الاثنين، 21 يناير 2019

المصعد المسكون !

تأليف : امل شانوحة

الطابق المهجور

صعدت الطبيبة الجديدة جوليان (ذات الشعر الأحمر) الى الطابق الخامس في المستشفى للكشف على طفلٍ وُلد حديثاً ..الا ان المصعد علِق عند الطابق الثالث الذي تمّ إقفاله من قِبل الإدارة بعد إنتشار إشاعة عن روح مريضٍ بدين إحترق حتى الموت اثناء تخديره في غرفة العمليات عند إجرائه عملية تصغير معدة , إِثر إنفجار أنبوبة أكسجين في الغرفة المجاورة ممّا أدّى الى هروب الأطباء وتركه عاجزاً عن الحركة في مواجهة مصيره المشؤوم .. حيث وقفوا عاجزين عن مساعدته , وهم يستمعون الى صرخاته المؤلمة التي استمرت قرابة ساعة !

وبعد شهرين من ترميم الطابق .. بدأ المرضى والأطباء وحتى الزوّار يشعرون بروحهِ الغاضبة تجول في أرّوقة الطابق الثالث محاولةً إفزاعهم , ممّا أرغم الإدارة على إقفاله .. حتى ان السلالم المُوصلة اليه تمّ إقفال أبوابها بالسلاسل من الخارج , ليعمّ الغموض والظلام عنابر الطابق طوال السنوات الماضية

وهذا ما جعل الطبيبة جوليان تشعر بالخوف بعد توقف مصعدها هناك , فهي سمعت بالإشاعة في أول اسبوعٍ لها بالمستشفى .. وازداد رعبها بعد إنفتاح باب المصعد امام ممرّه الطويل المظلم ..
ومن شدّة خوفها إنعقد لسانها فلم تستطع الصراخ , واكتفت بالضغط المتواصل بهستيريا على الأزرار لإعادة تشغيله.. 

في هذه الأثناء ..شعرت بخطواتٍ مُتثاقلة تمشي في العنبر المواجه لها.. ثم أحسّت بنفحةِ ريحٍ باردة تحوم حولها , وكأن شيئاً غامضاً إقتحم مصعدها !
ثم سمعت صوت رجلٍ مبحوح يهمس مباشرةً في أذنها , قائلاً :
- اهلاً ماغي

وبهذه اللحظة .. رنّ جهازها (الذي على خاصرتها) يستعجلونها لفحص ذلك الطفل ..ويبدو ان صوت الرنين أرعبت الروح التي خرجت سريعاً من المصعد , ليعاود صعوده الى فوق !

وما ان انفتح باب المصعد على الطابق الخامس , حتى خرجت منه الطبيبة مسرعةً , لترتمي بين أحضان ممرّضة تمرّ من هناك , وجسمها يرتجف بقوة !

وماهي الا ساعاتٍ قليلة حتى انتشرت الحادثة بين الأطباء والإدارين الذين طالبوا موظفيهم بعدم إخبار المرضى بما حصل , حفاظاً على سمعة المستشفى .. مع إدراكهم بأن الأمر بات خطيراً!
***

الأسوء هو ما حصل لاحقاً .. حيث تعرّضت جوليان لسلسلة من الكوابيس حرمتها من النوم لأيامٍ عديدة , وكانت تشاهد دائماً : ((رجلٌ بدين يحترق وهو يلاحقها على طول العنبر المظلم لذلك الطابق , منادياً إيّاها بإسم ماغي !))
***

في عطلة الإسبوع ..ذهبت جوليان لزيارة أهلها .. وما ان فتحت امها الباب حتى إتسعت عيناها وقد لاح فيهما الهلع والفزع , صارخةً :
- جوليان ! نار !!!!

وصارت تضربها بكِلتا يديها وكأنها تحاول إطفاء شيءٍ علِق في ملابس ابنتها التي أوقفتها باستغراب :
- امي ما بكِ ؟! انا بخير , الا ترين ؟
ولم تهدأ الأم الا بعد تفحّص ملابس ابنتها من الأمام والخلف , ثم قالت وهي تنهج بإنفاسٍ متقطّعة :
- أحلف انني رأيتك تحترقين امامي !

ورغم ان ما قالته امها يُشابه إحدى كوابيسها , لكنها اصطنعت الإبتسامة مخفيةً خوفها , وقالت مُمازحة :
- هل مازال والدي يصرّ عليك لمشاهدة أفلام الرعب معه ؟ انا بخير , فهل ستدخليني المنزل ام أبقى عند الباب ؟
- آسفة يا ابنتي , فما رأيته أربكني فعلاً.. هيا ادخلي , فوالدك بانتظارك

وفي المساء ..عادت جوليان الى شقتها القريبة من المستشفى , وهي مازالت مرتعبة ممّا رأته امها !
***

ومرّ الشهر الثاني بسلام بعد امتناع جوليان عن إستخدام مصاعد المستشفى , رغم محاولة اصدقائها إقناعها بأن ما حصل معها لن يتكرّر ثانيةً بعد ان قام الكهربائي بإلغاء الطابق الثالث من الذاكرة الإلكترونيّة بكافة أجهزة المصاعد , لكنها مع هذا ظلّت تستخدم الأدراج .. فهي المسؤولة عن علاج الأطفال في الطابق الأخير (5) , لكنهم احياناً يستدعونها للطابق الأرضي حين وصول نساءٌ حوامل على وشك ولادةٍ مستعجلة ..ورغم ان إستخدام الأدراج أمرٌ صحيّ , الا انه أتعبها كثيراً
***

وفي إحدى الأيام .. أصرّت أم على أخذ صورة سيلفي معها قبل خروجها من المستشفى , بعد ان أنقذتها جوليان من ولادةٍ متعسّرة ..وارسلت لها نسخة على جوالها
***

وعصراً .. ذهبت الطبيبة جوليان الى غرفة استراحة الأطباء في المستشفى ..وهناك أرادت مشاهدة الصورة .. وحينها سقط الجوّال من يدها , بعد ان رأت شيئاً أفزعها !  
فاقتربت منها زميلتها ورفعت الجوّال ..وحين رأت الصورة , سألتها :
- من هذا الرجل البدين الذي يقف خلفكما ؟
جوليان بقلق : هذا هو المخيف بالأمر , فلم يكن هناك سوانا بالغرفة ..حتى ان زوجها لم يكن وصل بعد ! فمن أين ظهر لنا هذا فجأة ؟!
زميلتها : وكأن شكله ليس غريباً عليّ !

وهنا دخل طبيبٌ عجوز الغرفة .. فأخذت صديقتها الجوال لتُريه الصورة وهي تسأله : 
- دكتور اريك .. انت أقدم طبيبٌ هنا , فهل تعرف هذا الشخص ؟

وما ان رآه , حتى تراجع خطوتين للخلف برعب ! 
وأسرع ناحية خزانة الأرشيف المتواجدة بالغرفة , وأخذ يبحث بين ملفّاتها , مُتجاهلاً اسئلة الطبيبتين
وبعد ان أخرج ملفاً معيناً , فتحه على صورة المريض قائلاً :
- كنت متأكداً انه هو .. هذا شون ! البدين الذي مات محترقاً قبل عشر سنوات 

واقتربتا منه لرؤية صورته التي ظهرت ايضاً في جوّال جوليان التي قالت بفزع :
- ولما روحه تلاحقني ؟! فأنا لم أكن متواجدة معكم اثناء الحريق !
زميلتها : لحظة ..انتِ أخبرتنا بأنه نادكِ بإسمٍ آخر في المصعد , فماهو ؟
جوليان : ماغي ..فمن تكون ؟!

وعاد الطبيب اريك للبحث في ملف المريض , ليجد ورقةً رسمية باستلام الزوجة لجثته المتفحّمة , والموقعة بإسم ماغي
جوليان باستغراب : ولما يظنّني زوجته ؟ هل أشبهها ؟
اريك : انا مازلت أذكر تلك المرأة المتعالية , وكانت صهباء مثلك 
الطبيبة الأخرى : وكيف مازلت تذكرها بعد كل تلك السنوات ؟! 
الطبيب : لأنني كنت أمرّ بالصدفة من مشرحتنا حين رأيتها تكلّم جثته (داخل كيس البلاستيك) قائلةً بشماتة :
((هآقد ورثتك أخيراً , ايها البخيل البشع)).. وقد استفزّني كلامها الغير إنسانيّ , لذلك علقت في ذهني

جوليان : وهل تظن ان الحريق كان مفتعلاً ؟
الطبيب : لا أظن , فالمحقّق أخبرنا بأن ماسّاً كهربائياً تفاعل مع تسرّب للأكسجين مما أدّى للإنفجار .. المشكلة ان ظهوره في الصورة معك , أخافني بحقّ !
جوليان بقلق : ولماذا ؟
الطبيب بفزع : لأنني كنت من ضمن الثلاثة أطباء الذين أجروا له العملية , وجميعنا هربنا وتركناه يحترق لوحده .. وزميلي مات منذ 8 سنوات بحادث سيارة .. وطبيب التخدير أُصيب بشللٍ رباعيّ بعد سقوطه عن فرسه قبل عامين ..وأخاف ان أكون ضحيته التالية!
الطبيبة الثانية : كان الأولى به ان يتخلّص من زوجته التي أجبرته على عملية التجميل التي أدّت لوفاته
اريك : ربما فعل , فنحن لا نعلم أخبارها

فأخذت جوليان الملف من يده , وبدأت تسجّل اسم الزوجة كاملاً في جوّالها
صديقتها : ماذا ستفعلين ؟
جوليان : سأسال عنها .. إن كانت مازالت حيّة , فنحن بخير .. كما اريد منك يا دكتور ان تعطيني عنوان صديقك المشلول , لعلّه يُخبرنا بشيءٍ يُفيدنا بهذا الموضوع
***

وفي نهاية الأسبوع ..ذهبت صباحاً الى منزل الطبيب المشلول الذي إستطاع بصعوبة إمساك القلم بفمه للإجابة على اسئلتها ..
والذي أخبرها : بأنه كان فارساً ماهراً.. لكن في إحدى المسابقات السنويّة للخيول وقبل قفزه , تفاجأ برجلٍ بدين يقف خلف الحاجز مباشرةً وكأنه ظهر من العدم ! ممّا أربكه , فسقط عن فرسه وارتطم ظهره بقوّة بالحاجز الحديديّ , ممّا أدّى لشلله..

جوليان : هل كان هذا الرجل ؟
وأرته جوالها الذي فيه صورة المريض (الواقف خلفها هي والأم) .. فأومأ برأسه إيجاباً

ورغم دهشته من معرفتها للشخص المجهول الذي رآه يوم الحادث ! الا انها لم تخبره بأنه شاهد روح شون الذي يبدو انه فضّل معاقبته بالعجز الذي شعر فيه بلحظاته الأخيرة في مواجهته للحريق بأطرافٍ مُخدّرة .. لذلك ترك الطبيب يُكمل بقيّة حياته مشلولاً !
***

وفي المساء .. ذهبت الى قصر الميت , ليستقبلها شابٌ يعيش هناك
وحين دخلا الصالة , سألته :
- هل انت ابن شون ؟
- لا , هو زوج امي ..وهي من كتبت القصر بإسمي بعد وفاته
جوليان : واين امك الآن ؟
فسكت الشاب وقد بان الحزن على ملامح وجهه , فسألته بقلق :
- هل هي بخير ؟

الشاب بحزن : امي توفيت قبل تسعة اعوام بحادثةٍ أليمة , حيث تركتها الكوفيرا اللعينة داخل ماكينة التسمير المتواجدة في قبو المحل , وأسرعت للمدرسة لأخذ ابنها الذي تأذّى اثناء اللعب ..وقد صادف إعطائها إجازة لموظفاتها , فلم يسمع أحد صرخاتها بعد ان علقت لساعتين في ذلك الجحيم .. وكأنها شُويت على نارٍ خفيفة !

وانهار باكياً .. ولم تستطع جوليان تهدئته , لأنها كانت ترتجف بقوة بعد  ان أدركت بأن حياتها في خطر !
*** 

بعد خروجها من القصر ..أسرعت الى أقرب محل كوافير لصبغ شعرها باللون الأسود الفاحم
وحين رأت لونه الجديد في المرآة , قالت في نفسها بضيق :
((وهآ انا لم أعد أشبه زوجتك , ايتها الروح اللعينة !!))
***

بعد ايام .. سألت عن الطبيب اريك , فأخبروها بأنه استقال من المستشفى ..ويبدو انه فزع , بعد ان أخبرته بما حصل لزوجة الشبح..
***

ومرّت الأسابيع التالية بسلام على جوليان التي إعتقدت بأن إخفائها للون شعرها الأحمر هو ما أبعد الكوابيس عنها .. 

لكن الخوف عاودها بعد معرفتها بموت الطبيب اريك اثناء نومه ..خاصةً بعد ان أخبرتها زوجته التي زارتها لتقديم العزاء , بأن آخر ما قاله قبل وفاته : ((لا تخنقني , ارجوك))
- فهل كان شون يخنقه في فراشه ؟! 
***

وفي إحدى الليالي .. وفور وصول جوليان الى المستشفى في مناوبتها المسائية , إستدعوها الى الطابق الخامس بعد ان إنحشرت حلوى في حلق طفلٍ قدِم مع والده لزيارة امه وأخيه المولود حديثاً ..ولخوفها على حياته , إضّطرت لركوب المصعد التي امتنعت عنه منذ بداية السنة !

وحصل ما كانت تخشاه , فقد توقف المصعد مجدداً عند الطابق الثالث ليفتح ابوابه امام عنبره المظلم !
وهذه المرة صرخت بعلوّ صوتها !!! لكن يبدو ان صداه لم يتردّد الا بين ارجاء الطابق المهجور , حيث لم يسمعها احد رغم طرقاتها العنيفة على جدارن المصعد ! 

وإذا بها تسمع خطواتٍ مُتثاقلة تقترب منها .. ونفحة هواءٍ باردة دخلت المصعد .. ثم سمعته يهمس في أذنها : 
- اهلاً ماغي
فصرخت والدموع على وجنتيها :
- انا لست زوجتك ماغي !! انت قتلتها قبل سنوات , الا تذكر ؟ ..لذا دعني وشأني ايها اللعين !!!!
فهمس قائلاً : كما تشائين

وسمعت وكأن حبال المصعد تنفصل عن بعضها ! فنظرت الى فوق لترى بأن الغطاء العلويّ للمصعد فُتح , ليظهر منه وجه رجلٍ بدين مُحترق يقول لها بابتسامةٍ مريبة : 
- وداعاً ماغي

ليهوى بها المصعد بقوّة الى الطابق الأرضيّ , مُحدِثاً صوت إنفجارٍ ضخم أرعب كل من في المستشفى !

وكانت هذه الحادثة سبباً في نقل المعدّات مع الأطباء والمرضى الى فرعٍ آخر , وإغلاق المبنى نهائياً ..
*** 

بعد سنوات .. آثارت إشاعة الأشباح في المستشفى المهجور حماس ثلاثة مغامرين : شابان وصبية (صادف انها صهباء ايضاً !)
وحين دخلوا اليه مساءً .. وقفوا امام المصعد المدمّر , بعد ان وجّه أحد الشابين كشّافه نحوه قائلاً :
- انظروا !! مازال هناك آثار دماءٍ داكنة .. فقد قرأت بأنهم أخرجوا اشلاء الطبيبة بصعوبة من بين حطامه !
الشاب الآخر : ليته بقيّ على حاله لكيّ نكتشف الروح المثيرة التي تسكنه

الصبية بحماس : هناك مصعداً آخر , دعونا نصعد به الى فوق
الشاب : لا أظنه يعمل حتى الآن 
الشاب الثاني وهو يضغط على زرّ المصعد المواجه للمصعد المحطّم , قائلاً :
- لنجرّب .. هاهو يعمل , كم هذا غريب ! ..هيا لنصعد اولاً الى الطابق الأخير , أظنه الدور الخامس .. ومن ثم نكتشف بقيّة الأدوار  
الشاب بقلق : لا , انا سأصعد الأدراج
فابتسم الآخر بسخرية : اذاً نحن سنسبقك الى فوق , يا جبان

وصعد الشاب والفتاة الى ان وصلا للطابق الخامس ..
وخرج الشاب اولاً , بينما كانت الفتاة مشغولة بكتابة رسالةٍ على جوالها..فناداها :
- هيا ماري , تعالي !! 
- لحظة واحدة 
وإذّ بباب المصعد يغلق لوحده , لتعلق بداخله !
فصرخت بفزع :
- شباب !! انا عالقة بالمصعد .. آه لحظة ! لقد تحرّك من جديد

لكنه نزل بها الى الطابق الثالث المشبوه , فارتجفت حين وجّهت كشّافها ناحية العنبر الطويل المظلم .. 
وحينها سمعت خطواتٍ مُتثاقلة تتجه نحوها .. ثم نسمة هواءٍ باردة لامست رقبتها .. ورجلٌ يهمس في أذنها بصوته المبحوح :
- اهلاً ماغي

وقد فزع الشابان بعد سماعهما لصرخاتها المؤلمة وهي تصارع شيئاً وحشيّ هناك , بعد ان علقت في وسط المبنى .. ليفِرّا عبر السلالم مُسرعين الى خارج المستشفى , تاركيّ صديقتهما تواجه وحدها مصيرها المشؤوم !
***

بعد وصول الشرطة .. وجدوا المصعد متوقفاً عند الطابق الأرضيّ .. ففتحوا بابه عنّوةً بأدواتهم .. ليجدوا جدرانه وقد اصطبغ بدماءٍ حديثة , ولا أثر للفتاة ! 
ولم يجرأ أحد على اقتحام الطابق الثالث للبحث عنها , رغم إصرار أهلها على استلام جثتها , او ما تبقّى من اشلائها !
***

بعد انتشار الخبر بالصحافة , أصدر محافظ المدينة قراراً بهدم المبنى المهجور ..
وتجمّعت الناس ووسائل الإعلام لنقل الحدث ..حيث صفّق الجميع بارتياح بعد ان سُويّ المبنى بالأرض , والذي أرعبهم لسنواتٍ عديدة

بعد ذهابهم ..إقتربت صبيّةٌ صهباء لأخذ صورة سيلفي امام الركام..
وحين أرادت رؤية الصورة , تفاجأت برجلٍ بدين يقف خلفها ! فقالت بامتعاض :
- من ثقيل الدم هذا الذي أفسد صورتي ؟!

وقبل ان تُعيد التصوير , وصلها إتصال من النادي يستعجلونها لتمارين السباحة , فأسرعت الى هناك
***

وعصراً , تمّ إنتشال جثتها من قاعّ المسبح ..
وكان آخر ما قالته (بشهادة الحاضرين) .. بأنها صرخت بفزع :
- البدين يُغرقني .. ساعدوني !!!
لكن لم يفهموا قصدها , لأنه لم يكن هناك رجالاً بدناء في المسبح !

ويبدو ان روح البدين شون لن تهدأ قبل قتله للصهباوات في ارجاء منطقته .. وربما في العالم أجمع .. من يدري ! 

الخميس، 17 يناير 2019

محاكمة السّحرة

تأليف : امل شانوحة

 
ستنالون عقوبة جرائمكم اللاّ إنسانية !!

جلست الساحرة الشابة امام محراب الكهف المُضاء بأنوار الشموع , والمُحاط بالتماثيل العظميّة المخيفة , والمُعبّق برائحة البخور وأدخنة أعشابٍ مُخصّصة للسحرة.. بينما أصوات نعيق الغربان خارج الجبل تزيد من رهبة المكان !

وبعد ان تلت تراتيلاً معينة , خرج دخانٌ اسود من المحراب .. ليتجسّد شمهروش على هيئة رجلٍ عجوز بثيابٍ رثّة , قائلاً بصوته الأجشّ المرعب : 
- ماذا تريدين ؟
الساحرة بصوتٍ عالي : يا قاضي الجن !! يا شمهروش العادل !! يا ابن ابليس المعظّم !! ...
الجني مقاطعاً : كفى مديحاً واخبريني بطلبك ؟
الصبية : اريد الزواج يا سيدي .. ولا ادري ماذا أصاب حبيبي , فهو بارد المشاعر في الفترة الماضية ؟! .. فهل سحره أحد ؟
- وماذا عن صديقتك ريمي ؟ 
الصبية باستغراب : وما دخلها بالموضوع ؟! 
بنبرةٍ حادةٍ آمرة : أجيبي عن سؤالي !! 

فأجابته بارتباك : علاقتي معها انتهت منذ مدة , ولم يعدّ يهمّني أمرها !
- بعد ماذا !! بعد ان فرّقتها عن خطيبها , رغم معرفتك بالحب الكبير الذي يجمع بينهما .. فلما استعنتِ بخادمتك الجنية للحؤول دون زواجهما ؟ 
فقالت بتردّد : لأنني غرت منها .. ففي ذلك الوقت لم يكن عندي حبيب .. ولمّا شعرت بسعادتها , إخترقت حاسوبها .. فأنا خبيرة بهذه الأمور .. ولاحظت صدق مشاعره اتجاهها من خلال محادثاتهما السابقة .. فأرسلت له طلباً على صفحته , لربما استطعت سرقة قلبه .. لكنه كان مخلصاً لها , ممّا زاد من حقدي عليها .. فسحرتهما بسحر الفِرقة منذ ثلاث سنوات تقريباً , وربما تزوجا الآن ! 

شمهروش بغضب : وكيف يفعلا يا غبية والسحر مازال قائماً ؟!! 
فقالت بقلق : لكني رميت السحر في البحر , فكيف أفكّه لهما ؟!
- طالما اخترتي البحر , فسيكون عقابك ..الفرقة بينك وبين حبيبك
صارخة برعب : لا ارجوك !! لا تحكم بالبعد بيننا 
شمهروش بحزم : حكمت وانتهى الأمر !! وستبقيان على فراق , حتى تحصل معجزة وتتزوج ريمي من خطيبها السابق 
- وان لم تفعل ؟! 
- فهذا يعني ان تنسين حبيبك للأبد 
فانهارت بالبكاء , وصارت تتوسّله بأن يخفف عنها العقوبة..

شمهروش بغضب : ولما أرحمك وانت لم ترحمي صديقة طفولتك ؟ ..لذلك ستعيشين منذ اليوم العذاب الذي أذقته للحبيبين .. ربما يمنعك هذا من استخدام خادمتك الجنية بالشرّ ثانيةً .. والآن أغربي عن وجهي !!
وخرجت من الكهف , وهي تبكي من قساوة عقابه الغير متوقع ! 
***

وبعد ساعة .. حضرت إحدى ساحرات القرى الشعبية وهي تساند امرأةً حامل , تأنّ من الألم بعد انتفاخ بطنها بشكلٍ غريب ! والذي كان يتحرّك بعشوائيةٍ مُوجعة !
فقالت الساحرة للقاضي , وهي مطأطأة الرأس بخنوع :
- سيدي قاضي الجن
- من تكونين ؟
- ساحرة من الجنوب .. وكنت وصفت لهذه المرأة العاقر عشبةً سحريّة للحمل ..
القاضي : وأرى ان سحرك نجح وحملت

فقالت له المرأة الحامل بألم : لكن أظهر السونار البارحة بأن لا شيء في بطني ! وكما ترى .. هناك شيئاً يتحرّك بداخلي , وهو يؤلمني برفساته العنيفة .. وما عدّتُ أطيق هذا الألم .. فبماذا انا حامل ؟!
شمهروش : بجني صغير , وهو من النوع المُتشيطن ايضاً
الحامل بصدمة ورعب : ماذا !
الجني : وماذا ظننت سيحصل غير هذا ؟! وعلى فكرة .. حمل الجن يدوم 15 شهراً  
الحامل بدهشة وخوف : سنة وثلاثة أشهر !
الجني : نعم وستعانين خلالهما من آلام الحمل والولادة , ليخرج منك جني يقلب حياتك جحيماً ..هذا ان لم يطلّقك زوجك بعد انتشار فعلتك القبيحة بين الناس  

الحامل وهي تبكي : لكنني لم أردّ هذه النتيجة !
القاضي بحزم وقسوة : هذا لا شيء امام عقاب الآخرة بعد بيعك لدينك بثمنٍ بخس .. امّا انت ايتها الساحرة المتهوّرة !! فسأعاقبك بسحب رخصتك وفقدانك لقدراتك السحريّة , وستكملين حياتك كأمرأةٍ منبوذة بين الناس
الساحرة بدهشة : لكن سيدي .. ظننتك ستكافئني على إبداعي بالأعمال السحريّة , كما كنت تفعل معي دائماً !
شمهروش بحزم : إذاً أنشري بين الناس !! بأن القاضي شمهروش منذ اليوم سيحكم بالعدل , وسيعاقب السحرة بقسوةٍ لا مثيل لها .. 

وهنا صرخت الحامل بألم بعد رفسةٍ قويّة من الجني الذي في بطنها .. فقال شمهروش للساحرة :
- ساعديها على الخروج من كهفي .. وإيّاكم ان اراكما ثانيةً !!
***

في اليوم التالي .. وصلت مراهقة مع امها المشعوذة .. وحين رآهما يدخلان الكهف.. تنهّد شمهروش في نفسه بضيق :
((لما معظم زوّاري من النساء ؟!))
ثم سأل الأم : ما بها تبكي ؟ 
الأم : لقد أجبرتها على التخلّي عن أعزّ ما لديها في سبيل تزويجها من الشاب التي تحبه
ابنتها باكية : لكنه خطب فتاةً أخرى البارحة .. فلما لم ينجح سحر امي ؟
القاضي بدهشة : لا أصدّق ما سمعته ! هل انت فعلاً أمها ؟!
الأم : نعم .. وقد أخبرني الجني الذي أتعامل معه بأن عذريتها هو الحلّ 

فصرخ شمهروش بغضب : يا غبية !! أتدري ماذا فعلتِ ؟ لقد دمّرتِ شرف ابنتك , وربما لن يتزوجها أحد بعد اليوم ! 
الأم برجاء : ولهذا أتينا لك سيدي .. فنحن نريدك ان تُجبر الشاب بطريقتك على الزواج منها ولوّ لشهرٍ واحد , وبذلك نحميها من كلام الناس 
فيتنهّد القاضي بضيق : متى ستفهمون يا أغبياء بأن الأقدار كُتبت قبل خلقكم , وترضون بما قسمه الله لكم ؟!! .. ذلك الشاب لم يكن ولن يكون يوماً من نصيبها !! وانت يا فتاة .. إذهبي وواجهي قدرك لوحدك , بعد ان ضيّعت امك مستقبلك 

فوقفت الفتاة وهي تصرخ على امها غاضبةً :
- أسمعتي ما قاله !! لما جبرتني على ذلك الفعل الشنيع ؟
الأم بقلقٍ شديد : ابنتي !
ابنتها بعصبية : لا اريد ان آراك بعد اليوم !! سأسافر للخارج , وأواعد الرجال الأجانب الذين لا يهمّهم هذا الأمر .. 

ثم خرجت من الكهف باكيةً , ولحقتها امها وهي نادمة عمّا فعلته بصغيرتها 
بينما تمّتم شمهروس في نفسه بضيق :
((لا أظن ان هناك اسوء ممّا سمعته الآن !))
***

وما كاد ينهي جملته , حتى وصلته حالة اسوء بكثير من القضية السابقة .. فهذه أم تعترف امامه بقتلها رضيعها للحصول على دمه , للقيام بسحر لزوجها كيّ لا يتزوج عليها ! 
فصرخ في وجهها بغضب ودهشة : 
- ماذا ! أقتلتِ طفلك يا قاسية القلب ؟!!
المرأة وهي ترتجف بخوف : هذا ما طلبته مني المشعوذة (مسرّات) وهي أقوى سحرة الشمال
القاضي : سنعاقب مسرّات هذه لاحقاً .. والآن أخبريني , مالذي حصل بعدها ؟
- بعد دفني لإبني مع السحر في إحدى المقابر , عدّت الى بيتي لأتفاجأ بنبأ مقتل زوجي بحادث سيارة
ثم تنهار بالبكاء..

شمهروش : يعني بذلك خسرتِ زوجك وابنك ؟!
- والميراث ايضاً .. فأهل زوجي لا يصدّقون بقصة خطف ابني من السوق , ويصرّون على طردي من بيتي وحرماني من اموال زوجي بعد اختفاء ابني 
- بل قولي : قتلك لحفيدهم يا مجرمة !! وبصراحة انت تستحقين أكثر من ذلك بكثير
- لكن سيدي ! انا لجأت اليك كيّ تُنسيني تلك الحادثة , فأنا لا استطيع النوم منذ شهور بسبب تأنيب ضميري
- حسناً سأفعل !! لكنك لن تنسين فقط ما ارتكبته يداك القذرتين , بل ستنسين كل شيء
المرأة بخوف : ماذا تقصد ؟!
- سأفقدك عقلك تماماً , لتكملي حياتك كأمرأةٍ مجنونة
- لا رجاءً !

وإذّ بنورٍ أزرقٍ ساطع يخرج من عصاه ويُصيب رأسها .. لتتجمّد للحظة في مكانها , قبل ان تبدأ بالضحك بهستيريا وهي تمزّق ملابسها ..
ثم نزلت من الجبل وهي ترقص وتغني كالمجنونة !
فقال شمهروش بضيق : الآن لم يعدّ لديها شيء تقلق عليه ..الأم المُجرمة !
***

امّا القضية التالية التي وصلته ذلك المساء , فكانت الأولى من نوعها .. حيث شكى الجني ظلم الساحر له !
شمهروش وهو يحادث الجني : يعني تريد الخروج من جسد تلك الصبية ؟ 
الجني : نعم , فأنا معها منذ ان كانت طفلة .. وهي الآن في الأربعين من عمرها .. ولم أعدّ أحتمل بكائها كل مساء , لرغبتها بتكوين عائلةً لها 
شمهروش وهو يوجّه سؤاله للساحر العجوز : وما قولك انت ؟

الساحر : لقد دفعت لي قريبتها قبل سنوات مبلغاً كبيراً في مقابل ان لا تتزوج الصبية مطلقاً , وهذا ما اتفقت به مع الجني العاشق منذ البداية 
القاضي للجني العاشق : هل كلامه صحيح ؟
الجني : نعم , لكنني ايضاً كبرت في العمر واريد الزواج وإنجاب الأطفال , ووالدتي تصرّ عليّ كثيراً لترك تلك البشريّة والعودة الى باطن الأرض لتكوين عائلة لي .. وبرأيّ يكفي المسكينة 40 سنة من السحر , تعثّرت فيها كل امورها العملية والعاطفية  
شمهروش : نعم تكفي وزيادة

الساحر بصدمة : لكن سيدي ! نحن السحرة علينا واجب ..
القاضي مقاطعاً : إخبرني الآن ..اين رميت سحرها ؟
الساحر : في الصحراء , داخل شجرة الصبّار
القاضي : اذاً عليك استخراجه وفكّه في أقرب الوقت , ولتدعّ تلك الفتاة والجني يتابعان حياتهما بعد ان أوقفتها لهم طوال الفترة الماضية
الساحر بقلق : وماذا عن عمتها التي وعدّتها ان ..

القاضي مقاطعاً : أعطني اسمها واسم امها , وانا سأحبسها في منزلها طوال فترة خطوبة وعرس الصبية .. وبذلك تفهم بأن ليس في مقدورها إيقاف القدر .. وان أتتّ اليك غاضبةً بعد زواج المسحورة , فاحضرها اليّ وانا سأعاقبها بنفسي , وسأجعلها تندم على اليوم التي سحرت فيه قريبتها 

وكم كان اهل الجني سعيدين بعودة ابنهم بعد طول غياب .. بعكس تلك المرأة التي لم تستطع الخروج من بيتها او التحدّث لأحد , الى ان إستقرّت قريبتها في بيتها الزوجيّ رغماً عن أنفها !
***  

وتتابعت القضايا في الشهور اللاحقة على شمهروش , وكان من أغرب ما وصله : 
- دسّ السحر في طعام القطة , بأسماء أفراد العائلة التي ترعاها , كيّ يصابوا جميعاً بالنحس الدائم ! ... وقد أجبر شمهروش جارتهم على فكّ السحر فوراً , والاّ عاقبها بطلاقها من زوجها وخسارتها حضانة أبنائها  

- وكذلك أجبر رجل على اللحاق بطائرٍ أعمى , ربط في قدمه فأراً ميتاً في داخله سحر لصديقه التاجر كيّ تكسد بضاعته .. وقد أمضى الرجل أياماً طويلة في البراري حتى استطاع أخيراً الإمساك بالطائر الذي بالكاد يحلّق بسبب الثقل في قدمه .. وأزال الشريط اللاصق عن عينيّ الطائر ليرى من جديد .. وقد أقدم على فكّ السحر , بعد ان هدّده شمهروش بحرق بضائعه وإفلاسه 

- كما أجبر شاب على إخراج دميةٍ مغروزة بالدبابيس من القبر , عليها صورة الفتاة التي رفضت الزواج به .. بعد ان هدّده شمهروش بالشللّ الدائم 
***

وفي خلال الستة أشهرٍ اللاحقة .. تابع شمهروش عقاباته القاسية على السحرة وعملائهم , حتى بات الأشرار يخافون الإقدام على السحر بعد انتشار تلك القصص بين الناس .. 

ومع الوقت قلّ عدد زوّار السحرة بشكلٍ لاحظه ابليس , بعد ان أبلغه ابنه (حارس الأرض السفليّة) : بأن الأسحار المدفونة قلّت كثيراً في تلك المنطقة تحديداً .. كما أخبره ابنه الآخر (حارس الشواطىء) : بأن الأسحار المرمية في البحر تكاد تنعدم في ذات المنطقة , مقارنةً بالسنوات الفائتة ! 
فأرسل ابليس محقّقاً لمتابعة الموضوع .. 

ليعود بعد ايام بتقرير : عن عقابات شمهروش الظالمة بحقّ السحرة ! 
فطالب ابليس لقاء ابنه في الحال .. 

وحين قدِم مكبّلاً بالسلاسل مع جنود ابليس , لم يكن القاضي سوى (بطرون) حارس الجبل ! 
ابليس باستغراب : بطرون ! اين ابني شمهروش ؟
فقال بشجاعة : قتلته قبل عام
ابليس بدهشة وغضب : ماذا ! كيف تجرّأ ايها الجني الصعلوك على قتل رئيسك الشيطانيّ ؟!! 

بطرون : هو تشاجر معي , بعد ان أمسكني أصلي خلف الجبل 
ابليس بعصبية : أأسلمت ايضاً ؟!
- نعم .. بعد ان سمعت شيخاً يقرأ القرآن على إحدى المسحورين بصوتٍ شجيّ , جعلني أُعيد حساباتي 
- جميلٌ جداً .. وبعد قتلك لإبني تشبهّت في صورته للحكم بين السحرة 
- بالضبط , وقد حكمت بالعدل ..وعاقبت الأشرار بما يستحقون ..وكل هذا لكيّ أحسّن صورة الجنّ امام البشر 
ابليس بغضب : بل بذلك يا غبي خنت بنيّ جنسك , وسأعاقبك بالحرق العلني امام الجميع لأؤدّب بك كل من يجرأ على مخالفة أوامري !!
***

وفي اليوم المحدّد ..إجتمع الجن كافة على جزيرة ابليس لرؤية تنفيذ الحكم بالجني الخائن .. وكان من بينهم : كبار السحرة البشريين الذين شهدوا الحرق البطيء والمؤلم لبطرون ..
من بعدها قام ابليس بالإجتماع معهم مطالباً بتشجيع السحر من جديد , في مقابل قطعاً من الذهب كمكافأة لهم ..

وبعد ذهاب السحرة البشريين بصناديق كبيرة من الذهب , قال له حارسه :
- لكن سيدي , سنخسر بذلك الكثير من مخزوننا الذهبيّ ؟! 
ابليس : لا بأس .. على الأقل هذه الفترة , لكيّ نشجّع الناس من جديد على أذيةّ الآخرين
***

وفي عالم البشر .. إتفق السحرة على إنهاء شائعة عقوبات شمهروش القاسية التي أرعبت الجميع , فقاموا بتفجير الجبل ! 
ثم نشروا بين الناس : بأن قاضياً آخر من الجن إستلم المحاكمات البشريّة قرب البئر المهجور , بمساعدة مجموعة من أقوى سحرة البلاد .. كما سيقوم بمكافئة كل فرد يسحر شخصاً غريباً او صديق , بخمسة دنانير ذهبيّة .. وسيُضاعف هذه الجائزة لمن يسحر قريباً له ! وهذه المكافآت ستكون لمدةٍ محدودة لا تتجاوز الثلاثة أشهر ..
***

وماهي الا ايامٌ قليلة , حتى انتشر خبر المكافآت الذهبية بين الناس كالنار في الهشيم .. ليتجمّع مئات الجاهلون والحاقدون قرب البئر , وهم يحملون اشياءً تخصّ الأشخاص الذين يريدون سحرهم ! بمتابعة من مجلس السحرة المتواجد هناك لتنفيذ مطالبهم الشيطانية  
ليعود الأشرار الى بيوتهم فرحين بمكافئات ملك الجن المغريّة ! 
***

ومع الأيام .. تضاعف السحر في تلك البلدة أضعاف ما كان في السابق , حيث استمع ابليس باهتمام لأخبارهم من مراسله الذي قال: 
- لا أبالغ يا سيدي ان قلت ..ان سكّان تلك المنطقة إنقسموا الى قسمين : نصفهم سحرة والنصف الآخر مسحورين ! 

فابتسم ابليس برضا , قائلاً :
- اذاً أعطوا إجازة لأبنائي الشياطين في تلك المنطقة , فلا حاجة لوسّوستهم هذه الفترة .. فحقد البشر وغيرتهم كفيلة لإفناء بعضهم بعضا ! 

وضحك ضحكة المنتصر الذي لطالما رأى ابناء آدم خصماً ضعيفاً امام دهائه وخبثه !

الاثنين، 14 يناير 2019

رحلة العجائب !

تأليف : امل شانوحة

لقد أنقذوني من موتٍ محتّم !

الجندي ريتشارد بضيق : لا !! لم أعد أحتملّ , سأذهب الآن الى الثُّكنة
صديقه هاري : يا مجنون ! ستقتلك العاصفة 
مارتن : او رصاص الأعداء 
ريتشارد بعصبية : لنا اسبوع ونحن ننتظر نقلنا الى المعسكر , لكنهم لم يرسلوا أحداً لنجدتنا رغم كثرة الرسائل التي أرسلناها لهم , حتى لم يكترثوا بمدِّنا بالمؤن الغذائية ! لهذا قرّرت الذهاب وحدي الى هناك .. فإن متّ وانا أحاول , لهو أفضل من إنتظاري الموت داخل هذه الخيمة الباردة اللعينة !!

ثم خرج من الخيمة , تاركاً صديقيه وبقيّة رفاقه العشرة يتدفأون حول شعلة النار .. 
بينما انطلق هو الى الثكنة العسكريّة البعيدة , مُستعيناً ببوصلته .. وهو يعلم بأن فرصته بالنجاة قليلة , إن لم تكن مُعدمة !
***

وأمضى ريتشارد نهاره الأول وهو يمشي بصعوبة بين الثلوج , داخل غابةٍ موازية للنهر المتجمّد , ببطنٍ خاوٍ وثياب بالكاد تدفئه ! 

وفي المساء .. وما ان شعر ببرودة الصقيع , حتى ندم على قراره الإنتحاري للقيام بهذه المجازفة الخطِرة , الا ان رغبته في إنقاذ رفاقه كانت ومازالت الدافع الأول لمغامرته المجنونة ! 

وحاول إشعال النار بعد جمعه القليل من الحطب , لكن ولاّعته لم تضيء ممّا زاد الأمر سوءاً .. فحاول إشعالها بالطريقة البدائية , لكن رجفة يديه المتجمّدتين حالت بينه وبين حصوله على الدفء اللازم للبقاء حيّاً .. 

لكنه لم ييأس من محاولة إشعال الحطب تكراراً ومراراً , الاّ بعد اختراق الغصن لراحة يده مُتسببة بنزيفٍ مؤلم .. فصرخ بعلوّ صوته متألّماً , دون الإكتراث من وجود الأعداء قربه .. لأنه بات يتمنّى الموت في ظلّ الظروف السيئة التي يمرّ بها ! 

وبعد ان هدأ روعه , ربط يده المجروحة بقطعة قماشٍ مزّقها من طرف قميصه .. ثم استلقى بظهره على الشجرة , وهو يتلوّ التراتيل التي يحفظها إستعداداً للموت
***

الغريب انه نام تلك الليلة وهو يشعر بدفءٍ كبير ! 
وحين استيقظ صباحاً .. وجد الحطب مسّوداً امامه , وكأن شعلتها انطفأت للتوّ ! مع انه لا يتذكّر انه نجح في إشعالها ! 

وتحسّس أطرافه , خشية ان تكون تعرّضت لقضمة الصقيع اثناء نومه .. لكنه كان بخير وبإمكانه متابعة المسير .. فحمد ربه على نجاته من موتٍ محتّم , وأكمل طريقه .. 

وما ان مشى بضعة خطوات مُتعمّقاً في الغابة , حتى وجد منزلاً ريفيّ من طابقين ينبعث منه دخاناً ذو رائحةٍ جميلة ! 
فأسرع نحوه .. وطرق الباب , ويده الأخرى فوق زناد المسدس الذي خبّأه خلف ظهره , خوفاً من ان يكون بداخله جنود العدو .. 
لكنه وجد الباب مفتوحاً ! .. وحين دخل , لم يجد فيه احد ! 

وسرعان ما اشتمّ رائحة الحساء اللذيذة .. فأسرع نحو الموقد , وصار يتذوّقه مباشرةً من القدر الساخن 
وإذّ به يسمع صوت امرأة خلفه تقول بلغتها الروسية , التي كان يتقنها :
- إرفع يديك عالياً !!
وحين التفت اليها , كانت صبيةً شقراء تصوّب بندقية الصيد نحوه!
فقال لها بلغتها :
- ارجوكِ يا آنسة , لا تقتليني
- ولما لا ؟ فأنت من جنود العدوّ الإلماني 
- نعم , لكني لوحدي 
الفتاة : أرى ذلك .. هل يدك تنزف منذ وقتٍ طويل ؟
- منذ البارحة مساءً , وهي تألمني كثيراً 
الصبية : اذاً علينا تطهيرها قبل ان تتجرثم
- نعم رجاءً

الفتاة :أعطني سلاحك اولاً , ومن بعدها أضمّد جرحك وأطعمك..ثم تمضي في حال سبيلك , قبل عودة زوجة ابي وابنتها من القرية المجاورة
- وهل ستعودان هذا المساء ؟
الفتاة : اليوم او غداً صباحاً .. وانا كنت أطبخ لهما
- ولما تخدمينهما ؟! اليس هذا منزل والدك ؟
- نعم , لكنه تزوجها بعد وفاة امي .. اما هو , فقد قُتل برصاصة قنّاصكم السنة الفائتة
- آسف لسماع ذلك .. (وسكت قليلاً) .. لم اسألك , ماهو اسمك؟
الصبية : أولغا 
- مرحباً أولغا , انا ريتشارد .. 
- لا يهمّني من انت .. سأحضر لك المطهّر والشاشّ , إنتظرني هنا

واثناء تضميدها لجرحه , إنتبهت على نظراته المتأمّلة لوجهها الجميل
أولغا بضيق : لا تنظر اليّ هكذا , ودعني أركّز على عملي
- آسف , فأنا ضعيف امام الحسناوات 
لكنها لم تكترث لمدحه وتابعت العمل , ثم قالت : 
- وهآقد أنتهينا من الجرح.. سأسكب الآن الطعام , بشرط ان تأكله على عجل

وبالفعل شرب الحساء مع قطعتي خبز بنهمٍ شديد ..فسألته باستغراب :
- كيف تركك اصدقائك تذهب لوحدك الى الثكنة بهذا الطقس السيء؟!
ريتشارد : لأنهم فضّلوا انتظار المساعدة , لكني رجلٌ أحب المجازفة 
- وماذا ستفعل حين تصل الى معسكرك ؟
ريتشارد : سأطلب منهم إنقاذ رفاقي , ومن بعدها أُطالبهم بإعادتي الى المانيا
- أبهذه السهولة سيقبلون تسريحك ؟
الجندي بفخر : هم وعدونا في حال قمنا بمهمةٍ خاصة ان يكافؤنا بالعودة الى بلادنا , وقد أنهيتها مع اصدقائي بمهارةٍ ونجاح

أولغا بغضب : وكم قتلتم من ابناء شعبي ؟
- آسف عزيزتي لكنها الحرب , وأنا جندي مُضّطرٌ للإنصياع للأوامر ..ولوّ كان الأمر لي , لما لوّثت يديّ بالدماء .. فأنا استاذٌ محترم في قريتي
أولغا باستغراب : استاذ !
ريتشارد : نعم وكنت دائماً أعلّم تلاميذي الأخلاقيات ..لكنهم أجبروني على انخراط في هذه الحرب اللعينة بعد ان أصبح التجنيد إجبارياً في المانيا
أولغا بقهر : وفي روسيا ايضاً , بعد كثرة إعتداءاتكم علينا  
- كما قلت لك سابقاً , انها قوانين الحرب .. وربما يوماً تعود العلاقة بين الدولتين سلميّة , كما كانت سابقاً 

أولغا بغضب : لا أظن ذلك .. يكفي ما عشته البارحة لأحقد عليكم للأبد , فقد كنت أموت رعباً بعد اشتداد القصف من حولي
ريتشارد بدهشة : أيّ قصف ؟! فأنا كنت قريباً من هنا ولم أسمع شيئاً ! 
- هل انت أصمّ ؟! البارحة نزلت صواريخكم كالمطر فوق الغابة .. وبعد ان هدأتم , خرجت للإسطبل للأطمئنان على الماشية وحينها سمعت صراخك .. وفكّرت جدّياً بقتلك , لكن حين رأيتك ترتجف في نومك من البرد , شفقت عليك وأشعلت لك النار 
ريتشارد بدهشة وبإمتنان : أكان انتِ ؟! شكراً جزيلاً لك

في هذه اللحظات .. إشتدّ هدير الرياح في الخارج , فقالت له :
أولغا : العاصفة ! يبدو إنها عادت من جديد 
ريتشارد : اساساً كيف تعيشون بروسيا , فجوّها أبرد من طاقة البشر على التحمّل !
- لقد تعوّدنا على هذه الحياة القاسية .. المهم الآن , هل شبعت؟
- نعم , لكن هل ستخرجيني من بيتك في مثل هذا الصقيع ؟!  
أولغا : وهل ترضى ان نبقى لوحدنا في المنزل ؟ أتدري ما ستفعله زوجة ابي ان رأتك معي ؟ ربما تقتلنا سويّاً
- لا أظنها ستعود قبل انتهاء العاصفة
فسكتت الصبية وهي تفكّر بالأمر , فأسرع قائلاً :
- دعيني أرتاح قليلاً قرب الموقد , وأعدك بأن أذهب فور انتهاء العاصفة

وإذّ بأصوات الحيوانات ترتفع من حولهم ! 
فسألها ريتشارد باستغراب : 
- ما هذا الصوت ؟!
أولغا : أوه ! انها خِرافي , عليّ تدفئة الإسطبل حالاً .. هل تساعدني ؟
- بالتأكيد !! ويمكنني إطعامهم وتنظيفهم ان أردّتِ
- لا , لا تلمس القاذورات كيّ لا يتجرّثم جرحك ..فقط ساعدني في إشعال الموقد لهم .. هيا لنخرج
***

وبالكاد وصلا للإسطبل خلف المنزل , بعد اشتداد رياح العاصفة الباردة ..
وهناك قاما بما يستطيعان لإدفاء الحيوانات .. لكن قبل عودتهما الى المنزل , سمعت أولغا صوت عربة تقترب من المكان ! 
فقالت بقلق : يا الهي ! يبدو ان زوجة ابي وابنتها عادتا الى هنا  
ريتشارد بدهشة : أبهذا البرد ؟!

ثم استرق النظر من شقّ الإسطبل , ورآهما تنزلان من العربة باتجاه المنزل..
أولغا بقلق : إبتعد عن الباب , وتعال واختبئ بين القشّ ..هيا بسرعة !! 
- لكن ارجوكِ لا تنسيني هنا , سيدة أولغا
- لا تقلق ..سأطمئن عليك من وقتٍ لآخر , لكن إيّاك ان تظهر أمامهنّ 
***

ثم أسرعت نحو المنزل , حيث وجدتهما تتدفئان قرب الموقد .. 
فسألتها الأم :
- اين كنتِ ؟!
أولغا وهي تلهث : العدو اللعين !! لم يهدأ قصفه الا هذا الصباح , فذهبت الى الإسطبل للإطمئنان على المواشي.. وانتما ! كيف عدّتما بهذه الجوّ العاصف ؟!
الأم : كنّا في طريق العودة الى هنا , قبل ان نعلق في العاصفة .. 
ابنتها : من بعدها لا اعلم ماذا حصل ! أظنني غفوت , وحين استيقظت كنّا وصلنا الى هنا .. 
امها : وانا ايضاً لا أذكر سوى بداية الرحلة .. انه لأمرٍ غريب ! 
فنظرت أولغا من النافذة وسألتهما : 
- واين سائق العربة ؟ لا اراه في الخارج ! 
زوجة ابيها : ربما عاد الى القرية .. دعك منه الآن واطعمينا , فنحن جياع
- حالاً خالتي
***

وفي المساء .. إنتظرت أولغا نومهما بالطابق العلوي كيّ تأخذ رغيفاً وقطعة جبن وشايٍ ساخن الى ريتشارد النائم في الإسطبل بين الخراف وقرب الموقد ليتدفأ معهم قليلاً .. 
فغطّته بالبطانية وتركت الطعام بجانبه وعادت الى بيت , وهي تدعو ربها أن يرحل صباحاً قبل ان يراه احد 
***

وقد فعل ذلك فجراً بعد تناوله الفطور الذي تركته بجانبه , وبعد تأكّده من انتهاء العاصفة .. 
لكنها تمنّت لوّ انه انتظرها , كيّ تزوده بطعامٍ يكفي رحلته نحو الثكنة !
*** 

في هذه الأثناء .. تابع ريتشارد رحلته , مُستعيناً ببوصلته  
قائلاً في نفسه :
((ربما أصل الى المعسكر خلال يومين , أتمنى فقط ان لا أموت جوعاً قبل وصولي الى هناك))  

وفجأة ! سمع صديقيه هاري ومارتن ينادونه من الخلف ..
- ريتشارد !! انتظرنا قليلاً
ريتشارد بدهشة : كيف وصلتما اليّ بهذه السرعة ؟! وكيف تركضون بسهولة فوق الثلوج ؟!
هاري : انت تمشي ببطء , فتتبّعنا آثار اقدامك .. 
مارتن : نعم , لقد قرّرنا ان نكون معك في هذه الرحلة .. فإمّا ان نصل للمعسكر بسلام , او نموت سويّاً
ريتشارد : سنصل , لا تقلقا .. هل أحضرتما خيمة وكشّاف , او ولاّعة ومعلّبات طعام معكما ؟
هاري : لا ..لم نردّ حمل شيءٍ معنا , كيّ نصل اليك بسرعة
ريتشارد بعصبية : هل جننتما ؟!! وكيف سنتدفّأ مساءً ؟
مارتن : لا تقلق , سنجد حلاً
***

وتابعوا المسير الى وقت العصر , حينها شعر ريتشارد بجوعٍ شديد .. وأخذ يشدّ الحزام حول خصره النحيف .. 
وهنا انتبه على غياب أحدهما , فسأل صديقه : 
- اين هاري ؟!
مارتن : أظنه ابتعد عنّا لقضاء الحاجة , لا تقلق سيلحق بنا

وفجأة ! سمعا هاري يناديهما من خلف التلّ .. 
وحين وصلا اليه .. كان يقف قرب جثة جنديٍ روسي يسند ظهره على شجرة , ويبدو من وجهه المزرق إنه مُتجمّدٌ منذ شهور ! 
ريتشارد : هل هو مقتول ؟!
هاري : لا , يبدو انه مات من البرد
ريتشارد : إبحثوا في أغراضه
هاري : لقد فعلت , ووجدت مرطباناً فيه طعامٌ مثلّج 
مارتن : اذاً دعونا نسخّنه
ريتشارد : أخاف ان يكون فسد بعد هذه المدة
مارتن : بهذا البرد , لا اظن .. دعنا نسخّنه ونرى ماهو

وحين فعلوا .. كان شيئاً حلو المذاق كالمربى , كما كان في حقيبة الجندي رغيفٌ طويل قاسي كالحجر .. فسخنوه الى ان عادت طراوته بعض الشيء .. وصاروا يغمّسون قطعاً منه في المربى ويأكلونه بنهمّ 

الغريب انهم ظلّوا يتناولون من المرطبان الصغير حتى شبعوا تماماً , بل أحسّوا ايضاً بالدفء والطاقة تسري في أجسامهم ! 
ريتشارد باستغراب : ما هذا المربى السحريّ ؟!
مارتن : هل تظنه مخلوط بالكحول ؟!
ريتشارد : لا ادري ! لكني أشعر بنشاطٍ مُفاجئ
هاري : وانا ايضاً
ريتشارد : اذاً دعونا نُكمل المسير قبل غياب الشمس
***

وأكملوا طريقهم وهم بكامل قواهم .. ورغم ان الأمر كان مريباً نوعاً ما , الا انهم تجاهلوه .. 

ومع حلول الظلام , كان عليهم إيجاد مكانٍ يبيتون فيه قبل اشتداد البرودة .. وتفرّقوا في ثلاث إتجاهات للبحث عن مكانٍ آمن .. 
وبعد قليل , ناداهما مارتن من بعيد , قائلاً :
- وجدّت كهفاً يا رفاق !! 
وكادوا يطيرون فرحاً بعد اكتشافهم لكهفٍ عميق بإحدى الجبال القريبة .. 

ريتشارد وهو يتفقده , حاملاً شعلة النار التي أوقدوها على مدخل الكهف : 
- أشكّ بأنه كهفٌ من صنع الطبيعة
مارتن : ماذا تقصد ؟!
ريتشارد : إنظرا الى حوافه الحادّة , كأنه تمّ تفجيره سابقاً لصنع مخبأٍ للروس 
مارتن : اذاً سآخذ شعلتي وأتعمّق بداخله , لربما كان مخزناً للطعام 
هاري : او مخزناً للأسلحة نُخبر قادتنا به 
ريتشارد بحماس : وحينها حتماً سيكافؤنا بالعودة الى المانيا , كما وعدونا سابقاً .. هيا بنا !! 
مارتن بحزم : لا !! انت إبقى هنا واحرس المكان , وانا وهاري نكتشف الكهف ..وان شعرتَ بجنود العدو تقترب من هنا , قمّ بتحذيرنا فوراً
ريتشارد : كما تشاءان !

وبعد قليل .. خرجا وهما يحملان صندوقاً فيه 6 قناني كحول مُعتّقة ..وهما يقولان بحماس :
- لم نجد مؤناً غيره بالداخل , لكننا وجدنا الكثير من اسلحة الصيد وأصابع الديناميت
ريتشارد بفرح : أحقاً ! هذا سيُسعد قائدنا كثيراً .. هيا بنا نحتفل بهذا الإكتشاف الرائع !!

وظلّوا يشربون طوال الليل , الى ان سكروا ..وصارو يغنون ويرقصون بسعادة , حتى غلبهم النوم
*** 

في الصباح .. إستيقظ ريتشارد وحيداً في الكهف ! 
والأغرب حين اكتشف بأن صندوق الكحول لم ينقص منه سوى القنينتين التي شربهما , رغم تأكّده من ان صديقيه شربا الأربعة الباقية ! 

ثم خرج من الكهف منادياً عليهما , الا انهما اختفيا تماماً ! 
وحين يأس من رجوعهما , تابع طريقه نحو المعسكر ..مُقنعاً نفسه:
((سيلحقا بي , كما فعلا البارحة)) 
***

وبعد ساعتين من المشي فوق المنحدرات الخطرة , إذّ به يسمع هدير النهر 
ريتشارد بدهشة وقلق : ماذا ! أهو نفسه النهر القريب من مخيّمنا القديم ؟! 

وحين اقترب من النهر ورأى الشجرة الضخمة المهترئة اسفل الجبل , عرِفَ بأنه كان يسير في دوائر على مدى اربعة ايام , وبأنه عاد الى نقطة الصفر !
- لا مستحيل !! هل عدّت مجدّداً الى خيمتنا البائسة ؟! كيف هذا ! مع اني تتبّعت البوصلة جيداً , هل هي معطّلة ؟!

ودخل الى الخيمة وهو يُهيء نفسه لسماع سخريات رفاقه , لكنه تفاجأ برؤيتهم مُتجمّدين في أماكنهم ! 
والصدمة الأكبر كانت حين وجد صديقيه (هاري ومارتن) من ضمن 12 جندي الميتين ! 

فصرخ ريتشارد وهو يحاول إيقاظ مارتن : 
- هيا استيقظ يا صديقي !! الم تكنّ معي البارحة ؟!! كيف وصلت قبلي الى هنا ؟! وكيف تجمّدت انت وهاري بهذه السرعة؟!

وقبل ان يستوعب ما حصل ! سمع سيارات حربيّة تقترب من المكان.. فاختبأ سريعاً خلف أمتعة اصدقائه .. مُشهراً سلاحه على القادمين باتجاهه , خشية ان يكونوا من جنود الأعداء 
لكن ما أن رأى ضابطه يدخل الخيمة , حتى ناداه : 
- قائدي !

الضابط بدهشة : الجندي ريتشارد ! مالذي حصل لأصدقائك ؟!
ريتشارد : لا ادري سيدي .. فقبل ايام قررّت الذهاب وحدي الى الثكنة ..لكن يبدو انني أضعت الطريق وعدّت مجدداً الى هنا , لأتفاجأ مثلكم بما حصل !
فقال ضابطٌ آخر بعد معاينة المكان : يبدو انهم علقوا داخل دوّامة العاصفة التي منعتهم من مغادرة الخيمة او إيقاد النار لتدفئة , فماتوا من شدة البرد 
فقال القائد لريتشارد : كنت محظوظاً بإبتعادك عن الخيمة التي كانت في مسار العاصفة , والاّ للقيت حتفك معهم .... هيا لا تحزن هكذا , فهو قدرهم .. إركب الشاحنة , ودعنا نعيدك الى ثكنتنا 
***

وفي الطريق .. أخبرهم ريتشارد بما حصل معه , لكنه توقف عن سرده للأحداث الغريبة بعد مرورهم بجانب منزل أولغا 
وحينها صرخ ريتشارد للسائق : توقف هنا !!
فتوقفت شاحنة الجنود , لينزل منها ريتشارد مندهشاً بعد رؤية منزلها والإسطبل مهدّماً تماماً !

فعاتب قائده بغضب : لما قصفتموه ؟!! لم يكن فيه سوى ثلاث نّسوة بريئات 
القائد : هل جننت يا ريتشارد ؟! هذا المنزل قصفناه فور إحتلالنا للمنطقة
الضابط : هذا صحيح ..قصفه زميلي منذ ثلاثة أشهر تقريباً
ريتشارد : هذا مُحال ! كنت فيه قبل يومين , بعد ان أنقذتني الروسية أولغا التي تعيش هناك مع زوجة والدها وابنتها .. صدّقوني انا لا أكذب عليكم  

فقال له سائق الشاحنة ساخراً : أحقاً ..تماماً كما أنقذك صديقاك المتجمّدان اللذان وجدا لك المربى السحريّة , وصندوق الكحول المخبّأ في كهفك الوهمي ؟
ريتشارد بعصبية : نعم !!!
القائد : يبدو ان البرودة التي تعرّضت لها في الأيام السابقة أثّرت على سلامة عقلك ! فنحن قمنا بتمشيط المكان أكثر من مرة , ولم نجد كهفاً في هذه المنطقة .. كما لا أثر للروس : سواءً جنود او اهالي , بعد سيطرتنا على قريتهم منذ شهورٍ عدة ..

ريتشارد بإصرار : سيدي انا لا أدّعي ذلك , وهناك فعلاً اسلحة ومتفجّرات مُخبأة بالكهف .. وان أردّتم يمكنني إيصالكم اليه , فأنا مازلت أتذكّر ..
القائد مقاطعاً وبلا مبالاة : ريتشارد !! عدّ للشاحنة ودعنا نعيدك الى الثكنة , فقد أنهيت مهمّتك السابقة بنجاح , وسنوفي بوعدنا لك ونعيدك قريباً الى المانيا 
***

وبعد اسبوع .. عاد ريتشارد الى المانيا , بعد ان أدرك : 
بأن الصبية أولغا ساعدته دون علمها بموتها مع حيواناتها قبل شهور , إثر تهدّم منزلها والإسطبل بالقصف الإلمانيّ ..
وبأن زوجة ابيها وابنتها وسائق العربة لم يعودوا يوماً الى المنزل بعد موتهم وهم نيام أثناء العاصفة .. 
وبأن صديقيه لم يدركا بأنهما تجمّدا من البرد , بعد ان علقوا مع بقيّة الجنود في الخيمة

كما استوعب سبب شعوره بالشبع والإرتواء ذلك اليوم , لأنه وحده من أكل رغيف الخبز والمربى وشرب زجاجتيّ الكحول , بعد ان دلّته روحيّ صاحبيه على تلك المؤن !

وربما جميعهم قدّموا له المساعدة , بعد علمهم بتتبّعه لبوصلةٍ معطّلة طوال رحلته ..
ويبدو ان قرب ريتشارد من الموت جعلت الأرواح تسانده , كيّ يبقى حياً ليُخبر العالم بتجربته التي كانت أغرب من الخيال ! 

والتي للأسف لم يصدّقها قائده الذي مات مع جنوده إِثر ثورة أهالي القرى المجاورة الروسية , بعد إخراجهم لأسلحتهم المخبّأة في ذلك الكهف 
كما ان تفجيرهم للمعسكر النازيّ كانت البداية لإنسحاب الجيش الإلماني من روسيا ! 

وتمّتم ريتشارد بحزن , وهو يستمع لنبأ هزيمتهم من المذياع (في قريته الإلمانية المُدمّرة) : 
- ترى , هل بقيت روح أولغا وعائلتها وصديقايّ عالقة هناك , ام انها في طريقها الى الجنة بعد إنقاذهم حياتي ؟! 
***

والى يوم وفاة ريتشارد كعجوزٍ هرِم , ظلّ يحكي قصته الغريبة للناس الذين انقسموا بين مصدّقٍ ومكذّبٍ لها , لكنهم جميعاً لا ينكرون بأنها أغرب تجربة عسكريّة حصلت في الحرب العالمية الثانية !

الخميس، 10 يناير 2019

القتل بالوراثة

تأليف : امل شانوحة


جيناتٌ فاسدة !

إقترب رجلٌ في أواخر الستينات من محاسب متجر الخردوات , بعد ان اشترى : مجرفة وحبل وحافظات بلاستيكية كبيرة الحجم , ومنشار كهربائي وشريطٌ لاصق وسكينٌ حادّ.. فارتبك الشاب بعد ان لاحظ نظرات المشتري الحادّة والمخيفة ! وبعد ان قام بحساب أغراضه , أخذهم الرجل ووضعهم في صندوق شاحنته المُغلقة , مُنطلقاً نحو الغابة !

فقام الشاب بمراجعة الشريط من كاميرات المراقبة التي أظهرت بوضوح رقم الشاحنة .. وارسل الفيديو للشرطة , بعد ان أخبرهم بشكوكه حول نيّة ذلك الرجل بقتل أحدهم وتقطيعه وإخفاء اشلاءه داخل الصناديق لدفنها لاحقاً بالغابة 

وبالفعل نشرت الشرطة لجان تفتيش حول المنطقة للقبض على المتهم المشبوه ..
***

من جهةٍ أخرى .. لاحظ الرجل إنتشار الشرطة حول الغابة المُهملة التي فيها كوخه .. فأطفأ انوار منزله كيّ لا ينتبه أحد على وجوده , وأخذ يفكّر بسبب الإستنفار المُفاجىء للشرطة ! فتذكّر نظرات المحاسب المرتبكة .. فقال في نفسه :
((هل قام الغبي بالإبلاغ عنّي ؟! ..إن كان فعل !! فسيكون هذا آخر شيءٍ يقوم به في حياته .. والآن عليّ إخفاء شاحنتي بالمرآب , وإستخدام سيارتي الثانية لحين انتهاء هذه الأزمة))
***

بعد اسبوع .. أوقفت الشرطة عملية البحث , فالرجل بالنهاية لم يفعل شيء سوى شراء بعض الأغراض .. 

لكن حدس الشاب مازال يُشعره بأن هناك سرّاً يخفيه ذلك الرجل الغريب عن المنطقة , وتمنّى أن لا يقابله ثانية .. فهو مُضّطر للعمل كمحاسب  بدوامٍ جزئي في تلك المنطقة المقطوعة لمساعدة امه في مصاريف جامعته 
***

بعد شهر .. تناسى الشاب مايكل قصة العجوز , وخرج من المحل كعادته قبيل الفجر متجهاً الى بيته بسيارته القديمة المستعملة  
وحين مرّ بجانب الغابة , رفع العجوز رأسه من المقاعد الخلفية لسيارته وهو يحمل المخدّر بيده ..

وقبل ان يستوعب الشاب ما حصل ! أطبق بقماشته المبلولة على أنفه , ليسقط مايكل على جنبه مغشياً عليه .. بينما أسرع العجوز بالجلوس في المقعد الأمامي لقيادة سيارة الشاب باتجاه كوخه المخبّأ بين الأشجار الكثيفة في الغابة !
***

استيقظ بعدها مايكل وهو مُكبّل اليدين والقدمين بالسلاسل في قبوٍ مظلم  تفوح منه رائحة الرطوبة العفنة .. وحاول الصراخ رغم فمه المكموم بقماشةٍ قذرة .. 

بعد قليل .. أضاء العجوز النور في القبو , ليظهر رعب المكان ! 
حيث وجد هيكلٌ عظمي مُكبّل بالسلاسل بالقرب منه , وعلى شماله يوجد مرطبان به محلولٌ كيميائي لحفظ مجموعة من العيون البشريّة !

واقترب منه العجوز وهو يلبس قفازاته الجلديّة , مُبتسماً بعد ان لاحظ نظرات الشاب الفزعة وهو يتمعّن بالمرطبان القريب منه .. فقال له :
- نعم .. هذه 50 عيناً إقتلعتهم من ضحايايّ .. بالحقيقة لا , هم فقط 49 ..وبعينك الخضراء الجميلة سأكمل العدد 50 .. الم تسمع من قبل بسفّاح العيون ؟ ..انه انا بشحمه ولحمه !!

فصار مايكل ينتفض بخوف محاولاً الإفلات من قيوده ..
فقال له العجوز ساخراً :
- آه يبدو انك تريد التحدّث معي .. حسناً .. وهآقد أزلت القماشة عن فمك , فماذا تريد ان تقول ؟
فقال مايكل برجاء والدموع تسيل على وجنتيه : 
- أتركني ارجوك , فأنا لم افعل شيئاً لتقتلني 
- أحقاً .. مع اني علمت من مصادري انك أبلغت الشرطة عنّي
- لكنهم لم يجدوك وأنهوا مهمّة التفتيش .. وأعدك ان تركتني بأن لا أخبر أحداً بشيءٍ مطلقاً

العجوز : غريب كيف كل ضحايايّ يعدوني بالشيء ذاته ! لكن لا يا صديقي , لن أجازف بتركك بعد رأيتك لمقرّي السرّي .. دعني اولاً أعرّفك بعالمي الصغير .. أترى الهيكل العظمي الذي امامك .. كان هذا صديق طفولتي , أعرفه منذ ثلاثين سنة .. وعملنا سويّاً كقاتليّ مأجورين لأكثر من 15 سنة .. وبالنهاية خانني الحقير بعد قبضه لمبلغٍ ضخم من إحدى العصابات التي ارادت قتلي , فقيّدته هنا بعد ان أجبرته على تحويل كل امواله لحسابي في سبيل إطلاق سراحه .. وبالوقت الذي كنت أقوم فيه بجولةٍ سياحة حول أوروبا , كان جسده يتحلّل هنا بعد موته جوعاً .. وبصراحة لم أردّ دفنه , كيّ يبقى معي دائماً .. فبرأيك بعد ان قمت بذلك مع صديق عمري , أتظن انه سيرقّ قلبي لك وأتركك تمضي في حال سبيلك .. هذا مُحال !! ستموت كما مات غيرك ..لكن السؤال الأهم , كيف ستكون طريقة موتك ؟ ..اممم دعني أفكّر قليلاً .. هل أحرقك ؟ ام أقطّعك وانت حيّ ؟ ام أبحث عن اقاربك واقتلهم امام عينيك اولاً ؟ .. آه وجدتها !! سأدفنك حيّاً في حديقتي ..

مايكل باكياً : لا !! ارجوك سيدي , دعني اذهب فأنا ..
المجرم مقاطعاً : توقف عن النحيب !! فأنا أكره بكاء الرجال .. (ثم تنهّد بضيق) .. الغريب انني قرّرت منذ فترة التقاعد بعد ان كبرت في العمر , واخبرت العصابة التي كنت اعمل لديها بقرار اعتزالي .. وأتيت الى هذه المنطقة لأعيش بسلام بعيداً عن الناس .. واشتريت تلك الخردوات للإهتمام بحديقتي .. فالمنشار الكهربائي لأجل تقطيع شجرةٍ مهترئة بفناء داري ..والشريط اللاصق هو لإغلاق فتحات النوافذ قبل حلول الشتاء ..والسكين أردّت به تقطيع اللحوم التي خزّنتها في ثلاجتي .. لا لا تخف ..هي لحوم بقريّة , فأنا لم أصل لوحشيّة أكل لحوم ضحايايّ .. لكني أهوى جمع عيونهم .. او بالأصح عينهم اليسرى فقط .. لا ادري لماذا ! ربما هذا ما يريده شيطاني الذي يتلبّسني  

ثم قهقه بصوتٍ عالي , بينما كان مايكل منهارٌ بالبكاء ..
ثم عاد وسكب المخدّر على القماشة , فصار مايكل يترجّاه :
- لا ارجوك !! لا تخدّرني ثانيةً 
- لا تخف .. فحين تستيقظ , تجد نفسك داخل قبرك .. وأنصحك ان لا تحاول الهرب , فقد حفرته عميقاً جداً .. الآن لا تتعبني , إشتمّ المخدر دون مقاومة .. وأعدك ان لا أقلع عينك الا بعد تأكدي من موتك .. أترى كم انا رحيمٌ معك , فبالعادة أفعل ذلك بضحايايّ وهم احياء .. لكني سأجنّبك هذا العذاب , فالموت إختناقاً يكفيك 

ورغم محاولة الشاب الإفلات من السلاسل الصدئة , الا ان العجوز تمكّن من الضغط بقوّة بالقماشة الرطبة على انفه , ليتوقف مايكل فجأة عن الحركة !
*** 

ما حصل بعدها كان أغرب من الخيال ! فمايكل بالحقيقة قام بتمثيل إغمائه بعد كتم أنفاسه , فهو سبّاحٌ ماهر ولديه قدره على كتم نفسه طويلاً .. وحين حاول العجوز رميه داخل الحفرة (بعد فكّ أصفاده) ..إستطاع مايكل بثوانيٍ الهجوم على العجوز والتعارك معه .. 

ورغم القوة الجسدية للقاتل  الا ان الشاب إستطاع سحب المجرفة من يده , وضربه بها على رأسه عدة مرات .. ولم يتوقف مايكل عن الضرب حتى تهشّم رأس العجوز تماماً , وحينها استوعب الموقف ! ورماه داخل الحفرة .. لكنه لم يردم التراب عليه , بل أسرع ناحية سيارته وانطلق بها الى بيته 

وهناك اتصل مايكل بالشرطة وأخبرهم بوجود جثة السفّاح المطلوب للعدالة منذ سنوات داخل حديقة الكوخ , وأعطاهم العنوان .. وحين سألوه عن اسمه , أخبرهم انه فاعل خير ..وأنهى المكالمة , لينهار بعدها ببكاءٍ مرير بعد ان تلوّثت يداه بالدمّ !
*** 

في اليوم التالي .. تفاجأت امه بعودته الى القرية .. 
- مايكل ! هل لديك عطلة بالجامعة ؟
فاحتضنها بقوة وهو يحاول كتم بكائه ..
الأم بقلق : مايكل عزيزي ! مابك ترتجف هكذا ؟ هل انت مريض؟
- نعم امي , قليلاً .. واريد ان ارتاح في سريري
- اذاً ادخل الى غرفتك , وسأحضّر لك الحساء 
***

في المساء .. استيقظ مايكل على صوت التلفاز .. وحين خرج للصالة وجد امه تبكي وهي تشاهد الأخبار 
- ما بك امي ؟
- لقد وجدوا اللعين مقتولاً  
وكان في النشرة : ((إنتشال الشرطة لجثة سفّاح العيون من الغابة)) 
فسألها باستغراب :
- ولما تبكين ؟
امه وهي تمسح دموعها : لأنني أخيراً سأنام بسلام دون الخوف منه , فأنا أعرفه شخصياً 
ابنها بدهشة : ماذا تقصدين ؟!
فتردّدت الأم قليلاً , ثم قالت : هذا السفّاح بالحقيقة .. والدك يا مايكل

ونزلت كلماتها كالصاعقة على رأسه : ماذا ! الم تقولي ان والدي توفي بحادث سيارة وانا بعمر السنتين ؟ ..حتى كنّا نزور قبره سويّاً !
الأم بحزن : كان قبراً فارغاً يا مايكل .. وقبل ان تغضب مني , سأخبرك بالقصة منذ البداية .. (وتنهّدت بضيق) .. والدك كان ابن الجيران الذي أحببته كثيراً , وتزوجته رغم اعتراض اهلي الذين لم يطيقوا تصرّفاته الطائشة .. وسافرنا الى المدينة لأعيش معه أجمل سنتين في حياتي 
- وماذا حصل بعدها ؟
- تغير كل شيء بعد زيارة صديقه الى بيتنا 
مايكل : اي صديق ؟
- قال انه صديق عمره ويريده ان يعود الى عملهما القديم .. ومن يومها بدأ يطيل السهر , ولا يرجع الا فجراً .. وحين يعود , يُسرع بغسل ثيابه والإستحمام .. واحياناً كنت اراه يدفن اشياءً في حديقة منزلنا .. فظننته يخونني , وراقبت الهاتف بعد ان اشتريت هاتفاً آخر دون علمه .. ففي ايامنا لم يكن هناك جوّالات .. وحينها سمعت شيئاً , كان اسوء بكثير ممّا ظننت ! 

مايكل : هل علمت وقتها انه قاتل مأجور ؟
- نعم للأسف .. وكان في نفس اليوم الذي عرفت فيه بحملي , لكني أخفيت الموضوع عنه .. وانتظرت خروجه من البيت مساءً , لأُسرع بالهرب لأقرب محطة قطار .. 
- وعدّتِ الى عائلتك ؟ 
- لا , خفت ان يقتلهم ايضاً .. فهربت الى هذه القرية , وعملت نادلة في مطعم المحطة كيّ أصرف عليك .. لكني لم أهنأ يوماً بالنوم , لخوفي من ان يجدني ويقتلني لهروبي منه 
- يا الهي ! لم اكن أعلم انك تعانين كل هذه المدة 
الأم بارتياح : المهم انه مات وانتهى أمره 

وعاد الى غرفته مصدوماً بعد علمه بقتل والده الذي تشوّهت صورته في نظره للأبد .. لكن مالا يعمله مايكل انها كانت البداية! 
***

في صباح اليوم التالي , ودّع امه بحجّة العودة الى الجامعة .. ووصل عصراً الى بيته قرب الغابة المشؤومة 
وفي ذلك المساء وقبل ان ينام , وصله اتصال على هاتف منزله ..
فأجاب بتعب : الو
فردّ عليه الصوت : وأخيراً أجبت على هاتفك 
مايكل : من معي ؟!
- لقد رأيتك وانت تقتل الشيطان 

فقفز مايكل من سريره فزعاً : من انت ؟!!
- إهدأ ولا تخف .. نحن من عصابة العقرب وكنّا نراقب العجوز لأننا لم نصدّق باعتزاله .. وقد أُعجب رؤسائي ببطولتك بعد ان صوّرتك من بعيد وانت تقتله .. ونريدك بمهمةٍ سرّية 
- انا لست قاتلاً !!
- 300 الف دولار 
مايكل بدهشة : ماذا !
- سنعطيك هذا المبلغ في حال قتلت تاجر مخدرات 
- تاجر مخدرات !
- بالطبع , فنحن لا نقتل الأبرياء .. هو بالحقيقية منافسٌ قويّ لنا.. ونحتاج وجهاً جديداً لاختراق صفوف عصابتهم , لقتل رئيسهم  

فسكت مايكل لبعض الوقت .. فقال له المجرم :
- يبدو انك تفكّر .. اذاً سنرفع السعر الى نصف مليون دولار
- أحقاً !
- نعم , تصوّر ما يمكنك فعله بهذا المبلغ الضخم .. فإن كنت شاباً جيداً ستشتري منزلاً جميلاً لأمك , بدل بيتها القديم ذو السياج الأحمر
مايكل بخوف : ماذا ! أكنتم تراقبونني ؟
- بالتأكيد !! فما رأيك ان تُسعدها , بدل ان نُخيفها برجلين من عندنا يقتحمان منزلها هذه الليلة
مايكل صارخاً بغضب : يا حقير !!
- لا تنفعل هكذا , فنحن لن نمسّها اذا وافقت على عرضنا 

مايكل : لكن ليس عندي سلاح
- هناك خزانة سرّية في قبو كوخ العجوز , أعتقد انه يُخفيها خلف الخزانة الحديدية , لهذا لم تعثر عليها الشرطة .. وستجد فيها أقوى الأسلحة كاتمة الصوت , برأيّ ان تبدأ التدرّب عليها في الغابة .. وسنتصل بك بعد شهر 
- تتصلون على هذا الهاتف
- لا طبعاً .. سنتصل على رقمك الجديد ..
مايكل : ليس عندي جوال
- إفتح باب منزلك وستجد هاتفاً جديداً , لكن إيّاك ان تغير رقمه .. سنكلّمك عليه لاحقاً ..كما ستجد حاسوباً , حين تفتحه تجد صفحة عليها حسابك البنكي الذي افتتحناه لك هذا النهار , والذي أعدك ان يمتلئ بالمال ان أجدّت القيام بمهمّاتك ..كل ما عليك فعله الآن هو التدرّب جيداً , فنحن لا نتقبّل الأخطاء .. أظن كلامي مفهوم 
مايكل بتردّد : سأحاول جهدي 
- أحسنت !! سنلتقي بك لاحقاً .. سلام

وحين فتح باب منزله , وجد صندوقاً به : جوالاً مشحون وحاسوب..
وظلّ مايكل يفكّر بالأمر طوال الليل , الى ان وصل لقرار .. مُقنعاً نفسه :
((يريدوني ان أقتل مجرماً , وبذلك أخلّص المجتمع من انسانٍ فاسد في مقابل نصف مليون دولار , أُسعد بها امي التي عاشت كل حياتها في فقرٍ وخوف .. لا أظن سيكون الأمر بهذه الصعوبة))
***

في اليوم التالي .. أخذ شنطة ملابسه وذهب الى كوخ الغابة , ونزل القبو وهو مازال يشعر بروح والده المخيفة تحوم في المكان .. وكانت الشرطة قد أخذت مرطبان العيون والهيكل العظمي .. 
وحين جرّ الخزانة الحديدية الصدئة , وجد خلفها مجموعة من الأسلحة عالية الجودة ! وعلى الفور إعترته الحماسة لتجربتها .. 
***

وأمضى شهراً في الغابة يصطاد الأرانب والطيور مُستخدماً جميع انواع الأسلحة 15 التي يمتلكها والده .. وكان معجباً بمسدسٍ صغير ذو رصاصاتٍ متفجّرة , بعد ان لاحظ سهولة قتل الحيوانات به !
فتمّتم قائلاً وهو يتفحّصه :
((هذا أنسب سلاح للقيام بالمهمّة , فهو سهلٌ إخفائه ونتيجته محتّمة))

وفجأة ! أتاه الإتصال الأول على جواله قائلاً : يبدو انك مستعدٌ الآن
مايكل باستغراب : وكيف عرفت ؟!
- كنّا زرعنا كاميرات مراقبة حول الكوخ وفي اجزاءٍ متفرقة من الغابة .. ولاحظنا مع الأيام تطوّرك باستخدام الأسلحة , وأظنك تدرّبت بما فيه الكفاية وحان وقت العمل 
مايكل : ومتى سأنفّذ المهمة ؟
- اليوم مساءً 
- أبهذه السرعة ؟!
- نعم , وبعد قليل سنرسل لك شخصاً يُطلعك على كافة المعلومات التي تحتاجها
مايكل بثقة : سأكون في انتظاره
- ممتاز !! أرِنا براعتك يا بطل
- وماذا بشان المال ؟
- نفّذ اولاً , وسنرسل على حسابك المبلغ المتفق عليه .. نراك قريباً .. سلام

وأغلق مايكل الجوال وهو يشعر بشعورٍ مُتناقض : بين الحماس وتأنيب الضمير , وبين الخوف والطمع بالمكافأة الضخمة 
***

وبعد حصوله على كافة المعلومات من رجل العصابة , إنطلق بآخر الليل بسيارته الجديدة (مِهداء من العصابة) لملاحقة منافسهم الشرس الذي اتخذ الحانة مقرّاً له .. 

وانتظره في موقف السيارات .. وما ان خرج من الحانة للقيام بمكالمةٍ مهمّة بعيداً عن حرّاسه الشخصيين , حتى أرداه مايكل برصاصتين إخترقتا قلبه .. ثم أسرع هارباً الى المحطة القريبة ليترك فيها سيارته الفارهة , عائداً بسيارته القديمة الى الغابة (إحتراساً من كاميرات الطرقات , كما نبّهته العصابة التي ستسترجع سيارتها لاحقاً).. 
***

وفي الكوخ .. أزال مايكل قناعه وقفازيه وهو غارقٌ بالدموع , بعد إحساسه بتأنيب ضميرٍ لا يطاق .. 
لتصله بعد دقائق .. مكالمة من رجل العصابة : هنّأه فيها على دقة التصويب بقتله الهدف .. ثم سأله :
- لما صوتك هكذا ؟ هل تبكي ؟!
مايكل وهو يمسح دموعه : لا ابداً
- إسمع ايها الشاب .. انت الآن متورّطٌ معنا ولا يمكنك الإنسحاب .. لكني سأخفّف عنك ألم الضمير .. إفتح حاسوبك وستجد ما يسرّك .. ومن بعدها إرتح جيداً , لأنه ستكون هناك مهماتٍ جديدة في المستقبل , فأعدائنا كُثر .. سنتواصل معك لاحقاً .. سلام

وحين فتح مايكل حاسوبه .. وجد نصف مليون دولار في حسابه , ممّا أذهب حزنه وجعله يشعر بحماسٍ وتفاؤلٍ بالمستقبل .. فهو بضغطه على الزناد , تحوّل بلحظة من شابٍ فقير الى ثريّ ! 
فجلس يخطّط لحياته الجديدة وبالأشياء الجميلة التي يريد تجربتها من متع الحياة..

وبينما هو غارقٌ بأحلامه , وصله اتصالٌ آخر على جواله :
- هل انت من قتلت رئيس عصابة الثعبان قرب الحانة ؟
مايكل بخوف : أأنت شرطي ؟!
- لا طبعاً لا تخف , انا من افراد تلك العصابة 
مايكل بفزع : ماذا ! 
- لا تقلق , فأنا كنت أتوق لقيادة عصابتي منذ مدةٍ طويلة , وأشكرك على إزاحة رئيسي القاسي عن طريقي .. وأريدك في مهمّةٍ أخرى 
- وماهي ؟ 
- اريدك ان تقتل رئيس عصابة العقرب .. وقبل ان تقول شيئاً , أعرف انك تعمل لديهم .. لكني أنصحك بأن تعمل بشكلٍ مستقل عن بقية العصابات , فهذا يزيد من فرص عملك .. وفي حال قتلت رئيسهم , سأعطيك مليون دولار
مايكل بدهشة وحماس : مليون !
- نعم , ضعف ما أعطوه لك
مايكل باستغراب : وكيف عرفت ؟!
- نحن نعرف كل شيء , فرجالنا منتشرون في كل مكان.. هآ ماذا قلت ؟
مايكل : كنت سألتقي بهم غداً للإحتفال بنجاح خطتنا 
- جيد , وقتها تنفّذ المهمّة .. لكن اريد اولاً التأكّد من براعتك في العمل

فأجابه مايكل بثقة , بعد ان تملّكه الغرور : 
- لا تقلق , فأنا قاتلٌ محترف ..هل سمعت بسفّاح العيون ؟
- بالطبع , فهو كان أشهر قاتلٍ مأجور في عالم الجريمة
مايكل : وانا ابنه 
- لم نكن نعرف ان لديه ابن ! 
مايكل : وهو لم يعرف ايضاً 
- يبدو ان القتل وراثة بعائلتكم ! لكن ليس بالضرورة ان تكون بمثل براعته 
مايكل بفخر : اساساً انا من قتلت والدي ورميته بالحفرة , ثم اتصلت بالشرطة لانتشال جثته 
- أحقاً ! من الواضح انك مُتبلّد المشاعر كوالدك  .. حسناً قمّ بالمهمّة وستحصل بالإضافة على المليون , على إشتراكٍ مجانيّ في حانتنا : إيّ نساء وخمور وقمار متى شئت
مايكل بحماس : ممتاز !! وماذا يريد الشاب أكثر من ذلك
- اذاً اتفقنا.. نراك لاحقاً .. سلام

وأغلق مايكل المكالمة .. ثم صعد الى غرفة والده بالكوخ , وأخذ صورته الشخصية الصغيرة التي ثبّتها بطرف المرآة .. 
وقال وهو يتمعّن في صورة والده : 
- سأنافسك يا والدي , وسأجعل أعداد القتلى أضعاف ضحاياك .. راقبني من الجحيم وسترى كيف سأتفوّق عليك !! 

وابتسم ابتسامةٍ خبيثة ! 

المصعد المسكون !

تأليف : امل شانوحة الطابق المهجور صعدت الطبيبة الجديدة جوليان (ذات الشعر الأحمر) الى الطابق الخامس في المستشفى للكشف على طفلٍ وُلد ح...