الأربعاء، 20 مارس 2019

إنهيار مبنى

تأليف : امل شانوحة

اين سنعيش الآن ؟!

في حيٍّ شعبيٍّ فقير , وفي منتصف الليل .. إستيقظ سكّان العمارة على صوت البوّاب وهو يطرق بهستيريا على ابواب شققهم , صارخاً بفزع : 
- إستيقظوا , المبنى سينهار !! إنزلوا فوراً الى الشارع .. بسرعة !!!

وكان المبنى مكوّناً من اربعة أدوار : كل دور فيه شقتين .. بالإضافة الى منزل البواب وعائلته ..

تسع عائلات تسكن هذا المبنى القديم المتهالك .. وفي هذه الليلة , لاحظ حارسها تصدّعاً هائلاً لإحدى أعمدتها الرئيسية ! فما كان منه الا ان أخرج زوجته واولاده الثلاثة الى الشارع , قبل صعوده الطوابق الأربعة لتنبيه بقيّة السكّان ..

وتجمّع الناس حول المبنى , بعد سماعهم لصرخات زوجة البوّاب المرتعبة التي منعت اولادها من اللحاق بوالدهم ..

وكان يسكن في الطابق الأول : رجلٌ أرمل مع ابنه 6 سنوات .. وفي الشقة المجاورة له : يسكن عجوزٌ لوحده .. 
وقد إضّطر الرجل لكسر باب العجوز الأصمّ ومساعدته لنزول الأدراج , بينما امسك طفله بملابسه وهو مازال نعساً 

اما في الطابق الثاني : فكانت شقة والدين , كانا زوّجا ابنهما الوحيد قبل شهور .. وبدورهما طرقا كثيراً على باب جارهم (المعروف ببخله) .. لكنه لم يفتح لهما الباب , فظنّا بأنه مازال في دوامه المسائيّ .. ونزلا الأدراج بأسرع ما يمكنهما , رغم معاناتهما من البدانة وآلام المفاصل  

في الطابق الثالث : أسرعت أم بحمل طفلها 3 سنوات , وإمساك يد ابنتها 9 سنوات .. وركضوا للأسفل بعد تساقط الأتربة عليهم من سقف شقتهم .. ولم تبالي بتنبيه جارتها بوسي (سيئة الخلق) التي عادةً تكون في البار بهذا الوقت المتأخّر .. كما لم تسمع بكاء طفل بوسي , لِذا ظنّت بأن الشقة فارغة بعد ان حملته الخادمة الى الشارع .. 

اما في الطابق الرابع والأخير : فيعيش شاب جامعي لوحده .. وفي الشقة المقابلة له : تسكن عائلة مكوّنة من والدين وابنٌ في العاشرة وفتاةٌ مراهقة ..جميعهم كانوا من الناجيين ..
***

تجمّع السكّان اسفل عمارتهم , مع وصول اول سيارة شرطة استطاعت إبعاد الحشود عن المبنى المتهالك .. 

في هذه الأثناء.. وصل الجار البخيل الى العمارة , ليتفاجأ بالخبر ! وإذّ به يسرع كالمجنون بصعود الأدراج نحو منزله لإنقاذ ماله المُخبأ داخل خزنته , الذي جمعه خلال سنواتٍ من دواميه المرهقين الصباحيّ والمسائيّ .. ولم تستطع الشرطة اللحاق به , بعد ازدياد ميلان العمارة نحو الأمام !

فأسرع الشرطي بسؤال البوّاب : هل هناك أحدٌ غيره في المبنى ؟ 
فنظر البواب سريعاً للجيران الذين كانوا يبكون على منازلهم التي أوشكوا على خسارتها .. وأجاب الشرطي : 
- انا لا ارى فتاة الليل التي تسكن الطابق الثالث مع طفلها ! وهذه السيدة هي جارتها بنفس الطابق 

فأسرع الشرطي نحوها وسألها ان كانت رأتها , فأجابته بخبث :
- نعم نزلت قبلي مع طفلها .. ورأيتها تركب التاكسي قبل قليل

وهي كذبت لأنها ارادت التخلّص من تلك السيدة الفاسدة , خوفاً على ابنتها الصغيرة التي وجدتها ذات يوم في شقتها وهي تعلّمها الرقص , مما أدّى الى شجارٍ عنيف بين الجارتين .. 
***

وفي الوقت الذي انتظر فيه الجميع خروج البخيل من المبنى الذي بات على وشك الإنهيار , غافل الولد الصغير اباه (الأرمل) وركض بسرعة باتجاه المبنى بعد تذكّره لقطته التي نساها بالمنزل  
وحاول والده اللحاق به , لكنه سقط مغشياً عليه بعد سقوط إحدى الشرفات فوق رأس ابنه , لتسحقه على الفور ! 

وقبل ان يستوعب الجميع ما حصل , إنهار المبنى تماماً ليتحوّل بثوانيٍ الى جبلٍ من الركام , وسط صراخ وبكاء سكّان العمارة المتهدّمة ..
***  

وخلال ساعاتٍ قليلة .. تجمّع الصحفيون ورجال الشرطة والإسعاف , بالإضافة الى جرّافةٍ ضخمة وكلاب بوليسية في محاولة لإنقاذ الجار البخيل العالق هناك .. او بالأرجح إخراج جثته , مع أشلاء ابن الأرمل من تحت الشرفة المنهارة .. 

وفجأة ! صرخ الشرطي على الناس المتجمّهرة هناك :
- اسكتوا جميعاً !!! فهناك شخصٌ حيّ تحت الركام !
فصمت الجميع ! ليظهر صوت بكاءٍ مكتوم لطفلٍ صغير ..

البواب بدهشة : يا الهي ! أظنه طفل بوسي  
ثم وجّه كلامه لجارتها : ألم تقولي انك شاهدتها تنزل مع ابنها لأسفل العمارة ؟!
فنظر الجيران اليها بحنق , فأجابت بارتباك : 
- ظننتها في العمل , وأن خادمتها أنقذت الطفل !
فقالت لها زوجة البواب بعصبية : هي لم تذهب للبار اليوم , وخادمتها في إجازة  
السيدة : لم اكن أعرف ! فأنا لم اسمع بكاء ابنها , رغم الإهتزاز العنيف للمبنى 
فقالت زوجة البواب : لأن امه السكرانة عادةً ما تسقيه منوّماً قوياً , هذا ما أخبرتني به الخادمة .. ورغم كرهنا جميعاً لأخلاقها السيئة , لكن لا يحقّ لك ان تكذبي على الشرطة وتوقفينهم عن إنقاذ طفلٍ بريء !
فتمّتمت الجارة بازدراء وبلا مبالاة : هو بالنهاية طفلٌ غير شرعيّ 

الغريب انهم أخرجوا الطفل سليماً من تحت الأنقاض , مع إصابته ببعض الخدوش الغير خطيرة ! اما امه , فلم يعثروا الا على جزء من جمّجمتها المهشّمة 

وبعد ساعتين .. وجدوا نصف الرجل البخيل وهو يحتضن خزنته الحديدية التي انكسر بابها بفعل الأنقاض , لتتطاير بقايا امواله الممزّقة في الهواء  وتتبعثر فوق الركام !

اما طفل الأرمل , فقد سحقته الشرفة تماماً ..ولم يجدوا من أشلائه , سوى عظمة ساعده الأيمن !
***

حلّ الصباح , ومازالت الشرطة تطوّق المكان .. بينما ذهب الناس الى اعمالهم وبيوتهم , تاركيّ جيران العمارة المنهارة في حيرةٍ من أمرهم بعد خسارتهم لسكناهم , وهم يفكّرون بمكانٍ آخر يأوون اليه 

أتدرون مالذي حصل لهم ؟ .. سأترك البوّاب يخبركم ببقيّة القصة 
*** 

مرحباً .. انا عثمان ..حارس البناية المنكوبة .. في ذلك الصباح المشؤوم , أخذتنا الشرطة لنبيت في جامع قيد الإنشاء , بعد ان تكرّم علينا الناس ببطانيات وغيارات للأولاد , مع سندويشة فلافل لكل واحداً منا .. 
وجلسنا هناك ونحن مصابون بالذهول ! حتى اننا لم نتكلّم كثيراً في الموضوع .. بينما كان اولادنا يلعبون في ارجاء الجامع الفارغ .. 

وكان اول الخارجين من هناك : عائلة الطابق الرابع .. حيث قامت ابنتهم الصبية بعملٍ بطوليّ .. حين استغلّت نوم اهلها ظهراً , لتذهب الى محل العجوز(ميسور الحال) وتخبره بأنها قبلت الزواج منه (بعد ان كانت رفضته سابقاً) بشرط ان يجد بيتاً مفروشاً لأهلها , وبأسرع وقتٍ ممكن .. 

ورغم اعتراض والديها الا ان إمام الجامع قام بتزويجهما امامنا , بعد ان سلّم العجوز مفاتيح إحدى شققه المفروشة لعائلتها كمهرٍ لها  
وخرجت العروس باكية من المسجد .. تتبعها عائلتها والألم يعتصر قلبهم , لكنهم ايضاً فخورين بتضحية ابنتهم العظيمة ! 
***

وفي اليوم التالي لنا بالجامع .. ودّعنا الشاب الجامعي الذي قرّر الإلتحاق بالعسكرية بعد تخليه عن حلم الدراسة , فكل شهاداته واوارقه الرسمية دفنت تحت الركام !

اما طفل السيدة اللعوب (التي ماتت في إنهيار المبنى) : فقد قامت سيدة ثريّة بتبنيه بعد سماعها قصته من الأخبار ..وربما كان المحظوظ الوحيد بيننا

اما جارتها , فقد تمكّنت بعد اسبوعين من تشرّدنا من إيجاد عملٍ كخادمة في إحدى فللّ الأثرياء الذين رفضوا إستقبال ولديها ! ممّا اضّطرها لوضعهما في دار الإيتام , وزيارتهما مرة كل شهر .. 

وفي يوم التقت مع زوجتي في السوق وأخبرتها : بأن القدر يعاقبها على تركها لبوسي تموت هناك , فلربما كارثة الإنهيار كانت سبباً في هدايتها.. من يدري ! 

اما العجوز الأصمّ الذي سكن الطابق الأول : فقد توجّه بنفسه الى دار العجزة ليأسه من الحياة , بعد إنهيار شقته التي فيها كل ذكرياته مع زوجته المتوفاة

اما الوالدان من الطابق الثاني : فعاشا عند زوجة ابنهما التي تضايقت كثيراً من وجودهما , بحجّة انها عروس جديدة ومن حقها ان يكون منزلها لوحدها .. ولم يمضيا شهراً عندها , حتى أصيب الوالد بأزمةٍ قلبية .. وكنت انا آخر من زاره , وقد شكا لي ضعف شخصية ابنه الذي خيّب أمله بعد وقوفه المتكرّر مع زوجته , حتى انه لم يعاتبها حين قالت لهما : ان موتهما في شقتهما تلك الليلة , كان أفضل لهما ! .. وبعد مراسم الدفن والعزاء , إنتقلت الأم الى منزل صديقتها العانس , وعاشا سوياً هناك .. وهذا آخر ما عرفته عنهما 

اما جارنا الأرمل الذي فقد ابنه الصغير امام عينيه , فصار مُلقّباً لدى  الجميع : ((بمجنون الخرابة)) .. حيث يضع عظمة ساعد ابنه المتفحّمة والمتعفنة كعقدٍ حول رقبته , وينام فوق اطلال المبنى المُهدّم .. ويعيش على صدقات الناس وبقايا طعامهم !

اما انا .. فقد عدّت مع عائلتي الى قريتي للعمل مجدداً في الفلاحة , بينما تقوم زوجتي وابنائي برعاية الماشية , بعد ان ضاعت احلامنا بحياةٍ أفضل في المدينة ..

وكما رأيتم .. تسع عائلات تبعثرت حياتهم في ثوانيٍ بعد انهيار المبنى , فيالها من حياةٍ هشّة التي نعيشها ! 
لذلك إن كنتم محصّنون في بيوتكم , فاحمدوا الله ألف مرة .. فهناك آلاف العائلات تنام في عماراتٍ وبيوتٍ متهالكة , واضعةً مصيرها وأحلامها ومستقبلها على حافة الهاوية , متأمّلين بأن لا يتشابه قدرهم مع الذي حصل معي ومع سكّان عمارتنا المنكوبة .. لكن العيش على هامش الحياة سيبقى دائماً صعباً ومخيباً للآمال !  

الخميس، 14 مارس 2019

واجه ماضيك

تأليف : امل شانوحة


 
عقدنا النفسيّة المدمّرة 

امتلأت قاعة الإنتظار بالمرضى في عيادة الطبيب سليم , أمهر الأطباء النفسيين , رغم ان هذا النوع من العلاج غير مُستحبّ في البلاد العربية ! لكنه أصبح مشهوراً بعد ان ذيّع صيته بقدرته على علاج العقد النفسية والإضطرابات العاطفية بجلسةٍ واحدة للتنويم المغناطيسي ! وارتفعت سمعته بعد نجاحه في إقناع العديد من الأزواج بالتخلّي عن فكرة الطلاق , مُنقذاً بذلك أطفالهم من خطر التفككّ الأسريّ .. 
***

وفي ظهر هذا اليوم .. دخل الشاب أحمد متردّداً الى العيادة , لعلاج مشاكله العاطفية المتأزّمة .. واستلقى على الكنبة , بناءً على اوامر الدكتور سليم الذي سأله : 
- ماهي مشكلتك بالضبط ؟
فأجاب الشاب بنبرةٍ حزينة : دائماً أبعد احبائي كلما اقتربوا مني 
- وهل تقوم بذلك دون إرادةٍ منك ؟
أحمد : نعم , ولا أدري ما السبب ! فأنا أغضبهم بأيّة طريقة لإبعادهم عن طريقي , رغم انني أتوق للقياهم ! وبسبب ذلك إنفصلت عن العديد من الصداقات .. لكن هناك علاقة كسرت قلبي , بعد ان خسرت فتاة أظنها توأم روحي 
الطبيب : ما اسمها ؟
- رؤى
- حسنا فهمت المشكلة .. اريدك ان تغمض عينيك وتسترخي تماماً , وسأقوم بالعدّ الى الرقم 7.. سأبدأ : 1 – 2 – 3.....7 .. انت الآن في نومٍ عميق

وفي اللحظة التي غفى فيها الشاب .. قام الطبيب بتسليط نور جهازه السرّي (الذي أخرجه من الخزانة) على رأس المريض , لتخرج ذكرياته كفيلمٍ قصير على شاشة الحائط ..
فبدأ الدكتور سليم يشاهد أهم اللحظات السعيدة والسيئة التي مرّت في حياة أحمد :
الذي يبدو انه عاش طفولةً سعيدة في ظلّ والدين حنونين وأخوة اكبر منه سناً .. وفي المدرسة كان طالباً نجيباً ومميزاً , حظيّ بالكثير من الأصدقاء , خاصة الفتيات  .. لكن بعمر التاسعة , حصلت له اول صدمة في حياته ! حيث شاهد الدكتور على الشاشة : والد أحمد وهو يحمل ابنه البكر (المراهق) الذي وقع على الأرضيّة دون حراك , وأسرع به للمستشفى ..ثم مضى وقت العزاء ثقيلاً على أحمد , أثّر كثيراً على تركيزه الدراسيّ 

ثم مرّ الفيلم سريعاً , الى ان توقف عند صدمة أحمد الثانية بعد وفاة والده , عقب دخوله الجامعة  ..مما جعله يهتم أكثر بالرياضة والطعام الصحيّ .. كما زاد تعلّقه بأمه وأخيه واخته الأكبر سناً , فهو آخر العنقود 

واستمر فيلم حياته بشكلٍ متسارع , الى ان توقف عند الحادثة التي تسبّبت في عقدته الأساسية : وهي خوفه من الإرتباط العاطفيّ .. بعد وفاة خطيبته قبل شهرين من زواجهما , إثر حادث سيارة .. ويبدو انهما كانا على خلافٍ قبلها ! 

وقد أدّى موتها المفاجىء الى ارتباكٍ كبير في حياته , جعلته يهمل واجباته العائلية والدراسية والعمل , كما صحته بعد إكثاره من الشرب .. والأسوء ان رفقاء السوء نصحوه بالعلاقات العابرة لنسيان حبيبته .. وبدوره انغمس بالملذّات من شدة يأسه .. ولخوف عائلته عليه من الضياع , قاموا بتسفيره الى الخارج 

من بعدها بدأت مرحلة جديدة من حياته في الغربة , لكن ما ان بدأ يتعوّد عليها حتى أصيب بعارضٍ صحيّ مفاجىء , حيث لم تنفع الأدوية العادية لعلاج صداعه المستمرّ .. فأخبره الطبيب انه مصاب بصداعٍ نصفيّ سيعاني من اعراضه طوال حياته .. لكن الأمر الجيد بالموضوع انه التقى بزوجته الأجنبية التي تعمل في المستشفى كطبيبة اطفال .. وقد لاحظ الطبيب سليم على الفور (من الشاشة) : التشابه الكبير بينها وبين خطيبة أحمد المتوفاة ! وربما لهذا استعجل بالزواج منها خلال شهرٍ واحد .. 

ثم عُرضت السنوات اللاحقة لأحمد في خلال ثوانيٍ مرّت بالشريط : كبرت فيها ابنته المدلّلة على قلبه , التي أسماها على اسم خطيبته السابقة 

لكن ظهر ايضاً على الشاشة : انه خان زوجته أكثر من مرة مع فتيات تعرّف عليهنّ من خلال الإنترنت , لم تدمّ علاقته معهنّ اياماً! 

ووصل الفيلم الى المرحلة الأهم من حياته : وهي تعرّفه على الفتاة رؤى من خلال الفيسبوك ..التي يبدو من تعابيره المنشرحة وهو يكلّمها , بأنها استطاعت إقتحام قلبه المكسور !

لكن مع تتابع الشريط .. شاهد الطبيب (من عينيّ أحمد) عباراته القاسية اتجاهها .. وكأنه يثير المشاكل لإبعادها , كلما قربت المسافة بينهما ! 
الى ان وصله ردّها الأخير : بإنهائها العلاقة بعد يأسها منه .. ويبدو ان رسالتها الأخيرة أخافته لدرجة انه قبل فكرة العلاج النفسيّ..

وهنا أطفأ الطبيب الجهاز (الذي أخفاه في الخزانة) .. واقترب من المريض النائم لإيقاظه , بعد ان أصبحت لديه فكرة شاملة عن الظروف التي مرّت في حياته 
وهمس في إذن أحمد :
- ستستيقط عند رقم سبعة : 1 , 2....7 .. استيقظ الآن !!
واستفاق أحمد وهو يسأله : هل شُفيت دكتور ؟
الطبيب : ليس بهذه السهولة .. اريد اولاً مراجعة بعض الأحداث التي ذكرتها اثناء نومك المغناطيسيّ
أحمد : تفضّل , مع اني لا أذكر انني قلت شيئاً عن ماضيّ ! 
- بل قلت الكثير .. لنعدّ بذاكرتك الى الوراء .. ماهو شعورك اتجاه وفاة اخيك ؟

فتنهّد أحمد بضيق : كنت أظن في صغري ان الموت لا يصيب سوى العجائز .. وأخي كان مراهقاً قوياً , ومات من دون سبب ! 
- وهل كان موته المفاجىء سبباً لخوفك من خسارة أحبائك ؟
- كان صدمتي الأولى في الحياة 
الطبيب : وماذا عن وفاة والدك ؟
- ابي كان سندي , وهو من توصّت لي لدخول الإختصاص الذي اريده في الجامعة بعد إكتمال العدد ..وكنت متعلقاً به أكثر من امي , وخسارته جعلتني أشعر باليتم ولوّ كنت كبيراً

الطبيب : وماذا عن خطيبتك السابقة ؟
فسكت أحمد طويلاً , قبل ان يقول : 
- كان التشابه بيننا كبيراً , وكأنها مخلوقة مني .. فهي تفهم مشاعري دون ان أتكلم .. وأكثر ما يحزنني انني لا أتذكّر سبب خلافنا الأخير .. (يسكت قليلاً) .. ربما أثرت غيرتها بكلامي عن جمال ورقّة صديقاتي بالجامعة , كما أفعل عادةً 
الطبيب : وهل كنت تفعل ذلك لتشعرها بخطر فقدانك , فتهتم بك أكثر ؟ 
- ربما .. لكنها غضبت وسافرت على الفور , فهي مضيفة طيران .. وقرّرت مصالحتها فور عودتها , لكن مرضاً ألمّ بي منعني من الذهاب للمطار , فذهبت بسيارة الشركة
- وحصل الحادث
فأجاب أحمد بصوتٍ متهدّجٍ مكسور : نعم للأسف 
- وانت سافرت بعدها للخارج ؟
- اهلي رتّبوا كل شيء لخوفهم من فقدان عقلي بسبب إدماني على الشرب ..فكل شيء بمنطقتي يذكّرني بحبيبتي , فهي كانت جارتي 

الطبيب : وماذا عن زوجتك الأجنبية ؟
- هي ام ابنتي , وانا أحبها كثيراً
الطبيب : لكنك لست مخلصاً لها , لماذا ؟
ففكّر قليلاً قبل ان يقول : لا ادري .. أشعر بأن لديّ العديد من الخيارات , فأنا وسيم وغني وموهوب وذكي  .. والفتيات بالغربة سهل الحصول عليهنّ , فلما اكتفي بواحدة ؟
الطبيب : أهذا هو السبب , ام انك تخشى الوقوع بالحب ؟ 
- انا أحببت الكثيرات.. 
الطبيب مقاطعاً : أقصد العشق الذي يجعلك ضعيفاً امام امرأة واحدة دون غيرها.... يمكنك إجابتي , فأنا طبيبك واريد مساعدتك 
فأومأ أحمد برأسه إيجاباً.. 

فأردف الطبيب قائلاً :
- أتخاف ان أحببتها لهذه الدرجة , يُفرّق الموت بينكما من جديد ؟
- او أخسر قيمتي امامها , فأنا اريد ان ابدو دائماً كرجلٍ قويّ 
الطبيب : وهل تظن الرجل الذي يُغدق على حبيبته بالمشاعر هو رجلٌ ضعيف ؟
أحمد : نعم
- مخطئٌ تماماً.. فالرجولة ليست ان تحب إمرأة مختلفة كل يوم , بل انت تحب المرأة ذاتها كل يوم
أحمد : لكن دكتور ..

الطبيب مقاطعاً : ما رأيك لوّ نتكلّم قليلاً عن رؤى..باختصار كيف تراها ؟ 
- زوجة وأم مثالية 
- وما المختلف فيها عن بقية النساء اللآتي تعرّفت عليهنّ بحياتك ؟ 
فأجابه أحمد بعصبية : هي نكدية وعنادية جداً , وهذا يغضبني للغاية
- هل تضايقك لأنها تشبهك ؟ 
فسكت أحمد مطولاً , قبل ان يقول : 
- سابقاً كنت أتلوّن على حسب ما تريده كل فتاة لكيّ أتقرّب منها وأحصل على ما اريده , ثم اختفي من حياتها .. اما رؤى فلم تنفع معها أية وسيلة , فهي تطالبني بالتعامل معها على طبيعتي ! وهذا يثير حيرتي .. والأغرب انها تصرّ على إنني أضع قناع القسوة على وجهي البريء ! هل تصدّق ذلك ؟!
الطبيب : طالما انها تعرفك لهذه الدرجة , فلما لا تتكلّم معها بصراحة دون تصنّع ؟

فأجاب أحمد بعصبية وتوتر : لأنني لا اعرف كيف يا دكتور !! فلي سنوات طويلة وانا أتصرّف هكذا , حتى نسيت من أكون ! 
- إهدأ يا احمد .. انا أتفهمك جيداً .. فأحيانا نغير شخصيتنا لكي نتناسب مع المحيط من حولنا , او لكسب اصدقاء جدد .. لكن ما لا تعرفه انك محظوظ لأنك وجدت فتاة تتقبّلك كما انت , بعيوبك التي تحاول جاهداً إخفائها عن الجميع 
أحمد بقلق : وماذا لوّ تركتني بعد معرفتها بقلبي الهشّ الرقيق , وبأنني مرهف المشاعر كالشعراء ؟ أكيد ستتحطّم صورة الشاب القوي امامها , وربما أخسرها للأبد

الطبيب بحماس : ممتاز !! بدأنا نصل الى نتيجة 
أحمد باستغراب : لم أفهم !
- لقد اعترفت للتوّ ان قسوتك ماهي الا خوف من خسارة حبيبتك , وهذه الخطوة الأولى للعلاج .. 
- آسف , لم استوعب بعد !
الطبيب : لأفسّرها لك بطريقةٍ أخرى .. هل ترغب في معرفة المشكلة الرئيسية بينكما ؟
- نعم 

الطبيب : انت عشت فترة طويلة بحياة زوجية روتينية , بعد ان كنت شاباً عازباً لديه الكثير من المغامرات .. وحين أغدقت عليك رؤى بحنانها , شعرت بقيمتك وزادت ثقتك بنفسك .. فشعرت الفتيات من حولك بوهجك الجديد , وازدادت الخيارات امامك .. ولذلك خنت زوجتك اولاً , كما ثقة رؤى التي وعدتها بالزواج
أحمد بقهر : لكنهنّ بالنهاية كانوا خياراتً زائفة ! 
الطبيب : وعرفت ذلك بعد خسارتك للحب الحقيقي الذي اهداه الله لك على طبقٍ من فضة , اليس كذلك ؟
أحمد : غياب رؤى قهرني من الداخل , وذكّرني بفقدان خطيبتي السابقة

الطبيب : اذاً لندخل الى صلب الموضوع .. هل تريد العودة الى رؤى؟
أحمد : بالطبع , لكن كيف ؟ فهي حظرتني من صفحتها على الفيسبوك ؟
- إذاً أعطني رابط الصفحة , وانا سأكلّمها الليلة
فردّ أحمد بارتباك : لا , لا اريد
فضحك الطبيب قائلاً : لا تخف , لن أسرقها منك .. ثم هل ستفضّل عجوزاً على شاب وسيم مثلك ؟ عليك ان تثقّ بإخلاصها لك .. هيا لا تعاندني , فأنا اريد مصلحتك ..

وبعد تردّدٌ كبير , أعطاه أحمد رابط صفحتها .. وخرج من العيادة , بعد ان أخبره الطبيب بأنه سيحدّد له موعداً لاحق
***

وفي المساء .. ارسل الطبيب سليم رسالة لرؤى يُخبرها فيها عن موجز ما حصل ..
فأجابته بدهشة :
- أتقصد ان أحمد يتعالج نفسيّاً عندك ؟ ..لا أصدّق ذلك !
فكتب لها على الفيسبوك قائلاً : كانت جلسته العلاجية الأولى , ولوّلا إهتمامه الكبير بك لما أقدم على هذه الخطة الجريئة .. فمن يتمتّع مثله بالنرجسية , من سابع المستحيلات ان يعترف بوجود خطبٍ في سلوكه .. لذلك اريدك ان تحضري الى عيادتي غداً 
رؤى بقلق : وهل هذا ضروري ؟!
- إن كنت تريدين ان يتمّ الزواج بينكما
ففكّرت قليلاً , ثم قالت : حسناً , سآتي على الموعد 
***

وفي ظهر اليوم التالي .. طلب منها الدكتور سليم الإستلقاء على الكنبة
رؤى : لكني لست مريضة !
الطبيب : صدّقيني عزيزتي .. لا يخلوّ انسان من عقدٍ نفسيّة , حتى انا 

وبعد ان استلقت , قام بتنويمها مغناطيسياً .. ثم أخرج إختراعه السرّي من الخزانة .. وسلّط نور الجهاز على رأسها , ليظهر شريط حياتها امامه على شاشة الحائط :
ويبدو انها كانت طفلة قوية ومنطلقة بالكلام , الى ان سافرت مع اهلها لبلدٍ عربي آخر .. وربما اختلاف اللهجات والعادات جعلها إنطوائية في المدرسة , رغم تفوقها الدراسيّ !

وظنّ الطبيب ان السبب هو الغربة فقط .. لكن بعد طبع عدة كلمات على الحاسوب المتصل بإختراعه , ظهر بالفيلم قريبتها وهي تضع السحر في طعامها لتجعلها غير مرئية للآخرين , بعد ان خفّفت من وهج طاقتها كثيراً  
فتمّتم الطبيب بغيظ : 
- اللعنة على السحرة , وعلى غيرة الأقارب .. لنُكمل الشريط

ثم شاهد رؤى داخل منزلها , وكانت فتاة مرضية لعائلتها ..لكن السحر تسبّب بتوترٍ كبير بين والديها , وبين علاقتها بأبيها , أدّى لاحقاً للكثير من المشاكل التي تركت أثراً كبيراً على نفسيتها  .. 

وبعد تخرّجها الجامعيّ , حاولت جاهدة إيجاد وظيفة لكن دون جدوى .. فبقيت في المنزل , وبدأت بتطوير مواهبها الأخرى .. الى ان تعرّفت على أحمد بالإنترنت ..لكنها بعد ثلاث سنوات , أنهت العلاقة والحزن بادٍ على وجهها !

وهنا أيقظها الطبيب , ليسألها عن عدة امور :
- أحسسّت من كلامك وانت منوّمة مغناطيسياً انك تخافين ان تحظين بعلاقة سيئة , كعلاقة والدك بأمك ؟ 
رؤى : انا لا أكره ابي , فهو واجه الكثير من الصعوبات في حياته أجبرته أن يكون قاسياً  
الطبيب : كنت أعني إنك تعاقبين حبيبك على اخطاء والدك , لذلك كنت تحذفين صفحتك باستمرار , وتغيبين عنه لشهور بقصد ترويض الأسد , اليس كذلك ؟ 
رؤى : انا أعشق قوة شخصية أحمد ولا اريده ضعيفاً .. لكني لا اريد ايضاً ان أخاف منه , أو أعاني من قسوته كما عانت أمي .. كما ان معظم من حولي لم يهنأوا بحياتهم , مما جعلني أخاف من فكرة الزواج بشكلٍ عام ..لكني مستعدّة للمجازفة مع أحمد ولا أحد غيره , فهو صديق العمر وتوأم الروح

الطبيب : هذا جيد .. لكن هل تريدين منه الحب ام الأمان ؟
- الأمان طبعاً .. فأنا أرى من واجبي ان اختار زوجاً يكون والداً حنوناً لأولادي .. لا ان يخافوا دائماً من عصبيته الزائدة , كما عانيت انا واخوتي في الماضي .. فكل ما اريده هو بيت مليء بالحب والطمأنينة , فهل هذا كثير ؟! 
- وهل أحمد سيوفّر لك طلبك ؟ 
رؤى بحزن : إعتقدت ذلك في البداية وتمسّكت به كالغريق المتعلّق بقشّة .. لكنه خذلني أكثر من مرة , حتى فقدّت ثقتي به  

الطبيب : إذاً إخبريني عن سلبيات حبيبك ؟ 
فتنهدت بضيق ثم قالت : هو متغطرس واناني ..ولديه عادات سيئة تخيفني , كما انه شكّاك وغيور .. وعصبيته ترعبني كثيراً , لذلك اهرب منه خوفاً من ان أجرحه بكلامي اثناء عصبيتي .. ولأني ايضاً أكره المشاجرات , فقد عشت الكثير منها ولا اريد تجربة المزيد
- وماذا ايضاً ؟
- اريده ان يحافظ على سرّية العلاقة , وأظنه أخبر اسراري لكل اصدقائه وافراد عائلته ! ولوّ كان يحبني بالفعل لكان حافظ على سمعتي , وحماني من غيبتهم .. اليس كذلك ؟

الطبيب : معك حق , لكن ربما وقتها لم يظن بأن الأمر سيتطوّر أكثر من صداقة على الإنترنت .. فهو بالنهاية رجلٌ يعشق الحرّية وتعدّد العلاقات , وأظنك تعرفين ذلك ؟
- نعم للأسف 
الطبيب : وهل تظنين ان بإمكانك صرفه عن عاداته السيئة ؟ ..أقصد انت من جيله , فهل ستكفينه ؟  
- في حال لم أوفيه حقه , فأنا مستعدّة لتزويجه بإخرى 
الطبيب بدهشة : ألهذه الدرجة ؟!
- نعم , أحبه لدرجة انني أخشى عليه دخول النار بسبب تقصيري , وطالما انه سيتزوج بالحلال , فلما لا ؟ .. اساساً الخيانة عندي أشدّ من الطلاق , فهي تدمّر الثقة اللازمة للاستمرار العلاقة .. (ثم تسكت قليلاً) ..ومع هذا سأحاول جهدي ان أكون زوجة مثالية قدر المستطاع 

الطبيب : حبك نادر يا بنتي ! وهو محظوظٌ بك .. حسناً لننتقل الى صفاته الإيجابية ؟ 
ففكّرت رؤى قليلاً , ثم ابتسمت قائلةً : 
- أشعر انه ذكي جداً ..وفي قلبه طفلٌ بريء , لكن الظروف أجبرته ان يجاري من حوله من رفقاء السوء .. فأصبح يقلّدهم ويفكّر مثلهم بسطحية , حتى أغرقوه بعاداتهم السيئة .. لكني متأكّدة انه يتوق للعودة نظيفاً كما كان دائماً 
الطبيب : وكيف عرفت ذلك ؟
- لا ادري .. فأنا أشعر به عن بعد وكأني أراه , مع انه للآن لم يريني صورته  
الطبيب بدهشة : أحقاً ! وكيف تحبين شخصاً لم ترينه ؟

رؤى : لا تسألني دكتور , حتى انا لا أعرف السبب ! ..لكن لا أجد صعوبة في تفهّم شخصيته الصعبة وكأني زوجته منذ عصور , حتى مشاعره خلف الحاسوب أشعر بها .. وأعرف متى يكذب ومتى يحزن ومتى يغار , رغم محاولاته الجاهدة لإخفاء مشاعره , لكنه بالنسبة لي كتاب مفتوح ! ..(ثم تنهّدت بحزن) .. ليته فقط يعلم الحياة الجميلة التي تنتظرنا , لوّ إنه اختارني من بين صديقاته الكثر 
الطبيب مبتسماً : يبدو من نبرة صوتك الغاضبة انك تغارين عليه ؟
- كثيراً !! وهو يعلم ذلك , لهذا يثير غضبي بذكر محاسنهم امامي 

الطبيب : وماذا عن زوجته ؟ هل ستجبرينه على الطلاق منها ؟
رؤى : بالطبع لا .. فهي زوجته الأولى وام ابنته , وانا من اقتحمت حياتها وليس العكس .. وأشعر بتأنيب الضمير لفعل ذلك .. لكني حاولت الإبتعاد عنه عشرات المرات , الا ان القدر يجمعني به مجدداً رغماً عني ! ولا ادري ان كان أحمد مجرّد تجربة في حياتي , ام هو بالفعل نصيبي 
- أتمنى ان يتمّ الزواج بينكما 
رؤى بقلق : شكراً دكتور .. ورجاءً لا تخبره بأنني قدمت اليك 
الطبيب مبتسماً : وكيف برأيك حصلت على رابط صفحتك ؟ ..المهم لا تقلقي يا آنسة , ودعي الموضوع لي
***

بعد اسبوع وفي اليوم المحدّد .. دخلت رؤى عيادة الطبيب , لتجد شاباً هناك..
رؤى : آه آسفة دكتور ! السكرتيرة أدخلتني..
أحمد مقاطعاً بدهشة : روح !  
(وكان هذا اسم دلعها)  
رؤى باستغراب : حمادة ! أهذا انت ؟!
الطبيب : أهذه اول مرة ترين وجهه ؟
فأجابته بعينين دامعتين : نعم , لكن شكله ليس غريباً عليّ !

أحمد معاتباً الطبيب بعصبية : لم أكن اعلم انك ستجمعني بها !! 
الطبيب بحزم : رجاءً إجلس سيد أحمد , ولا تحاول الهرب من الموقف مجدداً .. وانت يا رؤى , إجلسي على المقعد المواجه له .. 
وبعد ان جلسا بتوترٍ واضح , قال الطبيب بجدّية :
- سأتحدث الآن , وانتما تسمعاني دون مقاطعة .. مفهوم !!
ثم أردف الطبيب قائلاً :
- ان كنتما تظنان بأن بإمكانكما تجاهل مشاعركما , فأنتما مخطئان تماماً .. وستعرفان السبب الآن 

ثم أخرج إختراعه الثاني من الخزانة , وهو جهاز لمعرفة المستقبل .. ليشاهدا على الشاشة حياتهما سوياً في بيتٍ جميل يجمعهما مع طفلٍ صغير .. كما رأى أحمد ابنته المراهقة تزورهما بالعطل الرسمية , بعد ان كوّنت علاقة جيدة مع خالتها رؤى التي كانت تحدّثها بلغتها .. ثم شاهدا لحظاتهما الجميلة خلال النزهات العائلية واثناء تناولهم الغداء , وايضاً وهما يعملان معاً على تطوير موهبتهما .. كما مرّت على الشاشة : الكثير من اللقطات السريعة الجميلة بينهما 

أحمد بمكر : وماذا عن غرفة النوم , دكتور ؟
الطبيب ممازحاً : لن أضع هكذا صور على شاشتي ايها المنحرف
فضحكت رؤى بخجل..
الطبيب : لكن يمكنني إظهار نسب توافقكما 

ثم طبع على حاسوبه , ليظهر على الشاشة نسب كبيرة لتوافقهما في العاطفة والعائلة ..وحتى في العمل , حيث كلاهما يملكان خيالٌ خصب وموهبة ستكبر مع الأيام بسبب دعمهما المعنويّ المتبادل بينهما  
الطبيب : ارأيتم كيف سيكون مستقبلكما جميلاً .. أتريدان خسارة تلك الحياة الجميلة بعنادكما ؟
فأجاب أحمد : لا 
وهزّت رؤى برأسها نافية..

فقال الطبيب : اذاً عليكما القيام بالخطوة الأولى
أحمد : أتقصد الخطوبة ؟
الطبيب : بل الإعتذار عن تصرّفاتكما الطائشة 
فاقترب أحمد منها , وأمسك يدها : أعتذر منك يا روح  
فابتسمت له بحنان : أعرف كم صعبٌ عليك الإعتذار , ولا أنكر ان شخصيتك المغرورة تثير جنوني .. وانا بدوري أعتذر منك عن هروبي المتكرّر .. لكن عدني ان لا تقسو عليّ مجدداً , وان تثق بحبي وإخلاصي لك 
أحمد : وانا أثق بك فعلاً 
أروى : لدرجة ان تفتح لي قلبك ؟ فهو لن يتحطّم معي , أعدك بذلك .. فقط أطلق العنان لمشاعرك , ولا تكبتها عني مجدداً 
أحمد : سأفعل إن وعدّتني ان تتوقفي عن حركاتك المجنونة
أروى بابتسامة : جنوني هو جزء من شخصيتي , عليك التعوّد عليها
أحمد بسعادة : وانا أعشق جنونك يا روح 

الطبيب : أحسنتما .. والآن الخطوة التي تليها يا أحمد
فقال أحمد لرؤى : أظنه حان الوقت لكيّ اسألك عن عنوانك , فأنا اريد شرب القهوة مع والدك
أروى : يمكننا الذهاب سوياً إن أردّت 
أحمد بقلق : الآن ؟!
أروى بجدية : هل ستهرب من الموقف ثانيةً ؟! 
أحمد بابتسامة : لا ليس هذه المرة .. على بركة الله

الطبيب : ولا تنسيا ان تعزماني على عرسكما 
أحمد : بالتأكيد .. مع اني مازلت مندهشاً من جهازك الغريب الذي استطاع رؤية المستقبل ؟!
الطبيب : رجاءً لا تخبرا أحداً بشأنه , فهو جهازي السرّي 
رؤى : لا تقلق , لن نؤذيك بعملك بعد ان ساعدتنا ..
الطبيب : والآن إذهبا , وعِداني ان تبقيا سوياَ رغم أنف الحاقدين .. الوداع

وبعد ان شكراه .. خرجا من العيادة وهما متأمّلان بمستقبلٍ جميل , يُشبه ما شاهداه على شاشة الطبيب السحريّة !

الجمعة، 8 مارس 2019

الحب والحرب

تأليف : امل شانوحة


أَحبّي عدوّك !

خرج الجندي الإلماني أوليفر من خيمته صباحاً بعد هدوء العاصفة الثلجيّة التي استمرّت ليومين متتابعين في روسيا , ليتفاجأ بتجمّد ضابطه ورفاق فرقته العشرة ! بعد موت بقيّة الجنود إِثر معركةٍ ضارية بين الطرفين أبّان الحرب العالمية الثانية .. 

ورغم ان أوليفر كان مترجم الفرقة , الا انه لم يحظى باحترام أصدقائه الذين حرصوا على إخفاء أسرارهم العسكريّة , خوفاً من انحيازه لأصوله الروسية من جهة امه المتوفاة 

ولم يكن امامه الا متابعة السير وحده , محاولاً إجتياز الثلوج الكثيفة أثناء مروره من بعض القرى الروسية المهدّمة والمهجورة وهو يرتجف برداً , حتى أوشك على الموت جوعاً .. 

وحين رأى أدخنة المنازل لقريةٍ روسية في واديٍ قريب منه , كان على إستعداد لتسليم نفسه من أجل كسرة خبز ! 

لكن قبل نزوله الى هناك , جمعه القدر بجثة جندي روسي متجمّد قرب شجرةٍ ضخمة ! فأسرع بالبحث بين أغراضه , ليجد بعض البسكوت في جيبه , فأكلهم بنهمٍ شديد ..وشرب الكحول من قنينته لتدفئة جسمه .. 

وأثناء تفتيشه لحقيبة الميت , وجد عدّة رسائل غرامية .. كما وجد صورة فتاةٌ جميلة داخل خوذته الحديدية , كتب خلفها : ((حبيبتي ساشا))

ولمعرفة أوليفر باللغة الروسية جلس يقرأ رسائل الفتاة بعد إشعاله الحطب , مُستعيناً بعلبة كبريت للجندي الميت 

وظلّ يقرأ رسائلها حتى عمّ الظلام .. وقد أُعجب بكلامها الرومنسي الحنون , وشوقها الكبير لرؤية حبيبها من جديد .. 

وكان من بين الرسائل : رسالةٌ أخيرة للجندي الروسي , التي يظهر من تاريخها انه كتبها قبل اسبوعين من موته .. ويبدو انه كان يسير باتجاه قرية الوادي لإرسالها عبر بريدهم , قبل وفاته بسبب العاصفة ..

لكن الغريب ان رسالته تضمّنت الكثير من العبارات القاسية , حيث أمرها بأن تنساه وتُبعد عنه بعد تعرّفه على ممرّضة تعمل في مستشفى الثكنة , والتي ينوي الزواج بها قريباً .. كما أخبر ساشا بأنه كان يتلاعب بمشاعرها الطفولية الغبية منذ البداية ! 

فتمّتم أوليفر بضيق : جيد انك متّ ايها الحقير قبل ارسالك هذه الرسالة التي قد تقتل المسيكنة ساشا .. كم أشفق على مشاعر تلك الفتاة الجميلة الرقيقة ! 
***

وفي صباح اليوم التالي .. إستيقظ أوليفر مع إنطفاء آخر شعلة النار ..وقرّر التوجه نحو قرية الوادي , بعد ان لبس بذلة الجندي الروسي الذي دفنه تحت الشجرة , بجانب حقيبته التي فيها هويته وبذلته العسكرية الإلمانية .. كما احتفظ معه برسائل وصورة الفتاة , دون ان يعلم السبب !
***

واحتاج لساعاتٍ طويلة للنزول بحذر الى اسفل الجبل باتجاه القرية , خوفاً من الإنزلاق فوق الجليد .. 

ووصل هناك عصراً وهو في قمّة التعب ..وطرق على اول منزل صادفه من الأكواخ القروية .. ففتحت له امراة في نهاية الخمسينات من عمرها , والتي ما ان رأت بذلته العسكرية الروسية حتى أدخلته بيتها وأجلسته قرب الموقد ..وسألته :
- هل انت جائع ايها الشاب ؟
فأجابها بلغتها التي يتقنها : جداً يا خالة 
فأسرعت بتسخين الحساء , ليشربها على عجل من شدّة جوعه .. ثم قال :
- أشكرك سيدتي , فقد أوشكت على الموت من البرد والجوع
- الحمد لله على سلامتك .. ما اسمك ايها الشاب ؟

فلم يجد نفسه الا وهو يقول اسم الجندي الروسي الميت , الذي ذُكر في الرسائل الغرامية ..
- اسمي سيرجي 
- واين بقية افراد كتيبتك ؟
- تجمّدوا جميعاً بالعاصفة السابقة , ولم يبقى أحدٌ سوايّ
السيدة : كم هذا محزن .. ومن أيّ مدينة أنت ؟  
فأخبرها أوليفر عن قرية امه..
- آه يعني انت قرويٌّ مثلنا ! ..وهل اهلك احياء ؟
- لا ابي مات وانا طفل , وامي توفيت قبل عام من التحاقي بالجيش ..ولست متزوجاً
السيدة بابتسامة : وهل لديك حبيبة ؟
- نعم 
- أمعك صورتها ؟

فأراها صورة الفتاة الروسية..
- كم هي جميلة , ما اسمها ؟
- ساشا
- وهل تنوي الزواج بها بعد انتهاء الحرب ؟
فأجابها بنبرةٍ حزينة : هذا ان بقينا احياءً
- لا تكن متشائماً , فمازلت شاباً .. كما سمعت بأن الحرب على وشك الإنتهاء , لأن الملاعين الإلمان لن يتمكّنوا من تحمّل شتاءنا القاسي الذي بدء منذ اسابيع 
أوليفر : معك حق , فالبرد هنا لا يطاق
- تتكلّم وكأنك لا تعيش هنا !
- عشت فترةً طويلة في سويسرا قبل عودتي بعد وفاة امي للإلتحاق بجيش بلادي , والجوّ هناك أدفأ بقليل من هنا .. على الأقل ليس فيها عواصفاً مرعبة كتلك التي قتلت جميع أفراد فرقتي! 
- هذا صحيح .. وماذا كان دورك بالفرقة ؟ 

أوليفر : انا المترجم .. لأني أتقن اللغة الإلمانية والإنجليزية وبعض الفرنسية , بالإضافة للغتي الروسية 
- ممتاز , فاللغات تنفع في الحروب العالمية .. (ثم أخذت طبقه)..هل تريد المزيد من الحساء ؟
- لا شربت الكثير , أخاف ان لا يبقى شيء لعائلتك
فتنهّدت بحزن : انا أسكن لوحدي بعد مقتل زوجي بالحرب , وابني الوحيد يقاتل الآن في الجبهة .. سأريك صورته 

وبعد ان رأى الصورة , سألته :
- هل صادفته بإحدى المعسكرات او الثكنات العسكريّة ؟
أوليفر : لا يا خالة , انا آسف 
- ما يحزنني انه انقطع منذ شهرين عن مراستلي , ولا اعرف ان كان حياً ام ميتاً !
فسألها باهتمام : هل هذا يعني ان لديكم بريداً هنا ؟!
السيدة : بالطبع , في وسط الساحة .. أظنك ترغب في مراسلة حبيبتك , اليس كذلك ؟
فأجابها بارتباك : ربما أفعل 
- طمّأنها يا بنيّ , فأنت لا تعرف كم نعاني نحن النسوة من ألم الفراق.. 

ثم لاحظت إرهاقه , فسألته : 
- آسفة لم اسألك , أتريد النوم ؟
- نمت البارحة فوق الثلوج لكن لم أهنأ بالنوم , لأني استيقظت مع كل حركة خوفاً من هجوم الدببة او جنود العدو 
فقالت بعصبية : لا تخف , لن يجرأ الملاعين الإلمان على اقتحام قريتي , فجميعنا نتقن استخدام الأسلحة , وسنحاربهم حتى الموت .. (ثم وقفت) ..هيا تعال معي ..  

وأدخلته غرفة ابنها بعد ان أعطته بيجامة نظيفة , وأخذت بذلته العسكرية الروسية لتغسلها .. وذلك بعد إشعالها لموقد الغرفة :  
- ستصبح الغرفة دافئة بعد قليل , إسترح قليلاً فالشمس أوشكت على المغيب ..

وبعد ان استلقى أوليفر في الفراش الدافىء , أخذ يتأمّل صورة ساشا وجمالها البريء .. وأعاد قراءة رسائلها الغرامية وهو يتخيّل بأنها كتبتها له .. وظلّت تراوده أفكاراً رومنسية , الى ان غفى من التعب 

وفي المنام : ((رأى نفسه بمنزل أهله فوق جبال سويسرا .. وعند خروجه : شاهد ساشا تلعب مع طفلة فوق المراعي الخضراء .. وحين رأته الصغيرة , ركضت باتجاهه وهي تناديه : ابي !!))

فاستيقظ أوليفر صباحاً وهو يفكّر : هل يُعقل ان تصبح ساشا زوجتي , وأُنجب منها طفلةً جميلة ؟.. لكن كيف سيحدث ذلك ؟!

وهنا دخلت السيدة غرفته وهي تقول :
- طالما استيقظت , فتعال لتناول فطورك 
- قادمٌ يا خالة
***

وفي ظهر ذلك اليوم .. تجوّل معها في ارجاء القرية بملابس ابنها السميكة , وبدورها عرّفته على اصحاب المحال الذين رحّبوا به كجندي سابق في الجيش الروسي .. حتى ان بعضهم سأله عن اولاده المجندين , لكنه أخبرهم بأنه من كتيبةٍ مختلفة .. 
***

بعد يومين , جفّت بذلته المغسولة .. فأراد لبسها والخروج من القرية , لكن السيدة رفضت ذلك :
- ولما يا سيرجي تريد العودة الى المعارك الدامية ؟! اساساً رؤسائك يظنونك ميتاً مع رفاقك .. وكما لاحظت , قريتي خالية من الشباب بعد ان قامت الحكومة الروسية بتجنيدهم إجبارياً , ونحن العجائز بحاجة الى شاب يساعدنا بأعمالنا اليومية

فسكت أوليفر بتردّد , فأردفت قائلة :
- ان كنت قلقاً على حبيبتك , فاحضرها معك الى هنا .. وسيقوم راهبنا بتزويجكما .. ويمكنكما البقاء معي , او استجار بيت جاري المسافر .. ما رأيك ؟
- سأقبل البقاء عندك , بشرط ان تأخذي مني الأجرة  
السيدة : انا لا اريد مالاً , فوجودك يؤنس وحدتي  
أوليفر بإصرار : اذاً لن أقبل الا اذا سمحتي لي بمساعدتك بأعمال الزريبة 
السيدة بابتسامة : حسناً , غداً صباحاً أعلّمك كل شيء 
- إتفقنا
***

وبقي أوليفر عدة أسابيع في القرية , عرِفَه الجميع كشابٍ روسي نشيط وشهم .. وهو لم يجد صعوبة بالتأقلم مع نمط حياتهم , لأنه بالنهاية تربّى على العادات الروسية من والدته .. لهذا لم يكتشفوا إنه إلماني الجنسية بعد نجاحه بإخفاء مشاعره الوطنية عنهم , خاصة بعد ان استشعر غضبهم العارم اتجاه بلاده , والتي تتأججّ كلما سمعوا نشرات الأخبار من المذياع
***

وفي أحد الأيام .. وقبل ذهابه للنوم , سأل السيدة :
- يا خالة , هل يمكنني طلب أوراقاً وقلم ؟
فقالت بابتسامة : أتريد ظرفاً أيضاً ؟
- نعم لوّ سمحتي
فأجابته : سأحضرهم لك , ولا تنسى ان تسلّم لي على حبيبتك ساشا  
***

وتردّد طوال المساء في كتابة رسالته الأولى لها , لأن عليه كتابتها بإسم حبيبها الروسي سيرجي .. 

وبعد ان تمعّن في صورتها مطوّلاً , أخذ نفساً عميقاً وبدأ بكتابة الرسالة .. ولم يشعر بنفسه الا وعواطفه تفيض شوقاً لها , حتى كادت أشبه برسائل الشعراء .. حتى هو لم يصدّق ما كتبه ! وكان على وشك تمزيق الرسالة , قبل ان تدخل عليه السيدة وهي تقول :
- آسفة على المقاطعة , لكن جارتي أخبرتني بأن زوجها موظف البريد سيسافر غداً صباحاً الى المدينة .. فإن كنت انتهيت من كتابة الرسالة , فدعني أعطيها إيّاها
- دقيقة واحدة لوّ سمحتي

وكان على وشك ان يوقع بإسمه , الا انه عاد ووقعها بإسم : سيرجي (حبيب ساشا الروسي) .. 
ثم أخذ ينقل عنوانها من الرسالة الأخيرة للجندي الميت .. فضحكت السيدة قائلةً :
- الم تحفظ العنوان بعد ؟!
فابتسم بارتباك :
- انه عنوانها الجديد , فبيتهم القديم تدمّر بالصواريخ
- آسفة لسماع ذلك .. لا تنسى ان تغلق الظرف جيداً 
أوليفر : وهآقد انتهيت , تفضلي .. واشكري الجار بالنيابة عني  

وخرجت السيدة من الغرفة , تاركةً قلب أوليفر يدقّ بسرعة وكأنه ينبض لأول مرة في حياته !
***

ومرّت الأيام ببطءٍ شديد على أوليفر الذي أتعب السيدة بسؤاله المتكرّر عن موعد رجوع زوج الجارة (موظف البريد) من المدينة التي تعيش فيها ساشا 

وفي صباح يومٍ باكر ..أيقظته السيدة وهي تحمل ظرفاً , وتقول له بابتسامةٍ حنونة :
- هيا استيقظ ايها العاشق , فقد وصلت رسالة حبيبتك
فقفز أوليفر من سريره , ليأخذ منها الرسالة على عجل .. 
فضحكت وهي تغلق الباب خلفها , لتدعه يقرأها على راحته .. 

وكان بالرسالة :  
((حبيبي سيرجي .. وأخيراً رقّ قلبك وكتبت لي رسالة .. قلبي كان يتفطّر على الأيام التي ابتعدّت بها عني .. ولا أنكر ان كلامك الأخير فاجأني كثيراً ! فمنذ متى تُخبىء كل هذه المشاعر ؟ وطالما انك تحبني لهذه الدرجة , فلما قسيت عليّ في رسالتك السابقة ؟! الا تدري كم بكيت بسببها ؟ أتظن انه من السهل على الفتيات نسيان حبهنّ الأول .. كم كنت غاضبة منك , لكن رسالتك الأخيرة أصلحت كل شيء .. وأتمنى ان لا تقسو عليّ ثانيةً , وتُثير غيرتي بتقرّبك من ممرّضات الثكنة .. فأنا لا أبالغ ان قلت : ان خسارتك أرعب لي من ويلات الحرب .. لهذا عدّني حبيبي بأن لا تفقد الأمل بنا , وان تحلم دائماً ببيتٍ صغيرٍ دافىء يجمعنا مع اولادنا العشرة .. الم يكن هذا كلامك قبل التحاقك بالجيش ؟ .. في انتظار رسالتك التالية على أحرّ من الجمر .. وإلى ان نلتقي , لك محبتي وإخلاصي : حبيبتك ساشا))

وبعد انتهاء أوليفر من قراءة الرسالة , أحسّ بشعورٍ متناقض : بين السعادة لإراحة قلبها المشتاق , والحزن لعدم إخبارها بموت حبيبها .. أمّا الشعور الأسوء فهو سرقته لمشاعرٍ لم تكن يوماً له ! 

وبترددٍ كبير , كتب لها رسالة جديدة يقول فيها :
((عزيزتي ساشا .. اريد توضيح سبب قسوتي عليك الفترة الماضي , فقد كنّا نواجه معركةً مصيرية .. وخفت ان أموت وقلبك متعلّقاً بي , لذا أردّت ان أشعرك بأنني لست مخلصاً لك لتكرهينني , فلا تحزنين كثيراً على موتي .. لكن أوضاعنا العسكريّة تحسّنت الآن , وبدأ جنود العدو بالتقهقر , وقريباً نطردهم من بلادنا .. وحينها أعود اليك لأنفّذ وعودي اتجاهك .. لأني أيقنت تماماً بأنني لا استطيع العيش دونك .. حبيبك الدائم : سيرجي))

ثم خرج من البيت لتسليم الرسالة لجاره (موظف البريد) .. 

وعاد , وهو يقول في نفسه بحزن : 
((تُرى هل ستُسامح كذبي عليها ؟ وهل ستتقبّل عواطفي الجيّاشة اتجاهها إن عرفت بأنني إلماني ؟!.. (ثم تنهّد بضيق) .. يا الهي ! لما ورّطّت نفسي بحبٍ مستحيل ؟ .. وكيف أقنع قلبي بالتوقف عن عشقها ؟!))
***

ومرّت الأيام .. أصبح فيها أوليفر محبوباً لدى الجميع بسبب مساعدته للعجائز بأعمال الزراعة ورعاية الماشية , ومشاركتهم بالصيد البرّي بعد إعجابهم ببراعته في الرماية .. 

حتى انهم في إحدى الأيام قاموا بتخبأته بقوٍ سرّي عند مرور كتيبةٌ , عملها : تجميع شباب القرى لتجنيدهم إجبارياً في الجيش الروسي.. 
لكن بعد تفتيشهم الدقيق لجميع الأكواخ , لم يعودوا يمرّون بقرية الوادي بعد تأكّدهم من خلّوها من الشباب والرجال المناسبين لخوض المعارك..

اما قصته مع ساشا فانتشرت بين افراد القرية , حتى ان بعضهم أخبره باستعداده لإحضارها له من مدينتها .. لكنه طمّأنهم بأنه سيذهب اليها في الوقت المناسب .. 
وقد أثار حبه لها غيرة صبايا القرية اللآتي حاولنّ مغازلته , لكنه ظلّ مخلصاً لحبيبته ساشا ممّا زاد احترام اهالي القرية له.. 
***

وفي أحد الأيام .. أخبره موظف البريد بأنه لم يستطع إيصال رسالته لساشا لأن مدينتها تحت حصار العدو .. فحزم أمتعته سريعاً بعد ان ودّع الجميع .. لكن قبل رحيله عن القرية , تفاجأ بالجيش الإلماني يتجه صوبهم ! 
فأسرع الأهالي بتخبئة بناتهم بأماكنٍ سرّية تحت زرائبهم , خوفاً من الإعتداء عليهنّ .. 

بينما أخفى أوليفر وجهه بالشال كي لا يعرفه جنود الإلمان , فهو المترجم الملقّب بينهم : بإبن الروسية .. 
وقامت السيدة بإعطائه رشّاش زوجها المتوفي الذي أخرجته من علّية بيتها .. ثم أسرع مع بعض العجائز الصيادين للإختباء في الغابة القريبة , وهم يصوّبون اسلحتهم اتجاه الجيش الإلماني الذي ينزل بعتاده لقريتهم .. 

ولأن أوليفر لم يكن يرغب بقتل جنود بلاده , قال للروسيين :
- رجاءً لا تقتلوا أحداً منهم , فقط صوّبوا الرصاص نحو مركباتهم 
فسأله أحدهم باستغراب : ولما لا نقتل الملاعيين ؟!
أوليفر : لأننا لوّ قتلنا او أصبنا بعض جنودهم , فسيطول بقائهم بالقرية وهم يسحبون الجثث والمصابين .. ونحن نريد إفزاعهم ليرحلوا بأسرع وقتٍ ممكن.. لهذا اريدكم ان تتوزّعوا بالغابة , وتطلقوا نيراناً عشوائية لنوهمهم بكثرتنا , فيخافون ويهربون ..
فقال كبيرهم : إسمعوا كلام أوليفر , فهو مجندٌ سابق ويعرف ما يقوله .. هيا لنتوزّع بسرعة في الغابة !!

وبالفعل نفّذوا ما قاله لهم , ليُسرع الجنود الإلمان بالرحيل .. 
بهذه الأثناء , قال أوليفر لجاره الذي كان يطلق النار بجانبه :
- ان رأيت السيدة الطيبة , فاشكرها بالنيابة عني على كرم ضيافتها
- والى اين انت ذاهب ؟!
أوليفر : الى حبيبتي ساشا .. فأنا قلقٌ عليها من الحصار  
- إذاً إذهب وانقذها يا بطل .. 
أوليفر : سلّم لي على الجميع.. الوداع 

وأسرع أوليفر راكضاً الى أعلى الجبل .. وحين وصل للشجرة الضخمة , حفر تحتها ليخرج حقيبته التي بها بذلته الإلمانية , فلبسها وهو يقول : 
- اللعنة ! انها باردة جداً .. لكن عليّ الإسراع للحاق برفاقي ..

ثم ركض بكل ما أوتي من قوة خلف مركباتهم , وهو يناديهم صارخاً بعلوّ صوته ليتوقفوا .. 
وحين سمع الضابط الإلماني صفيره وصراخه , وهو يناديهم بالإلمانية :
أوليفر : ارجوكم توقفوا !!!
أمر حينها سائق حافلة الجنود بالتوقف حالاً , خاصة بعد ان رآه من النافذة يلبس بذلته العسكرية الإلمانية ..

وحين رأوه الجنود يقترب منهم , قال أحدهم بدهشة :
- يا الهي ! انه المترجم .. إبن الروسية .. ظننته ميتاً 
ثم أدخلوه الحافلة التي أكملت طريقها نحو المعسكر الإلماني .. 

وفي الداخل , سأله الضابط :
- الم تتجمّد كتيبتك كلها بالعاصفة ؟
- نعم سيدي .. انا المترجم أوليفر , الناجي الوحيد بينهم 
الضابط باستغراب : وكيف بقيت حياً طوال الفترة الماضية , خاصة انك تلبس البذلة الإلمانية في وسط القرى الروسية ؟! 
فألّف أوليفر كذبةً سريعة , قائلاً : 
- وجدّت كوخاً مهجوراً بالغابة , وعشت على صيد الأرانب .. وحين سمعت صوت دبّاباتكم , أسرعت باللحاق بكم 
الضابط بفخر : انت تستحق نيشان على هذه البطولة .. أعطوه بعض الطعام !!

وبينما كان يأكل أوليفر البسكوت , نظر نظرةً أخيرة اتجاه القرية الروسية .. قائلاً في نفسه بحزن : 
((سأشتاق اليكم يا اصدقاء .. وبالذات لحنان السيدة الطيبة))  
*** 

وحين وصل الى معسكره السابق , استقبلوه إستقبال الأبطال .. وهنّأه القادة على شجاعته وقوته باجتياز محنته الصعبة .. 
وكمُكافأةً له : أخذوه الى سجن الأسرى المكتظّ بالفتيات الروسيات , وطلبوا منه اختيار إحداهنّ للإستمتاع بها هذه الليلة ..  

وقد صعق حين رأى ساشا من بينهن ! والتي انزوت في ركن السجن وهي ترتجف من الخوف ..
فأسرع بالقول للضابط :
- اريد هذه !!
لتنهار باكية بعد إختياره لها (فهي لا تعرفه) ..
الضابط بابتسامة : حسناً هي لك , يا بطل
فقال أوليفر بحزم : اريدها لي وحدي , سيدي !!
- ماذا تقصد ؟!
- انا لا احب مشاركة فتاتي مع بقية الجنود
الضابط : هذه أنانية منك يا أوليفر .. فهي وصلتنا هذا الصباح , وهي أجمل الأسيرات  

أوليفر : أتقصد انه لم يلمسها أحد ؟!
الضابط : نعم , فنحن لم نوزّعهنّ بعد على جداول الجنود  
أوليفر بارتياح : جيد , إذاً اريدها ان تكون جائزتي بدل الأوسمة التكريميّة 
ففكّر الضابط قليلاً , قبل ان يقول : 
- حسناً , أظنك يا بطل تستحق هذا النوع من الإمتياز .. وسأعلم البقية أنها ملكٌ لك  
أوليفر بارتياح وسعادة : شكراً لك سيدي
***

ثم دخلا سويّاً الى غرفةٍ خاصة بها سريرٌ حديديّ .. 
وقام أوليفر بقفل الباب , بينما تجمّدت هي في مكانها من الخوف.. 
فقال لها : لا تقلقي يا ساشا , أنا لن أؤذيك 
فردّت بدهشة : كيف عرفت بإسمي ؟ فأنا لم أخبر به أحد !
- انا أعرفك جيداً , وأعرف حبيبك سيرجي

وما ان قال اسمه , حتى أمسكت بيده تترجّاه ..
- اين سيرجي ؟ وكيف عرفت بأمره ؟ هل هو بخير ؟ هل أذيتموه ؟
أوليفر : اهدأي قليلاً لأخبرك بالقصة كاملة , لكن عديني ان لا تخبري أحداً بسرّي , والا قتلونا نحن الأثنين

وأخذت تستمع له .. وما أن عرفت بوفاة حبيبها , حتى انهارت بالبكاء .. 
فأصابته الغيرة , وقال بعصبية :
- ذلك الخائن لا يستحق منك كل هذه الدموع يا ساشا !!
- لا تتكلّم بالسوء عن حبيبي
أوليفر بعصبية : اذاً اقرأي بنفسك ما كتبه لك في رسالته الأخيرة , أظنك تعرفين خطّه جيداً

فجلست على السرير تقرأ شتائمه القذرة بحقها , وكيف ملّ من مشاعرها الفيّاضة اتجاهه .. ويُطالبها بعدم إرسال المزيد من الرسائل لأنه ينوي الزواج من حبيبته الممرّضة .. 

فمسحت دموعها وهي تقول : هو كتب ذلك لأنه علم بقرب أجله
أوليفر : هذا ما قلته انا على لسانه , في إحدى رسائلي لك .. ولا أظن ما قاله بهذه الرسالة كذباً ..وانت تدركين ذلك جيداً , ولا أعتقد انها المرة الأولى التي يقسو بها عليك 
فصرخت غاضبة : انت كاذب !! تقول ذلك لأنك تريدني لنفسك يا حقير , لكني لن أصدّقك ابداً , فهو حبّي الوحيد !!
وبكت بمرارة .. فقال لها :
- حسناً اهدأي , انا آسف .. بصراحة يا ساشا ..انا أحبتتك أكثر منه , بعد قراءتي لرسائلك الحنونة ..
مقاطعة بعصبية : أسكت !! فمن سابع المستحيلات ان أحب عدوي , فأنا لست خائنة لوطني

أوليفر : لكني لم أقتل احداً من شعبك , فعملي هو الترجمة فقط .. كما ان امي روسية .. ولم أكن يوماً مؤيّداً للحرب .. ساشا عزيزتي , أتمنى لوّ تعطيني فرصة كيّ ..
- إبعد يدك عني !! وأيّاك ان تلمسني مجدداً والا قتلتك , هل سمعت؟!!
- حسناً لن أفعل , ولن يؤذيك أحد طالما انا موجود
ساشا بغضب : لا تتظاهر بالقوّة امامي !! فأنت لن تستطيع حمايتي من رفاقك الوحوش 
- بل سأفعل !! حتى لوّ دفعت روحي ثمناً لذلك .. وأعدك ان تبقي عذراء الى ان أتزوجك
ساشا : ولما كل هذا ؟ 
- لأنني أحبك .. صدّقيني , أنا لم أشعر بهذا الشعور من قبل مع أيّة فتاةٍ قابلتها بحياتي 
فقالت بلؤم : الأفضل ان لا تتأمّل مني ان أحبك يوماً 
فأجابها بحنان : سأنتظرك يا ساشا حتى آخر يومٍ في حياتي

وهنا سمعا طرقاً على الباب , لجندي إلماني بصحبة فتاةٍ أسيرة روسية , يظهر بكائها الخائف من خلف الباب .. قائلاً لهما :
- هل انتهيتم ؟!! أريد استخدام الغرفة 
فأجابه أوليفر من الداخل : 
- نعم , سنخرج حالاً .. 
ثم قال لساشا بصوتٍ منخفض :
أوليفر : حين نخرج , تظاهري بأنك منهارة بعد اعتدائي عليك
فأومأت برأسها إيجاباً ..

وخرجت وهي تبكي , مُتظاهرةً بالتعب .. بينما كان أوليفر يمسك ذراعها بقسوة .. 
فقال له المجنّد : 
- أحسنت يا بطل !! دوري الآن ..هيا ادخلي ايتها الساقطة !!
***

ومرّت ثلاثة شهور .. إهتم أوليفر بساشا قدر الإمكان دون ان يلفت الأنظار اليه .. حيث عاملها بجفاء امام اصدقائه , وبكل حنان في غرفتهما الخاصة , لكنه لم يلمسها قطّ .. حتى بدأت تُعجب بشهامته ! فهي الوحيدة من بين الأسيرات التي احتفظت بشرفها بسبب نخوته .. بينما ظهر على بعضهنّ آثار الحمل .. امّا الأخريات فأسقطنّ جنينهنّ بسبب عنف الإعتداءات المتكرّرة من الجنود والضبّاط , كلاّ حسب دوره ! 
*** 

وفي إحدى الليالي .. أيقظه صديقه وهو يقول : 
- قمّ والحق بحبيبتك!!  
أوليفر بقلق : مابها ساشا ؟!
- رأيت قائدنا سكراناً , ويسحبها بعنف الى غرفته .. أظنه سيعتدي عليها

فأسرع أوليفر الى هناك .. وخلع الباب , ليجدها تقاوم الضابط بكل قوتها بعد ان مزّق ملابسها .. فعاجله بضربةٍ قوية , أوقعته على الأرض مغشيّاً عليه .. 

بينما أسرع هو بتغطية ساشا بمعطفه والتي كانت ترتجف بقوة ..
- ساشا عزيزتي يجب ان تتمالكي أعصابك , لأني سأقوم بتهريبك من المعسكر الآن 
فسألته وهي مازالت تحاول إلتقاط انفاسها المرتعبة : وكيف ؟
- كنت خبّأت قبل ايام سلّماً خلف حافلة الجنود ..سأقوم بوضعه على الجدار , لتهربي من فوق السور .. وفور خروجك من هنا , عليك الركض بأسرع ما يمكنك بين الأدغال , الى ان تصلي لأقرب قريةٍ روسية .. هل فهمتني ؟

فسألته بقلق : وماذا عنك يا أوليفر ؟
- سأواجه مصيري , والأرجح انهم سيسجنونني بسبب ضربي للضابط ..هذا ان لم يقتلوني بتهمة الخيانة بسبب تهريبي لك
ساشا بقلق : لا اريدك ان تجازف لوحدك .. سأبقى وأتحمّل العواقب معك
أوليفر بحزم : لن أسمح لك بذلك !! فالموت أهون عليّ من ان يلمسك أحد .. فهيا تعالي معي ..ولنستفدّ من ظلام الليل , كيّ تبتعدي لأطول مسافةٍ ممكنة عن المعسكر .. 
*** 

وبعد نجاحه بتهريبها .. تحمّل أوليفر بشجاعة في اليوم التالي , ضربات ولكمات الضابط الغاضب الذي حكم عليه بالسجن الإنفرادي , ولمدةٍ غير محدودة !
ورغم كل آلام أوليفر الا انه كان سعيداً بإنقاذ حبيبته .. 

كما انه تنفّس الصعداء بعد محاكمته من القادة العسكريين الذين اعتبروا عمله المتهوّر بتهريب الأسيره انما كان بدافع العشق والغيرة , لهذا لم يتهموه بالخيانة التي عقابها الإعدام رمياً بالرصاص ! 
*** 

ومرّ الشهر ببطءٍ شديد على أوليفر داخل السجن الإنفرادي , الى ان استطاع زميله (المسؤول عن اطعام المساجين) بإيصال رسالة له , رماها من تحت الباب الموصد بالأقفال ..
فسأله أوليفر من خلف الباب : ممّن هذه الرسالة ؟
فهمس له : من حبيبتك ساشا 
أوليفر بدهشةٍ وفرح : أحقاً ! كيف ؟

صديقه : ما لا تعرفه انني كنت خارج المعسكر لإحضار المؤنة , حين رأيت ساشا تقفز من فوق السور .. ولمعرفتي بحبك الشديد لها , أوصلتها لأقرب قريةٍ روسية  .. وقد ترجّتني بأن أوصل لك رسائلها.. واتفقنا بأن تضعهم بين أغصان الشجرة الضخمة في أعلى القرية ..وآخذهم انا , مرة كل اسبوع .. وهذه هي رسالتها الأولى 
- انا شاكرٌ لك يا صديقي , واريدك ان تعطيها رسائلي ان أمكنك ذلك 
صديقه : يبدو انني سأعمل ساعي بريد للعاشقيّن ..على كلٍ , علمت بأنك ستطلب مني ذلك , لذا أحضرت لك ورقاً وظرفاً وقلم .. سآتي بعد قليل لآخذ الرسالة
***

وفي داخل الزنزانة .. جلس أوليفر يقرأ رسالتها بشوقٍ كبير وبعيونٍ دامعة , حيث شكرته فيها على عمله البطولي بإنقاذ شرفها وحياتها ..كما أخبرته عن مدى قلقها عليه..
فمسح دموعه وهو يتمّتم بفرح :
- أخيراً بدأ قلبها يلين لي 

ثم أخذ يكتب لها رسالةً غرامية , تجرّأ فيها على تصوّر حياتهما معاً كعائلة لديها الكثير من الأولاد .. قائلاً بالسطور الأخيرة : 
((أعرف انني تسرّعت بهذه الخطوة , لكني خائف ان تكون رسالتي الأخيرة لك , وأردّتك ان تعرفي نيّتي الحقيقية اتجاهك .. حبيبك المخلص : أوليفر))
***

بعد اسبوع , وصله الردّ.. حيث قالت في رسالتها : 
((وكيف تريدنا ان نتزوج ؟! واين سنعيش ؟ ..ان بقيت معي في روسيا , ربما يقتلوك شعبي ..وان ذهبت معك الى المانيا , فحتماً سيؤذينني ..فأين تريدنا ان نبني عائلتنا الخيالية ؟))

وقد أسعده جوابها لأنها لم ترفض فكرة الزواج منه , بل إستصعبتها فقط.. 
فكتب لها برسالته الجديدة , قائلاً بحماس :
((ما رأيك ان نذهب لسويسرا ؟ فهي بلدةً محايدة عن أحداث الحرب اللعينة .. وفيها بيت عائلتي القديم , فما رأيك حبيبتي ؟)) 

فأتاه الردّ بعد ايام : ((لطالما حلمت بالعيش هناك , عزيزي أوليفر))
وما ان قرأ اسمه لأول مرة في رسائلها , حتى صرخ بعلوّ صوته من داخل الزنزانة , وبفرحٍ شديد : 
- أخيراً وافقت !!!!!

فأسرع صديقه اليه , هامساً له من خلف الباب الموصد ..
- يا غبي !! إخفض صوتك .. أتريد ان تفضحنا !
فأجابه من داخل الزنزانة بسعادة : 
- لقد قبلت الزواج بي يا صديقي
- مبروك , سنزفّك في حال خرجت من هنا حيّاً .. رجاءً , حاول ان تمسك نفسك قليلاً 
أوليفر : اريد ان أكلّم الضابط فوراً
صديقه بقلقٍ شديد : لوّ عرف بموضوع الرسائل سيتهمونني بالخيانة والجاسوسية مع العدو , وربما أُعدم بسببك !
- لا تقلق , اريد فقط الإعتذار منه
صديقه بارتياح : وأخيراً قبلت ايها العنيد .. حسناً سأطلب من الحارس فتح الباب لك.. 
***

ثم أخذه الحارس لغرفة الضابط (الذي ضربه سابقاً) .. ليقوم على الفور بالإعتذار منه 
الضابط بلؤم : لا يكفي إعتذارك , أريدك ان تزيل فكرة الروسية ساشا من رأسك , فهي تبقى امرأة من أعدائنا
فقام أوليفر بتمثيل دور العاشق المخدوع , قائلاً بقهر : 
- نسيت أمر تلك الخائنة , وأتمنى لها الموت هي وعشيقها الجديد
الضابط باستغراب : وكيف عرفت ذلك ؟! 
- رأيتها تتزوج قريبها الروسي في منامي , وأحلامي لا تكذب ابداً

فضحك الضابط ساخراً ..
- يبدو ان السجن الإنفرادي أثّر على اتزانك العقلي ! ..على كلٍ , سأعفو عنك لأننا قبضنا البارحة على جندي روسي استطاع التسلّل ليلاً الى معسكرنا , وتمكّن الحرس من القبض عليه قبل تفجير نفسه .. واريدك ان تستجوبه , فمترجمنا الآخر ذهب في مهمةٍ خارجية .. 
أوليفر : وماذا تريد ان تعرف منه ؟ 
- كل شيء .. من أرسله ؟ واين تتمركز فرقته ؟ وماذا ينوّون فعله ؟ وماهي خططهم واعداد جيشهم ؟ وهل بيننا خونة ساعدوه للدخول الى هنا؟
- كما تشاء سيدي 
الضابط : اذاً تعال معي .. أعتقد ان الروسي تلقّى ما يكفي من التعذيب  طوال ليلة أمس ليعترف لنا بسهولة عن كل شيء
***

ودخل أوليفر غرفة التحقيق , ليجد آثار التعذيب واضحة على وجه وجسم الجندي الروسي الذي بالكاد استطاع الجلوس على الكرسي من شدة الألم 
فسأله أوليفر (باللغة الروسية) عن طريقة تسلّسله الى المعسكر شديد الحراسة ؟ 
فأخبره عن حفره في الجدار الخلفيّ للمعسكر ..
فسأله أوليفر باهتمام : وهل مازالت الفتحة موجودة ؟
الروسي بتعبٍ وألم : نعم , خبّأتها بالأعشاب والأغصان اليابسة 

وهنا سأل الضابط الإلماني أوليفر : هيا ترجم لي ما يقوله هذا اللعين !!
أوليفر : كان يترجّانا ان نطلق سراحه
الضابط بلؤم : قلّ له انه ميتٌ لا محالة .. لكن ان اراد الموت السريع فليعترف بكل شيء , والا سيُقتل بأعنف وأسوء وسائل التعذيب النازيّة 

وبعد ساعتين .. أنهى أوليفر التحقيق معه , ليعود الى ثكنته .. منتظراً حلول المساء , بعد ان رتّب أغراضه داخل حقيبته ..
***

وفي آخر الليل وبعد ان نام الجنود .. إستغلّ أوليفر إنشغال حارسيّ المراقبة بالكلام مع بعضهما فوق برج المراقبة , ليُسرع الى الجدار الخلفي للمعسكر , للبحث عن تلك الحفرة التي حفرها الفدائي الروسي ..

وبالفعل وجدها بعد ان أزال عنها الأغصان , وهرب منها سريعاً نحو الأدغال .. وهناك بدّل ملابسه بملابسٍ رياضية , ودفن بذلته العسكرية تحت الشجرة .. ثم أسرع نحو القرية التي أخبره صديقه بأن ساشا تختبىء فيها ..
***

ووصل هناك عصر اليوم التالي .. لينهار من التعب امام إحدى بيوت القرية .. 

وحين استيقظ , وجد ساشا امامه تقول له :
- الحمد الله على السلامة .. كنت خائفة ان ..
وقبل ان تكمل كلامها , حضنها بشوقٍ كبير .. 
فلم تجد نفسها الا وهي تحضنه بدورها .. 
ثم قال لها :
- عليك ان تتجهزي بسرعة , كيّ نهرب الى سويسرا في الحال
ساشا بقلق : وكيف سنصل الى هناك ؟ المسافة طويلةٌ جداً ! 
- لا تقلقي , فقد إتفقت مُسبقاً مع تاجرٍ لإخراجنا من روسيا 
- وكيف تعرّفت عليه ؟

أوليفر : هو من أقارب امي .. الآن عليك الإسراع بحزم حاجياتك المهمّة فقط , قبل ان يلاحظ المعسكر غيابي ويبدأون بالبحث عني .. هيا بنا
ساشا : أتدري .. جيد انه حلّ فصل الربيع , والا لكانت المغامرة مستحيلة .. لكن مع هذا لا استطيع الذهاب معك , فأنت مازلت رجلاً غريباً عني ..
*** 

بعد ساعة .. تجمّع اهالي القرية بحضور الراهب لتزويجهما على عجل .. وأهدتها إحدى النساء خاتم الزواج , بعد عقد قرانهما .. 

ومع حلول المساء .. ركبا ظهر البغلتين باتجاه القرية التي بها التاجر ..  وهناك بقيا اسبوعاً , الى ان استخرجا هويتين جديدتين لهما ..  
*** 

وكانت الرحلة طويلةً ومرهقة , إستغرقت شهرين متعبين ومتوتّرين للغاية , إستخدما فيها البغال والشاحنات والحافلات لتنقّلهما ضمن رحلةٍ محفوفة بالمخاطر بين الدول المتحاربة .. 
وقد تعلّمت ساشا بعد الكلمات الإلمانية من أوليفر للمرور بسلام من مراكز التفتيش الإلماني .. بينما استخدم زوجها هويته الروسية التي استخرجها من مكتب المسؤول في قرية امه , للخروج من مقاطعة أوكرانيا التابعة للإتحاد السوفيتي.. وبدورها استخدمت ساشا هويتها المزوّرة الإلمانية لاجتياز حدود دولة المجر وكذلك النمسا التابعة لدول المحور .. وظلاّ على أعصابهما , الى ان وصلا لسويسرا بشقّ الأنفس !
***

وكان نومهما في السرير الدافىء لبيت أهله القديم فوق جبال سويسرا هو أجمل يومٍ في حياتهما , وكأنهما ولدا من جديد ! 

وهناك تابعا حياتهما بهدوء بعيداً عن ويلات الحروب .. واشتريا بنقودهما المتبقية بعض الدواجن والخراف .. وأنتجا سويّاً جبناً فاخراً حصل على إعجاب المتسوقين , مما حسّن من أوضاعهما المالية .. 
ولاحقاً أنجبا طفلةً جميلة أسموها : ريمي 
***

وفي صباح يومٍ جميل  .. رأى أوليفر زوجته خارج الكوخ تلاعب ابنتهما فوق المروج الخضراء , ثم ركضت ريمي نحوه وهي تناديه بعلوّ صوتها : ابي !!  
فقال في نفسه بسعادة : 
- هذا تأويل منامي !

وعاشوا كعائلةٍ سعيدة , بعد ان نجح حبهما بتجاهل العداوة والصراعات الدامية بين دولتيهما المُتحاربة , في أسوء حربٍ عرفها التاريخ ! 

الثلاثاء، 5 مارس 2019

بوّابة العالم الآخر

تأليف : امل شانوحة


الحاجز بين عالمين !

بعد إنتقال إنجي الى فرعٍ آخر للشركة , استأجرت شقة مفروشة قريبة من عملها الجديد .. ولم تجد من حاجيات المستأجر السابق , سوى كتاب قديم وجدته في خزانة الحائط .. وما ان تصفّحته , حتى انفتح على صفحة بعنوان : تعويذة الثراء .. فعرفت انه كتاب سحر .. فوضعته جانباً , وأكملت ترتيب أغراضها .. 

ولم تتذكّر الكتاب الا بعد شهرين , حين مرّت بضائقةٍ مالية .. فأخذت تقرأ التعويذة بدافع الفضول ..وكانت عبارة عن كلماتٍ متتالية غير مترابطة وغير مفهومة ! 
وبعد ان أنهتها , شعرت بنعاسٍ مفاجىء ! فذهبت للنوم 

وفي منامها : شاهدت نفسها تمشي في سردابٍ طويل , الى ان وصلت الى بابٍ حديديّ ..وحين فتحت المزلاج , وجدت بداخل الغرفة رؤوساً طائرة كبالونات الهيليوم , بوجوهٍ مرعبة كأنهم قبيلة من الجن , نظروا اليها بدهشة بعيونهم الحمراء المضيئة ! 
فصرخت عليهم بشجاعة : 
- أتركوني وشأني !! لي ثلاثين سنة مسحورة .. اريد ان أعيش !! اريد ان أتزوج , وأنجح في عملي !! وانا أحذّركم من الإقتراب منّي مجدداً .. هل سمعتم ؟!!!

فبدأ يعلو صوت أنفاسهم الغاضبة وازدادت إحمرار أعينهم , ممّا أخافها جداً ! فحاولت إقفال الباب من جديد , لكن المزلاج انكسر في يدها ..
فهربت سريعاً , وهي تسمع عوائهم ونباحهم وهم يلاحقونها داخل ممرّات السرداب , الى ان استيقظت مُتعرّقة !

فحمدت ربها بأنه مجرّد كابوس.. 
وفكّرت بنفسها : ((ثلاثون سنة ! هل النحس الذي لازمني طوال عمري كان بسبب السحر ؟ ومن يجرأ على فعل ذلك ؟!))

وحين فتحت باب الحمام , كادت تسقط من هول الصدمة ! حيث وجدت هناك , الرؤوس الطائرة محشورة فوق بعضها البعض..
فصرخت مرتعبة : ماذا تفعلون في بيتي ؟!!
فقال كبيرهم : انت فتحت الحاجز الذي بيننا وبينكم .. وحين لحقناك , إنغلق الباب خلفنا , ولم نستطع العودة الى عالمنا من جديد ! 
فسألته بقلق : وماذا يعني ذلك ؟!
فأجابها جني شاب : يعني علقنا معك هنا 

إنجي وهي ترتجف : لا يمكنكم البقاء في بيتي , هذا محال !! 
فردّت عليها جنية تحمل ابنها الرضيع : 
- لكننا لن نؤذيك , ونعدك بأن لا ندخل غرفة نومك مطلقاً
إنجي : وماذا عن الحمام ؟
فقال أحدهم : هذا مكاننا المفضّل
إنجي : يمكنكم إحتلال الحمام الآخر .. امّا هذا , فلي وحدي
كبيرهم : ذلك الحمام صغيرٌ جداً , ولن يكفينا جميعاً .. لهذا سنتوزّع في زوايا بيتك ..وعليك تقبّل الأمر , فأنت من قرأت كتاب الشعوذة وأحضرتنا اليك

ولم تستطع إنجي مجادلتهم أكثر , فهي بحاجة لدخول الحمام
وحين خرجوا , أقفلت الباب خلفهم بسرعة .. لكنها أحسّت بحركة خلف ستارة حوض الإستحمام ! وحين فتحتها , وجدت جنيّاً صغيراً يطفو هناك
- ماذا تفعل هنا ؟!!
فردّ الولد بابتسامةٍ خبيثة : أستطيع ان أفرك لك ظهرك , إن أردّت الإستحمام
- أخرج حالاً , ايها المنحرف !!
فاخترق جسده الباب المُنغلق , مُتجهاً للخارج ..
بينما كانت ترتجف بندم : ماذا فعلت بنفسي ؟! لما قرأت ذلك الكتاب اللعين؟ ..ما لحلّ الآن مع هذه الورطة ؟!

وحين خرجت .. وجدتهم يطفون في زوايا البيت ..فذهبت الى غرفتها , وبدأت بوضع المكياج للذهاب الى عملها .. 
فسمعت الجنية تقول لها من السقف : 
- لا تكثري من استخدامه , فهذا يجعلك تبدين كأمرأةٍ رخيصة 
فأجابتها إنجي بغضب : وما دخلك انت ؟!! ثم الم نتفق بأن لا تدخلوا غرفتي ؟ 
- أردّت بعض الحليب لإبني الرضيع
باستغراب : أتأكلون مثلنا ايضاً ؟!
- نعم , لطالما أكلنا بقايا طعامكم
- ستجدين كل ما تحتاجينه بالثلاجة .. إخرجي الآن , فعليّ الإسراع الى عملي

وقبل خروج إنجي من المنزل , قالت لهم :
- إيّاكم ان تلحقوني الى الشركة , فلا اريد ان أُطرد بسببكم 
فردّ كبيرهم : إطمئني , فنحن لن نتحرّك شبراً من بيتك 
فتمّتمت بضيق : يالا سعادتي !
وخرجت وهي تفكّر بطريقة لإعادتهم الى عالمهم..
***

ولم يكن الوضع أفضل حالاً في الشركة , حيث طالبها المدير بإعادة كتابة التقرير من جديد , بعد ان أهانها امام بقية الموظفين 
وقبل عودته الى مكتبه , تعثّر فجأة ليسقط فوق سِلال النفايات , بينما حاول الجميع كتم ضحكاتهم الساخرة .. 

وكانت إنجي الوحيدة التي رأت الجني الشاب وهو يدفعه من الخلف , والذي حلّق في الهواء باتجاهها قائلاً :
- لن أسمح لأحد ان يؤذي حبيبتي
إنجي باستغراب : حبيبتك ؟!
- نعم .. أنا الجني العاشق الذي تزوجك منذ ثلاثين سنة , هل نسيتني فوراً بعد ان فككّتِ سحرك ؟!
وقبل ان تستوعب ما قاله ! رأت زميلتها تقترب من مكتبها .. فهمست له:
- إبتعد من هنا فوراً 
الجني : حسناً سأختفي من امامك

زميلتها : مع من كنت تتحدثين ؟!
إنجي بارتباك : لا احد , كنت أفكّر فقط بتقريري الجديد 
- دعك من المدير .. فهو بعد الذي حصل له , لا أظنه يخرج من مكتبه لبقية اليوم.. ومع هذا لن ألهيك عن عملك .. نتكلّم لاحقاً  

وحين فتحت إنجي حاسوبها , وجدت كلاماً يُكتب لوحده على الشاشة ! بعبارةٍ تقول :
((قريبتك سحرتك وانت صغيرة , ومن وقتها ارتبطنا سويّاً ..وانا حزين لأن سحرك إنفك فور دخولك عالمنا .. كانت خطوة جريئة منك , لكن نتائجها سيئة .. فبعد ان كنت مرتبطة بي فقط , أصبحتي مقيّدة بكل افراد عائلتي ! فهل انت سعيدة الآن ؟))

فصرخت بغضب : أتركني وشأني ايها اللعين !!!
قالتها بصوتٍ عالي وهي تحذف كلامه من الشاشة , ليلتفت اليها بقيّة الموظفين بدهشة ! ..لكنها تظاهرت بأنها تكلّم أحدهم بجوالها .. بينما كان عقلها مشغول بإيجاد حلٍّ سريع لإنهاء مشكلة الجن الذين احتلّوا منزلها , فوالداها سيزورانها بنهاية الأسبوع .. فهل سيتمكّنان من رؤيتهم مثلها ؟!

وقبل انتهاء الدوام .. تقدّم منها موظف لطالما أُعجبت به , وتكلّم معها برقةٍ غير معهودة ! بينما كان الجني الشاب يراقبهما من بعيد بغضبٍ وغيرةٍ شديدين ..

وبعد ذهاب الموظف الى مكتبه .. ذهبت إنجي الى حمام الشركة لتغسل وجهها وهي في قمّة السعادة , لتفاجأ بالمرآة بوقوف الجني خلفها !
- لما لحقتني الى هنا ؟!
الجني الشاب بعصبية : انت سعيدة لأن حبيبك يكلّمك لأول مرة , اليس كذلك ؟
إنجي : نعم , واقتنعت الآن بأن سحري إنفك أخيراً ..فما الذي يغضبك ؟ 
- أنسيتي بهذه السرعة انني كنت زوجك لثلاثين سنة ؟!!
إنجي : وانا أحرّرك من هذا القيد .. إذهب وتزوّج جنية من عالمك , ودعني أكمل حياتي
- لن أرضى بذلك , وسأذهب الآن لأؤذي ذلك الحقير !!
فقالت بغضب : إيّاك ان تفعل !! هل سمعت ؟ والله أحرقك انت واهلك ان اقتربت من حبيبي !!
- أبهذه السرعة أصبح حبيبك ؟! اساساً لا يمكنك مواجهة عائلتي كلها لوحدك  
- سأفعل ان اضّطر الأمر لذلك
- أتخاطرين بحياتك من أجل ذلك التافه ؟!

إنجي : إسمعني جيداً .. من المستحيل ان يكون هناك رابط يجمعنا , فنحن من عالمين مختلفين .. لذا رجاءً دعني وشأني , فأنا اقتربت من سن العنوسة , واريد زوجاً واولاد .. وانت ايضاً كبرت وبحاجة الى زوجة جنية , تنجب منها اطفالاً
- تتكلّمين كأمي !
إنجي : لأن معها حق .. (ثم تتنهّد بضيق) .. إسمع , يمكنك الذهاب الى عالمك وانت مرتاح الضمير , فأنا سامحتك على السنوات التي فاتت من عمري , فارتباطك بي كان غصباً عنك .. لكن السحر اللعين انتهى الآن , وأصبحنا أخيراً أحرارا
- وكيف أعود بعد ان أغلقتي بوّابة عالمنا ؟ 
- سأجد حلاً , أعدك بذلك .. والآن عدّ الى بيتي , ودعني أنهي الدوام على خير , قبل ان يظنّ زملائي بأني فقدّت عقلي ان رأوني أكلّم نفسي كثيراً.. فهيا رجاءً , إذهب من هنا

فرحل الجني بهدوء , لتسرع هي بالخروج نحو مكتبها .. وتقوم ببحثٍ مطوّل على حاسوبها لإيجاد طريقة لإصلاح الوضع .. 

وبعد ساعة , وجدت عنوان مشعوذة تعيش في خيمة على الشاطىء القريب من شركتها .. فقرّرت الذهاب الى هناك , فور انتهاء الدوام
***

وفي الخيمة , أخبرتها إنجي بما حصل معها ..
المشعوذة : حسناً .. تعالي معهم مساءً , لأعطيك التعويذة المناسبة
*** 

وقبيل المساء .. أقنعتهم إنجي بالذهاب معها للإستمتاع بغروب الشمس عند الشاطىء .. 
ومن بعدها استغلّت إنشغال الجن بالرقص حول المصطافين الذين عزفوا على آلاتهم الموسيقية بسعادة , دون ان يروا المخلوقات المرعبة التي تجمّعت حولهم !
فدخلت وحدها الخيمة .. وحين أطلّت المشعوذة ورأت عددهم الكبير , أعطتها ورقة فيها تعويذة قوية لفتح بوّابة عالمهم من جديد.. 

لكن إنجي رأت بأنه لا داعي لقراءتها , بعد ان قرّرت العودة سريعاً الى بيتها وترك الجن فرحين عند الشاطىء 
حيث تمّتمت بخبث وهي تقود سيارتها : 
- لا أظن باستطاعتهم معرفة عنوان شقتي .. فليذهبوا ويبحثوا عن مكانٍ آخر يعيشون فيه , بعيداً عني
***

وحين دخلت غرفة نومها لتستريح , تفاجأت بالطفل الجني ينام على سريرها !
إنجي بضيق : اللعنة ! لما لم تأخذه امه معها ؟! 
وعندما حاولت وضعه في غرفةٍ أخرى , استيقظ وبدأ يبكي من الجوع 
فأحضرت له الحليب .. لكنه مرّ من خلال فمه الشفّاف , وانسكب على الأرض !
- كيف أستطيع إطعام مخلوقاً من الهلام ؟! 

ثم حملته ناحية الثلاجة .. وحين فتحتها , أشار الطفل الى الدجاجة المسلوقة..
إنجي باستغراب : هل تأكلون اللحم بهذا العمر الصغير ؟! خذّ هذه القطعة.. 
لكنه لم يأكل سوى عظام الدجاجة !
إنجى بخوف : كنت قرأت بأن العظام هو طعامهم المفضّل , كم هذا مخيف ! .. يا الهي ! يأكلها وكأنها شيبسي ! ..هآ يا صغير , هل شبعت الآن ؟ هل تسمح لي بالنوم , فأنا مستيقظة منذ الصباح ؟ ..هيا اذهب وحلّق في البيت كما تشاء , لكن لا تصدر صوتاً .. مفهوم !!

ثم ذهبت وحدها الى غرفتها .. وحين استلقت على سريرها , وجدت الطفل يخترق بابها المغلق ويطفو باتجاهها , وينام بقربها !
- ابتعد عني رجاءً , واخترّ مكاناً آخر تنام فيه  
لكنه اقترب أكثر , ووضع رأسه على صدرها .. 
- يا الهي ! هذا ما كان ينقصني ..
وحين سمعت شخيره , تركته مكانه .. 
- جسدك باردٌ جداً ! دعني أغطيك بلحافي ..
***

بعد ساعتين .. وصلت قبيلة الجن غاضبةً الى بيتها , بعد تخلّيها عنهم عند الشاطىء , وكانوا ينوّون إيذائها .. 
لكن والدة الطفل أوقفتهم بعد ان رأتها تحتضن رضيعها النائم بحنان .. فقرّروا مسامحتها على مخالفتها لإتفاقهم السابق , بعد ان برّر كبيرهم فعلتها قائلاً :
- لا يمكن لومها على خوفها من معاشرتنا , فالبشر بالعادة جبناء ..لذا دعوها وشأنها

ثم ارتفع بعضهم الى زوايا السقف ليناموا , بينما فضّل الباقون النوم في الحمام الصغير ..

وعندما استيقظت قبيل الفجر ورأتهم نياماً في بيتها , علمت بأن التخلّص منهم لن يكون بهذه السهولة !
***
بعد يومين , وفي صباح يوم عطلتها .. إتصل والداها ليخبراها بأنهما في الطريق لزيارتها ..فأسرعت إنجي بحشرهم جميعاً داخل الحمام الصغير , لكن كبيرهم اعترض قائلاً :
- توقفي عن دفعنا يا إنجي .. فاستحالة ان نسعّ جميعنا هنا , انت تُأذيننا هكذا !!
ففكّرت قليلاً قبل ان تقول : حسناً يمكنكم البقاء في الحمام الكبير , لكن إيّاكم ان تخرجوا منه..
فسألتها الجنية بقلق : وكم سيبقى والداك هنا ؟
إنجي : ساعتين تقريباً , ولا اريدكم ان تخيفوهما بأيّةِ حركةٍ سخيفة ..هل كلامي مفهوم ؟

وووصل والداها بعد قليل .. وامضيا ثلاث ساعات بزيارتها .. 
وقبل عودتهما الى مدينتهما , أراد والدها دخول الحمام الكبير .. لكنها أسرعت بإيقافه : 
- لا توقف !! أقصد ..هذا الحمام معطّل يا ابي , يمكنك استخدام الآخر

وبعد دخوله .. نادتها امها من المطبخ ..
- لما الطعام مبعثرٌ ومفتّتٌ هكذا في الثلاجة , وكأن فأراً عبث بداخلها؟!
- آسفة يا امي .. بالكاد وجدّت الوقت لتنظيف شقتي , لكن أعدك بالإهتمام أكثر 
بينما قالت في ذهنها : ((الطفلان اللعينان , دائماً يعبثان بطعامي ! متى يا ربي ينتهي هذا الكابوس؟))

وبعد ذهاب أهلها , أسرعت بإخراج الجن من الحمام ..
حيث قال كبيرهم بعصبية : ضاق صدرنا ونحن محشورين فوق بعضنا البعض !! 
إنجي : أشكركم لبقائكم هادئين ..
فقال أحدهم : لقد جعنا كثيراً , ماذا سنأكل على الغداء ؟
إنجي : وماذا تريدون ان أطلب لكم ؟ 
فأجابتها الجنية : لا داعي لذلك , سأعدّ الطعام في الحال
وحلّقت نحو المطبخ .. 

وحين لحقتها إنجي , وجدتها تضع الطعام الساخن على المائدة التي تجمّع حولها الجن .. 
إنجي بدهشة : كيف استطعت الطبخ بهذه السرعة ؟! 
الجنية بابتسامة : وقتنا يختلف يا عزيزتي عن وقتكم 
ففسّر كبيرهم قائلاً : يعني الدقيقة التي استغرقتها انت للوصول الى مطبخك , مرّت علينا وكأنها ساعة .. هل فهمت الآن لما ضاق صدرنا في الحمام؟ 
الولد : نعم , فتلك الساعات الثلاثة مرّت علينا كيومٍ طويلٍ مملّ للغاية 

إنجي : لم أكن أعلم ذلك ! أعتذر منكم  ..(ثم اقتربت من المائدة)..رائحتها جميلة , وهي تشبه طعامنا .. دجاج وأرز وسلطة ايضاً ..
الجنية : وهل ظننت اننا نأكل فقط بقايا طعامكم ؟ بل لدينا عزائم وموائد فخمة في المناسبات وحفلات الزواج .. هيا إجلسي وكلي معنا
الولد : لا تقلقي , فطعام امي لذيذ
فوضعت إنجي ملعقة الأرز في فمها بقلق , لكن طعمه أعجبها : 
- هو لذيذ , لكن ينقصه الملح 

وحين رشّت بعض الملح فوق الطعام , لاحظت الرعب في عيونهم!
إنجي باستغراب : ماذا هناك ؟!
فأجابها كبيرهم بضيق : نحن نكره الملح جداً .. وبعضكم يحاربنا به , حين يغسل أرضيّة منزله بملح البحر , فلا يمكننا الإقتراب من بيته حتى يجفّ أثره  
إنجي : لا تقلقوا فهو غير مؤذي , بل يزيد من لذّة الطعم
فقال أحدهم : أعداءنا الشياطين يسكنون البحار , ونحن لا نستطيع الوصول اليهم لأن الملح يذيب أجسادنا كالأسيد 
فأبعدت إنجي الملح عن الطاولة , وهي تقول : 
- حسناً لن استخدم الملح ثانيةً بوجودكم .. هيا إكملوا طعامكم 

وبعد إنهاء صحنها , قالت للجنية : انا سعيدة لأنك طبختي لي , وممّتنة لترتيبك منزلي قبل وصول أهلي ..
الجنية : ويمكننا ايضاً مساعدك بأشياء كثيرة
إنجي : ماذا تقصدين ؟
كبيرهم : حين كنّا بالحمام قرّرنا ان نبقى معك , فعالمكم أجمل بكثير من عالمنا 
إنجي بضيق : لا طبعاً , نحن لم نتفق على ذلك ! وكنت سأتلو تعويذة المشعوذة مساءً , لأفتح بوّابة عالمكم من جديد 
الجن : لكننا لا نريد

إنجي بحزم : القرار ليس بيدكم !! 
الجنية : لكننا لم نؤذيك ! بل انا على استعداد لمساعدتك بكافة امور المنزل
وقالت صبية منهم : وانا استطيع مساعدتك بكتابة التقارير المحترفة , الى ان تنالي ترقية بعملك  
كبيرهم : كل ما نريده هو ان تقبلي عيشنا معك بسلام 
إنجي بغضب : قلت لا !! فأنا لا اريد العيش بهذا الرعب للأبد .. (ثم وقفت قائلةً بعصبية) ..أتدرون !! لن انتظر حتى المساء .. 

وأخرجت ورقة التعويذة من جيبها , وبدأت تتلوها على عجل .. ليُفتح بابٌ مضيء بجدار الصالة .. فتجمّع الجن حوله بقلقٍ وحزن.. 
إنجي بارتياح : وهآقد نجحت التعويذة , وصار بإمكانكم العودة الى عالمكم
لكن لا احد منهم تحرّك من مكانه !
إنجي : هيا رجاءً أخرجوا من بيتي !!
لكنهم تجمّدوا في مكانهم..
إنجي : حسناً راقبوني , الأمر جداً سهل .. فقط مرّوا من خلال هذا الباب المضيء .. تماماً كما أفعل الآن 

ودخلت إنجي الى خلف الجدار , ولحقها الولد.. 
فنادته امه بخوف :
- عدّ الى هنا فوراً !!

وفجأة ! إنغلقت البوّابة من جديد , لتعلق إنجي والولد الجني داخل سردابٍ طويل .. ولم تنجح التعويذة لفتح الباب من جديد !
إنجي بقلق : ماذا نفعل الآن ؟!
الولد : طالما لا نستطيع فتح الباب , فلنُكمل طريقنا باتجاه الطرف الآخر من السرداب 
- لكني لا اريد الذهاب الى عالمكم المخيف !
- عالمنا لا يختلف كثيراً عن عالمكم , لكنه أقلّ تطوّراً
إنجي بقلق : ماذا تقصد ؟
- ستعلمين بعد قليل , تعالي معي

وصار الولد يطفو محلّقاً في السرداب , وإنجي تلحقه .. حتى وصلا الى الباب الحديديّ نفسه الذي رأته سابقاً في منامها ! 
فأمسكت المزلاج , وهي تقول برعب :
- يا خوفي ان أجد بداخل الغرفة , قبيلةً أخرى من الجن !
الولد : هيا افتحيه , فنحن ليس لدينا القوة لذلك .. حتى انظري
وحين حاول إمساكه , إخترق المزلاج الحديدي يده الشفّافة
الولد : أرأيتي ..نحن مجرّد اطياف مخلوقة من النار , ولا نستطيع تجاوز الحاجز الا بواسطة ساحر بشريّ يفتح لنا القفل , كما فعلتي أنت
- لكني لست بساحرة !
- أنسيتي انك قرأتي الكتاب السحري تلك الليلة 
إنجي : آه فهمت .. حسناً سأفتح الباب , ولنرى المصيبة التي تنتظرنا خلفه  

لكن هذه المرة وجدت خلفه , شارعاً يشبه الشارع القريب من مبنى سكنها ! الإختلاف الوحيد : انه لا توجد سيارات في شوارع الجن , بل عربات تجرّها خيول لديها قرون وجوانح !
إنجي بدهشة : ما ذلك المخلوق الغريب ؟!
الولد : هذا حصان , لكن دوابنا وماشيتنا تختلف قليلاً عن عالمكم 
- كنت أراها في صغري في الرسوم المتحرّكة !
- سترين الكثير من الغرائب في مدينتنا , واريد ان أخبرك منذ الآن اننا لم نكتشف الكهرباء بعد 
إنجي باستغراب : ماذا ! أهذا يعني اننا نسبقكم بأكثر من مئة عام؟ 
- بل عدّة قرون  
إنجي بدهشة : ظننت العكس تماماً !

وقد ارتعبت كثيراً وهي تقطع الشارع , حين رأت مجموعة من الجن تزحف كالثعابين فوق الأرض الموحلة !
الولد منبّهاً : لا تظهري خوفك هكذا , كيّ لا يعلموا انك من البشر 
- لكنهم سيعلمون حتماً , فأنا لا أشبهكم 
- أحياناً قائدنا يُكافىء السحرة البشريين بزيارة مدينتنا , لذلك ترين الجن يخفضون رؤوسهم حين يرونك 
إنجي : أيظنوني ساحرة ؟!
الولد : ليس أيّ ساحر يحصل على هذا الإمتياز , فقط أدهى وأخبث السحرة البشريين .. هل فهمتي سبب إحترامهم لك ؟ ..والآن دعيني آخذك الى بيتي .. وهو يصادف الشقة ذاتها التي تعيشين فيها , لكن ببعدٍ زمانيّ آخر ..هيا بنا 
***

وحين دخلت بيته .. كان تماماً كشقتها , لكن أماكن الغرف متواجدة بشكلٍ معاكس ! وفيها ذات الأثاث , مع خلوّها من الأدوات الكهربائية
إنجي بقلقٍ وحزن : كيف سأعيش في هذا العصر المتخلّف ؟! 
***

ومضى شهران وإنجى عالقة في عالم الجن .. حيث كان عليها القيام يدويّاً بواجبات المنزل : من غسيل وإعداد الطعام على ضوء القناديل ..كما عليها كل صباح إحضار الماء من البئر , وإعداد الخبز بالفرن ! 
بينما اهتمّ الولد بإطعام الماشية , والمداومة على المذاكرة في مدرسة السحرة الإبتدائية !

وبينما كانت تغسل ملابسها بالنهر البارد , تمّتمت بضيق : 
- لهذا لم يرضون العودة الى عالمهم , فحياتنا أسهل بكثير .. الآن عرفت قيمة الأشياء البسيطة التي كنّا نستخدمها بشكلٍ يومي .. كم انا مشتاقة الآن لكوب كابتشينو ساخن 
***

وفي صباح يومٍ بارد .. شاهدت إنجي خالتها تسير باتجاه كهف الجبل الذي يجتمع فيه السحرة الإنسيّين مع رئيس الجن بنهاية كل عام (كما أخبرها الولد) .. 
فقالت إنجي في نفسها بغضب , بعد ان إختبأت خلف الشجرة :
((الآن عرفت من سحرني .. اللعنة عليكِ !!))
***

وفي المساء .. أخبرها الولد انه سيقام إحتفالٌ سنويّ , والحضور إجباري لجميع الجن .. وعليها الذهاب معه لأعلى الجبل , والا سيكشفون أمرها ويعاقبونها على اختراق عالمهم دون إذنهم ..

فصعدت معه الى فوق .. وبنهاية الخطبة الطويلة التي ألقاها رئيسهم , أطلق صافرته .. ليركض جميع الجن باتجاه حافّة الجبل ويقفزون منه , مُحلّقين بالسماء تحت نور القمر .. 
فهمست إنجي للولد بخوف : ماذا يفعلون ؟!
فأجابها بقلق : آسف , نسيت هذه الجزئيّة ! علينا التحليق معهم , والا انكشفنا !
إنجي بصوتٍ منخفض وقلق : انت تعلم انني لا استطيع الطيران , وسأقع لأسفل الوادي وأموت في الحال
- اذاً سأحاول تهريبك من بين الجموع ..

وبينما كانا ينسحبان بهدوء من الحفلة , نادتها جارتها بحماس :
- هيا ايتها الساحرة العظيمة إنجي , لنقفز سوياً !!
وأمسكت يدها , وسحبتها بقوة نحو الحافّة .. لكن إنجي إبعدتها عنها بآخر لحظة صارخةً :
- لا استطيع الطيران , الا تفهمين !!

قالتها بصوتٍ عالي , سمعه جميع الجن الذين تجمّعوا حولها بغضب ..حينها قال رئيسهم بحزم : 
- كنت أشكّ بك منذ البداية , لأنك لم تحضري دروسي مع بقية السحرة الإنسيين المميزين .. ايها الجنود !! قيدوها وخذوها الى السجن الى يوم تنفيذ حكم الإعدام حرقاً في الساحة , والذي سيتمّ مع إكتمال البدر في الشهر القادم

وعلى الفور !! قام جنوده بربطها وأخذها الى سجنهم وهي ترتجف رعباً , بينما أسرع الولد الى بيت قريبه المشعوذ العجوز الذي أخبره بكل شيء ..
العجوز : إذاً دلّني على ذلك السرداب , لعلّي أعيد أهلك الى هنا .. وحينها نخطّط جميعنا لطريقة لإنقاذها من ذلك السجن شديد الحراسة 
***

وبالفعل ذهب معه الى الباب الحديديّ في آخر السرداب .. وقرأ العجوز تعويذة استطاع بها فتح الحاجز بين العالمين .. لتسرع الأم باحتضان ابنها بشوقٍ كبير 
الولد : امي , لا وقت للبكاء ..فحياة إنجي بخطر 
العجوز : سيعدمونها ان لم نجد حلاً سريعاً .. فهيا بنا
وأسرع الجميع عائدين الى عالمهم ..
***

وبعد التفكير للياليٍ طويلة .. استطاعوا القيام بخطتهم قبل يومين من تنفيذ حكم الإعدام .. حيث تمكّن كل واحدٍ منهم بإلهاء أحد حرّاس السجن .. بينما استطاع الشاب التسللّ بخفّة الى زنزانتها .. 
وحين رأته بجانبها , قالت بارتياح : 
- لم أعتقد يوماً انني سأسعد برؤيتك لهذه الدرجة !
الجني الشاب : سأخرجك حالاً من هنا 
إنجي : ولما تخاطر بحياتك ؟
- لأنك كنت زوجتي لثلاثين سنة , أنسيتي ؟ ..هيا بنا

واستطاع إخراجها من السجن , بعد ان قام قريبهم العجوز بتنويم الحرّاس مغناطيسياً عن طريق تعويذةٍ قوية .. 

ثم أسرعوا جميعاً بإيصالها الى السرداب , حيث باب شقتها مازال مفتوحاً 
كبيرهم : هيا يا إنجي , إذهبي الى عالمك 
إنجي بقلق : وماذا عنكم ؟ 
الجني الشاب : سنواجه مصيرنا , على أمل ان لا يكون شاهدنا أحد ونحن نهرّبك من السجن , والا سنحرق جميعنا بتهمة الخيانة .. إدعي لنا 
إنجي بحزن : كان الله في عونكم يا اصدقاء 

فقالت صبيّة من الجن : على فكرة .. كنت داومت على الذهاب الى عملك , بعد تشبّهي بشكلك .. وأبشّركِ بأنك أصبحتي رئيسة الموظفين , بعد حصولي على ترقياتٍ متتابعة.. 
إنجي بدهشة : أحقاً ! 
فقال رجلٌ منهم : نعم فإبنتي ذكية , واستطاعت إبهار مديرك بتقاريرها القوية.. 
إنجي : ظننت بأنني طردّت من عملي بسبب غيابي المطوّل .. 
الجنية الصبية : لا طبعاً , لم أردّ ان تتأذي بسببنا .. كما اتصلت بأهلك أكثر من مرة مُقلّدةً صوتك , كيّ لا يشعرا بغيابك ويقلقا عليك  
إنجي : أشكرك يا عزيزتي على كل شيء 
الصبية الجنية : أحببت ردّ الجميل لقبولك عيشنا في بيتك 
كبيرهم بقلق : لا وقت الآن للأحاديث المطوّلة .. فأنا خائف ان يلحقنا الجنود , في حال لاحظوا هروبك من السجن .. فهيا يا إنجي صار وقت رحيلك 

فقال الولد بعيونٍ دامعة : وداعاً يا امي الإنسيّة 
إنجي بحزن : وداعاً يا صغيري , انتبه على دروسك وعلى أهلك ..سلام 
وما ان دخلت شقتها , حتى انغلق الباب خلفها مباشرةً !

وبعد ان هدأ روعها , أسرعت إنجي ناحية الخزانة .. ووضعت كتاب السحر بكيس زبالة , ورمته خارج شقتها وهي تقول : 
- كان يوماً أسوداً حين قرأتك , لا سحر وخرابيط بعد الآن 
***

وفي اليوم التالي .. وجد شابٌ فقير كتاب السحر بحاوية الزبالة .. وحين تصفّحه , إنفتح لوحده على الصفحة ذاتها !
فقرأ العنوان : 
- تعويذة الثراء .. جيد , سأقراها هذا المساء

وابتسم وهو يتأمّل مستقبله الزاهر ! 

إنهيار مبنى

تأليف : امل شانوحة اين سنعيش الآن ؟! في حيٍّ شعبيٍّ فقير , وفي منتصف الليل .. إستيقظ سكّان العمارة على صوت البوّاب وهو يطرق بهستيريا...