الخميس، 18 يوليو 2019

الموهبة الدفينة

تأليف : امل شانوحة

لا تتخلّى عن احلامك

اثناء إنشغال فؤاد ببيع الخردة مع عمّاله , سلّمه ساعي البريد دعوة لحضور حفل لمّ شمل طلّاب الثانوية القدامى في مدرسته القديمة 
وبعد قراءته البطاقة , أحسّ بغصّة في قلبه بعد استعادته لذكرى مؤلمة حصلت له منذ ثلاثين سنة..

فقال فؤاد في نفسه بحزن :
- أكيد اصدقائي أصبح منهم الطبيب والمهندس , وانا كل ما فعلته هو إدارة محل والدي .. ياله من إنجاز !
ومزّق الدعوة وهو يحبس دموعه ..
***

في المساء .. قادته رجلاه بغفلةٍ منه الى مدرسته القديمة التي وجد بابها مفتوحاً , حيث كان البوّاب وابنه يقومان بتزين المدرسة إستعداداً للحفل الذي سيُقام بنهاية الأسبوع .. وحين أخبر الحارس بأنه أحد الطلاّب القدامى , أذن له بالدخول ..

فصعد فؤاد الى صفّه القديم وجلس على طاولته , لتعود ذاكرته الى الوراء , وتتوقف عند اليوم الذي تغيّر فيه حياته , حين طلب منه الأستاذ أحمد قراءة موضوع التعبير .. 

فوقف فؤاد (المراهق) امام اصدقائه , قائلاً بثقة :
- أعذرني استاذ , لكني فضّلت كتابة الواجب بطريقة شعرٍ ألّفته بنفسي 
الأستاذ احمد باندهاش : أحقاً ! .. إذاً إسمعنا إيّاه
وبعد إلقائه القصيدة , قال أحدهم ساخراً :
- أتسمي كلماتك المبعثرة شعراً , ليتك لم تحلّ الواجب اصلاً
وضحك التلاميذ عليه .. 

فنظر فؤاد الى استاذه بنظرات استغاثة , لكنه تفاجأ به يبتسم لتعليقاتهم الساخرة ! وكانت صدمة كبيرة له , فهو قدوته واستاذه المفضّل 

فأعاد فؤاد كرّاسته الى حقيبته غاضباً , وخرج من الصفّ قائلاً :
- لن أعود الى هنا مجدداً !! فشكراً لتدميركم مستقبلي 
وقد حاول الإستاذ اللحاق به , لكنه ركض هارباً من المدرسة ..
***

قبل وصول فؤاد الى منزله , وجد محل والده مغلقاً ! 
فسأل جاره الذي أخبره بشفقة : 
- امك صدمتها سيارة , وهي في المستشفى بحالةٍ حرجة ..فاذهب لتطمئن عليها يا بنيّ

فرمى فؤاد حقيبته بالشارع , وركض مسرعاً باتجاه المستشفى ..
وهناك أخبرهم الطبيب انها بحاجة الى عدّة عمليات للنجاة بحياتها .. لهذا رضخ فؤاد لاقتراح والده بالعمل معه لتوفير المال .. وقرّر ترك المدرسة نهائياً رغم انه من اوائل الطلاّب , وأكثرهم تميزاً بمواد اللغة العربية ..
***

الا ان امه توفيت في العناية المشدّدة .. وأكمل فؤاد حياته بالعمل مع والده في تجارة الخردة .. 

وحين أصبح شاباً توفي والده , واستلم عنه إدارة المحل ..
ومع الأيام .. إكتسب قساوة والده مع العمّال , وأصبح تاجراً معروفاً في المنطقة .. وكانت حياته تسير على ما يرام , الى ان وصلته تلك الدعوة التي أعادت الغصّة الى قلبه ..

واثناء سرحانه في ذكريات الماضي (وهو يجلس على طاولته في صفّه القديم) إقترب منه ابن البوّاب قائلاً :
- آسف استاذ , لكن الوقت تأخّر وعلينا إغلاق المدرسة
فؤاد : آه فهمت , سأخرج حالاً
- هل ستأتي الى الحفلة ؟
فتنهّد فؤاد بضيق : لا أظن ذلك 
المراهق : لماذا ! الا تريد رؤية زملائك واساتذتك ؟
- ليس حقاً ..فأنا تركت المدرسة قبل التخرّج
المراهق بحزن : وانا ايضاً أفكّر بترك المدرسة , فأصدقائي يعايرونني دائماً بأني ابن البوّاب

فؤاد بحزم : إيّاك ان تفعل , أسمعت !! ستندم كثيراً .. فأنا مثلاً لوّ أكملت دراستي , لكنت أصبحت شاعراً مهمّاً .. ربما رجلاً فقيراً , لكني سأكون أسعد من الآن .. لهذا لا تهتم بأقوال الآخرين , فعدم حصولك على شهادة ستبقى غصّة في قلبك للأبد
المراهق : أهذا يعني انك ستحضر الحفل ؟
ففكّر فؤاد قليلاً , قبل ان يقول :
- لا ادري ... ربما أفعل  
وخرج من المدرسة وهو مشوّش التفكير
***

في يوم الحفلة .. حاول فؤاد تجنّب الجميع الذين حضروا بأطقمهم الرسمية الفخمة التي تُظهر بأنهم حصلوا على أعلى الشهادات والوظائف .. وترك الجُموع , ليذهب الى صفّه القديم .. 
وبعد ان جلس هناك , أسند رأسه على طاولته وهو يقول بيأس :
- لما أتيت الى هنا اصلاً ؟!

بعد قليل .. سمع صوت عكّاز يقترب منه ! 
وحين رفع رأسه , وجد رجلاً عجوزاً يقف قربه ويقول :
- تلميذي النجيب ... فؤاد ! عرفتك من وحمة يدك .. 
فؤاد بدهشة : من ! الأستاذ احمد ؟ .. يا الهي ! لم اكن اعرف انك.. (وسكت)
فأكمل الأستاذ بابتسامة : انني مازلت حياً 
- لم أقصد ذلك , أطال الله عمرك
وقام وقبّل رأسه .. 

فأخرج الأستاذ من حقيبته دفتراً قديماً , وأعطاه لفؤاد : 
- أتدري انني اقترحت على المدير فكرة الحفلة لكيّ أراك وأعيد كرّاستك اليك 
وحين تصفّح فؤاد الدفتر , قال باستغراب : 
- آه ! هذا دفتري الذي كنت أكتب فيه الشعر وانا طالب
الأستاذ : نعم , نسيته في درجك حين هربت من المدرسة .. 
- كنت جمعت فيه أجمل اشعاري , ونويت إهدائه لك بعد ان تمدحني امامهم , لكنك ... (وسكت)
الأستاذ بنبرةٍ حزينة : خذلتك
فؤاد بقهر : كنت أنوي الغياب ليومين .. لكن عدم مساندتك لي ذلك اليوم , أفقدني حماسي للدراسة .. فأنت كنت مثلي الأعلى في الحياة 

الأستاذ : وقتها تردّدت في مدحك لوجود أخطاء أدبية وإعرابية في شعرك , لكنه كان مميزاً بالنسبة لعمرك , كما بقيّة اشعارك التي قرأتها لاحقاً .. ولم ادرك انك تركت المدرسة نهائياً الا متأخراً , فقد أسرع والدك بسحب ملفك , لهذا لم استطع الوصول اليك .. ومازلت الى اليوم أشعر بالذنب حيالك .. وأرغب حقاً في سماع إنك سامحتني , ليرتاح ضميري !
فسكت فؤاد بقهر , وهو يشيح بنظره بعيداً .. 

فقال الأستاذ :
- على الأقل لا تترك الشعر , فهي موهبتك الحقيقية .. وحاول الكتابة مجدّداً , كيّ لا تبقى حسرة في قلبي يا بنيّ .. 
فأومأ فؤاد برأسه إيجاباً , وقبّل رأس استاذه .. 
ثم خرج من المدرسة وهو يكتم دموعه ..
***

في تلك الليلة .. أعاد فؤاد قراءة اشعاره القديمة مراراً , مُتعجباً من فصاحته في عمر المراهقة ! ممّا شجّعه على المحاولة من جديد 
وسهر حتى الصباح في كتابة ابياتٍ شعريّة , لكنه لم يستطع تنظيم بيتين متتاليين .. 

وبعد ان تملّكه اليأس والتعب , مزّق اوراقه وهو يقول بقهر : 
- يبدو ان موهبتي ضاعت ذلك اليوم , ولن تعود ثانيةً
ثم نظر لساعته : اللعنة ! لقد تأخّر الوقت , ولديّ غداً إجتماعاً مهم مع تجّار الخردة..
فوضع دفتره القديم في الدرج وهو يقول : كانت موهبةً جميلة , لكن الدنيا تصرّ على هدم احلامي .. وهذا هو قدري 

ثم ذهب لينام , محاولاً تجاهل كلمات استاذه التي أثّرت به كثيراً .. ومسح دمعته بعد ان أيقن عجزه عن تحقيق حلم إستاذه بقراءة قصيدة جديدة له , كما وعده !
***

خلال الأسابيع التالية .. حاول الأستاذ احمد الإتصال به اكثر من مرة , لكن فؤاد لم يجيبه لأنه يعرف مُسبقاً ما سيطلبه منه 

وفي آخر إتصالٍ منه , أطفأ فؤاد جوّاله بغضب وهو يقول : 
- يالا عنادك يا استاذ ! ثلاثة شهور وانت تلاحقني , متى ستستلم وتتركني وشأني , فطالبك اللعين لم يعد شاعراً !!!
***

في اليوم التالي .. وصله إتصال من رقمٍ لا يعرفه ! وحين ردّ عليه , كان ابن الأستاذ احمد يخبره بوفاة والده .. 

وانهار فؤاد باكياً بعد معرفته بأن استاذه إتصل عليه قبل دخوله العملية التي توفي فيها !
***

في الصباح الباكر , ذهب الى المقبرة .. وبعد دفن الأستاذ احمد , جلس في صالة العزاء التي اكتظت بطلاّبه القدامى من اصدقاء فؤاد الذين تعرّفوا عليه ..

وبعد ساعة .. لم يجد نفسه الا وهو يقف امامهم , لتتفتّق قريحته بأبيات رثاءٍ عن معلمه , لاقت صدى طيباً عند المستمعين 
فتوجّه اليه ابن الأستاذ أحمد والدموع تترقرق في عينيه , وقبّل رأسه وهو يقول :
- كانت ثقة ابي في مكانها حين قال عنك : بأنك تلميذه الموهوب الذي سيرفع رأسه بين الناس 

فخرج فؤاد مسرعاً من العزاء وقد اختلطت عليه المشاعر .. 
وعاد الى بيته وكلّه تصميم على تطوير موهبته التي استعادها أخيراً , بعد إلقائه لتلك القصيدة المؤثرة التي لم ينظّمها مُسبقاً !  
***

مع بداية السنة .. شارك صديقه بتجارة الخردة كي يتفرّغ للكتابة .. وفتح مدونة على الإنترنت لكتابة قصائده , التي سرعان ما حصلت على الكثير من التعليقات المؤيدة لمحبيّ الشعر

وبعد نشر ديوانه الأول الذي كان الأكثر مبيعاً بين كتب الأدب , حصل على مقابلته التلفزيونية الأولى التي لم ينسى فيها شكر الأستاذ احمد الذي اعاده الى جادة الصواب ..
***

وبعد المقابلة , توجّه مباشرةً الى المقبرة .. ووضع نسخة عن كتابه فوق قبر استاذه والدموع تسيل على وجنتيه.. 

وبعد قراءته الفاتحة , قال بصوتٍ متهدّج :
- هآقد بدأت مسيرتي الأدبية , ونشرت كتابي الأول الذي بإذن الله لن يكون الأخير .. وكتبت الإهداء لك كما وعدتك .. فارقد بسلام , فقد سامحتك دنيا وآخرة يا استاذي الفاضل 

الأحد، 14 يوليو 2019

سمعةٌ مُدمّرة

كتابة : امل شانوحة


المخدرات في المدارس

كان أحمد (المدير السابق لمدرسة الثانوية المختلطة) يقود سيارته مع ابنته الجامعية , وهو مازال مغتاظاً من المدير الجديد .. 
حيث قال غاضباً :
- لا أصدّق انهم أجبروني على التقاعد المُبكّر , لكي يضعوا سمير مكاني ! لطالما كان ناظراً بليداً ومهملاً , وسيُفسد نظام مدرستي  الذي بنيته في 30 سنة ؟!
- ابي اهدأ رجاءً , لا اريد ان تصيبك نوبة قلبية جديدة .. انت قمت بواجبك على أتممّ وجه , والجميع يعلم بسمعتك النظيفة .. لكنه حان الوقت لترتاح من هذا العناء , فأنا وامي بالكاد كنّا نراك لإنشغالك الدائم بحلّ مشاكل الطلاّب داخل وخارج المدرسة 

في هذه الأثناء .. مرّت امامهما سيارة جديدة , فلمح أحمد سائقها .. فقال لإبنته باستغراب :
- ارأيت ذلك الرجل , انه يشبه بوّاب مدرستي !
- العم نجيب ! مستحيل ابي .. فهو رجلٌ فقير يعيش مع امه , فمن اين له المال لشراء هذه السيارة الفخمة .. ربما شخصٌ يشبهه
الأب : أمعقول ان لديه أخاً توأماً ميسور الحال ؟! 
- بدأت تهلوّس بالمدرسة يا ابي , رجاءً حاول نسيانها ..ودعنا نعود سريعاً الى البيت , فخطيبي قادمٌ للغداء معنا 
***

في إحدى الليالي .. شعر احمد بالأرق , رغم تعوّده على النوم باكراً .. الا انه في الفترة الأخيرة صار يتضايق من الإستيقاظ صباحاً دون الذهاب للعمل .. 
فقام من سريره ولبس ثيابه .. 

وقبل خروجه من المنزل , سألته ابنته التي كانت تسهر لدراسة امتحانات السنة الأخيرة الجامعية ..
- ابي ! الى اين انت ذاهب في هذا الوقت المتأخّر ؟!
- جافاني النوم مجدّداً ! لهذا سأقود في الأرجاء , فالطرقات هادئة في هذا الوقت ..
ابنته بقلق : أخاف ان تتعب وحدك بالطريق , دعني أذهب معك
- لا يا نجوى , إكملي دراستك .. لن اتأخّر بالعودة 
وخرج من البيت ..
***

ومع الأيام .. صار معتاداً على التنزّه في آخر الليل وحده , وأمضاء النهار بالنوم لتمضية الوقت ..

وفي إحدى الليالي .. وجد نفسه يقود قرب مدرسته القديمة , ليلاحظ نور الملعب مضاءً !
- غريب ! الساعة الواحدة مساءً , فلما ترك الحارس نجيب الأنوار مضاءة هكذا ؟ هذا تسيّب وصرف للكهرباء ..
فأوقف أحمد سيارته بجانب المدرسة .. 
وحين اقترب من الباب , لم يجده موصداً بإحكام ! وبدفعةٍ بسيطة منه , إستطاع الدخول اليها 

وحين وصل الى الملعب .. رأى مراهقيّن يتجوّلان هناك , وهما يترنّحان  وينفثان دخان سيجارتهما التي لا تبدو من النوع العادي ! حتى انهما لم يلاحظا وقوفه خلفهم .. وفضّل أحمد تجاهلهما والصعود الى مكتبه القديم الذي كان الوحيد مُضاء من بين الصفوف .. 

وكان باب الغرفة مشقوقاً , فتلصّص منه : ليرى المدير الجديد مع حارسه يقومان بإخراج لفافاتٍ صغيرة تبدو كالسجائر من الصندوق , ويصفّانها بترتيب فوق الطاولة .. 
وسمع المدير سمير يقول لنجيب :
- بعد ساعة سيحضر الطلاّب الفاسدون لشراء المخدّرات , لهذا دعنا نستعجل في العمل لنبيعها كلّها قبل طلوع الفجر 
الحارس : جيد انك حللّت مكان الأستاذ احمد , فذلك المدير المتسلّط لم يكن يسمح لنا بمخالفة الأوامر .. والآن بفضلك إشتريت سيارة وبيت جديد لأمي , بأقل من سنة 
سمير : وسنحصل على المزيد من الأموال في المستقبل , فالشرطة لن تشكّ ابداً باستخدامنا المدرسة ك (وكر) للمدمنين 
نجيب : ولا تنسى دوري , فأنا أوزّع السجائر السامّة على الطلاّب الجدّد كيّ أجعلهم زبائن لنا .. 

وهنا لم يعدّ باستطاعة احمد تحمّل ما سمعه , ودخل عليهما غاضباً:
- ايها اللعينان !!
سمير بارتباك : من ؟ الاستاذ احمد !
- نعم ايها الخبيث , أتستغلّ إدارة مدرستي لإفساد الأولاد ؟ أقسم انني سأجعلكما تتعفّنان بالسجن ..

وأسرع ناحية هاتف المكتب للإتصال بالشرطة .. فعاجله الحارس بلكمةٍ قوية على وجهه أوقعته ارضاً , غائباً عن الوعيّ
سمير معاتباً : ماذا فعلت يا مجنون ؟!
نجيب : لا تخف , لم أقتله بعد
- ومالعمل الآن بهذه المصيبة ؟ فهذا الرجل سيفضحنا حتماً ! 
- لحظة , سأبحث في جيببه
سمير : عن ماذا ؟!
الحارس : نعم وجدتها !! دواء القلب .. هل لديك المزيد من الحقن؟
- هل ستحقنه بالمخدرات ؟ 
- لا , سأذوّب كل دوائه بالماء وأحقنه بها .. ونتركه على مكتبه ليموت بهدوء

سمير بخبث : يالها من فكرةٍ عبقرية ! وانا سأكتب رسالة إنتحاره مُتضمّناً كلاماً كئيباً عن حياته المملّة بعد التقاعد , ولهذا تناول كل دواءه ليموت في مكتبه القديم
الحارس بقلق : وماذا عن ذلك الولد الأحمق الذي أخبر اهله انه اشترى المخدرات من المدرسة ؟ فنحن نحتاج لمعجزة للخروج من هذا المأزق , قبل تنفيذ والده التهديد وإرساله الشرطة غداً صباحاً 
ففكّر سمير قليلاً قبل ان يقول : 
- إذاً سألصق التهمة بأحمد , بعد ان أضيف على رسالة الإنتحار : شعوره بالذنب لتدمير مستقبل تلاميذه بالمخدرات , طمعاً في المال .. وبذلك لن يحزن أحد لموته .. وفي الوقت ذاته , أكون دمّرت سمعة هذا المغرور المتسلّط للأبد !! 
***  

في صباح اليوم التالي .. تفاجأ الطلاّب بإغلاق السلطات للمدرسة , ومطالبتهم بالعودة الى بيوتهم ! 
في الوقت الذي نشر الحارس الإشاعة بينهم : عن محتوى رسالة الإنتحار لمديرهم السابق .. 
ولم يمضي وقتٌ طويل حتى تجمّعت الأهالي الغاضبة امام المدرسة , مُطالبين بفتح تحقيقٍ شامل بجرائم المدير أحمد الذي لم يحفظ امانة اولادهم 

وانطلت الحيلة على الجميع .. فيما عدا زوجته وابنته نجوى التي أخبرت الشرطة مراراً : بأن خط الرسالة لا يطابق خط والدها ! وبأنه من سابع المستحيلات ان يقدم على الإنتحار او المتاجرة بالمخدرات .. 

لكن جميع الأدلّة ضدّه .. فسيارته متوقفة قرب المدرسة .. 
كما ساهمت شهادة الحارس نجيب بإدانته , حين قال لهم : بأن الأستاذ أحمد طالبه في الفترة الأخيرة بترك المدرسة مفتوحة مساءً للقيام ببعض الأعمال الإدارية , رغم تقاعده !

ومع نشر الخبر في الصحافة , توسّخت سمعة المدير احمد بين الناس الذين انهالوا عليه باللعنات ..عدا عن شماتة الأقرباء !
***

بعد سنة .. ومع بداية السنة الجديدة ..
الأم : لا ادري لما تصرّين على العمل كناظرة في مدرسة أبيك ؟ فنحن لم نصدّق متى تناست الناس امر الحادثة
نجوى : ابي لم يفعل شيئاً خاطئاً يا امي , وأنا متأكدة من ذلك
- ابوك كان غامضاً بآخر حياته , وكان دائماً يخرج مساءً ولا يعود الا مع تباشير الصباح 
- حتى انت يا امي صدّقت تهمتهم ! لكني سأثبت براءته للجميع
الأم بقلق : أخاف ان تتورّطي مع تلك العصابة يا نجوى
- لا تقلقي .. فأنا تسجّلت كناظرة بإسم عائلة زوجي , ولن يعرف احد انني ابنة المدير أحمد .. واثناء وجودي هناك , سأراقب الوضع بدقة , لأني متأكدة ان المتورّطين سيعاودون توزيع الممنوعات هناك .. وحينها أقوم بكشفهم , وحلّ هذا اللغز اللعين!! 
***

وبالفعل وعلى مدى اربعة اشهر من عملها الجديد , راقبت نجوى بقية الأساتذة والإداريّن والطلاّب المشاغبين .. وخاصة أحد المراهقين الذي كان واضحاً من تصرّفاته الرعناء انه يتعاطى الممنوعات .. 

وذات يوم , أخبرت زوجها انها ستنام عند امها .. وذهبت لمراقبة المدرسة ليلاً .. وكانت شكوكها في محلها , حين رأت الطالب المشاغب يدخل المدرسة بعد ان فتح له الحارس الباب.. 

واستطاعت التسللّ الى الداخل , اثناء انشغال نجيب بالكلام معه 
وصعدت الى فوق , لتختبأ في الغرفة المجاورة لغرفة المدير .. 

وفور دخول الحارس مع الطالب الى هناك .. قامت بتصوير كل شيء بجوالها , وكيف قام المدير سمير ببيع المخدرات له ..حتى انها سجّلت كلامه وهو يطلب منه : إخبار بقيّة اصدقائه بمعاودة بيعهم للمخدرات 

فردّ المراهق بارتياح : 
- وأخيراً استاذ , والله تعبنا من الذهاب الى فرعكم الآخر البعيد عن المنطقة , ولمدة سنة كاملة .. فهنا أأمن لنا
سمير : كان علينا التوقف لبعض الوقت , الى ان تهدأ العاصفة وتنتهي المراقبة الأمنية المشدّدة .. والآن بعد ان استعدنا ثقة الأهالي , عُدنا للعمل .. فهيا خذّ سجارتك وأخرج من المدرسة بهدوء كيّ لا تثير الشبهات 

فأسرعت نجوى بالخروج من المدرسة قبل ان يروها .. وابتعدت بسيارتها وهي ترتجف وتبكي بعد تأكّدها من براءة والدها , وتمّتمت غاضبة :
- ايها الملاعيين , سأكشفكم جميعاً !! 

الا انها فضّلت عدم الذهاب الى الشرطة , وقامت بنشر الفيديو بوسائل التواصل الإجتماعي التي أثارت ضجّة اعلامية , مُترافقة مع غضب الأهالي الذين طالبوا بقفل المدرسة نهائياً , وحبس المدير سمير وحارسه الذين إعترفا لاحقاً بالجرم .. 

كما قامت نجوى بتقديم شهادتها للشرطة والمطالبة بالتحقيق معهما في ملابسات وفاة والدها الغامضة , فاعترفا بعد شهور بما حصل في ذلك اليوم .. لتظهر أخيراً براءة المدير أحمد ..حينها قام الأقارب والأصدقاء بالإعتذار من نجوى وامها لشكّهم بسمعته بعد انتحاره المزعوم
***

بعد إغلاق المدرسة بالشمع الأحمر .. ذهبت نجوى الى قبر والدها لتخبره بما حصل , وكيف قامت بتنظيف سمعته من جديد ..
لكنها تفاجأت بشاب يلعنه امام قبره , فاقتربت منه غاضبة : 
- لا تشتم والدي !!
- أأنت ابنته ؟ اللعنة عليه , لقد أفسد حياتي
- والدي شريف , الم تشاهد الأخبار ؟ الأستاذ سمير وحارسه هما اللذان باعا المخدرات للطلّاب
الشاب : انا لم أتعاطى يوماً الممنوعات , لكن والدك الحقير إعتدى عليّ حين كنت مراهقاً

فتراجعت نجوى للخلف بصدمة : ماذا قلت ؟! لا انت تهذي , فوالدي ليس شاذاً 
- انا لم اكن الوحيد الذي آذاني .. واستطيع ان أعطيك ارقام اثنين من اصدقائي القدامى , اللذان كانا من ضحاياه ايضاً 
- هذا مستحيل !!
- إذاً تكلّمي معهما

واتصل على الشابين , التي تكلّمت معهما نجوى كلاً على حدة .. واللذان أكّدا وحشية والدها , وحياته السرّية المشبوهة 
وبعد ان أعادت له الجوال , قال لها الشاب : 
- هل صدّقتني الآن ؟ .. (ثم تنهّد بضيق).. كان الأستاذ احمد يهدّدنا بالرسوب ان لم نوافق على طلبه اللعين .. وبرأيّ اسألي امك عن علاقته بها 

فأسرعت نجوى الى بيت امها لتسألها عن ذلك 
الأم بارتباك وعصبية : وما دخلك انت بعلاقتي مع والدك ؟! ثم لماذا هذا السؤال بعد وفاته ؟
نجوى بقلقٍ شديد : رجاءً أجيبني يا امي 
- انت تعلمين ان والدك ينام في غرفته الخاصة .. فمنذ ان كنتِ صغيرة , بدأ يتحجّج بالأرهاق وشعوره بوخزاتٍ في قلبه .. حتى قبل ان تصيبه نوبته الأولى !
فأخفت نجوى وجهها بيديها , وهي تشعر بالعار : يا الهي !
- ماذا هناك ؟!
- يبدو ان ابي لم يكن نظيفاً كما ظننته دائماً !
وانهارت بالبكاء , دون ان تفهم امها السبب !
***

في السجن .. زار (شاب المقبرة) المدير سمير الذي قال له :
- أحسنت !! الشيك سيصلك غداً انت وصاحبيك لتنفيذكما المهمّة بنجاح
الشاب : كنت أراقبها كما طلبت مني , ولحقت بها الى المقبرة ..واستغليت إنشغالها بالكلام مع الحارس لأسبقها الى قبر والدها .. وقمت بما طلبته مني لتشويه سمعته .. لكني لا أفهم غايتك من ذلك بعد وفاة الرجل ؟! 

سمير بلؤم : للإنتقام من السيدة نجوى التي تسبّبت في حبسي .. كما ان والدها كان يغيظني دائماً بالتزامه المقزّز .. لكني تمكّنت من زرع الشكّ في نفوس الجميع بطهارة سمعته , واليوم دمّرتها تماماً في نظر ابنته المحبّة , وهذا الإنتقام يكفيني ..  
وضحك بخبث وبعلوّ صوته بعد ان نال مراده ! 

الثلاثاء، 9 يوليو 2019

خبث المشاعر

تأليف : امل شانوحة


إستغلالٌ مُدبّر !

في النشرة الصباحية لإحدى القنوات المحلّية لمدينةٍ صغيرة , أعلنت المذيعة الخبر قائلةً : 
- ما اصعب ان يقف الآباء عاجزين عن إنقاذ اطفالهم .. في حادثةٍ حصلت اليوم ظهراً : فقد رجلٌ اعصابه داخل فرعٍ مصرفيّ بعد رفض القرض الذي طلبه قبل ايام .. فقام بتهديد العملاء بالمسدس , وإجبارهم على التخلي عن مالهم بحجّة علاج ابنه الرضيع من مرضٍ خطير .. وسنعرض لكم ما صوّرته كاميرا البنك عن كيفية إنتهاء الأزمة

وظهر بالمقطع : الأب وهو يوجّه مسدسه نحو الرهائن المنبطحين على الأرض , بما فيهم حارس البنك .. والذين قاموا بإخراج ما في جيوبهم من اموال ووضعها في حقيبة المسلّح , بعد ان احتمى الموظفون خلف الزجاج الواقي من الرصاص ..

واثناء ذلك , قام احدهم بدفع العربة (التي ينام فيها إبن المسلّح) نحو الحارس الذي اسرع بتوجيه المسدس نحو الصغير , مُهدّداً الأب بقتله ان لم يرمي سلاحه .. ممّا أجبره على الإستسلام , وهو يترجّاه بأن لا يؤذي ابنه المريض .. من بعدها اقتحمت الشرطة المكان وقبضت عليه ..

كما عرضت الإذاعة مقطعاً آخر : لأشخاص يتظاهرون امام مركز الشرطة , تضامناً مع الأب الذي أجبرته الظروف القاسية على إرتكاب الجرم .. وطالبوا بإطلاق سراحه فوراً , وتكفّل بلدتهم بعلاج الطفل مجّاناً

وأنهت المذيعة الخبر قائلةً : ترى ماذا سيكون مصير الرجل الغريب الذي قدِمَ الى بلدتنا منذ ثلاثة شهور , والذي لقبه البعض بالأب الحنون الشجاع؟ .. سنعرف الإجابة من متابعتها لمحاكمته التي ستجرى خلال الأيام القادمة , لنتابع معكم لحظة إصدار الحكم في القضية التي أثارت البلبلة داخل مدينتنا الهادئة 
***

في اليوم المحدّد .. إضّطر القاضي لتبرئة الأب بعد ضغطٍ شعبي من اهالي المدينة الذين استقبلوا الرجل بالتصفيق عند خروجه من المحكمة , حاملاً الطفل بين ذراعيه (والذي بقيّ في الرعاية الإجتماعية طوال مدة سجن والده)  

وعاد الأب مع ابنه الى بيته المستأجر , ليتفاجأ بعشرات الرسائل المؤيدة على بابه , إحتوى بعضها على شيكات بإسمه كمساعداتٍ مالية .. عدا عن الكثير من الألعاب وحاجيات للطفل بعد علمهم بوفاة زوجته اثناء الولادة , وهو السبب الذي جعله ينتقل للعيش في مدينتهم الصغيرة ..

حتى ان جارته العجوز إقترحت عليه رعاية ابنه لحين إيجاده العمل المناسب .. 
وبدوره شكرهم على لطفهم معه , وكرّر إعتذاره عن سوء تصرّفه في البنك ذلك اليوم ..
*** 

بعدها بأيام .. تفاجأت إحدى الممرّضات بطفلٍ نائم في عربته المتروكة خلف باب المستشفى ! فأدخلته لتحميه من برد المساء , وأبلغت الأمن الذين علموا لاحقاً بأنه ابن الرجل الغريب الذي لم يجدوه في بيته !.. فبدأوا بالبحث عنه , خوفاً من ان يكون أصيب بحادثٍ ما .. 

وعلى الفور !! إنتشر خبر إختفاء الأب بين السكّان الذي حاول بعضهم البحث عنه في الأماكن الغير مأهولة .. اما الطفل , فأودع الرعاية الإجتماعية من جديد .. 
وقامت الإذاعة المحلية بنقل خبر الإختفاء , مع صورة للأب وابنه 
***

في صباح اليوم التالي .. وصلت إخبارية لرئيس الشرطة من المدينة المجاورة بأن الرجل سافر على متن الطائرة مساء البارحة بعد ان قام بسحب جميع الشيكات والتبرّعات , ممّا أغضب الأهالي الذين لم يستوعبوا كيف فضّل سرقة الأموال على علاج ابنه الوحيد ! 

الا ان رئيس الشرطة أحسّ بوجود خدعة في الأمر , وطلب من المستشفى إجراء الفحوصات اللازمة للطفل , والتي ظهرت نتيجتها سلبية وانه معافى تماماً وغير مصاب بمرضٍ خطير كما أوهمهم الوالد !
***

الأدهى هو ما حصل لاحقاً .. حين قدمت سيدة تعيش في القرية المجاورة الى مركز الشرطة , مُدعية بأن الطفل التي رأته بالأخبار هو ابنها الذي أُختطف من دار الحضانة قبل شهرين .. وقدمت لهم صورة عن بلاغ اختفائه من مركز الشرطة التابع لقريتها .. كما أخبرتهم بأن الرجل الذي ادعى انه والده , ماهو الا حارس المدرسة الذي استقال بعد ايام من اختفاء ابنها , ولم يشكّ به أحد لحسن سلوكه ! 

وانتشر الغضب العارم بين اهالي المدينة لمعرفتهم انهم ساعدوا مختطفاً بأموالهم , بعد إستغلاله عواطفهم البريئة اتجاه الطفل المريض .. 

وفي نفس الوقت ..تضامنوا مع الأم التي خرجت من مركز الشرطة وهي تحتضن ابنها بشوقٍ وحنان .. واقترحت عليها إحدى العائلات السكن معهم لحين انتهاء الإجراءات القانونية (لعلمهم بفقرها) .. 
كما قدّم لها تجّار المدينة مساعداتٍ مالية .. وأهدت بعض الأمهات أغراضاً للصغير تضامناً معها  
***

بعد اسبوع .. تفاجأت العائلة المضيفة باختفاء الأم التي تركت ابنها الرضيع نائماً في سريره ! 

وبحثوا مطوّلاً عنها , الى ان انصدموا بالنتيجة ذاتها : حيث هربت بالمساعدات المالية الى مكانٍ مجهول , بعد سرقتها أغراضاً ثمينة للعائلة التي سكنت عندهم ! 

وكان رئيس الشرطة أشدّهم غضباً لإحساسه بالتقصير لعدم مطالبته بأوراقٍ رسمية تثبت امومتها للطفل , واكتفى بتقرير إختفائه الذي يبدو انه مزوّر ! فهو كما بقية السكّان صدّقوا تمثيلها المتقن بإظهار فرحتها العارمة بعودة الطفل اليها .. وبذلك تساوى خبثها مع ذلك الرجل الذي استغلّ ايضاً طيبة أهالي المدينة المسالمة ..
لذلك أصرّ رئيس الشرطة على معرفة هويّة الطفل المجهولة.. 

وأمضى شهوراً في البحث عن اصله , الى ان عرف بأنه ابن عائلةٍ غجرية دخلت البلاد بطريقةٍ غير قانونية , ولهذا لم يبلّغوا عن إختفائه خوفاً من القبض عليهم .. 

وكم سعدت الأم الحقيقة بعودة الطفل المُختطف اليها .. لكن هذه المرة لم يتضامن احدٌ معهم , بل صبّوا غضبهم عليهم ..وطالب الأهالي بطردهم فوراً من بلدتهم , لرفضهم ان يستغلّ أحد طيبتهم بعد اليوم 

ممّا أجبر رئيس البلدية على إستئجار قاربٍ صغير , وضع فيه العائلة الغجرية بأبنائها الثمانية في مواجهة البحر الهائج , مُعرّضاً بذلك حياتهم لخطرٍ محدق !

وفي الأخبار المحلية .. أنهت المذيعة الخبر بقولها : 
- وكالعادة : يُعاقب الضعفاء على اخطاء غيرهم .. كان الله في عون العائلة الغجرية التي ربما لن تصل يوماً الى شطّ الأمان ! 
***

وفي مدينةٍ ساحلية .. كان الرجل والمرأة (الأب والأم المزيفان) يستمتعان بدفء الشاطىء .. 
وبعد ان أنهت عصيرها , قالت له :
- ارأيت .. كان قراري صائباً حين طلبت منك خطف ابن الغجرية , واستغلال طيبة اهالي المدينة الساذجين
الرجل : نعم لكن لا تنسي انني انا من اقترحت الذهاب اليهم منفصليّن , كيّ نجمع اكبر قدر من المساعدات المالية
- وهآ نحن حصلنا على اجمل عطلةٍ مجانية .. لكن مالنا اوشك على الإنتهاء وعلينا إيجاد خطة جديدة 

الرجل وهو يراقب أحد اولاد الشوارع : ما رأيك بذلك الولد الصغير ؟ يبدو متشرداً , هل أخطفه ؟ 
المرأة : ليس في وضح النهار , دعنا نخطّط جيداً.. وعلى فكرة .. بحثت البارحة في الإنترنت , ووجدت قريةً صغيرة تتميز بتحفها الأثريّة , وسكّانها اناسٌ بسطاء .. والأجمل انهم لا يملكون مركزاً للشرطة , والمسؤول الأمني فيها : رجلٌ عجوز لن يشكل تهديداً لنا  

الرجل : وماذا لوّ رفضوا إعطاءنا شيء ؟
المرأة بحماس : حينها نتخلّى عن فكرة الولد , لتبدأ المغامرة مع الخطة البديلة .. فنقوم بإقلاق راحتهم ليلاً نهارا , مُستخدمين الأقنعة والأسلحة والتهديدات .. وكل ما يلزم للخروج بالمال الوفير من هذه المهمّة , او ببعض الأثريات الثمينة التي نبيعها لاحقاً في السوق السوداء ..

الرجل بابتسامة : كم أعشق دهاءك ومكرك يا زوجتي العزيزة !
وضحكا بخبث ..

السبت، 6 يوليو 2019

التبرّع بالأعضاء

تأليف : امل شانوحة

 
الإنترنت المظلم !

إستنجدت الأم المذعورة بالطبيب قائلةً : 
- رجاءً خذّ قلبي واعطه لإبني .. لا استطيع رؤيته يحتضر امامي , فأنا أنجبته بعد عشرين سنة من علاجي للعقم .. ولا امانع الموت ليعيش ملاكي الصغير
فاحتضنها زوجها محاولاً تهدأتها , وهو يقول للطبيب : 
- دكتور , انا رجلٌ ثريّ ومستعدّ لدفع كل ثروتي في سبيل إنقاذ ابني الوحيد

الطبيب : إيجاد قلب يناسب ابنك ليس بالأمر الهيّن , لابد ان يكون لولدٍ يناسب عمره وفئة دمه .. وحالياً لا يوجد قلب بهذه المواصفات في جميع مستشفيات الدولة .. وعليكم الإنتظار قليلاً 
الأم وهي منهارة بالبكاء : والى متى ؟! ابني هنا منذ ثلاثة شهور .. وفقد نصف وزنه ..وأصبح بالكاد يتكلّم .. وينام طوال الوقت .. ووجهه شاحب كأنه شبح .. رجاءً , عليكم إيجاد متبرّع في اسرع وقتٍ ممكن

وحاول الطبيب تخفيف روعهما قدر الإمكان قبل خروجه من الغرفة , تاركاً الوالدين غارقين بالحزن والهمّ
***

عاد الأب وحيداً الى قصره ككل ليلةٍ منذ دخول ابنه المستشفى وإصرار زوجته على المبيت بجانبه الى ان يُشفى تماماً !  

وقضى وقته على الإنترنت , باحثاً بيأس عن متبرعٍ للقلب بعد نشره لإعلان عن مكافأةٍ ماليةٍ ضخمة .. 
وقبل ان يغلق حاسوبه لينام , وصله الإيميل التالي :
((عندي طلبك , دعنا نتحدث مباشرةً للإتفاق على السعر))

وحين فتح الكاميرا .. ظهر له رجلٌ مقنّع يجلس في غرفةٍ مظلمة , لا ينير عينيه الحادّتين سوى ضوء حاسوبه ! 
فسأله جاك (الرجل الثريّ) :
- لما انت مُتخفّي هكذا ؟!
فأجابه الرجل بشكلٍ مُبهم : لأن عملي يتطلّب السرّية .. والآن أجبني على سؤالي ..الى أيّ مدى تريد هذا القلب ؟
جاك : أريده مهما كلّف الأمر , فلا شيء يشغل بالي حالياً سوى شفاء ابني من مرضه
- ممتاز !! اذاً إرسل لي فحوصات ابنك الأخيرة لأحضر القلب المناسب له

جاك : ابني في 12 من عمره , والطبيب أخبرنا انه يُستحسن ان يكون المتبرّع صغيراً في السن .. فهل تعرف ولداً حالته ميؤوساً منها , واهله لا يمانعون التبرّع بأعضائه ؟
الرجل الغامض : وما دخل اهله بالموضوع ؟
جاك بقلق : ماذا تقصد ؟!
- انا أعيش في الهند ..في منطقةٍ شعبية مليئة بأطفال الشوارع , ويمكنني..
جاك مقاطعاً بفزع : مهلاً ! أتقصد انك ستقتل ولداً فقيراً ؟ 
- سنخطفه اولاً لنجري عليه الفحوصات .. وان تطابق مع ابنك , نأخذ قلبه ونرسله اليك بطريقةٍ سرّية , فنحن على تواصل مع بعض حرس الحدود الفاسدين التابعين لعدة دول .. وسنحاول قدر الإمكان إيصال القلب سليماً اليك , داخل حافظةٍ طبّية تحميه اثناء تنقّلاته في البرّ والبحر , لأن إرساله بالطائرة أمراً مستحيلاً في ظلّ المراقبة المشدّدة على المطارات
- لا طبعاً !! انا لا أقبل ان يُقتل ولدٌ بسببي

الرجل المقنّع : كما تشاء .. لكن دعني أفهمك شيئاً عن طبيعة الحياة هنا .. فمعظم اطفال الشوارع عندنا هم اولاد الحرام , لأنها منطقة مخصّصة للدعارة .. لذا موت أحدهم او إختفائه لن يثير انتباه أحد .. وبالحقيقة انت تنقذه من حياته البائسة , فهو سيكبر إمّا ليكون شحاذاً او تاجر مخدرات او يعيش مُتنقلاً بين السجون وأكواخ المتشرّدين .. بينما ابنك سيكبر ليصبح طبيباً او مهندساً اوسياسياً ناجحاً .. فلما الإهتمام بولدٍ فقير سيقضي جلّ عمره على هامش الحياة ؟
جاك بقلق : لا ادري , لكن الأمر مريباً بالنسبة لي 
- فكّر جيداً بالموضوع , سأمهلك اسبوعاً .. وبعدها سأحذف صفحتي وايميلي , ولن تجدني ثانيةً .. وربما تخسر فرصتك الأخيرة بإنقاذ ابنك .. سأتكلّم معك لاحقاً لأعرف الجواب

وأنهى محادثته , تاركاً الأب بين نارين : فقدان ابنه , او قيامه بأمرٍ  سيؤنّب ضميره لآخر يومٍ في حياته !
***

بعد اربعة ايام .. ساءت حالة ابنه كثيراً ! واضّطروا لوصله بأجهزة تقوم بعمل القلب المتضرّر , بعد دخوله بغيبوبةٍ مؤقتة 
وما ان أخبرهم الطبيب : بأن يستعدّوا لأسوء الإحتمالات , حتى انهارت الأم باكية في حضن زوجها وهي تترجّاه بأن يجد حلاً سريعاً لإنقاذه .. فلم يجد نفسه الا وهو يكذب ليطمّأنها , بأنه توصل لإتفاق مع عائلة المتبرّع 

زوجته بارتياح : أحقاً يا جاك ! إذاً ماذا تنتظر !! إذهب واخبر الطبيب بالأمر 
جاك بقلق : المشكلة انني وجدّتهم في الإنترنت المظلم
- ماذا يعني ذلك ؟! 
- أخاف ان يكون البائع أحد تجّار السوق السوداء الغير قانونية
زوجته بعصبية : سوق سوداء , سوق حمراء ..لا يهمّني .. فقط احضر القلب اللعين لأبني قبل ان نخسره !!
- حسنا سأفعل , اهدأي قليلاً
***

في المساء .. إتفق جاك مع التاجر المشبوه على كل شيء , وأرسل على حسابه : اول شيك للقيام بعملية الخطف .. 

وأغلق حاسوبه وهو يحسّ بتأنيب الضمير , وحدسٍ قوي يُشعره بأنه سيدفع الثمن لاحقاً , لكن صحّة ابنه كان همّه الأول 
***

في أقل من شهر .. وصل القلب اخيراً الى جاك الذي قام بتسليمه للطبيب الذي عارض القيام بالعملية قبل معرفة مصدره , الا ان الأب استطاع إرشائه بمبلغٍ ضخم لتزوير الأوراق الطبية والقيام بالعملية التي تمّت في وقتٍ لاحق بنجاح .. ليتنفّس الوالدان الصعداء بعد إستعادة ابنهم وعيه في غرفة العناية المشدّدة , وتجاوبه أخيراً مع العلاج  
***

بعد شهرين من العلاج الطبيعي .. عاد الولد مع عائلته الى القصر برفقة ممرّضة إستأجراها لمتابعة حالته الصحّية التي تحسّنت بشكلٍ ملحوظ .. وقد وعده والده بمتابعة الدراسة في حال انتظم على أخذ ادويته .. 

ومع إستعادة آدم الصغير لنشاطه , عادت الفرحة الى القصر بعد ان غابت عنه لشهورٍ طويلة ..
***

وفي إحدى الليالي .. وقبل ان يغلق جاك حاسوبه لينام , وصله فيديو مُرسل من ذاك الرجل الغامض .. وفيه تصوير لجماعته وهو يختطفون الولد الفقير من الشارع بالقوة , ويخدّرونه قبل إلقائه في سيارتهم المظلّلة 

كما كان في الفيديو : تصويراً للعملية الجراحية التي أجريت له , داخل غرفةٍ طبية متواضعة تحوي سريراً وبعض الأدوات الطبية البدائية .. 

وقد شاهد جاك وهو يتصبّب عرقاً كيف قام طبيبهم بقصّ صدر الولد بالمنشار العادي وإزالة اضلاعه المكسورة , قبل سحبه للقلب ووضعه داخل حافظةً ثلجية ..

وانتهى الفيديو دون ان يُرفق معه أيّةِ رسالة او مطالب لتلك العصابة !

فقام جاك بحذفه على الفور وهو يشعر بالغثيان وتأنيب الضمير بعد ان عاش اللحظات الأخيرة للولد البريء الذي انتهت حياته القصيرة بقرارٍ منه! 

ولم يستطع النوم تلك الليلة وهو يتذكّر صرخات الولد اثناء إختطافه من الشارع .. حيث ظلّ يتساءل ان كان اهله مازالوا يبحثون عنه حتى اليوم ! 
***

بعدها بإسبوع .. وصلته رسالة مصوّرة من المقنّع يقول فيها :
- أظنك حذفت فيديو العملية كما فعل معظم الأغنياء , لكنه مجرّد نسخة لعشرات النسخ التي لدينا , بالإضافة لجميع المحادثات التي أجريناها سوياً بشأن شرائك للقلب المشبوه .. ويمكننا إرسالها للشرطة لتوريطك بتهمة الإتجار بالأعضاء , بعد ان نُلفّق لك عشرات الجرائم من النوع ذاته .. فما رأيك لوّ تعطينا شيك مُشابه للشيك القديم لنقوم بإتلاف الأدلّة ضدّك ؟

فقام جاك بحذف الرسالة بيديه المرتجفتين , بعد علمه بتورّطه مع عصابةٍ خطيرة لن تهنأ قبل افلاسه او القضاء على سمعته 

ثم أجرى بحثاً سريعاً بأسماء اثريّاء منطقته الذين عانى بعض افراد عائلاتهم من اعضاءٍ تالفة , لتأكّد من مصدر المتبرعين لهم 
ووجد تاجراً عجوزاً كان التقى فيه قبل سنوات في إحدى المؤتمرات الإقتصادية , والذي نجى من الموت بأعجوبة بعد حصوله على كبدٍ بديل لكبده الذي أتلفه بالكحول .. وحين وجد رقمه , طلب من سكرتيره موعداً للقائه
***

وفي مكتب قصر العجوز .. دخل جاك مباشرةً بالموضوع وسأله عن مصدر المتبرّع , فأجابه العجوز بارتباكٍ وعصبية :
- لما يصرّ الجميع على معرفة هويّة المتبرّع ؟!! فذلك الفقير وافق على إجراء العملية مقابل ثروة لم يحلم بها في حياته
جاك : ما علمته من مصادري انك حصلت على الكبد كلّه ..وهذا يعني ان المتبرّع متوفي , فكيف تقول الآن إنك دفعت المال له ؟!
العجوز : أتتذاكى عليّ يا جاك ؟ أتظنني لا اعلم انك ايضاً حصلت على قلب لإبنك من الإنترنت 

جاك باستغراب : وكيف عرفت ؟!
- انا ايضاً لي مصادري , ويهمّني أخبار التجّار في البلد .. المهم إخبرني , هل عاد واتصل بك ذلك المقنّع الحقير ؟
جاك : يبدو ان كلانا تورّط معه .. المشكلة انه يهدّدني بفضح امري , ويريدني ان أدفع له المزيد من الأموال 
- إيّاك ان تفعل , والا لن تتخلّص منه ابداً .. إفعل مثلي , انا غيّرت عنواني وهويتي بعد ان أوهمته بإفلاسي , وأظن الحيلة إنطلت عليه ليبحث له عن ضحيةٍ أخرى
جاك : نعم ووجدني انا , لكني أخطّط لتخلّص منه بواسطة الإعلام 
- لم أفهم !
- ستعرف لاحقاً 
العجوز : انها عصابة محترفة وقد يأذونك لاحقاً , لذا خذّ حذرك يا جاك.. وكان الله في عونك
***

وبالفعل .. دفع جاك مبلغاً محترماً لإحدى المحطات لإجراء مقابلة تلفزيونية معه .. 
وحين سألته المذيعة عن مصدر القلب البديل .. أجابها : 
- قلب ابني يعود لولدٍ هندي مات سريرياً بعد ان صدمته سيارة , وقد وافقت عائلته على موته الرحيم بعد ان دفعت لهم مبلغاً ضخماً .. 
- وهل وصل المال اليهم مباشرةً ؟
جاك : هذا ما أخبروني به , فأنا لم اسافر يوماً الى الهند 

وانتهت المقابلة بعد ان أكّد جاك حصوله على القلب بشكلٍ قانوني , وعرض على التلفاز اوراقاً قانونية لعملية النقل (بعد ان قام محاميه بتزيفها بالإتفاق معه) .. 

وبهذه الخطوة الجريئة , استطاع جاك حرق الورقة الرابحة من أيدي المجرمين الذي لا يملكون سوى بعض محادثات الإنترنت من صفحته المحذوفة بإسمه المستعار .. كما انه قام بإتلاف حاسوبه القديم تحسّباً من تتبّعهم لرقمه التسلّسلي .. وبذلك استطاع بذكائه الخروج من هذا المأزق 
***  

ومرّت السنوات بعدها بسلام .. كبر فيها آدم (ابن جاك) ليصبح شاباً رياضيّاً مُحبّ للحياة .. وبعد إكمال دراسته , صار يجوب العالم برفقة عروسته التي وثّقت سفرياتهم على قناتها باليوتيوب 
***

وفي أحد الأيام .. سأل جاك زوجته : الم يتصل بك آدم ؟
- لا ليس بعد 
جاك : غريب ! ليس من عادته إغلاق هاتفه .. وزوجته ايضاً لا تردّ على اتصالاتي .. فمتى كانت آخر مرة تحدّثتي معه ؟
- قبل يومين .. عند وصولهما الى مطار الهند
جاك بفزع : ماذا ! ولما سافر الى هناك ؟!!
الأم : قال ان زوجته تريد تجربة الأطباق الهندية الحارة
- الغبية !! .. كنت حذّرته الف مرة لعدم الذهاب الى ذلك البلد اللعين
- مابك يا جاك ! ابنك سافر الى معظم دول العالم , فلما تكره الهند هكذا ؟! 
جاك بقلق شديد : أخاف ان يكونوا .. (وسكت قليلاً) ..عليّ القيام بعملٍ ضروري , أكلّمك لاحقاً
***

ونزل الى مكتبه في الطابق الأرضي للقصر .. وبحث مطولاً في إرشيفه الى ان وجد ايميل الرجل المقنّع .. وارسل له رسالةً تهديدية :
((دعّ ابني وزوجته يخرجان سالمين من الهند , والا والله قتلتك انت وجماعتك .. أفهمت ايها اللعين ؟!!))
***

بعد ايام .. وصله الردّ على شكل فيديو تصويري للرجل المقنّع بصوته العجوز : 
- عزيزي جاك .. مرّ وقتٌ طويل على اتفاقنا السرّي .. وكم انا سعيد بلقاء إبنك الذي يبدو ان صحّته تحسّنت كثيراً مع قلبه الهندي , كما انه محظوظ بعروسته الجميلة .. أنظر اليهما كيف ينامان بهدوء 

وظهر بالفيديو : سريران في غرفةٍ جراحة متواضعة , حيث كان آدم وزوجته مخدّران وممدّان هناك .. بينما كان الطبيب يرتّب ادواته الجراحية مع ممرضته ..

ثم قال الرجل المقنع : سأرسل لك رقم جوالي الجديد , وأنصحك ان لا تتأخّر بالردّ عليّ .. فطبيبي على وشك القيام بالعملية الآن .. رقمي هو : 676 ..
وانتهى الفيديو ..

فأسرع جاك بالإتصال عليه , وجسمه يرتجف بشدّة .. 
وما ان أجابه , حتى انهال عليه بالشتائم : 
- دعّ ابني وشأنه يا حقير !!!!
- آه ! صديقي جاك , سعدّت بسماع صوتك من جديد .. أتعلم انني لم أكن اعلم بوجود ابنك في الهند الا بعد رسالتك الأخيرة .. حينها ارسلتُ رجالي للبحث عن الأجانب في الفنادق الفخمة , وبعد بحثٍ طويل استطعنا إختطافه مع عروسته .. ويبدو ان قلبه البديل حنّ لموطنه الأصلي ! .. (وابتسم بلؤم) .. الآن لنعدّ الى حديثنا .. بما انك اصبحت عجوزاً مثلي , وبدأت اعضاؤك الحيوية بالضعف والوهن.. فما رأيك لوّ تحصل على بدائل من جسد ابنك الرياضيّ .. ماذا ينقصك يا جاك ؟ رئتان ام كلية او.. 

جاك بغضبٍ شديد : أترك ابني حالاً , والا والله ارسلت جيشاً لمحاربتك؟!!
- جيش ! (وضحك ساخراً) .. لا تبالغ يا جاك , فأخبارك تصلني اولاً بأول , وأعلم انك خسرت الكثير بصفقاتك التجارية الأخيرة , وتحاول جاهداً تأجيل موعد إفلاسك , وإخفاء الخبر عن عائلتك .. لذلك سأعطيك العضو الذي تختاره بالمجّان , فهو ابنك بالنهاية .. لكن قلبه سيكون لي , فهو قلبٌ هندي ..والأولى ان أبيعه لأحد اثريّاء بلدي .. والآن لنكمل من حيث توقفنا

وأدار الكاميرا على الطبيب الذي كان يرفع منشاراً كهربائي , والذي أداره بإشارةٍ من المقنّع , ليعمل على الفور بقصّ صدر آدم .. وسط بكاء والده الذي ظلّ يترجّى المجرم بتركه حيّاً .. 
لكنه سقط من فوق مكتبه , بعد ان رأى قلب ابنه منزوعاً في يد الطبيب الهندي !
وانتهى البث المباشر بعد تيقن جاك بوفاة ابنه الوحيد ..

لتتفاجأ زوجته بسماع طلقةٍ نارية قادمة من الطابق السفلي ! 
وحين دخلت المكتب , وجدت جاك منتحراً امام حاسوبه المُنطفئ .. فأطلقت صرخةً مدويّة , دون علمها بأن روح ابنها سبقت زوجها الى السماء !

الاثنين، 1 يوليو 2019

حرب الروبوتات

تأليف : امل شانوحة


حربٌ عالميّة بقوانينٍ جديدة !

في المستقبل القريب .. وبعد تزايد أطماع الرؤساء بثروات الدول المجاورة , إزدادت معها الحروب العشوائية التي أدّت لإنقاص أعداد الرجال بشكلٍ يُهدّد إستمراريّة البشريّة , ممّا أجبر القادة على عقد إجتماعٍ عاجلٍ سرّي لمناقشة المشكلة .. 

وبعد ساعات من الحوارات المتبادلة .. إتفقوا جميعاً بأن إلغاء الحروب بشكلٍ نهائيّ أمرٌ مُستبعد , لِذا قرّروا وضع قوانين جديدة للمعارك القادمة 

حيث اقترح أحدهم : تجنيد النساء , لإعادة توازنهنّ مع ما تبقّى من الرجال الأصحّاء !
اما الآخر فاقترح : إستخدام أيتام العالم لإنشاء جيشٍ قوي , فموتهم لن يؤثّر كثيراً على المجتمع .. 

فأُعجب رئيس دولةٍ عظمى بفكرته , وأضاف عليها : بأن يتمّ تعقيمهم منذ الصغر , وان يتعلّموا في مدارسٍ عسكرية بأنظمةٍ قاسية .. مع الغرس في أذهانهم : إنهم خُلقوا فقط للدفاع عن بلادهم .. ليغدون فرقةً عسكريّة لا أهل لهم , ولا يمكنهم تكوين عائلاتٍ مستقبلية .. وبذلك لن يشعر أحد بخسارتهم في الحروب ! 

الا ان طرفاً ثالثاً إعترض على الفكرة لأنها تحتاج الى سنواتٍ طويلة لتطبيقها , واقترح حلّاً أفضل : وهو تجميع المشردين من حول العالم وتجنيدهم مع فقراء الدول النامية لتلاعب في مصائرهم كيفما شاؤوا , فهم بالنهاية حثالة المجتمع 

وانتهى الإجتماع بالإتفاق على تقسيم تلك الجيوش فيما بينهم , بالشروط التالية :

اولاً : إختيار أرضٌ واسعة بعيدة عن العمران تفصل بين دولتين , تُقام عليها الحرب البرّية .. حيث يُمنع إستخدام الصواريخ طويلة المدى او الطائرات .. وبذلك تنحسر الخسائر بين الجيشين المتعاركين دون إيقاع ضحايا بين المدنيين , او تدمير البُنى التحتيّة والمؤسسات الحيّوية لهما ..

وثانياً : يتمّ مراقبة مجريات الحرب من خلال قمرٍ صناعيّ ينقل بثاً مباشراً للحدث على شاشات رؤساء الدول المتحاربة

وثالثاً : يحقّ للفائز بالمعركة فرض ضرائبه والعقوبات الجزائية على الدولة الخاسرة لسنةٍ كاملة , او إجبارها على رعاية شؤون دولةٍ نامية للمدّةِ ذاتها

امّا القانون الأخير : فيُمنع تكرار الحرب بين ذات الدولتين , الا بعد مرور خمس سنوات على السلام بينهما 

ثم قام رؤساء الدول المشاركة بالتوقيع على بنود الإتفاقية السرّية 

لتشتعل بينهم المعارك الودّية (كما لقّبوها) كل ثلاثة اشهر بين دولتين مجاورتين مختلفتين , دون الإكتراث بضحايا جيوشهم الذين تمّ تجنيدهم قسّراً , رغم افتقارهم للخبرة العسكريّة ..
فالأمر برمّته عبارة عن تسلية لكبار المسؤولين الذين راهنوا على الفائز وهم يحتسون الخمور أثناء مشاهدتهم للمعارك الدامية وكأنها فيلم آكشن , فموتهم برأيهم سيقلّل من اعداد البشر الذين لا لزوم لهم!
***

بعد ثلاثين سنة من إشتعال الحروب اللاّ إنسانية.. أُبيدت معظم الجيوش المُستحدثة بين قتلى ومصابين بإعاقةٍ دائمة , ليعود الوضع الى نقطة الصفر .. فمازال الرؤساء يرفضون إستخدام جنودهم المدرّبين , او خسارة الأيدي العاملة والمنتجة في بلادهم  

وبعد تفكيرٍ مطوّل .. إقترح عليهم رئيسٌ شاب (لدولةٍ صغيرة) : بأن يستبدلوا البشر بالروبوتات , خاصةً بعد تطوّر العلم في هذا المجال .. 

ورغم التكلفة الباهظة لإنشاء جيشٍ كامل من الروبوتات , الا ان رؤساء الدول العظمى وافقت على إقتراحه ! وحدّدوا موعد الحرب القادمة بعد سنة , لحين انتهاء مصانعهم من بناء أكبر عددٍ من الجيش الإلكترونيّ التي بإمكانها إطلاق شُعاع الليزر الكفيل بتدمير أجهزة روبوت العدو ! 
***

وفي اليوم المحدّد .. تابع الرئيسين من غرفتهما السرّية مجريات الحرب (الفريدة من نوعها) بين دولتيهما اللتان أنهتا برمجة أول جيشين الإلكترونيّن في العالم ..

بينما تابع بقيّة المسؤولين عبر شاشاتهم العملاقة , تحرّكات الروبوتات المتخاصمة بناءً على تعليمات قائدين عسكريّن مُحنّكين , أعطيا اوامرهما بعيداً عن ساحة التصادمات 

لتنتهي المعركة بعد ثلاث ساعات , بفوز الدولة صاحبة الخطة العسكريّة المُحكمة بينهما 
***

وماهي الا بضعة شهور ... حتى انضمّت بقية الدول الصناعية الى هاذين الفريقين , ضمن حلفين معاديين : كل فرقة تحوي مجموعة من الدول الصغيرة التي شاركت بجيشها الروبوتيّ المتواضع للفوز على المجموعة الأخرى , ضمن حربٍ عالمية بقوانين متطوّرة تناسب العصر الحديث 

واتفقوا على قيام تلك المعركة الضخمة في جزيرةٍ نائية , كيّ لا تُسبب الفوضى والخسائر بين المدنيين .. 
بحيث يحقّ للمجموعة الفائزة فرض قوانينها على الحلف الخاسر بجميع الدول المنضمّة اليه 
*** 

وفي صباح الموعد المحدّد .. نُقلت الروبوتات الى الجزيرة عن طريق السفن والطائرات , لتصطفّ هناك بانتظار بدء المعركة .. مع إختلاف ألوانها وأحجامها وجودة صنعها حسب الدولة المصنّعة : 
حيث تفوّقت الروبوتات اليايانية بالتقنية , والأمريكية بالصلابة .. بينما الصينية تفوقت بالعدد , رغم سهولة القضاء عليها لسوء التصنيع !

لكن ما لا يعلمه الجميع , ان الرئيس الشاب إتفق مع عالم كمبيوتر عبقريّ على صنع فيروسٍ يغزو ذاكرة الروبوتات أيّاً كان نوعها , ويمكن بواسطته السيطرة على جميع الجنود الإلكترونيين !

واجتمع الرؤساء في مكانين مختلفين لمتابعة أحداث الحرب التي ستقرّر مصير دولهم , والضرائب المستقبلية التي ستُفرض على الحلف الخاسر
***

بعد مرور ساعة على بدء المعركة .. توقفت جميع الروبوتات فجأة عن الحركة ! ولم يستطع التقنيون وخبراء الكمبيوتر التابعين للحلفين المعاديين من تحركيها مجدداً , رغم اوامر رؤسائهم الغاضبة

وبعد دقائق من وقف الحرب .. إندهش الجميع عند رؤية روبوتاتهم تتجه ناحية السفن المتوقفة قرب الجزيرة (التي قامت بنقلهم اليها) ..مصوّبين اسلحة الليزر في وجه ملّاحي السفن (البشريين) لإرغامهم على إعادة كل فرقة منهم الى بلادهم (التي تمّ صنعهم فيها)  

ولم يفهم الرؤساء ما حصل ! ولما جيشهم قرّر الإنسحاب فجأة من المعركة والعودة الى بلادهم .. 
بينما كان الرئيس الشاب وعالمه التقنيّ الخبير يسيطرون على الوضع تماماً 
***

فور عودة الجيوش الإلكترونية الى دولهم , إنتشرت الأخبار السيئة سريعاً بعد قيامهم بتدمير كل شيء يعترض طريقها , وقتل البشر والحيوانات وإحراق الأراضي الزراعية .. ليعمّ الدمار ارجاء العالم خلال الأسابيع المتلاحقة , مع فشل علماء الدول بالسيطرة عليها مجدداً

حتى ان بعض الروبوتات قامت بتفجير نفسها داخل المراكز الحسّاسة : كالبنك المركزي وثكنات الجيش والمقرّات السياسية وغيرها .. ولم يستطع التقنيون اصلاح العطل الذي أفسد جيوشهم الإلكترونية ! 
***

ودامت الحرب العشوائيّة لسنةٍ كاملة دون توقف , لم يستطع فيها الجنود (البشريين المدرّبين) القضاء الا على القليل من الروبوتات ذات النوعيّة الرديئة 
وبدأت الدول بالإنهيار الواحدة تلوّ الأخرى .. 
***

وفي يوم .. لاحظ رئيس دولةٍ عظمى : بأن دولة الرئيس الشاب لم يمسّها ضرّر , رغم انه كان مشتركاً معهم بالحرب ! فعلم أنه المتسبّب بهذه الفوضى بعد تلاعبه بروبوتاتهم .. فإستخدامهم بالحروب كان إقتراحه منذ البداية .. 
واتفق مع بقيّة الرؤساء للقضاء على الخائن .. 

لكن حين ارسلوا الى دولته الصغيرة أقوى جنودهم (البشريين) , تفاجأوا بروبوتاتٍ قوية الصنع تحرس قصره , والتي قامت بحرقهم جميعاً بقاذفاتٍ ناريّة !

بعدها بساعتين .. بثّ الرئيس الشاب على جميع قنوات العالم نقلاً مباشراً لخطبته التي أعلن فيها : قوانيه الجديدة , بعد إحكام سيطرته على العالم 
وقبل إنهاء كلامه , أُطلق النار على رأسه من الخلف ! ليشاهد الجميع مقتله على الهواء مباشرةً .. 

ثم اقترب القاتل المقنّع من الشاشة , وتكلّم امامهم قائلاً :
- انا هو العالم الخبير الذي برمج الفيروس الذي سيّطرت به على روبوتات العالم , وانا من يستحق ان يحكمكم جميعاً !! لذلك أنسوا كل ما قاله هذا الغبي (وأشار على الرئيس الشاب المقتول) فأنا لا أنوي البتّة إعمار الأرض من جديد , بعد ان قام جيشي بتدميره عن بكرة أبيه .. بل سأجبر الجميع على دفع الضرائب لي : من أموالٍ وطعامٍ وخدمات ..الى ان تموتوا جوعاً .. وأبقى البشريّ الوحيد الحيّ في هذه الدنيا الكئيبة

وضحك ضحكةً هستيريّة , علِمَ معها رؤساء الدول بتورّطهم مع عالمٍ مجنون لا يملك في ضميره ذرّة إنسانية !

السبت، 29 يونيو 2019

مقهى كابوس


إعلان لأصدقاء كابوس :




أُعلن للكابوسيين إعادة افتتاح مقهى كابوس .. 
وستقوم السيدة سوسو وبقيّة المشرفات باستقبال تعليقاتكم من جديد , وهو القسم الوحيد الذي أُعيد إفتتاحه .. 
على أمل ان يعود الموقع أقوى ممّا كان في القريب العاجل , بإدارة الأستاذ اياد والمشرّفين الأعزاء
مُتمنيّة من الله ان تدوم صداقاتكم طويلاً .. 
دمتمّ بخير أيها الكابوسيين المخلصين

الخميس، 27 يونيو 2019

النوايا الملتوية

تأليف : امل شانوحة


الفتاة الغامضة !

عقدت المديرة إجتماعاً عاجلاً للفتيات (طلاّب المرحلة المتوسطة) في ساحة المدرسة الروسية.. 
واثناء جلوسهم هناك .. سمعوا اغنية اطفال قديمة , وُضعت في إذاعة المدرسة !

ثم قدمت اليهم المديرة بوجهٍ مُتجهّم ! برفقة رجلٍ يلبس بذلةً رسمية , مع اثنين من الحرس .. وسألتهنّ بمكبّر الصوت :
- من قامت بتنزيل هذه الأغنية من مكتبة المدرسة , ظهر البارحة ؟

فاستغربت الطالبات من سؤالها ! ..لكن إحداهنّ إقتربت نحوها بقلق , وهي تقول : 
- هذه انا , استاذة
فصفعتها بقوّة امام الجميع , قائلةً بغضب :
- أأنت من قمتِ بسرقة معلوماتٍ خطيرة للدولة , وإرسالها للعدو ؟

فشهقت الفتيات بدهشة ! .. بينما أجابتها الصبية وهي تبكي بخوف:
- كنت أبحث في الإنترنت عن أغنية سمعتها في طفولتي .. لكني دخلت بالخطأ على صفحاتٍ مُبهمة قبل إيجادها , فأنا لست خبيرة بالحاسوب

وهنا سألها الرجل : ما اسمك يا آنسة ؟
فأجابته الصبية بخوف : جاكلين .. هل انت شرطي ؟
- انا من مخابرات الدولة , وسأقبض عليك بتهمة الجاسوسيّة  

ثم طلب من حارسيه وضع الأغلال في يدها .. واقتيادها الى سيارتهم السوداء المظلّلة , المركونة خارج المدرسة .. 

وبعد خروجها .. حصلت ضجّة وصغبٌ كبير بين الطالبات المعترضات على ما حصل مع زميلتهنّ ! 
فأعلنت لهم المديرة بحزم :  
- تمّ طرد الطالبة جاكلين من مدرستنا !! وهذا قرارٌ نهائي , ممنوع الإعتراض عليه ... وبذلك نُنهي إجتماعنا لهذا اليوم !! ..الآن لتعدّ كل طالبة الى فصلها .. هيا !! ماذا تنتظرون ؟

وعادوا الى صفوفهنّ , وهنّ مازلنّ يتحدثنّ عن مصير جاكلين المجهول ! 
*** 

في المركز الروسيّ .. جلست جاكلين لوحدها في غرفة التحقيق , بينما كان رئيس المخابرات يراقبها من الغرفة المقابلة , بواسطة مرآة مظللّة تفصل بينهما..

فاقترب منه الظابط وهو يسأله :
- هل تظنها حقاً جاسوسة ؟ .. فهي لم تتجاوز 15 من عمرها!
الرئيس : الم تسمع آخر الأنباء ؟.. اميركا على وشك إعلان الحرب ضدّنا , ومن الطبيعي ان يزرعوا جواسيساً بيننا , كيّ يرسلوا لهم معلوماتٍ مهمّة عن اسلحتنا النوويّة .. 
- لكنها تبكي منذ ساعة ! 
- بالطبع , فهي خائفة بعد إنكشاف امرها 

الضابط : رغم إن كل الأدلّة تُدينها , لكني مازلت لا أصدّق ان فتاةً بعمرها استطاعت إختراق ملفّاتنا العسكريّة السرّية .. فهذا الأمر يحتاج الى خبرةٍ واسعة بالإنترنت !
- معظم هاكرز هذه الأيام من اليافعين , فهم يفوقونا ذكاءً بهذا المجال 
الضابط : إذاً دعني أحقّق معها لنتأكّد من الأمر ؟ 
الرئيس : حسناً إفعل , وسأراقبكما من هنا
***

بعد مرور ساعة على التحقيق .. مازالت تصرّ إنها لم تعلم بخطورة الصفحات التي إخترقتها , وبأنها رغبت فقط في إيجاد تلك الأغنية اللعينة!!

واستمرّت بالبكاء وهي ترتجف بخوف , قائلةً : 
- كما قلت سيدي .. انا لا أتقن اللغة الروسية جيداً , فوالدايّ مُطلقان ..وقد عشت مع امي في اميركا معظم سنوات حياتي .. وانا التي أرغمتها على العودة الى روسيا السنة الفائتة , كيّ أبقى قريبة من والدي .. وكما ترى , مازالت لغتي ركيكة .. حتى مع الدروس الخصوصية , مازالت لديّ اخطاء املائية تحرجني امام زملائي ..ويمكنك سؤال معلمتي التي تعاقبني دائماً بواجباتٍ إضافية !
الضابط : يا آنسة جاكلين .. إختراقك للموقع العسكريّ ليس السبب الوحيد لإعتقالك , بل نسخك لمقطعٍ خطير يُصوّر معملنا النوويّ من الداخل , وإرساله الى جهةٍ مجهولة في اميركا هو ما جعل السلطات العليا تطالب بالقبض عليك في أسرع وقتٍ ممكن .. فلمن أرسلتي ذلك الفيديو ؟

جاكلين : لصديقتي القديمة , بعد فشلي في الخروج من ذلك الموقع الغريب 
الضابط : وماذا قالت لك ؟
- هي لم تفتحه اصلاً , بل طلبت مني إغلاق جميع الصفحات .. ثم ارسلت لي رابط لموقعٍ مُتخصّص بالأغاني القديمة .. 
- لكن الأغنية التي كنت تبحثين عنها روسية , وهي لتنويم الأطفال 
- أعرف هذا , فصديقتي ايضاً من اصول روسية .. 
الضابط : ولما لم نستطع الوصول الى حاسوبها بعد تلك المحادثة؟ 
جاكلين : لا ادري .. ربما تعطّل ثانيةً , فحاسوبها قديم  

الضابط : ولما اخترتي ان تقومي بتلك الأبحاث من كمبيوتر مكتبة مدرستك؟
- لأن الإنترنت هناك أسرع من بيتي .. (ثم ارتشفت الماء بيدها المرتجفة) .. سيدي .. ماذا سيحصل الآن ؟
- إتصلنا بوالديك , وهما على وشك الوصول 
جاكلين بقلق : وهل ستحقّق معهما ؟
الضابط : بالطبع !! لنتأكّد من كلامك  
جاكلين بقلق : وماذا لو حصل العكس ؟
- ستُسجنين على الأقل عشرين سنة بتهمة الخيانة , او سيتمّ طردك مع امك الى خارج روسيا 
فبكت الفتاة بقهر : لا ارجوك !! لا تفرّق عائلتي من جديد
  
وانفجرت بالبكاء .. فتركها الضابط , وعاد الى الغرفة المقابلة ليسأل رئيسه عن رأيه بالتحقيق , قائلاً له :
- سيدي , لا أظنها تكذب .. فهي تبدو كفتاةٍ صغيرة إخترقت بالخطأ صفحاتٍ تابعة لأسرار الدولة !

ففكّر الرئيس قليلاً , قبل ان يقول : 
- سننتظر لحين سماع والديها , كلاً على حدة .. وإن أكّدوا انها ليست خبيرة بلغتنا او بعلم الحاسوب , نُطلق سراحها مع مراقبتها جيداً لعدة شهور للتأكّد من حسن نواياها اتجاه البلد .. كما سنراقب  حواسيب وهواتف عائلتها , واصدقائها ان لزم الأمر .. 
- كما تشاء سيدي
***

ومرّت الأسابيع .. لازمت فيها جاكلين منزل امها بعد طردها من المدرسة .. حتى ان إنترنت منزلهم المراقب , لم تدخله لفترةٍ طويلة .. ويبدو ان والديها عاقباها بذلك , او ان ما جرى لها أرعبها كثيراً!
***

بعد شهرين من الحادثة .. أصرّت إحدى صديقاتها على أخذها الى الكرنفال.. 
وفي السوق , قالت لها :
- هيا جاكلين , ذوقي إحدى أطعمتنا الشعبيّة
جاكلين بيأس : فقدّت شهيتي منذ إتهامهم لي زوراً  
- لا تفعلي ذلك بنفسك , فوجهك شاحبٌ جداً
- اساساً لم أكن أرغب في الخروج من المنزل , فلما أصرّيت عليّ القدوم الى هنا ؟

صديقتها : لأني اشتقت اليك .. وكذلك زميلاتنا بالفصل .. فبرغم انك إنضممّت لمدرستنا لشهرين فقط , لكن تفوّقك الدراسي جعلك مميزة بيننا .. كما ان لا احد منّا صدّق انك متورّطة بالجاسوسية , التي بسببها أضاعوا مستقبلك العلميّ !
- لا تقلقي عليّ , سأعود مع امي الى اميركا خلال الأسابيع القادمة , وهناك أكمل ما فاتني .. فرغم عشقي الكبير لبلدكم , الا ان العيش فيه صعباً للغاية !

فسكتت الصبية قليلاً , قبل ان تسألها بتردّد :
- جاكلين , صارحيني رجاءً .. فأنا صديقتك المقرّبة , واريد مصلحتك.. 
جاكلين : ماذا تريدين ؟
- هل فعلاً اخترقتي مواقع للأسلحة النوويّة الروسية ؟
جاكلين بعصبية : أأنت ايضاً ! ..ماذا عسايّ ان أفعل بتلك المعلومات السخيفة ؟.. كل ما هنالك , ان حظي السيء جعلني أبحث بفضول عن اغنية كانت تغنيها لي جدتي الروسية قبل طلاق والدايّ , والتي علقت في رأسي اللعين اثناء دراستي في المكتبة .. فلم أجد نفسي الا وانا ابحث عنها , مُستعينةً بترجمة جوجل الغبي الذي ترجم عباراتي بشكلٍ خاطىء .. وبدل ان يرسلني الى مواقع للأغاني القديمة , أرسلني لموقع عسكريّ خطير ! 
- حسنا اهدأي جاكلين , كنت أحاول الإطمئنان عليك 

وهنا لمحت جاكلين امرأة تتجوّل في السوق , فقالت لصديقتها :
- آه تلك جارتنا ! سأذهب للسلام عليها , وربما أعود معها الى عمارتنا 
صديقتها : حسناً إذهبي , وسأحاول زيارتك قبل يوم سفرك لتوديعك .. 

وودّعتها جاكلين , وذهبت ناحية المرأة .. بينما ركبت صديقتها في سيارةٍ سوداء متوقفة قرب الكرنفال .. 
وبعد ان ازالوا عنها أجهزة التنصّت , قالت لهم :
- أسمعتم كل شيء ؟
الضابط : نعم , وسجّلناه ايضاً
الصبية بعصبية : أرأيتم !! صديقتي جاكلين ليست متورّطة بالتجسسّ كما تدّعون 

الضابط  : وانا لم اكن مقتنعاً بذلك منذ البداية.. في جميع الأحوال ..قام خبيرنا بتقوية الرقابة على صفحاتنا العسكريّة بالإنترنت , كيّ لا يتم إختراقها من جديد 
الصبية : وماذا عن جاكلين ؟
- سنتوقف عن مراقبتها , لتُكمل حياتها كما تشاء
***

في هذه الأثناء .. إبتعدت جاكلين والمرأة عن ضجيج الكرنفال , وتكلّما سويّاً باللغة الإنجليزية .. حيث سألتها جاكلين :
- هل استفدتمّ من المعلومات التي أرسلتها لكم ؟
المرأة : نعم , وحالياً يدرسون الطريقة المناسبة لتعطيل معملهم النوويّ .. فقد ضاق المسؤولون ذرعاً من تهديداتهم المتكرّرة , ورغبتهم في افتعال حربٍ عالميةٍ ثالثة 

جاكلين : وماذا عن مكافأتي ؟ فأنا عشت في روسيا لأكثر من سنة مع والداين وهميين عينتموهما لي .. مع انه لا ضرورة لذلك ! فأنا استطيع القيام بمهمّتي لوحدي
- فعلنا ذلك , لأنه لا يمكنك استئجار منزل او القيام بأمورٍ بنكيّة بهيئتك هذه .. المهم !! هذا شيك بمبلغٍ كبير , مُكافأة على تحمّلك لبردهم القارص .. كما ضفنا عليه تعويض نهاية خدمتك 
جاكلين باستغراب : ماذا ! لكني عميلةٌ سرّية محترفة , أتقن سبع لغات وأملك خبرةً واسعة بالكمبيوتر
- نعلم ذلك , لكن رئيسنا يرى بأنك اخطأت حين أجريت تلك الأبحاث الخطيرة من مكتبة المدرسة

جاكلين بعصبية : لم يكن لديّ حلٌّ آخر , فجميع مقاهي الإنترنت مراقبة .. لهذا ظننت بأن المدارس معفية من قيودهم اللعينة !! .. كما انني اتخذت الحذر والحيطة حين بدأت بحثي وأنهيته في مواقع الأغاني , فبهذه الحجّة إستطعت الخروج من المأزق .. بالإضافة لإتقاني دور الفتاة الساذجة البريئة .. ولولا ذلك , لكنت أعذّب حتى اليوم في معتقلاتهم اللاّ إنسانية .. وبعد كل هذا التعب والقلق والأرق , تستغنون عن خدماتي بدل حصولي على ترقية محترمة! 

المرأة : أظن رئيسنا يفكّر في الإستعانة برجلٍ محترف في المرة القادمة 
جاكلين بعصبية : لا !! هذا خطأ , فرجلٌ أجنبي سيلفت الأنظار حتماً .. اما امرأة مثلي في الأربعينات من عمرها , حبسها القدر في جسد فتاةٍ صغيرة لا ينمو ابداً , هو ما يجعلني مناسبة لتلك المهمّات الصعبة
- ولأجل ذلك نريدك ان تعودي سريعاً الى اميركا , قبل ان تلاحظ المخابرات الروسية مرضك النادر , الذي قد يفضح أمر جمعيتنا السرّية ..

جاكلين : وماذا سأفعل هناك , فأنا من اصول أوروبيّة كما تعلمين ؟
- سنعيّنك في مهمةٍ مُشابهة لما فعلته هنا
جاكلين بدهشة : ماذا ! ظننتكم تساعدون الأمريكان في حربهم القادمة ضدّ روسيا ؟
- نحن لا تهمّنا الدول , كل ما يهمّنا هو إشعال حربٌ عالمية تدوم طويلاً , وتتسبّب في القضاء على ملايين البشر  

جاكلين : أتدرين .. احياناً اتساءل , من تكونون بحقّ الجحيم ؟!! 
المرأة بلؤم : أنصحك عزيزتي ان تنفذي الأوامر دون طرح الكثير من الأسئلة التي قد تؤذي مستقبلك , اليس هذا ما علّمناه لك حين انضممّت الينا وانت طفلة يتيمة ؟
جاكلين بقلق : آسفة , لن اسأل مجدداً .. 
المرأة : أحسنت !! والآن أمسكي .. هذا جواز سفرك الجديد , بإسمٍ مُغاير ... وحين تصلين الى اميركا , تستقبلك عائلتك الجديدة التي عيّناها لك , لأننا سنرسل امك الحالية لمهمةٍ أخرى
- كما تشاؤون 

ثم افترقا .. لتعود جاكلين الى بيتها , لبدء التحضيرات لسفرها القريب 
***

بعد سنة .. تجوّلت جاكلين في الأزقة الشعبية الأمريكية الفقيرة بثيابها البالية , وهي تبدو كأطفال الشوارع .. لذلك لم يلاحظها حرس النادي الليليّ حين تجاوزتهم الى خلفيّة الكازينو ..

وهناك إستطاعت بجسدها الهزيل التسللّ من النافذة الضيقة لقبو المرقص 
واختبأت خلف طاولة مرمية في الزاوية .. 

وانتظرت لبعض الوقت .. الى ان رأت أحد مسؤوليّ الدولة ينزل الى هناك برفقة فتاة ليل , وهو يترنّح مخموراً .. 
فبدأت بتصوير الحدث على جوالها : حيث قام بالإعتداء على المرأة بقسوة , رغم مقاومتها له !

وبعد انتهاء الأمر وصعود المسؤول الى فوق , قام حرسه بقتلها بناءً على طلبه .. ثم أخرجوا جثتها من هناك , وأقفلوا القبو من جديد .. 
لتخرج بعدها جاكلين من النافذة العلويّة بصعوبة , وتعود الى الشارع ..
***

وتحت عامود النور .. قامت بنشر الفيديو على اليوتيوب , تحت عنوان : فضيحة رجل الدولة , السيد الفلاني .. 
ثم اتصلت بجمعيتها السرّية وهي تقول :
- نفّذت المهمّة !! رجاءً ارسلوا المبلغ على حسابي 

وركبت درّاجتها القديمة مُتجهة الى بيتها في حيٍّ شعبي فقير , والتي تستخدمه ك وكرٍ سرّي ! 
***

ولم تمضي ساعات .. حتى انتشر الفيديو الفاضح بكل وسائل التواصل الإجتماعي , ممّا أثار ضجةً إعلامية كبيرة تسبّبت في اعتقاله بتهمة الإعتداء والقتل .. وهو المسؤول السياسيّ الأول التي ساهمت جاكلين في تنحيته عن مهامه في الدولة .. لكنه حتماً لن يكون الأخير !  

السبت، 22 يونيو 2019

شبكة المتورّطون

تأليف : امل شانوحة


تجارة الأطفال !

في ليلةٍ باردة .. نام المشرّد فوق قصاصات الكرتون وهو يتغطّى ببطانيته القذرة , قرب بوّابة نفق القطار .. واستفاق فجأة بعد إحساسه بشيءٍ قاسي يُرمى على ظهره ! 

وحين إدار رأسه , رأى رجلاً يشير الى سيارةٍ صغيرة وهو يقول :
- لقد أصبحت لك !!
وابتسم له ابتسامةٍ مريبة , قبل نزوله الأدراج للحاق بالقطار..

وحين عدّل المشرّد جلسته , رأى مفاتيحاً بجانبه ! 
فتعجّب من تخلّي الرجل عن سيارته بهذه السهولة , وإن كانت تبدو مستعملة 
فأسرع نحوها لمعاينتها من الداخل ..

وفي بادىء الأمر ..ظنّ المشرّد ان السيارة مُعطّلة , لكن صوت محرّكها بدى قويّاً , كما ان خزّانها مليء بالوقود !

ففكّر في نفسه بقلق :
((لما أهداني ذلك المجنون سيارته ؟! ..هل ملّ منها ؟ ام انه على وشك شراء سيارةٍ جديدة ؟ .. ربما كان سكراناً ولم يُدرك ما فعله ؟!.. او انه مجرّد شخصٌ كريم , أشفق عليّ حين رآني نائماً في الشارع بهذا الجوّ البارد ؟.. لا ادري , لكن حدسي يشعرني بأن هناك شيءٌ مريب في الموضوع !))

وبعد ان قادها المشرّد لبعض الوقت , ركنها على جانب الطريق لتفتيشها جيداً .. 

وحين فتح صندوقها , وجد فيه : رفشاً , وشريط لاصق .. وكيس من الحلوى .. وحبلٌ سميك .. وكشّاف كبير يستخدم في التخييم .. كما فاحت من الصندوق رائحةً قذرة .. وظهرت في زواياه , بقعٌ داكنة بلون الدماء ! ممّا زاد من شكوكه .. 

فعاد الى السيارة لتفتيش درجها (بجانب المقوّد) .. فرأى فيه جوّالاً قديماً , لكنه غير معطّل ! 
وحين بحث فيه : وجد صوراً لأطفال مقيدين داخل أقفاصٍ حديديّة , والخوف بادٍ على وجوههم ! 

فوقع الجوّال من يده بعد تسارع دقّات قلبه , لعلمه بأن السيارة أُستخدمت في عمليات خطف الأطفال !

وكانت الفيديوهات المُسجّلة على الجوّال محذوفة بالكامل , فيما عدا فيديو مخيف : لثلاثة اطفال يبكون في مكانٍ مظلم , يُضاء لثوانيٍ بنورٍ ساطع يخترق شقوق السطح , قبل ان يخفت من جديد!

ففكّر في نفسه : ((لا تبدو كأنوار الكشّاف , بل كأنها .... ضوء منارة ! .. (ثم تنهّد بضيق) .. يا الهي ! ماذا أفعل الآن ؟.. هل أرسل الأدلّة الى الشرطة ؟.. أم أتأكّد من الموضوع اولاً))

ولم يجد نفسه الا وهو يقود سيارته الى هناك .. 
***

حين وصل قرب المنارة .. قام بتفتيش الشاطىء بحثاً عن المكان الذي يستخدمه المجرمون كسجن للأطفال 

وبعد ساعة من الذهاب والإيّاب في تلك المنطقة .. وجد كشكاً صغيراً بعيداً عن البحر , مرسوماً عليه شطيرة نقانق ..لكن حجمه كان صغيراً بالنسبة لأقفاصٍ حديدية تستوعب خمسة اطفال على الأقل (كما ظهر بالفيديو) 

رغم هذا شعر برغبةٍ في معاينته.. واستخدم الكشّاف لرؤيته من خلال الشقوق الخشبيّة .. فوجده خالياً من الداخل ! لكنه لمح قفلاً كبيراً على أرضيته .. فلم يجد نفسه الا وهو يكسر باب الكشك .. ثم استخدم الرّفش (من صندوق السيارة) لكسر قفل الأرضيّة الصدأ..  

وكان حدسه في مكانه , حيث ظهرت امامه ادراج تصله الى قبوٍ مظلم !
***

في الأسفل .. وجد نفس المكان الذي ظهر بالفيديو , حيث ساهم نور المنارة على إضاءة المكان المعتم من وقتٍ لآخر .. واول ما لاحظه هو الرائحة القذرة الخارجة من الأقفاص الفارغة , مُختلطة مع رائحة السمك العفنة القادمة من شباكٍ مرمية في الزاوية , والتي لاحظ المشرّد أنها تحرّكت للحظة !

وحين ركّز كشّافه نحوها , رأى ولداً (8 سنوات) يختبأ تحتها .. 
وحين اقترب منه , صرخ الولد بخوفٍ شديد :
- ارجوك لا تقتلني !!
فقال المشرّد : إهدأ بنيّ , أتيت لمساعدتك

وما ان أمسك يده لإخراجه من هناك , حتى فقد الولد (شاحب الوجه) وعيه من شدة الخوف والجوع .. ويبدو انه هرب من خاطفيه , واختبأ اسفل الشباك لساعات وربما لأيام ! 

فحمله المشرّد وأسرع بالخروج من القبو مُتوجهاً للسيارة , ثم انطلق به الى أقرب مستشفى 
***  

حين استيقظ المشرّد (بعد نومه فوق كراسي الطوارىء , بانتظار علاج الولد) وجد شرطيان بقربه , واللذان أصرّا (رغم رفضه ومقاومته) على أخذه الى مركز الشرطة للتحقيق معه حول الولد الذي أحضره وهو على وشك الموت !
***

وكما هو متوقع .. لم يصدّق المحقق كلامه , رغم انه أعطاه عنوان القبو السرّي , لكنه رفض إرسال رجاله لمعاينته !.. وأودعه السجن بانتظار محاكمته 
***

في اليوم التالي .. زاره المحامي المُعيين من قبل الدولة , للدفاع عنه في يوم محاكمته التي ستبدأ بعد شهر .. والذي أخبره :
- كيف تريدهم ان يصدّقوا بأن المجرم أهداك سيارته , وبداخلها كل الأدلة التي تدينه !  
المشرّد : لكن هذا ما حصل بالفعل , أحلف لك !! 
ففكّر المحامي قليلاً , ثم قال : 
- إن كان هذا صحيحاً , فربما اراد توريطك بالموضوع قبل هروبه .. 
المشرّد : او انه لم يتوقع بأن ذكائي سيوصلني الى وكرهم القذر
المحامي : ربما ! على كلٍ سنعرف الحقيقة حين يستردّ الولد صحته , فشهادته ستحسم القضية .. وفي حال شهد ضدّك , ستحاكم بجرم تجارة الأطفال 

المشرّد بضيق : يا الهي ! .. (ثم سكت قليلاً).. عندي سؤال , سيدي 
- تفضّل 
- ماذا تفعل تلك العصابة بالأطفال ؟
المحامي : حسناً , سأفترض انك بريء وأجيبك .. الأطفال تُخطف لثلاثة اسباب : الصغار منهم يُباعون للأثرياء العقماء بغرض التبنّي .. والقبيحون او اطفال الشوارع يسلّموهم الى تجّار الأعضاء الذين بالعادة يقتلونهم بعد إجراء العملية .. اما الفتيات الجميلات والأولاد الوسيمون يُباعون لبيوت الدعارة .. هل فهمت الآن ؟
المشرّد بضيق : نعم , فقد سمعت عن اولئك الملاعيين اثناء عيشي في الشوارع لأكثر من سنتين

المحامي : واين كنت قبلها ؟
المشرّد بحزن : في شقتي الصغيرة قبل ان تستولي عليها طليقتي .. وبعدها بإسبوع طُرّدت من عملي كنادل بعد ان أوقعت العصير بالخطأ على ثياب رجلٍ أصرّ على مديري بطردي ! وقد حاولت بعدها كثيراً إيجاد عملٍ آخر , لكن دون جدوى .. فعشت على بقايا الطعام التي تُرمى بالحاويات خارج المطاعم .. الى ان أعطاني ذلك الرجل سيارته , لتوريطي بجرائمه اللعينة!! 
المحامي : وهل تستطيع وصفه لنا ؟
- لمحته لثوانيٍ فقط , قبل نزوله الى محطة القطار .. وكان رجلاً أربعينيّ , مفتول العضلات .. هذا كل ما أذكره !

وانتهت الزيارة بعد ان وعده المحامي بأن يطلعه على حالة الولد الصحيّة من خلال تواصله مع أهله (الذين فرحوا كثيراً بعودته) .. فشهادته كفيلة بإنقاذه من السجن لعشرين سنة على الأقل , في حال ثبتتّ التهمة عليه ! 
***

بعد ثلاثة اسابيع , وفي قاعة المحكمة التي ضجّت بالصحافة ومسؤوليّ جمعيات حقوق الطفل .. إنتظر المشرّد بدء المحاكمة وهو ينظر الى الولد الذي قدِمَ مع اهله للشهادة , والذي يبدو انه لا يتذكّره جيداً !

وحين دخل القاضي الى القاعة , طلب من الولد الجلوس بجانبه على المنصّة لطرح الأسئلة عليه .. 

لكن حين تمعّن الصبي في ملامح القاضي , صرخ بعلوّ صوته وهو يشير اليه بفزع .. وبدوره ظهر عليه الإرتباك الشديد ! فأسرع بإصدار حكمه : بحبس المشرّد عشرين سنة بتهمة الإتجار بالأطفال , دون إعطائه الإذن للمحامي بالدفاع عنه ! 

فضجّت القاعة بالإعتراض , لعدم سماعهم شهادة الصغير والمشرّد !
وقام الحرس بإخلاء القاعة بناءً على اوامره .. 

واقتادوا المشرّد الى السجن المركزي , بعد ان وعده المحامي بإعادة المحاكمة , ورفع شكوى على القاضي الذي خالف قانون المرافعات !
***

في اليوم التالي .. نشرت الصحافة خبر المحاكمة السريعة المشبوهة .. وعُرضت على قنوات الأخبار : الفيديو المُسرّب من داخل المحكمة لردّة فعل الولد وفزعه من القاضي الذي يبدو انه رآه من قبل !

وعلى الفور !! إنتشرت إشاعة بتورّط القاضي بشبكة كبار المسؤولين المتورّطين باستئجار الأطفال للدعارة .. ممّا أجبره على التنحي عن عمله , دون التحقيق معه بشأن الشبهات ! بعد حصوله على دعم الجهات العليا التي قامت بتبرأته , مُكتفيةً باستقالته ! 

وفي الأيام التالية .. تجمّعت الناس الغاضبة امام بيته , وهم يرفعون شعارات : ((القاضي الفاسد)) .. ورموا الكثير من القاذورات والبيض على منزله وسيارته مُترافقاً مع أقذع الشتائم , ممّا أجبره على تغير محل سكنه الى جهةٍ غير معروفة !
***

ورغم كل ما حصل , لم يقم أحد بتبرئة المشرّد من التهمة .. حيث أصرّت الصحافة على أنه أحد رجال الشبكة المتورّطين بخطف الأطفال الفقراء من الشارع ! 

فبقيّ لعدة اسابيع مسجوناً بمفرده في الزنزانة , الى ان ضمّوا اليه سجينٌ آخر : ضخم البنية , مفتول العضلات .. والذي حاول المشرّد تجنبه قدر الإمكان , بعد ان أرعبته نظراته اتجاهه !
***

وفي إحدى الليالي .. وبينما كان المشرّد ينام في سريره .. قال له المجرم من السرير السفليّ : 
- كم أشفق عليك يا جاك .. فكبار المسؤولين ورّطوك بوساختهم كيّ يبعدوا الشبهات عن أنفسهم .. فشبكتهم ضخمةٌ جداً , وتضمّ أرفع الشخصيات بالبلد !  
فسأله المشرّد باهتمام : وما ادراك بذلك ؟!
فقال له المجرم الضخم : سأجيبك بعد ان تربط الحبل حول رقبتك  

ورفع له حبلاً , أخرجه من داخل وسادته.. 
فقفز المشرّد من سريره مُرتعباً !

فقال له المجرم بابتسامةٍ صفراء , وهو يربط طرف الحبل على شكل مشنقة :
- أظنك تتساءل كيف أدخلت الحبل الى هنا ؟ 
فأومأ المشرّد برأسه ايجاباً , ونظرات الخوف بادية على وجهه !

فأجابه : يا مسكين يا جاك .. انت الحلقة الأضعف في القضية , وعليهم التخلّص منك .. لكن ليس بقتلك , فهذا يُثير المزيد من الشبهات .. 
ومدّ الحبل اليه وهو يقول : أترى تلك الحلقة الموجودة في السقف .. اريدك ان تصعد فوق سريرك لتربط الحبل فيه , ثم تضع الطرف الآخر حول رقبتك .. وانا سأحملك , ثم أرميك لتسقط مشنوقاً 

فسأله المشرّد وهو يرتجف خوفاً : ولماذا تريد قتلي ؟!
- الم تفهم بعد ؟ المكان السرّي الذي كشفته بفضولك تابع لأقوى عصابة في البلد , وهي تعمل منذ سنوات على خطف أجمل الأطفال لتسلية كبار المسؤولين .. والقاضي الشاذّ أحد عملائهم القدامى .. اما الصبي الذي وجدته هناك .. فهو الوحيد الذي تمكّن من الهرب , بعد ان نسي المجرم إقفال قفصه .. لكنه لم يستطع الخروج من القبو المقفل بإحكام , فبقيّ لثلاثة ايام مختبأً تحت الشباك .. وربما تظن نفسك بطلاً لإنقاذك حياته .. لكن برأيّ موته كان أفضل من تذكّره تلك التجارب المريرة التي خاضها مع رجالٍ قساة , قاموا باستئجاره أكثر من مرة .. اما عن تلك الشبكة , فلا أحد يتجرّأ القبض على المتورطين فيها .. وطالما انك أثرت ضجّةً اعلامية , فقد قرّروا التخلّص منك على هيئة إنتحار .. فليس في سجلاّت السجن شيء يدل على انني شاركتك الزنزانة في الأيام الماضية .. وبدورهم وعدوني بالحصول على حرّيتي , في حال نفّذت لهم المهمّة .. لذا لا اريدك ان تضيّع وقتي , والاّ كسرت جميع ضلوعك , وجعلتك تتمنى الموت ألف مرة !! ..فهيا كنّ مطيعاً , واصنع مشنقتك في الحال !!

فنفّذ المشرّد اوامره مُرغماً , وجسده الهزيل يرتجف بقوة .. ليقوم الرجل الضخم بحمله .. ثم رميه بقوة , أدّت لكسر عنقه .. وبعد عدّة انتفاضات , توقف جسده عن الحراك ! 
***

بعد قليل , فتح رئيس السجن باب الزنزانة .. وحين رأى جثة المشرّد مُعلّقة بالسقف , قال للمجرم :
- أحسنت يا جون !! .. والآن لملمّ أغراضك دون ترك دليل خلفك .. والحقني كيّ نُفرج عنك .. 
- وهل سترسلون صورة إنتحاره للصحافة ؟ 
رئيس السجن : بالطبع !! سنفعل أيّ شيء لحماية شبكتنا السرّية
فقال المجرم مبتسماً : كنت متأكّداً انك ايضاً متورّطٌ بالأمر
الرئيس مهدّداً : إن نطقت بكلمة , أعلّقك مكانه
(وأشار للمشرّد) ..
فقال المجرم وهو يخرج من السجن مع أغراضه :
- لا تقلق , لست غبياً مثله .. والآن أخرجني من هذا الجحيم
***

بعد شهرين , وفي وقت الظهيرة .. كان ذات الرجل (الذي أهدى سيارته للمشرّد) يجلس في سيارته الفارهة , خارج نادي رياضي للجمباز ..

فأتاه إتصال من القاضي , أجاب عليه الرجل بنبرةٍ حادّة :
((لا !! لا يمكنك استئجار ولدٌ آخر بعد ان فاحت رائحتك , وأصبح الجميع يعلم بتورّطك بشبكة الدعارة  .. نعم نعم , أفهم انه تمّ تبرأتك .. لكني أخشى ان تكون مراقباً من الصحافة , او من عائلة إحدى الضحايا .. فأنا لن أعرّض نفسي او اعضاء عصابتي للخطر .. لذا أبحث عن شخصٍ آخر يؤمّن طلباتك .. فأنا مشغولٌ الآن مع زبون أرفع منك مستوى .. ورجاءً , لا تحدّثني مجدداً .. أخاف ان يكون هاتفك مُراقب .. سلام)) 

ثم قام رجل العصابة بالإتصال بشخصٍ آخر , وهو يراقب الفتاة الصغيرة اثناء خروجها من النادي , قائلاً بالجوّال : 
((نعم سيدي .. قريباً ستصبح العصفورة في قفصك , فأنا اراقبها الآن .. لا ليست برفقة والدها , بل مع سائق العائلة .. لا تقلق , استطيع التخلّص منه بسهولة .. عليّ إقفال المكالمة الآن , للحاق بهما .. سلام))

ثم أخرج مسدساً وقماشةً مبلّلة بالمخدّر من الدرج , ووضعهما على الكرسي بجانبه .. وأسرع باللحاق بسيارة الفتاة , وهو يتمّتمّ : 
((سيسعد الوزير كثيراً بعارضة الأزياء الصغيرة .. فهي فاتنة وحيويّة .. لكن ليس بعد الآن)) .. 

وضحك بمكرٍ وخبث , وهو يلحق بالسيارة بعد توغّل سائقها في الغابة التي تفصلهم عن منزل عائلة الفتاة التي لن تراهم بعد اليوم !

الموهبة الدفينة

تأليف : امل شانوحة لا تتخلّى عن احلامك اثناء إنشغال فؤاد ببيع الخردة مع عمّاله , سلّمه ساعي البريد دعوة لحضور حفل لمّ شمل طلّاب الثا...