الأحد، 30 يوليو 2023

الغفران الأخير

تأليف : امل شانوحة 

الخصام الأبديّ


- لا !! لا اريد دخول النار

- اذاً إحصلي على مسامحة كل من أذيتهم في حياتك 

- وهل أذيت الكثيرين ؟!

- انت وحدكِ تعرفين الإجابة .. معك اسبوعاً واحداً قبل قبض روحك 


إستيقظت زهرة (الستينيّة) مرتعبة من كابوسها ! فعزرائيل الذي رأته في منامها أمهلها اسبوعاً قبل حرقها بالنار ، وهذا يعني انها ستموت بعد ايام ..


وعلى الفور !! بدأت تسترجع ذكرياتها مع الأقارب والأصدقاء : 

- حسناً سأبدأ بذنوبي القريبة ، فذاكرتي ضعيفة .. بعدها أستذكر الماضي


وكان أقرب ذنبٍ إقترفته : هو رفضها الإعتناء بحماتها العاجزة قبل سنتين ، عقب منع زوجها إحضارها الى منزلها 


فلبست على عجل مُتوجهةً الى دار المسنين ، للحصول على مسامحة وغفران حماتها (90 عاماً).. 

***


اثناء جلوسها في سيارة الأجرة ، تساءلت في نفسها :

((ترى هل ستتذكّرني ؟! فهي تعاني من الزهايمر .. أيعقل ان تكون غاضبة مني لإجبار ابنها الوحيد على وضعها هناك ؟.. ما ذنبي ان كانت الحياة معها صعبة ، فهي فضوليّة للغاية .. وتدخّل بشؤون المنزل ، مما يضايقني كثيراً .. لا أظنني اخطأت بحقها ، فلست صبيّة للإعتناء بها ..))


وقبل طلبها من السائق إعادتها الى منزلها (بعد تغيّر رأيها) سمعت صوتاً في اذنها ، يُشابه صوت عزرائيل في المنام :

- بقيّ اسبوعٌ واحد !!

فانتفض جسمها رعباً .. 

والتفت اليها السائق :

- هل انت بخير ؟

وهي تحاول إلتقاط انفاسها : 

- رجاءً إسرع ، اريد رؤية حماتي قبل خسارة فرصتي الأخيرة

ورغم عدم فهم السائق ما تقصده ! الا انه أوصلها سريعاً الى هناك

***


توجهت زهرة الى غرفة حماتها ، بعد ان أخبرتها الممرّضة بأنها في ايامها الأخيرة

وجلست امام سريرها ، وهي تمسك بيدها : 

- هل تسمعينني يا خالة ؟.. انا زهرة ، كنّتك الوحيدة 

لكن العجوز لم تستيقظ ! فأكملت زهرة كلامها : 

- كنت اريد الإعتناء بك ، لكني لم استطع .. فظهري يؤلمني كثيراً ، ولا يمكنني تنظيفك .. ارجوك سامحيني .. لا ادري ان كنت سأموت قبلك .. أتمنى أن لا تكوني غاضبة مني

ففتحت العجوز عينيها ببطء .. وما أن رأتها ، حتى صرخت بفرح :

- سعاد !!


فاستغربت زهرة ! لأن سعاد هي اخت زوجها التي ماتت بعمر العاشرة بحادث سير ، فلما تناديها بإسم ابنتها المتوفاة ؟!

- لا يا خالة .. انا زهرة

العجوز بإصرار : لا !! انت سعاد .. حبيبتي ، اشتقت اليك


وحاولت شدّها اليها ! فلم يكن امام زهرة إلاّ الإقتراب من حماتها التي حضنتها بقوة وهي تبكي بمرارة :

- حبيبتي سعاد ، لا تعلمين كم الحياة بائسة من دونك 

ففهمت زهرة إن حماتها فقدت ذاكرتها تماماً ، لهذا لم تجد مانعاً من مجاراتها : 

- كيف حالك امي ؟

العجوز باكية : لا تدرين كم اشتقت اليك ، يا ابنتي

- وانا ايضاً


وصارت العجوز تحدّثها عن ذكرياتها الماضية .. وكيف كانت تمشّط شعرها الطويل قبل ذهابها للمدرسة .. وعن مشاكلها البريئة مع اخيها (زوج زهرة)


فقبّلت زهرة يد حماتها وهي تُشفق عليها ، لشوقها الكبير لإبنتها الراحلة .. وفي نفس الوقت أحسّت بحنان أمومتها التي لم تشعر به من قبل ! فهي منذ زواجها عاملتها بحذر ، ولم تفكّر يوماً بمعاملتها كأمٍ ثانية .. وشعرت بالحسرة لأنها خسرت سنواتٍ طويلة بجفائها لحماتها التي تبدو حنونة في لحظاتها الأخيرة !


وظلّت معها .. الى أن سكتتّ العجوز فجأة ! .. ثم نظرت للسقف وهي تقول بدهشة:

- سعاد ! كيف تطيرين فوقي ، وتجلسين بجانبي بنفس الوقت ؟!


ففهمت زهرة بأن حماتها تحتضر .. فأسرعت بالإتصال بزوجها ، لترك عمله والقدوم سريعاً لوداع امه ..


ووصل زوجها سريعاً للدار ، وهو متفاجئ من وجود زوجته هناك ! والتي تركته بمفرده مع امه قرابة ساعة ، الى أن فارقت الحياة  .. 

***


بعد انتهاء العزاء ، قالت زهرة بقلق : 

- يا الهي ! تأخّرت ثلاثة ايامٍ بالعزاء .. ومازال هناك اشخاص اخطأت بحقهم ، وعليّ طلب الغفران منهم .. مثل كنّتي التي أتعبتها كثيراً ، لتعلّقي الشديد بإبني (الكبير) .. عليّ الذهاب لمنزلها ، لطلب السماح منها

***


في الصباح الباكر .. تفاجأت الكنّة بزيارة حماتها زهرة التي قاطعتها منذ اربع سنوات ، عقب شجارٍ سخيف على تربية الحفيد ! 

زهرة : إسمعيني يا ابنتي .. بعد موت حماتي ، شعرت بخطأي اتجاهك ... فليس من حقي التدخل بينك وبين ابني .. لأني ايضاً أبعدّت زوجي عن امه ، ولا يجوز فعل الشيء ذاته معك .. ارجوك سامحيني ، فأنا أشعر بقرب أجلي.. 

الكنّة مقاطعة : لا تقولي هذا ! فأنت بالستين من عمرك ، يعني مازلتِ في قوتك 

- صدّقيني يا ابنتي .. أشعر ان الحياة لا قيمة لها ، دون الغفران بيننا .. رجاءً سامحيني على تدخلاتي بحياتك ..ولن أخرج من بيتك ، قبل سماعي ذلك

فأمسكت يد حماتها : مُسامحة يا حماتي دنيا وآخره

فحضنتها زهرة ، وهي تشعر بالراحة بعد نجاح مهمّتها الصعبة

***


عادت زهرة الى منزلها وهي تفكّر بأخطائها الماضية .. ثم اتصلت بإبنها الصغير ، لتطلب منه زيارتها في المساء


وعلى طاولة العشاء ، فاجأته بالقول : 

- انا موافقة على زواجك من زميلتك

ابنها بصدمة : أحقاً امي ! ألم ترفضي ، لأن عائلتها لا تناسبنا ؟! 

زهرة : صحيح .. يومها تعدّيت عليها بألفاظٍ جارحة ، مع ذلك لم تردّ الإساءة لي ، وهذا يدلّ على حسن تربيتها .. سأتصل بأمها الآن لتحديد موعد خطبتها ، ويُفضّل أن يكون غداً 

زوجها بصدمة : غداً ! لما هذا الإستعجال ؟ 

زهرة : لأنه لا وقت لديّ 

ورغم عدم فهم زوجها ما تقصده ! الا ان ابنها حضنها بارتياح : 

- امي الغالية !! 

(وقبّل رأسها ، بعد ان كانت فرّقته عن حبيبته لسنتين)

***


عادت زهرة مساء اليوم التالي وهي تتنفّس الصعداء ، بعد إتمام خطبة ابنها الصغير الذي تركته يُكمل سهرته مع عائلة خطيبته 


وقبل نوم زهرة ، قالت لزوجها : 

- أتمنى ان لا تكون غاضباً مني 

- ولما أغضب بعد جمعك الحبيبين ؟ هل رأيتهما سوياً ؟ بديا كطائريّ الحب 

زهرة : نعم ، أتمنى لهما السعادة الدائمة .. (ثم أمسكت يد زوجها) ..رجاءً أتمّ زواجهما بعد رحيلي

- لا تقولي هذا ! فمازلتِ يافعة

- فقط عدّني بذلك

زوجها : أنت سترين عرسهم ، وعرس اولادهم .. لا تقلقي بهذا الشأن 

فقالت بنفسها بضيق : ((أنت لا تعلم ما ينتظرني))

^^^


في تلك الليلة ، شاهدت مناماً لعزرائيل يقول :

- مازال هناك امرأة تكرهك كثيراً ، ولن تدخلي الجنة قبل مراضاتها

- من هي ؟

- هي تقف هناك

ولمحتها من بعيد .. 


قبل استيقاظها وهي تقول :  

- كانت لديها وحمة على وجهها.. آه نعم ! تذكّرتها .. اميرة .. الطالبة في مرحلة الإبتدائي التي استهزأت كثيراً من فقرها .. يا الهي ! كيف سأعثر عليها خلال يومين فقط ؟!

***


في اليوم التالي .. أمضت زهرة نهارها كلّه ، وهي تجري الإتصالات بزميلاتها القدامى .. الى ان حصلت اخيراً على رقم اميرة


واتصلت بها في ليلتها الأخيرة (من مهلة الإسبوع) وهي تقول :

- الو اميرة .. كيف حالك ؟

- من معي ؟!

- زهرة .. زهرة الجوهري .. كنت معك بمرحلة الإبتدائية..

- آه نعم ! تذكّرتك .. ماذا تريدين ؟ 

زهرة : اريد الحصول على غفرانك ، لتنمّري عليك.. 

اميرة مقاطعة : تنمرّك فقط ! أنسيتي كيف دمّرتي حياتي ؟ 

زهرة بصدمة : دمّرت حياتك ! كنا اطفالاً .. واستهزأت من ملابسك المهترئة ، هذا كل شيء !


اميرة بقهر : وماذا عن إشاعتك التي نشرتها بالمدرسة ؟ بأنك رأيتني راكبة خلف شابٍ على درّاجته الناريّة .. ووصل الخبر لأبي الذي ضربني بعنف .. ثم سحب ملفّي من المدرسة ، ومنعني من إكمال دراستي .. وزوّجني صديقه ، ظنّاً بأنني على علاقةٍ محرّمة .. وزوجي الحقير !! أكّد إشاعتك ، بعد إخباره ابي إنه ستر عليّ بليلة العرس ، رغم انني كنت فتاة بريئة ! وبذلك خسرت احترام والدي الذي قاطعني حتى وفاته ! وبقيت زوجة اللعين ، الى ان توفيّ بعد بلوغي سن الأربعين.. وحرمني الأمومة لعقمه .. والآن بكل وقاحة تطلبين الغفران ؟ لن اسامحك لا دنيا ولا آخره .. وأتمنى ان تحترقي بالجحيم !!


وأغلقت الهاتف ، تاركةً زهرة بصدمةٍ كبيرة ! فما قالته عن الشاب ، كان على سبيل المزاح .. ولم تعرف ما حصل بعدها .. وظنّت ان اميرة انتقلت لمدرسةٍ اخرى ، دون علمها بتدمير حياتها !


وظلّت زهرة تبكي طوال الليل ..الى ان توقف قلبها اثناء نومها ، لترى عزرائيل يقول :

- لن تري الجنة لفترةٍ طويلة .. 

ثم سحب قدميها بعنف ، باتجاه الجحيم ! 


الجمعة، 28 يوليو 2023

الغميّضة الأبديّة

تأليف : امل شانوحة 

 

اين اختبأتم ؟!


- هيا أدرّ ظهرك ، وعدّ للرقم ١٠٠

- أحفظ للرقم ٣٠ فقط !

- يا رفاق !! اخي لم يتمّ السادسة بعد

- اذاً عدّ للرقم ٣٠ ، لكن ببطء .. حتى نستطيع الإختباء جيداً


وما أن بدأ العدّ وهو مُغمض العينين ، حتى تراكض أصحاب أخيه الأكبر (بين ٨ و١١ سنة) في ارجاء الزقاق الضيّق ، في حيّهم الشعبيّ..


بعد ثواني ، صرخ الولد بحماس : 

- إنتهيت !! سأبحث عنكم


وأول شيءٍ لاحظه بعد فتح عينيه هو الدهان الجديد لجدار الزقاق القديم ، وتغيّر المنازل على جانبيه ! 

فالبقالة الصغيرة الموجودة بطرف الشارع ، أصبحت ميني ماركت .. مما جعله يقف مذهولاً امام البطاطس المختلفة المعروضة خارج المحل ، التي لم يرها من قبل!


اما المنزل العربيّ القديم ، فقد تحوّل لمبنى كبير.. ومنزل العجوز الفضوليّة (كما يلقّبها الصغار) فصار محل ملابس من طابقين ! حتى نوعيّة السيارات وملابس المارّة تغيّرت بشكلٍ ملحوظ.. 

مما أرعب الصغير الذي لم يتزحّزح عن مكانه ، فكيف تغيّر العالم من حوله بأقل من دقيقة ؟! 

فصرخ بأسماء اصدقاء أخيه ، والدموع في عينيه :

- اين انتم ؟!! لا اريد اللعب بعد الآن.. هيا إخرجوا من مخبائكم!! 


ثم نادى على أخيه الأكبر :

- منير !! اين انت ؟ ارجوك أعدني الى بيتي

لكن لم يظهر أخوه ولا رفاقه ! حتى الناس لم تلتفت اليه ، رغم صراخه بعلوّ صوته


وحين يأس من مساعدة احدٍ له ! إستجمع قواه ، محاولاً تذكّر الطريق الذي مشى فيه مع أخيه قبل وصولهما للزقاق الضيّق للعب الغميّضة


ورغم تغيّر الشوارع من حوله ، إلاّ انه قفز فرحاً بعد رؤية عمارته التي باتت قديمة بعض الشيء ! .. مُلاحظاً إزالة معظم الشققّ لستائرها البلاستيكية ، وإغلاق شرفاتهم بالزجاج العازل السميك..


لكنه تنفّس الصعداء فور دخوله المبنى الذي مازال مدخله كما هو ، بأدراجه المتهالكة التي صعد عليها سريعاً الى الطابق الرابع (لتذكّره بأن منزله هناك)


وتأكّدت شكوكه فور رؤيته لرجلٍ يخرج من الشقّة ، بدى كوالده ! وإن كان الشيّب ملأ رأسه ، كما لحيته التي أطالها أكثر من عادته  

ولأنه لم يسمعه يناديه كبقيّة الناس ، إستغل شقّ الباب للدخول الى منزله الذي تغيّر أثاثه تماماً ! فلم يعد هناك الصالون الأحمر الكبير بطاولاته الزجاجيّة ، بل استبدل بكنبٍ جديد ! 


فتوجّه للمطبخ .. ليجد امه تطبخ هناك بوجهٍ بائس ، كأنها نسيّت الفرحة منذ سنوات ! فهزّ طرف فستانها وهو يناديها بشوق ، لكنها لم تلتفت اليه ! 


فأكمل سيره نحو غرفته ، ليتفاجأ بتحوّلها الى غرفة طعام : 

- اين سريري ؟ لما أزالوه ؟! اين سأنام الآن ؟


ثم دخل غرفة أخيه ، ليجده يكتب على الحاسوب (الذي لم يرى مثله في حياته) وبدى مراهقاً في مرحلة الثانوية .. وكان مشغولاً بطباعة واجب التعبير الذي بدأ بقراءته بصوتٍ مسموع ، قبل إرساله لإيميل استاذه.. 


ماسحاً دموعه ، قبل قوله بقهر :

((كلّه بسببي !! ما كان عليّ أخذ أخي الصغير الى ذلك الزقاق الضيّق.. تركته وحده يعدّ الأرقام التي حفّظته إيّاها للعب الغميّضة اللعينة مع أصدقائي ، دون علمي بأن هناك شيطانٌ بشريّ يتربصّ بنا ! إستغلّ ابتعادنا عنه ، لوضع قماشة المخدّر على انفه الصغير ، وأخذه فوق درّاجته الناريّة الى مكان مجهولٍ ..يومها بحثت عنه مع رفاقي في كل مكان ، وكذلك فعل والدايّ والشرطة طوال شهرين .. الى ان وجدوا جثته في مكانٍ مهجور .. حيث خلا جسده المُتحلّل من كليّتيه وقلبه الطيب ، بعد وقوعه ضحيّة عصابة لبيع الأعضاء ! .. أظن روح اخي مازالت تلعب الغميّضة حتى الآن ، وتبحث عني وعن رفاقي في زوايا الحيّ القديم.. سامحني يا أخي الصغير ، سامحني يا صديقي الوحيد)) 


فنزلت دموع الولد بعد معرفة ما حصل له.. وقبل ضمّه اخاه المنهار بالبكاء ، رأى نوراً امامه يقول :

- هل اكتفيت من اللعب ؟

فأومأ الصغير برأسه إيجاباً ، بحزن..

النور : اذاً هات يدك

الولد : هل سنذهب للجنة ؟

- نعم ، فجدك ينتظرك هناك


وما أن مدّ يده للنور ، حتى اختفى .. تاركاً عائلته تعاني فقدِ شغفهم للحياة ، بعد خسارة روحهم بمقتله الوحشيّ الظالم !


الأربعاء، 26 يوليو 2023

الإمام البطل

تأليف : امل شانوحة 

سرقة المصاحف !


تشاجر شيخٌ مع زوجته تلك الليلة .. ولشدّة غضبه ، بات في المسجد المسؤول عنه..

وفي آخر الليل .. خرج من دورة المياه ، ليسمع حركةً مُريبة داخل المُصلّى ! 


فأنار الضوء .. ليجد شخصاً مُقنّعاً يسرق المصاحف ، ويضعها بحقيبةٍ على ظهره ! 

وفور رؤيته إمام الجامع ، حاول الهرب من النافذة.. 


وتمكّن الشيخ الّلحاق به .. وضربه بعصاه بقوةٍ ، أوقعته ارضاً ! 

فصرخ اللصّ بخوف : رجاءً لا تضربني !!

الشيخ بعصبية ، وهو يهدّد بعصاه : 

- أزلّ قناعك ، واخبرني عن سبب سرقتك المصاحف ؟!


وما سمعه الشيخ ، كان صدمةً مخيفة ! 

((فهذا الرجل يعمل ضمن جمعيّةٍ سرّية تضمّ عشرات الّلصوص المحترفين الذين استطاعوا سرقة آلاف المصاحف من الجوامع دون ملاحظة أحدٍ اختفائها ، لانشغال الناس بهمومهم اليوميّة ! 


ليس هذا فحسب .. فالسرقات حصلت بالعديد من الدول الإسلاميّة حول العالم ، بالتزامن مع إقفال الحكومات لجميع دور النشر .. عُقب إتلاف جرثومةٌ إلكترونيّة العديد من المواقع الدينيّة على الإنترنت ! بتوجيهاتٍ من ابليس الذي أعطى اوامره لرؤساء الماسون بتنفيذ خطته بحذف جميع الكتب السماويّة ، خصوصاً القرآن ! 

ذلك بعد إغلاق الحكومات لمدارس تحفيظ القرآن ، بحجّة قساوة الأساتذة الذين اختاروهم مُسبقاً لهذا الغرض ، لتكريه الأطفال بالدين.. 


كما حُذفت المناهج الدينيّة من المدارس والجامعات ، فلم يعدّ بإمكان حاصليّ تلك الشهادات على التوظّف في أيّ مكان !

بالإضافة لإشغال العرب بالأحوال الإقتصاديّة المُترديّة ، مع ترخيصهم لأسعار متع الحياة الأخرى : كالإنترنت القذر المجانيّ ، ودور الملاهي والبارات .. والنساء الرخيصات اللآتي أصبح سعرهنّ أرخص من المواد الغذائيّة ، لإفساد الشباب ! 


بل وبنيّت المولات وصالات الأعراس والملاعب بمواجهة المساجد ، لإلهاء الناس عن الدخول اليها ! حيث اقتصرت الصلوات على الإئمّة مع صفّ او صفّين من المصلّين العجائز ، بعد أن كانت المساجد تُملأ بالمصلّين قديماً.. 


عدا عن إشغال الناس بأفضل المسلسلات والأفلام في رمضان ، لإلهائهم عن صلاة التراويح والتهجّد.. 


والآن بدأت المرحلة الأخيرة من خطتهم الخبيثة : وهي سرقة المصاحف من المساجد ، دون إثارة البلّبلة !)) 


فجنّ جنون الإمام من كلام السارق الذي سجّله بجواله (دون علمه) .. قبل إطلاق سراحه ، لعلمه مُسبقاً بتجاهل الشرطة لبلاغه ! 

***


لاحقاً ، قام الشيخ بنشر إعتراف اللصّ بجميع وسائل التواصل الإجتماعيّ.. 

ليتفاجأ بحذف منشوره من قبل مسؤولي الإنترنت الذين يراقبون حسابات رجال الدين والمصلحين في البلد على مدار الساعة ! 


فلم يعد امامه سوى استخدام مُكبّر الصوت لجامعه ، لإخبار المارّة والمتسوقين (بالمحلّات القريبة) بالمصيبة التي يُخطّط لها .. 

وبالفعل استطاع لفت انتباههم ، حيث دخل الرجال الى الجامع ليتحقّقوا بنفسهم من إختفاء المصاحف !


ثم طلب الشيخ منهم : التكفّل بنسخ مصحفه (الذي يحتفظ به) ونشره مجدداً على كل منزلٍ في بلدته والمناطق المجاورة.. 

***


بعد جمعهم المال الكافي للطباعة ، لم يجدوا دور نشرٍ واحدة تفي بالغرض 

لهذا تطوّع بعض الشباب بطباعة كل واحدٍ منهم ، جزءاً من القرآن على حاسوبه .. ثم نسخه ضمن ملفٍّ ورقيّ .. وإعطاء نسخة لكل منزلٍ في منطقتهم .

***


ووصل فعل الشيخ البطوليّ للدول العربية المجاورة الذين قاموا بالشيء ذاته .. وبهذا استطاعوا نشر المصاحف من جديد .. 

حيث تطوّع كل شيخٍ بحلقة تحفيظ القرآن في منزله بالمجّان.. 

وبذلك أفشلوا خطّة الماسون بإلغاء المصاحف..

***


وفي خطبة الجمعة .. إكتظّ المسجد بالمصلّين ، لسماع خطبة الشيخ البطل الذي أفشل خطتهم المستفزّة !  

وبعد إخبارهم بأهميّة التمسّك بالدين .. والتهائهم بأمور الدنيا عن الآخرة .. ختم خطبته بكلمةٍ أرعبتهم :

- هذه مرة أفشلنا خطّتهم بإلغاء ديننا.. لكن يوماً ما سينتصرون ، وسيُرفع القرآن من الصدور والمصاحف ، فهي من علامات الساعة.. فاحذروا أن يكون هذا في زماننا .. حفّظوا اولادكم القرآن ، وداوموا على قراءة جزءٍ كل يوم.. فلا خير فينا إن هجرنا مصحفنا.. فإبليس لن يهدأ قبل إزالته من قلوبنا.. وتأكّدوا أن مؤامرة اعوانه لن تنتهي ليوم الدين.. 


ورفع مصحفه عالياً ، وهو يقول :

- ما نفع حياتنا من دونه

ثم قبّل المصحف ، وسط تكبير المصلّين الذين دعوا الله بحماية دينهم من نوايا الماسون الأشرار !


الاثنين، 24 يوليو 2023

تبادل الطلبة

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

القبو المخيف


في برنامجٍ صيفيّ لتبادل الطلبة ، بغرض اكتشاف ثقافات الدول .. إنتقلت الطالبة الأمريكيّة (جاكلين) الى بلدةٍ عربيّة لمدّة اسبوع.. قامت فيه صديقتها (جنى) بأخذها للأماكن السياحيّة في بلدتها ، وتعريفها على المأكولات الشعبيّة العربيّة.. ومن بعدها جاء دور جنى للسفر الى منزل جاكلين في اميركا.

***


بعد وصولها .. إكتشفت ان جاكلين هي الإبنة الوحيدة لأبيها الذي تعيش معه ، بعد هرب امها مع عشيقها ! 

وبعد ترحيب الأب بها ، صعدت الى غرفة جاكلين (بالطابق العلويّ) لترتيب اغراضها

***


في المساء ، وبعد استيقاظ جنى على كابوسٍ مُفزغ .. سمعت طرقاً قادماً من الأسفل ، مع صرخةٍ خافتة أرعبتها ! 

فأيقظت جاكلين وهي تسألها عن مصدر الضوضاء.. فأجابتها بصوتٍ نعس: 

- ربما جارنا يُشاهد فيلماً مرعباً ، كعادته كل مساء

***


في اليوم التالي .. إستقبلها والد جاكلين قبل ذهابها مع ابنته الى مطعمٍ مشهور في منطقتهم ، وهو يسألها :

- هل نمتي جيداً ؟


وكان يبدو من عينيه انه سهر طوال الليل ، وهناك خربشة على ذراعه لم تكن موجودة البارحة !

جنى : نعم ، كل شيء على ما يرام


قالتها على عجل ، قبل خروجها من المنزل برفقة ابنته .. فهناك شيئاً غير مريح بنظرات الأب لها !

***


في الأيام التالية .. لمحت جنى صديقتها جاكلين عدّة مرات وهي تتهامس مع والدها في المطبخ ، كأنهما يُخطّطان لشيءٍ سرّي ! 

لكنها لم تردّ التطفّل عليهما ، او الإقتراب من الأب الذي شعرت بارتباكه عندما أخبرته عن ترابط عائلتها الكبيرة .. 

حيث قال ، وهو ينظر لإبنته بعتاب :

- بالعادة صديقات ابنتي من والدين منفصلين ، او مهمّشات بين افراد عائلتهم !


واستغربت جنى ضيقه من علاقتها الجيدة بوالديها ، ومراسلتها لهما كل يوم .. 

مُبرّراً ذلك : بعدم إعطائها الحريّة الكافية ! رغم سماحهم بسفرها وحدها ضمن البرنامج الجامعيّ 

***


في اليوم الرابع .. إستيقظت جنى في العاشرة صباحاً ، لتجد رسالة على جوالها من جاكلين : تعتذر فيها عن ذهابها باكراً لرؤية صديقها ، وأنها ستعود ظهراً للذهاب معها الى المتحف (كما وعدتها) ..


وعندما نزلت جنى الى المطبخ ، لم يكن الأب موجوداً .. 

وهذه المرة ، لاحظت مفتاحاً مُعلّقاً بشريطٍ على باب القبو (الذي عادةً مُقفل)! 

فشعرت بالفضول لاكتشافه ، لشكّها أن تلك الضوضاء المزعجة (التي سمعتها في ليلتها الأولى) قادمة من هناك..


وبعد اضاءة جوالها ، نزلت الأدراج المُعتمة .. لتُفاجأ بغرفةٍ حمراء من حيث لون الجدران والسرير الكبير ، بأصفاده الزهريّة المُعلّقة على طرفيه.. بالإضافة لكاميرا كبيرة ، موضوعة في مواجهة السرير !

عدا عن السوط المُعلّق على الجدار ، مع مجموعة ادواتٍ مخيفة يستخدمها الساديّون في علاقتهم المنحرفة مع النساء ! 

كما عبِق القبو برائحةٍ مثيرة للغثيان ، كرائحة العرق والدم .. مُختلطة برائحةٍ قويّة للمبيّضات التنظيفيّة !


وبعد سماعها لسيارةٍ تقترب من المنزل ، أسرعت بالخروج من القبو.. وأقفلت الباب ، ثم أعادت تعليق شريط المفتاح بالمسمار الكبير


وقبل صعودها للطابق العلويّ ، سمعت الأب يقول (بعد لمحه المفتاح يتأرجح في مكانه) :

- هل نزلتي للأسفل ؟

فردّت جنى بارتباك :

- لا ابداً !! .. ابنتك خرجت قبل قليل ، ألم ترها ؟ نزلت لإحضار شيءٍ من القبو .. المهم أخبرتني انها ستعود بعد قليل


وأسرعت الى فوق .. وأقفلت باب غرفتها ، خوفاً من الرجل غريب الأطوار !

وأخرجت ملابسها من الخزانة لترتيبهم في حقيبتها ، بنيّة الهرب من المنزل المشبوه.. 

^^^


بعد دقائق ، سمعت طرقاً على بابها ! فارتعبت بأنه لحقها ..

لكنها تنفّست الصعداء ، بعد سماعها جاكلين تقول :

- لما تقفلين الباب ؟!

ففتحت لها ، وهي تتصنّع الإبتسامة :

- قريبتي اتصلت قبل ساعة ، وتريدني ان أزورها .. فمنزلها لا يبعد كثيراً من هنا ..

فقالت جاكلين ، وهي تشير لملابس جنى المرمية على السرير :

- لم تخبريني إن لك أقارب في اميركا ! .. على كلٍ ، زوريها متى تشائين .. لكن لا داعي لحزم أمتعتك ، فمازال هناك ٣ ايام على سفرك 

جنى وهي تحاول إخفاء رعبها : 

- كنت فقط أصنّفهم ، لأخذ الملابس الوسخة الى محل الغسيل الذي دليّتني عليه البارحة


فاقتربت منها جاكلين ، وهي تقول : 

- أخبرني والدي انك نزلتي القبو ، فهل هذا سبب ارتباكك ؟

- لا !! لم إنزل..

مقاطعة : عزيزتي جنى.. هو يعلم انك تكذبين ، لأني عادةً لا أتدخل بعلاقته مع صديقته التي تهوى تلك الأمور الغريبة.. ولا داعي من الخوف ، فوالدي لا دخل له بصديقاتي

جنى بحزم : كما أخبرتك !! عليّ زيارة قريبتي التي ستأتي لأخذي بعد قليل 

- إذاً لا تذهبي قبل تناول الشطائر الذيذة التي أحضرتها لك

- حسناً ، سأنتظرك هنا

^^^


نزلت جاكلين الى المطبخ ، وهي تهمس لوالدها بعتاب :

- لما تركت مفتاحك ، وانت تعرف بوجود غريبةٍ بيننا ؟!

الأب : كنت ثملاً ، ونسيت وجود صديقتك في منزلنا

- اذاً ضعّ المخدّر في الشطيرة حالاً ، فقد انكشف سرّنا


ولم تعلم جاكلين بهروب جنى من الباب الخلفيّ للمنزل ، وهي تحمل حقيبة الظهر التي فيها حاسوبها وجوالها ، بعد ترك ملابسها وبقيّة اغراضها بالغرفة .. 

وكانت محظوظة بإيجاد سيارة أجرة فور وصولها للشارع العام ، لأخذها سريعاً للمطار


وما أن لاحظت جاكلين إختفاء جنى ، حتى صرخت لوالدها بفزع :

- علينا الهرب سريعاً ، فقد فشلت خطتنا يا ابي !!

الأب بعصبية : كلّه بسببك !! أردّت إنزالها للقبو منذ يومها الأول ، لكنك رفضّتي !

جاكلين : هي عاملتني جيداً عندما كنت في بلدها ، وأردّت ردّ الجميل طوال الأسبوع.. مع نيّتي التخلّص منها في يومها الأخير.. (بعصبيّة).. ثم لا ترمي الحقّ عليّ !! فأنت من تركت مفتاح القبو مُعلّقاً امامها !

- لا وقت الآن للعتاب ، دعينا نزيل الأدلّة فوراً

- ألن نهرب ؟!

الأب بضيق : الى اين ؟!! اساساً المنزل بإسمي ، وسيقبضون عليّ أينما ذهبت.. هيا إنزلي معي ، لمساعدتي بتنظيف الآثار المتبقيّة من جرائمنا السابقة 

ونزلا سريعاً للقبو..

***


في هذه الأثناء ، إتصلت جنى بالشرطة فور وصولها المطار .. وأخبرتهم عن الصرخة القادمة من القبو المشبوه ، وأعطتهم العنوان..


وخلال تحليق طائرتها ، قبضت الشرطة على جاكلين ووالدها بعد عثورهم على جثة امرأتين مُقطّعتين في خزانة القبو ! مع عشرات الفيديوهات التي أظهرت الأب وهو يقوم بالإعتداء العنيف على شاباتٍ إستدرجتهنّ ابنته الى منزله ! 

ثم بيعه تلك الفيديوهات في الإنترنت المظلم ، مقابل مبالغ كبيرة.. اما الجثتين ، فهما لفتاتين حاولتا الهرب .. فطعنهما حتى الموت ! وباع فيديو جريمته الوحشيّة وتقطيعهما في حمام القبو الى ثريٍّ مُنحرف.. 


وبذلك أُحيل الأب وابنته الى المحاكمة .. بينما وعدت جنى والديها بعدم سفرها وحدها تحت أيّ برنامجٍ لتبادل الطلبة ، بعد هربها من الموت تحت التعذيب بإعجوبة !


الخميس، 20 يوليو 2023

احلامٌ سعيدة

تأليف : امل شانوحة 

كرسي المول


ما أن أزال الغطاء الحديديّ لكرسي النوم ، المتواجد وسط المول.. حتى أُصيب بالرعب من ظلمة المكان ، إلاّ من بعض الإضاءة الخافتة هنا وهناك ! 

وتساءل بنفسه بقلق :

((هل نسيّني اصدقائي هنا ؟!))


وتذكّر كيف ذهب مع اصدقائه الأربعة للمول هذا الصباح لقضاء عطلة الإسبوع ، حيث تتراوح اعمارهم بين ١١ و١٣ سنة... 

وقبل ذهابهم للقسم المخصّص لألعاب الكمبيوتر .. إقترح كبيرهم عليه : النوم في المقعد المريح (بغطائه السميك الذي يمنع ضجيج المول ، مع توفّر الأكسجين داخله) وحاول إقناعه ، بعد دفعه تذكرة إستخدام الكرسي :

- لطالما أخبرتنا عن زوجة ابيك التي ترهقك بصوت ماكينة الخياطة طوال الليل ، والذي يجعلك نعِساً ايام الدراسة

فردّ الصبي بحزن : هذا صحيح

صديقه : اذاً نمّ قليلاً .. وبعد ساعة ، نوقظك للعب معنا.. 

وبعد إستلقائه داخله ، بتردّدٍ وارتباك .. 

قال له بابتسامةٍ عريضة : احلامٌ سعيدة !!


وبعد إغلاق الغطاء عليه ، ذهب الأربعة لمحل الألعاب .. وانشغلوا هناك قرابة ساعتين ، تاركين صديقهم ينام على راحته !

***


وهنا ! عاد الصبيّ لواقعه المخيف .. وقبل إسراعه للباب الرئيسيّ للمول ، سمع الحارس العجوز يناديه من بعيد :

- لا تخفّ !! سأنير المول لأجلك


وفتح الصندوق الكهربائيّ فوق مطفأة الحريق ، وأدار المقبس الرئيسيّ الذي أضاء المول بأكمله ! .. لترتفع معه أصوات الموسيقى والمكيفات .. بالإضافة لفتحه جميع ابواب المحلاّت والمطاعم .. مع تشغيله ألعاب الملاهي بكافة انواعها !


ثم قال للصغير :

- طالما والدك مُسافر ، وزوجته واولادها لن يسألوا عن غيابك.. فما رأيك لوّ نتعشّى معاً ، قبل لعبنا طوال الليل ؟

فاستغرب الولد من كلامه !

- كيف عرفت عن حياتي الخاصّة ؟!

الحارس : سمعت اصحابك يتكلّمون عنك في صالة الألعاب.. هيا بنا !! فأنا جائعٌ للغاية

الولد بإحراج : لا املك المال..

مقاطعاً : وهل ترى الباعة من حولك ؟ هيا نأكل ، ونلبس ما نريد .. وبعد اللعب والتسلية ، نتذوّق جميع الحلويات اللذيذة .. هيا !! ماذا تنتظر ؟!

^^^


إنصدم الولد بعد اشتمامه رائحة الطعام من قسم المطاعم التي وجدها مفتوحة بالكامل ! 

حيث وجد كافة الشطائر الطازجة قرب ماكينة المُحاسبة لكل مطعم ، وهي مازالت ساخنة !

الحارس : هيا إخترّ ما تشاء .. وسنتحلّى لاحقاً

^^^


ثم جلسا على إحدى الطاولات بعد إختيارهما للأصناف التي يريدانها ، حيث تناولا لقمة او لقمتين من كل نوعٍ إشتهيانه..


الصبي بعد شعوره بالتخمة :

- لا استطيع تناول المزيد

الحارس : اذاً انتظرني ريثما أحضر لك الآيس كريم


وشاهده وهو يصنع له واحدة من الماكينة المُضاءة بأحدى المطاعم السريعة!

^^^


اثناء تناولهما الحلوى ، سأل الحارس : 

- هل تعمل وحدك هنا ؟!

العجوز : بالعادة أتواجد مساءً .. وكثيراً ما شعرت بالمللّ وحدي ، جيد انك شاركتني يومي 

الولد باستغراب : وهل يسمحون لك بتناول ما تشاء ؟!

- ومن هم ليمنعوني

- لم أفهم !

الحارس : ستعرف كل شيءٍ لاحقاً .. الآن بما اننا شبعنا ، دعنا نبحث لك عن ملابس جديدة ، بدل الثياب ذاتها التي تلبسها عند لقاء اصحابك

- كيف عرفت ؟!

- أخبرتك انني سمعتهم يتحدثون عنك بصالة الألعاب ، ظهر اليوم


الولد بضيق : لست فقيراً ، لكن ابي يصرف معظم ماله على اولاده من زوجته الثانية !

- وهل امك متوفاة ؟

- لا تزوجت من جديد ، وسافرت معه للخارج ، ونستني هي الأخرى ! ليتك لم تخبرني بأن اصدقائي يتحدثون عني بالسوء ، دون علمي

الحارس : هم يشعرون إنك أقل حظاً منهم

الولد بعصبّية : هم الذين يصرّون على ذهابي معهم ، رغم معرفتهم بضائقتي الماليّة !! لهذا أضّطر لمشاركتهم الطعام ، والسماح بدفعهم تذاكر لعبي

- لا تضايق منهم.. فقط كبيرهم يشعر بالغيرة منك ، لتفوّقك عليه دراسيّاً

- هو مُتنمّر ، وأحاول تجنّبه قدر الإمكان 


الحارس : أهو صاحب فكرة نومك في المقعد ، لإبعادك عن رفاقه ؟

- نعم ، وظننته يريد راحتي ! .. (ثم تنهّد بضيق).. على كلٍ ، كانت نومةٌ مريحة.. حتى ليلتي الغريبة هذه ، جميلة للغاية

الحارس : لم تنتهي ليلتك المميزة بعد .. علينا التسوّق من المحلّات ، لجلب أجمل الملابس لك .. واختيار الألعاب التي تحلم بها .. هيا بنا!!

^^^


وبالفعل جرّب الولد الكثير من الملابس الغالية ، التي جمعها له العجوز في عدّة اكياسٍ كبيرة ..

الولد بقلق : أمتأكد ان إدارة المول لن تطردك ، لسرقتنا الملابس والأحذية والألعاب؟!

الحارس : لا احد سيلاحظ إختفائها

- ماذا عن الكاميرات ؟

- يطفؤونها مساءً


الولد وهو يرفع الأكياس المليئة بأغراضه الخاصة : 

- والآن ماذا نفعل ؟

الحارس : أنسيت الملاهي بالطابق العلويّ ؟

- لا اظنني سألعب ، فمعدتي ممتلئة

الحارس بحماس : اذاً نلعب بألعاب الكمبيوتر .. ولا اظنك ستربحني ، فقد أصبحت خبيراً فيها

^^^


وبعد ساعتين من لعبهما بجميع الألعاب الإلكترونيّة..

الولد : رغم كونك عجوز ، لكنك نشيطٌ جداً بالنسبة لعمرك !

الحارس : لم أكن كذلك قبل خمس سنوات

- وماذا حصل ؟

- ستعرف كل شيءٍ لاحقاً .. برأيّ عليك النوم باكراً

الولد بدهشة : النوم ! ألن تخرجني من المول ؟!

- في هذا الوقت المتأخر ، بالطبع لا !! أخاف عليك من سائقي الأجرة.. إذهب الى مقعدك المريح ، ونمّ فيه حتى الصباح

- المهم أن تيقيظني فور فتحك المول

الحارس : بالتأكيد !!

- واين ستذهب انت ؟

- لموقف السيارات ، فمكاني دائماً هناك

^^^


ما ان أغلق الولد غطاء المقعد عليه ، حتى اطفأ الحارس انوار المول.. ويغطّ الصغير في نومٍ عميق !

***


إستيقظ الولد ظهراً بعد شعوره بيدٍ تهزّه بقوّة ! ليتفاجأ بشرطيّ ومُخبرين جنائيّن يفحصون جسده ! ومئات المتسوقين مجتمعين حول المقعد ، وهم مصدومين من رؤيته هناك !


فنهض الصغير من مكانه مرتعباً ، ظناً بعقابهم له عن ليلته المجانيّة مع الحارس البارحة .. 

لكنه صُعق عندما رأى جسده مازال في المقعد دون حراك ، رغم وقوفه بين المتسوقين الذين لم يلاحظوا وجوده ! 

فتمّتم بنفسه بخوف : 

((هل انقسمت الى نصفين ؟!))


والأرعب إن وجه شبيهه (داخل المقعد) مزّرقاً تماماً ، وفمه وعيناه مفتوحتان بشكلٍ مخيف ! 

وكاد يُغمى عليه بعد سماعه الطبيب الشرعيّ يقول :

- يبدو انه توفيّ بعد ساعة من جلوسه في المقعد

فرفع المحقّق شريط الكرسي الكهربائيّ :

- المسكين مات اختناقاً ، لعدم وصول الأكسجين اليه ! يجب مُحاسبة المسؤول عن عدم شحن المقعد بالكهرباء.


فأكمل الطبيب الشرعيّ شرحه لحالة الجثة :

- يبدو من يده المُدماة انه حاول فتح الغطاء بكل قوته ، بعد صراخه بعلوّ صوته.. ولأن المقعد كاتم الصوت ، لم يسمعه احد !

وهنا سمع الولد ، صوتاً مألوفاُ يقول : 

- المسكين ! لا يستحق هذه الموتة الشنيعة


فنظر للخلف ، ليجد رفاقه الثلاثة يرتجفون خوفاً مما حصل !

فأسرع نحوهم .. ثم تراجع للوراء بصدمة ، بعد مرور يده من خلالهم ! حينها فقط تأكّد من موته ، وتحوّله الى روحٍ هائمة


وقبل انهياره بالبكاء ، لمح الحارس العجوز يشير له من بعيد.. 

وهذه المرة ، طفى جسمه بخفةٍ اتجاهه !


الولد وهو يمسح دموعه : هل مُتّ فعلاً ؟!

الحارس بحزن : للأسف نعم

- وكيف تراني ؟!

- لأني عالقٌ مثلك في المول


ثم أخبره انه قبل خمس سنوات .. دهسه ثريّ بسيارته ، بعد منعه ركنها في مكان المعاقين ! واضّطر مدير المول لدفنه بالركن الترابيّ للموقف (اثناء ترميمه) بعد حذفه فيديو الإدانة للثريّ (المساهم في المول) ! وايضاً لكيّ لا يدفع تعويضاً لأهله في القرية الذين صدّقوا كذبته : بأنه عانى من اعراض الزهايمر ! وبأن الكاميرات أظهرته (حسب قول المدير) بأنه خرج من المول اثناء الدوام ، والأغلب انه تائه بالطرقات بعد فقدان ذاكرته ..


ثم ربت على كتف الصبيّ بحنان ، وهو يقول :

- انا سعيد بمشاركة المول معك ، فالحياة كئيبة من دونك 

الولد بقلق : وماذا عن ابي ؟!

الحارس : سيستلم جثتك قريباً.. أتريد رؤية عزاك ؟

فأومأ برأسه إيجاباً ، بحزن

^^^


وسرعان ما انتقل الصبي لليوم التالي .. حيث وقفت روحه بجانب ابيه الذي بكى بمرارة امام المعزيين ، بينما زوجته تكتم فرحتها بتخلّصها من ابنه البكر الذي كان عائقاً في حياتها !


اما اصدقائه الأربعة فلم يتواجدوا بالعزاء ، بل بغرفة التحقيق الجنائيّ .. حيث أُطلق سراح ثلاثة منهم ، بعد ساعتين من التحقيق.. 

بينما كبيرهم أُحيل للمحاكمة ، بعد أن أثبتتّ الكاميرات انه ازال القابس الكهربائيّ بعد استلقاء الضحيّة في المقعد ! 


وعندما سأله المحقق عن السبب ؟ أجابه باستعلاء :

- كان فقيراً ، ولا يناسب شلّتنا .. وأردّت تلقينه درساً قاسياً ، يُبعده عنّا نهائيّاً .. ولم أظنه سيموت سريعاً !

المحقّق : كاذب !! فرفاقك الثلاثة سارعوا بالعودة للمول ، فور تذكّرهم الضحيّة .. بينما أكملت طريقك الى منزلك دون مبالاة !


وبعد مشاهدة الصبي لصديقه المتنمّر وهو يُنقل لسجن الأحداث ، قال للعجوز :

- والآن ماذا ؟ هل سنذهب الى الجنة ؟


فوضع الحارس يده على كتفه ، ليعودا معاً الى المول المظلم الذي اضاءه من جديد

الحارس : يبدو اننا سنبقى مُحتجزيّن هنا لبعض الوقت ، قبل إنتقال روحنا الى السماء ! الى ذلك الحين ، هل تريد اللعب في الملاهي او نختار عشائنا الفاخر ؟

فابتسم الصبي بحزن :

- لنلعب اولاً ، قبل تناول الطعام الدسم 


وذهبا معا للطابق العلويّ بأصواته الصادحة وزينته الملوّنة التي لم يرها احد من خارج المول المُعتم !


الأربعاء، 19 يوليو 2023

العاشق المقهور

تأليف : امل شانوحة 

 

الإنفصال المريح


تركتني ورحلت بعيداً ! بعد كل سنواتنا معاً ، رحلت دون توديعي او شكري على ملازمتي لها ليل نهار.. لطالما عاونتها بأمورها اليوميّة ، وأعطيتها القوّة والإرادة للقيام بأعمالها الروتينيّة.. وشاركتها حتى احلامها.. 

أهذا جزائي بعد رفضي الزواج من قبيلتي ، وتفضيلها على جميع النساء؟! 


كم مرّت ليالي لم أغفى فيها ، وانا اراقب ملامحها الجميلة اثناء نومها.. 

كيف بهذه السهولة تناست طموحي واحلامي المستقبليّة معها ، ورغبتي بإنجاب عشرات الأولاد منها ؟! 

فبسبب مهاراتي المتعدّدة..حميتها من عشرات العرسان الذين كانوا سيحطّمون قلبها لاحقاً ، ومنعتهم حتى الإقتراب منها.


انا العاشق الهائم بحبها منذ صغرها.. هاهي تستغلّ غيابي لتفكّ رابطنا المقدّس ! والأدهى انه لم يعد بإمكاني الإقتراب ، بعد مداومتها على الأذكار والرقيّة الشرعيّة التي وصّاها بها الشيخ الفاضل الذي استطاع فكّ سحر قريبتها ، وفصلي عنها نهائياً 


من سيحبك مثلي ؟ وانا الذي رفضّت اجمل نساء الجن لأجلك.. 

هاهم أقراني لديهم اولادٌ وأحفاد ! وانا مازلت احلم بسحبك لعالمي ، لعيشنا الدهر معاً.. مع انك تفزعين في كل مرة تريني في منامك ، كأني كابوسٌ مفزع ! رغم انني اوسم الجن ، ببشرتي الرزقاء اللامعة ، وعيوني الخضراء التي أنافس بها أجمل القطط ، وحوافري الماعز الحادةّ القوية .. ومع ذلك انفصلتي عني ، رغبةً بالزواج من حبيبك البشريّ الذي حاولت جاهداً إبعاده عنك ! 

وهاهو ينطلق باتجاهك ، وكلّه شوقٌ ولهفة لإتمام العرس المنتظر.


لا يمكنني رؤيتك يا حبيبتي بأحضان غيري ، بعد ان لازمتك في الواقع والخيال .. سأرحل لأبعد بقعةٍ تحت الأرض ، وأطمر نفسي حزناً بعد أن قتلني إلتزامك بدينك الذي وضع حاجزاً أبديّ بيننا.. 

الوداع يا عشيقتي الإنسيّة.. الوداع يا صغيرتي ، المظلومة المسحورة !


الاثنين، 17 يوليو 2023

الوريثة الفقيرة

تأليف : امل شانوحة 

النادلة المحظوظة


في اوائل الخمسينات.. واثناء إجتماع الأقارب في قصر العم جاك (المتوفي حديثاً) لمقاسمة ورثِه ، بوجود المحامي.. تفاجأوا بقدوم صبيّة الى اجتماعهم العائليّ ، وهي تقول :

- قرأت بالصحيفة ان اليوم هو توزيع الميراث ، ومن حقي الوجود بينكم .. بما إنّي الإبنة الوحيدة لعمكم جاك


وجاء كلامها صادماً للجميع ! فالعم جاك لم يتزوج طوال حياته التي أمضاها بالعمل بالميناء ، الى ان أصبح اكبر تاجرٍ لنقل البضائع بالمرفأ آنذاك..

ورفض الجميع تصديقها ، خاصة لعدم وجود اثبات قانونيّ على ذلك


فرفعت الخاتم العاجيّ الخاصّ بوالدها ، وهي تقول :

- أظنكم تعرفون خاتمه الذي يعده فألاً حسناً في حياته ، ومن المستحيل إزالته من اصبعه .. ومع ذلك أهداني إيّاه بزيارته الأخيرة قبل وفاته ، كنوع من الإعتذار عن عدم زواجه من امي بعد حملها ، خوفاً من إلتزامه بعلاقةٍ طويلة ، ولرفض والده إرتباطه بفقيرة.

فسألها أحدهم : أتقصدين انك الإبنة الغير شرعيّة لعمي ؟!

- للأسف نعم .. وعشت انا وامي في فقرٍ مُدقع ، رغم ان والدي من اثرياء البلد الذي رفض مراراً أبوّته لي !

- ولماذا اعترف بكِ قبل وفاته ، وأعطاك خاتمه الثمين ؟


فأجابت : انا أعمل نادلة قرب الميناء.. وتفاجأت بقدومه ليلاً ، حينما كنت وحدي بالمحل قبل إغلاقه ! وعرفته على الفور ، فأمي أرتني صورته من الصحيفة .. وبعد تقديمي القهوة له .. أمسك يدي ، وطلب مني الجلوس لمحادثتي بموضوعٍ مهم.. وأخبرني عن خيبة امله بكم ، لتقاسمكم الميراث قبل وفاته !

- نحن لم نفعل ذلك !

فقالت : سمعكم بالصدفة اثناء حديثكم بالحديقة ، لظنكم أنه نائم .. وقد آلمه ذلك كثيراً .. فحسب كلامه ، لم يقصّر معكم ماديّاً طوال حياته

فطأطأوا رؤوسهم خجلاً..


فأكملت حديثها :

- وأخبرني ايضاً بندمه على عدم زواجه من امي ، التي ملكت المطعم الذي اعمل فيه حالياً قبل إفلاسها ، وبيعه لمديري الذي وافق على عملي فيه .. أتدرون لما أفلست ؟ لأنها خسرت زبائنها بعد إنجابي دون زواج.. فتنمّروا عليها بألقابٍ مشينة.. حتى أخبرتني إنها كانت ستُجهضني لوّ علمت بخذلانه مُسبقاً ! وعندما أخبرته عن عذابها.. إعتذر عن ذلك .. وقال أن الربّ عاقبه بحرمانه الشعور بالأبوّة ، لاعتقاده بأن لديه الوقت الكافي للعثور على امرأة مناسبة يُنجب منها الأولاد.. الى ان مرّ به العمر ! ووعدني بإثبات نسبي بالأوراق الرسميّة في أقرب وقت ، بعد أن تخفّ وعكته الصحيّة.. ومن بعدها أهداني خاتمه ، وذهب باتجاه الميناء .. ولم أعلم بوفاته على الكرسي المواجه للبحر في نفس الليلة ، إلاّ من الصحف..(ثم تنهّدت بضيق).. ليتني بقيت معه في ساعاته الأخيرة !


فاقترب منها شاب ، وهو يتمعّن في وجهها :

- أتدرين ؟ .. لولا شبهك الكبير بأمي ، لما صدّقت انك قريبتنا

فأجابت بابتسامة : أتقصد العمة ديانا ؟ أخبرني بذلك فور رؤيته لي ، وأنني أشبه اخته الكبيرة في صباها

الشاب : بالفعل ! لديّ صورة زواجها بأبي .. وانت تشبهينها اكثر من اختي!

ثم نظر لبقيّة الورثة :

- أظنها تقول الحقيقة

فردّ احدهم بعصبية :

- لا تدخل انت !! .. (ثم قال للصبيّة).. طالما لا تملكين اوراق رسميّة ، فلن ترثي معنا


وهنا تدخل المحامي : 

- في حال أثبتتّ انها ابنة جاك الوحيدة ، فلن تحصلوا على فلسٍ واحد

فنظرت الى الأقارب بثقة : 

- لديّ مليون طريقة لإثبات علاقة امي بأبي اثناء شبابه ، فهناك العديد من الشهود : كموظفيّ امي القدامى بالمطعم ، وجيران منزلنا القديم.. عدا عن صورتها معه اثناء حملها.. وهذه وحدها تكفي لإثارة البلّبلة في حال سلّمتها للصحافة .. لكني أحتاج بعض الوقت للبحث عن الصور ، في اغراض امي القديمة..

فقال احدهم بقلق :

- لا داعي لذلك ، فنحن لا نريد فضيحة في عائلتنا


فنظرت اليه بعتاب :

- أنسيت انني من نفس العائلة ، وسمعتكم تُهمّني.. بجميع الأحوال ، لم آتي الى هنا لحرمانكم من الميراث .. كل ما اريده هو هذا القصر وراتبٌ شهريّ.. ويمكنكم الحصول على شركة النقل الخاصة بأبي

الورثة بصدمة : أحقاً ما تقولين ؟!

- نعم ، فأنا لا افهم بأمور التجارة.. وحلمي بهذه الحياة : أن اعيش بكرامة دون حاجتي للعمل الشاقّ ، هذا كل شيء

***


ولأنه في بداية الخمسينات لم يكن هناك فحص (DNA) ، وافقوا على اقتراحها .. خوفاً من خسارتهم الميراث ، في حال أثبتتّ أبوّة جاك لها.. كما ان وجود الخاتم الثمين معها ، هو اثباتٌ كافي على صدقها.. فهو وصّاهم سابقاً بدفنه معه لشدّة إعتزازه به ، كونه هديّه من والده .. بالإضافة لشبهها الكبير بعمّتهم ديانا ، خاصّة الشامة فوق فمها ونظرتها الحادّة الذكيّة !


اما ابن ديانا ، فتودّد اليها بنيّة الزواج .. مُتحجّجاً باشتياقه لأمه التي تذكّره بها ! ورغبته في البقاء بالقصر الذي تربّى فيه منذ صغره.. 

وبذلك حصلت النادلة على القصر وراتبٍ شهريّ مُحترم ، بالإضافة لزوجٍ وسيم !

***


في ذلك المساء واثناء نوم زوجها ، كتبت السطور الأخيرة من مذكراتها :

((لا احد يعلم بأن العم جاك ليس والدي الحقيقيّ .. بل مجرّد زبون قدِمَ الى مطعمي قبل إغلاقه ، بعد ان لمحني من الواجهة .. حيث أخبرني بكل ما قلته للورثة : كغضبه من طمعهم ، وشبهي الكبير بأخته المتوفاة (وكنت محظوظة بهذا الشأن)  لكن لا احد يعلم بأني وضعت سمّ الفئران (الخاص بالمحل) في قهوته.. 

وعند شعوره بالدوّار.. أسندته ، وأخذته قرب البحر.. ووضعته على كرسي الميناء .. وبعد تأكّدي من وفاته ، سرقت خاتمه الثمين .. وانتظرت يوم توزيع الميراث لأفاجئهم بكذبتي.. 


ولشدّة خوف أقاربه من خسارة الميراث ، وافقوا على اقتراحي (الغبي ، حسب رأيهم) وهم لا يعلمون انني تفوّقت بذكائي عليهم ! 

حتى زوجي يظن انه استغلّ طيبتي لبقائه في القصر ، دون علمه بأنني تزوجته كيّ أنتمي لعائلةٍ راقية بعد أن أتعبني الفقر.. 

وكل تنازلاتهم لي ، خوفاً من الفضيحة الإعلاميّة .. رغم عدم امتلاكي للصور والشهود ! 


وذنبي الوحيد : انني شوّهت سمعة امي المرحومة.. لكن ماذا افعل ؟ الغاية تبرّر الوسيلة..

لا تلوموني ، لست قاتلة محترفة.. انا مجرّد نادلة فقيرة ، إستغلّت غباء الثريّ العجوز الذي أطلعني على معلوماتٍ مهمّة يُمكن إستغلالها.. 

وليكن هذا درساً للجميع : إيّاكم والفضّفضة للغرباء)) 

وأغلقت دفترها ، وهي تبتسم بخبث !


الجمعة، 14 يوليو 2023

مشوار حياتي

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

جبر القلوب المُنكسرة


إعتاد طبيبٌ نفسيّ على الذهاب وحده الى شالية البحر بعطلاته الصيفيّة.. فهو يفضّل العزوبيّة ، رغم بلوغه سن الخمسين ! لعشقه الكبير لراحة البال ، بعد مئات القصص التي سمعها من مرضاه الذين أصيبوا بعقدٍ نفسيّة من زيجاتهم الفاشلة


لكن حياته تغيّرت تماماً ، بعد وصوله عصراً الى الشاليه.. ليتفاجأ بوجود امرأة نائمة على الكرسي الخارجي المواجه للبحر !


فاقترب منها ، قائلاً بصوتٍ مسموع :

- لوّ سمحتي !! هذا مكانٌ خاصّ .. يمكنك النوم في مكانٍ آخر

لكنها لم تتحرّك مُطلقاً !

فارتاب من امرها .. ووضع أصبعيه على معصم يدها ، ليراقب النبض .. وبعد تأكّده انها بخير ، قال في نفسه : 

((يبدو انها مُتعبة ! سأتركها ترتاح قليلاً))


وعاد لإفراغ حاجيّاته في الخزانة التي ستكفيه طيلة شهر العطلة ، قبل عودته لعيادته في العاصمة..

وفور استلقائه على فراشه ، غفى من شدّة تعبه 

***


عند استيقاظه مساءً .. توجّه للمطبخ لتناول عشاءً خفيفاً ، بنيّة العمل على حاسوبه حتى الصباح. .


وفي الصالة .. وقبل ارتشافه القهوة ، تذكّر المرأة المجهولة ! 

فتوجّه خارج الشاليه .. ليجدها مازالت نائمة على الكرسي ، وهي متكوّرة على نفسها من شدّة البرد !

فحاول إيقاظها عدّة مرات دون فائدة..

- يالا نومك الثقيل ! حسناً سأتركك حتى الصباح

وغطّاها ببطانيّة سميكة..

ثم عاد لحاسوبه ، وفكره مازال مشغولاً بتلك المرأة الغامضة !


ونام مجدداً على الكنبة ، بعد عمله طوال الليل على تصنيف ملفّات مرضاه داخل الحاسوب..

***


في الصباح .. صرخ غاضباً على المرأة ، وهو يهزّها بقوة :

- لا يُعقل انك مازلت نائمة حتى الآن !! هيا استيقظي قبل إحضاري الشرطة 

ففتحت عيناها بتعب ، وهي تسأله :

- اين انا ؟!

الطبيب : انت في الشاليه الخاصّ بي

بدهشة : أحقاً !


ونهضت وهي تتأوّه بإرهاق : 

- في أيّ يومٍ نحن ؟

الطبيب : الخميس

بصدمة : مستحيل ! قدمتُ هنا مساء الثلاثاء

- يعني قبل قدومي بيوم ! أمعقول نمتي يومين كاملين دون طعام ! أهي نومة اهل الكهف ؟!


فأخرجت علبة دواءٍ فارغة من جيبها ، وهي تقول بيأس :

- كان عليّ بلع علبتيّ دواء ، بدلاً من واحدة لأرتاح من حياتي البائسة


وحاولت القيام ، وهي مترنّحة عن الكرسي .. فأسندها قبل وقوعها :

- لا تقفي بسرعة وأنت تشعرين بالدوّار.. ثم مالذي جعلك تتناولين علبة كاملة من حبوب المنوّم ؟!

السيدة بحزن : لا تهتم لأمري ، سأحاول لاحقاً إنهاء حياتي

- لن اسمح لك بذلك !!

- وما دخلك انت ؟!

- انا طبيبٌ نفسيّ .. وعملي هو مساعدة المكتئبين ، وكل من يمرّ بأوقاتٍ عصيبة مثلكِ.. تعالي معي الى مكتبي.. فأنت تحتاجين للفضّفضة ، وانا مستمعٌ جيد

السيدة : اكيد استشارتك ستكلّفني المال ، وحاليا لا أملك.. 

مقاطعاً : تركتك تنامين يومين بالشالية مجاناً ، فهل تظنّي سأطالبك بأجرة الإستشارة الطبّية ؟ هيا إغسلي وجهك ، ثم تعالي الى مكتبي .. فلديّ الفضول لمعرفة قصّتك

***


في مكتبه .. 

الطبيب : إستلقي هناك

السيدة بضيق : لا ، ذاك الكرسي مُخصّص للمعقّدين نفسيّاً

معاتباً : هذه مشكلة العرب ، يظنون الطب النفسيّ للمجانين فقط !

- لا يمكننا تجاهل نقد المجتمع ، فألسنة الناس لا ترحم

الطبيب : وهل سترحمك بعد انتحارك ؟ الأفضل عدم الإكتراث بأرائهم السخيفة.. هيا استلقي .. وسنبدأ اولاً من مرحلة الطفولة  

فأغمضت عيناها .. ثم سكتت مطوّلاً..


الطبيب بضيق : رجاءً لا تنامي من جديد ، فنومك ثقيلٌ جداً

السيدة : انا حقاً جائعة

- هذا طبيعيّ بعد نومك ليومين .. سأعدّ طعاماً لنا ، إنتظريني هنا

***


في المطبخ ، دخلت عليه وهي تقول : 

- هل يوجد لديك قهوة ؟ فرأسي يكاد ينفجر

فأجابها ساخراً :

- اساساً انا موجود لخدمتك ، سيدتي

- آسفة ، لكني حقاً مُتعبة

الطبيب : ستجدين المرطبان في الخزانة .. أعدّي قهوتك ، لحين إنهائي الشطيرتيّن 

***


ثم خرجت من الشاليه ، ليلحقها بالطعام.. فأشارت الى الكرسيّن المواجهيّن للبحر

- هل يمكننا التحدّث هنا ؟ فأنا لا أحب جوّ المكاتب

الطبيب : حسناً سنفطر ، ونحن نتحدّث عن مشاكلك التي جعلتك تقرّرين إنهاء حياتك

^^^


ثم استمع اليها ، وهي تُخبره عن طفولتها : 

- بما انني الحفيدة الأولى ، كنت المُفضّلة عند جدّي وجدّتي الّلذان سمحا ببقائي معهما في الجبل عند اشتداد الحرب في بيروت.. وفي يومٍ كئيب ، إستيقظت على صراخ جدتي التي وجدتها مُقيّدة بالكرسي ! بينما شخصٌ مقنّع يقوم بخنق جدّي بكيس نايلون شفّاف.. كانت عينا جدّي مُركّزتين عليّ ، قبل إغماضهما نهائياً بعد ازرقاق وجهه .. ثم رماه الرجل كجثةٍ هامدة باتجاهي ! فتجمّدت في مكاني ، وانا استمع لبكاء جدتي المرير.. وكانت هذه صدمتي الأولى في الحياة 

الطبيب باهتمام : ولما قتله ؟!

- ببداية الحرب الأهليّة ، إعتاد المجرمون على قتل الشخصيّات المهمّة في البلد.. ولأن جدي رئيس منطقته ، ورأيه ومشورته تُهمّ الجميع ، أزاحوه عن طريقهم !

- آه فهمت.. وماهي صدمتك الثانية ؟


السيدة : بسن المراهقة ، أجبرني والدي على الموافقة على خطوبة قريبي .. فكتبنا الكتاب وحدّدنا موعد العرس.. وفي يوم ، أخذني لزيارة عائلته في المنطقة المجاورة.. وهناك أصرّ على  نومي في غرفته ! لكني رفضت ، لأني وعدت اهلي أن لا يحصل شيئاً بيننا قبل العرس.. ولأنه رجلٌ شكّاك ، ظنّ بأني مُغرمة بغيره ! ومن يومها أصبح عنيفاً معي.. أذكر انني تشاجرت معه بسب بخله ونقده الدائم لي.. فضربني بقسّوة حتى كاد يكسر ذراعي ! فرميت الخاتم في وجهه ، وعدّت الى منزل اهلي .. وأسرعت الى غرفتي قبل رؤيتهم وجهي المتورّم.. فاتصل اللعين بأبي ليخبره عن فسخيّ الخطوبة ! فدخل ابي غرفتي صارخاً ، لأني لم استشره اولاً.. ولم أكن باستطاعتي الكلام من شدّة ألمي .. فأدار جسمي بقوّةٍ نحوه ، ليجد آثار الضرب على وجهي ! مما أغضب والدي الذي أعاد الإتصال بخطيبي ، مُطالباً بتطليقي في المحكمة.. لكنه رفض طوال سنتين ! بعدها وافق ، بشرط أن نسدّد كل المصاريف التي دفعها اثناء الخطوبة.. وكان مبلغاً مُبالغاً فيه ! فهداياه لا قيمة لها .. ولم يأخذني سوى مرتين على مطعمٍ رخيص.. ومع ذلك دفع ابي ما اراد ، وحصلت اخيراً على ورقة الطلاق


الطبيب باهتمام : لكنك لم تتزوجيه فعلاً ؟

- لا ، والحمد الله على ذلك

- وماذا حصل بعدها ؟


السيدة : تعلّمت في معهد للفنون الجميلة.. وهناك أحبّني استاذي بجنون ! وبسبب حنانه واهتمامه المتواصل ، جعلني أُغرم به 

- ولما لم تتزوجا ؟! 

- رفضته عائلتي لأنه متزوج ولديه اولاد ، رغم انه كان على استعداد لتطليق زوجته التي كان منفصلاً عنها لمدةٍ طويلة لعدم حبه لها .. لكني لم أردّ خراب بيته ، ورفضّته غصباً عني رغم الحب الكبير بيننا.. فصار المسكين يُرسل رسالةً غراميّة كل اسبوع ، دون إجابةٍ مني.. حيث اكتفيت بقراءتهم  والإحتفاظ بهم ، بعد أن بلّلتهم بدموعي الحزينة


الطبيب : ثم ماذا حصل ؟

- بعد وفاة والدايّ ، انخطبت عدّة مرات .. لكن إخواني رفضوهم لأسبابٍ واهية ! وفي يوم ، إلتقيت صدفة بأستاذي بإحدى المعارض الفنّية .. وأخبرني انه على استعداد لخطبتي ثانيةً ، بعد طلاقه الرسميّ من زوجته.. لكن هذه المرّة ، منعوه اولاده من إتمام الخطوبة ! فعرفت أن لا نصيب بيننا ، وأن الفراق هو قدرنا.. وهآ انا وصلت لعمر الأربعين دون زواج


الطبيب : وهل العنوسة هي سبب انتحارك ؟

السيدة بقهر : بل سماعي لإخواني وهم يتفقون على عدم تزويجي ! 

- ولماذا ؟!

- لأن المنزل الذي يسكنونه هو بيت جدي الذي كتبه بإسمي ، ويخافون أن يطردهم عريسي منه ! لهذا ينوّون إبقائي عانساً ، لخدمتهم مع اولادهم .. وكانت تلك الضربة القاضيّة


الطبيب : وبعدها أتيت الى المصيّف ؟

السيدة : قدمت مع صديقتي الى الشاليه الذي بجانبك.. لكني أخبرتها أنني سأعود الى منزلي ، بعد أن فاجأها خطيبها بقدومه اليها مباشرةً من المطار.. وعندما رأيتهما متعانقين بمحبّة ، لم أتحمّل .. ليس لغيرتي منها ، بل لتذكّري استاذي الحنون .. وكيف منعتنا الظروف أن نكون سويّاً .. وأتيت الى هنا ، ظنّاً بأن الشاليه فارغ .. فكل ما اردّته هو الرحيل بهدوء عن هذه الدنيا.. لكن حتى هذه الأمنيّة البسيطة ، فشلت في تحقيقها !


الطبيب : الإنتحار لم يكن يوماً الحلّ المثاليّ لمشاكلنا .. إعتبري الدنيا كمتاهةٍ كبيرة .. فهل ننهار اذا وصلنا الى بابٍ مسدود ، ونحن نعلم أن للمتاهة بابٌ خارجيّ ؟ .. كل ما علينا فعله ، هو عدم الدخول من ذلك الإتجاه ثانيةً ، والبحث عن الطريق الصحيح للخروج .. حينها تصبح الحياة سهلةٌ وممتعة .. وتأكّدي انه كلما أغلق الله باباً ، فتح لنا غيره 

السيدة : تتكلّم كأن في بالك فكرة تريد إيصالها لي ؟!

الطبيب بارتباك : بصراحة نعم .. فطالما خوف إخوانك على منزلهم هو سبب رفضهم لعرسانك ، فلما لا تتزوجي من رجلٍ ميسور الحال ولديه منزله الخاصّ ؟

- ولما سيختار الثريّ امرأةً اربعينيّة ، وهو قادر على الزواج من عشرينيّة ؟

الطبيب بابتسامةٍ حنونة : ربما أُعجب بها اثناء نومها الثقيل

فنظرت اليه بدهشة !


الطبيب : كما أخبرتك .. انا طبيبٌ نفسيّ ، ولديّ عيادة في العاصمة ومنزل وشاليه .. ولم اتزوج إلى الآن ، لانشغالي الشديد بعملي.. ويبدو أن القدر ساقك إليّ ، لأنه حان الوقت لأستقرّ ، وأبني عائلتي الخاصة.. فما قرارك بهذا الشأن ؟

فسكتت ، وهي غارقة بأفكارها !

الطبيب : أعطني رقم اخيك الأكبر ، واتركي الموضوع لي

***


وبالفعل تزوجت الطبيب الذي كان سنداً لها على مدار سنوات.. فهو ساعدها بكل شيء : كتربيّة الأولاد وإدارة المنزل والطبخ وغيره .. حتى انه حسّن علاقتها بالعائلة والأصدقاء ، بسبب مشوراته الصحيحة. 

***


وذات يوم ، أرته جوالها وهي تقول :

- كنت أخبرتك عن استاذي .. ورغم انني لم اتواصل معه منذ خطوبتنا ، إلاّ انه ارسل دعوةً لحضور حفل توقيع كتابه : عن مجموعة رسائله الغراميّة التي ارسلها قديماً ، مع لوحة رسمها خصّيصاً لي !

زوجها : حسناً ، سنذهب معاً الى حفلته 

بصدمة : أحقاً !

- انا أثقّ بك ، وبحبنا الذي جمعنا كل هذه السنوات.. وأعلم ان استاذك هو حبك الأول ، وذكرى جميلة من ماضيك.. وأعرف انه تقبّل فكرة زواجك .. وبأنك ظهرتِ في حياته ، لتكوني سبباً في ابداعاته الفنّية 

***


وبالحفل.. سلّم الأستاذ عليها وعلى زوجها ، وشكرهما على حضور حفلته.. ثم تحدّث الرجلان جانباً ، اثناء رؤيتها بقيّة اللوحات الفنيّة ..


الأستاذ بقهر : انا اؤمن بالقدر ، وللأسف لم يكن هناك نصيباً بيننا .. لكني سعيد انها وجدت الشريك المناسب لها.. رجاءً إهتم بتلميذتي ، فهي جوهرةٌ حقيقية.

الزوج : انا أفعل كل ما بوسعي لإسعادها ، فلا تقلق بهذا الشأن

^^^


بنهاية الحفل ، تصوّر الثلاثة معاً.. ثم ودّعت استاذها الذي ظلّ يُلاحقها بعينيه الدامعتين وهي ترحل بسيارة زوجها ، قائلاً بنفسه بحزن :

((ستبقين دوماً مُلهمتي ، يا حبّي العذريّ ... وحتى آخر نفسٍ بحياتي))


الثلاثاء، 11 يوليو 2023

زواج الفصليّة

فكرة : ابن العراق
كتابة : امل شانوحة 

 

كبش الفداء


لم يكن عرساً بل جنازة عشائريّة ، بعد تمنّع اقارب العروس عن الحضور خوفاً من انتقام اهل العريس الذين تفاوتت مشاعرهم بين الحزن الشديد والغضب العارم.. حيث خلا العرس من الرقص والموسيقى والطعام ! اما الطلقات الناريّة ، فأشبه بمعركةٍ وحشيّة ! 


بينما جلست العروس مقهورة على الكوشة ، وهي ترى عريسها يُشيح بوجهه بعيداً حتى لا يراها.. وكيف يفعل ؟ وأخوها قتل اخاه الأكبر.. وأجبره رئيس العشيرة على الزواج منها بعد هروب القاتل ، لمنع الثأر بين العائلتين .


وفي خُضمّ الأجواء المشحونة بالصالة ومن بين الجموع ، لمحت والدها يدخل العرس بذلٍ وخضوع ! وهذا قهرها اكثر من زواجها من عائلةٍ تكرهها .. فهو لطالما أخبرها أنه سيرقص بعرسها كمراهقٍ طائش .. فهي ابنته الوحيدة التي رفعت رأسه دائماً بتفوّقها الدراسيّ.. وهاهو يجلس في آخر الصالة يُكفّكف دموعه دون رفع رأسه ، بعد تقديم ابنته ككبش فداء عن ابنه الجبان الذي فرّ خارج البلاد ، بعد سرقته ذهب والدته المتوفاة ! وذلك بعد قتل صديقه ، عقب خلافٍ تافهٍ بينهما .. حينما دفعه بقوّةٍ ، ليرتطم رأسه بالرصيف ويموت على الفور.

***


إنتهى العرس ، وذهب المعازيم بحال سبيلهم .. 

وعكس كل العرائس ، لم تدخل سعاد على صوت الزغاريد الى غرفتها (في الطابق الثاني من البيت العربي القديم ، حيث يسكن والده وامه وارملة اخيه القتيل في الطابق السفليّ) والذين استقبلوها بالشتائم ، وتمنّي الموت لها ولأخيها القاتل ! 


اما العريس ، فلم يقترب منها لإسبوعين .. الى ان رضخ بأنها نصيبه ، التي أجبرته عليها قوانين العشيرة

***


عاشت سعاد كل يومٍ بيومه .. وكثيراً ما ترجّت زوجها أن يسمح ببقائها في غرفتها لحين عودته من العمل.. لكنه أجبرها على مساعدة امه بالطبخ وأعمال المنزل.. لتمضي جُلّ وقتها بسماع القدح والذمّ لعائلتها التي لم تُحسن تربيتها هي وأخيها.. وبدورها عملت بصمتٍ وجهد ، دون اعتراضٍ او تأفّف !


اما عمها ، فكان أقلهم أذى.. فهو تجنّبها قدر الإمكان ، لقهره على وفاة ابنه البكر الذي كان يساعده في محلّه التجاريّ.. ومع ذلك كان يشكرها عندما تقدّم له القهوة او الشايّ في الصالة ، بصوتٍ منخفض كيّ لا تسمعه زوجته التي مازالت غاضبة من كنّتها الجديدة.. 


اما اسوأهم : فهي سلفتها (ارملة القتيل) التي تعمّدت أذيّتها بالقول والفعل .. مع تشجيعها العريس على ضرب سعاد وإهانتها ، بتلفيق التهم الباطلة عليها ! وقد فعل ذلك ببداية العلاقة.. لكن بعد شهرين من الزواج ، عرف أن سعاد مظلومة .. وصار يعاملها جيداً ، بعيداً عن انظار عائلته.. ويطالبها بتحمّلهم قدر الإمكان ، فهي لا ذنب لها بما حصل..


ولم يكن امام سعاد سوى الإكثار من الصلاة والدعاء ، لتخفيف المشاعر الغاضبة اتجاهها .. خاصة بعد توكيلها بمعظم اعمال المنزل ، بعد تخلّي الأرملة المدلّلة عن مساعدتها .. والتي تقضي وقتها بالتنزّه مع صديقتها ، بحجّة تغيّر نفسيّتها المُتعبة.


اما العم : فتحسّنت نظرته اتجاه سعاد ، بعد ذهابها معه الى منزل اخته الكبرى التي تعاني من الزهايمر.. حيث شاهدها وهي تُطعمها بيدها وتهتم بها طوال الزيارة ، فشكرها على حسن أخلاقها.. وطلب منها مسامحة زوجته على قسّوتها معها

فردّت سعاد بأدب :

- هي خسرت ابنها ، بسبب جريمة اخي.. وانا أقدّر ألمها وحزنها على فراقه.. فليس من السهل تزويج ابنها الثاني لأخت القاتل .. لهذا لست غاضبة منها ، لبحثها عن عروسٍ جديدة لزوجي

العم باستغراب : هل علمتي بهذا الشأن ؟!

- سلفتي أخبرتني بذلك


العم بضيق : يالها من صبيّةٍ شقيّة ، تحب المشاكل

سعاد : أهي هكذا دائماً ، ام صارت كذلك بعد مقتل زوجها ؟

- هي انسانةٌ مُتعبة منذ البداية.. ولا ادري لما تُصرّ زوجتي على بقائها معنا ، رغم مطالبة عائلتها برجوعها اليهم !

- ربما لأنها ذكرى من ابنها المتوفّي

العم : هي مازالت صغيرة ، ومن حقّها الزواج ثانيةً.. فقد مرّت ٥ شهور على وفاة ابني ، وانتهت عدّتها

- لا تقلق بهذا الشأن ، يا عمّي.. فإن كان لها نصيبٌ آخر ، لن يمنع احدٌ قدرها


العم : انت فتاةٌ رزينة وعاقلة ، ووالدك أحسن تربيتك بعكس.. (وسكت)

فأكملت بقهر : بعكس اخي الجبان .

- لم أقصد

سعاد بحزن : أتدري انني ترجّيته باكية بتسليم نفسه لرئيس العشيرة الذي وعدنا بتخفيف الحكم عليه ، بعد ان أخبره الشهود بأن جريمته غير مقصودة وحصلت بلحظة غضب.. لكنه لم يهتم لمصيري ، وهرب لمكانٍ مجهول ! 

العم : لا تقلقي ، سيأتي يوم وينال عقابه يا ابنتي


وقد أسعدتها هذه الكلمة كثيراً ، فهي المرة الأولى التي يناديها هكذا ! مما أشعرها بالأمان والطمأنينة..

***


بنهاية الأسبوع .. تنفّست سعاد الصعداء بعد رفض زوجها الذهاب مع امه لرؤية العروس الجديدة ، وإخبارها برضائه بنصيبه.. 

فحضنته بحنان ، ووعدته بأن لا يندم على قراره.

***


لم يستمرّ الهدوء كثيراً في المنزل ، بعد جنون سلفتها بخبر حمل سعاد ! وغضبها من حماسهم ، لقدوم الحفيد الأول لعائلتهم .. لكن فرحتهم لم تكتمل بعد سقوط سعاد من الدرج بقوةٍ ، جعلتها تُسقط الجنين ! 

ورغم علمها بأن سلفتها هي التي سكبت الزيت على الدرج .. إلاّ ان الخبيثة استطاعت إقناعهم : بأن سعاد لا ترغب بوجود رابطٍ يجمعها بهم ، وأنها تنوي الطلاق لاحقاً !


فلم يكن امام سعاد إلاّ الدعاء لتخليصها من خبث سلفتها ، وقسّوة حماتها التي تضاعفت بعد إجهاضها الجنين !

***


بمرور الأيام ، زاد حب زوج سعاد لها .. خاصّة بعد إهدائه ذهبها (التي أعطاها لها والدها ، بعد بيع دكانه قبل موته بسكتةٍ قلبية من شدّة حزنه عليها) وذلك لمساعدته هو وعمها بإحضار بضاعةٍ جديدة للمحل.. 

مما رفع مكانتها في قلوبهما ، دون أن يؤثّر ذلك على حماتها التي ظلّت تعاملها كخادمة ، بسبب وسّوسة كنّتها الأولى الحقودة !

***


وذات يوم .. دخلت سعاد الحمام ، لتجد سلفتها تتقيّأ هناك (بعد نسيانها قفل الباب) ..وبعد مساعدتها ، سألتها بقلق :

- انت تشعرين بالدوّار معظم الوقت .. وشهيّتك للطعام زادت ، خصوصاً في المساء.. فهل انت..

السلفة بخوف : رجاءً ، أستري عليّ

سعاد : من هو ؟

- حبيبي القديم


وأخبرتها انها كانت تعشق شاباً ، قبل إجبار اهلها على الإرتباط بزوجها الذي لم تحبه يوماً.. وبعد مقتله ، عاودت الإتصال بحبيها السابق الذي طلب منها العودة الى منزلها لخطبتها.. لكنها اعتذرت منه ، بعد رفض حماتها ذلك.. فاعتدى عليها ، قبل هروبه ! وهي حاملٌ الآن بشهرها الثاني .. وفي حال عرف اهل زوجها او اهلها بذلك ، سيقتلونها حتماً..


سعاد : حسنا اهدأي.. لن اخبر احداً بالموضوع

سلفتها وهي تمسح دموعها : وماذا عن حملي ؟

- جارتي القديمة تعمل قابلة.. سآخذك اليها ، لإجهاضك قبل ثبات حملك

- لا ادري ماذا اقول ! فأنا من سكبت الزيت على الدرج..

سعاد مقاطعة : أعرف هذا .. لا تقلقي ، سيبقى سرّك بأمان

^^^


لكن قبل إجهاضها الجنين ، إتصل حبيبها مُعتذراً.. وأخبرها باستعداده الزواج منها لإصلاح غلطته.. 

فوعدتها سعاد بإقناع حماها بإعادته الى منزل عائلتها ، قبل ظهور علامات الحمل عليها..


وبالفعل استطاع العمّ إقناع زوجته العنيدة بترك كنّتها السابقة ، لتتابع حياتها من جديد

***


بغضون شهر .. علموا بزواجها وسفرها للخارج مع حبيبها ، دون علم العائلتين بحملها المُسبق منه ! بعد أن وعدتها سعاد بكتمانها السرّ ، ممّا رفع قيمتها عند سلفتها التي حضنتها بامتنان قبل رحيلها 

***


أصبح الوضع مريحاً بالمنزل بعد سفر السلفة الغيّورة ، ومع زيادة محبّة زوجها وحنان حماها.. لكن حماتها لم تتغيّر معاملتها معها ! وقد اعتادت سعاد على طريقتها القاسية مع مرور الوقت .. 


الى ان جاء يوم .. عادت فيه حماتها من زيارة جارتها ، وذراعها في جبيرةٍ طبّية ! بعد سقوطها فوق درجٍ مُبللٍّ بالمطر

^^^


وطوال شهر .. قامت سعاد بتحميمها والإعتناء بها وبشؤون المنزل ، دون شكوى او تكاسل .. ومن بعدها تغيّرت معاملة حماتها معها ، لدرجة انها فاجأت الجميع بقولها على العشاء : 

- الله عوّضني عن وفاة ابني ، بإبنةٍ حنونة !

^^^


وبذلك انتهت معاناة سعاد التي سمحوا لها اخيراً بزيارة أقاربها .. 

واول شيءٍ فعلته ، هو زيارة قبر والدها ..

وبعد الدعاء له بالرحمة.. قالت بحزن :

- كنت تريدني أن أصبح طبيبة تفتخر بها .. وهآ انا عالجت بصبري ودعائي قلوب عائلة زوجي المُنكسرة .. فبعد ان كانوا يشتمونك على سوء تربيّتك لإبنك ، هاهم يتفاخرون بتربيّتك لي ! وأتيت اليوم لأخبرك بحملي .. وأعدك أن أربّي ابني جيداً ، كما فعلت معي.. وسأجعله فخوراً بجدّه .. دون تأثّره بما فعله خاله ، سامحه الله أينما كان ! 

***


تُعدّ سعاد من القلائل المحظوظات التي استطاعت حلّ مشكلتها ، بعد صبرٍ ومعاناةٍ طويلة.. لكن كم فتاةٍ مثلها مازالت تعاني لليوم من قسّوة اهل القتيل معها ! وكلّه بسبب عقابهم لها ، بدل المُذنب الحقيقيّ ! 

فالفصليّة ماهي إلاّ وأدّ البنات بالعصر الحديث .. فهل توافقوني الرأيّ ؟


طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...