الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

الرهينة المجهولة !

تأليف : امل شانوحة


يدٌ خارج صندوق السيارة !

في تلك الليلة .. أحسّ جون (الشرطي المتقاعد) بالمللّ , فجلس يشاهد البوم الصور القديم لأهله ايام السبعينات.. فوجد صورة لأمه وهي تصوّر الشارع العام اثناء قيادتها السيارة .. فلفت نظره سيارة أخرى على مقربة منها .. فأسرع بنسخ الصورة على حاسوبه , ليستخدم تقنية التكبير التي أظهرت له اصابعاً بشريّة خارج صندوق تلك السيارة .. 

فقال في نفسه بدهشةٍ وقلق :
((هل هي جثة قام القاتل وصديقته (الظاهران في الصورة) بحشرها هناك , دون الإنتباه بأنهما أغلقا الصندوق على يده ؟! ام هو رهينة يحاول جاهداً الهروب من الصندوق ؟ وان كان كذلك , فهل نجا منهما ؟ ..وان لا , فماذا فعلا به هاذين اللعينين ؟))
ولم يستطع النوم طوال الليل وهو يفكّر بالصورة التي أشغلت باله 
***

في الصباح الباكر .. ذهب الى صديقه (الذي مازال يعمل في إدارة الشرطة) وأراه الصورة التي اثارت اهتمامه هو ايضاً ..خاصة مع وضوح أرقام لوحة السيارة..

فعملا معاً بسرّية على حاسوب ارشيف الشرطة لمعرفة هويّة القاتلين او الخاطفين ان كانت الرهينة نجت بحياتها ..

وتوصلا الى اسم صاحبة السيارة .. لكن لم تظهر لها أيّة اوراقٍ رسمية في نهاية السبعينات.. فهل ماتت , ام غيّرت اسمها ؟

ولم يستطع المدير إفادته بمزيدٍ من المعلومات , وطلب منه نسيان الأمر لأن الموضوع حصل قبل خمسين عاماً .. لكن جون كان مصمّماً على معرفة اسم الجثة وهويّة القاتلين 
***

وبعد ايام من البحث المضني , توصّل جون الى مكان السيارة القديمة التي وجدها مرمية في مكبّ للسيارات خارج المدينة .. 
فذهب الى هناك في اليوم التالي , وقام بشرائها بسعرٍ بخس ..وعاد بها الى كراج منزله .. 

ثم طلب من صديقه الآخر (الذي يعمل في المختبر الشرعيّ) إجراء فحصٍ دقيق للسيارة المهترئة ..

ورغم ان صديقه أخبره بأنه لن يستفيد شيئاً , فجميع الآثار إندثرت مع مرور الوقت .. الا انه قام بعمله بإخلاص , بعد اصرارٍ من جون ..

وحين فحص الصندوق .. تفاجأ المحقّق الجنائي بوجود عظمة الإبهام محشورة في ثقبٍ صدىء ! وقد اسعد هذا الإكتشاف جون , لعلمه بأنه اوشك على معرفة هويّة الضحيّة ..
***

ولم تظهر النتيجة الا بعد اسبوعين .. حيث توصّل الطبيب الشرعيّ الى مواصفات القتيل : وهو ذكر في نهاية العشرينات من عمره , ومن اصولٍ آسيوية .. 

ورغم ضآلة المعلومات , الا ان جون عزم على الإستفادة منها .. وبدأ البحث في حاسوب ارشيف الشرطة (بعد أخذه الإذن من صديقه المدير) لمعرفة اسماء المفقودين في ذلك الشهر تحديداً ..والذي ساعده في ذلك : هو ان والدته كتبت على ظهر الصورة تاريخ إلتقاطها .. 

فوجد اربعة شباب مفقودين بعمر العشرينات في ذلك الشهر : اثنان منهم عثرت الشرطة على جثتهما .. والثالث : عاد الى اهله مدمناً , وتمّ علاجه.. اما الرابع : فبقيّ مصيره مجهولاً الى يومنا الحالي , وهو كوري الجنسية .. فعرف بأنه الشخص المنشود , واسمه (يو سونغ) ..

ومن سجلاّت البلديّة : علم جون إنه لم يتبقى من عائلته سوى اخته الصغرى , وهي في الستينات من عمرها وتعيش وحيدة في منزل عائلتها القديم 
***

وفي اليوم التالي .. توجه جون الى مدينتها التي تبعد ساعتين عن منطقته 
وفي منزلها .. اراها الصورة , وأخبرها بأنه يشكّ بأن تلك اليد هي لأخيها المفقود

فصارت تتأمّل الصورة والدموع تترقّرق في عينيها .. فأسرع قائلاً:
- اعتذر منك , فأنا لم اتأكّد بعد من المعلومة ..
فقالت بحزنٍ شديد : نعم ربما هو ! فأخي خطفه ثلاثة لصوص كرهينة , ولم نعرف مصيره الى اليوم

جون باستغراب : ثلاثة ! لكن في الصورة تظهر امرأة ورجل فقط ..فهل كان من بينهم امرأة ؟
- كانوا مقنّعين .. وكنت صغيرة في العاشرة , حين تركني والدي مع اخي في البقالة لحين إحضاره البضاعة .. وكان الوقت ظهراً , لهذا لم يتوقع ابي حدوث سرقة في النهار
- وماذا حصل يومها ؟

العجوز : في البداية أقفلوا باب المحل لسرقته , بعد ان حشرونا في الزاوية , حيث رفع احدهم المسدس في وجوهنا .. وحين انشغل عنا لمساعدة صديقه بفتح صندوق المحاسبة .. اسرع اخي الى خلف المكتب للإتصال بالشرطة .. فرآه أحدهم وصفعه بقوة .. واصابهم التوتر حين سمعوا صافرات الشرطة تقترب من المكان , فأسرعوا بأخذ المال وبعض الحلويات .. وهربوا من البقالة
- وماذا حصل لأخيك ؟

فانهارت بالبكاء .. فأسرع جون بجلب الماء لها من المطبخ .. 
وبعد ان هدأت قالت .. 
- اثنان منهم حملاه عنّوة , ورمياه في صندوق السيارة .. ولازلت الى اليوم اسمع صراخه , ولم اعلم انهم اغلقوا الباب على يده !.. أخي المسكين  
وعادت للبكاء المرير..

جون : تأكّدي سيدة (كيم سوو) لن يهنأ بالي قبل أن أسلّمك جثة اخيك 
- لقد أمضى والدايّ المرحومان شهوراً طويلة يتأمّلان عودته سالماً .. ومع مرور هذه السنوات , مازلت آمل ان أضع رفاته في القبر الوهميّ الذي شيّدناه له .. ارجوك سيد جون , حقّق لي هذه الأمنية قبل وفاتي
- اعدك بذلك
***

عاد جون للبحث مجدداً في ارشيف الشرطة : عن السرقات التي حصلت في ذلك الشهر من القرن الماضي , بعد أخذه عنوان البقالة من السيدة العجوز
فاكتشف بأن أحد اللصوص الثلاثة قام بتسليم نفسه للشرطة في اليوم التالي لخطفهم الرهينة ! 

وبعد التدقيق بسجّلات المساجين القدامى : وجد أن (آدم داروين) خرج من السجن بعد خمس سنواتٍ فقط ! 
فاستعان ببعض زملاء الشرطة لمعرفة عنوان إقامته , فأخبروه إنه مازال يسكن في منزله القديم !
***

ذهب جون عصر اليوم التالي الى منزله .. فوجده عجوزاً في الثمانينات من عمره , بعد ان فتح له الباب إحدى احفاده .. فطلب الكلام معه على انفراد .. 

وفي غرفته , اراه جون تلك الصورة ..
فتنهّد آدم تنهيدة طويلة , قبل ان يقول وهو يشير الى السائقة والرجل الذي بجانبها :
- هذه ديانا سميث , وزوجها اريك اندرسون 
فدوّن جون الأسمين في دفتره .. لكن آدم أوقفه قائلاً :
- لن تنفعك هذه المعلومة , فهما انتقلا للمدينة المجاورة بعد ان زوّرا هويّتهما 
جون : إخبرني بالتفصيل ما حصل ذلك اليوم ؟ 

آدم : كنّا في الثلاثينات من عمرنا , ونحن اصدقاء من ايام الثانوية .. وكنت حينها عاطلٌ عن العمل .. بينما اريك يعمل بمصنع للأحذية براتبٍ زهيد , وزوجته مصفّفة شعر .. واشتهر في ذلك الزمان افلام سرقة البنوك والمحلات , حيث ينتهي الفيلم دوماً بهروب اللص من العقاب وتنّعمه بالمال المسروق .. وفي ذلك الشهر , دخلت امي المستشفى .. وأخبرني الطبيب انها بحاجة الى عملية قلبٍ مفتوح , ستكلفني الكثير .. فأخبرت همّي لصديقايّ .. فاقترح اريك ان نسرق بنكاً ونتقاسم المال بيننا .. لكن زوجته نبّهتنا من الحراسة المشدّدة للبنوك واحتمالية موتنا .. واقترحت ان نسرق سلسلة من المحلات الصغيرة المتواجدة في شوارعٍ فرعية بعيدة عن المساكن المزدحمة .. وان يكون ذلك في وضح النهار , لأن الشرطة المسائية تكون على أهبّة الإستعداد .. وكانت تلك البقالة أُولى عملياتنا , وفشلت فشلاً ذريعاً

جون باستغراب : كيف وانتم نجحتم بسرقة المال ؟
آدم : وجدنا في ماكينة المحاسبة عشرون دولاراً فقط .. وأخبرنا الشاب الذي يعمل هناك : بأن والده أخذ كل المال لشراء بضاعةٍ جديدة 
- اذاً لما قتلتموه ؟! 
- لم نكن نريد ذلك .. لكن اريك جنّ جنونه حين سمعه يبلّغ عنا الشرطة , فأخذه لاستخدامه لاحقاً كرهينة
جون : الم تهتمّوا بأنكم اغلقتم الصندوق على يد المسكين ؟!

آدم : أذكر انني حينها أمسكت بذراعيه , واريك من قدميه .. وبعد رميه بالصندوق , أسرعت للركوب في المقاعد الخلفيّة للسيارة , مع اقتراب صافرات الشرطة .. واريك هو من اغلق الصندوق .. ورغم سماعنا لصراخه طوال الطريق , لكن اعتقدنا بأنه يحاول لفت إنتباه المارّة .. لذلك سلكنا طرقاً فرعيّة .. وأظنه فقد الوعيّ من شدّة ألمه حين وصلنا للطريق العام , حيث أختفى صوته تماماً .. فرجّحنا موته إختناقاً .. لكن زوجة اريك رفضت التوقف قبل وصولنا للغابة لإخفاء السيارة 
جون : وماذا حصل حين فتحتم الصندوق ؟

فسكت آدم طويلاً قبل ان يقول والدموع في عينيه , وكأنه يتذكّر فظاعة الموقف : 
- حاولت لسنواتٍ طويلة نسيان ما حصل , لكن لم تمرّ ليلة في حياتي الا وتذكّرت تفاصيل الجريمة اللعينة !!
جون : أخبرني ما حصل حين وصلتم للغابة ؟ 
- وصلنا هناك مع غروب الشمس .. وصُعقت حين رأيت اصابعه مزرقّة ومنتفخة خارج السيارة , بعد ان بُتر إبهامه ! .. وحين فتحنا الصندوق , وجدناه متكّوراً على نفسه دون حراك .. فظنناه ميتاً , لذلك لم نهتم بلبس الأقنعة .. وقمت بحمله مع آدم , بالوقت الذي كانت فيه ديانا تحفر قبره .. وقبل ان نرميه بالحفرة , فاجأنا اللعين بالتقاطه المجرفة بيده السليمة ! وأخذ يلوّح بها في وجوهنا , صارخاً علينا كالمجنون .. لكن اريك استطاع القفز عليه وإيقافه , لأن جسده كان يترنّح من نقص الأوكسجين في الصندوق طوال الرحلة .. ثم..(وسكت)
جون : إكمل رجاءً !! 

آدم : ما حصل بعدها مفجعٌ للغاية .. فقد تحوّل صديقايّ الى وحشين  مخيفين بعد ان ربطاه في الشجرة .. حيث بدآ بتعذيبه بكافة الطرق : من جرحه بالسكين وحرق قدماه بالبنزين , وقلع عينيه ولسانه وهو حيّ 

وهنا انهار آدم باكياً .. فسأله جون وهو يشعر بالغثيان من كلامه ..
- وماذا فعلت حينها ؟
- لم أفعل شيئاً .. تجمّدت في مكاني كالأبله .. وتبوّلت على نفسي من شدّة الخوف .. فديانا كانت من اتباع عبّاد الشياطين , وأظن زوجها رافقها مراراً الى حفلاتهم المريبة .. لذا بديا لي وكأنهما متعوّدان على رؤية الدماء , وسماع هذا الكمّ من الصراخ المخيف !

جون : وماذا حصل للرهينة ؟
آدم : توقف فجأة عن الحراك , فعلمنا انه فارق الحياة .. لكن معاناته لم تنتهي بعد .. فقد قاما بفصل رأسه عن جسده .. وتقطيع اطرافه بالمنشار ..وبقر بطنه وإخراج احشائه .. وكانا مستمتعين جداً بما يفعلا !.. وبالنهاية قاما بدفنه تحت الشجرة .. وحين التفتا اليّ , كنت على وشك الإغماء .. فهدّداني بقطع لساني ان أفشيت السرّ .. وأعاداني الى منزلي لأنهار هناك , وأغرق بدوّامة التأنيب الضمير .. وما ان أشرقت الشمس , حتى سلّمت نفسي للشرطة

جون : لكني لم اقرأ إعترافك هذا في التقرير البوليسي ؟!
آدم : هذا لأن ديانا زارتني اثناء التوقيف , وأخبرتني بأنها ستقتل امي في المستشفى ان بلّغت عنهما .. لذلك أخبرت الشرطة بأنني نزلت من السيارة على بعد ميلين من البقالة , وعُدّت الى بيتي .. ولا اعرف ماهو مصير الرهينة
- ألذلك أعطيت الشرطة اسمين وهمين لصديقيك ؟ 
- كنت مُجبراً على ذلك 
جون غاضباً : برأيّ خمس سنوات سجن هي مدة قصيرة لسكوتك عن تلك الجريمة المروّعة 

وحين وقف جون للخروج من الغرفة , أمسك العجوز يده وترجّاه قائلاً :
- ارجوك لا تخبر احفادي بما حصل , فأنا كما ترى مريض بالسرطان وفي ايامي الأخيرة .. فلا تفسد سمعتي امامهم , فهم لا يعلمون حتى بالسنوات التي قضيتها بالسجن .. فرجاءً لا تخبرهم عن أخطائي الشنيعة
- يكفي انك تعلمها جيداً 

وخرج من منزله وهو يشعر بالإشمئزاز لما فعلوه بالشاب المسكين  

وبعد ساعة .. توجّه جون مع فرقة من الخبراء الجنائيين الى الغابة , بعد ان كان العجوز أطلعه على مكان الشجرة التي دُفن تحتها الضحية  
*** 

لكن الغابة لم تعد كما هي قبل سنوات .. فأمضت الفرقة الجنائية النهار كله في البحث عن الشجرة المنشودة .. الى ان وجدوها في المساء على انوار البطاريات ..وبعد الحفر , وجدوا بقايا الرهينة .. لكنهم لم يجدوا ساقه اليسرى , فرجّحوا بأن حيواناً برّي سحبها الى مكانٍ آخر .. 

ولاحقاً أُعطيت رفاة الجثة الى اخته الصغرى التي انهارت بعد معرفتها بما حصل لأخيها .. وأقام اقاربه عزاءً ضخماً , شارك فيها الجيران واهالي منطقته ..وأُذيعت جنازته في الأخبار المحلّية
*** 

لم تمضي ايام على نشر قصة الرهينة (يو سونغ) بالصحيفة والتلفاز , حتى قُتل العجوز آدم بطلقٍ ناريّ من خارج منزله .. حيث اخترقت الرصاصة زجاج غرفته , وأردّته قتيلاً ! 

فعلم جون بأن اريك او زوجته قاما بذلك , بعد ان كانت الصحافة نشرت صورة قديمة للأصدقاء الثلاثة ايام الثانوية ..

وقد ساعدت تلك الصورة الشرطة للتوصّل الى معلوماتٍ جديدة , بعد ان تلقّى المركز عدة اتصالات من شهودٍ أكّدوا بأن القاتلين يعيشان في منطقتهم بإسمين مغايرين , وفي منزلين منفصلين بعد طلاقهما قبل سنوات!  
***

لاحقاً إستطاعت الشرطة القبض عليهما , رغم هويّتهما المزوّرة .. حيث تطابقت بصماتهما مع بصمات رخصة القيادة القديمة التي استخرجاها فور تخرّجهما الثانويّ 

ومع ضغوطات التحقيق : إعترفت ديانا أخيراً بقيامها بتلك الجريمة وهي تحت تأثير الهيروين , ولتعلّقها بأفكار عبّاد الشياطين في تلك الفترة من حياتها .. وبأن ضميرها أنّبها طوال عمرها ... كما لا تمانع بنيل عقابها , رغم كبر سنها .. مع إصرارها بأنها جريمتها الوحيدة , فهي لم تقتل آدم الذي لم تره منذ انتقالها من المنطقة 

اما اريك فقد فاجئهم بردوده اللاّ مبالية اثناء التحقيق ! وخاصة حين سأله جون :
- الم يؤنّبك ضميرك لما فعلته بالشاب الكوريّ ؟ 
اريك : لا ابداً , فقد نسيت امره بعد سلسلة جرائمي المتواضعة
جون بدهشة : ماذا ! أقتلت غيره ؟!
- بالتأكيد .. فأنا عملت كسائق شاحنات بين المدن .. وقتلت في طريقي 11 مومساً , ورجلين من سائقي الشاحنات اللذان أغضباني حين ركنا في موقف شاحنتي المعتاد 
- ومن هما ؟
- لا ادري , ولا يهمّني امرهما
- واين دفنت الجثث ؟
اريك : رميتهم على قارعة الطريق
- في أيّ شارع ؟
- وهل سأتذكّر ما حصل قبل ثلاثين سنة ؟

جون : ومتى آخر جريمة ارتكبتها ؟
- قبل ايام , حين قتلت اللعين آدم .. فبسببه عشت توتراً طوال حياتي , خوفاً من ان يفضحنا بعد خروجه من السجن
جون : أتدري ان القاضي حكم على ديانا بالعلاج النفسيّ , لأن جريمتها مع الشاب الكوري سقطت بمرور الزمن .. لكن باعترافك هذا , ستحصل على الإعدام , خاصة اننا في ولاية تكساس 
اريك : لا مانع لديّ , بل انا متحمّس لتجربة الكرسي الكهربائي
جون غاضباً : انت بالفعل تستحق الموت بالكهرباء او الشنق , لكن لحسن حظك إستبدلهما القانون بالحقنة القاتلة
فردّ اريك بابتسامةٍ ساخرة : مع الأسف  
*** 

في نهاية ذلك العام .. قامت الصحافة بنقلٍ مباشر لعملية إعدام اريك .. حيث تجمّعت الناس الغاضبة خارج السجن .. ومن بينهم السيدة (كيم سوو) أخت الضحيّة التي صادف وقوفها قرب العجوز ديانا المُتنكرة بثيابها الفضّفاضة ونظّاراتها الكبيرة !
حيث نُقل الحدث على شاشةٍ عملاقة ..ليشاهد الجميع أريك اثناء ربطه بالسرير الطبيّ ...وكان آخر ما قاله :
- اراك في الجحيم يا عزيزتي ديانا !!

ثم ضحك ضحكة مجلّجلة .. قبل إغمائه بإبرة المخدّر التي تسبق الإبرة القاتلة .. ليتابع الناس أنفاسه الأخيرة .. وتتحقّق العدالة أخيراً للشاب الكوريّ بعد خمسين عاماً من الجريمة الغامضة التي انحلّ لغزها بصورةٍ عائليةٍ قديمة ! 

الأحد، 24 نوفمبر 2019

زائر فضائي

*تأليف : امل شانوحة*


ما مصير روّاد الفضاء القدامى ؟!

طرقاتٌ متواصلة على بوّابة المركبة الفضائية (سويوز تي إم إيه-18إم) أيقظت الرائد (إيدين أيمبيتوف) من غفوته! فظنّ أن زميله (أندرياس موغنسن) انتهى من تصليح العطل الخارجي في المكّوك..
وحين أدخله، اكتشف بأنّه شخصٌ آخر بعد إزالة خوذته!
فسأله إيدين باستغراب:
-  من أنت؟!
-  ألم تعرفني؟ أنا (فرانسيز آر).
-  لحظة! ألستَ قائد مركبة تشالنجر؟!
فرانسيز: نعم، وانطلقت مع زملائي في يناير 1986.
إيدين بدهشة وخوف: لكن الصاروخ تحطّم بعد 37 ثانية من انطلاقه.
-  من قال ذلك! نحن وصلنا بسلام إلى الفضاء.
-  لكن العالم شهد لحظة الانفجار قبل 33 عامًا.
فابتسم فرانسيز ساخرًا:
-  مستحيل!! أنت تهذي حتمًا، فلم يمضِ على وجودي في الفضاء سوى بضعة أسابيع.
إيدين: لكننا في عام 2025.
-  وهل تظنّني سأصدّق هذه الخرافة؟
-  حسنًا، دعني أسألك.. أين بقيّة زملائك؟
فرانسيز: هم الآن في سويوز.
-  ألم تصلوا بعد إلى المحطّة الفضائية الدوليّة؟
-  تقصد محطة مير الروسيّة؟
إيدين: لا، تلك احترقت في 2001.. أمّا المحطّة الدوليّة، فتمّ إطلاقها عام 1998.. ولا أدري ما التفسير العلمي لما يحصل الآن! لكنّه حصلت تطوّراتٌ كبيرة بعلم الفلك في القرن الحادي والعشرين!
-  دعنا الآن من التواريخ وأخبرني، هل أنت وحدك هنا؟
إيدين: لا، معي صديقي، خرج لتصليح التسرّب في أوكسجين المركبة.. ألم تره في الخارج؟
-  لم أرَ أحدًا.. (ثم سكت قليلًا).. لا تبدو لي أمريكيّ الجنسيّة؟
-  أنا من كازاخستان.
-  آه! جيّد.

وفور دخول فرانسيز إلى قمرة القيادة، ظهرت على وجهه علامات الدهشة:
-  يبدو أنّ تقنية المركبات تطوّرت كثيرًا منذ مغادرتي الأرض! فلوحة التحكّم تبدو حديثة جدًا.. (ثم جلس بكرسيّ القيادة، قائلًا بحماس).. دعني أقود المركبة.
إيدين بقلق: لا!! فصديقي ما زال في الخارج.

وقبل أن يُكمل جملته! قاد فرانسيز المركبة بسرعةٍ جنونيّة، أوقعت إيدين أرضًا، ليرتطم رأسه بقوّة أفقدته الوعيّ..
^^^

بعد قليل.. أيقظه فرانسيز وهو يعتذر منه:
-  آسف.. كنت متحمّسًا لتجربة مركبتك المتطوّرة، ونسيت أن أطلب منك ربط حزام الأمان.
فقال إيدين بغضب وهو يمسك رأسه بألم: كدتَ تقتلني!!
-  كنت أريد أن أعرّفك بأصدقائي.
-  وأين هم؟!

فلبس فرانسيز خوذته، واقترب من بوّابة المكّوك:
-  متواجدون في المحطّة التي التحمت بها قبل قليل.. هيا، البس قناع الأوكسجين.
إيدين بخوف: لا تفتح الباب يا مجنون!!
لكن فرانسيز خرج من المركبة، ليسرع إيدين بوضع خوذته قبل فقده الأوكسجين..
ثم طفا خلفه، ليرى بأن مركبته متّصلة بالمحطّة الروسيّة القديمة (مير)!

وحين دخل إليها، تفاجأ بروّاد فضاءٍ قدامى! استطاع معرفة هويّتهم، لهوسه بعلم الفضاء..
إيدين بدهشة: يا إلهي! أنا أعرف من تكونون!
ثم اقترب من رجلٍ يلبس بذلةً فضائيّة قديمة، وسأله:
-  ألستَ أنت أوّل إنسان يصل إلى الفضاء؟
فأجابه بفخر: نعم، أنا الروسي (يوري جاجارين).
وكانت بجانبه امرأة، فسألها إيدين:
-  وأنتِ (فالنتينا تريشكوفا)، أوّل امرأة روسيّة تصعد إلى الفضاء؟
فأجابته بلكنةٍ إنكليزيّة ركيكة: نعم، صعدت على مركبة (فوستوك) سنة 1963..  
فأسرعت امرأةٌ أخرى بالقول:
-  وأنا (سالي رايد)، أوّل امرأة أمريكيّة تُسافر إلى الفضاء، على متن المكّوك الفضائي (إس تي إس-7) عام 1983.
فقالت لها الروسيّة بسخريّة: أنا سبقتكِ بعشرين سنة، عزيزتي.
فردّت الأمريكيّة: وما الفرق، طالما أنّ القدر حشرنا جميعًا في هذا المكان الضيّق!

ثم اقترب إيدين من مجموعة روّادٍ روس، قائلًا بدهشة:
-  وأنتم الطاقم السوفيتي لمركبة (سويوز 11) الذي انفجر عام 1971؟
فردّ قائدهم باستنكار: انفجر؟! ألا ترانا بخير؟

لكنّه لم يردّ مجادلته، واقترب من فريقين من الروّاد الأمريكيين:
إيدين: وأنتم الطاقم الأمريكي: تشالنجر وكولومبيا.. وكلاكما.. (وسكت)
فردّ أحدهم: ولم سكتَّ؟.. ميّتون، أليس كذلك؟
إيدين بتردّد: بصراحة نعم.. فالصاروخان انفجرا بطريقةٍ مأساويّة أحزنت العالم، وحصل ذلك في عاميّ..

وقبل أن يُكمل، تفاجأ بخروج صديقه من إحدى الوحدات الداخليّة:
إيدين باستغراب: أندرياس موغنسن!.. كيف وصلتَ إلى المحطّة؟!
فردّ أندرياس: يبدو أنّ روحي سبقتك إلى هنا.
إيدين بخوف: لا!! كنتَ تصلّح العطل الخارجيّ لمركبتنا!
فردّ أندرياس بحزن: نعم، وأثناء عملي في الخارج.. مرّ بجانبي نيزكٌ مفاجئ، تطاير منه حجرٌ صغير كسر خوذتي.. فأسرعتُ إلى واجهة غرفة القيادة، وطرقتُ بقوّة على الزجاج، وأنا أكتم أنفاسي بصعوبة.. لكنك كنت نائمًا، ولم ترني لتفتح لي الباب.. ففقدتُ وعيي.. وحين استيقظت، وجدتُ نفسي بين الروّاد القدامى!
إيدين بخوفٍ وعصبيّة: إن كنتم جميعًا ميّتون، فكيف بإمكاني رؤيتكم؟!!
فربت أندرياس على كتفه: لأنك ميّتٌ مثلنا يا صديقي.
فتراجع إيدين إلى الخلف بفزع: لا، هذا محال!
أندرياس: بلى، فأنا لم أتمكّن من إصلاح العطل.. لهذا بدأ الأوكسجين ينفد رويدًا رويدًا من المركبة.. إلى أن أُغميَ عليك وأنت نائم، فأصبحتَ ضحيّةً أخرى من روّاد الفضاء!
***

وأمضى إيدين ساعتين إضافيتين في مجادلتهم، إلى أن اقتنع أخيرًا بما حصل له..
ثم تنهد تنهيدةً حزينة، قبل أن يقول:
-  لا أصدّق أنّني لن أرى أهلي ثانيةً!
فقالت فالنتينا: جميعنا خسرنا عائلاتنا.
إيدين بيأس: وما العمل الآن؟
فأجابته سالي: نستمتع بمنظر الفضاء إلى ما لا نهاية.
وقال (فيكتور باتساييف): أنا مثلًا قمتُ مع أصدقائي الروس بتنظيف المدارات من الأقمار الصناعيّة المُعطّلة، وحوّلناها بماكينة الضغط إلى مكعّبات ألومنيوم.. أمّا صديقي العبقريّ (فلاديسلاف فولكوف) فصنع منها بعض الألعاب الطريفة.

وهنا علا نباح كلبٍ من المختبر الداخلي، فسألهم إيدين باستغراب:
-  ما هذا الصوت؟!
فأجابته الدكتورة الأمريكيّة (جوديث أي): آه، نسينا إخبارك بشأن حيواناتنا.
إيدين باستغراب: أيّة حيوانات؟!
فردّ الدكتور (رونالد إي): تعالَ لأريك إيّاها.
^^^

وذهب معهما إلى إحدى القمرات، ليجد مجموعةً من الحيوانات التي أُطلقت قديمًا إلى الفضاء:
((منها الكلاب: لايكا، بيلكا، ستريلكا، شرناسكي، فيتروك، أقلوك.. والقرود: آبل، بيكر، بوني، المكاك، تساي.. واثنان من السعادين السنجابيّة.. وشمبانزي إينوس.. والقطّة فيليسات.. والجرذ بيليساريو.. والسلحفاة هورس فيلد.. والضفدع أوتلث.. وسمك الممشوج.. والعناكب: أرابيلا، أنيتا.. والحمار الوحشي دانيو.. وسمندر مائي أيبيري.. وبعض المحّار.. والخنافس الصحراويّة الرمليّة (تريقنوسكلز قيقس).. والخنازير الغينيّة.. كما الفئران وذباب الفاكهة والدبابير والصراصير.. وحشرة (الأرتيميا سالينا).. بجانب البكتيريا والأميبات والنباتات والفطريّات)) 

إيدين باستغراب: كنتُ أعرف بأنّهم أطلقوا كلبًا وقردًا، لكنني لم أعرف أنّهم أرسلوا أنواعًا أخرى إلى الفضاء؟!
فأجابه الدكتور رونالد: أُرسلت بعضها من الاتّحاد السوفيتي.. والبعض الآخر أطلقتها أميركا وفرنسا والصين والأرجنتين.
إيدين: كنتُ قرأت أنّ بعضهم عاد سليمًا إلى الأرض!
فتنهّدت الدكتورة جوديث بضيق: يبدو أنّ كلّ من قُتل في الفضاء، أو مات متأثّرًا بالتجربة، اجتمعت روحه في هذه المركبة المهترئة!
^^^

ثم عاد إيدين إلى الاجتماع مع بقيّة الروّاد.. وهناك سأله الروسي (جورجي دوبروفولسكي): هل أعجبتك حيواناتنا؟
إيدين بعصبيّة: وهل ستعجبني الصراصير والدبابير؟!!
فأجابه جورجي ضاحكًا: غدًا تتسلّى بهم، كما فعلنا جميعنا.. فالوقت هنا طويلٌ جدًّا ومملّ للغاية.
إيدين بقلق: وماذا إن نفد طعامنا؟
فضحكوا جميعًا.. ثم ردّ عليه (مايكل جي):
-  يبدو أنّك لم تستوعب بعد أنّنا ميّتون، ولا حاجة لنا للطعام.

وهنا ظهر فجأة صوت صفيرٍ خارج المركبة!
إيدين بدهشة: ما هذا؟!
أليسون إس: لا ندري، هو لغزٌ علميّ حيّرنا جميعًا!
جريجوري بي: نسمّيه (موسيقى الفضاء).
إس. كريستا مكأوليف: برأيي هو ناتج عن تداخل موجات راديويّة.
ريك هزبند: أتريد أن تخرج معنا لاستكشاف الفضاء؟
إيدين: ولمَ لا؟

وحين بدأوا بلبس خوذاتهم، أوقفهم إيدين متسائلًا:
-  لحظة! طالما أنّنا ميّتون، فلمَ أقنعة الأوكسجين؟
فنظروا إلى بعضهم بدهشة!.. وقال (ويليام ماكول):
-  معك حق! لم نفكّر بالأمر مسبقًا.
وفتح (ديفيد ماكدويل براون) بوّابة المحطّة، وهو يستنشق هواء الفضاء دون خوذته:
-  أستطيع حقًّا التقاط أنفاسي بشكلٍ طبيعي!
فقالت (كالبانا تشاولا) بحماس: إذًا ماذا ننتظر؟ لننطلق بحريّة إلى الخارج.
إيدين: أليس المفترض أن نربط حبلًا بيننا، كي لا نتوه في الفضاء؟
فقال (فرانسيز آر): كنتُ ضائعًا قبل يومين.. إلى أن وجدتُ مركبتك بالصدفة، التي قدتُها دون إذنك إلى هنا.
مايكل فيليب أندرسون: هو يقصد بأنّه مهما تهنا في الفضاء، فأرواحنا تعرف طريقها إلى محطّة مير.
لوريل كلارك بيأس: كما أنّ بعضنا حاول الانتحار سابقًا.. لكن يبدو أنّ الإنسان لا يموت مرّتين!
إيلان رامون: لا تقلق، فهذه المركبة المُتهالكة هي مقبرة الفضائيين.
فرانسيز آر: هيا يا إيدين.. اقفز معنا إلى الخارج، ولا تخفّ.
وانطلقوا جميعًا نحو الفضاء.. وهم يحلّقون بفرح (دون بذلاتهم الفضائيّة)، مستمتعين بالمنظر الخارجيّ الخلّاب.
***

بعد ساعات، عادوا جميعًا إلى محطّة مير..
وهناك سألهم إيدين:
-  طالما أنّنا ميّتون، فهذا يعني أنّنا لن نتأثّر بالحرّ أو البرد.. أليس كذلك؟
صديقه أندرياس: نعم، ماذا تقترح؟
إيدين: أن نكتشف بقيّة الكواكب، كعطارد وبلوتو.
يوري جاجارين: لا أرى مانعًا من ذلك.
سالي رايد: جيّد أنّك اجتمعت معنا، فقد كنّا نشعر بالمللّ.
فرانسيز آر: وبفضل اقتراحك، يمكن لكل واحدٍ منا اكتشاف إحدى الكواكب.
إيدين: برأيي علينا دراستها بشكلٍ مُكثّف وعميق.. مع أخذ صور لتضاريس كل كوكب، بعد إجراء الدراسات المخبريّة الدقيقة لتربته وأحجاره.
أندرياس: وماذا نستفيد من تلك المعلومات؟
إيدين: لا أدري، نجمعها في ملفٍ كبير.
جورجي دوبروفولسكي: إيدين معه حق، فأنا قلق بعض الشيء من الذهاب وحدي إلى جهنم.
إيدين باستغراب: جهنم!
جورجي: أقصد الشمس، فلطالما تخيّلت نفسي أتنزّه بين نيرانها في طفولتي.
إيلان رامون: أمّا أنا، فمتحمّس أكثر لزيارة كوكب الماس.
إيدين: هل وجدتموه حقًا؟!
إيلان بحماس: نعم!! هو كوكب يبعد عن الأرض 4000 سنة ضوئية، وأكبر من كوكبنا بخمس مرات!
يوري جاجارين: بما أنّني أكبركم سنًا، فأقترح أن نبدأ بشكلٍ تسلسليّ عكسي.. حيث نبدأ من الكواكب القزمة (هاوميا – ميكميك – إريس) ثم بلوتو.. وفي نهاية رحلتنا الاستكشافيّة نزور الشمس، التي نكون اقتربنا منها بعد دراستنا لكوكب عطارد.. ما رأيكم؟
فأجابوا جميعًا بحماس: موافقون!!
***

ومع توالي الأسابيع والشهور.. أنهى روّاد الفضاء دراستهم للأجرام الفلكية، مستخدمين الثقب الأسود للتنقّل بسرعة بين الكواكب.. حيث صادفت رحلتهم مجموعة من الأقمار والكويكبات التي لم يتم اكتشافها في عصرنا الحديث!
***

وفي إحدى الأيام، وأثناء انشغال الروّاد بالتحليق في الفضاء، والبعض الآخر يقضي وقته باللعب مع حيوانات المختبر.. غافلهم إيدين مُتجهًا إلى قمرة القيادة في مركبته الحديثة، ليقوم بفصلها عن محطّة مير.. والانطلاق بسرعةٍ فائقة نحو الأرض، بعد سرقته الملف الكبير الذي جمعوا فيه دراستهم وصورهم للكواكب القريبة والبعيدة عن الأرض.
***

وهبط أخيرًا بعد عناءٍ شديد، في صحراء تكساس.. ومن الجيد أنّه نسي بعض المال في جيب بذلته التي خلعها فور وصوله الأرض من حرارة الطقس..
وانطلق يسير لساعاتٍ طويلة إلى أن وصل للطريق العام.. وهناك نقلته إحدى السيارات إلى محطّة الباصات.

وبعد أكثر من 20 ساعة، وصل أخيرًا إلى واشنطن.. وحجز في فندق زهيد الثمن.
***

في الصباح الباكر.. زار منزله القديم الذي كان استأجره لعائلته في واشنطن.. حينها أخبره المستأجر الجديد: أنّه سكن المنزل قبل ثلاثين سنة بعد عودة عائلة الرائد إلى بلادهم، إثر إعلان ناسا انقطاع اتصالها بالمركبة الفضائية في ذلك العام!
مما صدم إيدين كثيرًا.. فثلاثة عقود تعني أنّ أولاده الصغار كبروا، وربما أصبح لديه أحفادٌ أيضًا!
***

ثم أكمل رحلته نحو مركز ناسا.. ووصل هناك مساءً بعد خروج الموظفين..
واستخدم بطاقته القديمة للتسلّل إلى الداخل، مُتفاجئًا بأنها ما زالت تعمل!

وحين وصل إلى مكتب المدير، ترك الملف الكبير الذي فيه الاكتشافات الفلكية التي ستذهل العالم.. وخرج سريعًا، دون أن يراه أحد.
***

في صباح اليوم التالي.. تفاجأ مدير ناسا بمحتوى الملف الغامض الذي وجده على مكتبه.. وأسرع بإخفائه داخل خزنته الحديدية.. ثم قام بالاتصال برئيس أميركا، قائلاً له :((سيدي الرئيس.. معي ملف في غاية الخطورة، وأريد إطلاعك عليه.. نعم، سأكون في البيت الأبيض بالموعد المحدّد))
^^^

في هذه الأثناء.. مشى إيدين تائهًا في الطرقات، إلى أن أوصلته قدماه لأعلى مبنى في واشنطن (ميدان فرانكلين وان).. ليقف هناك على السطح وهو ينظر للسماء، قائلاً في نفسه بحزن:
((ترى ماذا أفعل الآن؟ هل أعود إلى كازاخستان؟ وهل سيتعرّف عليّ أولادي، أو أحفادي.. المشكلة أنّه ليس معي ثمن التذكرة.. كما أنّني أشعر بالجوع، فأنا لم آكل شيئًا منذ يومين)) 
وحين نظر لأسفل المبنى، أصابه دوارٌ مفاجئ.. ولم يجد نفسه إلا وهو يهوي للأسفل بسرعةٍ هائلة!!!!
***

استيقظ إيدين وهو يصرخ مرتعبًا، ليجد نفسه مُحاطًا بروّاد الفضاء في محطّة مير! وهم ينظرون إليه بوجوهٍ غاضبة..
حيث سأله يوري جاجارين بعصبية:
-  أتظن أنّ باستطاعتك الهرب منا يا إيدين؟
إيدين وهو ينهج برعب: ماذا حصل؟ وكيف عدت إلى هنا؟!
الدكتورة جوديث: ألم نخبرك سابقًا بأن أرواح الروّاد تعود دائمًا إلى هذه المركبة الكئيبة؟
فرانسيز آر بغضب: لا أفهم كيف جرّأت على أخذ الصور والدراسات العلمية دون إذننا؟ ولمن سلّمت ذلك الملف الخطير؟
إيدين: إلى مدير ناسا.
فرانسيز بعصبية: رائع جدًا!! أتدري ماذا سيحصل الآن بسبب غلطتك تلك؟
إيدين بقلق: لا، ماذا؟
صديقه أندرياس: سيغزو البشر الكواكب بعد علمهم بوجود مصادر للمياه.
سالي: وربما تصبح الأرض مهجورة بعد سنوات.
الدكتور رونالد: برأيي ما فعله إيدين أمرٌ جيد.. فحين تخلو الأرض من سكّانها، نعود نحن للعيش فيها بسلام.. فأنا اشتقت كثيرًا للجاذبية الأرضية، وللحياة البشريّة الطبيعية.
إيدين مُستنكرًا: مخاوفكم هذه لا يمكن حصولها قبل قرون.
فقالت فالنتينا: ألم تلاحظ أنّ الزمن هنا أسرع بكثير من الأرض؟
إيدين بحزن: بلى.. فالأشهر الماضية التي قضيتها معكم أضاعت ثلاثين سنة من عمر أولادي!.. (ثم تنهد بضيق).. والآن ماذا أفعل؟
إيلان رامون: أظن لا حاجة لاستمرار لومنا لك، فمصير الأرض وسكّانها بات خارج سيطرتنا.. المهم الآن!! كنا انتهينا من دراسة درب التبانة التي فيها مجموعتنا الشمسية التي تعتبر إحدى المجرّات الحلزونية.. وما زال هناك المجرّات البيضويّة والشاذة.
جورجي: هذا صحيح، فالفضاء عالمٌ لا نهاية له.
إيدين بحماس: وأنا متحمّس لرؤيتها جميعًا!!
القائد (يوري جاجارين) بابتسامة: إذًا استعدوا لدراسة مجرّةٍ جديدة.

وانطلقوا مجدّدًا لاستكشاف الفضاء الواسع الذي لا يخلو يومًا من المفاجآت العلمية والكويكبات والأقمار الجديدة التي ما زالت مخفيّة عن عالمنا الحالي!

*********

ملاحظة : 
1- هذه القصة مستوحاة من مقال الأستاذ اياد العطار من موقع كابوس , بعنوان : من الطارق ؟
الرابط :
https://www.kabbos.com/index.php?darck=7771

2- جميع الأسماء التي ذُكرت بالقصة حقيقية : وهي لروّاد قتلوا بانفجار مركبتهم قبل وصولها للفضاء .. مع إضافة اسم اول رائد فضاء روسي , واول رائدتين فضاء روسية وامريكية.. 

- أتمنى ان تعجبكم القصة التي قمت ببحثٍ مطوّل قبل كتابتها 

الاثنين، 18 نوفمبر 2019

الغرب الأمريكي (Cowboy)

تأليف : امل شانوحة


الحجر الصحيّ الإلزاميّ

في بداية القرن العشرين .. وقبيل بزوغ الفجر , فوق سفح الهضبة .. إستيقظت ديانا على صرخات وتوسّلات وبكاء اطفال ! 

فخرجت من منزلها لتجد جارتها العجوز وزوجها يركبان عربة مليئة بالأغراض والحقائب , بعد ان اقفلا الباب الخارجيّ بإحكام على الخادمة السمراء وابنائها الثلاثة !
فسألتهم ديانا بقلق : الى اين تذهبان ؟!

الرجل : سنرحل لإحدى القرى المجاورة 
- وماذا بشأنهم ؟
(وأشارت على عائلة الخادمة)..
فأجابت العجوز : مات زوجها بالتيفوئيد , فأجبرنا الطبيب على البقاء معها بالحجر الصحيّ كيّ لا ننشر المرض بالقرية .. لكنّا حزمنا امتعتنا في المساء , لنبتعد عن هنا قبل استيقاظ الأهالي

ديانا بدهشة : وستتركينهم يموتون جوعاً ؟!
العجوز بضيق : نحن لم نأخذ من مؤننا الغذائية سوى حاجتنا للرحلة .. اما الملاعيين سيموتون ملأى البطون .. (ثم قالت لزوجها) .. هيا جون , لبتعد قبل شروق الشمس 

ثم راقبتهما الخادمة بعينين دامعتين (من النافذة) وهما ينزلان بالعربة الى اسفل الهضبة , وقلبها يرتجف بخوف على مصير اطفالها ..
***

في المنزل الثالث .. إستيقظ جورج مع شروق الشمس , ليتفاجأ بجارته ديانا تصعد السلم , محاولةً إقتحام منزل العجوز من المدخنة .. فنادها بدهشة :
- ماذا تفعلين يا مجنونة ؟!!
- سأنقذ إيميلي واطفالها .. فجيراننا عديميّ الرحمة رحلوا بعد ان حبسوهم في الداخل 
جورج : الم تسمعي ما قاله الطبيب ؟ هم يحملون عدوى التيفوئيد 
- وكيف سيشفون دون رعايةٍ واهتمام ؟ 

في هذه اللحظة .. كاد السلم ان يقع , فأسرع جورج بتثبيته وهو يقول :
- مدام ديانا , لا داعي لهذه المخاطرة .. فبإمكاني كسر القفل 
- أحقاً ؟
- نعم , إنزلي رجاءً 

وبعد نزولها .. ذهب الى منزله , وعاد بالفأس وحطّم قفل الباب .. لكنه نصحها بعدم الدخول الى المنزل الموبوء..
ديانا بإصرار : بل سأدخل وأنقذهم !! 
جورج : انت طبّاخة , ولست طبيبة 
- ابي دكتور مشهور في المدينة , وعلّمني بعض العلاجات والإسعافات الأولية 
- لكنهم لم يكتشفوا بعد علاجاً فعّالاً لهذا المرض .. فلا تقتلي نفسك لأجل شرذمة من العبيد
ديانا بغضب : هم بشرٌ مثلنا !!

جورج ساخراً : آه نسيت انك من انصار الرئيس (ابراهام لينكولن) لإلغاء الرقّ في البلاد , ولهذا تمّ اغتياله 
- على الأقل حرّر 4 ملايين افريقي في جنوب اميركا , وهي اكبر إنجازاته 
جورج : حصل ذلك قبل اعوام , اما الآن فالرئيس (ثيودور روزفلت) يرفض تطبيق تلك القوانين 
ديانا : لكنه دعا السيد (بوكر تي واشنطن) الى عشاء في البيت الأبيض , وهو كاتب ومدافع عن حقوق الأمريكين السود !
جورج بضيق : أعتقد ان الوقت غير مناسب لتكلّم في السياسة 
- اذاً توقف عن المجادلة , وساعدني !! 
- آسف , لا استطيع.. 
ديانا بعصبية : عدّ اذاً الى مزرعتك , ونحن سنكون بخير 

وكم سعدت الخادمة برؤيتها داخل المنزل الذي تجنّب الكثيرون دخوله بعد موت زوجها بالمرض المعدي !
***

بعد ساعة .. إنتهت إيميلي من حزم امتعتها للهروب مع ابنائها بعيداً عن المنطقة .. 
لكن قبل خروجهم , أوقفهم جورج وهو يرفع البندقية في وجوههم 
- لوّ سمحتم عودوا الى الداخل !! .. وانت ايضاً مدام ديانا

ديانا باستغراب : ماذا تفعل , هل جننت ؟!
جورج : لا .. لكني فكّرت بكلام الطبيب , وأخشى ان ينعدي اهل قريتي بالمرض المميت
الخادمة إيميلي : لكننا ذاهبون للقرية المجاورة , ولن ترونا مجدداً 
جورج بحزم : بل ستبقون هنا الى ان تشفوا جميعكم
إيميلي بقلق : او نموت !
جورج : يبقى أفضل من تفشّي المرض في كل مكان 

بهذه اللحظات .. علت صرخات ابن إيميلي بعد سقوطه عن الكرسي اثناء محاولته أخذ مرطبان البسكويت من فوق خزانة المطبخ , فجُرحت قدمه ..
وحين رأت امه الدماء على بنطاله , صرخت بخوف ..
- آدم !!!

فأسرع جورج وديانا الى المطبخ لرؤية ما حصل ..
وعلى الفور !! ضمّدت ديانا الجرح بالبنّ .. وقام جورج بلفّ قدم الصبي بالمنشفة جيداً لإيقاف النزيف ..
بينما عاتبته امه على فعلته : لما صعدت الى فوق ؟ 
آدم وهو يتألّم : قلتي بأن اختي لا ترضع جيداً .. فظننت ان البسكويت سيُعجبها .. 

في هذه الأثناء .. شاهدهم أحد اولاد القرية من النافذة , واسرع الى ساحة القرية لينادي بصوتٍ عالي :
- المزارع جورج والطبّاخة ديانا إقتحما منزل العجوزين !! 
العمدة : ماذا ! البيت الموبوء ؟
الولد : هم بالداخل الآن , رأيتهم مجتمعين في المطبخ مع الخادمة واطفالها 
***

أسرع العمدة مع الطبيب ونقيب الشرطة (Sheriff) الى سفح الهضبة التي لا يتواجد فيها سوى ثلاثة بيوت ..
وقبل خروج جورج من المنزل , تفاجأ بالشريف يصوّب بندقيته نحوه ويأمره بالعودة للداخل ..
جورج : لكني لست مريضاً !

وهنا اقتربت ديانا وإيميلي , لتسمعا الطبيب يقول له : 
- نعم , لكنك دخلت البيت الموبوء .. وصار ممنوعاً عليكم مغادرة المكان لأسبوعين كاملين  
جورج : ماذا ! لا يمكنني ترك ارضي كل هذه المدة
العمدة بحزم : سنُعيّن مزارعاً للإهتمام بمزروعاتك .. فنحن لن نجازف بصحة اهالي القرية لأجلكم .. فهيا عودوا الى الداخل , ولا تجبرونا على استخدام العنف معكم !! 

فانصاعوا مُجبرين لأوامر العمدة الذي أقفل عليهم الباب الخارجيّ بإحكام , ليعلق جورج وديانا مع الخادمة وابنها آدم (11 سنة) , وابنتها روث (8 سنوات) , وطفلتها ذات 7 شهور ..
***

جلس جورج غاضباً في الصالة وهو يلوم ديانا على ما حصل .. فردّت عليه بغضب :
- اساساً لم اطلب مساعدتك 
جورج بعصبية : أهذا جزائي لأني لم أتركك تقعين وتكسري رقبتك ؟!! 

وظلاّ يتشاجران , الى ان اقتربت منهما روث قائلة :
- رجاءً إخفضا صوتيكما , فأختي الصغيرة نائمة  
جورج : الأطفال ينامون بسرعة , لا تقلقي
روث : لكنها أتعبتنا الى ان غفت , بسبب إرتفاع حرارتها 
ديانا بقلق : أقلتِ حرارة ؟!

وذهبت للإطمئنان على الطفلة , غير آبهة بتحذيرات جورج ..
وبالفعل بدت عليها اعراض مرض التيفوئيد : من ارتفاع حرارة واسهال وفقدان شهيّة وظهور الطفح الجلدي على جسدها الصغير 
***

حين عادت ديانا للصالة , قال لها جورج بقلق :
- رجاءً إبقي بعيدة عني , فربما إنعديت بمرض الطفلة 
ديانا بيأس : يبدو قريباً سنُصاب جميعنا بالمرض , لكن بدرجاتٍ مختلفة .. وصاحب المناعة الأقوى , سيبقى حيّاً بيننا ! 

وحين سمعها آدم , سألها بقلق : 
- هل ستموت اختي كأبي ؟!
ديانا : أتمنى لا , وأعدك ان أحاول علاجها قدر المستطاع 
آدم بحزن : ارجوك ساعدي امي ايضاً .. فهي منذ وفاة والدي تشعر بالوهن , وبالكاد تُطعمنا 
ديانا : هل انت جائع ؟
آدم : نعم سيدتي
جورج : وانا لم أفطر بعد  
ديانا : اذاً سأدخل المطبخ لأرى ما تركته لنا العجوز البخيلة

جورج : سمعت إنك طباخة جيدة 
ديانا : نعم , واحلم دائماً بفتح مطعمٍ في الساحة
آدم : لا يوجد مطاعم للنساء هنا
ديانا : أعلم هذا , لكن الأوضاع تغيّرت كثيراً منذ انتهاء الحرب الأهلية ..وربما يأتي يوم ويسمحون لنا باستئجار محلاّت القرية كالرجال 
جورج : دعينا نتذوّق طبخك اولاً , ثم نقرّر إن كان مشروعك يستحق الدعم ام لا
***

في المطبخ .. إقتربت منها روث :
- نامت امي بجانب اختي 
ديانا : جيد , فكلاهما متعبان
- هل تريدين المساعدة ؟
- نعم , قومي بتحريك العصيدة 
***

في هذه الأثناء .. وجد جورج في قبو المنزل شِوالاً به عرانيس ذرة .. فاقترب منه الصبي قائلاً بحزن :
- قطفهم والدي قبل موته بأيام 
جورج : اذاً الأفضل ان نأكلها قبل ان تفسد 
آدم : هل سنسلقها ام نشويها ؟
- الأثنان ان اردّت .. وانا سأتكفّل بشواء بعضها على العشاء
*** 

بعد انتهاء الغداء .. شارك الولدان بتنظيف المائدة ..
جورج : شكراً مدام ديانا , كان الطعام لذيذاً .. وكم اشتقت لهذه الأطباق الشهيّة
ديانا بتردّد : لطالما اردّت سؤالك .. لما لم تتزوج بعد وفاة زوجتك؟
جورج بحزن : موت زوجتي والمولود بين يديّ دمّرني تماماً .. حيث كان يوماً عاصفاً , ولم استطيع إحضار القابلة .. ورفضت جارتي العجوز مساعدتي .. (ثم تنهّد بغضب) ..أتمنى ان تكون وزوجها الأحمق يحتضران الآن 
- مصيبتك كبيرة , لكن على الحياة ان تستمرّ

جورج : وماذا عنك ؟ سمعت انك مطلّقة  
ديانا بضيق : نعم لأنني عقيمة .. لهذا تركت المدينة , بعد ان مللّت من التعليقات الساخرة لأقاربي .. وأتيت الى هنا , لبناء مستقبلي وتحقيق احلامي 
- قرارٌ جريء ! 
- المهم الآن .. هل ستشوي لنا الذرة هذه الليلة ؟
- بالطبع , فأنا ماهرٌ بالشواء  
ديانا : وجدّتُ في المخزن بعض اللحم المقدّد , ما رأيك ان تشويها ايضاً ؟
جورج : هذا سيُسعد الولدان 
***

في المساء .. وبعد انتهاء من تناول العشاء .. سألت ديانا آدم :
- لم تأكل سوى ذرة واحدة !
آدم بحزن : انا قلقٌ على امي واختي الصغيرة , فهما لم يتناولا شيئاً منذ الصباح
روث وهي تمسح دموعها : أخاف ان تموتا كوالدي
ديانا : إسمعا جيداً .. نحن سنحارب المرض قدر المستطاع , وسنبقى اقوياء للإعتناء بهما .. لكننا لا نستطيع معاندة القدر , وعلينا ان نرضى بقضاء ربنا 
جورج : وفي اسوء الأحوال ..إن كنا سنموت بعد اسبوعين , فالأفضل ان نستمتع بصحتنا هذه الفترة , ونجرّب الأشياء الجميلة 

آدم : مثل ماذا ؟
ديانا : يمكنني مثلاً ان أخبز لكم أشهى الحلويات 
جورج : وانا سأقصّ عليكم اجمل القصص 
روث : واخي محترف بالرقص النقريّ , وانا أعزف جيداً على البيانو ..وقد حاولت تعليم العجوز وزوجها , لكن دون جدوى
ديانا بحماس : اذاً ماذا ننتظر , لننتقل للصالة لبدء الحفلة 
آدم : وماذا عن امي واختي ؟
ديانا : نُخرجهما من الغرفة للإستمتاع معنا .. هيا بنا

وأمضوا ليلتهم بالغناء والرقص .. بينما اكتفت إيميلي بالتصفق لرقص ابنها محاولةً مقاومة المرض والإرهاق , وطفلتها في حضنها غارقة في النوم رغم الضجيج العالي ! 

بعد انتهاء الحفلة , أخذ الولدان امهما والطفلة لترتاحا بالغرفة .. بينما فرشت ديانا الكنبة لجورج لينام عليها .. ونامت هي في غرفة العجوز بالطابق العلويّ.. 
***

ومع مضيّ الأيام إزدادت حالة الطفلة سوءاً , ولم تنفع محاولاتهم لإنقاذها .. فماتت بساعات الليل المتأخرة .. 
فاضّطر جورج لدفنها في قبو المنزل , بعد إزالة الواحٍ خشبية من الأرضيّة

وأمضت الأم ليلتها بالبكاء فوق قبرها .. وولداها يراقبانها بحزن , جلوساً على درج القبو ..
*** 

في اليوم التالي , رفض الولدان تناول فطورهما .. فقال لهما جورج :
- إن تناولتما طعامكما , سأخبركما بقصة رائعة
روث : مانوع القصة ؟
جورج : مخيفة
ديانا معاتبة : جورج لا !
آدم بحماس : بلى بلى !! انا احب القصص المخيفة
جورج : حسناً سأقصّ لكم مجموعة من قصص جدي المرعبة هذا المساء , لكن بعد ان نتبارى من يُنهي طبقه اولاً

وصار جورج يلاعبهم , والولدان يضحكان بسعادة .. وديانا تراقبهم وهي متفاجئة من حنان جورج الذي بدى سابقاً كجارٍ قاسي وغير اجتماعي !

وباتوا جميعاً ليلتهم في الصالة بعد ان افترشوا الأرض , وهم يستمعون لقصص جورج المثيرة .. بينما فضّلت إيميلي البقاء في غرفتها , خوفاً من ان تعديهم بمرضها الذي ازداد بشكلٍ ملحوظ ..
***

وسرعان ما تدهورت صحة إيميلي في الأيام التالية , رغم محاولات ديانا إخفاض حرارتها بشتّى الطرق ورفع معنوياتها , الا انها كانت مستسلمة للموت .. 
وقبيل الفجر .. وصّتها بأبنائها , قبل ان تسلم الروح ..

فقام جورج بدفنها قرب طفلتها , قبل إستيقاظ الولدان اللذان جنّ جنونهما حين علما بالخبر .. حيث أسرع آدم الى القبو لحفر قبر امه بيديه , بينما تجمّدت اخته على الدرج من شدة الخوف والحزن 

وحين لم يستطع جورج إيقافه , قام بصفعه .. ثم حضنه بقوة , لينهار آدم ببكاءٍ مرير .. ثم فتح جورج ذراعه الأخرى ليحتضن روث التي ركضت باتجاههما باكية .. وديانا تراقبهم من اعلى الدرج بعينين دامعتين 

وامضوا نهارهم بإقامة قدّاس حول قبر الأم وطفلتها لراحة روحهما 
***

في ذلك المساء , جلس جورج وحيداً في سقيفة المنزل .. فاقتربت منه ديانا ومعها كوب الشاي.. 
فأسرع بمسح دموعه .. فقالت له :
- من حقك ان تبكي
- الرجال لا يبكون 
- لا تعاند نفسك , فأنت خائفٌ مثلي من الأيام القادمة
جورج : انا قلقٌ عليكم , في حال متّ قبلكم 

فتنهّدت ديانا بضيق : أتدري ..احياناً ألعن (ماري مالون)
- من هذه ؟
ديانا : الم تسمع بها ؟!.. هي المرأة التي أدخلت مرض التيفوئيد الى اميركا اوائل عام 1900 .. وهي الآن محتجزة بمستشفى على جزيرة نائية , بعد ان نقلت المرض الى 53 شخصاً , مات ثلاثة منهم .. وكانت تعمل طباخة مثلي 
- اساساً هذا المرض إنتشر في كل مكان , وطبيعي ان يصل الينا .. إحمدي الربّ ان منطقتنا صحراوية والاّ لأصابتنا الكوليرا 
- وماذا عن الطاعون والجدري والجذام والحمّى الصفراء , فكلها امراض ارعبت العالم 
جورج : هذا طبيعي , فالجثث المتناثرة في ساحات المعارك تجلب هكذا امراض .. المهم الآن , ماذا سنفعل بالولدين بعد خروجنا من هنا ؟ هل سنسلّمهم لبائع العبيد ؟

ديانا : لا طبعاً !! النخّاس سيفصلهما عن بعضهما , ويبيع روث كخادمة في البيوت , وآدم كعامل في سكك الحديد او المناجم .. الا يكفي موت والديهما واختهما الصغرى ؟ 
جورج : اذاً خذي انت روث لتساعدك بالأعمال المنزلية , وآخذ انا آدم للعمل معي في المزرعة .. بالنهاية منازلنا قريبة , ويمكن للأخوة الإجتماع متى شاؤوا .. ما رأيك ؟ 
ديانا : دعنا اولاً نخرج من هنا احياءً , ثم نفكّر بالأمر 
فهزّ رأسه موافقاً , وهو مازال يشعر بالقلق حيال مصيرهم المجهول ..
*** 

بعد يومين .. أيقظتها روث في الصباح الباكر :
ديانا بنعاس : ماذا هناك ؟
- حرارة السيد جورج مرتفعة للغاية
ديانا بقلق : أوه لا !

ونهضت اليه , لتجده يرتجف بشدة فوق الكنبة .. فأمضت يومها كله بالإعتناء به : حيث عدّت له الحساء الساخن , وداومت على وضع الكمّادات الباردة على جبهته .. كما تناوب الولدان على مساعدتها في تمريضه 
***

في آخر الليل .. استيقظ جورج بعد انخفاض حرارته , ليجد ديانا نائمة على كرسي ..والولدان يفترشان الأرض بجانبه 

ثم استفاقت بعد ان غطّاها بالبطانية  
- جورج ! 
- الجوّ بارد 
ديانا بقلق : كيف اصبحت ؟
ووضعت يدها على جبينه..
جورج : انا بخير لا تقلقي
- حمداً للربّ , لقد زالت الحرارة
- نعم , وسأحمل الأولاد الى غرفتهم 
ديانا : لا تفعل شيئاً , فجسمك مازال مرهقاً .. دعهم ينامون الليلة هنا 
- كما تشائين 
- هل تريد شرب الشاي ؟ 
جورج : في حال شربته معي 
- اذاً لنذهب بهدوء الى المطبخ 
***

وبقيا هناك حتى طلوع الفجر , وهما يتحدّثان عن ذكريات طفولتهما وزواجهما السابق ..
وناما على كراسيهما , الى ان أيقظهما الولدان : 
روث : هل نمتما في المطبخ ؟!  
ديانا بتعب : يبدو ذلك ! 
آدم : لما لم تيقظونا لنسهر معكما ؟
روث بابتسامة : دعهم يا آدم , فربما ارادا التحدّث في شؤون الكبار 
وغمزت أخاها .. 
جورج : الى غرفتكما ايها الشقيان !!
فذهبا وهما يضحكان ..

ديانا : يمكنك إكمال نومك في الصالة , لحين انتهائي من إعداد الفطور
جورج : لا نمت جيداً .. سأصعد للسقيفة لإصلاح ثقب السقف , فالجوّ باردٌ في المساء
- حسناً , لكن لا ترهق نفسك بالعمل 

وقبل ان يخرج من المطبخ , قال لها بابتسامةٍ حنونة :
- على فكرة , كنت تنامين البارحة كالأطفال 
ديانا : وانت أيقظني شخيرك عدة مرات
جورج : أعذريني
ديانا مبتسمة : كنت أمزح .. كانت ليلة جميلة
- لنعيدها مرة ثانية
- لما لا 
***

ومرّت الأيام بشكلٍ روتينيّ .. 
وفي ظهر ذلك اليوم .. واثناء تناولهم الغداء في المطبخ , سمعوا صهيل أحصنة تقترب من المكان !
ديانا باستغراب : من في الخارج ؟!

وإذّ بهم يتفاجأون بالشريف يفتح قفل الباب الخارجيّ , ويدخل مع العمدة  والطبيب الذي سألهم : 
- هل يعاني أحدكم من ارتفاع الحرارة , غثيان او إسهال ؟
فأجابوا جميعاً : لا , نحن بخير
العمدة : واين البقية ؟
فأخبرهم جورج بما حصل..
العمدة بقلق : ولما لم تقولوا بأن العجوز وزوجها هربا من المنزل؟!
ديانا بعصبية : لأنكم سجنتمونا دون ان تسمعوننا !! 
العمدة : على كلٍ , تأخّر الوقت للإبلاغ عنهم .. أعان الربّ اهالي القرية التي توجهوا اليها .. اما انتما ..(وأشار الى ديانا وجورج).. فيمكنكما العودة الى بيوتكما..

ديانا بقلق : وماذا عنهما ؟..(وأشارت الى روث وآدم)..
الشريف : سنبيعهم في سوق العبيد
جورج بحزم : لا !! فأنا والسيدة ديانا أحقّ بهما منكم 
العمدة : اذاً ستدفع ثمنهما للبلدية 
ديانا : ولماذا ؟! العجوز تخلّت عنهما ..
جورج مقاطعاً : لا تجاديلهم يا ديانا .. (ثم قال للعمدة) .. حسناً , سأدفع لكم ما تريدون 
***

وبعد شهر من تلك الحادثة .. داوم آدم على زيارة اخته في منزل ديانا التي كانت ترسل معه الطعام باستمرار لجورج .. 

وفي إحدى الأيام .. اقترب منها جورج وهو يحمل القدر النحاسيّ الفارغ :
- كان الطعام لذيذاً للغاية
فتوقفت ديانا عن نشر الغسيل (خارج منزلها) , وقالت له مبتسمة: 
- بالهناء والعافية 
- برأيّ تستحقين ان يُفتح لك مطعماً في ساحة القرية
ديانا بضيق : سألت العمدة مجدداً , لكنه يريد كفيلاً عني 
جورج : وانا سأكفلك 
ديانا بدهشة : أحقاً !
- وسأدفع لك اجار المحل ايضاً 
- ليس لهذه الدرجة , يمكنني بيع عقدي ..
- لا داعي لذلك , فأنا المسؤول عنك وعن الأولاد
- هذا كثير يا جورج

جورج : يبدو لم تفهمي قصدي.. إفتحي الطنجرة لوّ سمحتي
وحين فتحتها , وجدت بداخلها خاتم الخطوبة ! 
ثم سألها بارتباك :
- هل تتزوجينني يا ديانا ؟

وهنا قفز الولدان نحوهما , وهما يصرخان بحماس :
- نعم وافقي !! ارجوك وافقي  
فأومأت برأسها إيجاباً , ليضع جورج الخاتم في اصبعها وسط فرحة الولدين
***

وكما وعدها جورج : فور انتهاء شهر العسل , فتح لها مطعماً كبيراً , عمل فيه كمورّد للخضراوات والفواكه من مزرعته .. بينما قامت ديانا وروث بإعداد قائمة الطعام .. اما آدم فعمل على خدمة الزبائن الذين تزايدت اعدادهم بعد اعجابهم بمذاق الأطباق اللذيذة

الا انه في أحد الأيام .. رمى رجلٌ حاقد الصحن في وجه آدم , فشُقّ جبينه , لأن الطعام لم يكن ساخناً كما يُحب !
وحصل ذلك بلحظة دخول جورج الى المطعم , مما جعله يفقد اعصابه ويرفع الرجل عالياً , وسط دهشة الزبائن ! صارخاً في وجهه بغضبٍ شديد:
- إيّاك ان تؤذي ابني ثانيةً !!
فشهق الجميع باستغراب ! بينما سأله الرجل بصوتٍ مرتجف :
- أتصفّ العبد الحقير بأنه ابنك ؟!

وهنا خرجت ديانا من المطبخ مع روث , ليسمعا جورج يُعلن للجميع :
- نعم !! آدم وروث هما ابنائي انا وديانا , فأنا سأقوم بتبنيهما قريباً
وكان العمدة وزوجته يأكلان على إحدى الطاولات , حين توجّه جورج بسؤاله :
- هل هناك ما يمنع قانوناً ؟
العمدة بارتباك : لا , لكن الأعراف.. 
جورج مقاطعاً : اذاً !! غداً سآتي الى مكتبك لإنهاء الأوراق الرسمية .. هذا في حال وافقت زوجتي والأولاد على اقتراحي 

فأجابته ديانا والولدين بصوتٍ واحد : موافقون !!
فخرج الزبائن من المطعم على التوالي وهم مشمئزّون مما حصل
*** 

في الأيام التالية للتبني الرسميّ , تعرّض المطعم وبيوتهما للرشق بالحجارة ورمي النفايات , عدا عن السباب والشتائم .. خاصة انه حصل في زمن تطبيق نظام "جيم كرو" سنة 1904 الذي أيّدته محكمة الولايات المتحدة العليا التي قضت بالفصل العنصري في المرافق العامة في الولايات الجنوبية ..

لكن هذا لم يحبط عائلة جورج المختلطة التي تعدّ الأولى من نوعها في اميركا الشمالية والجنوبية !
***

وخلال السنوات التالية .. بدأت السياسة الأمريكية تتغير تجاه العبيد مع نشأة حركات التحرير , لتزداد معها الوعيّ العام بحقوق الأفارقة الأمريكان .. ويعود مطعم ديانا للعمل تدريجياً , مع رفضهم الفصل بين طاولات السود والبيض , رغم الضغوطات من علّية القوم ! 

ولم يكن الأمر سهلاً مع توالي الخضّات السياسية , الاّ ان جورج وديانا تجاوزا كل الصعاب حتى ذاع صيتهما في انحاء البلاد , ليصبحا رمزاً للعيش المشترك ومحاربة العنصريّة وقدوة لكل الشعب الأمريكي !

السبت، 9 نوفمبر 2019

اللعبة الناطقة

تأليف : امل شانوحة

نصائح دميتي 

إستيقظ الأب على صرخات زوجته على ابنتهما في الصالة , فذهب اليهما:
- مالذي حصل ؟!
الأم بغضب : لقد كسرت حاسوبي , وفيه جميع ابحاثي الجامعية
فوجّه سؤاله لإبنته : لما فعلت ذلك ؟
ابنته سلوى وهي تشير الى دبدوبها الصوفيّ : 
- نونا أمرتني بذلك
الأم بعصبية : دائماً ما تنسب اعمالها الشقيّة الى لعبتها السخيفة !!
الزوج : اهدأي عزيزتي
ثم قال لإبنته :
- سلوى , أصبح عمرك 6 سنوات .. وأنت فتاةٌ كبيرة , وتعلمين بأن لعبتك لا تنطق
سلوى : بلى !! هي تتكلّم معي دائماً

الأم بعصبية : اذا ظلّت نونا تدعوك للقيام بأشياء سيئة , سأتخلّص منها !!
فصرخت سلوى بضيق : 
- هي أخبرتني إنك سترميها اولاً , قبل ان تضعيني في دار الأيتام
الأم بدهشة : ما هذا الهراء ؟! 
سلوى بعصبية : نونا تعلم كل شيء .. وقالت أنك ستنفصلين عن ابي قريباً , وبأنك لم تحبني يوماً .. انت أمٌ سيئة !!
الأب بحزم : سلوى !! لا أقبل ان تتحدّثي مع امك بهذه الطريقة .. ثم نحن لن نتطلّق ابداً , لكنّا غاضبان من تصرّفاتك المشاغبة ..والآن إذهبي الى النوم , فقد تأخّر الوقت .. وغداً سنحاول حلّ المشكلة 
فذهبت ابنته الى غرفتها باكية ..

وبعد ذهابها ..
الأب باستغراب : وضعها يزداد سوءاً كل يوم !
الأم : كنت سألت الطبيبة النفسيّة عن موضوع اللعبة , وأخبرتني إنه طبيعي بعمر سلوى ان يكون لها اصدقاء وهميين
- برأيّ نتخلّص من اللعبة وينتهي الموضوع
- هي هدية من مدرستها .. وحاولت منذ يومين غسلها , لكنها منعتني من لمسها !
- أظننا نبالغ بردّة فعلنا

زوجته بضيق : الأسبوع الماضي حطّمت جوّالي , والبارحة أفسدت علبة مكياجي , واليوم حاسوبي .. أظن علينا البدء في عقابها
زوجها : حسناً , سنفكّر بطريقة تؤدّب سلوكها دون ان نُؤذي مشاعرها .. 
***

في غرفة سلوى ..إستلقت في سريرها وهي تبكي وتشكي همّها للعبة الصوفية التي نطقت قائلةً :
- أخبرتك بأن امك لا تحبك  
سلوى بحزن : لما تردّدين ذلك دائماً ؟!
اللعبة : لأنها الحقيقة , وقريباً ستتخلّص من والدك
- لكنهما أخبراني أنهما لن ينفصلا 
- صحيح , فهي لن تطلّقه .. بل ستقتله

فنهضت سلوى من سريرها فزعة : ماذا قلت ؟!
اللعبة : ستقتله هذا المساء .. لهذا اريدك ان تتصلي فوراً بالشرطة لينقذوه قبل ان تطعنه بالسكين
فتجمّدت سلوى في مكانها ! فصرخت عليها اللعبة :
- هيا تحرّكي !! ماذا تنتظرين ؟ أنقذي والدك من الموت 

فأسرعت سلوى باكية الى الصالة , واتصلت بالشرطة .. 
فردّ عليها عامل الهاتف :
- هنا الشرطة .. ما المشكلة التي تواجهكم ؟
فأجابته الطفلة وهي تنهج بالبكاء :
- اسرعوا ارجوكم .. امي تقتل والدي !!
- اهدأي يا صغيرة .. عنوانكم ظهر على الشاشة , والشرطة في طريقها اليكم .. اين انت الآن ؟
- في الصالة 
الشرطي : واين امك وابوك ؟
- في غرفة النوم 
- هل رأيتها تقتله ؟
سلوى بصوتٍ مرتجف : نعم , انها تطعنه بالسكين .. اسرعوا ارجوكم !! 
- ستصل الشرطة اليكم قريباً .. حاولي ان تختبئي بعيداً عن امك 
- حسناً 

وأغلقت الهاتف , لتختبأ مع لعبتها اسفل السرير ..
وهناك نطقت اللعبة من جديد :
- هل الشرطة قادمة الى هنا ؟
سلوى : نعم , ولن يتأخّروا 
- جيد .. والآن توقفي عن البكاء , كيّ لا تسمعك امك وتقتلك انت ايضاً
فكتمت الطفلة بكاءها بصعوبة , وجسدها مازال يرتجف بقوة ..
***

بعد دقائق , إقتحمت الشرطة المنزل .. ممّا افزع الوالدان اللذان صرخا برعب حين رأوهم داخل غرفة النوم , يأمرونهما برفع ايديهما عالياً !
الأب بفزع : ماذا حصل ايها الشرطي ؟!
الأم برعب : هل حصل مكروه لإبنتي ؟
وحاولت الخروج من سريرها للإطمئنان على سلوى , لكن الشرطي أوقفها بحزم :
- مكانك !! لا تتحرّكي

فتجمّدا في مكانهما ..الى ان دخل شرطيٌ آخر الغرفة , ومعه سلوى التي وجدها مختبئة تحت سريرها , وهي منهارة بالبكاء ..
فحاولت الأم إحتضانها , لكن الطفلة ابتعدت عنها بفزع :
- لا تقتليني امي !!
***

ولاحقاً .. إنصدم الوالدان بعد علمهما بادعاءات سلوى الباطلة !  
وحاولا جاهداً إفهام الشرطي بأن ابنتهما لديها مخيّلة واسعة , وان علاقتهما الزوجية بأحسن حال .. 

وبصعوبة اقتنع الشرطي بأن الصغيرة شاهدت كابوساً او فيلماً بوليسي قبل نومها , جعلها تتوّهم الحادثة .. فغرفتها مليئة بالألعاب , وصورها تدلّ أنها فتاة مدلّلة وسعيدة.. 

وحين استوجب سلوى جانباً , أخبرته بأن لعبتها حذّرتها من والدتها .. وبقولها هذا , أقفل الشرطي التحقيق بعد اعتذاره من الوالدين على اقتحامه المنزل .. ونصحهما بأخذ طفلتهما الى طبيبة نفسيّة .. 
***

بعد ذهاب الشرطة .. ارادت الأم رميّ اللعبة في سلّة النفايات , لكن ابنتها انهارت ببكاءٍ شديد , ممّا جعل الأب يُعيد لها الدمية .. ويبقى معها في غرفتها , الى ان نامت

حين عاد غرفته , وجد زوجته ما تزال غاضبة من ابنتها..
- لا أصدّق انها قالت للشرطة بأني أقتلك ! هذه ليس خيالات طبيعية 
الأب : أظن علينا علاج مشكلتها النفسيّة , كما نصحنا الشرطي .. 
- اذاً سأحجز موعداً مع الدكتورة
- لكن انا سآخذها , فهي تخاف منك 
الأم بضيق : منذ حصولها على تلك اللعبة اللعينة , وهي تتجّنبني بشدة ! لهذا أنوي الذهاب الى مدرستها , لأعرف من المعلمة التي أهدتها اللعبة المشؤومة
***

في اليوم التالي .. إنشغل الوالدان بعملهما , ونسيا أمر علاج ابنتهما 
ومع الأيام .. عادت الأمور جيدة بين سلوى ووالديها ..

وفي أحد الأيام , زارتهما الجدة (والدة الأب) .. واثناء إنشغال الأم بتحضير العشاء مع زوجها في المطبخ , تكلّمت سلوى مع جدتها قائلة :
- لا اريدك ان تغضبي من امي
- ولماذا أغضب منها ؟
سلوى : لأنها تبغضك كثيراً
الجدة باستغراب : أهي قالت ذلك ؟!
- نعم , وتكره زياراتك المتكرّرة لنا ..
- أحقاً ! وماذا قالت ايضاً ؟
- تريدني ان أعيش في منزك لأنني أشبهك ولا أشبهها بشيء , وتقول انك ستتسبّبين يوماً بخراب بيتها 
- هكذا إذاً !! حسناً

وتوجهت الجدة غاضبة الى المطبخ , بينما عادت سلوى الى غرفتها .. وسرعان ما حصلت مشاجرة عنيفة بين الجدة وزوجة ابنها 

وبعد ذهاب الجدة , حزمت الزوجة حقيبتها للمبيت عند امها , لغضبها الشديد من زوجها الذي لم يدافع عنها امام امه التي انهالت عليها بالشتائم والإتهامات الباطلة ! 
***

بعد ذهابها , جلس الأب حزيناً في الصالة .. فاقتربت منه سلوى وهي تحمل لعبتها الصوفية وتقول :
- لا تحزن ابي , فنحن نستطيع العيش وحدنا
- ماهذا الكلام يا سلوى ؟! امك ستعود قريباً , بعد ان تهدأ اعصابها قليلاً .. فما حصل اليوم كان غريباً للغاية , ولا ادري مالذي أغضب جدتك لهذه الدرجة ! 
- جدتي معها حق
الأب باستغراب : لماذا ؟!
- لأن امي لطالما تكلّمت بالسوء عنها امام صديقاتها , وتمنّت موتها العاجل 
- أهي قالت ذلك ؟!
- نعم , اكثر من مرة
الأب غاضباً : إن كان كلامك صحيحاً , فالأفضل ان تبقى في منزل والدتها 
- اذاً اتصل بها الآن وطلّقها
الأب بعصبية : سلوى !! إذهبي فوراً الى غرفتك ..وإيّاك ان تتدخلي بهذه الأمور ثانيةَ , أفهمتي ؟!!

فدخلت غرفتها .. لكنها عادت بعد دقائق وهي تقول :
- ابي , ارجوك لا تغضب مني .. لكني حزينة , لأنها تحب جارنا اكثر منك
- ماذا قلت ؟!
- جارنا الوسيم .. رأيتها تضحك معه مراراً , اثناء عودتي من المدرسة 
الأب بغضبِ شديد : هكذا اذاً !! 

فأخذ جوّاله واتصل على زوجته .. 
وما ان ردّت عليه , حتى صرخ قائلاً :
((الو ..انت طالق يا ليلى !! .. كما سمعتي .. امي لا دخل لها بالموضوع , فأنا لا اريدك في منزلي .. وابنتي ستبقى معي .. اللعنة عليك ايضاً !! ..اراك في الجحيم ايتها الخائنة))
وأنهى المكالمة ..

ثم دخل غرفته بعد ان صفق الباب بقوة .. 
فعادت سلوى الى غرفتها حزينة .. وقالت للعبتها :
- لقد طلّق امي !
اللعبة بحماس : ممتاز !!
- لكني حزينة جداً
- امك لم تكن جيدة لك او لأبيك.. والآن عليك اختيار إحدى معلماتك لتكون عروسته .. 

ففكّرت سلوى قليلاً , قبل ان تقول : 
- ابلة منال !!
اللعبة : لا طبعاً , هي مطلقة ولديها طفلتين .. فكّري ثانيةً 
- اذاً ابلة مرام , فهي تهتم بي .. وتهديني الحلويات والكثير من.. 
اللعبة مقاطعة : ممتاز !! مرام ستكون زوجة جيدة , وأمٌ حنونة.. وغداً عرّفيها على والدك 
- كيف وأنا اذهب الى المدرسة بالحافلة ؟ 
- اذاً سأخبرك بالخطة
***

في اليوم التالي .. تفاجأ الأب بإبنته تتألّم في السرير..
- سلوى مابك ؟!
- ابي .. بطني تؤلمني كثيراً , ولا استطيع الذهاب الى المدرسة اليوم
- سلوى , لا وقت للدلال .. عليّ الذهاب الى عملي بعد ساعة
- اذاً أتركني ارتاح , ليخفّ المغصّ قليلاً
الأب : لكن حافلتك ستصل بعد قليل 
- دعها تذهب , فأنا ..
ثم اسرعت للحمام وهي تدّعي المرض..
***

بعد رؤية سلوى للحافلة تبتعد عن عمارتهم (من النافذة) .. خرجت من الغرفة وهي تلبس ملابس المدرسة وتقول :
- الحمد الله , أصبحت بخير
ابوها : الآن بعد ان ذهبت الحافلة !
- لا مشكلة , أذهب معك 
فتنهّد بضيق : حسناً سأوصلك , ثم اذهب الى عملي
***

حين وصلا .. وجدت المعلمة مرام قرب المدرسة ..فنزلت سلوى مُسرعة من السيارة , ولحقها والدها ..لكنها وصلت قبله الى المعلمة التي عاتبتها : 
- إنتبهي يا سلوى وانت تقطعين الشارع 
سلوى بحماس : كنت اريد ان أعرّفك بوالدي

وما ان رأته مرام , حتى شهقت بدهشة :
- احمد سليمان !
الأب باستغراب : من ؟! مرام مرتضى
المعلمة بخجل : نعم 
الأب بدهشة : لم أكن اعرف انك معلمتها !
مرام : وانا ظننته تشابه أسماء , ولم أعرف انك والدها بالفعل ! 
سلوى باستغراب : هل تعرفا بعضكما ؟!
والدها : كنّا اصدقاء في الجامعة 
المعلمة : سلوى أدخلي المدرسة , سأتكلّم مع والدك قليلاً

وبعد دخولها..
مرام : هل سأأخّرك عن عملك ؟
- لا مازال لديّ وقت .. كيف حالك ؟ سمعت انك تزوجتي
- وتطلّقت قبل سنة
- آسف لسماع ذلك , هل لديك اطفال ؟
مرام : أجهضت مرتين
الأب : أعتذر عن السؤال
- لا عليك , فقد رحمني الله من إنجاب اطفال شياطين كوالدهم.. المهم , ماهي أخبارك ؟

فتنهّد الأب بضيق : طلّقت زوجتي البارحة
مرام باستغراب : أحقاً !
الأب بحزن : نعم للأسف .. واريدك ان تنتبهي على سلوى , فأنا خائف من تدهّور نفسيّتها  
- لا عليك , جميع التلاميذ اولادي .. هل انت .. (وسكتت)
- ماذا ؟
مرام : هل انت متفرّغ اليوم ؟ اريد التحدّث معك بموضوع , إن لم يكن عندك مانع
- بالعكس فأنا اكاد أنفجر , واحتاج أن أفضّفض لصديقٍ قديم مثلك .. 
- اذاً نأخذ سلوى معنا للغداء في المطعم المجاور
الأب : لا اريد التحدّث عن مشاكلي امامها , سنوصلها الى بيت امي ثم نُكمل طريقنا الى المطعم
- كما تشاء , اراك ظهراً .. الى اللقاء 
***

ومرّت الأيام والأسابيع .. سافرت فيها ام سلوى الى أخيها في الخارج , بعد حصولها على اوراق الطلاق .. بينما توطّدت العلاقة بين المعلمة ووالد سلوى .. الى ان طلبها للزواج , فوافقت على الفور بعد ان اعترفت بحبها له ايام الجامعة
***

بعد الزواج .. زارتها صديقتها بالوقت الذي كان فيه زوجها بالعمل , وابنته سلوى في المدرسة..
- لا أصدّق انك استقلت من المدرسة ! 
مرام : انا اعمل منذ تخرّجي , واريد الإستمتاع قليلاً بحياتي
صديقتها : وكيف وانت متزوجة من رجلٍ لديه طفلة , وطفلة مجنونة ايضاً.. فقد سمعت انها متعلّقة بلعبتها بشكلٍ مرضيّ ..وأظن زوجك أخبرك عن إبلاغها الشرطة ضدّ امها , وأخاف ان تقوم بتصرّفٍ ارعن معك

فابتسمت لها مرام , ودخلت غرفة الطفلة ..ثم خرجت ومعها اللعبة الصوفية وهي تقول لصديقتها : 
- لا تقلقي , فلعبتها ستصمت قريباً وللأبد
- لم افهم !
ففتحت مرام ظهر اللعبة التي كان بداخلها قطعة إلكترونية .. فسألتها صديقتها :
- ماهذه ؟!
مرام بابتسامةٍ خبيثة : كاميرا صغيرة وميكرفون موصول بحاسوبي
- لم افهم !

مرام : كنت علمت إنها ابنة حبيبي القديم من خلال اسمها بالملف , بعد ان جمعنا القدر بنفس المدرسة .. فقمت يوماً بامتحان الطلّاب بأسئلة شفويّة .. وحين أجابتني على سؤالٍ تافه , طلبت من الطلّاب التصفيق لها وأهديتها اللعبة .. وصرت أكلّمها مساءً من الميكرفون بعد مراقبتي لأحداث بيتهم من خلال الكاميرا , فأنا أجبرتها على حمل اللعبة أينما ذهبت 
صديقتها بدهشة : وهل انت أمرتها الإتصال بالشرطة ؟!

مرام بابتسامةٍ خبيثة : نعم , وبكسر اغراض امها الغالية ..وأقنعتها بأن والدتها لا تحبها وتريد التخلص منها بأيّ شكل .. كما لقّنتها كل حرف قالته لوالديها .. وكنت السبب في شجار امها مع حماتها الذي أدّى للطلاق بينهما.. فأنا درست علم النفس , وأعرف طرق السيطرة على الآخرين لتنفيذ اوامري دون اعتراض .. 
- خطةٌ مرعبة ! 

مرام : بل هي خطٌة مُحكمة , فأحمد كان متعلّقاً جداً بزوجته السابقة ..لهذا لم يكن امامي الا تشكيكه بإخلاصها , لإبعادها نهائياً عن حياتي
- وهل ستتخلّصين من اللعبة بعد حصولك على مرادك ؟
- ليس قبل إقناع الصغيرة بالسفر للعيش مع والدتها .. فأنا اريد إنجاب ابنائي من حبيبي , ولا اريدها معنا .. فلتذهب وتعشّ مع امها بعيداً عنّ عائلتي 
صديقتها بدهشة : أظن الشيطان يقف عاجزاً امام دهائك !

فضحكت مرام بمكر وهي تضع بطاريات جديدة للعبة , إستعداداً لخطتها الشريرة القادمة !

الشرائح المزروعة

تأليف : امل شانوحة  القطيع الضالّ وقف الجد امام باب فلته الذي اقفله جيداً ، وهو يصرخ بوجه احفاده الثلاثة(شاب وصبيّتان) :  - ماذا يحصل لكم ...