السبت، 12 مارس 2022

العفويّة البريئة

تأليف : امل شانوحة 

طريق النجوميّة


بعد سماع ريمي (الثلاثينيّة) لحادثةٍ طريفة حصلت مع ممثلٍ مشهور بوسامته خلال إحدى مقابلاته التلفازيّة ، قامت بتحويلها لقصةٍ رومنسيّة نشرتها في موقع مخصّص للكتّاب المبتدئين .. وأرسلت رابط القصة لإيميل الممثل ، لإخباره بذلك من باب الأمانة الأدبيّة.. 

***


بعد إسبوعين .. تفاجأت برسالةٍ منه على إيميلها ، يطلب مقابلتها في مطعمٍ فاخر لمناقشتها بموضوع القصة !


ورغم ضيق احوالها الماديّة ، إلاّ انها استطاعت شراء طقماً رسميّاً لمقابلته في الموعد المحدّد

***


في المطعم .. إستقبلها الممثّل (الخمسيني) ببرود وهو يدخن سيجارته بغرور ، ويحدّثها عن صعوبة مهنة التمثيل .. وانه بالعادة لا يقبل القصص السخيفة التي لا تناسب مكانته وشهرته ، وانه استقبلها لدعم موهبتها الصاعدة


وقد ضايقها حديثه المتغطرس عن نجاحاته وإعجاب الفتيات به .. وانه تنازل لاستقبالها بمكانٍ عام ، فهو بالعادة يستدعي من يشاء الى قصره !


وأخذا يتناقشان بأمور الفن .. فأخبرته برأيها عن السينما الحديثة وكرهها للأفلام الهابطة ..

فردّ بثقة : هذا ما يطلبه الجمهور


ريمي : ربما كلامك صحيحاً في زمن السبعينات ، لكننا في عصر لم يعد المشاهد المتحرّر (كما وصفته انت) يُضيّع ساعتين من وقته لرؤية مقطعٍ قذر من 5 دقائق ، بوجود قنوات مخصّصة لتلك المواضيع .. أمّا بالنسبة للمشاهد الصالح ، فلن يرغب برؤية الفيلم بسبب مقطعه اللاّ أخلاقي الذي لا يضيف شيئاً لحبكة القصة .. فلما تصنعون تلك الافلام ، ولمن ؟ خاصّة اننا بزمنٍ انتهت فيه قيمة التلفاز والسينما بوجود وسائل التواصل الإجتماعي .. لهذا أقترح التعاون بين الكتّاب والمنتجين والمخرجين والممثلين لإصلاح الفكرة السائدة عن السينما العربية .. ففي حال أنتجنا افلاماً هادفة ، ربما نُحسّن الوضع في بلادنا العربية ، فالإنسان بالعادة يقلّد ما يراه .. كما انني ارى ...


الممثل مقاطعاً :

- انت تبالغين بخيالك المثاليّ .. اساساً نحن نمثّل لأجل المال فقط ، ولا يهمّنا رأيّ الجمهور

ريمي بخيبة أمل : يبدو أن حماسك الفنّي انطفأ بعد وصولك لمبتغاك الماديّ ، وتنازلت عن رسالتك بمحاكاة آلام الشعب وأوجاعه  !

الممثل : لا يوجد شيء اهم من المال ، والتسلية مع النساء الجميلات


فشكرته على استقباله لها ، ووقفت مُودّعة .. لتجده يرمي ظرفاً بحقارة فوق الطاولة ، وهو يضع قدماً فوق الأخرى ويقول بلؤم :

- هذه مكافأة ماديّة عن قصتك المتواضعة


مما أفقدها اعصابها ، خاصة انه معروف بزير النساء ..فقالت بحدّية وهي تنظر اليه معاتبة :

- أنصحك بالتعامل مع الفتيات الرخيصات ، طالما لم يعلّمك اهلك كيف تتصرّف مع بنات الناس المحترمين.


وأعادت له النقود .. وأخذت معطفها على عجل للخروج من المطعم.. فأمسك يدها ، للإعتذار عن تصرّفه الغير لائق 

الممثل بارتباك : كنت اريد فقط ..

فأبعدت يده بعنف ، وهي تقاطعه بحزم :

- إيّاك التفوّه بكلمةٍ واحدة !!


فأسرع حارسه بالوقوف في وجهها .. فصرخت عليه :

- إبتعد عن وجهي انت الآخر !!

فأشار له الفنان بتركها وشأنها


فخرجت غاضبة من المطعم.. ليُسرع الفنان الى سيارته ، وهو يطلب من سائقه الّلحاق بها ، بعد أن رآها تمشي مستعجلة على الرصيف


وحين وصلا قربها ، أخفض الممثل زجاج سيارته المظلّلة :

- دعيني على الأقل اوصلك الى منزلك

فنظرت لسائقه ، وهي تأمره بحزم :

- إكمل طريقك في الحال !!


وأسرعت بإيقاف سيارة اجرة ، للعودة الى منزلها..

فطلب الفنّان من سائقه الّلحاق بها.. فسأله السائق باستغراب :

- لما تهتم بتلك الفتاة الوقحة ؟!

الممثل بعصبية : إلحق بها دون جدال !!


وحين وصلا لمنطقةٍ شعبيّة ، قال السائق بقلق :

- سيدي ، أخشى قيادة سيارتك الفارهة في الطرقات الضيّقة .. خاصة إن هذه المناطق مليئة باللصوص


وحين لمحها الممثل من بعيد تنزل من سيارة الأجرة ، قال لسائقه :

- حسناً اوقف السيارة هنا ، سأتّبعها سيراً على اﻷقدام


ولحقها وهو يضع نظّارته السوداء ويلفّ وجهه بالشال كيّ لا يعرفه احد ، كما أبقى على مسافةٍ بينهما


ليجدها تدخل في زقاقٍ ضيّق ، لكنها توقفت بعد رؤيتها لقطةٍ عالقة فوق الشجرة .. فقالت بحنان :

- كيف ستنزلين اﻵن ايتها الفضولية ، هل انت خائفة ؟

ومدّت ذراعيها نحوها..

ريمي : هيا إقفزي !!

فقفزت القطة في حضنها .. فأخذت تمسّد فروها وهي تقول :

- يبدو انك عالقة منذ مدةٍ طويلة ، هل انت جائعة ؟ سأشتري لك السردين من البقالة ، إنتظريني في الخارج


وخرجت من البقالة بعد قليل ، لتضع لها الطعام.. ثم تركتها متوجهة الى عمارتها .. كل هذا والممثل يراقبها من بعيد ، ليراها وهي تسأل البوّاب :

- أيوجد كهرباء يا عم ابراهيم ؟

- لا ، انقطعت قبل قليل 

ريمي بضيق : حسناً سأصعد الأدراج ، كان الله في عوننا 


وبعد دخولها العمارة .. إقترب الممثل من الحارس ليسأله عنها ، فأجابه :

- هي من عائلةٍ كريمة ، والجميع يحبهم ويحترمهم في العمارة


وبمديح الحارس ، شعر الممثل بالفضول للّحاق بها .. فأضاء جوّاله لصعود الأدراج المظلمة


حين وصلت ريمي للطابق الخامس ، سمعت شخصاً ينهجّ بالطابق الثالث ! فظنّت انه جارها العجوز .. فانتظرته لربما احتاج إضاءة ، لتتفاجأ بالممثل خلفها !

ريمي بدهشة : هل لحقتني الى هنا ؟!

فأجاب الممثل بتعب : أرهقتني يا بنت

- ولما لحقتني ؟

- لأعتذر منك

فسألته بتهكّم :

- هل ضميرك يعذبك لهذه الدرجة ؟

الممثل : أتدرين انك الوحيدة التي عاتبتني على غروري منذ بداية شهرتي حتى الآن

فسألته باستغراب :

- وهل أعجبك هذا ؟!


الممثل : نعم ، فأنت ذكّرتني بأصلي الطيب الذي نسيته بعد معاشرتي للناس السوء الذين لم ينصحوني يوماً للتوقف عن افعالي المتغطرسة .. (ثم أخرج ظرف المال من جيبه) .. الن تغيّري رأيك ، يبدو انك بحاجة للمال

- لا انا بخير

- حسناً لنتفق على شيءٍ آخر.. الم تسأليني بالمقابلة إن كنت أفكر بتمثيل دورٍ دراميّ بدل الرومنسيّ ؟

ريمي : نعم ، ولديّ القصة المناسبة لك

- اذاً إرسليها لأقراها 

- سأرسلها على إيميلك السابق

الممثل : لا هذا ايميل سكرتيري ، سأعطيك ايميلي الخاص

وقامت بتسّجيله في جوالها.. 


وهنا سمعا صوت شخصٍ يلهث في الطابق الرابع ! فقالت ريمي ممازحة :

- هذا حارسك ، يبدو انه عجوز اكثر منك

الممثل : لا ، حارسي ينتظرني خارج المنطقة


وهنا ظهر وجه الحارس وهو يحمل جواله :

- أخيراً لحقت بك سيدي

فقال ريمي للممثل مُبتسمة :

- الم اقل لك

ثم قالت للحارس :

- ساعد معلّمك للخروج من المبنى ، وانا سأكمل صعودي للطابق 8 

الممثل :

- لا تنسي القصة يا ريمي

ريمي : سأرسلها الليلة ، لا تقلق

***


في مسابقة البحث عن ممثلي لأدوار الفيلم .. أصرّ الممثل (البطل) على قدوم ريمي لاختيار بطلتها..


وبعد مقابلتها خمسين سيدة ، لم يعجبهما احد ! خاصة إن معظمهن قمن بعمليات تجميل ، واحداث فيلمها تدور في زمن الثمانينات


فاقترح الممثل عليها : 

- ما رأيك أن تكوني انت البطلة ؟

ريمي بدهشة :

- لم أمثّل من قبل !

- الست كاتبة القصة ؟ وأكيد تخيّلتي طريقة تمثيلها


وصار يقنعها الى ان وافقت ، لتتحقّق أمنيته ببقائها بجانبه بعد أن اثارت اهتمامه بشخصيّتها القويّة ، فهي الوحيدة التي عاملته كشخصٍ عادي دون اكتراثها بشهرته الواسعة في الوطن العربي

***


مع بدء تصوير الفيلم .. بدا الإنسجام واضحاً بين البطلين في جميع المشاهد التصويريّة ، بعد إتقان ريمي دورها الأول بشكلٍ أثار إعجاب فريق العمل ، خاصة في الأحداث الغاضبة والحنونة ضمن الفيلم الدرامي

***


بنهاية الفيلم .. فاجأها البطل وهو يجثو على ركبته امام الجميع ! ويرفع الخاتم اليها ويسألها :

- هل تتزوجينني ؟

فنظرت ريمي للمخرج بدهشة :

- أهذا جزء من الفيلم ؟!

فأكمل الممثل كلامه بابتسامةٍ حنونة :

- لا عزيزتي ريمي ، انتظر هذه اللحظة منذ بداية التصوير .. رجاءً أجيبيني ، فركبتي بدأت تؤلمني

فأجابت ممازحة : ومن يرفض العجوز المغرور ؟ موافقة طبعاً


وألبسها الخاتم ، وسط تصفيق وزغاريد الممثلين .. وتمّ تصوير اللحظة لوضعها في ختام الفيلم .. 

ليتفاجأ الجمهور والصحافة بخطبة البطل الذي أعلن في جميع مقابلاته التلفازيّة السابقة : عن رفضه الزواج ، وحبه للعلاقات العابرة وعشقه للحريّة المطلقة !

***


بختام عرض الفيلم .. أضيئت السينما ، ليشاهدوا البطلين يجلسان في المقدّمة بجوار المخرج الذي قال للحضور :

- باركوا للعريسين الّلذين قطعا شهر عسلهما ، ليشاهدا معكم العرض الأول للفيلم الدراميّ 


فصفقوا لهما ، وهم سعداء بهذا الزواج بعد شعورهم بالعواطف الجيّاشة للبطلين داخل الفيلم ..

***


لاحقاً أكمل البطلان مسيرتهما المهنيّة ، بالتمثيل معاً في عدة افلامٍ ناجحة من تأليفها .. حيث حرصت أن تكون مواضيعها أخلاقيّة ، أعجبت الجمهور الذي شجّع على هذا النوع من الأفلام الهادفة .. حتى أصبحت ريمي وزوجها أيقونة الحب العفوي البريء في السينما العربية !


هناك تعليق واحد:

صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة    براءة الطفولة وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة...