع المرأة العجوز التي كانت السبب في إمساكه لطرف الخيط .. ففتّش عن رقمها في جواله واتصل بها , وأخبرها بموجز ما حصل في القضية .. وبدورها عزمته على بيتها للإحتفال معاً بهذا النصر.. ليتقابل هناك مع حفيدتها التي أبهرته بجمالها بعد عودتها من عرس صديقتها ! والتي تفاجأت بوجوده في منزل جدتها (التي تعيش عندها منذ صغرها بعد وفاة والديها)..
- أهذا انت ؟!

مايكل بدهشة : تبدين مختلفة عن المرة الفائتة !
- كنت حينها شاحبة بعد اقتحامك سيارتي وانت تحمل جثة صديقك !
مايكل : آسف على إخافتك .. لكن القدر جمعني بكما ذلك اليوم , لتقوم جدتك بحلّ لغز القضية !
الحفيدة : لا استغرب ذلك , فهي ماهرة بهذه الأمور  
الجدة بحماس : وان صادفتك جرائم معقدة أخرى , فلا تتوانى عن إخباري بها 
مايكل مبتسماً : سأفعل يا خالتي .. هذا ان التقينا مجدداً
الجدة بفرح : بالتأكيد سنلتقي لأنك ستعيش معنا

حفيدتها معاتبة باستغراب : جدتي !
الجدة : الم تقل انك لست متزوجاً ؟ ومن سابع المستحيلات ان تجد أجمل من حفيديتي جوزفين
حفيدتها بارتباك : جدتي اهدأي , فأنا لا أعرفه جيداً
فوقف مايكل ومدّ يده مصافحاً جوزفين , قائلاً : 
- اذاً دعيني أعرّفك بنفسي .. الضابط مايكل , شاب أعزب وعمري..
جوزفين مقاطعة بعد ان سحبت يدها منه : 
- لحظة لحظة ! الم توجّه سلاحك في وجهنا قبل مدة ؟
الجدة معاتبة : أسكتي يا بنت !! ولا تضيعي العريس الجميل من يديكِ 

فضحك مايكل , بينما شعرت جوزفين بإرتباكٍ وخجل .. 
ثم أكملوا سهرتهم وهو مستمتعٌ بجوّ العائلة الدافىء , وبحماس العجوز وهي تخبره عن أعقد القضايا البوليسية التي شاهدتها بالتلفاز , والتي استطاعت حلّها قبل نهاية الحلقة .. 

وكانت هذه بداية لعدة زيارات متبادلة أدّت لخطوبة مايكل وجوزفين , والتي تكلّلت بعد شهور بالزواج .. ومن ثم انتقل الى بيت الجدة بعد إصرارها على ذلك , ليعيش معهما أجمل سنوات حياته 

التخاطر الروحيّ

تأليف : امل شانوحة الإتصال عن بعد ! في أواخر القرن 19م .. حاول فريدرك إقناع استاذه بدراسةٍ يُجريها عن إمكانية إنتقال الأفكار ، ومعرف...