الخميس، 24 مارس 2022

فريق إيلينا

كتابة : امل شانوحة 

 

الموهوبون الصغار


في حيٍّ شعبيّ في إيطاليا ..عاشت إيلينا الستينيّة وحدها في منزلٍ أرضيّ قريب من ملعب كرة القدم التابع لإحدى الأنديّة الرياضيّة ، التي عملت فيه ببيع الشطائر والمشروبات الباردة والحلوى لفِرق الأولاد المُشاركين بالنادي..

***


ذات صباح ، سمعت شجاراً بين ثمانية اولاد وحارس الملعب الذي رفض إدخالهم النادي ..

فلاعب أحدهم الكرة امامه ، وهو يقول :

- أنظر كيف أتحكّم بالكرة !! انا وأصدقائي لاعبين محترفين ، وعليك إدخالنا لنُري المدرّب براعتنا

فردّ الموظّف بنبرة تهديدٍ واستحقار : انتم فقراء ، ولا تملكون ثمن الإشتراك بالنادي ..لذا ابتعدوا من هنا ، قبل استخدامي العصا !!

فقال أحدهم بيأس : صدّقنا يا رجل .. يوماً ما سنصبح أفضل لاعبي إيطاليا ، فقط أعطنا فرصة واحدة لكيّ..

فقطع كلامه بهجومه عليهم بالعصا ، ليسارعوا بالهرب ! 


فلحقتهم العجوز دون أن يروها ، لتسمع كبيرهم يقول بحزن : 

- يبدو علينا نسيان حلمنا يا اصدقاء 

فردّ صاحبه بعصبية : هل جننت ؟!! أملنا الوحيد في الحياة هو الإحتراف والنجوميّة 

- وكيف سنفعل ذلك ، ونحن لا نملك ثمن كرة جديدة ؟! اساساً اين سنتدرّب بعد طُردنا من شارع المحلاّت التجارية ، لخوفهم على واجهاتهم الزجاجيّة .. كما طُردنا من الحيّ الهادىء ، لأننا نوقظ المرضى والأطفال .. حتى الشارع العام ، وضعوا الحواجز لمشروع النفق السريع .. لا أحد سيقدّر موهبتنا لأننا فقراء ، علينا تقبّل ذلك  


فنادتهم إيلينا وهي تجرّ عربتها بتعب :

- يا اولاد !! إقتربوا مني

- ليس معنا المال لشراء الحلوى يا خالة

إيلينا : اريد إخباركم شيئاً مهماً 


وحين اقتربوا ، قالت لهم :

- سأدعكم تتدرّبون في حديقة منزلي الأرضيّ

الأولاد بدهشة : أحقاً !

إيلينا : صحيح ليس كبيراً لكنه بعيد عن بقيّة المنازل ، بذلك لن تزعجوا الجيران .. (ثم نظرت لكرتهم) .. ذكّروني أن أشتري لكم كرةً جديدة 

- ولما تساعدينا يا خالة ؟!

إيلينا : لأني أعيش وحدي منذ سنواتٍ طويلة ، وسيكون جميلاً سماع أولادٍ يلعبون في حديقة منزلي .. والآن ساعدوني بجرّ العربة ، لأني منذ الغد سأكون مدرّبة فريقكم


الأولاد بدهشة : أتريدين تكوين فريق ؟!

إيلينا : نعم بشرط !! كلما أدخلتم هدفاً ، عليكم الهتاف : ((لافيكيا سنيورا)) أيّ السيدة العجوز 

فردّوا بابتسامة : كما تشائين يا خالة

إيلينا بحزم : لا تظنوا انني سأتساهل معكم لأني كبيرة في السن ، فأنا افهم جيداً بكرة القدم ..فوالدي كان مدرّباً محترفاً للشباب .. كما راقبت لسنواتٍ عديدة تدريبات الفرق بالملعب الكبير .. لهذا سأدرّبكم بقسّوة !! ومن يتقاعس منكم ، يُحرم من طعامي اللذيذ بالإضافة للحلوى المجانيّة

فضحكوا بسعادة ..


فأكملت قائلة : وحين تتقنون جميع التدريبات ، وتصبحون بارعين بتسجيل الأهداف ، حينها أسجّلكم بالنادي الرياضيّ

- لكنهم يحتاجون مالاً كثيراً !

إيلينا : أتركوا الموضوع لي .. وهآ نحن وصلنا المنزل !! اريدكم ان تساعدوني بإزالة بعض الأغراض من الحديقة ، لتوسيع ملعبكم  

***


أمضى الأولاد الثمانية ساعتين في تنظيف حوش منزلها ..

وحين دخلت العجوز الى بيتها ، تهامس الأولاد فيما بينهم :

- أظنها تتلاعب بنا ، لتنظيف حديقتها بالمجّان ! 

فخرجت وهي تقول معاتبة :

- سمعتك يا ولد !!

وكانت تلبس زيّ رياضي قديم ، وهي تضع الصافرة في عنقها ..

فأضحكهم مظهرها .. فقالت مبتسمة :

- أتسخرون مني ؟

- من اين أتيت بهذه الملابس القديمة ؟


إيلينا : كانت لأبي المرحوم الذي حلم دائماً بإنجاب صبيّ وتدريبه ليصل لبطولة العالم .. لكنه لم ينجب غيري ، لهذا اريد تحقيق حلمه .. والآن دعونا نرسم حدود الملعب 

- أهذا طبشور ؟!

إيلينا : بالطبع لن أفسد حديقتي بالدهان .. هيا ابدأوا برسم حدود المرميين  


وبعد إنهائهم من رسم حدود الملعب .. سألها احدهم : 

- متى تبدأ المباراة الأولى ؟

إيلينا : غداً ، اليوم تعبتم بما فيه الكفاية .. وأريدكم الحضور باكراً للقيام اولاً بتمارين الإحماء .. أمّا الآن ، فسندخل المنزل لتناول المعكرونة.. هيا بنا !!


وقد أسعدهم مذاق طعامها اللذيذ ، فمعظمهم من عائلاتٍ فقيرة بالكاد تجد قوت يومها ! 


وبعد الطعام ، أعطتهم الحلوى .. ليعودوا سعداء الى بيوتهم  

***


في الصباح الباكر .. إستقبلتهم بفطورٍ صحيّ ، قبل بدء التمرينات (التي شاهدتها اثناء بيعها في مدرّجات الملعب على مدى سنوات)

ولم تتساهل معهم ! بل راقبتهم بدقّة وهي تحمل صافرتها ..وتأمرهم بتكرار التمرين ، لحين إتقانه تماماً .. 

فقال أحدهم بإرهاق :

- رجاءً خالة إيلينا ، تعبتُ كثيراً

إيلينا بحزم : أتريد الإنضمام للنادي ام لا ؟

- بلى 


إيلينا : اذاً عليك إنهاء تمارين الضغط 50 مرة ، كما يفعل اللاعبون الصغار المحترفون .. هيا إكمل العشرة المتبقية دون تذمّر .. ومن بعدها تركضون جميعاً حول منزلي 40 مرة 

- 40 مرة ! هذا كثير يا خالة 

إيلينا : مدرّب فريق الأولاد يأمرهم بالدوران حول الملعب 20 مرة ، ومنزلي أصغر بكثير من الملعب .. ولا استطيع التساهل معكم اكثر من ذلك 

- ومتى تبدأ المبارة ؟

إيلينا : بعد إنهاء تمارين الإحماء ، كيّ لا تصابوا بشدٍ عضليّ

***


بعد مرور ساعة من التمرينات المرهقة ، أخذت تراقبهم من داخل مطبخها بعد إطلاقها الصافرة لبدء المباراة (عقب تقسيمهم لفريقين) وهي تحمل ساعة التوقيت 


وفي المباراة ، طبّق الأولاد ما اتفقوا عليه سابقاً .. فكل هدفٍ يدخلونه (من كلا الفريقين) عليهم التوقف امام نافذة مطبخها ..ورفع ايديهم نحوها ، وهم يهتفون بصوتٍ عالي : 

- ((لافيكيا سنيورا)) !!

فترفع يدها معهم ، وهي فخورة ببراعتهم في تسديد الكرات !  

لتنتهي المبارة الأولى بالتعادل هدفين لكلٍ منهما ..

***


ومضت الأيام .. والأولاد الثمانية يحضرون في موعدهم الصباحي لبدء تمارين الإحماء التي لم تعدّ تتعبهم ، بل تُحمّسهم لبدء المباراة الوديّة بينهم ، والتي تغيّرت نتيجتها مع كل مباراة .. 

كما اعتادوا بنهاية اليوم على تناول الغداء معها ، والحصول على الحلوى المجانيّة قبل عودتهم بيوتهم

***


وفي أحد الأيام .. لم يأتي احدهم ، وأكملوا اللعب دونه ! 

وبعد رحيلهم ، رأته إيلينا يجلس خلف منزلها حزيناً .. فسألته عن غيابه؟ 

فردّ بقهر : منعتني أمي من زيارتك

إيلينا باستغراب : لماذا ؟!

- لأني أتعبها بغسل ملابسي الرياضيّة كل يوم ، كما أكلّفها ثمن مسحوق الغسيل وصابونة الإستحمام 

إيلينا بحزم : أراك غداً في ملعبي ، مفهوم !! 

- الم تسمعينني يا خالة ؟ نحن فقراء جداً  

إيلينا : غداً بعد ذهاب اصحابك ، تستحمّ عندي .. وانا أغسل ملابسك ..فقط إحضر غياراً معك كل يوم 

- لا اريد إتعابك !


إيلينا : اذاً لا تخذلني ، فأنت ورفاقك وعدّتموني بالوصول لبطولة العالم 

فقال بارتياح : بأمرك سيدتي ، سأحضر غداً على الموعد

فابتسمت بفخر : أحسنت يا بطل !! إيّاك التخلّي عن حلمك ، مهما ضغطت عليك ظروف الحياة 

***


واستمرّت التدريبات كل صباح ، مع إلتزام إيلينا بعملها كمدرّبة مُحترفة ! 


وفي ذلك العصر ..إجتمعت الأمهات في بيتها ، مطالبات بإزالة فكرة كرة القدم من رؤوس أبنائهن ..

إيلينا باستنكار : ولما أفعل ذلك ؟!

- لأنهم لن يحترفوا كما يحلمون ، فنحن فقراء معدمين

إيلينا : معظم مشاهير الكرة نشأوا في بيئةٍ فقيرة ، وكذلك اثرياء العالم 

- اولئك محظوظين

إيلينا : بل اجتهدوا لتحقيق حلمهم ، وأبنائكن يملكون المهارة الكافية لدخول دوري المحترفين

فقالت أم بنبرة إستحقار : وما ادراك انت بهذه الأمور ؟


فردّت إيلينا بحزم : إن بقيت تحبطين ابنك ، فلن يكترث لك حين يصبح مليونيراً .. (ثم قالت للأمهات) .. الأفضل أن تدعمنّ اولادكن بدل إحباط حلمهم الوحيد بفوز إيطاليا ببطولة العالم 

فسألتها أم : أتظنين بإمكانهم الوصول لدوري فرق الصغار ؟

إيلينا : صدّقوني سيصبحون من مشاهير الكرة ، فقط توقفن عن نقدهم وثقوا بهم قليلاً !! 

فخرجنّ من بيتها وهن مختلفات الرأيّ بين إبقاء إبنائهنّ معها ام لا! 

***


بعد سبعة شهور من التدريبات المتواصلة ، فاجأتهم إيلينا بإحضارها ملابس موحّدة للاعبيها الثمانية ، مطبوعاً على قمصانهم : ((فريق إيلينا)) 

فقفزوا فرحين لأنها المرة الأولى التي يحصلون فيها على زيِّ رياضيّ جديد ، مع أحذية مريحة .. فقالت لهم :

- إلبسوها فوراً !! لأننا ذاهبون الى النادي الرياضيّ ، بعد دفعي إشتراككم السنويّ


فسألها احدهم بدهشة : ومن اين حصلت على المال ؟!

إيلينا : بعت ذهب أمي

- هو ذكرى قيّمة لك ، فلما بعته ؟! 

إيلينا : ليس لديّ أغلى منكم .. فالربّ لم يرزقني الأولاد ، لكنه رزقني بثماني احفادٍ محترفين

فحضنوها بامتنان ..

إيلينا : لا وقت لدينا للعواطف .. هيا إسرعوا بتجهيز أنفسكم ، فالمدرّب يريد إختباركم قبل تسجيلكم بفريقه .. وإيّاكم أن تخذلوني!!

- لن نفعل !!

***


توجّهوا جميعاً للنادي الوحيد بالمنطقة ، وهم يلبسون زيّهم الأزرق الموحّد.. ليقفوا مندهشين من ضخامة الملعب الذي يرونه لأول مرة من الداخل ، بعد موافقة الحارس على إدخالهم 


لتبدأ على الفور الإمتحانات الدقيقة من المدرّب للاّعبين الجدّد ، حسب تسديهم للكرة والتمرير ، وكذلك حراسة المرمى


وبعد ساعتين .. أخبر المدرّب إيلينا عن موافقته لضمّ إثنين منهم لفريقه ، لتنتفضّ بعصبية : 

- بل ستضمّهم جميعاً لفريقك !! 

المدرّب : لا استطيع ! فقدراتهم متفاوتة 

إيلينا : أنا أعرف قدراتهم جيداً ، ولن أسمح بتفريقهم عن بعضهم  

فهمس الأولاد لها : لا بأس يا خالة أن يختار بعضاً منّا ، فهذا قراره 

إيلينا بحزم : إمّا أن تحترفوا جميعاً او لا !! .. (ثم قالت للمدرّب) .. اريدهم أن يكونوا لاعبين اساسيين بفريقك ، وليس لاعبي إحتياط 


فقال المدرّب : هذا سيكلّفك مبلغاً إضافيّاً 

إيلينا : سأدفعه مقابل لعبهم جميعاً في مباراتك القادمة

المدرّب : المباراة القادمة حازمة ، فمن يفوز يتأهّل للعب بدوري الصغار 

إيلينا بثقة : سينجحون لا تقلق ، فأحفادي لن يخذلوني ابداً

المدرّب : يالك من سيدة عنيدة ! حسناً إحضري المبلغ قبل نهاية الإسبوع ، وإلاّ سأختار اثنين فقط 

***


بعد خروجهم من النادي ، سألوها بقلق :

- اين ستحضرين المبلغ الكبير ؟!

إيلينا : سأسافر غداً لقريتي لبيع ارض والدي 

- رجاءً لا تبيعي املاكك لأجلنا ! 

إيلينا : سأبيع كل شيء في سبيل تحقيقكم حلمي بالفوز بكأس العالم ، كما وعدتموني.. ما بكم تنظرون لبعضكم هكذا ! ألن تنفّذوا اتفاقنا؟ 

- بل سنصل للعالميّة ، لكن الأمر يحتاج لسنوات .. فأصغرنا بالعاشرة وكبيرنا في 13 من عمره ! 

إيلينا : وانا لست عجوزاً لهذه الدرجة ، سأظلّ حيّة لحين ظهوري في الصحف الدوليّة وانا أحمل كأس العالم 

فقالوا بابتسامة : نعدك أن نحقّق حلمك يا خالة إيلينا 

وحضنوها وهم يبكون إمتناناً لإيمانها الكبير بموهبتهم !

***


وبالفعل تمكّنت إيلينا من تسجيلهم معاً ضمن الفريق ، للعب ببطولة اليافعين .. حيث تمرّنوا مع مدرّبهم الجديد ، بالإضافة لتمرّيناتهم مع إيلينا في حوش منزلها في عطلة الإسبوع .. 

***


لم تفوّت إيلينا مباراة واحدة اثناء صعودهم بدوري الصغار ، كما لم ينسى الثمانية الهتاف لها مع كل هدفٍ يسددّونه :

((لافيكيا سنيورا)) !!

وبدورها ترفع يدها لتحييهم من المدرّجات ، وهي فخورة بهم 

***


وكما توقعت إيلينا ، حصلوا على كأس بطولة اليافعين بكل سهولة .. وبعد تصوّرهم معها وهي تحمل الكأس ، أخذوا يودّعونها بحزن 

فسألتهم : أتظنون بهذا الكأس الصغير نفّذتم وعدكم لي ؟

- نحن ربحنا الدوري !

إيلينا : كنت اتفقت معكم منذ البداية على بطولة العالم

- لكننا سنفترق في عدة فرقٍ إيطاليّة ، ونحتاج عشر سنوات لنصل لبطولة الشباب !


إيلينا : لا تهمّني السنوات ، طالما بالنهاية ستجتمعون ضمن الفريق الوطني المُشارك ببطولة العالم .. (ثم حضنتهم) .. نصيحتي لكم : إيّاكم والغرور ، ولا تسمحوا للشهرة والمال أن تفرّقكم عن بعضكم 

- نعدك بذلك ، بشرط اهتمامك بصحتك

إيلينا : لا تقلقوا ، لن اموت قبل تحقيق حلم والدي

***


ومرّت السنوات .. برع كل واحداً منهم في فريقه ، والذين اعتادوا على الهتاف بإسمها كلما أدخلوا هدفاً .. ليصبح هتاف ((لافيكيا سنيورا)) حديث الصحافة والجمهور !!


إلى أن تأهّلوا جميعاً لبطولة العالم ، بعد اختيارهم ضمن الفريق الوطني بسبب براعتهم في فرقهم المتعددة .. ماعدا شاب منهم ، لم يتم اختياره بعد إنخفاض مستواه إِثر إصابةٍ تعرّض لها سابقاً

وحين زارها الشباب السبعة لإخبارها بسفرهم القريب للخارج ، طلبت منهم الإتصال بصديقهم الثامن للقدوم الى منزلها ..


فوصل بعد ساعة .. ودخل بيتها عارجاً ، فصرخت في وجهه :

- إمشي جيداً يا ولد !!

- عُطبت ركبتي يا خالة 

إيلينا (السبعينية) : انت تمثّل ذلك ، لأنك خائف من اللعب في الخارج

- لست بقوّة رفاقي لأصل للعالميّة

فصفعته بقوة ، وسط دهشة زملائه ! 

إيلينا بغضب : جميعكم مدينون لي !! ولن أسمح لأيٍّ منكم بالتخاذل عن وعده لي .. جميعكم ستلعبون معاً ، لترفعوا إسم إيطاليا عالياً .. 

- لكن يا خالة ، المدرّب لم يختارني 

ايلينا : اذاً على رفاقك إجباره بذلك 

الجميع : وكيف ! 

إيلينا : هدّدوه بالإنسحاب من الفريق إن لم يضمّ صديقكم معكم 

- وماذا عن إصابتي ؟ 


إيلينا : لطالما كنت بارعاً بالحراسة ، فكنّ مسؤولاً عن صدّ كرات الفرق الأخرى .. (ثم نزلت دمعتها) .. رجاءً لا تخذلوا جدّتكم إيلينا ، فقد لا تسنح لي فرصة أخرى لتحقيق حلم حياتي  

- سنحاول يا خالة ، ولا تنسي مشاهدة مبارياتنا بالتلفاز

إيلينا : التلفاز ! بل سأراقبكم من المدرّجات ، فقد بعت ما تبقى من املاكي للسفر معكم ، بشرط أن لا تنسوا مع كل هدف .. 

فأكملوا قائلين : نهتف لك !! 

إيلينا بابتسامة : نعم ، اريد العالم أن يعرف من هي إيلينا العجوز 

فحضنوها بسعادة

***


وبالفعل انضمّ صديقهم الثامن ، بكونه حارس إحتياط .. والذي شارك اخيراً رفاقه بعد وصولهم للدور الربع النهائي ، بعد إصابة حارسهم الأساسي .. ليُفاجئ الجمهور ومدرّبه ببراعته بصدّ الأهداف !


وبسبب هتافهم لإيلينا (التي شاركت فريقها فرحتهم من المدرّجات) أجرت الصحافة حواراً معها ، أخبرتهم فيه : عن ثقتها بمهارة صغارها الثمانية ، وبدورهم عبّروا عن إمتناتهم لدعمها المتواصل لهم ... 

***


في المباراة النهائية ، أخفت إيلينا مرضها عن فريقها .. وجلست في مكانها المعتاد فوق مقاعد المدرّب .. وهذه المرة لبست الزيّ الرياضي القديم لوالدها ، بعد أن قاربت على تحقيق حلمه..

 

ووصلت المباراة الى ركلات الترجيح .. وبقيّ هدفٌ واحد : إن أدخلها الفريق المنافس ، خسرت إيطاليا البطولة .. وإن صدّها حارسهم ، ربحوا الكأس ..

فنادت إيلينا حارسها بعلوّ صوتها !! فتوقفت المباراة ، لحين ذهابه لمكانها القريب من الملعب .. لتهمس في اذنه :

- سيضع الكرة على اليسار ، فهو عسراويّ

- هل انت متأكدة يا خالة ؟!  

إيلينا معاتبة : أتشكّ بكلامي يا ولد !

- حسنأ سأتوجّه يساراً .. فإن خسرنا ، لا تلومينني 

إيلينا بثقة : لن نخسر .. فحلمي وحلم ابي ، أصبح بين يديك يا بطل!! 


وبالفعل توجّهت الكرة بقوّة لليسار ، ليصدّها الحارس ببراعة ! 

لتعلن صافرة الحكم فوز إيطاليا ببطولة العالم ، لتتفاجأ إيلينا وفريقها بهتاف الجمهور بصوتٍ واحد :  

- ((لافيكيا سنيورا)) !!! 

بعد أن حقّقت العجوز حلم الشعب بأكمله !

***


بعد تتويجهم بالميدليّات الذهبيّة ، تصوّرت إيلينا مع فريقها التي عادت معه بالطائرة الخاصة الى إيطاليا .. لتُحمل على أكتاف المشجّعين بسبب دعمها لمواهب اللاعبين الثمانية منذ صغرهم .. 

***


بعد إنتهاء الإحتفالات .. ذهب الشباب الثمانية معها الى المقبرة فور عودتهم من العاصمة .. وأعطوها الكأس ، لتضعه فوق قبر والدها .. ووقفوا خلفها ، ليسمعوها تقول له : 

((ابي .. سمعتك يوماً تقول لأمي إنها خذلتك بإنجابها لي ، بدلاً من صبيّ يحقّق حلمك بالحصول على كأس العالم ..فهل انت راضي عني الآن ؟))

***


ثم توجّهوا معها الى بيتها الصغير .. لتجد اهالي الشباب الثمانية وأهالي حيّها الشعبيّ ، قد زيّنوا بيتها ورتّبوه خلال غيابها ! كشكرٍ على دعمها لأطفالهم الموهوبين ..

 

لتعيش إيلينا شهراً كاملاً من الإحتفالات المتتالية ، قبل أن تسوء حالتها الصحيّة ، وتُنقل للمستشفى !

فزارها الشباب الثمانية (الذين أصبحوا من مشاهير الكرة العالميّة)..

فسألتهم وهي تضع قناع الأكسجين :

- سمعت إن كل واحداً منكم حصل على عقد احتراف في الخارج

- هذا صحيح يا خالة ، وكلّه بفضلك


إيلينا : اذاً انتهى عملي معكم .. وآخر طلبٍ لي : أن تحوّلوا بيتي الصغير لملعب تدريب لأولاد الفقراء ، بشرط أن تدعموهم ماديّاً ومعنويّاً كما فعلت معكم 

- هذا ما كنّا نخفيه عنك .. فقد خطّطنا لفتح نادي لدعم المواهب الصغيرة بالمناطق الفقيرة 

إيلينا بفخر : لقد أحسنت تربيتكم بالفعل ، ويمكنني مقابلة روح والدي وانا مُعتزّه بإنجازي معكم .. تذكّروني دائماً يا أحفاديّ الأعزّاء 

وكانت هذه آخر كلماتها ، قبل مفارقتها الحياة !

*** 


وفي عام 1897 .. تمّ إنشاء نادي يوفنتوس (جوفنتوس) الإيطاليّ بدعم مادي من المشاهير الثمانية .. بشعار السيدة العجوز ، تكريماً لروح الجدّة إيلينا ! 


الاثنين، 21 مارس 2022

ظلمني زماني

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

ردّ الجميل 


واجهت سارة إحباطاً شديداً بسبب ضغوطات طليقها ، ومديرها في العمل ..وزادت انطوائيتها لدرجة جعلتها تشترك في مجموعة علاجيّة لطبيبةٍ نفسيّة محترفة .. 

وخلال العلاج الجماعي ، شارك معظم المرضى مشكلته امام رفاقه .. بينما رفضت سارة وإثنين آخرين البوح بمتاعبهم ! 


فأعلنت الطبيبة بنهاية الجلسة عن برنامج يسمح لهم بالتواصل مع المجرمين المحكوم عليهم مؤبّد او ينتظرون حكم الإعدام 

شارحةً لهم :

- يمكنكم إختيار احد المساجين للبوح له بمكنونات قلبكم ، فهو لن يفضحكم بسبب بقائه في السجن لآخر يومٍ في حياته


وأعطتهم الإيميل الذي يمكنهم من خلاله التواصل مع إدراة السجن التي جهّزت قاعة للمحادثة مع المساجين الذين تخلّوا عن عنفهم وإجرامهم بمرور السنين ..

***


في المساء .. شعرت سارة برغبة للتحدّث مع أحدهم.. ففتحت البرنامج لتجد خمسة اشخاص محكوم عليهم بالإعدام ، وعشرة محكومين بالمؤبّد  ضمن برنامج المحادثة المفتوحة ..

 

فاختارت سجيناً محكوماً مؤبّد ، سمِح الوجه ونظراته بريئة ! 

وقرأت ملفّه ، لتجده متهم بقتل زوجته ! 

وكان الوحيد المتصل بالإنترنت في هذا الوقت المتأخر .. 


فبدأت المحادثة بالتعريف عن نفسها : بأنها مريضة نفسيّة توشك على الإنتحار

فطلب منها إخباره بما يشغل تفكيرها ؟

فكتبت عن شخصيتها المحطّمة منذ الطفولة بسبب والدها المسيطر ، الذي أجبرها على الزواج من رجلٍ نرجسيّ دمّر ما تبقّى من ثقتها بالنفس ! وحين قرّرت الإعتماد على نفسها بالعمل في دار النشر , واجهت مديراً حازماً يقلّل من شأنها امام الموظفين كلما سنحت له الفرصة !


وبعد ساعتين من حديثها عن مأساتها ، نصحها قائلاً :

- لا تكوني الشخص الطيّب في المجتمع ، فالجميع سيستغلّك كما حدث معي

سارة باهتمام : وماذا حصل ؟!


فحاول السجين (آدم) التهرّب من سؤالها .. لكنها أصرّت على معرفة ملابسات جريمته ..

سارة : هل خانتك زوجتك ، أم فقدّت اعصابك بسبب عنادها ؟ أم كانت المشكلة بتدخل الأهل والأصدقاء ؟

آدم : لا شيء ممّا قلته .. ففي ذلك الصباح ، ذهبت لشراء دواءٍ لإبني..

سارة مقاطعة : ألديك اولاد ؟!

- طفلين ..أقصد كانا طفلين يوم الجريمة ..الآن بلغ ابني سن 11 ، والصغيرة أتمّت التاسعة

- إكمل رجاءً


آدم : بعد عودتي من الصيدليّة ، وجدّت شقتي مليئة بأفراد الشرطة ! وولدايّ يبكيان بفزع في الصالة .. وحين دخلت المطبخ ، كانوا يغطّون جثة زوجتي التي قُتلت برصاصة في قلبها ! 

- اذاً انت لم تقتلها ؟!

- حاولت إفهام المحقّق بما حصل ، وأريته الأدوية التي معي ..لكنه لم يصدّقني ! وأخبرني إن باب الشقة غير مخلوع ، وهذا يعني انني أعطيت مفتاحي للمجرمين بنيّة قتلها ، والدليل انهما لم يسرقا شيئاً ! وأدوية الصيدليّة حجّة لإبعاد الشبهات عني


سارة : واين ولديك الآن ؟

- في قصر جدّهم 

سارة باستغراب : قصر !

- نعم هو ثريٌّ جداً ، لهذا كرهني منذ البداية .. فأنا لست بمستواهم المادي ، رغم إنّي خرّيج محاسبة وموظّف دولة 

- ولما لم تدافع عن نفسك ؟!


آدم : لأن حمايّ وكّل أبرع محامي في المدينة .. ولسوء حظي لم يعثروا على اللصيّن لتعطّل كاميرا العمارة .. فاتهموني بالتخطيط لقتلها ، لحصولي على التأمين على حياتها ! .. أيعقل أن أقتلها امام طفليها الصغيرين ؟! 

- كان عليك استئناف حكم المؤبّد 

فتنهّد آدم بيأس : لم يعد يهمّني شيء بعد وفاة زوجتي الحبيبة ، بل صرت أتمنى الموت كل يوم

- وماذا عن ولديك ؟

- هما يعيشان بنعيم عند جدهم ، كما أخبرني المحامي الذي طلب مني إيقاف طلباتي برؤيتهما ، كيّ لا أدمّر نفسيّتهما .. خاصة أن جدهم أخبرهم انني متّ مع امهم بحادث سير ! فهما كانا صغيران يوم الجريمة ، ولا يتذكّران ما حصل لأمهما ..


وأخذت تحدّثه طوال الليل .. قبل توديعه ، وهي تعده بالتواصل معه في يومٍ آخر.. 


ولأوّل مرة غفت سارة دون أرق ، بعد فضّفضتها عن آلامها ومشاكلها التي تعتبر بسيطة بالنسبة لمصيبة السجين المظلوم ! 

***


في الصباح .. إستيقظت سارة وهي تشعر بالنشاط والتفاؤل على غير عادتها ! وقرّرت اثناء توجّهها لوظيفتها بتطبيق نصيحة آدم : وهي إبعاد الأشخاص السلبيين عن حياتها.. 


فدخلت مباشرةً الى مكتب مديرها لتقديم استقالتها ، بسبب سوء معاملته لها .. فتفاجأ من تصرّفها الجريء ! فهي أهم موظفة لديه (دون إخبارها بذلك) .. وحاول تغيّر رأيها برفع راتبها ، لكنها أصرّت على ترك العمل ..


وخرجت من هناك وهي تتنفّس الصعداء بعد إزاحة همٍّ كبير عن قلبها .. فآدم أخبرها : إنها لن تُنتج في بيئةٍ متوتّرة ، التي ستضعف مناعتها وتحطّم نفسيّتها ..

***


في الطريق .. أتاها إتصال من طليقها الذي اعتاد على ابتزازها بنشر صورهما الزوجيّة ، في حال لم تعدّ اليه !

فاستجمعت قواها ، لتقول بلا مبالاة :

- كنت حينها زوجتك ، فإن اردّت الظهور كعديم الشرف امام عائلتك ، فانشرهم .. وأعدك أن لا تجد امرأة تقبل الزواج بشبيه الرجال 


وأقفلت المكالمة في وجهه ، بعد أن صدمته بقوتها المفاجئة ! فهو كان على يقين بسيطرته التامة عليها .. ولولا ضغط اهلها ، لما طلّقها ابداً.. ولكان احتفظ بها كلعبةٍ يُفرغ فيها عقده النفسيّة وطاقته السلبيّة !

***


وقفت سارة امام الشاطىء ، وهي تشعر بحرّيةٍ وسعادةٍ لم تشعر بها من قبل ! كل هذا بفضل نصائح آدم التي مازالت ترغب في مساعدته .. 

فخطرت ببالها فكرة ، وأخرجت جوالها للبحث عن إسم حماه الثريّ (الذي  أطلعها به ضمن سياق حديثه) .. ولم يكن صعباً العثور على عنوان قصر أغنى اثرياء المدينة .. 


فتوجّهت مباشرةً الى هناك .. وحين وصلت ، رأت ولدين يلعبان في حديقة القصر ، بجانب الخادمة التي نادتها لتسألها :

سارة : هل وضعتم إعلاناً لوظيفة مربيّة ؟

الخادمة : هل ارسلك المكتب ؟

فسعدت سارة بهذه الصدفة الغريبة ! فأسرعت قائلة :

- نعم !! أرسلوني اليكم ، هل يمكنني مقابلة السيد ؟

فطلبت الخادمة من الحارس فتح الباب لها .. 

***


تجوّلت سارة في اروقة القصر ، وهي منبهرة من فخامته ! قبل وصولها لمكتب الجد الذي استقبلها بغطرسة :

- كان على المكتب إخباري بقدومك !!

سارة : إن كنت مشغولاً ، آتي غداً سيدي

الجد : لا ، الأفضل إتمام الموضوع بأسرع وقتٍ ممكن .. فأنا مسافر بنهاية الأسبوع في جولةٍ تجاريّة بأوروبا ، ولا اريد ترك حفيدايّ مع الخدم .. والآن إخبريني ، ماهي مؤهلاتك ؟

سارة : انا خرّيجة تربية الطفل .. وأعرف لغتين الفرنسية والإنجليزية ..وتعلّمت دورات تمريض ..وأجيد العزف على البيانو ..والأهم من ذلك ، أعشق الأطفال وعالمهم البريء

الجد بحزم : أرني شهاداتك !!


فشعرت سارة بالإرتباك ، بسبب كذبتها فهي خرّيجة آداب .. لولا أن الحظ حالفها للمرة الثانية ، حين وصله اتصال عملٍ مهم .. فنادى الخادمة لتُريها غرفة المربيّة القريبة من غرفة الولدين .. 


فشعرت سارة بالسعادة لتوظّفها في القصر ، فهذا سيسهّل حلمها بجمع آدم بولديه .. كنوع من ردّ المعروف بعد مساعدته ، بتخلّصها من الأشخاص الذين دمّروا شخصيّتها لسنواتٍ طويلة !

***


في اليوم التالي .. حزمت سارة حقيبتها ، بعد إخبار اهلها بسفرها في رحلة عمل لشهرٍ على الأقل دون إعطائهم التفاصيل !


وبعد استقرارها في غرفتها بالقصر ، تقرّبت من الصغيرين الّلذين يشبهان والدهما بالشكل وطباعه الهادئة

***


في المساء وقبل نومها ، أرسلت رسالة لآدم تسأله فيها :

- ما رأيك لوّ عملت مربيّة لأبنائك ؟

ففتح كاميرا حاسوبه وهو يجيبها بعصيية : إيّاك الإقتراب من حمايّ !! فهو رجلٌ شرير .. وأكاد أجزم انه هو من خطّط لقتلي وخطف اولادي ، لتُقتل زوجتي بالخطأ اثناء دفاعها عنهما !

سارة باهتمام : وهل أعطت زوجتك نسخة من مفاتيح شقتك لوالدها؟!

آدم : بل أضاعتهم حين زارته .. 


سارة معاتبة : ولما لم تخبر القاضي بذلك ؟

- لأنه ليس دليلاً قاطعاً ، فبإمكان محاميه إقناع المحلّفين انها أضاعت المفاتيح بالشارع ، لأبقى المتهم الأول بقتلها

سارة : اذاً سأحصل لك على دليلٍ قوي ، يُدين حماك

آدم بعصبية : قلت لا تقتربي من قصره !! فأنا رضيت بقدري وانتهى الأمر 


فأرسلت صورتها مع ولديه (إلتقطتها هذا الصباح)..

فانتفض من مكانه ، وهو يسألها بدهشة :

- كيف التقيت بهما ؟!

فصوّرت غرفتها الفخمة ، وهي تقول بفخر :

- انا الآن في قصره

فانهارت دموع آدم ، وهو يتمعّن بصور ولديه اللّذين كبرا في الخمس سنواتٍ الماضية !

سارة : والآن ، هل استسلمت ؟


فسكت قليلاً ، قبل أن يقول بيأس :

- رجاءً ساعديني لإيجاد دليلٍ يُخرجني من السجن ، كيّ أعود لأولادي

سارة : سأفعل !! كنّ صبوراً.. فحماك سيسافر بعد ايام ، وحينها أحاول تفتيش مكتبه

آدم محذراً : إنتبهي من الخدم

- لا تقلق ..معظمهم سيستغلّ غيابه ، لأخذ عطلة لنفسه .. وستبقى معي الخادمة العجوز التي تكره السهر .. كما سأتقرّب من ولديك في الأيام القادمة ، حتى أخبرهما عنك في الوقت المناسب 

- سارة ، لا ادري كيف أشكرك !

سارة : بل انا أشكرك على مساعدتي باستعادة شخصيّتي القويّة .. سأتصل بك لاحقاً لأخبرك بالمستجدّات

***


قبل يوم من سفر الجد ، فاجأته سارة بإحضارها الدواء والماء !

فارتبك لدرجة رميه المستند في الخزنة ، قبل إقفالها.. ليصرخ عليها بعصبيّة :

- كيف تدخلين مكتبي دون استئذان ؟!!

سارة : طرقت الباب مرتين ! يبدو لم تسمعني لانشغالك بالعمل ..أعتذر منك سيدي

الجد : ولما أحضرت الدواء ؟ اين الخادمة ؟

- مشغولة بتحضير العشاء

- سأعاقبها لاحقاً

سارة : لا داعي لذلك ، فأنا درست التمريض وأعرف ادوية كبار السن .. فإن كنت تشعر بارتفاع ضغطك ، الأفضل تأجيل سفرك


الجد : سأكون بخير غداً ، اين الأولاد ؟

يارة : ناما قبل قليل

الجد : جيد !! اريدهما أن يعتادا على النوم باكراً ، فالعطلة الصيفيّة على وشك الإنتهاء .. والآن يمكنك الذهاب لغرفتك 

فخرجت ، بعد معرفتها مكان الخزنة السرّية

***


بعد سفره .. قامت بتصوير الخزنة الموجودة داخل خزانة على شكل ثلاّجة صغيرة ! وأرسلت الصورة لآدم الذي قال لها :

- زميلي في الزنزانة خبير بفتح أقفال الخزن الحديديّة .. سأتعلّم منه الطريقة ، ثم أخبرك بها 

سارة : إستعجل !! فحماك سيعود بعد اسبوع 

***


وبالفعل علّمها طريقة فتح الخزنة .. وفي المساء ، إستغلّت نوم الخادمة العجوز (الوحيدة المتبقيّة من الخدم) لفتحها ، وإخراج المستند الذي صوّرت جميع صفحاته لآدم وهي تهمس بالجوّال :

- هل هذه الأوراق تنفع قضيتك ؟

آدم : لا لكنها تسّجنه ، لتلاعبه بضرائب الدولة لسنواتٍ طويلة ! ماذا وجدّت ايضاً ؟

سارة : رزم المال

- رجاءً لا تأخذيها .. فهو رجلٌ بخيل ، وأظنه حفظ الأرقام التسلّسلية لنقوده

- لست سارقة يا آدم ، ولا أهتم بالمال الحرام

- آسف سارة ، لم أقصد إزعاجك .. هل يوجد شيءٌ أخر في الخزنة؟


سارة : شريحة جوّال !

- لابد انه استخدمها للإتصال بقتلة زوجتي

- اذاً سأضعها في جوّالي لنسخ المكالمات والمحادثات القديمة ، ثم ارسلها لك

آدم : أتمنى العثور على مكالماته بتاريخ الجريمة 

سارة بفزع : لحظة ! هناك صوتاً بالخارج

- إختبئي فوراً !!


فأغلقت الخزنة بهدوء ، ثم اختبأت اسفل المكتب .. لتفتح الخادمة الغرفة قبل إغلاقها من جديد ، ظنّاً بسماعها حركة في الداخل ! 


وبعد ذهابها ، سأل آدم سارة :

- أكان الحارس ؟

- لا ، الحارس في إجازة .. كانت الخادمة العجوز  

آدم : هل رأت نور المكتب ؟ 

- انا استخدم إضاءة جوالي الذي اطفأته قبل دخولها

- أحسنت !! الآن إنسخي الشريحة في الحال..

***


وخلال ساعتين ، نقلت سارة كل شيء على جوالها .. ثم أعادت الشريحة مكانها ، بعد تنظيف ما لمسته بالمطهّر لإخفاء بصماتها 

ثم تسلّلت الى غرفتها قبيل الفجر ، بعد إرسالها كافة المعلومات على إيميل آدم

***


في اليوم التالي ، إستيقظت على صوت الخادمة تعاتبها :

- سارة !! أصبح الوقت ظهراً ، والأولاد أتعبوني بطلباتهم .. إهتمي بعملك ، لحين تجهيزي الطعام .. 

- آسفة ، لم أنم جيداً بسبب كوابيسي المتتالية.. سأغسل وجهي .. ثم آخذ الأولاد للحديقة العامة ، لحين إنهائك الغداء

***


بعد خروج الخادمة من غرفتها ، وجدت رسالةً صوتيّة على جوالها من آدم يقول سعيداً :

- وجدّت مكالمة الحقير وهو يتفق مع القاتلين للتخلّص منّي وإعادة ابنته وحفيديه للقصر !! ومكالمة أخرى وهو يهدّدهما بالتعذيب لقتلهما ابنته بالخطأ ! وأنه سيقطع لسانهما إن اعترفا للشرطة.. سأقوم بإرسال التسجيلين لمحاميّتي ، لاستئناف الحكم من جديد ..انا مدينٌ لك بحياتي يا سارة !!


وقد أسعدها الخبر لدرجة مشاركتها اللعب مع الصغيرين في الحديقة ، لعلمها بلقائهما القريب مع والدهما اللذين يظنّان بوفاته بسبب أكاذيب جدّهم عديم الرحمة ! 

***


لاحقاً ، تمّ استئناف الحكم بناءً على الأدلّة الجديدة التي صدمت الجد بعد قدوم الشرطة الى قصره للقبض عليه ! فأخذ يهدّد بدفعهم التعويض المالي لإهانته امام جيرانه الأثرياء .. 

لكن غطرسته انهارت ، بعد سماع مكالماته القديمة في مكتب المحقّق ..فلم يستطعّ الإنكار بسبب نبرة صوته المميزة الواضحة بالتسجيل ..

واكتفى بطلب محاميه الذي عجز ايضاً عن نفيّ التهمة عن موكله الذي حصل بعد شهور من المحاكمات المتواصلة على حكم المؤبّد لقتله ابنته وسجن صهره ظلماً ! بينما حصل آدم على البراءة ، مع التعويض المالي  

***


في الموعد المحدّد .. خرج آدم من بوّابة السجن ، ليجد سارة في انتظاره برفقة ولديه الّلذين أسرعا لاحتضانه ، وهما يبكيان شوقاً : 

- ابي !! اشتقنا اليك

بينما اكتفت سارة بابتسامةٍ حنونة ! 


الجمعة، 18 مارس 2022

العين الحارقة

تأليف : امل شانوحة 

 

نهاية الكون


بعد التدهور الإقتصادي والإجتماعي في البلد بسبب السياسيين الفاسدين ، خطرت في بال احد التجّار المتضرّرين من تلاعب العملة بالسوق السوداء أن يستعين برجلٍ من قريته الريفيّة ، معروفاً بعينه الحسودة التي ارهقت كل من حوله ، والذي تمّ نفيه للجبال لاتقاء شرّه !

***


وفي يوم عطلته .. توجّه التاجر الى قريته ، للسؤال عن المكان الذي نُقل اليه الرجل الحسود ؟

فسأله قريبه باستغراب :

- وماذا تريد من ذلك الشيطان ؟!

- أظن بإمكاننا الإستفادة من موهبته لتحسين اوضاع البلد

الرجل بدهشة : موهبته !

التاجر : يعني طالما لم ينفع مع السياسيين الإضرابات ولا المظاهرات ، ولم تنجح محاولة إغتيالهم ، فلما لا نسلّط عليهم عين الحقود


الرجل : وكيف ستصل للعجوز اللعين ؟ فلا احد يجرأ على الإقتراب منه

- وكيف اذاً نقلتموه لكوخ الجبل ؟!

الرجل : قمت انا وصديقي بتوكيلٍ من رئيس بلديتنا على اختطافه اثناء نومه في آخر الليل .. وعلى الفور !! غطّينا عينيه بعصابةٍ سميكة ..وقيّدنا يديه وقدميه .. ثم حملناه لسيارتي التي رفعت فيها صوت القرآن .. وكنّا في اجتماع الصباح : طلبنا من الأهالي البقاء في منازلهم لحين إخراجه من قريتنا.. والتزمت انا وصديقي الصمت طوال الطريق كيّ لا يميز العجوز صوتنا ، فيؤذينا لاحقاً


التاجر : الم يحاول الهرب منكما طوال الطريق ؟

- لا ادري إن كنت ستصدّقني .. أخذ يحسد العصابة القماشيّة وقوتها ،  حتى كادت تتمزّق وحدها ! فأسرع صديقي بتكميم فمه .. وحين وصلنا الى كوخ الجبل (الذي جهّزه رئيس بلديتنا بشوالات الأرز والحبوب وأخشاب التدفئة) إستخدمنا ابرة المخدّر الوحيدة التي سرقناها من الصيدليّة (الممنوع شرائها دون وصفةٍ طبّية) .. وبعد نومه ، فكّكنا قيوده ..وأسرعنا للسيارة ، للعودة لقريتنا التي كانت تحتفل بالتخلّص من الشرير بحرق منزله


التاجر : الم تظلموه بتركه وحده هناك ، رغم كبر سنّه ؟!

فأجابه بعصبية : ابداً !! فهو أذانا لسنواتٍ طويلة ..ولم يخلوّ منزلاً في القرية لم يتعرّض لحسده ، حتى شحّاذين الطرقات لم يسلموا من عينه ! وبعد موت شابٍ في مقتبل العمر بسببه ، إتفقنا جميعاً على التخلّص منه

- وكم سنة بقيّ في المنفى ؟

- سبع سنوات حتى الآن

التاجر : وفي أيّ جبلٍ حبستموه ؟

- تعال لأريك


وأشار من النافذة على جبلٍ أجرد ، وهو يقول :

- لا يمكنك تضيّعه ، فهو الكوخ الوحيد هناك

التاجر : ولما لم تحبسوه في جبلٍ مُخضرّ ، كيّ يستفيد من زرعه؟! 

- أحلف لك انه كان جبلاً أخضراً ، مليئاً بالأشجار المثمرة ..لكن حريق كبير شبّ فيه ، بعد ايامٍ من تركنا العجوز هناك ! ونكاد نجزم أن عينه هي سبب الحريق


التاجر : هل تظنّه مات حرقاً ؟

الرجل : يا ليت !! فالشياطين مصيرها الحرق .. لكن للأسف ، مرّ صديقي بالصدفة من هناك قبل شهرين ، ورأى مدخنة كوخه.. وهذا يعني إن اللعين مازال بخير !

التاجر : اذاً سأصعد اليه

- هل جننت ؟!! ستموت فور تسليط عينيه الحارقتين عليك

- لا تبالغ ، سأحصّن نفسي جيداً ..وأحمي عينايّ بنظارةٍ سوداء .. فهو برأيّ الوحيد القادر على حل أزمتنا المعقّدة 

- الن تخبرني خطتك ؟

التاجر : ستعرفها لاحقاً

***


وقاد التاجر سيارته نحو الجبل الأجرد ، الذي وصل اليه قبيل الغروب ..وبعد قراءته المعوّذات ، طرق باب الكوخ وهو يُخفي قلقه ..ليسمع خطوات عكّاز العجوز وهو يقترب من الباب ، صارخاً بغضب :

- من هناك ؟!!

التاجر : أتيت لزيارتك والإطمئنان عليك يا عم


ففتح له الباب بنظراته الحادّة وحاجبيه الكثيفتين ، كأن عينيه تشتعل ناراً وغضباً !  

العجوز بتهكّم : لما تضع نظّارتك ، فالشمس على وشك الغروب ؟ ام تخاف أن أعمي بصرك ؟

فبلع التاجر ريقه بقلق : الحرص واجب يا عم .. (ثم استجمع قواه) ..قدمت اليك في مهمةٍ وطنيّة

العجوز باستغراب : وطنيّة !

- دعني ادخل لأخبرك بها .. وإن نجحت بالمهمّة ، ستصبح بطلاً قوميّاً

***


وجلسا قرب المدفأة.. ليخبره التاجر بموجز الحالة الإقتصاديّة والإجتماعية المترديّة للمواطنين ، وكيف أن السياسيين الخمسة الفاسدين دمّروا إقتصاد البلد خلال سنتين فقط !

العجوز بدهشة : أكل هذا حصل بغيابي ؟!

التاجر : نعم ، والشعب حاول بكل الطرق القانونيّة الإطاحة بهم دون فائدة ، ولم يبقى امامنا سوى الإستفادة من قوّتك الفريدة من نوعها

- أتريدني أن أصيبهم بالعين ؟

- يا ليت !!

العجوز : وهل تريدهم مرضى ؟

التاجر بحزم : بل قتلى !!

العجوز بابتسامة : ممتاز !! لي مدة وانا ارغب بقتل احدهم ، فنار الحقد تغلي بين عيوني


فارتعب التاجر بعد شعوره بحرارة تخرج من عينيّ الرجل ، وكأن شيطاناً تجسّده ! 

وما أن أخرج جوّاله من جيبه ، حتى قال العجوز : 

- أهذا جوّال جديد ؟

التاجر بارتباك : لا رجاءً يا عم ، لا تعطّل جوالي ..فأنا اريد أن اريك صور السياسيين من خلاله

- حسناً ، أرني الملاعين


فبدأ يريه الواحد تلوّ الآخر .. وكل شخصٍ رآه العجوز ، ركّز نظره عليه لدقائق .. قبل أن يقول :

- هِبّ !! على صحّته وقوته .. هِبّ !! على روحه التي لا تموت


وبعد انتهائه من الصور الخمسة ، وعده التاجر :

- في حال تمّ الأمر ، سأخبر الجميع ببطولتك .. وسنقيم إحتفالاً ضخماً لعودتك الى حضن الوطن

العجوز بثقة : لا تقلق بشأن النتيجة ، فنظراتي لا تخيب ابداً


وخرجا معاً من الكوخ ، ليسأله :  

- اين سيارتك ؟

التاجر بارتباك : أوقفتها بعيداً عن هنا.. سلام


وبعد ذهابه ، قال العجوز في نفسه :

((الملعون ، يخاف أن أصيبها بالعين .. لا بأس ، فقريباً سيعرف الجميع موهبتي ويقدّرونها جيداً))

***


فور عودة التاجر الى العاصمة ، سمع بمرض السياسيين الخمسة الذين ظنّوا انهم تعرّضوا للتسمّم بإحدى حفلاتهم المسائيّة .. لهذا أمروا حرسهم بسجن المسؤولين عن الحفل !

***


لم تمضي ايام ، حتى اعلنت الصحافة خبر وفاتهم ! 

فهلّل المواطنون فرحاً ، وعمّت الإحتفالات البلاد بعد موت الفاسدين الخمسة..

لكن التاجر لم يخبر احداً بالسبب الحقيقي لموتهم ! رغبةً بالإستفادة من قوّة العجوز .. 

***


بعد ايام .. صعد اليه الجبل ، ومعه الحلويات والطعام 

فسأله العجوز باهتمام :

- هل مات اعداء الوطن ؟

فكذب التاجر قائلاً :

- هم ينازعون الآن ، وأظنهم سيموتون قريباً ..وأتيت للإحتفال معك

العجوز : أقدمت لهذا السبب فقط ؟

- لا ، هناك امراً آخر


وأخبره بشأن الحرب الدائرة بين روسيا وأوروبا ..

العجوز باهتمام : هل يتحضّرون لحربٍ عالميّة ثالثة ؟!

التاجر : هذا ما يُقال ، والجميع مُتخوّف أن يصل أثرها للبلاد العربية ..لهذا سأريك صور رؤساء الغرب الفاسدين ، لربما تخلّص العالم من شرورهم 


وأخذ يريه صورة تلوّ الأخرى .. ليبدأ العجوز بتركيز نظره عليهم ، وهو يحسدهم على صحّتهم وقوّتهم البدنيّة !

وبعد انتهائه ، قال للتاجر بثقةٍ وغرور :

- قريباً ستسمع خبر وفاتهم .. هل تريد شيئاً آخر ؟

التاجر : حاليّاً لا ، سأزورك لاحقاً


العجوز : لحظة قبل ذهابك ، اريدك أن تشرح ما قلته عن جنون الرئيس الروسي الذي سيدمّر الكون ؟! 

- هو يهدّد بضرب سلاحه النوويّ ، عابر القارات

- لم افهم قصدك !


فأراه على الجوّال صورة القنبلة الشيطانيّة الضخمة التي يحتفظ بها بوتين ، والتي فاجأت العجوز الذي اتسعت حدّقتي عينيه بدهشة :

- أكل هذه قنبلة ! معقول لم تنفجر حتى الآن !!


وإذّ بالأرض تهتزّ من تحتهما ، ويريان نوراً يخطف الأبصار من بعيد !

فصرخ التاجر برعب : لا يا رجل !! فجّرت النوويّ


لتُنهي موهبته اللعينة الحياة على كوكب الأرض !


الأربعاء، 16 مارس 2022

العالم الجديد

تأليف : امل شانوحة 

البوّابة الأثريّة


وافق تاجرٌ ثريّ (وليد) على مقابلة صحفيّة تعمل في إحدى المجلاّت ، بشرط قدومها وحدها دون فريق التصوير.. 

واستقبلها في قسمٍ خاص للشخصيات المهمّة في مطعمٍ فاخر ، داخل غرفةٍ زجاجيّة مُظللّة .. فيها طاولة أثريّة من الخشب المنقوش يدويّاً ، والذي وصفها صاحب المطعم : بأنها ورّثت جيلاً بعد جيل ضمن عائلته  


وبعد تقديم الشايّ لهما ، بدأ الحوار الصحفي .. حيث سجّلت الصحفيّة (مروى) كلامه بجوّالها ، وهي تُلقي أسئلتها عليه مثل : كيف كوّن ثروته ؟ وما الصعوبات التي واجهته ؟ وطموحه ومشاريعه المستقبليّة ؟ كما تطرّقا للأزمة الإقتصاديّة الراهنة بالبلد 


وقبل نهاية المقابلة ، سمعا صوت طائرةٍ حربيّة تُحلق على مستوى منخفض ! 

فأسرع وليد بسحب ذراع مروى ، وإنزالها معه أسفل الطاولة المصنوعة من الخشب السميك .. قبل ثوانيٍ من دويّ إنفجارٍ هائل ، حطّم زجاج المطعم !

***


بعد دقيقتين .. هدأ كل شيء ، وساد الصمت المُقلق ! 

فحاولا إزاحة الأنقاض الإسمنتيّة وشظايا الزجاج عن جانب الطاولة .. الى أن خرجا من تحتها ، ليجدا اثاث المطعم سليماً ! فقط الغرفة الزجاجيّة المظلّلة هي التي تكسّرت بفعل جدار الصوت


فخرجا من بوّابة المطعم .. ليلاحظا إختفاء الناس من كلا الشارعين ، ومن المحال التجاريّة التي تُركت ابوابها مفتوحة ! 

وكان الأمر مريباً للغاية ! فودّعا بعضهما على عجل ، قبل صعود كلاً منهما سيارته للإطمئنان على اهله

***


في الطريق ، حاولت مروى الإتصال بأهلها .. لكن لا وجود للإنترنت ، كأن الإتصالات إنقطعت بعد الحادثة ! 

وازداد رعبها بعد خلّو الشوارع من المارّة والسيارات على طول الطريق الساحليّ ، وصولاً لمنطقتها .. 


وحين صعدت عمارتها ، وجدت شقتها خالية من امها واخوتها.. فطرقت على الشقق المجاورة ، دون أثرٍ للجيران .. 

فتوجّهت لمنازل أقاربها والأصدقاء ، ومبنى الصحافة الذي كان خالياً من الموظفين .. 


وحين أوشكت الشمس على المغيب .. إتصلت يائسة بالثريّ الوليد ، الذي ردّ بصوتٍ مرتجف بعد إختفاء ابنتيه واهله وفريق عمله ! 

واقترح عليها العودة للمطعم (الذي حصل فيه الحوار الصحفي) بدلاً من بقائها وحدها !

***


امام المطعم .. نزلت مروى من سيارتها مسرعة ، لتجده ينتظرها هناك بوجهٍ شاحب .. 

فسألته فزعة :

- ماذا حصل ؟! اين الناس ؟

وليد : لا اعرف شيئاً ! بحثت في كل مكان عن ابنتيّ ، ولم اجدهما ..اكاد أجن !!

مروى : وانا لم أعثر على اهلي او عائلة خطيبي .. ماذا برأيك حصل ؟ هل رموا قنبلة نوويّة اذابوا فيها البشر ؟ او إن الطائرة التي سمعناها ، تقودها مخلوقات فضائية سحبتهم لعالمها ؟! 

- لا أصدّق هذه الخزعبلات

- اذاً ماذا سنفعل ؟ سيحلّ المساء قريباً 

وليد : إتركي سيارتك هنا ، وتعالي معي الى قصري

- وماذا أفعل هناك ؟!

- أُفضّل البقاء معاً لحين حلّنا اللغز الغامض ، فربما يتغيّر الوضع غداً او بعد ايام

فأضّطرت للموافقة لعدم وجود حلٍ آخر !

***


في الطريق ، سألته : 

- ما رأيك أن نتسوّق من المحال المفتوحة ؟ أخاف أن تهجم الذباب والفئران على المنتجات المكشوفة كاللحم والأجبان 

وليد : لا ارى اثراً للحشرات والحيوانات ، كأنها اختفت مع البشر ! ثم  لديّ كل شيء في بيتي ..وإن احتجنا لبضائع ، نتسوّقها غداً

***


في القصر .. إختارت مروى غرفة الضيوف ، بعد أن اعطاها وليد بيجاما زوجته .. وذهبا للنوم ، بعد تناولهما عشاءً خفيفاً ..

***


في منتصف الليل .. خرج وليد من غرفته ، ليجد مروى تُغلق جميع النوافذ بالستائر ، وهي تُطفئ الأنوار !

وليد باستغراب : ماذا حصل ؟!

مروى بقلق : أخاف أن يتحوّل الناس لزومبي بهذه الساعة المتأخرة ، لهذا أقفلت كل شيء

- على فكرة الزومبي تخاف الأنوار ، وانت أطفأتها كلّها 

مروى بخوف : اذاً انت تصدّق انهم تحوّلوا ..

مقاطعاً : لا !! انا فقط أصحّح نظريتك السينمائيّة .. المهم ، هل شعرت بحركة في الخارج ؟

- لا ، الوضع مازال هادئاً !

وليد : عودي للنوم يا مروى ، فغداً نذهب للحدود

- الحدود !

وليد : نعم ، ربما إختفاء الناس حصل في بلدنا فقط

مروى : إذاً لنذهب باكراً ، كيّ نعود للقصر قبل حلول المساء

- إن وجدنا بشراً في الدولة المجاورة ، لن نعود الى هنا .. لهذا سنجهّز حقائبنا قبل سفرنا البرّي .. تصبحين على خير

***


وصل وليد ومروى عصراً الى داخل الدولة المجاورة ، بعد قطعهما الحدود الخالية من حرس البلدين ! 

ليجدا الوضع مشابهاً لما حصل في بلدهم ! فالمحال التجاريّة مفتوحة ، وخالية من المتسوّقين ! 

لهذا قرّر وليد العودة الى قصره ، طالما الوضع مُشابه (على ما يبدو) في جميع الدول !

***


في طريق العودة .. سألته مروى : هل أصبحنا آدم وحوّا ؟!

وليد : اذا كنّا كذلك ، فعلينا الزواج في الحال 

مروى بقلق : لكنّنا مختلفيّن في الطائفة المسيحيّة !

وليد : وهل سيفرق الموضوع في أزمتنا الحاليّة ؟

- وكيف سنتزوج ، في كنيستي ام كنيستك ؟ 

- سنتزوج مدنيّاً .. لنذهب مباشرةً الى مكتب الشؤون الإجتماعيّة ، ونأخذ ورقة مُخصّصة لعقد الزواج .. نكتب فيها إسمينا ، ثم نختمها بالختم الرسمي ...وإن ظهر البشر ثانيةً ، يكون معنا إثبات على زواجنا القانونيّ  


مروى : وماذا بشأن زوجتك وخطيبي ؟

- إن عادت للظهور ، سأطلّقها على الفور .. فلسنا على وفاق منذ سنوات

- وانا ايضاً غير مقتنعة بخطيبي ، فهو بعمر والدي .. لكن اهلي أجبروني عليه

وليد : اذاً لا شيء يمنع زواجنا .. هيا بنا


فوافقت مرغمة على طلبه ! ووقّعت معه الورقة الرسميّة ، ليعودا سويّاً الى القصر .. ورغم إحساسهما بالذنب إلاّ انهما تزوجا تلك الليلة ، بعد قرارهما بإكمال حياتهما سويّاً .. 


وقبل نومها ، أمسكت يده باكية :

- عدّني ألا تمتّ قبلي .. سأجنّ إن بقيت وحدي في هذه الدنيا

وليد : دعينا لا نفكّر بالغد ، ولنعشّ كل يومٍ بيومه

***


ومرّت الأيام ، تسوّقا فيها ما يشاءان من السوبرماركت والمولات المفتوحة .. ولبسا اغلى الملابس ، ووضعا أفخم العطور .. 


إلاّ أن قلقهما من فساد المأكولات والمعلّبات في الأسواق بمرور السنوات ، جعلهما يزرعان في حديقة القصر الخضراوات والفواكه التي نقلوها من إحدى المشاتل .. فهما متفرّغين للإهتمام بها ، بعد تعطّل عمليهما كصحفيّة وتاجر إستيراد وتصدير

***


وفي أحدى الأيام .. إستيقظ وليد ، ليجد زوجته مروى تبكي في المطبخ ! وحين سألها ، أخبرته انها حامل ..

فحضنها بسعادة :

- هذا أجمل خبر سمعته منذ شهور !!

مروى بقلق : وكيف سألدّ دون وجود أطبّاء ؟! 

- سأقوم انا بتوليدك

- وما يدريك بهذه الشؤون ؟!

وليد : انا من عائلةٍ ريفيّة ، لطالما ساعدت والدي بتوليد الخراف

فانهارت مروى باكية : انا لست نعجة !!

فحضنها بحنان : رجاءً لا تبكي


مروى بخوف : ماذا لوّ ولدّتُ قبل اواني ؟ ماذا لوّ مرض طفلي ، كيف سنعالجه ؟

وليد : لا تقلقي بشأن مستقبله .. سيعيش معنا ، وسنهتم به قدر المستطاع

- المسكين ، سيكبر دون معرفته البشر

- برأيّ سيكون أسعد طفلٍ في العالم ، لأن باستطاعته إختيار اللعب والحلويات التي يريدها  

مروى بحزن : سيشعر بالوحدة دون اطفالٍ في مثل عمره 

- سنلاعبه ليل نهار ، ونعلّمه القراءة والكتابة .. لا تقلقي عزيزتي ، هو سيؤنس وحدتنا

***


ومرّت الشهور ، وجاء يوم ولادتها .. وساعدها وليد ، بعد قراءته كتباً عن التوليد والعناية بالطفل من المكتبة العامة .. لتنجب ولداً معافى .. سعد به وليد كثيراً ، بعد تحقّق حلمه بإنجاب صبيّ .. 

وقاما بالإهتمام به ورعايته على مدار الساعة ، فلا يوجد اعمال او علاقات إجتماعية تشغلهم عنه .. 

***


وفي إحدى الأيام .. رسمت مروى لإبنها لؤيّ (5 سنوات) بعض الحيوانات .. فسألها :

- واين اختفت القطط والكلاب ؟

- هذا لغز لم استطع انا ووالدك حلّه للآن ! 

***


وكبر الصبي ، الى ان بلغ سن 9 .. 

وفي ذلك الصباح ، تنزّهوا بجانب الشاطىء .. وحين مرّوا قرب المطعم ، قال والده :

- لؤيّ !! هنا تعرّفت على امك

لؤيّ : اين بالضبط ؟


فأوقف وليد السيارة .. ودخلوا جميعاً الى المطعم ، ووقفوا امام الغرفة الزجاجيّة المحطّمة .. 

وأخذت امه تخبره كيف إن جدار الصوت جعلهما يحتميان اسفل الطاولة الأثريّة .. 

فأراد الصبي تجربة ما مرّا به .. ونزل اسفل الطاولة ، وهو ينادي والديه للّحاق به .. 


وما أن جلس الثلاثة اسفل الطاولة ، حتى تغيّر كل شيء ! بعد سماعهم صراخ الناس خارج الغرفة ، وهم يتكلّمون عن الطائرة التي مرّت فوقهم قبل قليل !


فخرج وليد اولاً .. ولحقته مروى بعد صعودها من تحت الطاولة ، وهما ينظران لبعضهما بدهشة ! 

مروى بصدمة : أكل السنوات التي عشناها ، كانت مجرّد حلم ؟! 

وليد مذهولاً : يبدو انه مرّت دقيقة واحدة على الحادثة ! 

مروى : والآن ماذا ! هل سنعود لحياتنا السابقة كأن شيئاً لم يكن ؟!

وليد بضيق : لا اريد العودة الى زوجتي النكديّة

- وانا لا اريد الزواج بالعريس العجوز ! 

- اذاً لنخبرهم بزواجنا 

- لن يوافقوا ، فنحن من طائفتين مختلفتين ، أنسيت !!


وفجأة ! خرج ابنهما لؤيّ من تحت الطاولة ، وهو يرتجف خوفاً :

- امي ، ابي ! من هؤلاء ؟ ومن اين اتوا ؟! انا خائفٌ جداً  


فصُعق وليد ومروى برؤية ابنهما ، فوجوده يؤكّد إنهما عاشا معاً لعشر سنواتٍ كاملة !

وليد : يبدو تحت الطاولة الأثريّة ، بوّابة للعالم الموازي !

مروى : أتذكر حين أخبرنا صاحب المطعم إن جده وصّاه بعدم تحريك الطاولة من مكانها ، أظنه الوحيد الذي علم بالسرّ .. فهل نخبر العالم بذلك؟ 

وليد : لا رجاءً ، لا تنشريه بالصحافة .. سيظنّونا مجانين


فهمست له بقلق : وماذا بشأن الصبيّ ؟!

وليد بضيق : لا استطيع اخذه لزوجتي ، فهو اكبر من بناتي !

مروى بصوتٍ منخفض : وكيف آخذه الى اهلي ، وانا مازلت مخطوبة ؟!

وهنا شدّ لؤيّ ملابس امه بخوف : امي لنعدّ الى منزلنا ، انا خائف من هؤلاء البشر .. ضجيجهم يُرعبني !


فنظر الوالدان لبعضهما بحيرةٍ وارتباك ، وهما يتساءلان : 

كيف يفسرّان للأهل والأصحاب ظهور ابنهما من العدم ! هل يخبروهم بالحقيقة ؟ او يكتفيان بنسب الولد لهما ، مُعرّضين أنفسهما لتهمة الخيانة ؟ ..ام ينزلا مع ابنهما أسفل الطاولة للعودة لعالمهم الهادىء ، وإكمال حياتهما دون بشر لبقيّة عمرهم !

وانتم ايها القرّاء ، ماذا ستفعلون لوّ كنتم مكانهما ؟! 


الاثنين، 14 مارس 2022

جريمةٌ مَنسيّة !

تأليف : امل شانوحة 

 

المكيدة المُدبّرة


إستيقظ جاك (العشرينيّ) في غابةٍ مظلمة وهو يشعر بألمٍ في رأسه ، كأنه تلقّى ضربةً قاسية أفقدته الوعيّ !

وحين نهض ، رأى نور كشّافين خلف الأشجار التي تبعد امتاراً عنه

فتوجّه نحوها ، ليجد شابين في مثل عمره يردمان حفرة بالتراب وهما يحملان الرّفش والمعول.. واللّذان تجمّدا في مكانهما بعد رؤيته ، والدهشة واضحة على وجوههما !


فسألهما جاك :

- اين انا ؟ ومالذي حصل ؟! هل أتيت معكما لهذه المنطقة المنعزلة ؟ هل أعرفكما ؟ رجاءً أجيباني !!

فنظرا لبعضهما بذهول ! ليقول احدهما بصوتٍ منخفض :

- انه لا يتذكّرنا !

فهمس الآخر بإذن صاحبه :

- دعني أتولّى الحديث ، وإيّاك مقاطعتي

ثم قال لجاك :

- انا إريك ، وهذا جيم .. الا تتذكّر إتصالك بنا ؟!


جاك : وهل انتما صديقايّ ؟!

إريك : بالطبع اصدقائك ، وإلاّ لما تورّطنا لإخراجك من مصيبتك

جاك باستغراب : أيّةِ مصيبة ؟!

إريك : تعال وانظر بنفسك ، فنحن لم ندفنها بعد

جاك بقلق : تدفنون من ؟!


واقترب من الحفرة (بعد تسليط الشابين كشّافاتهما للأسفل) ليُصعق جاك بوجود جثة فتاةٍ مقتولة !

فصرخ بفزع : لما قتلتماها ؟!!


وحاول الهرب .. إلا انهما اسرعا بالقفز عليه ، وتثبيته على الأرض.. ليهمس إريك في اذنه :

- جاك يا مجنون !! انت قتلتها ، وطلبت مساعدتنا لإخفاء جريمتك

فصُعق جاك بما سمعه !

- انتما تكذبان !! انا لا اعرفها 


إريك : أعدّ النظر اليها ..انها حبيبتك التي خانتك مع استاذنا الجامعيّ .. لهذا عزمتها للتخييم معك طوال ايام العطلة .. وحين واجهتها بالخيانة ، حاولت الإنكار .. فصفعتها بقسّوة .. لتفاجُئك بضرب رأسك بقوّة بالمقلاة ، قبل هربها من الخيمة .. لكنك تمكّنت الّلحاق بها ، وطعنها بالسكين .. هذا ما أخبرتني به ، حين اتصلت بي ! وطلبت مني إحضار جيم الى هنا ، بعد شعورك بالدوّار من رأسك المُصاب..

فأكمل جيم قائلاً : 

- وحين قدمنا ، وجدناك مغميّاً عليك بجانب الجثة ! فأردنا دفنها اولاً قبل حملك للسيارة


إريك : أمعقول انك لا تذكُر شيئاً مما حصل ! دعني أفحص رأسك .. آه انت تنزف ! مستحيل أن تكون ضربة المقلاة أفقدتك الذاكرة ، وأحدثت هذا الجرح الكبير

جاك بقلق : ماذا تقصد ؟!

إريك : أعتقد إن حبيبتك لم تمتّ على الفور .. واستغلّت إنشغالك بالإتصال بي ، لرميها حجرةً كبيرة على رأسك على سبيل المثال .. لهذا جثتها تبعد امتاراً عنك بعد محاولتها الهرب مجدّداً ، قبل مفارقتها الحياة !


((فحاول جاك العودة بذاكرته لبداية المساء .. ليتذكّر صديقته ديانا التي قبلت دعوته للمبيت في الغابة ، والإستمتاع بالجوّ الربيعي اللطيف .. وبعد نصّبه الخيمة ، تناولا العشاء معاً .. لكنه تذكّر انه كان سعيداً بتلك اللحظات ، وليس غاضباً كما أخبره صاحبيه !)) 


وحين أطلعهما بذكرياته عن ليلته الرومنسيّة ، قال إريك : 

- جيد !! طالما تذكّرت وجود ديانا معك في الغابة ، فهذا يؤكّد ما قلناه لك

جيم : جاك ..لا تضغط على نفسك بتذكّر الحادثة ، دعنا نُنهي دفنها اولاً ..ثم نأخدك للطوارئ لتقطيب جرحك

إريك معترضاً : 

- لا !! لن نأخذه للمستشفى بهذه الساعة المتأخرة ، خوفاً أن ينكشف أمر الجثة لاحقاً .. ويقوم المحقّق بربط جرحه بالحادثة ، فنحن نعيش بمنطقةٍ صغيرة

جيم : اذاً سآخذه عند عمي .. صحيح هو دكتور بيطري ، لكنه بارع بتقطيب الجروح .. هيا إريك !! دعنا ندفن الخائنة ، قبل بزوغ الفجر


ووقف جاك متجمّداً وهو يراقب دفنهما القتيلة .. قبل ركوبه سيارة إريك (مع جيم) للإبتعاد عن مسرح الجريمة

***


ومرّت الأيام ، وعاد جاك الى جامعته .. ليلاحظ هو وبقيّة الطلاّب حيرة وقلق الأستاذ من غياب ديانا المتواصل ! حتى انه طلب من جاك الحضور لمكتبه ، للسؤال عنها..

جاك وهو يكتم غيظه : ولما تسأل عن صديقتي ؟!

الأستاذ بارتباك : لأنه اقترب موعد الإمتحانات النهائيّة .. وهي طالبة مجتهدة ، وليس من عادتها التغيّب ! فهل تعرف شيئاً عنها ؟

جاك : لا افترقنا قبل العطلة ، دون أن تخبرني السبب

- أحقاً !

- اذا كان يهمّك امرها ، فاتصل بأهلها


الأستاذ : انت تعلم إن اهلها يعيشون في المنطقة المجاورة ..وأخاف إخبارهم باختفائها ، فتحدث بلبلة في الجامعة 

- اوافقك الرأيّ ، لا يجب ان يعلم اهلها انها انتقلت الى العاصمة

الأستاذ بدهشة : العاصمة !

- نعم ، لطالما أخبرتني برغبتها التسوّق في العاصمة

- قبل اسبوع من الإمتحانات النهائية ، هذا مُحال !

جاك وهو يتنهّد بضيق : صدّقني لا اعرف شيئاً عنها ، فأنا لا أفكّر بالفتيات اللآتي تهجرنني .. سلام دكتور


وخرج من مكتبه وهو قلقاً أن يعرف بشأن جريمته الغامضة .. لكنه يدرك ايضاً إن استاذه لن يورّط نفسه بالإبلاغ عنها ، كيّ لا يطرد من الجامعة بسبب علاقته مع طالبة ، فهذا يخالف قوانين عمله.. كما انه رجلٌ متزوج ، وقد يخسر نصف ماله إن علمت زوجته بخيانته

***


وبمرور الأيام ، إنتهت الإمتحانات .. وقدمت عائلة ديانا لحفلة التخرّج ، ليتفاجأوا باختفاء ابنتهم ! فسألوا جاك عنها ، لعلمهم بصداقتهما ..

الأم بقلق : نحن لم نتصل بها الفترة الماضية حتى لا نشغلها عن الدراسة ، لكننا صُدمنا بغيابها عن الجامعة لشهرٍ كامل !


فلم يكن امام جاك إلا تشويه سمعة ابنتهم ، لإبعاد الشكوك عن نفسه .. فأخبرهم انها تركت الدراسة لامتهان الدعارة ، طمعاً في المال

فصفعته امها بغضب :

- كاذب !! ابنتي ليست من هذا النوع ..فهي تعشق العلم ، ويهمّها مستقبلها

جاك : مالا تعرفونه عنها .. انها تعرّضت للإعتداء قبل سنة ، اثناء عودتها الى سكن الطلاّب

الأب بدهشة : لم تخبرنا بذلك !


جاك : لم تخبر احداً غيري ، فهي خافت من تنمّر الطلاّب عليها .. وللأسف تغيّرت طباعها كثيراً بعد حادثة ، وقبلت نصيحة فتاةٍ فاسدة للإنتقام من الرجال بأسلوب العنف المُستخدم بإحدى البارات : كالصفع والكرباج..

الأب مقاطعاً باشمئزاز : اسكت !!

جاك : انا ايضاً انصدمت حين رأيتها هناك ، لذلك قطعت علاقتي بها

الأخت باكية : أمازالت ديانا تعمل في البار ؟!

جاك : لا ادري ..اسألوا عنها هناك ، مع انها غيّرت اسمها وشكلها تماماً .. وربما انتقلت لكازينو العاصمة ، كما أخبرتني بآخر لقاءٍ بيننا


فركبت امها واختها السيارة وهما تبكيان ، بعد أن امرهم الوالد بالعودة الى  منطقتهم ، وعدم السؤال مجدّداً عن ابنته الفاسقة التي اعتبرها ميتة بالنسبة له !


ليعود جاك الى منزله وهو يشعر بتأنيب الضمير بعد تشويهه سمعة حبيبته السابقة .. وللتكفير عن ذنبه : أخذ يضغط على نفسه لتذكّر ما حصل في الغابة ، وهل فعلاً قتلها بسبب خيانتها ام لا ؟!

***


بعد شهور من جلد نفسه ، قرّر جاك الذهاب للعاصمة بعد قراءته إعلاناً عن طبيبٍ نفسيّ بإمكانه إكتشاف ماضي المريض من خلال تنويمه المغناطيسيّ

***


وفي الموعد المحدّد .. إستلقلى جاك على الكنبة امام الطبيب الذي حاول تهدئة توتره ، بإخباره إنه سيحفظ سرّه كما فعل مع جميع المرضى الذين ارتكبوا أفظع الذنوب .. وأخبره انه سيُسجّل اقواله على جوّاله ، ثم يسمعه إيّاها قبل حذفها ..


جاك بقلق : لا دكتور ، لا اريد المجازفة .. هل لديك مسجّلاً قديماً ؟

الطبيب : أتريد تسجيل صوتك على شريط ؟

- نعم ، شريط خاص بي

- أظن لديّ واحد قديم في درجي ، سأضعه امامك اثناء تنويمك المغناطيسيّ

***


بعد ساعة من علاج التنويم .. إستيقظ جاك لسماع اعترافه ..والذي ما أن سمعه ، حتى تغيّرت معالم وجهه الذي احمرّ من شدة الغضب 

فسأله الطبيب : ماذا تنوي فعله ؟

جاك وهو يكتم غيظه : سأعاقب الجناة

- الأفضل أن تتصل بالشرطة

- ليس معي دليل

فأعطاه الطبيب شريط التسجيل وهو يقول :

- هذا دليلٌ كافي


فقام جاك بكسر الشريط ، وهو يقول بنبرة تهديد :

- لا تخبر احداً بسرّي ، مفهوم !!

فارتعب الطبيب العجوز من نظرات جاك الغاضبة والمخيفة :

- حسناً ، هذا قرارك

وخرج جاك من عيادته وهو يخطّط للإنتقام

***


بعد ايام .. تلقّى إريك وجيم دعوة من جاك للمبيت في الغابة ، بجانب مسرح الجريمة ! فحاولا الرفض .. لكنه أصرّ على قدومهما بعد إحضاره اغلى اللحوم والشراب والمخدرات للإحتفال معهما قبل سفره للعاصمة بعد إيجاده عملاً هناك

***


والتقى الشباب الثلاثة داخل خيمةٍ كبيرة مُخصّصة للكشّافة ، لتناول المشاوي والمشروبات ..


وبعد نصف ساعة .. شعر الشابان بألمٍ حادّ في معدتهما ! وأخذا يتقيئان ما أكلاه .. بينما جاك يراقبهما بهدوء ، اثناء تدخين سيجارته .. قبل أن يقول لهما :   

- لا تخافا .. هذا أثر السمّ يسري في دمكما ، وستموتان خلال دقائق

إريك بألم : لما تريد قتلنا ؟!


جاك بعصبية : لأنكما عيشتماني بتأنيب الضمير لشهورٍ عديدة ، حتى أوشكت على الإنتحار !! لكني أخيراً عرفت ما حصل ليلتها .. ديانا لم تخنّي مطلقاً !! صحيح إن الأستاذ حاول التقرّب منها ، لكنها رفضته لإخلاصها لي.. فطلبت منها تجنّبه لحين تخرّجنا .. وقدمنا للغابة للإحتفال بخطوبتنا السرّية .. وألبستها الخاتم ، وانا أعدها بالزواج بعد تخرّجنا مباشرةً .. اما انتما !! فأرسلكما الأستاذ لقتلي ، بعد شعوره بالإحراج لرفض ديانا له.. وبعد هجومكما عليّ ، دافعت عني ديانا بكل قوتها .. فانغرزت سكينتك يا إريك بالخطأ في قلبها .. بينما أسرع جيم لضربي بالعصا على رأسي .. ثم حاولتما إخفاء الادلّة ، برميّ اغراضي والخيمة في النهر ، لظنّكما بأنني ميتٌ ايضاً .. فبدأتما اولاً بدفن ديانا .. لكني استيقظت ، لتكتشفا فقداني الذاكرة .. حينها غيّرتما الخطة ، وحاولتما إقناعي بأني قاتلها .. وبسببكما شوّهت سمعتها امام اهلها ، لكني سأصلح هذا الخطأ لاحقاً .. اما الآن !! فسأشرب الشايّ بهدوء ، لحين خروج روحما ..وبعد دفنكما ، أخططّ للإنتقام من استاذنا الملعون !!

***


بعد موتهما ، دفنهما بجانب قبر ديانا القريب من الشجرة .. وبعد وضعه الخيمة واغراضه في السيارة .. أعاد اولاً سيارة إريك (الذي أخذ جيم معه) قرب منزله القريب من الغابة .. ثم عاد لقيادة سيارته ، بعد إخفائه معالم الجريمة

***


لم تمضي ايام .. حتى فتح الأستاذ عينيه في ذاك المساء البارد ، ليجد نفسه داخل حفرةٍ عميقة في الغابة ! وهو مُقيّد اليدين والقدمين ، ومكممّ الفم .. ليزداد فزعه بعد رؤيته جاك يقف (فوقه) بجانب الحفرة ، ومعه الكشّاف والرفش وهو يقول :

- غرورك الكبير تسبّب بمقتل صبيّة وشابين ، لهذا قرّرت دفنك حيّاً


فحاول الأستاذ النهوض ، إلاّ أن الحفرة زلقة ورطبة بسبب امطار الصباح

جاك : اظنك تريد معرفة ما حصل .. لديّ صديقة تتقن تقليد الأصوات ، فأسمعتها صوت ديانا بإحدى رسائلها الصوتيّة القديمة ..وطلبت منها تسجيل رسالة لك..


((وقصد جاك بكلامه : انه ارسل صوت ديانا المُقلّد ، وهي تبكي برعبٍ واضح : 

- استاذي !! مازلت حيّة .. وإريك وجيم يؤذونني كل يوم ، في كوخ الصيادين المهجور في الغابة .. تعال وانقذني ، وأعدك ان لا ارفضك ثانيةً))


ثم اكمل جاك كلامه مع استاذه الخائف :

- حينها وقعت بالفخّ بعد دخولك الكوخ الذي اختبأت فيه ، لأقوم بضربك بالرفش على رأسك .. ثم سحبتك للحفرة التي حفرتها بعمق منذ الصباح .. وكل هذا بسبب غبائك ، فلوّ إن ديانا مقيّدة بالسلاسل بالكوخ كما أخبرتك ، فمن اين حصلت على الجوّال ؟ ..رغم انني لا انكر دهائك بسؤالي عنها ، كيّ تتأكّد انني مازلت فاقداً الذاكرة ، بعد أن أوهمني صبيانك بأنّي قاتلها .. على كلٍ !! انت الآن مدفون بجانب قبر طالبيك المخلصين الّلذين وعدتهما بالنجاح في حال قتلاني ، وايضاً بجانب قبر المسكينة ديانا ..وحين تجتمع ارواحكما في السماء ، ستنقم منك بنفسها .. الوداع يا استاذيّ الفاضل


وأخذ يردم التراب فوقه .. والأستاذ يطلق صرخاتٍ مكتومة ، إختفت تماماً  بعد دفنه حيّاً !

***


في اليوم التالي .. بعث جاك رسالةً ورقيّة الى عائلة ديانا (مُحاولاً تقليد خطّ حبيبته) يخبرهم فيها : بنيّتها الإنتحار بعد حادثة الإعتداء التي حصلت لها .. وإن ما سمعوه عن عملها بالبار ، كان كذبة إختلقتها للإنفصال عن جاك.. وطلبت منهم عدم البحث عن جثتها ، وأن يدعوا لها بالمغفرة 


فجاك لم يستطع اخبار عائلتها بمكان قبرها ، كيّ لا ينكشف ما فعله بزميليه وأستاذه .. فكل ما اراده : هو إعادة السمعة الطيبة لإبنتهم ديانا..  


ومن بعدها هاجر للخارج ، بعد دفن ماضيه في تلك الغابة الموحشة التي ستحفظ سرّه الدامي للأبد !


ابنة الزعيم

فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة  فتاة الكوخ  وصل الشباب الأربعة الى كوخ الغابة الذي دلّهم عليه صديقهم الجديد (روبيرتو) الذي اعتذر عن الم...