‏إظهار الرسائل ذات التسميات فانتازيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فانتازيا. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 ديسمبر 2025

قفص الاتهام

تأليف : امل شانوحة 

ذاكرة القضبان


أنا قفص الاتهام.. الشاهد الوحيد على جرائم القضاء ، والعدالة النادرة. استمعت لآلاف القضايا ، منها ما جعلني أصدأ قبل أواني من قسوتها وحقارتها ! 

ابنٌ يقتل والديّه.. امرأة تُقطّع زوجها.. صديقٌ يخون ثقة شريكه.. وغيرها من القضايا البائسة.


ورغم ثباتي ، إلا أنني ارتجفت مع نبضات قلوبهم المتسارعة أثناء تشبُّث أيديهم المُتعرّقة بقضباني ، كأني الأمل الأخير للحرّية ! 


صحيحٌ أنَّ معظم من احتُجز داخلي كان مذنباً ، لكن بعضهم لم يهبِ الحكم النهائي ! فهو لم يكتفِ بإرشاء المحامي ، بل تجرّأ على إفساد السلك القضائيّ الذي رضخ لضغط عصابةٍ أو تهديداتٍ سياسية ، لحصول الجاني على حكمٍ مُخفّف لا يناسب حجم جريمته ! 


حتى بات بعض المجرمين يعرفني ، لدرجة ابتسامهم المُستفزّ فور احتجازهم داخلي! بعد اعتيادهم على المعتقلات أكثر من حياتهم الطبيعية ، كأنهم شياطين متجسّدون بجسمٍ بشريّ.


لكن لكل قاعدة شواذُّ ، خاصة بزمنٍ يُجرّم فيه الأبطال الشجعان.. حيث شهدت على محاكماتٍ جائرة ضدّ صحفيين ، حاولوا إيصال وجع الشعب للحاكم.. وغيرهم من الثوّار الذين فشلت مظاهراتهم لتخفيف قمع السياسيين الفاسدين.. وبعضهم حُكم بالإعدام لمحاربته فساد الدين ، بتهمة إرهابيٍ خطير!


وخلال سنوات عملي : قابلت الكبير المُسن وهو يرتجف داخلي كورقة خريف.. وبعضهم كانوا صغاراً ، لم يفهموا ما قيل بالمرافعات.. والذين من شدّة رعبهم لوّثوا أرضيتي خلال مراقبتهم أهاليهم بالقاعة ، وألسنة أمهاتهم تلهج بالدعاء.. بينما آباؤهم يصطنعون القوة ، لفخرهم بأولادهم الذين نطقوا الحق بزمن الظلم والاستبداد! 


ورغم كوني حديداً ، لكني شعرت بالظلم يخترقني بعد إعلان القاضي حكمه الأخير بالإعدام على بعض الأبرياء الذين ضجّت القاعة بتكبيراتهم ، فرحاً بلقاء ربهم القريب ! 


وفي المقابل قابلت محامين أصرّوا على الاستئناف والتمييز ، للحصول على أقل العقوبات لموكليهم.. كما استمعت للمراوغين منهم ، الذين حفظوا خبايا القانون وعثراته ، فاخترقوه غير آبهين بهزيمتهم للعدالة !


لكن لا أنسى فخري بقضاةٍ نبلاء قرّروا تطبيق العدالة ، رغم الخطر الذي ينتظرهم عند بوّابة المحكمة ! 


أنا قفص الاتهام الغير مذكور بنصوص القانون وجلسات المرافعة ، كنت وسأبقى الشاهد الوحيد على عدل وظلم الحياة ، دون تمكّن أحد من لجم لساني الذي سيروي الحقيقة التي عجز البشر عن قولها ، ولوّ كان ثمنها قطع أنفاسهم الأخيرة !


الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

الصفحة البيضاء

تأليف : امل شانوحة 

وحش الكتّاب


إستيقظ الكاتب على صوتٍ غاضب : 

- أمازلت نائماً ؟! إنهض وأطعمني حالاً !!


أضاء المصباح ، مُتردّداً بين الحلم والهلوسة.. ليجد الشقة صامتة ، الأبواب مغلقة ، والنوافذ شاهقة في الطابق العاشر.. لا أثر لاقتحام ، ولا مجال للخيال أن يتجسّد ! 


فظنّه حلماً مزعجاً ، وعاد إلى السرير .. لكن ما إن أطفأ النور ، حتى دوّى الصوت من جديد : 

- لا أصدق أنك ستعود للنوم مجدداً ! 


فقفز من فراشه مرتعباً ، يبحث عن الصوت الذي لم يصدر من تلفازٍ او هاتف ! لا شيء سوى دفتر أفكاره على الطاولة ، مفتوحاً على صفحةٍ بيضاء 


فتساءل بنفسه بقلق :

((أين اختفت المسودّات ؟ أين قصصي التي ملأت الدفتر؟!))

ليسمع إجابة الصوت :

- التهمت نصفها .. كنت جائعاً 


تراجع الكاتب ، كأنما يواجه وحشاً غير مرئيّ ! صارخاً بضيق : 

- هل هناك ميكروفون خفيّ او خدعةً ما ؟! 

فأجابه الصوت بازدراء : 

- ظننت الكتّاب أذكى من ذلك ! لكن حسب تقيمي لآخر جملك الركيكة ، يبدو أنك فقدت الشغف والموهبة معاً ! أين ذهبت شعلة الكتابة التي انارت لياليك؟! 


فرمى الكاتب بدفتره على الأرض ، غاضباً : 

- كفى سخافة !! أنا مُرهق ، ولا طاقة لي بالألاعيب الصبيانيّة !! 

فجاء الصوت متألماً :

- أوجعتني أيها الأحمق ! أنا صوت خطّك الرديء .. صوت موهبتك التي تموت جوعاً ، بعد أن هجرتني لشهرٍ كامل دون نشرك قصةً واحدة بمدونتك .. تركتني أتضوّر لجملٍ خياليّةٍ ابداعيّة ، وأنا الذي كنت غذاءك الروحيّ.. إن لم تطعمني الآن ، سآكل ما تبقى من أفكارك ، حتى لا يبقى سوى دفاترك الفارغة !! 


فاستلقى الكاتب على سريره يائساً : 

- حماسك لم يعد له اهميّة ، بعد الذكاء الإصطناعي الذي يكتب أجمل القصص بكبسة زرّ.. بسبب تلك التقنية المريبة ، مات الأدب واندثرت الحماسة ! 


فحاول الصوت نصحه ، بنبرةٍ صارمة : 

- لا تستلم الآن .. إن فعلت ، أضعت شبابك سدى ! الأفكار لا تموت ، لكنها تهجر من لا يقدّرها 


لكن الكاتب إكتفى بإدارة ظهره ، مُطفئاً مصباحه بعد ان غمره اكتئابٌ ثقيل.

***


مرّت الأيام ، والكاتب يبحث عن عملٍ آخر : مُدقّق ، مُحرّر ، او أستاذ لغة... لكن الأبواب مغلقة ، والتقنية أسرع من موهبته ! 

***


حتى جاء اليوم الذي تلقّى فيه بريداً إلكترونياً من منتجٍ ينوي تحويل إحدى قصصه القديمة إلى فيلمٍ سينمائي !

فتسارعت دقّات قلبه ، لأنها فرصة انتظرها طوال حياته


وركض نحو دفاتره القديمة ، ليستلهم منها تتمّة القصة المطلوبة (حسب رغبة المنتج لجزءٍ ثاني .. وبدوره وعده بتنفيذ طلبه بوقتٍ قياسيّ)..

لكن المفاجأة المرعبة ، انه وجد جميع صفحات دفاتره بيضاء ! 


فصرخ الكاتب بجنون :

- اين أنت أيها الصوت ؟!! ماذا فعلت بأفكاري ؟! 

فأجابه الصوت ببرود : 

- أكلتها كلها 

الكاتب : أعدها لي ، هذه فرصتي الوحيدة !  

- بالأساس لم تكن ملكك .. فالأفكار طيورٌ مهاجرة ، وأنت حبستها في دفاترك لسنوات ، ثم أهملتها.. فأطلقتها نحو من يستحقها.

- من سمح لك بسرقة مجهوداتي الشخصيّة التي أفنيت شبابي في كتابتها؟!

الصوت : وبعد كل ذلك الجهد ، تركت اقلامك تجفّ .. أتدري بماذا تذكّرني ؟ بمضخّة البئر ! توقفت عن ضخّ الهواء قبل لحظاتٍ من وصول الماء اليك ، فعاد إلى القعر .. وهناك وجده كاتبٌ آخر ، لا يعرف الكسل او الشكوى.


ساد الصمت الغرفة ، قبل أن يختم الصوت كلامه : 

- وداعاً يا صديقي.. سأنام الليلة في دفاتر الكاتب الجديد الذي يطعمني يومياً من أفكاره الطازجة.. أما أنت !! فأصبحت بالنسبة لي ، صفحةً بيضاء.


واختفى الصوت.. تاركاً الكاتب يحدّق في دفاتره الفارغة بذهول ! كأنما ينظر في مرآة عقله الذي جفّ من الأفكار المبدعة ، عقاباً روحانياً على خيانة موهبته النادرة! 


الجمعة، 10 أكتوبر 2025

نبوءة متوحد

تأليف : امل شانوحة 

 

لغة الغابة


كان يوماً مهمّاً في شركة وليد التي بناها من الصفر ، فهو يريد إختيار نائبه من ضمن سبعة مرشّحين للوظيفة.. ورغم اهميّة الحدث ، الا ان زوجته اضّطرت لترك ابنهما المتوّحد (7 سنوات) في مكتبه لأمرٍ طارئ !


ورغم امتعاضه من وجود الصغير في مكتبه .. الا انه سمح للمرشّحين الدخول اليه الواحد تلوّ الآخر ، لإجراء مقابلة معهم .. بينما انشغل ابنه بترتيب العابه في زاوية المكتب 


ليلاحظ والده : ان بعد خروج كل متسابق من مكتبه ، يتمّتم ابنه بصوتٍ منخفض بإسم حيوانٍ مختلف ! 

واصفاً الموظف الأول : بالديك .. والثاني : فيل .. ثم حصان وضبع وحمار وتيس .. لحين خروج المشترك السابع والأخير ، حينها صرخ الصبيّ بسعادة :

- ذلك اسد يا ابي !! إخترّ ملك الغابة !!


ورغم تجاهل وليد لتعليقات ابنه السابقة ، الا ان حماسه للمتسابق الأخير جعله يؤمن بأن لديه حدساً استثنائياً ! 

^^^


وبعد قدوم زوجته لأخذ ابنهما الى المنزل ، لم يستطع تجاهل فضوله .. واتصل بمدراء المرشّحين السابقين ، للسؤال عنهم .. 

وكانت المفاجئة :  

- فمن وصفه ابنه بالديك : طُرد من عمله السابق ، بسبب نشره الإشاعات.

- اما الفيل : فقويّ في العمل .. لكنه لا ينسى الإساءة ، مما خلق توتّراً مع زملائه 

- الحصان : طموح ومجتهد ، وصاحب أفكار تطويريّة..

- اما الضبع : فماكر ، حاول التسلّق عبر تملّقه المدير الذي ارغمه على الإستقالة لاحقاً

- والحمار : موظفٌ روتيني ، ينهار أمام التغيرات المفاجئة بقرارات الشركة ! 

- والتيس : عنيد ومتهوّر ، كاد يتسبب بإفلاس شركته السابقة.

- اما من وصفه بالأسد : فقائد بالفطرة .. حتى ان مديره السابق ترجّى وليد بإقناعه العودة الى شركته ! مما جعله يختاره كنائبه دون تردّد.

^^^


بعد عودته مساءً الى منزله ، إحتضن ابنه وهو يقول بفخر :

- كنت غاضباً من أمك على تركك في مكتبي بأهم يومٍ للشركة... لكن حدسك القويّ أنقذني من اختيار موظفٍ فاشل..

***


ومنذ ذلك اليوم ، إقتنع ان ابنه عبقري من نوعٍ خاص ، بإدراكٍ مختلف عن بقيّة اقرانه !  

وتساءل بنفسه : 

((هل يُعقل ان يُطوّر المتوحّدون مستقبل البشريّة... ربما يفعلون ! من يدري ؟!))


السبت، 5 أبريل 2025

صاحب اليد الطويلة (فانتازيا)

تأليف : امل شانوحة 

الأمنيّة النادرة


على تلّ الأمنيات ، إجتمع اهالي القرية الريفيّة لرؤية مُذنّبٍ يمرّ مرّة كل مئة عام .. وعند مروره ، طلب كل شخص أمنيّة يُراد حصولها .. ومن بينهم مراهق اختار أمنيّةً غريبة : وهي ان تطول يده اليمنى كيفما يشاء ! فهو يتشارك غرفته مع اخيه الأصغر الذي ينسى إغلاق الباب كلما ذهب لدوّرة المياه ، مما يتسبّب بإيقاظه كل ليلة .. لهذا اراد معجزة تجعله يُغلق الباب وهو مازال مستلقياً على فراشه .. 


وقد تفاجأ اهله بتحقّق أمنيّته ! واتفقوا بعدم إخبار احد ، كيّ لا يصبح حديث القرية .. وفي المقابل بدأوا باستخدام موهبته الجديدة بأمورٍ صعبة داخل المنزل مثل : إحضار حقيبة الملابس من فوق الخزانة (دون وضع سلّم) او تركيب الإضاءة والستائر ، وطلاء السقف .. وعندما طلبت امه تنظيف النافذة من الخارج ، لمحه ابن الجيران الصغير الذي صرخ فزعاً ، ظناً برؤيته لوحشٍ مخيف ! وسرعان ما انتشر الخبر في القرية الصغيرة .. 


في البداية ، عاتبوه على أمنيّته الغريبة التي أخافت اطفالهم .. لكن فيما بعد ، إستفادوا من موهبته النادرة : كمسك جهاز التبريد (المكيّف) من الخارج ، اثناء تثبيته بالشقة العلويّة .. وإنزال قطّة عالقة فوق الشجرة .. ومساعدة شخص بتسليمه ادوات العدّة ، اثناء تصليحه سقف منزله .. وإنقاذ امرأة بسحب حقيبتها من يد السارق قبل ابتعاده بدرّاجته الناريّة .. وإعادة طفلٍ الى داخل منزله قبل سقوطه من الشرفة .. وإدخال يده الطويلة من نافذة الطابق العلويّ المفتوحة ، لمساعدة جاره بفتح باب منزله بعد نسيان مفاتيحه بالداخل .. ومساعدة المزارع بقطف الثمار بأعلى شجرته .. والكثير من المهام الأخرى

^^^


لكن كل هذا تغيّر بعد سرقة الذهب من المنزل المقابل لبيت المراهق .. حيث ادّعى ابن الجيران : برؤيته ليدٍ طويلة تدخل آخر الليل من نافذة الصالة باتجاه غرفة والدته التي اعتادت تخبئة ذهبها في الخزانة ! 

فتجمّعت الشكوك ضدّه ، خاصة ان منزل الجار مازال مقفلاً من الداخل .. ورغم ان الشرطة فتّشت منزل المراهق ، دون عثورهم على الذهب المسروق ! 

إلاّ أن هذا لم يُخففّ من قلق الأهالي الذين اضّطروا لإغلاق نوافذهم مساءً ، رغم الطقس الحار 


ولأن المراهق لا يستطيع إلغاء أمنيّته لحين مرور مذنّبٍ آخر (وهذا لن يحدث قبل مئة عام) لهذا طالب الأهالي برحيله عن قريتهم ! 

فقرّرت عائلته الرحيل معه بعد غضب الوالدان من شكّهم بتربية ابنائهم الخمسة ، رغم سيرتهم الحسنة طوال مكوثهم في القرية .. 

***


وبعد رحيلهم بإسبوع ، إشتعل منزل الجيران .. وبصعوبة تمكّن رجال الأطفاء من إنزال الولد العالق من غرفته بالطابق العلويّ ، والذي اعترف باكياً امام الجميع : انه هو من سرق عقد وخاتم امه ، لرغبته بإهدائهما الى صديقته بعيد ميلادها القادم ..وبأنه اتهم صاحب اليد الطويلة ظلماً ! 

فلامه الأهالي بعد خسارة بطلهم الشهم الذي اهانوه هو وعائلته ، رغم كل مساعداته السابقة لهم !

***


اما في المدينة (التي انتقلت اليها عائلة المراهق الموهوب) فقد اتفقوا على كتمان قدرته الخارقة ، كيّ لا يتعرّض لمؤامراتٍ سيئة من الأشرار المتواجدين في كل مكان بنواياهم الخبيثة ! 


الاثنين، 14 أكتوبر 2024

طبيب الأسنان المشبوه

فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

جنّية الأسنان


جلست سلمى على كرسي طبيب الأسنان وهي ترتجف رعباً ، فهي المرّة الأولى التي تخلع فيها سن العقل التي سمعت عن خطورة عمليّته وآلامه المُبرحة.. لهذا وافقت على وضع قناع التخدير على وجهها ، لتجنّب الأوجاع المؤلمة !

^^^


لتستيقظ في قريةٍ ريفيّةٍ غريبة ، ذات اكواخٍ خشبيّة مُتهالكة وشوارع طينيّة موحلة.. فلم تفهم ما حصل ، أهو حلمٌ غريب أم تهيؤات بسبب المخدّر ؟! 

ومشت بين الأزقّة ، الى ان وصلت لمرآةٍ ضخمة في نهاية الشارع .. وعندما نظرت اليها ، إنتبهت لفمها المليء بالدماء ! ففتحته بخوف ، لتنصدم باختفاء احد اسنان العقل بالإضافة لنابيّن..

فصرخت سلمى بعلوّ صوتها :

- ماذا فعل الدكتور الحقير ؟!! طلبت منه خلع ضرس العقل المتسوّس ، لا السليم.. ومن سمح له بقلع نابايّ ؟! هذه اسناني ، ملكي وحدي !!

وهنا سمعت امرأة خلفها ، تسألها باهتمام :

- ماذا يعني اسنان ؟!

فالتفتت سلمى نحوها ، لتجدها تبتسم دون اسنان !


وفجأة ! خرج سكّان القرية من اكواخهم ، متوجهين نحوها وهم يبتسمون دون اسنان ! لكنهم أخفوا أفواههم المُشوّهة بإطالة شواربهم (للرجال) او الإكثار من زينة الشفاه (لنسائهنّ) ! 

قائلاً كبيرهم : تبدين غريبةً عنا ! تعالي لتناول الغداء الجماعيّ

^^^


وأخذوها الى منتصف القرية ، حيث وضعت مائدةً ضخمة عليها جميع انواع العصائر والشوربات الملوّنة !

سلمى : أهذا طعامكم ؟!

- نعم ، فذلك الطبق مثلاً : فيه لحمٌ مسلوق على مدى ايام ، بعدها عصرناه وصفّيناه كيّ نشرب مرقته.. وهذا هو طبق الحلويات : عبارة عن كيك مخلوط بالحليب حتى اصبح مهروساً ، فنحن لا يمكننا تناول الطعام الجاف القاسي

جني آخر : هيا إشربي معنا ، فكل كاسة مليئة بالفيتامينات ..خصوصاً شوربة قوس القزح


وقبل ارتشاف سلمى ملعقتها ، شاهدت عجوزاً من بعيد تشير لها : بأن لا تفعل !!


فاعتذرت منهم لدخول الحمام .. فدلّوها على كشك صغير على قارعة الطريق.. 

^^^


وهناك التقت بالعجوز التي ما ان فتحت فمها حتى لمع سنّها الوحيد !

سلمى بدهشة : انت تملكين سنّاً ، بعكسهم ؟!

العجوز بصوتٍ منخفض : هذا لأني بشريّة مثلك

سلمى بصدمة : ماذا ! ومن يكونون ؟!

- قبيلة من الجن تعاملوا منذ سنوات مع طبيب اسنانك الذي يُرسل زبائنه لهم ممّن يمتلكون اسنان قويّة مميزة

- لم افهم شيئاً !

العجوز : هناك اسنان نادرة لديها جذور قويّة تدوم العمر كلّه ، كالتي تملكينها .. والتي كانت بفمي قبل سنوات ! حيث يقوم الجن بطحنها وإذابتها بشورباتهم لإعطائهم الطاقة .. وفي المقابل يكافئون الطبيب بالعملات الذهبيّة .. تعالي معي لأُفهمك بقيّة القصة  

^^^


وأخذتها الى منزلها بأطراف القرية التي بجانبها حقلٌ مزروع ، يخرج من كل نبتة سنّاً لامعاً..

العجوز بضيق : للأسف فهمت متأخرة ، ان شوربة القوس قزح تجعلك تصعدين مجدّداً لعيادة الحقير لقلع المزيد من اسنانك ! وعندما صعدت في المرّة الأخيرة ، سرقت كل اسناني المخلوعة على طاولته ، اثناء انشغاله بتحضير ادواته .. وعدّت طواعيّةً الى هنا .. وقمت بزراعتها في ارضي .. وهآ انا ابيع كل سنّ للقرية المجاورة ، مقابل طعامٍ آدميّ .. أنظري بنفسك


وشاهدت سلمى اهالي قرية العجوز يتحدثون فيما بينهم ، وكل واحدٍ يلمع في فمه سنّاً ملوّناً !

العجوز : انا لم اتعامل مع اهالي القرية التي ظهرتِ فيها ، لأنهم مخادعون ..حاولوا سرقة حقلي اكثر من مرّة ، لكني تصدّيت لهم

سلمى بقلق : كلامك يُخيفني ! فأنا خسرت سن العقل السليم ونابيّن ، ولا اريد رؤية الطبيب الملعون من جديد..

- بالطبع سيخلع ضروسك السليمة .. فالجن يشمئزّون من المتسوّسة ، فهم بالنهاية يتغذّون عليها ! اما الطبيب فلابد ان تقابليه ، كيّ تنتقمي منه لأجلك ولأجلي .. فخطؤك انك ذهبت اليه دون مرافق ، فاستغلّ وجودك وحدك لتخديرك ، والتواصل مع الجن.. المهم الآن !! شوربة قوس قزح ستعيدك اليه ..لكن قومي اولاً بصفقة مع جنّية الأسنان التي تعيش في ذلك الكهف ، فقط تتبّعي نهر الدماء

^^^


وسبحت سلمى بالنهر الأحمر مُرغمة ، الى ان وصلت لكهفٍ فيه عرش امرأة غجريّة تضع اسنان الأطفال اللبنيّة كعقد حول رقبتها !

والتي ما ان رأتها ، حتى سألتها باهتمام :

- مالذي أتى بك الى مملكتي ، ايتها البشريّة ؟!

سلمى : اريد اخبارك بأن الطبيب الذي تتعاملين معه ، لديه أندرّ الأسنان بالعالم ..وانا سأبادله معك ، مقابل إخراجي من هذه الورطة

- أحقاً ما تقولين ؟!

- نعم ..فهو طبيبٌ شاب ، لديه اسنانٌ لامعة دون تسوّس

الجنّية : حسناً ، سأهبك القوّة لإتمام صفقتنا

^^^


وعادت سلمى للإجتماع بأهالي قريتها ، وهي تطلب منهم تذوّق شوربة قوس القزح .. قائلةً بنفسها باشمئزاز :

((اتمنى ان لا يكون مطحوناً فيه اضراس المرضى ، كما الشوربات الأخرى))

^^^


وما ان شربت كاستها ، حتى عادت الى كرسي طبيب الأسنان الذي حاول إعادة قناع التخدير الى وجهها.. لكنها باغتته بغرز ماكينة الحفر في رقبته ، ورميه بدالها على الكرسي مُتألّماً (وكأن جنّية الأسنان أعطتها القوّة لمصارعة رجل) .. ثم تثبيت جهاز التخدير فوق انفه ، بعد فتحته على أقصى قوّة .. ليغفو عقب انهيار مقاومته .. وخلال ثواني ، إختفى من العيادة !

فقالت سلمى بارتياح : دعّ الملاعين يقلعون جميع اسنانك ، ايها الحقير !!

وسارعت بالخروج من عيادته ، باتجاه منزلها

***


بعد ايام ، دخلت امها الى غرفتها :

- أمازال سن العقل يؤلمك ؟!

سلمى بألم : اللعين قلع ضرسي السليم !

- أخبروني عن طبيبٍ جيد ، يقلع الأضراس دون ألم باستخدام التخدير الكلّي

سلمى صارخة : لا يا امي ، لن اذهب الى اطبّاء اسنان في حياتي !!

وانهارت باكية من الم اسنانها الذي يبدو سيمتدّ لوقتٍ طويل ! 


الجمعة، 20 سبتمبر 2024

منارة العالم

تأليف : امل شانوحة 

 

الأشباه الأربعة


اثناء رحلة موظفيّ الشركة مع رئيسهم المهووس بالكشّافة البرّية ، ضاع جاك (الأربعيني) عن بقيّة زملائه اثناء ملاحقته نوراً من بعيد ، جذبه بقوّة للسير للأمام دون العودة للمخيّم .. ليجد منارة قديمة فوق هضبة مُطلّة على البحر .. ولأن حلم طفولته إكتشاف المنارات القديمة ، إقترب من بابها المُهترئ الذي وجده مفتوحاً ! ليجد سلالم حلزونيّة للأعلى .. فظلّ يصعد ، الى ان وصل لبابٍ خشبي خاصّ بغرفة التحكّم بإضاءة المنارة. .


وقبل إدارة مقبضه .. فتح الباب رجلٌ (خمسينيّ) وهو يبتسم ، كأنه ينتظره ! وما ان رآه جاك حتى اوشك على فقدان وعيّه ، كأنه ينظر الى نفسه بعد عشر سنوات ! والذي قال ، وهو يسنده : 

- لا تخفّ يا جاك .. هيا أُدخل ، وسلّم على بقيّة أشباهك

وكأن صدمة التشابه لا تكفي ! فقد عرف اسمه ، بالإضافة لتواجد ثلاثة اشخاص آخرين داخل الغرفة الصغيرة ، جميعهم نسخاً منه : 

احدهم حين كان مراهقاً متهوّراً ، بشعرٍ طويل وثيابٍ فضّفاضة .. والثاني بالعشرينات ، بذقنٍ خفيفة ..والثالث بالثلاثينات ، بالعمر الذي توظّف فيه بالشركة الحاليّة !


ومن شدّة إرباك جاك وخوفه ، حاول الهرب .. لكن الرجل الخمسيني أمسك ذراعه وأدخله الغرفة ، مُغلقاً الباب بالمفتاح !

ليقول المراهق :

- لا تخف يا جاك ، فجميعنا بانتظار قفزتك الشجاعة 

جاك بقلق : القفز الى اين ؟!

الخمسيني : يقصد قفزة الثقة

جاك : لا أفهم كلامكم !

الخمسيني : هؤلاء الثلاثة هم نسخك الماضية ، وانا نسختك المستقبليّة. .

الثلاثيني : نحن لم نستطع إضاءة المنارة المهجورة ، لأننا كنّا تابعين لغيرنا ..مثل تصرّفاتك الحاليّة !  

الخمسيني بفخر : اما انا !! فقفزت للمجهول ، ثقةً بالربّ .. لأصبح بالنهاية منارة للجميع

جاك بعصبية : هل تشرحون ما يحصل هنا ، ام أقفز من النافذة وأنتحر !!

الخمسيني : اهدأ قليلاً

وأجلسوه على الكرسي المواجه للنافذة الزجاجيّة الكبيرة ، المُطلّة على البحر المُضاءة أمواجه بنور المنارة القويّ


المراهق : دعوني أتكلّم اولاً.. أتذكُر يا جاك حين كنت بعمري ، كم كنّا مشاغبيّن نعشق الموسيقى الصاخبة ، والموضة الهابطة .. عدا عن فشلنا الدراسيّ ، حتى أتعبنا والديّنا

جاك : نعم أذكر

المراهق : كانا يائسان منا.. فأنت ابنهم الوحيد ، ومع ذلك لم تنفع معك النصائح او دوّرات التدريب والنوادي الرياضيّة ، بل أصرّيت على اصدقاء السوء ..حتى وصلنا لليوم الذي تغيّرت فيه حياتنا..

العشريني مُقاطعاً : دعني أكمل القصة .. ببلوغك سن العشرين ، تغيّرت حياتنا بعد وفاة والدنا.. شعرت وقتها ان عليك الإسترجال لأجل امنا .. وثابرت بالدراسة صباحاً .. مع العمل بمتجر والدك مساءً ، لتأمين لقمة العيش

جاك بحزن : كنت مُجبراً على النضوج سريعاً

العشريني : هذا صحيح .. وأصبحت امك فخورة بك ، بعد تحسّن شخصيّتك .. لكنك بالحقيقة مشيّت مع التيّار ، مُطفئاً نورك الداخليّ .. خاصة بعد معرفتك بشغفك الحقيقيّ

جاك : تعرّفت على هواية الكتابة بعد رسالة التأبين التي ألقيتها بعزاء والدي ، والتي لاقت إستحسان الجميع .. وكانت المرّة الأولى التي أكتب فيها بحياتي

العشريني : لكنك تجاهلت موهبتك !

جاك بعصبية : لانشغالي بالدراسة والعمل !!

الثلاثيني مُهدّأً : وهما لا يلومانك (المراهق والعشريني)


جاك : وانت انا بعمر الثلاثين ؟

الثلاثيني : نعم ، وحينها ورثت عمك .. واستثمرت امك المال بمتجر والدك الذي أداره قريبها ، مُرسلاً مدخولاً شهريّاً ثابتاً .. ومع ذلك لم تطوّر موهبتك !

جاك : لأني كنت مشغولاً بالبحث عن وظيفة 

الثلاثيني : وتعيّنت بهذه الشركة المختصّة بالأدوات الكهربائيّة ، رغم بعدها عن هوايتك وطموحك !

جاك : كنت اريد جمع المال لشراء منزل

الثلاثيني : للزواج من زميلتك ؟

جاك بضيق : طالما تعرفون عني كل شيء ، فلما تحقّقون معي ؟!!

الخمسيني : طبعا يعرفون ، فهم نسخك القديمة .. اما انا ، فلا تعرف عني شيئاً


جاك باهتمام : ومالذي تغيّر في حياتي مستقبلاً ؟

الخمسيني بفخر : الا ترى انني نجحت بإضاءة المنارة ؟

جاك : وما دخلي بالمنارة ؟!

الخمسيني مُعاتباً : أمعقول لم تفهم بعد ؟! .. ببلوغك سن الخمسين ، أصبحت من الكتّاب المشهورين ببلدك ، بل من العشرة الأوائل بالعالم !!

جاك بصدمة : انت تمزح !


الخمسيني : لا ابداً .. إحتاج الأمر لعشر سنواتٍ من العمل الدؤوب ، بعد ترك وظيفتنا المملّة ..والتفرّغ للكتابة ليل نهار ، عقب فتح مدوّنة لنشر قصة جديدة كل بضعة ايام .. الى ان وصلت لألف قصة قصيرة !! .. أذكر يومها كنت بنهاية الأربعينات حين وصلتني رسالة تهنئة ، بعد نجاحي بمسابقةٍ ادبيّة على مستوى الدولة ، مُتفوقاً على اهم كتّاب بلدنا ! 

جاك بحماس : وكيف كان شعورك وقتها ؟

الخمسيني : لا اذكر انني بكيت هكذا ، منذ وفاة امي

جاك بصدمة : امي ستتوفّى ؟!

الخمسيني بحزن : نعم للأسف ، وقريباً جداً.. حينها تكون أخذت قرار الإستقالة من وظيفتك ، والتخلّي عن إرضاء من حوّلك على حساب نفسك وطموحك


المراهق : مع ان شخصيّتنا لم تكن جديّة بهذا الشكل ، إلاّ اننا تغيّرنا مرتيّن : مرة بوفاة والدنا .. والثانية والأهم ، بوفاة امنا 

جاك بقلق : وكيف سأعيش إن تفرّغت للكتابة ؟

الخمسيني : لا تقلق .. الراتب الشهريّ من مشروع امك ، سيكفيك حتى تقف على قدميّك.. صحيح بالكاد يسدّد الفواتير ، مع التوفير الشديد بالطعام .. لكن عليك الصمود لحين نجاحك المُبهر

جاك مُستفسراً : أقلت عشر سنوات من الآن ؟

الخمسيني : عشر سنوات من الجهد المتواصل ، مع إصابتك على الدوام بالصداع والأرق وألم العينيّن وعزلتك عن الناس .. عدا عن سخرية اقرانك الذين سيلقبونك بالفاشل والإنطوائي .. والأهم من ذلك ، خسارة حبيبتك التي ستتزوّج من عجوزٍ ثريّ ! فهل انت قادر على هذه التضحيّات ، لتصبح منارة وقدّوة لكل الكتّاب المبتدئين ؟


جاك : أجبني اولاً .. كيف كان شعورك بعد تحقيق النجاح الذي حلمنا به طوال حياتنا ؟

الخمسيني بعينيّن دامعتيّن : كأني عرفت اخيراً الحكمة من خلق الربّ لي.. فكلاً منا لديه دوّر بهذه الدنيا.. وصدّقني يا جاك : رؤية الكتّاب الصغار وهم يلاحقونني بالأسئلة والإستفسارات بحفلات التكريم ، وهم يطلبون توقيعي والتصوير معي ، تسوى الدنيا وما فيها.. والآن نصلّ للسؤال الأهم : هل ستقفز قفزة الثقة ، وتتخلّى عن كل ما حولك ، لتحقيق حلمك الذي خُلقت لأجله ؟

^^^


وقبل أن يُجيبه ، إستيقظ على صوت صديقه يهزّ كتفيّه (بعد رؤيته مُغمى عليه ، وسط الغابة)..

- لما ابتعدت عنا ؟! هيا دعنا نعود للمخيّم ، فالجميع قلقٌ عليك 

فنهض جاك وهو يشعر بألم : آخ يا رأسي !

صديقه : هل تشعر بالدوّار ؟

فالتفت جاك نحو الهضبة البعيدة ، دون ان يرى المنارة المهجورة !

جاك بتعب : يبدو انه حلمٌ غريب ! .. هيا لنعدّ للمخيّم

***


وما ان وصل الى هناك ، حتى صرخ عليه رئيسه غاضباً :

- اين كنت ايها الأحمق ؟!! أرسلت الجميع للبحث عنك ..هل انت صبيّ صغير لتضيّع عنا ؟!!

وضحك زملائه ، ساخرين منه !

ليُفاجأ جاك الجميع بقوله :

- انا استقيل 

المدير باستغراب : ماذا قلت ؟!

صديقه : جاك اهدأ قليلاً ، هو لم يقصد إهانتك

جاك : عملي بهذه الشركة الروتينيّة ، لا يُحقّق طموحي بالحياة .. الوداع يا اصدقاء!!

^^^


وركب سيارته ، عائداً الى منزله .. ليجد سيارة إسعاف متوقفة هناك! 

وقبل فهمه ما حصل ، إقتربت جارته لتخبره باتصالها بهم ، بعد سقوط امه في الشارع دون حراك ! والتي ماتت بنفس الليلة بأزمةٍ قلبيّة

فانهار بالمستشفى باكياً ، رغم ان نسخته المستقبليّة أخبره عن موتها القريب ، لكنه لم يظن بهذه السرعة ! ويبدو ان هذه هي قفزة الثقة التي تحدّث عنها نسخه الأربعة بالمنارة 

***


بعد انتهاء العزاء .. إفتتح جاك مدوّنته الأدبيّة ، ليبدأ بنشر قصته الأولى .. وفي نفس الوقت شارك بعدّة مواقع للكتّاب المبتدئين الذين ذُهلوا بموهبته الفريدة التي تطوّرت مع الوقت ، مع تزايد القرّاء والمتابعين في مدوّنته ! 

ورغم التعب الجسدي والنفسي الذي عاناه مع كل قصة تربويّة وهادفة ألّفها ، لكنه تابع المسيرة وهو مُتفائل بأن منارته على وشك إضاءة العالم كلّه !


الجمعة، 1 مارس 2024

الوحش الدخانيّ

تأليف : امل شانوحة 

المعمل المشبوه


أُفتتح مصنعٌ وسط مدينةٍ صغيرة لا يديريه صاحبه إلاّ مساءً ، مُزعجاً السكّان المئة بدخانه الأسود الذي يكتم الأنفاس ، مما أجبرهم على غلق النوافذ وإضاءة المراوح رغم النسيم العليل بالخارج!


وفي إحدى الليالي .. خرجت أخت وأخوها الى الشرفة وهما يراقبان الدخان الأسود المُتصاعد باتجاه شقةٍ علويّة للمبنى المجاور.. 

فتساءلت الأخت بقلق : الا تلاحظ إن المالك العجوز لم يعد يخرج للشرفة ، كعادته كل مساء ؟!

الأخ : علينا الإطمئنان عليه ، لربما مات اختناقاً من الدخان ..فهو الأكثر تضرّراً من بين المباني المحيطة بالمعمل .. آه لحظة ! هل تري شيئاً يتحرّك بالشرفة ؟!

- كأن أحدهم يلوّح لنا !

- يبدو أن العجوز فقد وعيه هناك ، ويحتاج لمساعدةٍ عاجلة


وقبل خروجهما من شرفة منزلهما ، بنيّة التوجّه للمبنى المجاور لإنقاذ الجار .. شاهدا تحوّل الدخان الأسود الى وحشٍ ضخم ، بنصف إنسان ووجهٍ مخيف وذراعيّن ضخميّن ، حمل العجوز المُحتضر .. ثم ابتلعه ، ليزداد كثافة دخانه ! 


وقبل ان يستوعب الأخان ما شاهداه ! لمحهما الوحش الأسود الذي انطلق باتجاه شرفتهما .. فأسرعا للداخل ، وأغلقا الباب الزجاجيّ.. لترطم يد الدخان العملاقة بالباب ، ويتراجع للخلف .. ليعود كدخانٍ عاديّ يتصاعد من المعمل !

***


في اليوم التالي ، لم يصدّق الأهالي ما قاله الأخويّن .. لكنهم شعروا بالقلق لعدم عثورهم على العجوز داخل شقته ، بعد كسرهم الباب الذي كان مقفلاً بإحكام من الداخل !


ولم يكن امام الأخويّن إلاّ الإستعانة بجارهم المصوّر الذي سهر معهما تلك الليلة على شرفة منزلهما ، وهو يحمل كاميرته بصورها التلقائيّة (المميزة بزمن السبعينات)


ولم تكن إلاّ لحظات .. حتى شاهدوا الوحش الدخانيّ يتكوّن من جديد ، فور خروج ابن الجيران الى شرفة الشقة السفليّة للعجوز المفقود .. ليحصل الشيء ذاته ، بعد ابتلاع الوحش للصغير !

***


وفي الصباح .. إنتشر الخبر بأرجاء المدينة الصغيرة ، بعد رؤيتهم للصور المفزعة ! وتجمّع الشباب الغاضبين امام باب المعمل ، بعد منع الحارسان دخولهم اليه .. فانتظروا صاحب المعمل الذي وافق على إغلاقه لعدة ايام ، لحين هدوء غضبهم .. دون انزعاجه من صور الوحش المخيف !

***


باليوم الثالث ، أدار معمله آخر الليل بعد نوم الأهالي .. ليسارع الوحش الدخانيّ بدخول منزل المصوّر الذي نسيّ إغلاق نافذة غرفته .. وكاد يبتلعه ، قبل صراخه بعلوّ صوته مُهدّداً :

- وزّعت صورك على الجميع !! حتى لوّ قتلتني ، سيفضحونك انت وسيدك


وسرعان ما تبدّد الوحش ، ليعود كدخانٍ يتصاعد بشكلٍ عادي فوق المعمل الذي رفض صاحبه إطلاع الأهالي على نوعيّة المواد المُصنّعة داخله ! خصوصاً ان عمّاله الأفارقة يتحدثون بلغةٍ غريبة .. اما حارسا المعمل ، فممنوعا من التواصل مع الأهالي ، وكأن ما يحصل داخل المعمل يرعبهما بشدة !


وقد علم صاحب المعمل بما حصل مع المصوّر ، بعد مواجهته غضباً مضاعفاً من الجيران المستائين على هجوم الوحش على جارهم ، وتهديدهم بإيصال الأمر لإدارة العاصمة .. لهذا إضّطر لإغلاق معمله نهائيّاً .. وفتحه لاحقاً في صحراءٍ بعيدة عن المدن السكانيّة..

***


ومضت شهور لم تحدث مشكلة بالمعمل.. الى ان تجمّع الدخان كوحشٍ عملاق ، أضعاف الوحش السابق ! مُتصاعداً باتجاه السماء ، ليتحوّل لغيمةٍ سوداء توجّهت مباشرةً فوق العاصمة ..وهي تُنذر بمقتل الآلاف ، دون معرفة أحد بالسرّ المرعب الذي يُخفيه صاحب المعمل المشبوه ! 


الثلاثاء، 2 يناير 2024

الحُليّ المُباركة

فكرة وكتابة : ابن العراق
تنسيق : امل شانوحة 

 

المحل المشبوه !


تجمّعت نساء حول محل لبيع الإكسسّوارات وادوات الزينة ، بعد رؤيتهنّ لإعلان عن تخفيضات بنصف السعر لنهاية اليوم فقط .. 

واختارت كلاً منهنّ ما ارادته : فإحداهنّ اشترت العدسة العسليّة ، بينما امها اشترت إسّورةً فضيّة .. أمّا الصبيّة فطوّق شعرٍ لامع ، والخاتم لأختها الصغرى.. والأخيرة قرطان من اللؤلؤ الصناعي ، بعد بيع زوجها ذهبها لدفع دينه !

وبعد ذهابهنّ ، ازال البائع الإعلان وهو يقول : سأنتظر عودتهنّ قريباً 

*** 


في المساء .. استيقظت الأم على صراخ ابنتها ، بعد تعذّر إزالتها للعدسة من عينيها الدامعتين من شدّة الألم .. 

فقالت الأم : وانا ايضاً لا استطيع إزالة السّوار من يدي ! هناك شيءٌ مريب يحصل لنا !

- رجاءً امي ، لا اريد ان تُؤذى عينايّ

- سأتصل بجارتنا ، فإبنتاها اشترتا من ذات المحل 

^^^


فعلمت أن ابنة الجيران تعاني من المٍ في رأسها ، بعد ان علق الطوّق في شعرها .. بينما اختها تورّم اصبعها من الخاتم .. 

فطلبت من جارتها الإتصال بصاحب المحل التي حصلت على بطاقته .. ليتفاجئنّ بأن محله مازال مفتوحاً بعد تجاوزهم منتصف الليل ! 

***


فأسرعنّ اليه .. ليجدنّ المرأة الخامسة هناك ، وهي تعاني الماً من قرطا اللؤلؤ اللتان انغرستا في اذنيّها !


وبعد ان دخلنّ المحل ، إستقبلهنّ البائع بابتسامة :

- كنت اعلم بعودتكنّ .. فما الذنوب التي ارتكبتموها ، والتي بسببها عوقبتم بالحليّ المباركة ؟


فحاولنّ الأنكار اولاً .. الى ان اعترفت الصبيّة (صاحبة العدسات) برؤيتها للمقاطع القذرة بالجوّال ليلاً .. بينما امها اعتادت ضرب ابن ضرّتها المتوفيّة ، لهذا علق السِوّار الحارق بيدها .. بينما صاحبة القرط ، تعشق الأغاني التي لم تطفئها حتى وقت الأذان ! اما صاحبة طوّق الشعر العالق ، فهي مُحجّبة امام اهلها .. لكنها تزيله في الجامعة ، لتفتن الشباب بشعرها الطويل الناعم.. اما الصبيّة (صاحبة الخاتم) فاعتادت الإشارة بإصبعها بحركةٍ قذرة التي نشرتها بين زملائها بالمدرسة ! 


فأخبرهم البائع بأن الحلّ : هو قطع العضوّ العاصي لربه .. وذلك بحلق الشعر ، وقلع العين وبتر اليد والإصبع والإذن .. فرفضنّ ذلك ، وخرجنّ من محله باتجاه المستشفى لزيادة ألمهنّ ، بعد ضغطٍ لا يُطاق من الحليّ الحارقة ! 


لتنادي إحداهنّ الشرطي ، للإبلاغ عن البائع المشبوه.. فذهب معهنّ الى المحل .. لينصدمنّ أنه متجرٌ مهجور ومحطّم الواجهة ! 

فقال الشرطي : 

- لما تختلقنّ قصةً خرافيّة بهذا الوقت المتأخر من الليل ؟! فالمحل مُغلق منذ سنوات .. ثم لا ارى انكم خسرتنّ أيّ جزءٍ من اجسامكنّ ، كما تدّعين !


وفجأة استطاعت الفتاة إزالة الخاتم بسهولة من اصبعها ! وكذلك فعلنّ البقيّة ، بعد ان خفّ ضغط الحليّ عليهن .. فاعتذرنّ من الشرطي .. 


وبعد ذهابه ، إجتمعنّ امام المجمّع السكني.. 

الأم : لا اعلم ما حصل بالضبط ، ومن هو صاحب المحل المجهول .. لكنه لقننا درساً لن ننساه ابداً ! 

الجارة بقلق : إن كان هذا عذابنا بالدنيا ، فكيف سيكون عقابنا بالأخرة ؟!


وتواعدنّ على التوبة من ذنوبهنّ بعد الإمتحان القاسي من البائع الذي لم يكن سوى ملاكاً مُتخفّياً ينوي التنقّل من مكانٍ للآخر لنشر الوعيّ والفضيلة بين الناس ، وخصوصاً النساء المُثقلات بالذنوب !


الأربعاء، 9 نوفمبر 2022

اشباح المُنتزه

تأليف : امل شانوحة 

 

المعركة المستمرّة


تجمّع الزوّار لحضور إفتتاح منتزه بضواحي المدينة ، يمتدّ من الوادي حتى التلّ المُطلّ عليه .. الشيء المميّز فيه : هو وجود مكانٍ في الوادي قرب ملعب الجولف ، يبدو كزجاجٍ عازل محصورٌ داخله مجموعة من الظلال السوداء ، بشيءٍ يُشبه تقنيّة الهولوغرام لمعركةٍ بين جنودٍ وقادة يمتطون الأحصنة بزمنٍ من القرن الماضي! 

وظنّ الناس أن مسؤوليّ المنتزه يستخدمون تصويراً سينمائيّاً ، لتذكيرهم بأن المنتزه كان ساحة معارك قديمة.. 


ولم يعرف السرّ سوى شاب قرأ عن الموضوع في كتابٍ تاريخيّ بالمكتبة العامة ، قائلاً لصديقيه فوق التلّ :

- أتدرون لما لم تُستغلّ الأرض منذ خمسين سنة ؟ 

- أعتقد بسبب الإشاعة القديمة بأن ارواحٍ غاضبة تسيطر على المكان

الشاب : وهذا صحيح .. فهذه الأرض كانت سهلاً ، قبل تحوّلها لوادي وتلّ مُرتفع بسبب زلزالٍ كبير ضرب المكان اثناء معركةٍ ضاريّة ، أدّى لانشقاق الأرض ودفن الجنود احياءً .. ولم يبقى من السهل سوى الشجرة الضخمة فوق التلّ ! وقبل سنوات ، حفرت الدولة الوادي دون اكتراثها لقبور الجنود .. ليظهر هذا السجن الزجاجيّ المليء بالدخان الأسود ، وفي داخله ارواح الخصمين وهما يتقاتلان بوحشيّة .. لهذا يبدون كظلالٍ سوداء شفّافة ، لا تظهر ملامح وجههم جيداً 

- أتعني انه ليس تصويراً هولوغراميّ ؟!


الشاب : لا ، هم ارواحٌ غاضبة .. ولا ادري كيف افتتحت الحكومة المنتزه ، مُعرّضةً حياة الجميع للخطر ؟!

- نزلت الى هناك قبل قليل .. ولم أجد زجاجاً عازلاً للظلال ، بل مجرّد دخانٍ ساخن !

الشاب : وهذا الدخان هو ما يمنعهم من الوصول لعالمنا 

- هل تظنهم يروننا ، ام مشغولين بمعركتهم ؟

الشاب : مصيبة ان استطاعوا رؤيتنا ونحن نحتفل ، بينما هم يصارعون الموت .. سيظنون اننا نسخر من معاناتهم ! 


وفجأة ! تجمّعت الغيوم في يومٍ صيفيّ حارّ .. وبرقت السماء دون أثرٍ للإمطار .. وحلّ الظلام ! 

فنظر الناس للسماء ظناً بكسوف الشمس ، ليروها مُحجبة بالغيوم السوداء التي نزل منها برقاً قوياً باتجاه الجدار الشفّاف الخاصّ بالظلال الأشباح !


والتي جعلت جدارهم العازل يمتدّ طولاً ، لينطلق الجنود بأحصنتهم .. ويحيطون بشكلٍ دائريّ المنتزه .. وهم يلتفّون في حلقةٍ موسّعة ، حاصرين الناس في الوادي الضيّق !


فصرخ العجوزٌ فزعاً : مُحال أن يكون هذا تصويراً سينمائيّ ، تلك الأرواح تُحاصرنا بالفعل !!  

وصرخ الناس برعب .. قائلاً احدهم :

- الجنود ينظرون الينا بحقدٍ وغضب ! 


وهنا ! بدأ الدخان الأسود يخفّ داخل العازل الزجاحيّ ، لتظهر وجوه المتحاربين الجريحة بوضوح ، مما يدلّ أن الفاصل بين العالمين على وشك الزوال ! 


فقام أحد الأولاد برميّ لعبته الصوفيّة باتجاه الجدار الفاصل .. لتعلق بالسكينة الموجودة في مقدّمة بندقية القائد الشبح !

فشهقت الناس بخوف ، لعلمها بانفتاح البوّابة بينهما ..

 

وإذّ بمراهقٍ احمق يتجرّأ على اختراق الجدار الشفّاف ، رافعاً يده للسلام على القائد الشبح الذي سارع بقطع رأسه بالسيف على مرأى الناس ! 

ثم نزل عن حصانه ..وأعاد رأس المراهق مكانه ، ليتحوّل فوراً الى زومبي مخيف .. وأشار القائد للجموع .. ليخترق المراهق الجدار الشفّاف عائداً للزوّار ، وهو يعضّهم بهمجيّة ! وكل من عضّه ، تحوّل ايضاً الى زومبي !


فحصل هرجٌ ومرج بين المصطافين الذين حاولوا صعود التلّ للهرب من المنتزه المسكون .. إلاّ ان جيش الأشباح أحاط بهم من كل جانب !


فقال الشاب لصديقيه : 

- إمسكوا السكاكين (التي احضرها سابقاً لتقشير الفاكهة) واقتلوا الجميع : الأشباح ، والزومبي .. إحموا انفسكم جيداً !!


وكانوا يقفون فوق التلّ وهم يرون الناس مُحاصرين في الوادي ، وهم يتحوّلون تباعاً لزومبي التي تحاول تسلّق التلّ للوصول للشباب الثلاثة الذين بدأوا بطعن كل من يقترب منهم .. 


الى ان اهتزّت الأرض بزلزالٍ عنيف ، أدّى لحفرةٍ عميقة بين الوادي والتلّ ..سقط فيه الجميع ، بينما سارع الصديقين لتسلّق الشجرة الضخمة.. 

وحين رأيا رفيقهم يركض هارباً من زومبي ..أسرعا بمدّ ايديهما وحمله الى فوق .. ليسقط الزومبي بالحفرة الضخمة.. 


من بعدها ، هدأ كل شي ! وعاد الجدار الشفّاف للتقلّص من جديد 

فنزل الشباب الثلاثة من الشجرة بحذر .. واقتربوا من حافّة التلّ .. ليجدوا أن الجدار الشفّاف حُصر مجدداً بالوادي ، بعد زيادة عدد الأرواح المحتجزة داخله ! لتستمرّ المعركة الدائرة هناك بين اشباح الجنود والزومبي الجدّد !

***


وبسبب ما حصل ، أُغلق المنتزه نهائياً .. ونُشر بالإعلام عن موت مئتيّ زائر بسبب الزلزال الضخم .. بينما أُجبر الأصدقاء الثلاثة من قبل الحكومة على كتابة تعهّد بالتزام الصمت للحادثة المريبة ، تحت تهديد السجن والغرامة !

***


وفي كل عام من ذكرى حدوث الكارثة الغامضة .. يجتمع الشباب الثلاثة سرّا هناك ، لتسلّق السور المغلق للمنتزه .. لمراقبة الحرب الدائرة بين اشباح الماضي والحاضر ، بمعركةٍ لا نهاية لها ! 


الأحد، 28 أغسطس 2022

الأساور السحريّة

تأليف : امل شانوحة 

 

عقوبة الأماني


أُفتتح محلٌ صغير في اطراف المدينة الذي لا يتعدّى مساحته المترين ، وليس فيه سوى طاولة يجلس عليها رجلٌ عجوز ، وامامه صندوقاً صغيراً فيه اساور مطاطيّة ملوّنة ! 

ولم يدخل اليه احد ، قرابة شهر .. فأشفق عليه الأصدقاء الخمسة ، بعد رؤيته يقضي وقته بقراءة الجرائد .. فقرّروا شراء ما يبيعه لتحسين نفسيّته 


وعندما سألوه عن سعر الإسورة (التي لا يبيع غيرها) 

اجابهم بغموض :

- هي مجّانيّة ، في حال أعدّتموها قبل انتهاء 24 ساعة

فسأله أحدهم : أتقصد انها للإيجار ليومٍ واحد ؟!

العجوز : نعم

- وماذا سيحصل إن لم نعدّها اليك ؟

العجوز : تصيبكم عقوبة تناسب الأمنيّة التي اخترتموها

- لم نفهم شيئاً !


العجوز : كل سِوار يمنح صاحبه أمنيّة مميزة .. فالسوّار الأصفر مثلاً : يطيل عمر شخصٍ يحتضر.. 

الشاب مقاطعاً : ليومٍ واحد ؟ 

العجوز : نعم .. دعني أكمل .. اما السوّار الأحمر : فيسمح لك بتجربة الأضواء والشهرة .. والسوّار الأسود : يجعلك ثريّاً .. اما الأخضر : فستصبح مسؤولاً مهمّاً بالدولة ، ويمكنك اصدار قرارات ومراسيم طوال 24 ساعة لتغيّر مصير مدينتك .. اما البنفسجيّ : فيمكنك اختيار ايّةِ وظيفة اداريّة ، ولوّ بأعلى المراتب .. بشرط !! أن جميع امانيكم ستُحصر داخل وطنكم  

- اذاً هي اساور سحريّة ؟!

العجوز : شيء من هذا القبيل

- وماذا بشأن العقاب ؟


فأشار العجوز لساعة الحائط المُعلّقة على جدار محلّه : 

- في حال لم تردّوها غداً في منتصف الظهيرة ، أيّ بمثل هذا الوقت ، ستعاقبون ايضاً ليومٍ كامل .. مثلاً : تستيقظون لتجدوا انفسكم في سجنٍ إنفراديّ ..او تعيشون اوقاتاً عصيبة قبل إعدامكم .. او في خندقٍ بمعركةٍ ضارية .. او محاصرين تحت الأنقاض لمبنى مُنهار.. او مشلولاً بالكامل .. او تعود صغيراً بأسوء دار ايتام .. او تعالج كمجنونٍ خطير.. او تائه في جزيرةٍ منعزلة .. او عالقٌ في بيت اشباح .. فالإسورة هي التي تحدّد عقابكم .. فهل ستعيدونها بالوقت المناسب ؟


فنظروا لبعضهم وهم متحمّسين لتجربتها ، قائلاً احدهم :

- انا سأبدأ اولاً !! وسأختار السوّار الأحمر ، لأني اريد تجربة حياة مطربي المفضّل ليومٍ كامل

- وانا سأختار الأسود ، للعيش في قصر اغنى اثرياء بلدتي

- وانا البنفسجيّ ، وسأعمل مديراً للبنك المركزيّ في دولتنا

- وانا سأختار الأخضر : وسأصبح رئيس جمهوريتنا ، لإصلاح ما يمكنني فعله في يومٍ واحد 

- جيد يا رفاق انكم تركتم لي السوّار الأصفر ، فكل ما يهمّني هو استيقاظ أمي من غيبوبتها التي دامت شهور ، كيّ اريها محبتي من خلال إعتنائي بها طوال اليوم 


العجوز : اذاً إلبسوا اسورتكم ، وأراكم غداً بمثل هذه الساعة

- ومتى سيبدأ مفعول السحر ؟

العجوز : فور استلقائكم على أسرّتكم .. وما أن تفتحوا أعينكم ، حتى يبدأ يومكم الجميل والفريد من نوعه .. والأفضل ان تستعجلوا بالعودة لمنازكم ، كيّ لا تضيّعوا الوقت الذي بدأ سريانه .. الآن !!

 

فخرجوا مسرعين من المحل دون توديع بعضهم ، كيّ يستفيدوا من كل دقيقة في تجربة الحلم الذي طال انتظاره 

***


حين فتح صاحب الإسورة الخضراء عينيه : وجد نفسه في مكتب رئيس الجمهوريّة ! وامامه ملفّات لمشاريع مهمّة ، عالقة منذ تولّيه الحكم  

فقرأهم على عجل ، وهو ينظر لساعته من وقتٍ لآخر .. وما أن تأكّد من فائدتها للشعب ، حتى وقّعها جميعاً .. والغريب إن توقيعه يشابه توقيع رئيس الجمهوريّة الموجود على الورقة النقديّة الحديثة! 


ثم نادى سكرتيره ، لإرسال موافقته لأصحاب المشاريع .. 

ليشعر على الفور بارتباك سكرتيره الذي قال : 

- سيدي ! هذه القرارات ستغضب نائبك ووزرائك  

الرئيس : ولماذا يعترضون على مشاريع في صالح الشعب ؟!

- لأنها ستكلّف الخزينة الكثير من الأموال ، وكنتم سابقاً متفقين على توزيعها بينكم !

الرئيس بعصبية : اللعنة على الفاسدين !! أهي ثروة اهالينا لنتقاسمها بيننا ؟! .. إسمعني جيداً !! عليك نشر قراراتي الجديدة بالجريدة الرسميّة ، بأسرع وقتٍ ممكن ..


السكرتير بدهشة : دون إخبار وزرائك ؟! 

الرئيس بحزم : سيعرفون بشأنها مع بقيّة الشعب .. فأنا حاكم البلد ، وسأفعل المستحيل لنهضتها من جديد .. هذه مسؤوليتي انا !! وعلى وزرائي ونوّابي طاعة اوامري ، فهل كلامي مفهوم ؟!!

فوقف السكرتير مرتبكاً بعد تغيّر طباع رئيسه المفاجىء ، والذي أكمل مُهدّداً : 

- إن لم تنشر قراراتي بكل وسائل الإعلام خلال ساعتين ، ستُطرد من عملك !!

السكرتير بقلق : كما تشاء سيدي !


وبعد خروجه.. قال الرئيس في نفسه :

((الى أن ينتهي المفعول السحريّ للإسورة ، سأعاقب جميع الفاسدين))


ثم اتصل بقائد الجيش للحجزّ على اموال السياسيين المشبوهة ، والقبض على كبار التجّار الذين ارهقوا الشعب بغلاء الأسعار لسنواتٍ طويلة 

***


اما صاحب الإسورة البنفسجيّة : فكان سعيداً بعدّه رزم المال في البنك المركزيّ لدولته .. بل وساعد موظفيه بحمل بضعة كيلوات من الذهب ، لتكديسها في الخزنة التي يملك مفتاحها.. وانشغل بعمله ، لدرجة إهماله الوقت !  

***


اما صاحب السوّار الأسود : الذي يُجرّب حياة الأثرياء لأول مرة في حياته ، فقضى يومه بالإحتفال امام مسبح الفندق الفخم الذي يملكه ، برفقة اجمل عارضات الأزياء اللآتي راقصهنّ على انغام الموسيقى الصاخبة ! 

***


اما صاحب السوّار الأحمر : فاحتلّ جسد مطربه المشهور .. حيث قضى يومه بتوقيع البومه الجديد .. والتحدّث مع معجبيه ، خاصة الصبايا الحسناوات اللآتي تسابقن للتصوير معه ، في غمرة فرحه بجمال صوته ووسامته الفاتنة ، والشهرة الواسعة التي حلم بها دائماً

***


اما الصديق الأخير ، صاحب الإسورة الصفراء : فقضى يومه بجوار سرير امه التي استفاقت اخيراً من غيبوبتها .. لتراه يقبّل يدها والدموع في عينيه .. والذي امضى نهاره بالإستماع الى ذكريات طفولته التي أخبرته عنها.. مع رفضه مغادرة غرفتها ، وأصرّ على خدمتها دون تأفّف او ملّل  

***


وحلّ المساء ، وكل واحداً منهم مشغولاً بالأمنّية التي اختارها .. فهم لم يرغبوا بالنوم رغم تعبهم ، كيّ لا يخسروا ساعاتٍ من يومهم الإستثنائيّ   


فصاحب الإسورة الخضراء : مازال منشغلاً بالأمور السياسيّة ، حيث تابع اجتماعاته مع كبار المسؤولين لإصلاح بلده ، بعشرات القوانين الجديدة التي ارغم وزرائه التوقيع عليها .. اما الفاسدون منهم ، فزجّ بعضهم بالسجن ليوم محاكمتهم .. والبعض الآخر فرّ هارباً من البلاد ، لاعتقادهم بأن رئيسهم فقد عقله ، بعد أن كان فاسداً مثلهم قبل ايام !


اما صاحب الإسورة البنفسجيّة ، مدير البنك المركزيّ : فرفض جميع الإجتماعات المهمّة ، واكتفى بالنوم فوق تلّة العملات النقدية الذهبية الموجودة في خزنة بنكه السرّية 


اما صاحب الإسورة الحمراء الذي يعيش حياة مطربه المفضّل : فقضى ليلته بإحياء حفلةٍ صاخبة امام آلاف المعجبين الذين ردّدوا اغانيه بعلوّ صوتهم


وصاحب الإسورة السوداء الذي يعيش كثريّ : فانشغل بعلاقاته العابرة ، رغم تسارع قلبه بسبب الحبوب الزرقاء التي ابتلعها طوال الليل !


بينما صديقهم الذي اختار الإسورة الصفراء : فأكمل رعاية أمه ، دون السماح لنفسه بالنوم رغم تعبه الشديد ..خوفاً أن يستفيق على خبر وفاتها! 

***


في ظهر اليوم التالي .. تأخروا جميعاً عن موعد إعادة اساورهم للعجوز ، بسبب استغراق الثريّ والمغني بالنوم بعد سهرهما طوال الليل .. اما صاحب البنك المركزيّ : فكان مشغولاً بتحويلاتٍ مهمّة لكبار تجار البلد..


اما رئيس الجمهوريّة : فكان عليه استقبال رئيس دولةٍ عربية بالمطار ، ولم يستطع التملّص من المسؤولية .. بينما الإبن البارّ : فلم يستطع ترك امه بعد تدهوّر صحّتها صباحاً ! 

***


في المحل الصغير ، نظر العجوز لساعة الحائط وهي ترنّ على ساعة 12 

- كالعادة ! لا احد يعيد أسورته في الوقت المناسب .. اذاً سينالوا عقابهم قريباً 

***


فجأة ! تغيّرت حياة الشباب الخمسة للأسوء ..

حيث استيقظ الثريّ في زنزانةٍ ضيّقة ، على صراخ وشتائم المجرمين في الخارج ! وكانت الزنزانة مقزّزة للغاية .. فبعد نومه البارحة على فراشٍ من ريش نعام ، هاهو ينام على فرشةٍ رطبة مليئة بالحشرات .. الشيء الوحيد الذي هدّأ روعه ، انه سيمكث في هذا الجحيم حتى ظهر اليوم التالي فقط !


اما مدير البنك ، فبعد نومه بين سبائك الذهب .. هاهو مقيّد في خندقٍ وحليّ ، بعد أن اسره جنود العدوّ .. ليواجه سيلاً من الأسئلة بلغةٍ لم يفهمها ، وهو يشعر بالخوف من ادوات التعذيب الموجودة امام قائدهم !


اما رئيس الحكومة : فوجد نفسه مربوطاً في سرير مستشفى المجانين ، وهو يستمع لصراخ مريضٍ بالغرفة المجاورة ، يقومون بعلاجه بالصعقات الكهربائيّة .. في إنتظار أن يأتي دوره !


اما الإبن البارّ : فوجد نفسه مستلقياً بسرير ، وهو ينظر للسقف دون حراك .. لتخبره الممرّضة بشلله الكامل ! وانه سيمضي يومه عاجزاً تماماً ..فشعر بعذاب امه التي امضت شهوراً بغيبوبتها ..وتساءل ان كانت ستظلّ حيّة لحين انتهاء عقوبة إسورته ، ام سيزور قبرها غداً.. وامضى وقته بالدعاء والبكاء ، على أمل ان لا تموت قبل توديعها 

 

الوحيد الذي حمد ربه على عقابه هو المغني المشهور الذي يقوم حرس السجن بخدمته وتقديم كل ما يريده ، إستعداداً لشنقه عصر يوم الغد .. فهو يعلم بأن عقاب الإسورة سينتهي قبل اعدامه .. بل شعر بنعمة الهدوء بعد عيشه ليلة صاخبة وهو ملاحق من معجباته والصحفيين الذين سلّطوا الأضواء عليه .. ونام على سريره الحديديّ بزنزانته ، وهو يقول : 

- لا شيء اجمل من الخصوصيّة ، فالشهرة ليست جميلة كما توقعتها ..كان الله في عون المشاهير

***


في ظهر اليوم التالي .. استيقظ الشباب الخمسة ، ليجدوا أنفسهم بغرفة نومهم في منازلهم ! فحمدوا الله على انتهاء العقوبة .. 

وخرجوا للشارع ، ليروا مفعول الأساور في حياتهم العادية ..


وكما هو متوقع : الغني والمشهور ومدير البنك لم يعرفهم احد ، لعودتهم اشخاصاً عادية كما كانوا .. 

بينما رئيس الحكومة : فتفاجأ بوجود إصلاحات في اماكن متعددة من مدينته ، بعد قراراته الجريئة السابقة ! ويبدو ان الرئيس الحقيقي تفاجأ ايضاً برؤية تواقيعه على المشاريع البنّاءة ، كما عقوباته الصارمة على الفاسدين ! فتورّط بإكمالها بعد شعوره للمرة الأولى بمحبة الناس الذين تجمّعوا امام قصره لتأيّده .. على عكس المظاهرات الغاضبة التي اعتاد عليها منذ بداية حكمه .. لهذا خرج اليهم وهو يعدهم بالمزيد من الإصلاحات ، وبأنه سيكون رئيساً جيداً للبلاد !


اما الإبن البارّ ، فركض للمستشفى لرؤية امه .. ليتفاجأ بها توقّع على اوراق خروجها من المستشفى بعد تعافيها تماماً ! 

فحضنها باكياً وهو لا يصدّق عينيه .. ثم ساعدها لركوب سيارته ، وإعادتها الى منزلها

***


بعد اسبوع .. تجمّع الأصدقاء الخمسة في محل العجوز ، لإخباره بما حصل ، بعد اعتذارهم عن عدم الإيفاء بوعدهم بإعادة الإسورة في الوقت المحدّد .. فقال لهم :

- الشخصان الّلذان فازا بالإمتحان : هو من قام بدور رئيس الجمهورية والإبن البارّ : لأنكما اخترتما مصلحة الغير على سعادتكم اللحظيّة ..لهذا وهبتكم الإسورة ما تمنّيتماه بفضلٍ من الله .. اما انتم الثلاثة : فاخترتم انفسكم ..لهذا ستعاقبون بحرمانكم من امانيكم للأبد

- ماذا يعني هذا ؟!


العجوز : يعني لن تصبحوا اثرياء او اصحاب سلطة او مشاهير طوال حياتكم ، لأنكم لا تصلحون لهذه الهبة التي استخدمتوها بطريقةٍ انانيّة وفاسدة !

- لكني أتدرّب على الغناء في المعهد ، للإشتراك بالمسابقة الغنائية القادمة ! 

العجوز : لن تنجح ، فالشهرة لم تُخلق لك 

فقال الآخر بيأس : كلامك يعني انه لا فائدة من تقديمي على وظيفة البنك ؟


العجوز : لوّ ادرت البنك المركزي بشكلٍ صحيح ، وقدّمت تقاريراً عن ثروة الأغنياء لفرض الضرائب عليهم لصالح الشعب ، لأصبحت مدير البنك خلال سنواتٍ قليلة .. لكنك خسرت فرصتك بعد أن أغرتك سبائك الذهب ورزم المال المكدّسة .. اما انت !! فقضيت ليلتك بخيانة خطيبتك ، لهذا ستُحرم منها

- لكن زواجنا بعد شهر !

العجوز : لن تكون لك ، بل ستبيعك لأجل عريسٍ ثريّ .. بينما ستبقى انت موظفاً بسيطاً لآخر عمرك .. والآن انتهى الإمتحان ، يمكنكم العودة الى منازلكم


فخرج ثلاثة منهم حزينين على فشلهم بالإمتحان .. بينما (رئيس الجمهورية) فكان فخوراً بانجازاته التي اصلحت كثيراً من دولته .. اما الأسعد بينهم ، فهو الإبن البارّ بعد تعافي امه من مرضها الخطير 


وهنا ! سمعوا صوت باب المحل الحديديّ يُقفل بقوة..  

فالتفتوا خلفهم ، ليتفاجأوا باختفاء المحل تماماً ! 

مما افزعهم كثيراً ، لدرجة جعلتهم يركضون بأسرع ما يمكنهم باتجاه منازلهم .. بعد أن قدّمت الأساور السحريّة دروساً قاسية ، غيّرت مستقبلهم ومنظورهم للحياة للأبد ! 


الاثنين، 29 نوفمبر 2021

لعنة الأبراج

تأليف : أمل شانوحة

الأسطورة الفلكيّة


في زمن العصور الوسطى ، سافر منجمٌ بابليّ من العراق الى إنجلترا .. ووقف أمام بوّابة القصر وهو يُطالب الحرس برؤية الملك ، لإطلاعه على علم الأبراج الذي لم يكن معروفاً لديهم .. 

وبعد موافقة الملك على استقباله ، أخذ المنجّم يُطلعه على موجز علمه المتعلّق بخريطة السماء بحسب حركة الشمس والقمر والكواكب الثمانية ، المقسّمة الى 12 برج ، كل واحداً منهم يحمل صفاتاً مشتركة حسب تاريخ ميلاد الشخص ..


فطلب الملك من قسّيسه مناقشته على انفراد ، فلديه أموراً أهم من علم التنجيم المعقّد..

***


وبالفعل أخذه القسّيس الى مكتبه في الكنيسة للتعلّم منه أساسيات التنجيم ، وتدوينها على مخطوطات إحتفظ بها في درجه.. 


وبعد شهور .. سأل الملك القسّيس عن أهميّة علم التنجيم .. فأنكر إستفادته من معلومات العالم الفلكي البابليّ ! 

فأمر الملك بقطع رأسه في جلسةٍ خاصة ، بتهمة إضاعة وقتهم بعلمٍ غير نافع 

***


باليوم المحدّد ، وفي الحديقة الخلفيّة للقصر .. حضر الملك والسيّاف والقسّيس  لتنفيذ حكم الإعدام بالمنجّم العجوز الذي ترجّى رجل الدين بإخبار الملك عن أهميّة العلم الذي نقله اليه في الشهور الماضية .. 

فاكتفى القسّيس بابتسامةٍ ماكرة ، لنيّته نسب التنجيم الفلكي إليه ..


وقبل إعدام المنجّم البابليّ ، نظر الى السماء وهو يدعو بصوتٍ مهيب :

- لتحلّ عليكم لعنة العام الجديد ، وتعانون من سلبيّات الأبراج!!


ثم وقع رأسه في سلّة القشّ ، بعد قطعه بالسيف !

ولم يهتم الملك ومن معه بتهديد المنجّم ، وعادوا لإكمال عملهم بالقصر

***


مضى الشهران بسلام .. الى أن عمّت الإحتفالات البلاد ، بليلة رأس السنة الميلادية الجديدة .. 


وفي الكنيسة .. سأل الراهب القسّيس الذي كان يعلّمه سرّاً علم التنجيم (المسروق من المنجّم البابليّ) :

- نحن الآن بشهر 1 ، أيّ برجٍ هذا ؟

القسّيس وهو يقرأ المخطوطات : برج الجدي 

الراهب : وما مميزات هذا البرج ؟

- حسب ما قاله المنجّم : أفضل صفاته هو الطموح 

الراهب : وما اسوء شيءٍ فيه ؟

- التشبّث بالرأيّ ، حتى لوّ كان على خطأ !

- أتدري يا معلمي .. أنا حقاً ممّتناً لك لاختياري من بين تلاميذك ، لتعليمي التنجيم الفلكيّ  

القسّيس مُحذّراً : إيّاك إخبار أحد بذلك ، قبل نشر كتابي 

- هل ستنسب العلم لك ؟!

- بالطبع !! فالملك لم يفهم شيئاً من كلام المنجّم .. وأنا الآن أكتبه بأسلوبٍ سلس ، يفهمه المُتعلّم والجاهل  

الراهب بحماس : بانتظار كتابك على أحرّ من الجمر 

*** 


مع بداية شهر 1 ، لاحظ الجميع تزايد عناد الملك برأيّه ! وإصراره على معاقبة اهل مدينته ، بعد رفضهم دفع الزيادة في مبلغ الضريبة المفروض عليهم .. ولم يقبل نصيحة وزيره بتقليل المبلغ ، بسبب الجفاف الذي تعرّضت له الحقول في الصيف الماضي.. 

وأصرّ الملك على إرسال جنوده لإلقاء القبض على شبابهم ، وحرق أكواخ كل من يرفض دفع الضرائب الجديدة !


والغريب إن الشعب بادله العناد لأول مرة في تاريخ المملكة ، ورفضوا الإلتزام بأوامره غير آبهين بتهديدات رئيس الجنود ! 

لتحصل بينهما مواجهةً عنيفة ، أدّت لخسائرٍ طفيفة بين الطرفين بعد تدخل الوزير لإلغاء الضرائب الأضافية بنفسه ، رغم قرار الملك الصارم ! وكاد يُشنق على مخالفته القوانين ..


والوحيد الذي شعر بغرابة الموضوع هو القسّيس الذي تذكّر تهديد المنجّم البابليّ الذي وعدهم بمعايشة سلبيات الأبراج ! فعرف أنهم سيعانون لبقية الشهر من عناد الملك الذي سيؤدي لنتائجٍ فادحة .. فقرّر معاكسة اللعنة بطريقةٍ إستثنائيّة ، قائلاً لتلميذه :

- سأحلّ المشكلة الحاصلة بالبلد

الراهب : وكيف ستسيطر على اللعنة ؟!

القسّيس : سأقلب المعادلة .. فبدل أن نعاني من سلبيات برج الجدي ، نستفيد من إيجابياته 

- وكيف يا معلمي ؟

- سأحُضر مشعوذ البلاط الملكي ، لمساعدتي في هذه المهمّة 

الراهب مستفسراً : أتقصد المشعوذ المنبوذ ؟! 

- الملك أخطأ بطرده ، فهو الأقوى بين السحرة بتخاطره مع الشياطين ..المهم أن لا تخبر أحداً ، سأدخله الى مكتبي من باب الكنيسة السرّي

***


وبالفعل استطاع المشعوذ من خلال تعويذاته الشيطانية من قلب الأحداث  

ففور إنهاء جلسته .. غطّت سماء انجلترا غيمةٌ كبيرة ، لم يلاحظها احد لاختفائها قبيل الفجر

***


في الصباح .. إستيقظ الملك وهو يشعر بنشاطٍ كبير ، وكلّه أمل وطموح بتحسين احوال البلد .. حيث انكبّ على كتابة قرارته الجديدة في مكتبه ..

 

وبعد تسليمه الورقة للوزير الذي قرأها وهو قلقٌ أن تكون ضرائب جديدة (فهو بالكاد استطاع تهدئة الشعب الثائر في الأسبوعين الماضيين) لترتسم على وجهه ابتسامة الرضا من القرارت الإيجابية للملك ، التي سلّمها لرئيس الجنود لتعليقها في ساحة المدينة التي ضجّت بالهتافات الداعمة للملك مع الصفير والتصفيق بعد قراره برفع اجور العمّال والمزارعين ، وفتح منجماً جديداً للعاطلين عن العمل ، وإعطاء اجوراً عادلة للنساء العاملات.. 

فتنفّس الشعب الصعداء وهم يشعرون بالرضا لنجاح ثورتهم الأخيرة ، التي أثّرت على قرارات الملك الجديدة التي ستُساهم بنهضة مدينتهم

***


وانتهى شهر 1 بسلام .. ليبدأ شهر 2 مع برج الدلو ، حيث تفاجأ الأهالي برحيل اولادهم الشباب الى قرى مجاورة ، رغبةً في الأستقلال ! حتى الفتيات أردنّ تعلم القراءة والكتابة (الممنوعة في عصرهنّ) وجادلنّ آبائهن بأن علمهنّ سيساهم بنهضة للوطن ، لأنهن سيربينّ أبنائهن بعقلٍ متفتّحٍ وسليم .. ولم تفهم العائلات ما حصل بتفكير اولادها !


ووصلت اللعنة الى قصر الملك بعد رفض ابنته الزواج من أمير فرنسا ، وهدّدته بالهرب من القصر إن أجبرها على ذلك .. فهي تحب الإستقلالية والإعتماد على نفسها ، وأخبرته برغبتها لتطوير مهاراتها في الفروسيّة والصيد ! 

وكاد الملك يقتلها لمخالفتها أوامره ، قبل تدخل القسّيس لطلب تأجيل زواجها لشهرٍ آخر دون إفهامه السبب .. فقبل الملك نصيحته

***


وفي الكنيسة مساءً ، إجتمع القسّيس والمشعوذ للقيام بجلسةٍ عاجلة ، للإستفادة من إيجابيات الدلو بدل سلبياته .. فأعاد تواصله مع الشياطين كما فعل الشهر الماضي .. وفور انتهائه ، أمطرت السماء فوق منازل السكّان ليلاً 

***


في الصباح .. لاحظ الأهالي تطوّر ذكاء اولادهم ومواهبهم بشكلٍ ملحوظ ! فمنهم من بدأ الرسم .. ومنهم من أطلق لصوته العنان ، وهو يغني بعذوبة في الطرقات .. ومنهم من أنشد أشعاراً من تأليفه .. مما أشعر أهاليهم بالفخر والذهول ! 


حتى الملك استمتع بعزف ابنته على القيثارة التي لم تكن تتقنها من قبل ! مما هدّأ غضبه اتجاه رفضها الزواج .. وفكّر بتأجيل الموضوع لحين إنهائها سن المراهقة ، للإستمتاع بحياتها اولاً

***


إنتهى الشهر على خير ، ليبدأ شهر 3 مع برج الحوت .. ومعه ظهرت سلبياته واضحة على الشعب : حيث بدى المزارعون ضعيفي الإرادة ، ولا يرغبون في العمل .. بل يفضّلون إمضاء وقتهم بشرب الشاي والغناء بالحقول ! ومنهم من استلقى فوق العشب لساعات ، مُطلقاً لمخيّلته العنان وهو شارد بتأمّل السماء .. مما أغضب أصحاب الأراضي الذين أمروا معاونيهم بجلدهم لمتابعة العمل ..


ووصل الخبر للملك الذي شددّ العقوبات على من يهمل عمله ، ومع ذلك تابعوا تضيّع وقتهم دون اكتراثهم بالعقوبة !

ولم يعلم المسؤولين ما حصل للمزارعين والعمّال ، بعد أن أثرّ خمولهم سلباً على حجم المنتجات الصناعية والزراعية .. 


فأخذ القسّيس على عاتقه إنهاء لعنة البرج ، بمساعدة المشعوذ المنبوذ الذي انتهت جلسته السرّية على هيئة رياحٍ خفيفة تسلّلت من نوافذ الشعب مساءً 

***


في الصباح .. تحوّل الجوّ العام لرومنسي خيالي ! وتعامل الأزواج مع بعضهم بشغفٍ وحب .. وعانقت الأمهات أطفالها بحنان .. واجتمع العشّاق في الحقول وهم يغنون وينشدون .. 


ووصلت الأجواء الرومنسية للملك الذي لم يهتم بانفلات زمام الأمور في مدينته ، لانشغاله بحفلات الرقص والغناء التي صدحت في قصره ..


فقال القسّيس للمشعوذ : يبدو إنه لا يمكننا فعل شيء مع هذا البرج المتكاسل ، علينا الإنتظار لنهاية الشهر 

- وهل تعتقد شهر 4 سيكون إيجابياً ؟

القسّيس بقلق : لنأمل ذلك

***


ومع بداية الشهر 4 ، شهر الحمل .. إستيقظ الأهالي على قرارات اولادهم المتهوّرة للقيام برحلاتٍ خطيرة : كتسلّق الجبال وغوص البحار واكتشاف الأماكن الغير مأهولة ! 

وحين اعترضوا بحزم ، أصيب الأبناء بنوبة غضب وبدأوا بافتعال المشاكل .. وخرجوا من منازلهم للقيام بما يرغبون ، دون اكتراثهم بنصائح اهلهم وقلقهم عليهم !


والتقى القسّيس صدفة بإمراة تبكي في الشارع ، فسألها عن حزنها :

- ابني الغبي يريد تجربة الطيران بملاءة السرير ، ارجوك أوقفه !! سيقتل نفسه بقراره المتهوّر .. فليس لديّ إبنٌ غيره 

القسّيس : ومتى سيقوم بذلك ؟ 

- غداً صباحاً

- لا تقلقي ، سأحلّ المشكلة


وذهب الى المشعوذ على أمل إيقاف تهوّر الشباب .. فقام المشعوذ بدوره الذي ظهر بنهاية جلسة تحضيره للشياطين ، على هيئة ضبابٍ ليليّ

***


في الصباح .. تحوّل شغف الشباب الى قراراتٍ حكيمة ومغامرة ، بعد قرارهم بحلّ مشاكل المدينة بشكلٍ ذكيّ وعمليّ .. فبدل ذهابهم لمسافاتٍ طويلة لجلب المياه العذبة ، قرّر بعضهم حفر بئرٍ عميق في الساحة ، لمصلحة الأهالي .. وبدأوا بتنفيذ مشروعهم على الفور ، دون اهتمامهم بنقد الكبار.. 


وفي غضون إسبوعين .. هلّل الأهالي فرحاً بعد ظهور الماء في قعر البئر ، الذي ساعدهم في ريّ أراضيهم 


أما الأهم ما حصل بقرارات الملك ، بعد قراره الأخير بكتابة معاهدة سلام مع الأسكتلنديين عقب سنواتٍ من الحرب والقطيعة ، مما أفرح الشعبين 

وتابعت الأمور إيجابية والمشاريع الناجحة حتى نهاية الشهر

***


وبدأ الشهر 5 مع برج الثور ، وكما توقع القسّيس : ((سيشعرون بسلبيته اولاً حسب لعنة المنجم البابليّ))

ولم يكن صعباً ملاحظة ذلك ، بعد تزايد عناد الملك وشعبه ايضاً !


فقال القسّيس لتلميذه :

- يبدو إن العناد صفة رئيسية بالأبراج الترابية ! 

الراهب : أتقصد الثور والجدي والعذراء ؟

القسّيس : نحن لم نصل لبرج العذراء .. أتمنى أن لا نصاب بالعناد ثانيةً ، كما نعاني الآن

- فعلاً هذه الطاقة ثقيلةٌ للغاية  

القسّيس : عدا عن الكسل وحب الطعام .. وإن تابعنا على هذا المنوال ، سنُصاب جميعنا بالسمنة قبل نهاية الشهر 

الراهب : ومالعمل ؟

- عليّ مقابلة المشعوذ في الحال .. فبعد إسبوعين من شهر الثور ، أصبح الوضع لا يُطاق  

***


وهذه المرة انتهت جلسة المشعوذ على هيئة نسيمٍ ربيعيٍ بارد .. 

ليستيقظ الشعب صباحاً وهم يشعرون برغبة للقيام بأعمالٍ تحتاج لدقة وصبر : كالخياطة والحرفيات الدقيقة .. ولم يعترض أحد على عمله لساعاتٍ طويلة ، بعد تميّزهم المفاجىء بالرضا والصبر رغم مشقّة مهنتهم الجديدة ! 

لتمتلأ الأسواق بالحرفيات والأثواب الرائعة الذين تابعوا إنتاجها حتى نهاية الشهر

***


وبدأ الشهر 6 مع برج الجوزاء .. وتوقع القسّيس الأسوء : فسلبياته حسب ما علّمه المنجم هي : الكذب والتحايل والمكر .. 

وبالفعل !! إزداد غضب الأهالي من الأساليب الملتوية لأولادهم الذين استطاعوا بمكرهم الهرب من مسؤلياتهم ، ومن العقاب ايضاً! 


وأكثر من عانى هو الملك بعد تزايد كذب رعيّته وحرسه ، وصولاً لجواريه ..فلم يعد يعرف الحقائق ، وعلى ماذا يبني قرارته ! 

وشعر من حوله باضّطرابه اثناء خطبه الرسميّة .. وخشيّ القسّيس من إصداره قرارات ٍخاطئة تضرّ بالشعب .. فأسرع الى المشعوذ الذي أنقذهم من هذه الورطة بجلسته السرّية الليلية 

***


ليشعر الجميع في اليوم التالي بانفتاحٍ إجتماعيّ غير مسبوق ! لتتزايد معها التجمّعات العائلية ، ومقابلات الأصدقاء القدامى بعد فراقٍ وهجران .. كما تقارب الجيران فيما بينهم بشكلٍ لطيفٍ ومرح  


حتى ابناء الملك المتخاصمين معه منذ سنوات ، أقاموا مصالحة علنيّة مع والدهم الذي كان سعيداً ايضاً بتصالح جواريه اللآتي لم تعدنّ تغرنّ من بعضهن ! بل تشاركن الحفلات الراقصة التي أسعدت أهل القصر ، بعد توقف الجميع عن التفكير بالهموم والمشاكل .. 

حيث نشرت إيجابيّة البرج المحبة والألفة بين أفراد المجتمع طوال الشهر 

***


بحلول شهر 7 مع برج السرطان ، إنقلب المزاج العام فجأة ! وشعر الجميع بالإنطوائية والسلبيّة وسوداويّة الأفكار .. وسُمع بكاء ونحيب بعضهم في الليالي الهادئة ، بعد تذكّرهم مآسي الماضي التي نسوها منذ سنوات .. ومعها زادت زيارة المقابر .. كما الّلوم والعتاب بين افراد المجتمع ، وجدالهم عن مشاكل قديمة حصلت بينهم !


فقال الراهب بضيق : رجاءً يا معلمي ، جدّ حلاً يزيل الإكتئاب الذي نعيش فيه 

القسّيس بحزن : معك حق .. فأنا أشعر بالشفقة على نفسي طوال الوقت ، وبدأت ألوم نفسي لعدم زواجي وإنجابي الأولاد ! .. لهذا عليّ الإسراع الى المشعوذ لإنهاء المشكلة ، قبل أن يفسُد ديني !  

***


قام المشعوذ بجلسته المعتادة ، والدموع تسيل على وجنتيه !

القسّيس بحزن : رجاءً لا تبكي ، سأبكي معك

المشعوذ : لا ادري ماذا حصل ! منذ بداية الشهر وأنا أتذكّر كل من مات من عائلتي وأصحابي ! حتى أتفه المشاكل التي حصلت لي .. يبدو لهذا البرج اللعين ذاكرةً قوية ، تذكّرك بسلبيات الحياة 

- رجاءً عجّل الموضوع ، ودعنا نزيل الغمامة عن قلوبنا


وبالفعل تمكّنت تعويذاته من إزاحة الغيمة السوداء التي خيّمت فوق المدينة في الأيام الماضية ! 

***


في اليوم التالي ..إنقلبت الحالة السوداويّة الى عاطفةٍ جيّاشة وحب الآخرين والإهتمام والتضحيّة .. ومُدّت طاولات الطعام في السّاحات ، وتسابقت النساء على طبخ أفضل وجباتهن لمشاركتها مع الآخرين .. 

واجتمع الناس للتحدّث عن ذكرياتهم السعيدة ، وهم يضحكون طوال اليوم 


حتى الملك أعلن زواجه من إحدى جواريه التي عشقها سرّاً ، بعد أن فاضت مشاعره بشكلٍ لا مثيل له ! 

وظلّت هذه الأجواء اللطيفة طوال الأسابيع الثلاثة ، الى أن زادت اوزانهم عقب  إحتفالاتٍ متتالية 

***


بنهاية الشهر ، قال الراهب :

- جيد إن الشهر انتهى ، فلم تعد ملابسي تناسبني مع تضخّم كرشي! 

القسّيس بضيق : وانا أُخفيه تحت ثوبي ، بعد تسابق النساء على حشر لقيمات الطعام في فمي ، وسؤالي من منهن الأفضل طبخاً ! حتى صرت أختبأ في كنيستي خوفاً منهن !

الراهب : المهم إن الشهر انتهى على خير .. والآن بأيّ برجٍ أصبحنا ؟

- شهر 8 ، برج الأسد 

- هل تعلم سلبياته ؟ 

القسّيس : أكيد سنلاحظها في الأيام القادمة

***


ولم يكن صعباً ملاحظة سلبيات البرج ، مع إنتشار الغرور والغطرسة بين الناس الذين تنافسوا على لبس أجمل ثيابهم ، حتى بالأيام العمل العادية ! 

ولم يعد أحد يردّ السلام على الآخر ، لشعوره بأنه أفضل شخصيّة في المدينة  رغم كونه مزارعاً او عاملاً بسيطاً 


وأكثر المتضرّرين هم حاشية الملك بعد إصابته بجنون العظمة التي جعلته يقرّر إعلان الحرب على الدول المجاورة ، للسيطرة على اوروبا !


وفور سماع القسّيس بقرار الملك المتهوّر ، أسرع راكضاً الى منزل المشعوذ الموجود في الغابة .. وهو يترجّاه بالإسراع بجلسته ، قبل موت آلاف الشباب وتدمّر حقولهم ومبانيهم الأثرية 


وما أن أنهى جلسته الشيطانية ، حتى انطفأت النيران المشتعلة في قناديل المنازل والقصر الملكي اثناء نومهم ..

***


في الصباح ، تبدلّ الحال تماماً .. واول ما لاحظه الشعب هو قرار الملك بإلغاء الحرب ، والإستفادة من مال الخزينة في زيادة رواتب وأجور العمّال والمزارعين ! 

مما أفرح الناس الذين سارعوا بصرف مدّخراتهم على اولادهم وأهاليهم من خلال رحلاتٍ ونزهاتٍ لطيفة ، بعد ضمان زودة الملك على معاشاتهم 

وزاد الكرم بينهم ، حتى مع الشخصيات المعروفة سابقاً ببخلها ! وهذه الأجواء السعيدة استمّرت حتى نهاية الشهر

***


في الشهر 9 ومع بدء برج العذراء ، إنقلبت الأمور رأساً على عقب فور إنتشار النقد اللاذع بين الناس .. حتى الأولاد تجرّأوا على نقد اوامر واسلوب اهاليهم في تربيتهم ، كأن لا شيء يعجبهم ! 


ووصلت اللعنة الى قصر الملك الذي دمّر كل من حوله نفسيّاً بنقده الهدّام .. فصاروا يختبأون في غرفهم خوفاً أن يجرحهم بكلامه القاسي ، الذي ظنّ انها نصائح قيّمة لأجل مصلحتهم !

حتى القسّيس لم يسلم من نقد الملك الذي أخبره برغبته بتعين رجل دينٍ أصغر سنّاً يُلازم قصره ، ونصحه بالتقاعد من الكنيسة لصحّته الشخصية!


وهذا القرار أرعب القسّيس الذي طلب من المشعوذ إنهاء الحالة السلبيّة المخيّمة على البلاد ، قبل خسارته عمله..

فعمل المشعوذ طوال الليل ، في محاولة لإظهار إيجابيات البرج

***  


في اليوم التالي .. إنتشرت رائحة الصابون والعطور في اجواء إنجلترا ، بعد إنشغال النساء والأولاد وحتى الرجال بتنظيف محالهم ومنازلهم وملابسهم ..وتزاحم الناس امام الحمّامات العامة للإستحمام ، وكأن غداً يوم العيد الوطني !


حتى الخدم في قصر الملك إنتشروا في جميع الغرف لتنظيفها ، وكأنهم يستقبلون ضيفاً مهماً في الأيام القادمة ! 

أما الجواري فتزاحموا عند الخيّاطات ، رغبةً بالظهور بأجمل مظهر ..


وفي اليوم المحدّد لاجتماع الوزراء في القصر ، تفاجأوا بالملك يدخل اليهم رافعاً بنطاله ، وبيده المقشّة وسطل الماء والصابون ..وهو يأمرهم برفع أقدامهم فوق الكراسي ، لرغبته بتنظيف مجلسه وسط ذهولهم ! وصار يدنّدن ، وهو سعيد بشطف الأرضيّة 

فحاول أحدهم العمل بداله .. فصرخ عليهم لملازمة مكانهم ، لحين جفاف بلاط مجلسه الرخاميّ !


وقد لاحظ القسّيس (الذي كان بين الحضور) نظرات السخرية من المرسال الإسكتلندي ، فخاف على سمعة إنجلترا .. وقرّر الذهاب للمشعوذ لإنهاء إيجابيات البرج التي أزعجته أكثر من سلبياته ، بعد قيام الرهبان بتحميمه غصباً عنه هذا الصباح (رغم نذره بعدم مساس الماء لسنوات) مما ضايقه جداً .. لكنه لم يجرأ على الخروج من المجلس ، قبل إنتهاء الملك من مسح البلاط !

***


وحين ذهب الى الغابة ، إستقبله المشعوذ وهو يضع المنشفة حول وسطه

القسّيس باستغراب : حتى انت استحمّمت ؟!

- ثلاث مرات هذا اليوم ! .. إيجابات هذا البرج تقتلني يارجل!!

- دعنا نننهيها في الحال ، فأنا خائف أن يجبرني تلاميذي غداً على الإستحمام من جديد  

المشعوذ : وهل تظنني أنتظرك ؟ 

- ماذا تقصد ؟ 

- حاولت مرتين ، لكن الشياطين أخبروني إنه لا يمكنهم معاكسة الإيجابيات ! لذا علينا الإنتظار حتى نهاية شهر

القسّيس بضيق : بقيّ اسبوعين كاملين ، ولا استطيع تحمّل كل هذه النظافة!! 

- وانا ايضاً 

وحضنا بعضهما بحزنٍ ويأس ..

***


وبحلول شهر 10 ، برج الميزان .. تنفّس القسّيس الصعداء بعد أن قصّ تلامذته شعره وذقنه ، وقلّموا أظافره ، وحمّموه صبحاً ومساءً .. وتمنى أن تكون سلبيات برج الميزان مقبولة أكثر من الشهر السابق 


ليلاحظ الجميع تردّد الملك بقرارته ، كأنه لا يعرف ما يريد ! 

مما أتعب وزيره الذي عليه مهمّة نشر قراراته بين الناس ، ثم إلغائها في اليوم التالي بناءً على طلب الملك ! حتى كاد يستقيل من عمله ، لولا نصيحة القّسيس بالإنتظار لنهاية الشهر دون إفهامه السبب


وكان للشعب نصيباً من التردّد .. خاصة العرسان اللذين لم يعرفا تحديد يوم العرس .. حتى الأحباء يتخاصمون ليلاً ، ويتصالحون صباحاً دون سببٍ مقنع ! 


كما احتار القسّيس باختيار عظة الأحد .. ولاحظ رعيّته إختلاط مواضيعه ، رغم براعته بالخِطابة ! 

ممّا ضايقه ، فطلب من المشعوذ إنهاء الحالة الضبابية التي يعيشون فيها .. فنفّذ طلبه بجلسةٍ استمرّت طوال الليل

***


في الصباح .. بدت الأجواء إيجابية ، بعد اعتماد الملك الدبلوماسية مع حاشيته وجنوده ، وتقبّل آراء من حوله برحابة صدر .. مما أسعدهم ، فهي المرة الأولى التي يشعرون بسهولة التعامل معه ! 


حتى العمّال والمزارعين شعروا بتغيّر معاملة رؤسائهم الذين استمعوا لمشاكلهم ، دون إشعارهم أنهم عبيداً لهم ! 

وأقيمت مشاريع جديدة بناءً على اقتراحات الطبقة الكادحة ، التي أدّت لازدهارٍ ملموس في مجال الزراعة والصناعة

وظلّت الأجواء مريحة حتى نهاية الشهر

***


مع بداية الشهر 11 ، برج العقرب .. تغيّر كل شيءٍ للأسوء ! فمعها زادت عصبية الكبير والصغير بشكلٍ ملحوظ : كسيطرة الرجال على زوجاتهم ، والأمهات على اطفالهم ، والأولاد على حيواناتهم الأليفة ..


والأسوء ماحصل للملك الذي أصرّ هذه المرة على قتال المتمرّدين في اطراف مدينته .. ولم يستطع وزيره إقناعه بمعالجة الأمور بهدوءٍ ورويّة ، بعد أن فاجأه الملك بلبسه ثياب الحرب وهو يمتطي حصانه ، ويأمر جنوده بالّلحاق به لقتال المتمرّدين ، بحربٍ تستمرّ إلى مقتل آخر رجلٍ فيهم ! 

كما طلب من وزيره الذهاب للقرى للتجنيد الإجباريّ للشباب والمراهقين لخوض حربٍ لا تبقي ولا تذر ! 


لهذا رفض القسّيس إعتذار المشعوذ عن القدوم الى جلستهما السرّية بسبب مرضه ، وذهب الى الغابة للقائه وهو يقول له :

- إن لم نعكس سلبيات البرج ، ستحدث معركة عظيمة نخسر فيها آلاف الضحايا .. عليك القيام بالجلسة حالاً !!

المشعوذ بتعب : انت لا تفهمني .. عليّ أن أكون بكامل قوايّ لاستقبال الشياطين ، ولا استطيع ذلك بعد إصابتي بنزلة بردٍ قوية كما ترى

القسّيس بقلق : والى متى سأنتظر ؟ 

- يومين او ثلاثة 

- ستكون وقعت الكارثة وانتهى الأمر

المشعوذ : الملك يحتاج يومين للوصول لساحة المعركة ، حينها أكون إنتهيت من الجلسة التحضيريّة .. لكن لا استطيع فعلها اليوم ، أعتذر منك

فعاد القسّيس الى كنيسته وهو قلق على المصيبة القادمة

***


وكان حدسه في مكانه بعد محاصرة المتمرّدين لجيش الملك في الوادي ، وإعلانهم الحرب في الصباح الباكر


ولم تصل الأخبار لحاشية القصر ، إلاّ بعد ايام .. فتوقعوا الأسوء ، إلاّ انهم تفاجاوأ بعودة الملك مع جنوده سالمين (بعد قيام المشعوذ بجلسته دون إخبار القسّيس ، والتي جعلت رياح الإيجابية تهبّ على الفريقين المتخاصمين قبل لحظات من بدء المعركة) 


ليعود الملك وبيده وثيقة موقّعة من رئيس المتمرّدين : بعدم الإضرار بمصالح مملكته ، في مقابل إعفائه عن رقابهم والسماح لهم بزيارة عائلاتهم في المدينة بعد إصداره حكم النفيّ عليهم قبل سنوات 

***


وفي منزل المشعوذ ، سأله القسّيس :

- بصراحة لم أفهم إيجابية برج العقرب ! فماذا أخبرتك الشياطين ؟ 

المشعوذ : قالوا إن لديه القدرة على التخطيط للمدى البعيد ، وامتلاكه لحدسٍ قويّ 

- جيد انك قمت بالجلسة قبل فوات الأوان ، فهذا الشهر كان متعباً للغاية 

المشعوذ : يبدو إن العقرب كالإعصار المفاجىء ، لا تدري متى يغضب ويثور !

- أتظن إن الملك سيصدر قراراً آخر ، يصدمنا به ؟  

المشعوذ : دعنا نأمل أن ينتهي الشهر على خير ، دون جرائمٍ وحوادث جديدة

***


وتبدلّت الأحوال تماماً مع قدوم شهر 12 ، برج القوس.. 

فالأجواء المرحة عمّت البلاد ، لتعلو معها الضحكات الخارجة من المحال والمنازل .. وتسابق الجميع على إطلاق النكات ، كأنهم تحوّلوا لمهرّجين!  

ورغم السعادة العارمة التي اجتاحت الشعب ، إلاّ أن ذلك لم يُعجب رؤساء المعامل والمزارع الذين اشتكوا للوزير من قلّة مسؤولية العمّال الذين صاروا يملّون بسرعة ولا ينفّذون وعودهم ، وهمّهم الوحيد هو إمضاء اوقاتاً سعيدة مع زملائهم ورفاقهم !


وانعكست الأجواء على الملك الذي أهمل مجلس وزرائه ، وصار يقضي جلّ وقته بالغناء والرقص مع جواريه !

***


في مكتب الكنيسة ، تحدث القسّيس مع تلميذه والمشعوذ بالموضوع 

الراهب : هذا البرج جعل الأغلبية لا يتحمّلون المسؤولية ! 

القسّيس : لا يمكننا إكمال الشهر بهذه الطريقة المستهترة ، فالمزارع والمواشي بحاجة لتركيزٍ وجدّية في العمل 

المشعوذ : أتطلبان مني إظهار الوجه الآخر للبرج ؟

الراهب : نعم ، نريد رؤية إيجابياته

المشعوذ : اذاً سأبدأ الجلسة حالاً

***


وبطلوع الفجر ، إنتشرت روح المساعدة بين الناس ! فالقويّ يساعد الضعيف .. والغتي يُنفق ماله على الفقير ببذخٍ وكرم .. وتصالح جميع المتخاصمين ..


وهذا انعكس على البلاط الملكي بعد الصلح الذي حصل بين زوجة الملك ووصيفاته ! كما انتشر روح التعاون بين الحاشية والجنود 

***


في الكنيسة.. 

الراهب بارتياح : إيجابيات القوس رائعة على المجتمع

المشعوذ : هذا صحيح ، وهو برجٌ سهل لم يتعبني بالجلسة الشيطانية

الراهب : معلمي ! لما لا تتكلّم ؟ هل يقلقك شيء ؟!

القسّيس : إنتهى العام ، وفي الشهر القادم سنعود لبرج الجدي العنيد

الراهب : أتظن لعنة الأبراج ستستمرّ للأبد ؟!

القسّيس : أتمنى لا ، فالأمر متعبٌ للغاية

المشعوذ : ومتعبٌ لي ايضاً ، فجلسات الشعوذة تُرهق صحتي وأعصابي

فتنهّد القسّيس بضيق : سنعرف الإجابة في شهر 1 

***


وفي الوقت الذي احتفل فيه الإنجليز بسعادة لقدوم العام الجديد ، كان الرجال الثلاثة قلقين من يوم الغد ..

لكنه مرّ بشكلٍ طبيعي ، حيث احتفظ كل شخصٍ بطباعه الأصلية ..فالبخيل ظلّ بخيلاً ، والغني بقيّ متسلّطاً ، والطيب حافظ على اخلاقه الحسنة 

فعلم القسّيس وتلميذه والمشعوذ إن لعنة المنجّم البابليّ ، إنتهت بنهاية العام 

وحينها قرّر القسّيس بيع كتابه في الأسواق الذي ذكر فيه : الصفات الإيجابية والسلبية لمواليد كل شهر ، حسب الأبراج 12 .. 


ولكيّ ينشره بين الناس (الذين لا يعلمون شيئاً عن علم التنجيم) أرسل مساعديه الى الساحات للإعلان عن كتابه الذي يتضمّن شروحات مُفصّلة للأحداث الغريبة التي مرّوا بها العام الماضي ، والتي أثّرت على الجميع.. 


فتسارع المتعلّمون لشراء الكتاب ، وقراءته امام الجهلاء الذين اندهشوا من تطابق صفاتهم مع البرج حسب ميلادهم !

حتى باتت الناس تسأل بعضها عن برجها وصفاتها ، قبل أيّ موضوعٍ آخر ! وتصادق أصحاب البرج الواحد ، لتشاركهم الصفات والطباع الرئيسية ذاتها .. 


ومع إنتشار الكتاب ، ذيع صيت القسّيس الذي أخبرهم أن الأبراج من تأليفه لعلمه الوافر بالتنجيم ، مُستغلاً إعدام المنجّم البابليّ بجلسةٍ سرّية (حضرها هو والملك والسيّاف فقط) لهذا لم يشكّ احد بالموضوع .. 


وقد أطلق على الأبراج 12 مُسمّى الأبراج الغربية الشهريّة ، لتفريقها عن الأبراج الصينية المعتمدة على حساب السنوات ، التي لا يعلمها سوى المثقفين القلائل في زمن العصور المظلمة !  

***


وفي منزل الغابة ، سأله المشعوذ : 

- الا تشعر بالذنب لنسب العلم اليك ؟

القسّيس : وهل غريب على الإنجليز سرقة مجهودات غيرهم ؟

وابتسما بخبث !  


لانش بوكس المدرسي (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة  الحفاظ على النعمة داخل الثلاجة .. تنهّدت نصف شطيرة الجبنة بحزن :  - أخشى ان ينتهي أمري في سلّة النفايات ، فلا أحد يُكم...