الاثنين، 31 أكتوبر 2022

نظام التموضع العالمي

كتابة : امل شانوحة 

(GPS) 


قبل عام 2004 لم يكن نظام التموضع العالمي موجود في الجوالات .. وبسبب الإتاحة الإنتقائية ، تلقّى المستخدمون المدنيّون إشارات أقل جودة من الإستخدام العسكريّ .. 

لهذا لجأت شركات التقنيّة والتكنولوجيا للإستعانة بموظفين لرسم الطرقات مع التسجيل الصوتي لاتجاهات الطرق ، ومعلومات عن الموقع ووقت الوصول حسب الأحوال الجويّة للمكان الذي اخترته ، عبر جهازٍ مُصغّر يوضع بالسيارات الحديثة آنذاك

***


وفي ذلك العام .. دار نقاشٌ في موقع ((مايّ سبيس)) عن الجي بي أس الجديد في البلد 

فنقده الشاب الأول قائلاً :

- إستخدمته قبل فترة ، فدلّني خطأ على عنوان الشركة التي اردّت التوظّف فيها.. وعندما شعرت بالضياع ، أوقفت الجهاز وسألت المارّة .. لأصل متأخراً على مقابلة الوظيفة التي لم أجد مثلها لليوم 


فردّ الثاني : حصل الشيء ذاته معي ! وتتبّعت الجهاز للوصول لإمتحان الدخول بالجامعة.. لكنه ظلّ يوجّهني لأماكن بعيدة ، وإنعطافات لا لزوم لها ، حتى وصلت مع خروج الطلّاب.. والآن عليّ إنتظار السنة التالية لتقديم الإمتحان  


فقال الثالث : اما انا ، فدلّني الجي بي أس على مطعمٍ مُغاير للذي تنتظرني فيه حبيبتي التي تعرّفت عليها منذ ثلاثة أشهر .. وبسبب تأخري ، ألغت حسابها ، ظناً بأني شخصٌ مُتلاعب !


الشاب الرابع : مشاكلكم بسيطة لما حصل معي .. فقد عُدّت للوطن ، بعد غربة عشرين سنة .. وعندما أصيبت امي بنوبةٍ قلبيّة مفاجئة ، إتبعت الجهاز اللعين للوصول للطوارىء .. فأخذني عن طريق الكورنيش المزدحم ، لتموت بجانبي بالسيارة .. لأعلم لاحقاً أنه كان بإمكاني الوصول للمستشفى من الطريق السريع ! لهذا أقترح معاقبة المسؤول عن إصدار الجهاز عديم الفائدة .. 

- وكيف سنعاقبه ؟ 


الشاب الرابع : كنت متردّداً بهذا الشأن .. وطالما تأذّيتم مثلي ، فقد عقدت العزم على تتبّع الموظف المُهمل من نظام شركته التقنيّة .. فما لا تعلموه عني ، انني هاكر محترف 

- وهل تستطيع الوصول لتلك المعلومة المهمة ؟  

الهاكر : أتركوا الموضوع لي .. سأراسلكم قريباً لإطلاعكم بالمستجدّات  

***


واستطاع الهاكر خلال ايام إختراق ارشيف الشركة ، ومعرفة اسم المسؤول عن التسجيل الصوتي للطرقات على جهاز التعقّب الخاصّ بالسيارات 


كما علم من السجلّات أن الشركة طردت الموظف المُهمل الذي لم يخترّ أسرع الطرق للوصول للمنطقة المنشودة .. رغبةً بإنهاء مهمّته سريعاً ، والحصول على المكافئة المالية !

 

ولم يعرف مدير الشركة بسوء الجهاز إلاّ بعد تلقيه العديد من شكاوي المواطنين .. فقدّم المدير إعتذاراً لهم ، وألغى الجهاز القديم .. ووعد المشاركين بإنزال نسخة جديدة من الجي بي أس بعد تعينه خبراء طرق ، والذي ستطرحه الشركة قريباً 


لكن قرار المدير لم يكن كافياً للهاكر ورفاقه الذين تضرّروا فعليّاً من النسخة القديمة للجهاز .. 

فاتفق الهاكر معهم على معاقبة الموظف المُهمل ، بعد نسخ ملفه من ارشيف الشركة 

***


بعد اسبوع ، إستيقظ جاك من نومه متأخراً (لأنه عاطل عن العمل بعد طرده من عمله الشهر الفائت) 

وتفقّد صندوق بريده ، ليجد رسالة مكتوباً فيها :

((نشكرك على مجهودك بإصدار جهازٍ عديم الفائدة .. وبسبب إضرارك بالكثير من العملاء ، قرّرنا معاقبتك على إهمالك الوظيفيّ بإجبارك على استخدام جهازك ، لتعقّب العناوين التالية التي تخصّ سلامة امك واخوك وزوجتك وابنك الذين اُختطفوا هذا الصباح ، وعليك إيجادهم في الوقت المناسب لإنقاذ حياتهم .. ستجد بظرف الرسالة ، صورهم الأخيرة))


وكانت الصورة الأولى لأمه وهي مقيّدة في حوض الإستحمام .. وخلف الصورة ، مكتوباً الشرح : 

((الصنبور يُعبئ الحوض ببطء ! فإن لم تجدها بالوقت المناسب ، ستموت غرقاً))


اما صورة اخيه : فكان مقيّداً فوق ناقلٍ متحرّك ، يمشي ببطء باتجاه قطّاعة الخشب .. وعليه فكّه بالوقت المناسب قبل بتره لنصفيّن !

اما زوجته : فدُفنت حيّة بحديقةٍ ما .. وعليه إيجادها قبل انقطاع نفسها !

اما ابنه : فمقيّد على سكّةٍ إفعوانيّة ، وعليه تحريره قبل مرور لعبة القطار فوقه !


وأُرفق مع الصور جهاز التعقّب القديم ، وعليه عناوين اقاربه الأربعة .. مع ملاحظة :

((إسرع ، فحياة أحبّائك في خطر))

***


وعلى الفور !! توجّه جاك لمدينة الملاهي القريبة من منزله ، التي ميّزها من الصورة ، فهو دائماً يلاعب ابنه هناك .. ولهذا لم يشغّل جهاز التعقّب ، ووصل للعنوان بغضون دقائق .. ليجدها مُغلقة نهاراً !  فتسلّق السور  


وكان ابنه مقيّداً بالفعل بالسكّة الحديديّة ، والقطار في الجهة المقابلة يصعد ببطء .. وعليه تحريره ، قبل نزول القطار بسرعة اتجاهه .. فحاول اولاً إيقاف اللعبة ، لكن يبدو احدهم يتحكّم ببرمجة القطار من حاسوبه !  


فأسرع نحو السكّة ، ليجد ابنه منهاراً بالبكاء .. واستطاع فكّ رباطه بصعوبة ، قبل ثواني من توجّه القطار نحوهما .. ولو تأخر قليلاً ، لبترت قدميه بأسوء طريقة !  


وبعد أن حضنه ، سأله :

- من خطفك ؟

الولد : شخصٌ مقنّع وضع قماشةً رطبة على انفي ، قبل دخولي الى المدرسة .. واستيقظت هنا !

- اذاً لنسرع بإنقاذ امك ، فهي تعاني من الربو ولن تتحمّل ضيق التابوت

الولد بخوف : عن ماذا تتكلّم ؟!

- لا وقت للشرح .. هيا بنا !! 

***


في الطريق :

- ابي استخدم جهاز التعقّب

جاك : لا ، سيرشدني لطريقٍ طويلٍ ومزدحم  

- الم تصنعه بنفسك ؟!

- نتكلّم بالموضوع لاحقاً .. فحدسي يُخبرني بأن الخاطف دفنها بالحديقة القريبة من عملها .. سنفترق هناك ، ناديني إن وجدت تربةً نُبشت حديثاً ..مفهوم !!

ابنه : ولما لا نتصل بالشرطة ؟

- كل ثانية نضيّعها ، يموت احد من عائلتي .. لنحاول حلّ المشكلة بأنفسنا 

***


ما أن وصلا الحديقة ، حتى صرخ الإبن من بين الأشجار .. ليسرع الأب نحوه ، وينبشان تربة الشجرة الضخمة التي تبدو حُفرت منذ وقتٍ قصير 

وبالفعل وجدا تابوتاً خشبيّاً ! خلعا اخشابه بقوة ، ليجداها فاقدة الوعيّ .. فأسرع الإبن بالتنفّس الإصطناعي ، كما تعلّم بالمدرسة .. ولحسن حظه ان امه استفاقت باكية ، دون علمها بما جرى !


فحملها زوجها الى السيارة ، وانطلق مُسرعاً باتجاه مصنع الخشب  

***


في الطريق .. وبعد فهم الزوجة ما حصل ، حاولت إيجاد المصنع من جهاز التعقّب .. لكن زوجها فاجأها برميّه من النافذة بعصبية 

الزوجة معاتبة : لما فعلت ذلك ؟! الجهاز سيساعدنا للوصول لأخيك بأسرع وقتٍ ممكن

جاك : اللعنة عليّ !! هذا عقابي على سوء عملي ..

زوجته : لم افهم !

- لا تقلقي .. أعرف المصنع جيداً ، فهو قريب من منزل اخي 

***


أوقف جاك سيارته قرب المصنع المغلق بسبب إضراب العمّال .. وتوجه كالمجنون لماكينة التحكّم .. واستطاع إيقاف الناقل المتحرّك المُقيّد اخيه فوقه ، قبل ثواني من دخوله لماكينة قصّ الخشب ..


وفور إزالته الّلاصق عن فمه ، صرخ الأخ باكياً :

- أنقذ امنا ، ارجوك !! فالخاطف اخبرني انها على وشك الغرق


فأخرج جاك الصورة من جيبه ، واراها لأخيه : 

- هل رأيت دورة المياه هذه من قبل ؟ فلون البلاط ليس غريباً عليّ 

الأخ مقاطعاً : أظنه منزل خالتي ! فأمي أخبرتني البارحة انها ستزورها صباحاً ..

- اذاً لنسرع الى هناك !! 

***


بعد كسرهما الباب الخارجيّ .. وجدا خالتهما فاقدة الوعيّ بضربةٍ قوية على رأسها .. بينما حوض الإستحمام مُمتلأً بالكامل بالمياه .. فأسرعا بفكّ رباط امهما ، ووضعها على ارضيّة الحمام .. وتناوبا على التنفّس الإصطناعي ، بينما تتصل زوجة جاك بالإسعاف .. لكن الأم العجوز فارقت الحياة !

***


مالا يعلمه جاك ، إن الهاكر وضع كاميرات صغيرة في الأماكن الأربعة .. ومنها سقف الحمام .. 


وفي منزله .. ضحك الهاكر بشماتة بعد فشل جاك بإنقاذ امه ، تماماً كموت والدته بسبب جهاز التعقّب الفاشل .. 

وأرسل الفيديو الصادم لأصدقائه الثلاثة الذين عاتبوه على قسّوة العقاب ، ورفضهم قتل الأبرياء !


وعندما هدّده احدهم بإبلاغ الشرطة ، قال الهاكر بلؤم :

- توقعت خذلانكم لي .. بجميع الأحوال لن أسمح لكم بحرماني من الكسب المالي لهذه المسابقة  

- عن ماذا تتكلّم ؟


الهاكر : نشرت الفيديوهات بالإنترنت المظلم ، وربحت الكثير من المراهنات السرّية ، مما شجّعني على إكمال اللعبة .. ولأني كنت متأكداً من رفضكم متابعة الخطة معي .. فقد ارسلت صباحاً من يخطف عائلاتكم .. ستجدون في بريدكم صوراً مشابهة للتي استلمها جاك .. لكن بما أنكم اصدقائي ، فقد اشتريت لكم جهاز التعقّب الجديد الذي نزل للأسواق قبل ايام .. يمكنكم استخدامه لإنقاذ احبائكم ، او الإعتماد على حدسكم كما فعل جاك 

- اللعنة عليك !! 

الهاكر : لا وقت للشتائم ، فحياة اقاربكم بخطر .. 


فأسرع الثلاثة لصندوق بريدهم ، لرؤية صور اقاربهم المُقيّدين بأماكن مرعبة .. ورسالة تشرح طرق موتهم (في حال لم يتمّ إنقاذهم بالوقت المناسب) من صعقٍ بالكهرباء وبترٍ بالليزر وحرقٍ بالبنزين ، او رميهم من طوابق مرتفعة !


فقام احد الشباب بإبلاغ الشرطة .. بينما شعر الآخر باستحالة إنقاذه اقاربه بوقتٍ قصير ، خاصة لبعد المسافة بينهم .. فاتصل بجاك وأخبره عن الهاكر الذي قتل امه وهوسه بالإنتقام ، واستمراره بالتلاعب بأرواح الأبرياء ..


فاتصل جاك بمديره السابق ، وأطلعه على المشكلة .. ليقوم المدير بتوكيل اذكى موظفيه لتعقّب حاسوب الهاكر .. وإرسال عنوانه للشرطة الذين وصلوا الى بيته ، بعد فشل الأصدقاء الثلاثة بأنقاذ جميع احبائهم .. 


وتمّ القبض على الهاكر اثناء انشغاله بالمراهنات مع الأثرياء على الإنترنت ، والذي رفض إخبار الشرطة بأماكن المخطوفين .. ليحاكم لاحقاً بقتله اربعة أبرياء ، عُثر على اشلائهم بعد موتهم بأسوء الطرق ! 

***


وآخر ما قاله الهاكر بعد شهور من المحاكمة :

- كنت سجّلت عناوين المخطوفين على أجهزة التعقّب الجديدة التي ارسلتها لبريدهم .. لكن لا احد منهم استخدم الجهاز ، بعد أن أفقدهم جاك ثقتهم بالجي بي أس .. فلا تعاقبوني انا ، بل عاقبوه على إهماله الوظيفيّ الذي تسبّب بموت امي ، وأقاربهم المساكين  


ورغم حصوله على حكم الأشغال الشاقة المؤبّدة إلاّ انه كان سعيداً لإعطائه درساً قاسياً لموظفيّ دولته للقيام بواجبهم على أتمّم وجه ، وإلاّ سيجدون مجنوناً مثله يُعاقبهم بقسّوة على إهمالهم الوظيفيّ ! 


السبت، 29 أكتوبر 2022

الموعد الغرامي الأخير

كتابة : امل شانوحة 

 

رحلة السماء


لطالما عُرفت جاكلين (الأربعينيّة) بصدّها للعرسان لصعوبة طباعها ، وبحثها عن الزوج المثاليّ الذي لا وجود له ! مما أفقد اهلها وأصدقائها الأمل بزواجها ، لانشغالها الدائم بمهنتها الصعبة 


لكن الليلة تغيّر كل شيء ، بعد دخولها مطعمها المفضّل لطلب جميع اصناف الطعام الئي تحبها ، غير آبهة بالحميّة القاسية التي اتبعتها منذ سنواتٍ طويلة


وبعد العشاء .. تناولت حلوياتها المفضّلة وهي تكتم دمعتها ، مُحاولةً التلذذّ بكل لقمة ، كأنها تجربتها الأخيرة !

وقبل خروجها من المطعم ، جلس امامها رجلٌ خمسينيّ وهو يقول :

- آسف على التطفّل .. هذه اول مرة أجد فتاةً حسناء لا تهتم بالسعرات الحراريّة ! فهل تعشقين الطعام مثلي ؟


فنظرت اليه بتمعّن ، حيث بدى كرجلٍ محترم ! فلم تجد مشكلة بإجابته بتحفّظ : 

- انه يومي المفتوح ، أتناول به ما اشاء

الرجل : ومالمناسبة ؟ إن سمحتِ بسؤالي

جاكلين : نهاية الحكاية .. لهذا رغبت بختمها بطعامٍ شهيّ ولذيذ 

- تعجبني الفتاة الغامضة .. هل انت متزوجة ؟

- لا


الرجل : الا يشغل بالك هذا الموضوع ؟

- أشغلني بعمر العشرينات والثلاثينات .. حالياً اقتنعت أنه ليس جميعنا لديه نصيب بهذه الدنيا الفانية

- يبدو من كلامك انك عانيت كثيراً من العلاقات الفاشلة ؟

فابتسمت قائلة : لحظة ، دعني أخمّن .. تماماً كما حصل معك ؟ 

الرجل بحزن : للأسف نعم

جاكلين : اذاً فضّفض لي ، فمازال لديّ ساعة قبل إنهاء سهرتي 


فأخبرها عن زيجتيه الإثنتين الّلتين انتهتا بالفشل وحرمانه من اولاده .. وكيف أحب الأولى بإخلاص ، والتي تركته لإدمانه على العمل .. بينما تخلّت الثانية عنه ، لاهتمامه الزائد بها !

الرجل بيأس : لا أفهم لما النساء مُعقّدات لهذه الدرجة !

جاكلين : يعني مشكلتك أنك أهملت الأولى ، وبالغت الإهتمام بالثانية ؟ 

- صحيح 

- كان عليك العطاء حسب نوعيّة الزوجة .. فربما الثانية من النوع المستقلّ التي يضيق صدرها بحرصك الدائم على سعادتها 


الرجل بحزن : هذا ما حصل .. فقد رافقتها بجميع الأماكن والمناسبات ، حتى وصفتني بظلّها .. وأصبت بالإكتئاب لفشلي بفهم النساء !  

جاكلين : الأمر ليس صعباً لهذه الدرجة ، فقط اسألها عمّا تريده .. وأظن الإعتدال بالمشاعر يُرضي الجميع .. فحتماً الزوجة بحاجة لوقتٍ تقضيه مع نفسها او عائلتها وأصدقائها .. ولا داعي مرافقة الزوج لها بجميع المناسبات !  

- لوّ كنت مكانهما ؟ أقصد فرضاً.. هل كنت ستخبريني بما تريدينه؟ 

- طبعاً !! فالرجال لا يفهموا ما بين السطور ، وعلى الزوجة إطلاعه بطلباتها اولاً بأول


الرجل بابتسامةٍ حنونة : يبدو الحظّ بجانبي هذه الليلة ، فقد وجدّت ما تمنّيته بكِ 

- أحقاً ! مثل ماذا ؟

- هدوئك وكبر عقلك واهتمامك المتواضع بشكلك وطعامك ، كأنك لا تهتمين بكلام الناس !

جاكلين : الحياة أقصر من إشغال أنفسنا بتلك الأمور 

- وهذا رأيّ ايضاً .. فكلا طليقاتي يحبّان التخطيط للمستقبل ، ويضيّعان جمال الحاضر 

- الماضي حصل وانتهى ..وتدبير المستقبل ليس بيدنا .. والأفضل عيش اللحظة كأنه آخر يومٍ في حياتنا  


الرجل بحماس : انا فعلاً سعيد بمقابلتك .. هل يمكننا تبادل ارقام جوّالاتنا ، للإتصال بك غداً ؟

- حسناً .. إتصل عصراً ، بعد انتهاء يومي الوظيفيّ 

- آه صحيح ، لم اسألك .. ماهو عملك ؟

فرفعت جاكلين إصبعها ..

- عملي في السماء !! 

الرجل : لا بأس ، أحب الغموض .. وبعد تعرّفي عليكِ ، ستبوحين بأسرارك طواعيّة لي ، فلديّ خبرة بالنساء 

- حظاً سعيداً 


وأعطته رقمها وخرجت بهدوء من المطعم .. لتقود سيارتها وهي تبتسم :

((أخيراً حصلت على موعدٍ غراميّ ، كما تمنّى والدايّ المرحومان ..ربما لأني لم اهتم هذه المرة بشكل الرجل وطريقة تناوله الطعام وأسلوب كلامه .. او ربما لتخفيف شروطي التعجيزيّة لفارس الأحلام ! .. لكن للأسف ، وجدته بعد فوات الأوان .. فغداً فجراً ، أخرج من هذه الدنيا الكئيبة للأبد))


وذهبت الى الناسا للإنضمام الى بقيّة المتطوّعين بمهمّتهم الإنتحاريّة لبناء اول محطّة بالمريخ ، برحلة اللاّ عودة ! 


الخميس، 27 أكتوبر 2022

جريمة عيد الميلاد

كتابة : امل شانوحة 

 

صديقات الماضي


تقابلت الصديقتان صدفةً في إحدى المولات ، وقرّرتا تناول الغداء معاً .. ومن سياق الحديث علمتا أنهما مدّعوتان لقصر ريهام ، صديقتهما ايام الثانوية 

- غريب انها مازلت تذكُرنا !

- مع اني لم أطقّها يوماً ، لمحاولتها المستميتة لنيل لقب الطالبة المثاليّة  رغم انها ابنة خادمة المدرسة !

- ولهذا وافقت المديرة على تسجيلها في مدرستنا الفخمة ، إشفاقاً على كونها يتيمة

- وهي استطاعت التفوّق على الجميع ، مع ذلك لم أتفهّم عقدها النفسيّة المُنفّرة !  

- لا أحد تقبّل وجودها معنا ، لهذا تناولت غدائها كل يوم وحدها في الملعب

- هذا ذنب امها التي حشرتها في بيئةٍ لا تناسبها .. لوّ سجّلتها في مدرسةٍ حكوميّة ، لكوّنت العديد من الصداقات

- وهاهو الحظ يلعب معها مرة ثانية بعد إعجاب رئيس الشركة التي عملت فيها محاسبة ! ورغم رفض اهله عائلتها الفقيرة ، لكنه أصرّ على الزواج بها

- برأيك لما عزمتنا على عيد ميلادها ؟

- ربما شعرت بالوحدة بعد وفاة زوجها

- أمعقول بعد ورثها الملايين ، مازالت تفكّر بصديقاتها القدامى؟!

- لا اظن لديها اصدقاء غيرنا .. فهي منبوذة من اقارب زوجها ، لعدم إنجابها وريثاً 

- أتدرين .. سأذهب لحفلتها ، فضولاً لرؤية قصرها من الداخل

- وانا ايضاً .. ترى من عزمت غيرنا ؟

- غداً نعرف التفاصيل

***


في الليلة التالية بالقصر .. إجتمعت الصديقات الخمسة (شلّة الدلال) اللآتي اجتمعن بعد عشرين سنة .. فتحدثنّ بشوق عن ذكرياتهم وحياتهم الحالية ، بانتظار قدوم صاحبة عيد الميلاد


وبعد ساعة ، قالت إحداهن بضيق :

- الم تنزل سندريلا بعد ؟

- بالحديث عنها .. أيعقل طوال سنوات فراقنا لم تصاحب غيرنا؟!

- هي لديها مشاكل بالتواصل الإجتماعي ، كنوع من التوحّد ..لهذا فشلت طوال حياتها بتكوين صداقاتٍ ناجحة


واثناء حديثهن عن عقد ريهام النفسيّة ، قدمت الخادمة وهي تقول :

- السيدة ريهام في طريقها اليكن


وإذّ بالأنوار تنخفض وترتفع الموسيقى ، ويصّطف الخدم على جانبيّ الصالة .. مع دخول ريهام بكامل زينتها التي فاجأت رفيقاتها الخمسة ، حيث بدت كالأميرات ..خاصة بعد عمليات التجميل التي سمح زوجها المرحوم بالقيام بها ، لتقويّة ثقتها بنفسها.. مما أبهر زميلاتها اللآتي اقتربن للسلام عليها

فصافحتهن بتحفّظ ..قبل توجّههن الى طاولة الطعام التي عليها مالذّ وطاب ..وطلبت ريهام تناول العشاء اولاً ، قبل إنهاء سهرتها بإطفاء كعكة عيد ميلادها ٣٥ ..


فأخذن يسكبن الطعام وهنّ يحاولن تذكيرها بأيام الثانوي ، ويدّعين حبهن لها وتفوّقها العلميّ واهتمام الأساتذة بها

وعندما تطرّقت إحداهن لأمها الخادمة التي جعلت المدرسة نظيفة على الدوام ..أسكتتها زميلتها بعد شعورها بضيق ريهام التي اكتفت بالقول :

- رحم الله الوالدة.. هيا إكملنّ طعامكن ، لنبدأ الحفل

- لقد انتهينا بالفعل

- وكان الطعام لذيذاً للغاية

ريهام : اذاً حان وقت الإحتفال


واقتربت من الكيك المصنوع من عدّة طبقات ، مع انخفاض الأنوار وارتفاع موسيقى عيد الميلاد.. 

وما أن نفخت على الشموع (بعدد عمرها) حتى انفجرت الكيكة بقوة في وجهها ! لتسقط ريهام قتيلة على الأرض ، وسط صرخات زميلاتها الخمسة اللآتي لم يصدقنّ ما حصل !


وعلى الفور حاولت إحداهن الهرب من الصالة ، لتُفاجأ بباب غرفة الطعام مقفلاً بإحكام من الخارج !

فأخذت تطرق بقوة ، دون اقتراب الخدم لفتح الباب لهن !


بهذه الأثناء ، سمعن صوت سيارة الشرطة تتوقف في حديقة القصر..

وماهي الا دقائق .. حتى فتح المحقّق (الستينيّ) برفقة شرطيين باب الصالة.. متوجهاً نحو الجثة الملطّخ وجهها بالدماء ، آمراً الضيوف:

- ممنوع الخروج من القصر قبل معرفتي ما حصل !!


فحاولنّ التبرير له : بأنه لا ذنب لهن بمقتل المضيفة ..لكنه أسكتهن بإقفاله باب الصالة التي حرسها شرطيان من الخارج ، لحين إكمال تحقيقاته بمقتل ريهام التي غطّاها بملاءةٍ بيضاء

المحقّق : الآن سأبدأ التحقيق

- عندي سؤال .. كيف عرفت بالجريمة ؟ فأنت وصلت مباشرةً بعد الحادثة !

المحقّق : إتصل بي شخصٌ مجهول قبل ساعة ، واخبرني عن وقوع جريمة بالقصر

- لكنها قُتلت قبل وصولك بخمس دقائق !

- هذا يعني إن القاتل اتصل بك قبل دسّه القنبلة بالكيك ، فهل كان المتصل رجلاً ام امرأة ؟

المحقّق : كان الصوت مشوّشاً ، وطلب مني الإسراع للقصر

- ربما القاتل احد الخدم

المحقّق : الشرطة تستجوبهم الآن ، بينما أتابع التحقيق معكن

- ولما تصرّ إن القاتل واحدة منا ؟


المحقّق : لأن المتصل الغامض أخبرني أن القاتل هي صديقة قديمة للمضيفة ، وهي من معازيم الحفلة

- وكيف لأحدنا وضع القنبلة بالكيك ؟ فنحن وجدنا الطعام على المائدة فور وصولنا 

المحقّق : انا لا أضيّع وقتي بتاتاً .. فمنذ تلقيّ المكالمة ، أجريت بعض الإتصالات لمعرفة : أن القتيلة اشترت الكيك من متجر زوجك

المرأة الأولى بصدمة : ماذا ! لم اكن اعرف 

المحقّق : هل تشكّين بارتكاب زوجك الجريمة ؟ 

الأولى : لا !! ولما يقتل زوجي صديقتي بالثانوية ؟!

المحقّق : وماذا عنك ؟ 

فردّت بعصبية : اساساً لم اكن أعرف إن الكيك من متجرنا ، أحلف لك !!


المحقّق : الأغرب إنه تمّ شراء المتفجرة من محل الأسلحة الذي يملكه زوجك انت !! 

المرأة الثانية بصدمة : وكيف عرفت ذلك ؟!

المحقّق : لأن المتصل الغامض ارسل صورة عن إيصال شرائه المتفجرة المخصّصة لاصطياد السمك من البحيرة .. ومن معاينتي لحجم الضررّ في وجه القتيلة ، فهي حتماً ليست قنبلة عسكريّة التي بإمكانها إيذاءكم جميعاً وتدميرها نصف الصالة 

الثانية : وما دخل زوجي بالموضوع ؟ فهو لا يعرف ريهام ، ولم يقابلها يوماً 


المحقّق : اذاً انت سرقتها من محل زوجك

الثانية : حتى لوّ فعلت ، كيف وضعتها داخل الكيك ؟

المحقّق : ربما اتفقت مع صاحبتك التي تملك محل الحلويات 

فردّت الأولى غاضبة : ولما نقتل فتاة لم نرها منذ عشرين سنة ؟

المحقّق : حقداً على ثرائها ، بعد أن كانت أفقركن

- وكيف عرفت بماضي القتيلة ؟

المحقّق : لأن من أخبرني بالجريمة ، أطلعني على علاقة ريهام بالمعازيم 

- اذاً إتّبع إتصال المشتبه به الذي اخبرك بالجريمة قبل وقوعها  


المحقّق : وهل تظنيني أحمقاً ؟ هذا ما فعلته قبل وصولي الى هنا .. وأخبرني مسؤول الإتصالات ان الأتصال قادم من القصر ، يعني واحدة منكن !!

- او واحداً من الخدم التي ربما عاملته بقسوة بعد تذكيره بماضيها ، لذلك حاول الإنتقام منها  

المحقّق : ما لاحظته فور دخولي القصر إن معظمهم آسيويين .. ولا اظنهم يتحدثون العربية بطلاقة ، كما فعل المتصل الغامض

- وماذا لوّ كان القاتل من عائلة زوجها الذين رفضوا زواجها منذ البداية ، وحقدوا عليها بعد حصولها على الشركة بوفاته ؟


المحقّق : مازلنا في بداية التحقيقات ، وسأستجوب الجميع .. الى ذلك الحين ، ستحجزون جميعاً على ذمّة التحقيق

- ولما جميعنا ؟ فلتحقّق معهما بعد تورّط متاجر ازواجهما بالموضوع  .. فالكيك من محل الأولى ، والمتفجّرة من محل الثانية .. اما نحن الثلاثة ، فلا دخل لنا بالجريمة 

المحقّق : مالا تعلموه .. انه وصلني بلاغاً من ريهام الإسبوع الفائت عن شكوكها بوضع السمّ لها في الطعام الذي طلبته من مطعمك انت!!  


الصديقة الثالثة : مستحيل ! مطعمنا الفاخر لم يتلقى شكاوي من زبائنه طوال العشر سنوات الماضية

المحقّق : هي ارسلت لمكتبي تقريراً طبّياً يُثبت تسمّمها .. وبأنها نُقلت للطوارىء ، حيث أوشكت على الموت هناك بأبرةٍ خاطئة ، أُعطيت بإشرافك انت يا دكتورة

الصديقة الرابعة : لا ، انا لم ارها قبل اليوم !

المحقّق : لكني سألت قسم الطوارىء ، وأخبروني انك كنت المسؤولة تلك الليلة

الصديقة الرابعة : ربما انشغلت بأحدهم ، فقامت إحدى المستجدّات بإعطائها إبرةً خاطئة .. فانا لم ارى ريهام قبل الحفلة


المحقّق : هل اتفقتم سابقاً على قتلها بسبب غيرتكن من تفوّقها عليكن

- انت تبالغ بخيالك !

- لحظة سيادة المحقّق .. يبدو انني الوحيدة الغير متورّطة بالحادث ، رجاءً دعني اعود لأبنائي

المحقّق : بل انت أكثرهنّ تورّطاً !! الم تعملي سكرتيرة في شركة زوجها التي اختارها بدلاً عنك ، فاستقلت باليوم التالي لإعلان خطبتهما ؟

الصديقة الخامسة : كان هذا منذ سنوات ، وبعدها تزوجت وأنجبت الأولاد


المحقّق : لكنك اغتظت حين رأيتي قصرها من الداخل ، والذي كاد ان يكون منزلك ، بدل شقتك في الحيّ الشعبيّ .. ولهذا أوصلتي الكيك بنفسك للقصر .. فالخادمة أخبرتني إن عامل التوصيلات ، إنثى أخفت وجهها بالكمّامة .. فهل دسّست المتفجرة التي اشتريتها من محل الأسلحة لزوج صديقتك ؟ 

الخامسة بعصبية : كلامٌ فارغ لا صحّة له

المحقّق : جميعكن مشتبهٌ بكم .. لهذا ستقتادون للحجز ، لحين ظهور نتيجة التحقيقات


وفي خُضمّ الصدمة ، قيّد أيديهن بالأصفاد .. واقتادهم الشرطيان نحو مركز المدينة !

***


بعد ذهابهن .. إقترب المحقّق من الجثة وهو يقول :

- هآ انا نفّذت طلبك ، فهل توافقين على الزواج بي ؟

فنهضت ريهام وهي تمسح الصبغة الحمراء عن وجهها ..

- اولاً إخبرني ، كيف كانت وجوههن وانت تتهمهنّ بقتلي ؟ 

المحقّق : كن شاحبات الوجه ، واستطعت تشكيك كل واحدة بالأخرى

ريهام : ممتاز !! دعهم يومين او ثلاثة بالحجز ..ثم أخرجهن بحجّة إيجادك القاتل من اعداء زوجي ..هذا سيربيهنّ أن لا يتنمّرن على الأضعف منهن

- أكل هذا التخطيط بدافع الإنتقام ؟


ريهام بقهر : هم أفقدوني ثقتي بنفسي لسنواتٍ طويلة ، بمناداتي ابن خادمة الذي جرحني انا وامي المرحومة ، وجعلني أشعر بأن الحياة المترفة لا تليق بي .. الى ان أقنعني زوجي بتلقّي العلاج النفسيّ الذي جعلني ادافع عن شركتي بعد وفاته.. لهذا فكّرت بعيد ميلادي أن أختم اوجاع الماضي بعقابهنّ جميعاً على لسانهن الطويل .. وجيد انني تعرّفت عليك ، لتسهيل مهمّتي

المحقّق : وانا أرعبتهنّ بأدلةٍ واهية .. لكني لا استطيع حجزهنّ لمدةٍ طويلة ، خصوصاً لعدم وجود جثة

- إيقافهنّ عدة ايام يشفي غليلي من القهر طوال مرحلة الثانوية

- وبعد قفل القضية نتزوج ، اليس كذلك ؟

ريهام : مباشرةً بعد بيع قصري ، حتى لا أنكشف في حال التقيت بهن بمكانٍ عام

المحقّق : اذاً لننتقل سوياً الى قريتي ، فقد أوشكت على التقاعد 

ريهام : وأنا معك اينما ذهبت ، يا حبيبي الشهم

وحضنته بحنان


الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

تسجيل صوتي لقصتي السابقة : الوصيّة


قام الأخ أحمد محمد سنان بالإخراج الصوتي لقصتي السابقة : الوصيّة ، بمساعدة من اصدقائه .. فلهم جزيل الشكر والثناء 


رابط الفيديو :

الاثنين، 24 أكتوبر 2022

كتابةٌ جدرانيّة

تأليف : امل شانوحة 

 

التهديد الأخير


الطبيب : أمازلت مصرّاً على الحقنة ؟ 

الأب : سافرت طوال النهار لأصل لعيادتك بهذا الزقاقّ المقرف ، لتسألني هذا السؤال .. بالطبع اريد قتل ابني !!

- اليس ابنك الوحيد ؟

- هو مصاب بحالةٍ سيئة من التوحّد ، ولم استطع تحمّله يومين

- وماذا عن طليقتك ، أقصد أم المراهق ؟

- لا تعلم بالأمر


الطبيب : اذاً اتركه في منزلها ، طالما لا تعترض على مرضه

- الم أريك فيديوهاته وهو يضرب نفسه امامها ، وهي منهارة بالبكاء ؟ إن حالته مستعصيّة للغاية .. وبسببه نُقلت طليقتي لمصحٍّ نفسيّ بعد أن أتعبها بتصرّفاته الخرقاء ، لهذا وكّلت نفسي بإنهاء عذابه .. فبعد حقنة الموت الرحيم ، ستتحرّر روحه العالقة بجسده المُعاق الى بارئها.. وطالما انك الطبيب الوحيد الذي يقوم بعلاجاتٍ غير قانونيّة بهذا البلد ، قدمت اليك وحدي لتخليصي من هذه المصيبة ..فلا تطلّ الموضوع

- المشكلة انه لا يستيقظ معي !


الأب : وكيف ظننت انني سأنقله الى منطقتكم الشعبيّة بالحافلة ، لوّ لم أخدّره اولاً

- مفعول الإبرة سيكون سريعاً ، إن كان واعياً

- هو يتحرّك الآن

الطبيب : اذاً سأنتظر قليلاً ريثما يستردّ وعيه ، ثم أُنهي حياته 

- وانا سأتصل بمسؤول المقبرة ، لتحضيرات الدفن


وخرج الأب الى غرفة الإنتظار بالعيادة الصغيرة.. 

وقبل اتصاله بالمدفن ، شاهد عبارة مكتوبة على حائط المبنى المجاور :

((ستموت الليلة يا وليد))


فارتعب كثيراً ! وبدأ يتساءل عن الخائن بعصابته الذي ارسل المعلومة لمنافسيه عن تواجده بالمنطقة الشعبيّة ؟ 

وهو يستذكر اعماله المخالفة للقانون من بيع المخدرات للشباب ، واستئجاره القتلى للتخلّص من منافسيه بالسوق السوداء .. فهو يعلم جيداً ان ابنه المُعاق عقليّاً هو عقوبة من الله لما فعله بالأبرياء


وتمّتم وليد بنفسه بقلق : 

((هل يعقل انهم خطّطوا لقتلي هنا ، بعيداً عن رجالي ؟ وطبعاً سيرسلون اقوى رجالهم لخطفي من العيادة ، ثم تعذيبي كما فعلت برئيس عصابتهم السابق؟))

وصار يتخيّل طرق التعذيب المتنوعة التي هدّده اعداؤه بها سابقاً


وعندنا سمع احدهم يصعد الأدراج بسرعة باتجاه العيادة ، وهو ينادي : 

- أمسكته اخيراً !! 


تملّك الأب الرعب ، واقتحم غرفة الطبيب الذي كان على وشك غرز إبرة الموت الرحيم بذراع ابنه الذي يقاوم رباطه بعنف


وسرعان ما دخلت الممرّضة خلفه ، وهي تخبر الطبيب عن رجلٍ يريد رؤيته في الحال !

لتتفاجأ بالأب يسحب ابرة الموت من يد الطبيب ، ويغرزها في رقبته ..ثم ينتفض بقوة على الأرض ، ويسلّم الروح قبل معرفته بأن الرجل هو بوّاب العمارة الذي قدِمَ لإخبار الطبيب بقتله الجرذ الكبير في مخزن الأدوية !

***


في الزقاق المواجه للعيادة .. قرأ الصبي (وليد) عبارة التهديد على الحائط ، فنادى زميله الذي أطلّ من نافذة المبنى :

- قلت ستقتلني الليلة !! اذاً سأصعد اليك لإنهاء المباراة العالقة بيننا


وصعد العمارة للعب المصارعة على البلايّ ستيشن ، بمباراةٍ حاسمة بين الولدين !


السبت، 22 أكتوبر 2022

ذكرياتٌ شائكة

تأليف : امل شانوحة 

 

علاجٌ استثنائي


عُرف آدم (الطبيب النفسيّ الأربعينيّ) بحيّوته ونشاطه في عيادته التي اُشتهرت بوقتٍ قصير ، بعد علاجه إضّطراباتٍ مُعقّدة ومُزمنة 

عدا عن سفره المتكرّر لأوروبا لحضور أهم الندوات الطبّية لاستشارة كبار الأطباء النفسيين ، واكتشاف علاجاتٍ جديدة بعلم النفس..


حيث اُفتتح عيادته في منطقةٍ شعبيّة لعلاج افراد العصابات والمتسرحيّ حديثاً من السجون ، لتحسين المجتمع من خلال تقويم سلوكهم المنحرف.. 

وحظيّ آدم باحترام اهالي المجتمع الفقير لتقاضيه اجراً زهيداً ، مراعاةً لظروفهم الصعبة 


وبسببه تحسّنت طباع المنحرفين وانخفضت المعارك الدمويّة منذ قدومه لمنطقتهم ، بعد تمكّنه من إقناع بعضهم بدخول مصحّات الإدمان .. مما ضايق مروجيّ المخدرات لتناقص زبائنهم ! 

ومع هذا لم ينتقموا منه ، بعد علاجه رئيسهم من عقدة طفولته المستعصيّة بالمجّان والذي أمر افراد عصابته بحمايته وعدم مضايقة مرضاه ، لمبادئه الإنسانيّة النادرة !

***


في إحدى المؤتمرات الطبّية .. لاحظ آدم رجلاً عجوزاً بشعرٍ وذقنٍ طويلة يجلس امامه وهو منزعج من سماعه نظريّاتٍ طبّية للعلاج الحديث ، متمّتماً بسخرية : 

- طرقكم لن تجدي نفعاً  


وبعد انتهاء المؤتمر .. جلس آدم بجانبه ، ليسأله باهتمام : 

- هل انت طبيبٌ نفسيّ ؟

العجوز : أبدو كمشرّد اكثر من بروفيسور ، اليس كذلك ؟

- بروفيسور !

- نعم ، فأنا خبيرٌ روسيّ بعلوم الطاقة والتخاطر  

آدم : وهل لديك طرقاً استثنائية للعلاج ؟

- برأيّ الأدوية النفسيّة تضرّ الجسم والعقل على المدى البعيد ، واحياناً تسبب الإكتئاب الذي يدفع المريض لإنهاء حياته .. ولا حلّ سوى باقتحام ذاكرتهم حرفيّاً ، لإصلاح الضرّر من الداخل  

- لم افهم !


فأخرج العجوز كتيّباً صغيراً من حقيبته :

- هذه النسخة الوحيدة من كتابي : ((العلاج الشامل))  

- ولما لم تنشره ؟

الروسي : لأن دور النشر إعتبرته كتاب شعوذة .. والحق معهم ، فالتعويذة المكتوبة داخله أخذتها من غجريّةٍ عمياء .. وبها يمكنك الإنتقال لعقل المرضى لفهم مشاكلهم القديمة التي نسوها بمرور السنين ، والمُسجّلة في اعماق ذاكرتهم ، والتي تدفعهم مستقبلاً لارتكاب الأخطاء والجرائم .. ستفهم كل شيء بعد قراءتك كتابي .. الآن سأعود للفندق ، فظهري يؤلمني من طول الندوة التافهة  


فوضع آدم الكتيب في حقيبته ، على امل قراءته فور عودته بلاده..


لكن بمجرّد فتح عيادته ، حتى ازدحمت بمرضاه ..مما أشغله عن الإطلاع على تفاصيل الكتاب الغامض

***


بعد شهور .. حُدّد مرض آدم بالكورونا ، وتمّ حجره داخل منزله الذي فيه عيادته لمدى اسبوع ، لحين انتهاء أعراض الإنفلونزا الحادة.. 

فاقترحت سكرتيرته تعيّن ممرّضة له ، الا انه أصرّ على البقاء وحده.. فاكتفت بوضع طعامٍ جاهز في ثلاّجته .. 


وقبل رحيلها .. طلب منها إقفال منزله ، خوفاً من خروجه لضيقٍ في صدره .. 

فوافقت على أخذ مفاتيحه ، وهي تشعر بالقلق عليه !

***


لم يكن الأمر سهلاً في الأيام الثلاثة الأولى بعد شعوره بالحرارة والبرد في الوقت ذاته ! عدا عن الصداع القويّ وآلام المعدة.. 


وبعد زوال الأعراض القوية ، كان عليه الإنتظار يومين لفترة نقاهة ..وهو وقتٌ كافي لقراءة كتيّب العجوز الذي انبهر بمعلوماته الجديدة التي تبدو من المستقبل !

حيث نصّت تقنيّته الفريدة : على تنويم المريض مغناطيسياً .. ثم قراءة التعويذة لتحويل روح الطبيب الى نسمة هواءٍ تدخل من انف المريض باتجاه عقله .. واثناء وجوده هناك ، عليه تدمير الملفات القديمة السيئة الموجودة في ذاكرة المريض.. وترتيب بقيّة الملفات حسب أهميتها ، وكأنه ينظّف ارشيفاً قديماً او مكتبة مهملة !


وقد اثارت الطريقة الغامضة حماس الطبيب في تلك الليلة الماطرة

فقرّب المرآة الكبيرة من سريره .. وأخذ يتلو التعويذة وهو ينظر لبؤبؤ عينيه المنعكسة في المرآة .. على امل الدخول الى عقله واكتشاف ذكرياته التي نسيّها في الماضي ..


وظلّ يردّد التعويذة لحين شعوره بدوارٍ مفاجىء ، جعلته يغفو فوق وسادته .. ليقع الكتاب امام سريره على الصفحة الأخيرة التي فيها تحذيراً خطيراً: 

((إحفظ تعويذة الخروج جيداً ، كيّ لا تعلق بمتاهة الدماغ للأبد))


لكن آدم لم يصل لتلك الصفحة ، فهو بدأ التجربة قبل انهاء الصفحات الأخيرة للكتاب !

***


ما رآه آدم كان أشبه بمنامٍ غريب ! حيث طفى داخل جسمه ، وصولاً لرأسه .. الى ان وصل لمتاهةٍ متشابكة لزجة ، عرف انها دماغه

فتساءل بقلق :

- كيف سأعرف طريقي للذاكرة بين الدهاليز المتشابهة ؟! 


وبدأ يمشي بحذر ، مُتجنّباً الصعقات الكهربائيّة المُرسلة بين الخلايا الدماغيّة التي يبدو انه يستخدمها حالياً لكشف الغاز الماضي 

آدم : سأتوجه نزولاً للفصّ الصدغي بقشرة المخّ ، لأصل لذاكرتي 

***


ما ان وصل هناك .. حتى وجد سرداباً طويلاً ، فيه عدة غرف .. وكل واحدة منها ، عليها لافتة بالفترة الزمنية التي مرّت بحياته 

آدم : وصلت اخيراً لأرشيف الذكريات ، من اين ابدأ ؟ لأتجه لغرفة الطفولة ، فأنا لا اذكرها جيداً


وما أن فتح الغرفة ، حتى وجدها مليئة بالملفّات المُبعثرة المُتربة .. 

آدم : هل كانت طفولتي فوضويّة لهذه الدرجة ؟ حسناً لأبدأ بشكلٍ عكسيّ 


وبدأ بإرشيف حياته الحاليّة .. وفتح غرفة المرحلة الوظيفيّة ، ليجد كل شيءٍ مرتباً ومنظّماً ..لكنها مكتظّة بملفات مرضاه الذي عالجهم او ارسلهم للمصحّ النفسي لأمراضهم المستعصيّة ..

آدم : هذه الملفات تأخذ حيّزاً كبيراً من ذاكرتي .. وطالما أحتفظ بملفاتهم في حاسوبي ، فلا داعي لإشغال بالي بهم .. لكن اين ارمي الملفات الزائدة؟


وما أن قال ذلك ، حتى فُتحت نافذة بممرّ الإرشيف ، في داخلها آلة لتمزيق الأوراق..

- آه جميل ! هنا أتخلّص من ذكرياتي اللّا لزوم لها 

وصار يرمي عدة صناديق لملفات مرضاه


وبعد ساعة ، نظّم ارشيف عمله جيداً .. 

- غريب ! لا اشعر بالإرهاق رغم مرض الكورونا .. يبدو وضعي مختلفاً في الدماغ ، عمّا أعيشه في الواقع .. حسناً ، لأرتّب غرفة اخرى .. سأدخل ارشيف الدراسة الذي كنت متفوقاً بها  


وكانت غرفة مرحلته الدراسيّة مليئة بالأبحاث الجامعية .. فأخذ يقرأ احدها ، وهو يقول ساخراً :

- كم كانت ثقتي كبيرة وانا اجادل استاذي بهذه النظرية ، التي استوعبت فشلها بعد ممارستي الطب .. جيد إن الدكتور أطال باله عليّ .. حسناً لأتخلّص من هذه الفوضى ، فمعظم مفاهيمي الطبّية تغيّرت بعد تعاملي مع المرضى المُعقّدين نفسيّاً  


ثم خرج للمرّ ، لرميّ الأوراق والأبحاث في آلة تمزيق الورق .. لتسقط صورة من الصندوق الأخير ، لم يرها من قبل .. وهي صورته في المستشفى

- آه ! الآن فهمت لما نسيت الكثير من ذكرياتي 


(فهو تعرّض لحادث سيرٍ بعد تخرّجه الجامعي ، أفقده الوعيّ لعدة اسابيع .. ولهذا تحمّس لمعرفة ماضيه الذي لم يعد يذكره جيداً)

***


بعد انهاء عمله في ارشيف ماضيه القريب .. لم يبقى امامه سوى غرفتين : فترة المراهقة والطفولة المتواجدان بممرٍّ ضيّق بإنارته الخافتة .. ليلاحظ اسلاك الكهرباء تمرّ من فوقه ، كأنه يمشي في زقاق منطقةٍ شعبيّة مخيفة! 


ودخل اولاً لإرشيف المراهقة : 

ليتفاجأ بصورٍ له مُعلّقة على الجدار ، مُصاباً برضوضٍ وكسور في جسمه!

- يبدو حادث السير أنساني تلك المرحلة تماماً ! فهل أصبت بلعبة كرة القدم في مدرستي ، ام تعرّضت لشيءٍ خطير ؟! 


وبدأ يقرأ دفتر مذكراته القديم الذي تخلّص منه بعد انتقاله للجامعة .. ويبدو أن عقله مازال يحتفظ بنسخةٍ منه ! 


وفي داخله وجد صورة لثلاثة مراهقين .. وعلى الفور تذكّرهم كونهم متنمّرين مدرسته الثانوية الذين اغتاظوا من تفوّقه الدائم ، لهذا اعتادوا على تمزيق دفاتره .. وحين حاول التصدّي لهم ، أوسعوه ضرباً حتى كسروا ذراعه .. حينها فقط وافقت امه على نقله لمدرسةٍ جديدة ، استطاع الحصول فيها على منحته الدراسيّة في جامعته الفاخرة  


- كم انا مسكين ! عشت سنتين سيئة مع الفاشلين الثلاثة .. أتمنى لوّ اعرف مصيرهم ، وهل أكملوا تعليمهم ام أصبحوا فاشلين كما توقعت لهم ؟ .. الأفضل رميّ ذكرياتهم ، فلا حاجة لتذكّر تلك الأيام السيئة بحياتي


وبعد رميه الكثير من اغراض المراهقة التي لا لزوم لها ، في آلة تمزيق الأوراق .. لم يعد امامه سوى فترة الطفولة

*** 


قبل دخوله إرشيف الطفولة ، وجد باباً احمراً بالزواية مكتوباً عليه : ((العلاقات العاطفية)) .. 


ورغم معرفته أنه لم يفكّر يوماً بتلك المواضيع الحسّاسة ، لانشغاله الشديد ببناء مهنته .. الا انه اعتراه الفضول لمعرفة ان كان أحب من قبل او لا .. ليجد الباب مقفلاً بإحكام !

وحين حاول خلعه ، ظهر كلامٌ فوقه : ((مرتبط بالقلب))

فلم يفهم معناه ! قائلاً بنفسه :

- إن خرجت من هنا ، سأسأل الطبيب الروسي عما تعنيه العبارة .. لأكمل تنظيف آخر غرفة في ذاكرتي


وكانت غرفة الطفولة هي الأسوأ ، حيث امتلأت بالغبار والحشرات والإنارة الشبه مُعطّلة..


وقبل بدئه بفتح الصناديق .. صدحت فجأة موسيقى هادئة ، أرعبت كيانه! 

وعلى الفور عادت اليه الذكريات ، كعاصفةٍ هوجاء !

فهذه الموسيقى أرعبت مئات الأولاد في عنبرهم الكبير كل ليلة ! لأنها تعني أن المدير أنهى شربه الخمر ، وهو قادم لاختيار احدهم لإكمال سهرته معه .. وعادةً ما يختار اولاداً تحت سن السابعة ، كيّ لا يفضحوه عند الأساتذة .. مع استخدامه تهديداتٍ مرعبة بقطع السنتهم ، او رميهم بغرفة الفئران التي ستلتهمهم احياءً إن اخبروا احداً بما يحصل في القبو المعتم


وهنا ادرك آدم تجنّبه للعلاقات العاطفية طوال حياته ، رغم وسامته وانجذاب الفتيات له :

- هل انا طفلٌ مُتبنّى ؟ لما لم تخبرني عائلتي بذلك ؟

وأسرع بتفتيش الملفات القديمة للتأكّد من شكوكه


ليجد دفتر ذكرياته ، مكتوباً بخطٍ كبير مليء بالأخطاء الإملائيّة .. فتذكّر انه كتبها في سن السابعة بعد شجارٍ بين والديه ، عقب حمل امه بأخته الصغرى .. حيث اراد والده إعادته للميتم بعد علاجها من العقم .. 

يومها لم يفهم بكاء امه ورفضها التخلّي عنه ..لكنه فهم الآن سبب تغيّر والده بعد ولادة اخته التي بالغ بتدليلها ، بعكسه ! حتى كان يضربه كلما اقترب منها ..


وبسبب جفاء والده ، أكمل حياته منعزلاً بين كتبه .. لحين حصوله على المنحة الجامعية التي سمحت له بالإنتقال لسكن الطلاّب 

ومن يومها لم يلتقي بعائلته الا بالمناسبات .. حتى عندما زار والده اثناء احتضاره بالمستشفى ، أخبره انه سامحه على معاملته الجافة معه .. ليفاجئه ردّ والده : 

- انا ابٌ جيد لمن هو من لحمي ودمي 

ولم يفهم آدم مقصده ، حتى هذه اللحظة 


وقبل نزول دمعته .. إرتجف جسمه من جديد ، بعد سماعه الّلحن المخيف الخاص بالمدير .. وتذكّر انه تمّ الإعتداء عليه ثلاث مرات ، قبل تبنّيه من عائلته الحالية.. وربما هذا هو السبب لإيجاده باب العلاقات مقفلاً قبل قليل  


فحمل صندوق آلام طفولته ، ورماه حزيناً في آلة قصّاصة الورق ، مُتخلّصاً بذلك من ذكريات الميتم ومعاملة والده القاسية .. 

ولم يحتفظ في غرفة الطفولة الا بصندوقٍ واحد يضمّ ذكرياته مع امه الذي ظلّت حنونة عليه ، رغم قلّة زياراته لها ولأخته

***


بعد تنظيفه جميع الغرف من ذكرياته السيئة ، خرج متعباً .. ليجد باب العاطفة فُتح لوحده ! 

وما أن دخله ، حتى اشتمّ عطراً مميزاً

- انه عطر ساندي

(صديقته بالجامعة التي نافسته على المراكز الأولى ، فكلاهما يعشقان الدراسة وقراءة النشرات الطبّية من المكتبة) 


ولم يكن بالغرفة الا ملفاً صغيراً ، فيه قصاصات رسالتها التي أعطته اياها يوم التخرّج 

- ترى لما مزّقتها ؟ وماذا كتبت لي ، فأنا لا اذكر شيئاً 


وأخذ يرتّب القصاصات ، الى ان ظهرت الرسالة التي اخبرته فيها عن حبها الكبير له .. وانها حاولت كثيراً التقرّب منه دون فائدة ، حتى صدّقت الإشاعة التي أطلقها زملائه عليه بأنه لا يهتم بالفتيات ! لهذا وافقت على اقتراح والدها بالزواج من طبيب قريتهم رغم كبر سنه .. لكنه سيبقى دائماً حبها الأول والوحيد


فمسح دمعته :

- وانا أحببتها ايضاً ، أمعقول إن حادث السير أنساني عواطفي اتجاهها ؟ ام ما حصل بطفولتي جعلني بارد المشاعر مع النساء ؟ ..لا !! لست معقّداً نفسيّاً .. وسأسافر الى قريتك للبحث عنك يا ساندي .. أتمنى ان يكون لديّ فرصة لتصحيح خطأي معك 


وبعد خروجه من الإرشيف 

- اين اذهب الآن ؟ وكيف اعود عالمي .. ما كان عليّ تجربة التعويذة دون حفظ طريقة الخروج ، فلا وجود لمرآة في دماغي .. يا لا غبائي ، ما الحلّ ؟


وفكّر مطولاً ، الى ان تذكّر تعليمه السكرتيرة التخاطر الذهنيّ 

وجلس بهدوء ، مغلقاً عينيه .. وبدأ بإرسال رسالة قصيرة لعقلها : 

((ساعديني ، انا في ورطة))


وظلّ يردّدها ، الى أن غفى على ارضيّة دماغه اللزجة .. 

***


في الصباح الباكر ، إقتربت السكرتيرة من غرفة الطبيب .. لتجده نائماً بعمق .. فحاولت إيقاظه بكل الطرق دون فائدة ! 

فهمست بخوف : 

- دكتور آدم !! تخاطرت معي البارحة ، أتذكر .. ارجوك استيقظ ، انت تخيفني ! 


فوصل صوتها الى دماغه ، ليستيقظ هناك .. ويعاود التواصل معها ذهنيّاً ، بإرساله عبارة جديدة مختصرة : 

((رقم الروسي في جيبي))


في البداية لم تفهم ما قصده ! وبعد تفتيشها ثيابه في الخزانة .. وجدت بطاقة الطبيب الروسي في معطفه.. 


فاتصلت به ، لتخبره المشكلة.. فسألها الروسي إن كانت هناك مرآة قريبة من آدم .. فاستغربت سؤاله ! لأنها اضطّرت إبعادها عن سريره ، خوفاً من وقوعها على رأسه  

فقال الروسي :

- جيد انني قدمت البارحة الى بلدكم .. أعطني العنوان ، لأصل اليه .. فهو لن يستيقظ الا معي

***


بعد ساعة .. وصل العجوز الروسي للعيادة ، وطلب منها الخروج من الغرفة .. 

وبدأ يهمس بإذنه بتعويذة الخروج ، ليفتح آدم عينيه بصعوبة .. 

الروسي : هل قمت بالتجربة قبل حفظك للتعويذة الأخيرة ؟ 

آدم : نعم ، هذا خطأي .. 

- إحذر من فعلها ثانية ، والا ستعلق في غيبوبة دائمة ..ماذا حصل بالداخل ، هل نظّمت حياتك السابقة ؟

آدم بحزن : واكتشفت اموراً لم يكن عليّ تذكّرها

- تجاهلنا الماضي سيعكس سلباً على مستقبلنا 

- يبدو عليّ التحدّث مع عدّة اشخاص لإنهاء مشاكل الماضي 


الروسي : وماذا بشأن التقنية التي علّمتك إياها ؟

- سأستخدمها مع المرضى الذين فشلت بعلاجهم سابقاً

- ليس قبل اتقانك طريقة الخروج من عقلهم بأمان 

آدم : بالطبع !! فأنا لا اريد ان أعلق داخل ذكرياتهم المخيفة ، فأنا مازلت ارتجف من ذكرياتي الشخصيّة

- أحسنت !! وبذلك تصبح أفضل طبيب نفسيّ في البلاد  

- ولما لم تطبّق انت النظرية ، وفضّلت اعتزال الطب ؟ 


الروسي بحزن : لأني استخدمتها لعلاج حبيبتي ، لأتفاجأ بماضيها الحزين .. وبدل ترتيبي ارشيفها ، رميت كل ذكرياتها بآلة قصّاصة الورق .. لأستيقظ من التجربة على خبر انتحارها ! فاغلقت عيادتي نهائياً.. وكلما اشتقت للطب ، تابعت المؤتمرات الغبية .. اما انت !! فشابٌ قويّ الإرادة ، ويمكنك إكمال طريقتي العلاجيّة .. بشرط !! أن تحلّ مشاكل مرضاك بعنايةٍ وتركيز ، دون استعجال النتائج .. والآن سأتركك تحلّ امورك العالقة في ماضيك  

- سأفعل بعد انتهاء حجري الصحّي  

- لقد انتهى بالفعل ، يمكنك الخروج متى تشاء .. فالزمن داخل العقل يختلف عن واقعنا .. وعادةً تستمرّ الرحلة داخل دهاليز المخّ قرابة يومين 

آدم : يا الهي ! هذا مخيف بالفعل

- برأيّ إخترّ من يستحق من مرضاك علاجه بهذه التقنيّة المتطورة ، فهواجسهم المرعبة قد تؤذيك نفسيّاً.. (وتوجّه نحو الباب) .. سأبقى في بلدكم إسبوعاً .. إن اردّت الإستفسار عن شيء ، إتصل بي .. 

***


في الصباح الباكر ، عاد آدم الى قريته لزيارة امه .. وسألها معاتباً: 

- لما لم تخبريني إنّي متبنّى بعمر الخامسة ؟

- لم ارغب بجرح مشاعرك

- ليتني عرفت ، لما لمت والدي على جفائه معي

الأم : هو ارادني ان أعيدك للميتم ، لكني لم اخبره بالجروح التي شاهدتها على جسمك عند تحميمك اول مرة .. (وسكتت)

- نعم ، عرفت بشأن مدير الميتم الشاذّ 

الأم : لهذا لم أضغط عليك بشأن الزواج


فسكت آدم قليلاً ، قبل أن يسألها :

- مارأيك بساندي ؟

- صديقتك بالجامعة ؟

- نعم

الأم : كانت تحبك بالفعل ، وزارتني قبل عودتها لقريتها

- لم تخبريني بذلك ؟ 

- لأنها ارادت التأكّد من ميولك ..

آدم بعصبية : اللعنة على من نشر الإشاعة القذرة عني ، مع اني لم ارتبط بأحد طوال دراستي !

- انت عانيت كثيراً من المتنمرين يا بنيّ

- لا يهم امي .. اساساً ساندي تزوجت وانتهى الأمر


وهنا دخلت اخته ، وهي تقول :

- بل ترمّلت قبل شهرين ، ولم تنجب من ذلك العجوز .. فهي تواصلت معي لمعرفة اخبارك .. يبدو انها لم تنسك يوماً 

آدم : وما اخبارها ؟

اخته : أصبحت طبيبة نفسيّة بإحدى مدارس الصغار .. سأعطيك رقمها للإتصال بها 

الأم : أتمنى رؤية عرسك قبل وفاتي ، بنيّ

آدم : عليّ اولاً زيارة أحدهم ، قبل اتخاذي لهذا القرار المصيريّ.. اراكما لاحقاً  

وذهب دون اخبارهما بما يخطّط له 

***


وتوجه للميتم الوحيد بقريته الذي أصبح بإدارة امرأة حسنة السيرة والسلوك ، والتي اخبرته بوجود المدير القديم بدار العجزة بعمر التسعين !


فقاد سيارته الى هناك ، ورغم حلول المساء .. الا انه استطاع الدخول الى غرفة المدير الذي كان يشاهد التلفاز في غرفته الصغيرة .. 

فأطفأ آدم التلفاز بعصبية ، وجلس على الكرسي القريب من سريره ، قائلاً بغضب : 

- هل تتذكّرني ايها اللعين ؟

المدير : من انت ؟

- احد اطفال الميتم الذي اعتديت عليه ثلاث مرات في القبو المظلم 

فردّ العجوز بلا مبالاة : إعتديت على الكثيرين من اولئك الحثالة ، ولن أتذكّرهم جميعاً 


فأمسك آدم بياقة قميصه بعنف :

- لولا كبر سنك لقتلتك حالاً ، ايها القذر !! 

المدير : ستكون غبياً إن سُجنت لقتل رجلٍ على مشارف الموت 

- لما فعلت ذلك بالصغار ، ايها المنحرف ؟

العجوز : كنت أقلّد زوج امي ، فهو اذاني طوال طفولتي ومراهقتي

- ولما لم تخبر أمك ؟ 

- لأنها تخشى فقدانه ، فهي كانت متعلّقة جداً بذلك الحقير

آدم : هذا لا يعطيك الحقّ للإعتداء على طفلٍ بسن الخامسة

- وانا كنت بعمر الثالثة ، وأعرف ألمك جيداً 


آدم بعصبية : كان عليك ان تتعالج ، بدل نشر سمومك بعقول المساكين الصغار .. فبسببك لم اتزوج حتى الآن !! 

العجوز بلؤم : ولن تقدر ابداً ، لأنك ستبقى معطوباً طوال حياتك .. فما حصل بطفولتك لن تنساه مطلقاً ، اسألني انا

- ليتك تحوّلت الى امرأة بدل تدميرنا جميعاً

العجوز : لا احد يمكنه التحوّل للجنس الآخر ، حتى لو غيّرنا هيئتنا الخارجية بعملياتٍ جراحية .. فالربّ خلق نوعين من الكروموسومات : الذكر (XY) ، والأنثى (XX).. يعني آدم وحواء ، ولم يخلق جنساً ثالثاً او رابعاً .. لهذا أمّا أن تتحوّل لشاذٍّ غريب الأطوار ، او تزيل فكرة الزواج من رأسك تماماً


فلم يخبره آدم بالتقنيّة الحديثة التي استطاع بها تنظيف ذكرياته الماضية ، قائلاً له :

- قريباً سأرسل لك صور زوجتي واطفالي  

العجوز بلؤم : بالتوفيق لك

وضحك ساخراً ، اثناء خروج آدم وهو يكبت غضبه بصعوبة 

*** 


في اليوم التالي ..توجه آدم لقرية ساندي ، ليجدها تقرأ في حديقة منزلها .. وما ان رأته ، حتى سارعت باحتضانه بشوقٍ كبير 

ورغم حضنها الدافىء الحنون ، الا انه لم يشعر بشيءٍ حيالها ! مما جعله يقلق من كلام المدير ، فمشاعره للجنس الآخر مُعطّلة بالفعل ! لكنه تجاهل قلقه ، وأمسك يدها وهو يسألها :

- هل توافقين على زواجنا بنهاية الإسبوع ؟ 

فصرخت موافقة بحماسٍ شديد ، وهي تحتضنه بقوة .. ومع هذا لم يشعر بشيء يحرّك قلبه ، الذي يبدو تحوّل لحجرٍ صلب !

***


في الموعد المحدّد .. إنتقلت امه واخته واصدقائه لعرسه في قرية العروس.. 

وتمّ تجهيز كل شيء لاستقبال العريس الذي كان يراقبهم من بعيد وهو يلبس طقمه الرسميّ داخل سيارته ، بعد ارتباكٍ حادٍّ أصابه ! 


وكلما حاول تخيّل ليلته ، تذكّر قبو الميتم المعتم ! فهل سيتمكّن من إسعاد ساندي ، ام سيخذلها تماماً ..

 

فاتصل على الطبيب الروسي لإخباره المشكلة : 

- كنت نظّفت ارشيف عقلي تماماً ، فلما تعود ذكريات طفولتي لتعكير مستقبلي ؟ 

الروسي : من خلال تعويذتي يمكنك تنظيف العقل ، دون الجروح العاطفيّة .. فالقلب كما تعلم لديه ذاكرة تفوق العقل بكثير ، وأظن ما حصل بطفولتك محفوراً بين جدران قلبك ، ولا يمكنك نسيانه ابداً .. برأيّ لا تظلم المسكينة التي ستصدّها عنك بكل الطرق .. (ثم سكت قليلاً) .. أتدري يا آدم .. جيد انك اتصلت الآن ، فقبل قليل أخبرني الطبيب انني في بداية مرض الزهايمر ، ولا اريد الموت خرِفاً .. لهذا انتحاري سيجعلك المالك الوحيد للتعويذة ، حاول أن تطوّرها بخبرتك الطبّية .. الى اللقاء يا صديقي

آدم بخوف : إنتظر !!

ليسمع من جواله طلقةٍ ناريّة ، وصرخة المتواجدين بعيادة الدكتور:

- العجوز انتحر !!


فأغلق آدم جواله بضيق ، بعد موت الشخص الوحيد الذي يفهم مشكلته.. 

وشعر برغبة لرميّ جواله بدرج السيارة ، والنزول لإتمام الزواج مهما حصل ..


وحين فتح الدرج ، وقع كتيّب الروسي .. فخطرت بباله فكرةً مجنونة ، للهروب من موقفه العصيب .. وأسرع بتمزيق الصفحات الأخيرة من الكتاب الذي لم يختمه بعد ، والتي فيها تعويذة الخروج 


ثم نظر من مرآة سيارته الأمامية الى بؤبؤ عينه ، وبدأ يتلو تعويذة الدخول لذاكرته..


وفجأة نظر حوله ، ليجد نفسه امام متاهة دماغه الملتويّة.. فاستلقى على أرضيّتها اللزجة دون حراك ، مُستسلماً لقدره

***


بعد دقائق ، لمحه احد المعازيم نائماً في سيارته .. فتجمّع الأهل والأصدقاء حوله ، محاولين إيقاظه دون فائدة !

 

ليخبرهم طبيب الطوارىء لاحقاً : بأنه دخل في غيبوبةٍ طويلة دون سببٍ واضح ، ولأجلٍ غير مسمّى !


الثلاثاء، 18 أكتوبر 2022

الغراب والبومة (قصة اطفال)

كتابة : امل شانوحة 

 

العادة السيئة


البومة مُعاتبة : أمسكتك أيها اللصّ !! 

الغراب برعب ، وهو يُخفي شيئاً لامعاً في عشّه : 

- أفزعتني ايتها الحكيمة !

- الن تكفّ عن اعمالك الشريرة ؟

- وما الشرّ بالتقاطي حُليّ ونقوداً ضائعة ؟

البومة : أهي فعلاً ضائعة ؟

- نعم ، وجدتها في الشارع

- وهل انتظرت قليلاً ريثما يعود صاحبها للبحث عنها ؟


الغراب : لا تلوميني على إهمال البشر

- وماذا عن عشّك المليء بالأشياء الثمينة ؟

- انا أحب إلتقاط الأشياء اللامعة كالعقود الذهبيّة وخواتم الإلماس والفضة

البومة : الا تدري كم سيدة حزنت بفقدانها حليّ يحمل ذكرياتٍ سعيدة لها ؟

الغراب بلؤم : قلت لكِ !! لا تهمّني مشاعر البشر

- ولما تلاحقهم في كل مكان لتسرقهم ؟! فأغراضهم الثمينة لن تنفعك بشيء ! 


الغراب : ربما بالمستقبل أُهديها لبشريّ مقابل الطعام ، فهم عادةً يتعاملون بالمال

- وماذا لوّ أخذها منك ، ثم تجاهل إطعامك ؟

الغراب غاضباً : حينها أقلع عينه بمنقاري !!

- يالك من طائرٍ فاسد !

- اساساً لما تهتمي بأفعالي ؟ اليس لديكِ اموراً أفضل تهتمين بها ؟


البومة : انا المسؤولة عن هذه الشجرة المُعمّرة ، وكل الطيور تلجأ لحكمتي

- يمكنكِ الإهتمام بعصافيركِ الغبية التي تنقل الأخبار لكِ على الدوام ..اما انا ، فأستطيع الإهتمام بنفسي

البومة : اتيت فقط لأحذّرك ، فالناس تصبح شرسة مع اللصوص أمثالك

- شكراً لتحذيركِ الرائع والمهم ، يمكنك العودة لمملكتكِ العظيمة

البومة : إستهزأ كما تشاء ، فلن اساعدك بعد تورّطك بمشكلةٍ ما


وطارت عائدةً الى تجويفٍ موجود أعلى الشجرة..

فتمّتم الغراب بضيق : حمقاء ، تظن انني سأهتم بنصائحها المُهترئة .. الأفضل ان أخبّئ ثروتي بمكانٍ آمن ، بعيداً عن عصافيرها الفضوليين التي تراقبني في كل مكان !

***


بأحد الأيام ، إكتشف الغراب محل مجوهرات ..حيث لمعت عيناه فور رؤيته الواجهة المليئة بالعقود الذهبيّة وخواتم الإلماس ، مما زاد من طمعه ..فالعملات النقديّة والعقود الرخيصة التي يجدها من وقتٍ لآخر على جانبيّ الطريق لم تعدّ تهمّه ، بعد اكتشافه للكنوز الموجودة بهذا المحل الذي اُفتتح حديثاً وسط البلد


وبدأ يخطّط طوال الليل لكيفيّة سرقته أغلى جوهرة في المحل ، فهو لديه خبرة واسعة بهذه الأمور حسب لمعة الإلماس والذهب

***


في اليوم التالي .. إقترب الغراب من المحل قبل غروب الشمس ، وهو موعد إغلاقه كل يوم


وقبل إقفال صاحب المحل للباب الزجاجيّ ، تسلّل الغراب وهو يمشي بخفّة للداخل ، دون انتباه الرجل الذي أكمل إغلاق الباب الحديديّ السميك عائداً الى منزله


ليصبح للغراب وقتاً كافياً لفحص كل قطعة على حدة .. وهو على يقين أنه لن يتمكّن من سرقتها جميعاً ، لذا عليه اختيار أغلاها قيّمة وأكثرها لمعة 


وأمضى ليلته بتقليب خواتم الإلماس التي لفتت نظره اكثر من الذهب

ليختار أجود وأضخم خاتمٍ إلماسيّ ، يحوي مجموعة من الجواهر الملوّنة .. ووضعه على الأرض خلف الخزانة ، ونام فوقه بانتظار هروبه صباحاً ، فور افتتاح الرجل محله

***


في اليوم التالي .. إستيقظ الغراب على صوت المفاتيح للباب الحديديّ .. فحمل الخاتم الثمين بمنقاره ، إستعداداً للطيران للخارج


وبالفعل كاد يهرب لولا أن صُعق كهربائيّاً بجهازٍ موضوع أعلى الباب ، وظيفته إرباك السارق لإيّةِ قطعة ، لم يزلّ صاحب المحل الّلاصق الرقميّ عليها .. وهو اختراع جديد لمنع السرقات .. 


ليتفاجأ المالك برؤية الغراب اللصّ يتلوّى على الأرض من الألم ، وبجانبه الخاتم الثمين !


ليستيقظ الغراب بعد قليل ، مُسجوناً بقفصٍ خارج المحل .. مع لافتة مكتوبٍ عليها : ((القبض على سارق المجوهرات))


ورغم وضع المالك الطعام والماء للغراب (الذي تجمّع الناس حوله للسخرية منه ، بعد سماعهم قصته من صاحب المحل) الاّ انه شعر بالحزن من سجنه الضيّق ، بعد أن كان يجوب المدينة بحثاً عن الكنوز الضائعة من اصحابها .. لكن بسبب طمعه وجشعه ، إنتهى بقفصٍ صغير دمّر طموحاته المستقبليّة بتجميع ثروته الخاصّة ! 

***


في المساء ، ترك المالك الغراب مسجوناً بقفصه خارج المحل الذي أقفله عائداً لمنزله .. فشعر الغراب بالإكتئاب لوجوده وحده في شارع الأسواق الخالي من الزبائن والمارّة ، ليسمع صوتاً مألوفاً تقول له :

- هل انت سعيدٌ الآن ؟

الغراب : حكيمة ! ارجوكِ ساعديني !!


البومة : كيف اساعدك ومفتاح القفص مع صاحبه ؟

- إفعلي شيئاً ارجوكِ ، أكاد اختنق بسجني الضيّق

- حذّرتك مراراً من عواقب السرقة ، لكنك أصرّيت على إثارة غضب البشر

الغراب : أعدكِ أن لا اعود للسرقة ثانية ، فقط إخرجيني من هنا !!

- الأمر متروك لصاحب المحل بإطلاق سراحك

- لن يفعل ابداً ، خوفاً من سرقته ثانيةً


البومة : اذاً تحمّل عقابك ، فأنت استحقيّته بجدارة ..وعلى فكرة ، وكّلت العصافير بإعادة الأشياء المسروقة التي خبّأتها اسفل عشّك ، للأماكن التي وجدتهم فيها.. فعصافيري راقبتك على الدوام ، كما تعلم

الغراب بعصبية : لا يحقّ لكِ أن تتصرّفي بثروتي !!

البومة : ارأيت انك لم تتبّ بعد ، رغم وعدك بالتخلّي عن السرقة .. برأيّ لن تتغيّر طباعك السيئة إلاّ بعد عقابٍ طويل ..لهذا إبقى في سجنك الذي سيمنحك الوقت للتفكير بذنبك الشنيع .. الى اللقاء ، ايها الطائر الفاسد


وحلّقت البومة مُبتعدة ، تاركةً الغراب يشعر بتأنيب الضمير والندم الشديد على عادته السيئة التي قيّدت حرّيته لأجلٍ غير مسمّى ! 


الأحد، 16 أكتوبر 2022

حكم المجانين

كتابة : امل شانوحة

كشف الحقيقة


إستلم جاك (الممرّض الجديد) عمله بالمستشفى فوراً ، بعد مقابلةٍ سريعة مع المدير (إريك) غريب الأطوار ! حيث شعر جاك بعدم الإرتياح من نظراته الحادّة ، وطاقته السلبيّة التي وصلت اليه ! ربما بسبب إدراته مستشفى المجانين ، مما أثّر على طباعه ونفسيّته الغامضة !

***


بعد إمضاء جاك عدّة ساعات بعمله الروتينيّ ، بإعطائه الأدوية للمرضى المُصنّفين حسب خطورتهم الى اربعة انواع :

1- العجائز المصابون بالخرف والزهايمر بعد تخلّي ابنائهم عنهم 

2- المرضى الذين فقدوا عقلهم لخسارتهم أحبّائهم ، او بعد حادثةٍ مؤلمة 

3- مرضى ولدوا بإعاقةٍ عقليّة تحتاج لرعايةٍ مُركّزة

4- مرضى خطيرون ، إرتكبوا جرائم عنيفة بسبب امراضهم النفسيّة المُستعصيّة.. وحُجزوا بعنبرٍ خاصّ شديد الحراسة 


ورغم انه يومه الأول إلاّ أن المُشرف عليه ، أصرّ على خدمته العنابر الأربعة للتعرّف على جميع المرضى !


ولم يكن صعباً على جاك التعامل مع الصنفين الأولين الذين ولدوا بشكلٍ طبيعيّ ، لكن حياتهم القاسية دمّرت عقولهم ونفسيّاتهم الهشّة!  


اما المولودون بإعاقةٍ عقليّة ، فاعتذر جاك عن الإهتمام بهم لحاجتهم لخبيرٍ طبّي بوضعهم الإستثنائي .. فهو تخرّج حديثاً من معهد التمريض ، ولا يستطيع التعامل معهم .. خاصة لعدم تقبّلهم الموظفين الجدّد بعد صراخهم في وجهه ورميهم الأشياء عليه ، اثناء محاولته تهدأتهم ! 

***


وكان عقد جاك ينصّ على عمله من فترة الظهيرة حتى حلول المساء .. لكن لنقص عدد الممرّضين بالمستشفى المزدحم (كونه الوحيد بالمدينة الصغيرة) طلب المدير بقائه معهم الليلة ، بعد اعتذار الممرّض الآخر عن المداومة لظرفٍ عائليّ طارىء ..


ورغم إرهاق جاك من يومه الأول الطويل ، لكنه فرح بثقة مديره به .. ووافق على المناوبة عن زميله (الذي لم يتعرّف عليه بعد) بإشرافه على القسم الأرعب بالمستشفى ، الخاصّ بالمجرمين المجانين.. حيث عليه النزول الى عنبرهم الموجود في قبو المستشفى لإعطائهم حبوب المُهدّئ ، كيّ لا يقوموا بالشغب طوال الليل 

***


قبل نزوله الى هناك ، أخبره المُشرف بأن عدد المجرمين ثمانية .. وأن عمله معهم لا يختلف عن بقيّة المرضى : فهو عليه التأكّد من بلعهم الأدوية ، بعد فحصٍ سريع لضغطهم ونبضات قلبهم.. ثم الخروج بهدوء دون التحدّث معهم او إثارة غيظهم ، لأنهم سريعيّ الإنفعال ! 


فسأله جاك بقلق : ماذا لوّ عضّني احدهم اثناء وضعي الحبّة في فمه؟! 

المشرف : هم ليسوا عنيفين لهذه الدرجة 

ثم نظر للحارس الذي كان يتفقّد إصبعه المبتور ، مُتحدّثاً معه بلغة الإشارة : (بإخفاء الأمر عن الممرّض الجديد ، كيّ لا يهرب كالموظفين السابقين)


جاك : لما تتكلّم مع الحارس بلغة الإشارة ؟! أهناك شيئاً تخفيانه عني ؟

المشرف بارتباك : لا ، الحارس أصمّ

فكذب الحارس قائلاً : لكني أقرأ لغة الشفاه 

جاك بخوف : ماذا لوّ ناديتك من الداخل دون أن تسمعني ؟!

الحارس : لا داعي للهلع ، سأدخل قبلك لتقيّدهم بالأسرّة .. ثم اراقبك من منظار الباب ، لحين انتهاء عملك .. فلا ترتبك منهم ، هم متعوّدين على روتين المستشفى .. هيا بنا

ونزلا معاً لعنبر القبو ، بإنارته الخفيفة !

***  


حين وصل جاك الى هناك ، لم يكن الوضع كما تخيّله ! فلا وجود لغرفٍ ثمانية .. بل عنبرٍ طويل يجمع أسرّتهم ، مما يُصعّب عمله  


فماذا لوّ كان يهتم بأحدهم ، واستطاع الآخر فكّ رباطه الجلديّ (وليس اصفاداً حديديّة كما توقع) وعاجله من الخلف بآلةٍ حادّة ، او عضّه من رقبته ، او قلع عينه بإصبعه ! 

فهو وافق على وظيفته الصعبة رغم قلّة الراتب ، لكونه خرّيجاً جديداً ويحتاج لشهادة خبرة .. لا أن يموت بأيدي أخطر المجانين في منطقته ! 

***


بعد تردّدٍ وارتباك .. دخل جاك الى العنبر ، محاولاً عدم إظهار خوفه من المجانين النائمين باكراً ، على غير عادتهم (كما قال الحارس) 


لكنه لم يشعر برغبة لقياس نبضات قلبهم اثناء نومهم ، فتوجّه عائداً للباب .. ليتفاجأ بالحارس قفله من الخارج ، وصعد السلالم وهو يتحدّث بجواله! 

ولم يستطع جاك طرق الباب ، خوفاً من إثارة غضب المجرمين !


وحين شعر بأحدهم يستيقظ ، سارع بخلع ردائه الأبيض .. ولِبس الزيّ المُخطّط الذي وجده مرمياً بإحدى الزوايا ، ليبدو كمجنونٍ مثلهم .. 

واستلقى على السرير التاسع الفارغ ، الذي لسوء حظه موجود وسط المجانين الذين استيقظوا على صرخة احدهم :

- مجنونٌ جديد !!!!


وعلى الفور تجمّعوا حوله .. حيث يبدو أن الحارس الخرِف نسيّ تقيّدهم بأسرّتهم ، رغم خطورة الوضع ! 


فحاول جاك التصرّف بغباء ، كأنه واحداً منهم .. فصار يضحك ويبكي ويشدّ شعره بعنف.. الى ان أوقفه أخطر المجرمين ، قائلاً :

- توقف يا هذا !! لن يضعوك بيننا إلاّ اذا كنت مجرماً خطيراً .. فنحن لم نفقد عقلنا بعد ، بل أوهمنا القضاء بذلك كيّ نهرب من حكم الإعدام او المؤبّد .. فاخبرنا عن تهمتك التي أوصلتك الى هنا ؟


فبلع جاك ريقه ، وهو يحاول إختلاق كذبةً ما .. فتذكّر سماعه قبل ايام بالأخبار : عن قبض الشرطة على مجرمٍ شاب أطلق النار على زملائه بالجامعة .. فقال لهم :

- الم تسمعوا بجيم أديسون ؟

- ليس لدينا تلفاز كما ترى ، فمن انت ؟


فأخبرهم بموجز الجريمة التي تابعها سابقاً .. فسأله كبيرهم :

- ولما قتلت اصدقائك ؟

جاك : هم متنمّرون ، وانتقمت منهم

- ظننت أن التنمّر في المدارس فقط ، وليس الجامعات ! 

جاك بتهكّم : وهل تظن أن المتنمّر الصغير سيصبح شاباً محترماً حينما يكبر ؟

- وجهة نظر .. أكمل


جاك : ما أزعجني هو فتاة رفضتني بعد مساعدتها بالدراسة ، عدا عن شرائي الكثير من الهدايا من مصروفي الجامعيّ .. وبالنهاية تخلّت عني لشابٍ ثريّ .. 

- فكانت القشّة التي قسمت ظهر البعير

جاك : بالضبط !! فانتقمت منها ومن المتنمّرين الحمقى ، وبعض اساتذتي سيئي الخلق .. اما الآخرين ، فماتوا خطأً لتواجدهم في مرمى بندقيّتي 

- ولما لم تنتحر ؟

جاك : فكّرت بالأمر ، لكني وجدت الإنتقام يُريح نفسيّتي المُتعبة 


كبير المجرمين : وكيف أقنعت القضاء بأنك مجنون ، فحركاتك قبل قليل لا تنطلي على طفلٍ صغير ؟!

جاك : إستخدمت الخدعة الشهيرة : مرض تعدّد الشخصيات 

- تقصد سماعك لعدّة اشخاص داخل رأسك ؟

جاك : صحيح

- وكم شخصيّة اخترعت ؟

جاك : خمسة ، رجلٌ وامرأة وعجوز وطفل وشخصيّتي المُحطّمة 

- وهل قرارهم نهائي بعلاجك هنا ؟ 


جاك : لم تنتهي محاكمتي بعد .. (ثم تنهّد بضيق).. بجميع الأحوال أفضّل البقاء معكم ، على سجني مع المجرمين الأقوياء

- لك الحقّ أن تخاف ، فجسمك الهزيل سيجعلك مطمع للرجال المنحرفين .. صحيح اننا مجتمعون هنا بسبب جرائمنا الشنيعة : فمنّا من قتل العديد من الأبرياء ، وصولاً لأكل لحومهم .. وبعضنا مهووس بافتعال الحرائق وتخريب المنشآت العامة .. كما اعتدينا على بعض النّسوة .. لكنّا على الأقل رجال اسوياء ، ولن نتحرّش بك ، فلا تقلق من هذا الموضوع 


جاك : ماذا بشأن الحارس ؟

- ماذا به ؟

جاك : لم يُقيّدني بالسرير كما ظننت ! 

- هذا الروتين توقف بعد استيلاء اريك على إدارة السجن

جاك مستفسراً : أتقصد مدير المستشفى ؟!

فضحك المجانين الثمانية..


كبيرهم بدهشة : أمازال في الإدارة ؟! ظننته هرب لخارج الحدود 

جاك : ولما يهرب ؟

- لأنه زميلنا

جاك بصدمة : ماذا !

- كان واحداً منا ، قبل شهور .. لكنه استطاع تحويل فرشاة اسنانه لآلةٍ حادّة ، بعد سنّ طرفها .. وطعن بها الممرّض السابق ، وقضم إصبع الحارس الأحمق الذي أغميّ عليه من شدّة الألم .. فاستولى على سلاحه ، وهرب من العنبر 


جاك : ولما لم تلحقوه ؟

- لأنه أقفل الباب علينا ، بعد لبسه ثياب العجوز 

جاك : أتقصد انه تنكّر بزيّ الحارس للصعود لغرفة الإدارة ؟ 

- نعم .. أظنه فكّر بأن خروجنا معه سيلفت انظار بقيّة الحرس ، لهذا هرب وحده .. وآخر شيء أخبرني به ، انه ذاهب للتحدّث مع المدير القذر .. وظننه يمزح ! 

جاك بخوف : هل قتله ؟ 

- أعتقد ذلك ؟! ربما خنقاً ، كيّ لا يسمعه احد 


جاك بدهشة : أمعقول انه احتلّ مكان المدير ، دون ملاحظة الموظفين ذلك؟! 

- هو مليونير .. وأعتقد رشى كبار المسؤولين ، وقتل المعترضين عليه .. فهو سفّاح متسلّسل ، ولا ذرّة ضمير بقلبه .. هذا إن كان يملك قلباً اصلاً !  

جاك : وماذا عنكم ؟ فأنتم رفقائه القدامى 

- هو اكتفى بعدم تقيّدنا بالسرائر .. والسماح لنا بالتنزّه بالحديقة شديدة الحراسة من وقتٍ لآخر .. ومنع عنّا العلاجات المؤلمة .. وفي المقابل ، هدّدنا بالقتل إن فضحنا سرّه .. وظنّنا انه سيبقى في المستشفى لبعض الوقت ، لحين تدبيره وسيلة للهرب خارج البلاد .. لكن يبدو انه مُعجب بإدارة مستشفى المجانين ! 


جاك : ومتى هرب من عنبركم ؟

- قبل سنة 

جاك باستغراب : سنةٌ كاملة ، ولم يلاحظ احد موظفيّ النقابة او مراقبيّ الحكومة تغيّر المدير ؟!

- كان مديرنا السابق تجاوز سن السبعين ، فربما ظنوا إنه أُحيل للتقاعد.. فالعاملون بهذا المجال (من خارج مستشفانا) لم يتعبوا انفسهم بزيارة عنبرنا الخطير ، لهذا لم يشكّوا إن الجالس على كرسي المدير هو واحدٌ منا 

جاك : وهل جميعكم مجرمين مذنبين , ام احدكم ارتكب الجريمة في لحظة ضعفٍ وانهيار ؟


فأشار كبيرهم الى شخصٍ مُستلقي على السرير الأخير المُلاصق للحائط..

- ذلك المسكين ، كان الشاهد الرئيسي على زعيم أخطر عصابة بالبلد .. فرموه بيننا ، دون لمسه سلاحاً بحياته ! وأظن السبب الحقيقي لتخلّصهم منه هو إحترافه بمجال الحواسيب ، وكشفه لتورّط سياسي فاسد مع العصابة ، والذي ضغط على القضاء لإبعاده عن طريقه .. لهذا يقضي يومه بالنوم والتحدّث مع نفسه بعد تخلّي عائلته عنه !


فتوجّه جاك نحو المريض البريء الذي كان يدنّدن أغنية اطفال بصوتٍ منخفض ، ووجه للجدار ..

جاك : مرحباً ، انا المريض الجديد .. هل يمكنني التحدّث معك ؟

لكن المريض ظلّ يدنّدن دون النظر اليه.. 

جاك : انها اغنية اطفال رائعة ، إنشهرت قبل سنوات


فالتفت المريض نحوه ، قائلاً : 

- كنت أغنّيها لإبنتي الصغيرة لتنام .. اليوم هو عيد ميلادها 

جاك : أحقاً ! كم صار عمرها ؟ 

- سبع سنوات ، فأنا هنا منذ سنتين


فاقترب جاك منه ، هامساً بإذنه :

- أعرف انك بريء ، وسأحاول إخراجك من هنا 

فاستفسر المريض بصوتٍ منخفض :

- كيف ؟

جاك هامساً : إكتم السرّ ، فأنا الممرّض الجديد .. والحارس الخرِف حجزني معكم .. وعندما يأتي الحارس النهاريّ ، سأريه بطاقتي للخروج من هنا  

- وكيف ستخرجني من هذا الجحيم ؟

جاك : قريبي محامي جيد ، سأخبره عنك


فأدار المريض ظهره بيأس :

- المحاميّون يهابون رئيس العصابة الذي حاولت فضحه 

جاك : إخبرني تفاصيل الحادثة ، لأطلعها لقريبي 

- دعه يقرأ ارشيف الأخبار ، فالحادثة إنشهرت قبل سنتين


وعاد للدنّدنة من جديد .. فلم يكن امام جاك إلاّ النوم تلك الليلة بين المجانين ، وهو يأمل أن يبقى سليماً مُعافى حتى الصباح 

***


أيّ شخص واجه ليلةً عصيبة كجاك حتماً سيستقيل باليوم التالي ، ويطلب مُعاقبة الحارس العجوز الذي حجزه مع أخطر المجانين بالبلد..

لكن بسبب السجين البريء ، تناسى الأمر بعد قيام الحارس الشاب بإخراجه من العنبر صباحاً ، فور رؤيته بطاقته الوظيفية .. حيث استغلّ جاك نوم المجرمين للبس ردائه الأبيض (الذي يُخفي تحته زيّ المجانين الذي سيحتاجه لاحقاً)

***


بعد إخراجه من العنبر ، سأله الحارس الشاب : 

- كم بقيت بالداخل ؟!

فاضّطر جاك للكذب ، كيّ لا يصل الأمر للمدير المجرم ..

- الحارس العجوز أدخلني قبل قدومك بساعتين .. 

- إنتبه منه ، فقد بدأت عليه اعراض الزهايمر .. وعمله المسائي لم يعدّ يناسب عمره .. لكن المدير يصرّ على بقائه !  

جاك : من حسن حظي إن المرضى نائمون ، ففحصت ضغطهم ونبضات قلبهم دون مشاكل 

- عادةً لا يستقظون باكراً .. هيا عدّ لمنزلك لترتاح قليلاً


فخرج جاك من بوّابة المستشفى .. وقاد سيارته عائداً لمنزله ، وهو يفكّر بطريقة لإخراج البريء من سجنه الإجباريّ

*** 


بعد نوم جاك لساعتين .. ذهب الى مكتب قريبه المحامي ، وأطلعه عمّا حصل ليلة أمس .. 

فطلب منه إخبار تلك المعلومات المهمّة لأستاذه الذي كان محامي المجنون البريء ، والذي خسر قضيّته ضدّ رئيس العصابة

جاك : حسناً سأطلعه على كل ما يخصّ قضيّته السابقة ، لكن إيّاك اخباره بشأن المدير اريك 

- على الشرطة معرفة بأن مجرماً خطيراً إحتلّ ادارة مستشفى المجانين

جاك بحزم : ليس قبل إخراجي البريء من هناك ، عدني بذلك

فسكت المحامي بامتعاض

***  


إتفق المحاميان على مساعدة البريء ، بإصدار هويّة جديدة ..مُستعينين ببند حماية الشهود ، لتهريبه خارج الحدود الأميركيّة .. بعد تورّط سياسي مهمّ بالقضيّة ، ممّا يُصعّب تبرأته بالطرق القانونيّة 

***


وصل جاك لعمله متأخراً .. واستقبله الحارس العجوز ، مُعتذراً عمّا حصل البارحة :

- بعد إدخالك العنبر ، إتصل ابني .. فصعدت لمكتبي للردّ على جوالي .. ثم غفوت على الكرسيّ .. وتوجهت لمنزلي صباحاً .. ولم أتذكّر أنك عالق مع المجانين ، الا بعد عودتي للعمل قبل قليل .. أعتذر منك ، أرجوك أن لا تبلّغ الإدارة بخطأي الأحمق 


وكان بإمكان جاك لومه على عدم تقيّده المساجين ، لكنه فضّل حلّ المشكلة بطريقةٍ اخرى .. ومدّ يده نحوه ، قائلاً بحزم :

- أظن لديك نسخة ثانية عن مفتاح عنبر المجرمين ، أعطني إيّاه كيّ لا اعيش الكابوس من جديد .. فانا اعرف انك تعاني بصمت من اعراض الزهايمر .. وإن أخبرت المدير بذلك ، سيطردك على الفور  


فأخرج العجوز مفتاحه الإضافيّ ، وهو متردّد بإعطائه له :

- قانون العمل يمنعني من إعطاء المفاتيح لأحد الموظفين ، خاصة المتوظّفين حديثاً 

جاك : لا تقلق ، سأفحص المجانين كل ليلة .. ثم أقفل الباب جيداً بعد خروجي .. ولا داعي لتضيّع وقتك بمراقبة عملي .. إرتحّ في مكتبك ، ودعني أُنهي عملي بهدوء .. ولن يعرف احد بالموضوع ، أعدك بذلك


فأعطاه المفاتيح مُرغماً ، خوفاً من خسارة تعويضه بعد طرده من العمل 

***


في المساء ، نزل جاك وحده الى عنبر المساجين .. ودخل من بابٍ ثاني يوصله الى ممرٍّ ضيّق ، قبل وصوله للساحة التي بها أسرّتهم 

 

وهناك نزع ردائه الأبيض ، ووضعه بكيسٍ اسود خبّأه في الزاوية .. ليدخل اليهم وهو يلبس زيّ المجانين المُخطّط ، مُترنّحاً بتعبٍ شديد ..


فتجمّع المرضى حوله ، وساعدوه على الجلوس على إحدى الأسرّة .. ليسأله كبيرهم بقلق :

- لما أخرجوك باكراً ، ولما عُدّت الينا مُتعباً ؟!

جاك وهو يمثّل دور المتألّم : 

- الطبيب اللعين ، كهربني لساعاتٍ طويلة ليتأكّد من جنوني .. فقضيّتي لم تُقفل بعد ، كما اخبرتكم البارحة

المرضى بشفقة : يا مسكين !

كبيرهم : تحمّل يا رجل ، كلنا مرّرنا بهذه التجربة الصعبة .. عليك التمسّك بمرضك الوهميّ ، كيّ لا ينقلوك للسجن المركزي.. مع اني استغرب سماح المدير بتعذيبك ..فالحسنة الوحيدة لإريك انه منع عنّا العلاج بالصدمات الكهربائيّة !

جاك : هو مضّطر للموافقة ، فالطبيب الذي يعالجني مُوكّلاً من القاضي الذي لديه شكوك بادعائي الجنون للهرب من العقاب  

- أزمة وتمرّ .. حاول النوم قليلاً 

وأشار للسرير الوسطاني بين أسرّتهم..


جاك : لا !! اريد ذلك السرير

وأشار الى السرير القريب من سرير البريء..

فطلب كبيرهم من صاحب السرير نقل اغراضه للسرير الوسطاني ، لينام جاك مكانه !


وهناك .. همس جاك للمريض البريء ، المُلتفت للحائط كعادته : 

- آدم 

فأدار وجهه له :

- كيف عرفت اسمي الحقيقي ؟! فالجميع يناديني هنا بالجرذ الخائف

جاك بصوتٍ منخفض : عرفته بعد قراءتي ملفك من محاميك الذي خسر قضيّتك

- بالتأكيد سيخسرها ، ومن حسن حظه أن السياسي لم يقتله

جاك : تلقّى تهديداً بالفعل 

- توقعت ذلك ، لهذا لم ينقض حكمهم بنقلي الى هنا .. الجبان!!

جاك : لا تلمه ، فهو يعمل حالياً على إعطائك هويّة جديدة لتهريبك خارج البلاد

آدم بارتياح : أحقاً ! هذا كل ما اريده 

- إخفض صوتك ، فزملائك يتمنّون هذه الفرصة

- ومتى أخرج من هنا ؟


فأراه جاك المفتاح الاحتياطي للعنبر ..

جاك : الليلة ، بعد نوم المجرمين ..فقد بدّلت ادويتهم بمنومٍ قويّ ..والممرّض المسؤول عن عنبركم ، سيعطيهم إيّاه في منتصف الليل 

- ماذا لوّ نمنا معهم ؟! 

جاك : سأختبئ قبل قدومه ، فلا اريد لزميلي أن يراني بينكم .. وانت !! إيّاك أن تبلع الحبّة مهما حصل

- عادةً الممرّضون لا يتركونا قبل تأكّدهم من بلعنا الدواء ، فكيف سأخفيها داخل فمي ؟

- أترك الموضوع لي

***


عند منتصف الليل ، وقبل قدوم الممرّض الآخر .. توجّه جاك لكبير المجرمين وهو يقول : 

- أخبرني آدم أن عليّ بلع دواء مُرّ ، قبل النوم 

- هو مهدّئ بسيط ، لما تسأل ؟

جاك : لا اريد تناوله ، يكفي الكهرباء الذي تعرّضت لها طوال التحقيق .. فجسمي المُرهق لن يتحمّل المزيد من أدويتهم المقرفة 

- اذاً اختبىء بالحمام ، وانا سأتصرّف.. هيا بسرعة !! فأنا ارى خيالاً اسفل الباب


وأسرع جاك للإختباء بالحمام وهو يراقب المرضى من شقّ الباب وهم يتناولون الدواء الذي يظنّونه مُهدّأً بسيطاً ، دون علمهم بأنه مخدرٌ قويّ سيجعلهم ينامون لنصف يوم على الأقل .. 


وحين وصل الدور لآدم ، إتصل جاك على الممرّض (من الجوّال الصغير الذي يُخفيه بجواربه) ليخبره بأن المدير يريده فوراً.. 

فخرج الممرّض من العنبر دون تأكّده من بلع آدم الدواء ، والذي بصقه فور خروجه ..


ليقترب جاك منه وهو يقول :

- أحسنت !! الآن لننتظر نوم الجميع قبل خروجنا من هنا

آدم بقلق : ماذا عن الكاميرات ؟

- عرفت من الحارس انها مُعطّلة منذ اسبوع ، والمدير أجّل إصلاحها للشهر القادم .. إطمئن

***


بعد تعالي شخير المرضى السبعة ، طلب جاك من آدم الّلحاق به بهدوء

وبواسطة المفتاح ، إستطاعا الهرب باتجاه غرفة الملابس .. ومن حسن حظّهما انهما وجدا غياراً إضافيّاً للحارس العجوز الذي يخشى تلويث ملابسه لكبر سنه .. فلبسهم آدم.. في الوقت الذي لبس فيه جاك ردائه الأبيض وبطاقته الوظيفيّة..


وتوجها بهدوء لحديقة المستشفى ، دون إنتباه أحد عليهما .. 

وحين وصلا للبوّابة ، سمعا صراخ الشرطة من الخارج :

- إفتحوا الباب فوراً !!

جاك بغيظ : اللعنة !

آدم بقلق : ماذا حصل ؟

جاك : يبدو أن قريبي الغبي أخبر الشرطة بمديرنا المجنون .. لنسرع للداخل قبل حصول التشابك بينهما 

***


إختبأ جاك وآدم في مكتب الأرشيف ، وهما يسمعان وابلاً من الرصاص في الخارج .. بعد أن أعطى اريك اوامره للحرس بقتل كل من يقترب من مستشفاه ! ورغم غرابة الوضع الا انهم مجبرين على تنفيذ طلبه (فهو عُرف بردّات فعله العنيفة ، وتهديداته للموظفين من الطبقة الكادحة بالحرق والصعق إن لم ينفذوا اوامره).. مما أدّى لسقوط ضحايا من كلا الطرفين! 


بهذه الأثناء .. إنشغل آدم ببحثه في الحاسوب الذي وجده بالمكتب ، طالباً من جاك مراقبة الباب .. 

وحين سأله جاك عمّا يفعله ، أجابه آدم بمكر :

- خطأي انني حاولت محاكمة كبار الفاسدين بالطرق القانونيّة ، لكني الآن سأجعلهم يدفعون الثمن بطريقة الهاكرز المُحترف

***


بهذا الوقت ، إشتدتّ المعركة بالخارج .. فأسرع المدير للعنبر السفليّ لتهريب زملائه المساجين ، لمساعدته بقتل الشرطة .. لكنه لم يستطع إيقاظهم بأيّةِ طريقة ! 


فحاول الهرب من الباب الخلفيّ للمستشفى .. لتقوم دوريّة متوقفة هناك ، بالقبض عليه ..فهم يعلمون باحتلاله مكان المدير السابق ، بعكس معظم موظفيه الذين أصيب عدداً منهم ، مع المرضى العالقين بالعنابر التي تلوّثت أرضيّتها وابوابها بدمائهم بعد إصابتهم بالرصاص الطائش !

***  


في الصباح .. نقلت سيارات الإسعاف المصابين الى مستشفى بحراسةٍ مشددة ، خوفاً من هرب المجانين للشارع ..

في الوقت الذي فتّشت فيه الشرطة ارجاء المستشفى لمسح آثار المعركة ، بغرض إعادة المجانين الى عنابرهم بعد علاجهم من إصاباتهم بأسرع وقتٍ ممكن .. وذلك بعد تعيّن نقابة الأطباء لمديرٍ جديد (سيأتي من العاصمة بعد يومين) لاستلام ادارة مستشفى المجانين ..

 

وذلك بعد اقتياد اريك للسجن المركزي ، بعد إثبات سلامة عقله واستحقاقه للعقاب عن جرائمه الماضية .. بينما أُعيد المجرمون الى عنبرهم شديد الحراسة (لبراعتهم بتمثيل دور المجانين) فهم الوحيدين الذين لم يصابوا بالأذى ، لنومهم في القبو طيلة المعركة !


اما آدم ، فقد استطاع جاك تهريبه لخارج الحدود بهويّته الجديدة التي استلمها من محاميه القديم ..

***


وبعد شهر .. إستلم جاك رسالة من آدم يشكره على حلّه أزمته .. وأخبره انه اثناء وجوده بالأرشيف ، حذف ملفّه من ادراة المستشفى.. كما استطاع سحب جزءاً من مال السياسي الفاسد الذي نسخ ملفّاته السرّية (بتهكير حسابه الشخصيّ) وأرسلها للأعلام التي فضحت علاقته برئيس العصابة ، مما أدّى لمحاكمتهما معاً .. 


كما حوّل مكافأة ماليّة لجاك لمخاطرته بحياته لتهريبه من مستشفى المجانين ، بعد أن اوشك على فقدان عقله .. وطمّأنه انه استطاع تسفير عائلته للمكسيك ، مُرسلاً صورته معهم امام منزله القريب من الشاطىء ..


ففرح جاك بتغيّره مصير آدم المظلوم وحياته ايضاً بعد استقالته ، والعمل في مدرسة ثانويّة .. فإشرافه على صحّة المراهقين ، أهون من اليومين الذي عاشهما بجحيم المستشفى تحت سيطرة أخطر مجرمين بلاده وأكثرهم جنونا ! 


التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...