الجمعة، 14 يوليو 2023

مشوار حياتي

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

جبر القلوب المُنكسرة


إعتاد طبيبٌ نفسيّ على الذهاب وحده الى شالية البحر بعطلاته الصيفيّة.. فهو يفضّل العزوبيّة ، رغم بلوغه سن الخمسين ! لعشقه الكبير لراحة البال ، بعد مئات القصص التي سمعها من مرضاه الذين أصيبوا بعقدٍ نفسيّة من زيجاتهم الفاشلة


لكن حياته تغيّرت تماماً ، بعد وصوله عصراً الى الشاليه.. ليتفاجأ بوجود امرأة نائمة على الكرسي الخارجي المواجه للبحر !


فاقترب منها ، قائلاً بصوتٍ مسموع :

- لوّ سمحتي !! هذا مكانٌ خاصّ .. يمكنك النوم في مكانٍ آخر

لكنها لم تتحرّك مُطلقاً !

فارتاب من امرها .. ووضع أصبعيه على معصم يدها ، ليراقب النبض .. وبعد تأكّده انها بخير ، قال في نفسه : 

((يبدو انها مُتعبة ! سأتركها ترتاح قليلاً))


وعاد لإفراغ حاجيّاته في الخزانة التي ستكفيه طيلة شهر العطلة ، قبل عودته لعيادته في العاصمة..

وفور استلقائه على فراشه ، غفى من شدّة تعبه 

***


عند استيقاظه مساءً .. توجّه للمطبخ لتناول عشاءً خفيفاً ، بنيّة العمل على حاسوبه حتى الصباح. .


وفي الصالة .. وقبل ارتشافه القهوة ، تذكّر المرأة المجهولة ! 

فتوجّه خارج الشاليه .. ليجدها مازالت نائمة على الكرسي ، وهي متكوّرة على نفسها من شدّة البرد !

فحاول إيقاظها عدّة مرات دون فائدة..

- يالا نومك الثقيل ! حسناً سأتركك حتى الصباح

وغطّاها ببطانيّة سميكة..

ثم عاد لحاسوبه ، وفكره مازال مشغولاً بتلك المرأة الغامضة !


ونام مجدداً على الكنبة ، بعد عمله طوال الليل على تصنيف ملفّات مرضاه داخل الحاسوب..

***


في الصباح .. صرخ غاضباً على المرأة ، وهو يهزّها بقوة :

- لا يُعقل انك مازلت نائمة حتى الآن !! هيا استيقظي قبل إحضاري الشرطة 

ففتحت عيناها بتعب ، وهي تسأله :

- اين انا ؟!

الطبيب : انت في الشاليه الخاصّ بي

بدهشة : أحقاً !


ونهضت وهي تتأوّه بإرهاق : 

- في أيّ يومٍ نحن ؟

الطبيب : الخميس

بصدمة : مستحيل ! قدمتُ هنا مساء الثلاثاء

- يعني قبل قدومي بيوم ! أمعقول نمتي يومين كاملين دون طعام ! أهي نومة اهل الكهف ؟!


فأخرجت علبة دواءٍ فارغة من جيبها ، وهي تقول بيأس :

- كان عليّ بلع علبتيّ دواء ، بدلاً من واحدة لأرتاح من حياتي البائسة


وحاولت القيام ، وهي مترنّحة عن الكرسي .. فأسندها قبل وقوعها :

- لا تقفي بسرعة وأنت تشعرين بالدوّار.. ثم مالذي جعلك تتناولين علبة كاملة من حبوب المنوّم ؟!

السيدة بحزن : لا تهتم لأمري ، سأحاول لاحقاً إنهاء حياتي

- لن اسمح لك بذلك !!

- وما دخلك انت ؟!

- انا طبيبٌ نفسيّ .. وعملي هو مساعدة المكتئبين ، وكل من يمرّ بأوقاتٍ عصيبة مثلكِ.. تعالي معي الى مكتبي.. فأنت تحتاجين للفضّفضة ، وانا مستمعٌ جيد

السيدة : اكيد استشارتك ستكلّفني المال ، وحاليا لا أملك.. 

مقاطعاً : تركتك تنامين يومين بالشالية مجاناً ، فهل تظنّي سأطالبك بأجرة الإستشارة الطبّية ؟ هيا إغسلي وجهك ، ثم تعالي الى مكتبي .. فلديّ الفضول لمعرفة قصّتك

***


في مكتبه .. 

الطبيب : إستلقي هناك

السيدة بضيق : لا ، ذاك الكرسي مُخصّص للمعقّدين نفسيّاً

معاتباً : هذه مشكلة العرب ، يظنون الطب النفسيّ للمجانين فقط !

- لا يمكننا تجاهل نقد المجتمع ، فألسنة الناس لا ترحم

الطبيب : وهل سترحمك بعد انتحارك ؟ الأفضل عدم الإكتراث بأرائهم السخيفة.. هيا استلقي .. وسنبدأ اولاً من مرحلة الطفولة  

فأغمضت عيناها .. ثم سكتت مطوّلاً..


الطبيب بضيق : رجاءً لا تنامي من جديد ، فنومك ثقيلٌ جداً

السيدة : انا حقاً جائعة

- هذا طبيعيّ بعد نومك ليومين .. سأعدّ طعاماً لنا ، إنتظريني هنا

***


في المطبخ ، دخلت عليه وهي تقول : 

- هل يوجد لديك قهوة ؟ فرأسي يكاد ينفجر

فأجابها ساخراً :

- اساساً انا موجود لخدمتك ، سيدتي

- آسفة ، لكني حقاً مُتعبة

الطبيب : ستجدين المرطبان في الخزانة .. أعدّي قهوتك ، لحين إنهائي الشطيرتيّن 

***


ثم خرجت من الشاليه ، ليلحقها بالطعام.. فأشارت الى الكرسيّن المواجهيّن للبحر

- هل يمكننا التحدّث هنا ؟ فأنا لا أحب جوّ المكاتب

الطبيب : حسناً سنفطر ، ونحن نتحدّث عن مشاكلك التي جعلتك تقرّرين إنهاء حياتك

^^^


ثم استمع اليها ، وهي تُخبره عن طفولتها : 

- بما انني الحفيدة الأولى ، كنت المُفضّلة عند جدّي وجدّتي الّلذان سمحا ببقائي معهما في الجبل عند اشتداد الحرب في بيروت.. وفي يومٍ كئيب ، إستيقظت على صراخ جدتي التي وجدتها مُقيّدة بالكرسي ! بينما شخصٌ مقنّع يقوم بخنق جدّي بكيس نايلون شفّاف.. كانت عينا جدّي مُركّزتين عليّ ، قبل إغماضهما نهائياً بعد ازرقاق وجهه .. ثم رماه الرجل كجثةٍ هامدة باتجاهي ! فتجمّدت في مكاني ، وانا استمع لبكاء جدتي المرير.. وكانت هذه صدمتي الأولى في الحياة 

الطبيب باهتمام : ولما قتله ؟!

- ببداية الحرب الأهليّة ، إعتاد المجرمون على قتل الشخصيّات المهمّة في البلد.. ولأن جدي رئيس منطقته ، ورأيه ومشورته تُهمّ الجميع ، أزاحوه عن طريقهم !

- آه فهمت.. وماهي صدمتك الثانية ؟


السيدة : بسن المراهقة ، أجبرني والدي على الموافقة على خطوبة قريبي .. فكتبنا الكتاب وحدّدنا موعد العرس.. وفي يوم ، أخذني لزيارة عائلته في المنطقة المجاورة.. وهناك أصرّ على  نومي في غرفته ! لكني رفضت ، لأني وعدت اهلي أن لا يحصل شيئاً بيننا قبل العرس.. ولأنه رجلٌ شكّاك ، ظنّ بأني مُغرمة بغيره ! ومن يومها أصبح عنيفاً معي.. أذكر انني تشاجرت معه بسب بخله ونقده الدائم لي.. فضربني بقسّوة حتى كاد يكسر ذراعي ! فرميت الخاتم في وجهه ، وعدّت الى منزل اهلي .. وأسرعت الى غرفتي قبل رؤيتهم وجهي المتورّم.. فاتصل اللعين بأبي ليخبره عن فسخيّ الخطوبة ! فدخل ابي غرفتي صارخاً ، لأني لم استشره اولاً.. ولم أكن باستطاعتي الكلام من شدّة ألمي .. فأدار جسمي بقوّةٍ نحوه ، ليجد آثار الضرب على وجهي ! مما أغضب والدي الذي أعاد الإتصال بخطيبي ، مُطالباً بتطليقي في المحكمة.. لكنه رفض طوال سنتين ! بعدها وافق ، بشرط أن نسدّد كل المصاريف التي دفعها اثناء الخطوبة.. وكان مبلغاً مُبالغاً فيه ! فهداياه لا قيمة لها .. ولم يأخذني سوى مرتين على مطعمٍ رخيص.. ومع ذلك دفع ابي ما اراد ، وحصلت اخيراً على ورقة الطلاق


الطبيب باهتمام : لكنك لم تتزوجيه فعلاً ؟

- لا ، والحمد الله على ذلك

- وماذا حصل بعدها ؟


السيدة : تعلّمت في معهد للفنون الجميلة.. وهناك أحبّني استاذي بجنون ! وبسبب حنانه واهتمامه المتواصل ، جعلني أُغرم به 

- ولما لم تتزوجا ؟! 

- رفضته عائلتي لأنه متزوج ولديه اولاد ، رغم انه كان على استعداد لتطليق زوجته التي كان منفصلاً عنها لمدةٍ طويلة لعدم حبه لها .. لكني لم أردّ خراب بيته ، ورفضّته غصباً عني رغم الحب الكبير بيننا.. فصار المسكين يُرسل رسالةً غراميّة كل اسبوع ، دون إجابةٍ مني.. حيث اكتفيت بقراءتهم  والإحتفاظ بهم ، بعد أن بلّلتهم بدموعي الحزينة


الطبيب : ثم ماذا حصل ؟

- بعد وفاة والدايّ ، انخطبت عدّة مرات .. لكن إخواني رفضوهم لأسبابٍ واهية ! وفي يوم ، إلتقيت صدفة بأستاذي بإحدى المعارض الفنّية .. وأخبرني انه على استعداد لخطبتي ثانيةً ، بعد طلاقه الرسميّ من زوجته.. لكن هذه المرّة ، منعوه اولاده من إتمام الخطوبة ! فعرفت أن لا نصيب بيننا ، وأن الفراق هو قدرنا.. وهآ انا وصلت لعمر الأربعين دون زواج


الطبيب : وهل العنوسة هي سبب انتحارك ؟

السيدة بقهر : بل سماعي لإخواني وهم يتفقون على عدم تزويجي ! 

- ولماذا ؟!

- لأن المنزل الذي يسكنونه هو بيت جدي الذي كتبه بإسمي ، ويخافون أن يطردهم عريسي منه ! لهذا ينوّون إبقائي عانساً ، لخدمتهم مع اولادهم .. وكانت تلك الضربة القاضيّة


الطبيب : وبعدها أتيت الى المصيّف ؟

السيدة : قدمت مع صديقتي الى الشاليه الذي بجانبك.. لكني أخبرتها أنني سأعود الى منزلي ، بعد أن فاجأها خطيبها بقدومه اليها مباشرةً من المطار.. وعندما رأيتهما متعانقين بمحبّة ، لم أتحمّل .. ليس لغيرتي منها ، بل لتذكّري استاذي الحنون .. وكيف منعتنا الظروف أن نكون سويّاً .. وأتيت الى هنا ، ظنّاً بأن الشاليه فارغ .. فكل ما اردّته هو الرحيل بهدوء عن هذه الدنيا.. لكن حتى هذه الأمنيّة البسيطة ، فشلت في تحقيقها !


الطبيب : الإنتحار لم يكن يوماً الحلّ المثاليّ لمشاكلنا .. إعتبري الدنيا كمتاهةٍ كبيرة .. فهل ننهار اذا وصلنا الى بابٍ مسدود ، ونحن نعلم أن للمتاهة بابٌ خارجيّ ؟ .. كل ما علينا فعله ، هو عدم الدخول من ذلك الإتجاه ثانيةً ، والبحث عن الطريق الصحيح للخروج .. حينها تصبح الحياة سهلةٌ وممتعة .. وتأكّدي انه كلما أغلق الله باباً ، فتح لنا غيره 

السيدة : تتكلّم كأن في بالك فكرة تريد إيصالها لي ؟!

الطبيب بارتباك : بصراحة نعم .. فطالما خوف إخوانك على منزلهم هو سبب رفضهم لعرسانك ، فلما لا تتزوجي من رجلٍ ميسور الحال ولديه منزله الخاصّ ؟

- ولما سيختار الثريّ امرأةً اربعينيّة ، وهو قادر على الزواج من عشرينيّة ؟

الطبيب بابتسامةٍ حنونة : ربما أُعجب بها اثناء نومها الثقيل

فنظرت اليه بدهشة !


الطبيب : كما أخبرتك .. انا طبيبٌ نفسيّ ، ولديّ عيادة في العاصمة ومنزل وشاليه .. ولم اتزوج إلى الآن ، لانشغالي الشديد بعملي.. ويبدو أن القدر ساقك إليّ ، لأنه حان الوقت لأستقرّ ، وأبني عائلتي الخاصة.. فما قرارك بهذا الشأن ؟

فسكتت ، وهي غارقة بأفكارها !

الطبيب : أعطني رقم اخيك الأكبر ، واتركي الموضوع لي

***


وبالفعل تزوجت الطبيب الذي كان سنداً لها على مدار سنوات.. فهو ساعدها بكل شيء : كتربيّة الأولاد وإدارة المنزل والطبخ وغيره .. حتى انه حسّن علاقتها بالعائلة والأصدقاء ، بسبب مشوراته الصحيحة. 

***


وذات يوم ، أرته جوالها وهي تقول :

- كنت أخبرتك عن استاذي .. ورغم انني لم اتواصل معه منذ خطوبتنا ، إلاّ انه ارسل دعوةً لحضور حفل توقيع كتابه : عن مجموعة رسائله الغراميّة التي ارسلها قديماً ، مع لوحة رسمها خصّيصاً لي !

زوجها : حسناً ، سنذهب معاً الى حفلته 

بصدمة : أحقاً !

- انا أثقّ بك ، وبحبنا الذي جمعنا كل هذه السنوات.. وأعلم ان استاذك هو حبك الأول ، وذكرى جميلة من ماضيك.. وأعرف انه تقبّل فكرة زواجك .. وبأنك ظهرتِ في حياته ، لتكوني سبباً في ابداعاته الفنّية 

***


وبالحفل.. سلّم الأستاذ عليها وعلى زوجها ، وشكرهما على حضور حفلته.. ثم تحدّث الرجلان جانباً ، اثناء رؤيتها بقيّة اللوحات الفنيّة ..


الأستاذ بقهر : انا اؤمن بالقدر ، وللأسف لم يكن هناك نصيباً بيننا .. لكني سعيد انها وجدت الشريك المناسب لها.. رجاءً إهتم بتلميذتي ، فهي جوهرةٌ حقيقية.

الزوج : انا أفعل كل ما بوسعي لإسعادها ، فلا تقلق بهذا الشأن

^^^


بنهاية الحفل ، تصوّر الثلاثة معاً.. ثم ودّعت استاذها الذي ظلّ يُلاحقها بعينيه الدامعتين وهي ترحل بسيارة زوجها ، قائلاً بنفسه بحزن :

((ستبقين دوماً مُلهمتي ، يا حبّي العذريّ ... وحتى آخر نفسٍ بحياتي))


هناك 4 تعليقات:

  1. هذه القصة بناءً على طلب إحدى الصديقات ، لتحويل احداث حياتها الى قصةٍ في مدونتي .. أتمنى ان تنال إعجابها وإعجابكم

    ردحذف
  2. احقا ...؟ نهايه سعيده ..سبحان الله
    انها علامات الساعه
    ان فرانز كافكا والبير كامو ليتقلقلان في تربتهما ويءنان انا انا قابضين على اللحى ..
    ياويلتاه ..ياخرابتاه
    حسنا ..على كل ..مبارك للعروسين ونسأل الله
    السلامه وربنا يستر
    ويكفي الباءسه ما لاقته

    ردحذف
  3. جميل جميل جميل.. قصة لطيفة.. أعجبتني كثيراً.

    ردحذف

المُسامح كريم

تأليف : امل شانوحة     الخيانة المُدمّرة  تفاجأت سلمى بحصولها على دعوة لبرنامجٍ تلفزيونيّ جديد ! أجلسوها فيه امام شاشةٍ مُطفأة ، حيث سألها ا...