الخميس، 26 يوليو 2018

السفينة المهجورة

تأليف : امل شانوحة

ماذا في داخلها ؟!

((عليّ التفكير بسرعة للخروج من هذا المأزق , فلا يمكنني البقاء طويلاً فوق هذه الصخرة بعد اقتراب موعد المدّ , وحينها سيتمكّن ذلك القرش اللعين من الوصول اليّ ثانيةً .. اللعنة عليّ !! لما قرّرت ركوب الأمواج وحدي ! فلوّ كان أصدقائي معي , لأحضر أحدهم المساعدة .. لكن هل يعقل إنه لا توجد سفينةٌ واحدة في كل هذا البحر الواسع , ولا حتى قارب صيّادٍ صغير , او سبّاحٌ غبي مثلي ينقذني من هذه الورطة ؟!)) 

وبعد ساعات مرّت ببطءٍ شديد على جاك .. لمح قبيل غروب الشمس سفينةً كبيرة تقترب من المكان , فصرخ بعلوّ صوته :
- هاى !!!!! إنقذوني !! انا هنا !! 

وحين أمعن النظر بالسفينة التي اقتربت كثيراً منه , رأى سلّماً مصنوعاً من الحبال ممّتداً على طول جانبها .. 
ففكّر في نفسه : ((في حال سبحت بسرعة وأمسكت بتلك الحبال , فسيكون من السهل عليّ الصعود الى السفينة .. لكن عليّ الإنطلاق حالاً , فالمياه في ارتفاعٍ مستمرّ وستغمر الصخرة قريباً))

ودون ان يطيل التفكير ... إنطلق باتجاه السفينة بكل ما أوتيّ من قوة , حيث كانت تبعد عنه أمتاراً قليلة ..
وكل ما كان يقوله في نفسه بتلك اللحظات :
((عليّ الإسراع بالسباحة !! ..لا اريد لذلك القرش اللعين ان يعضّ رجلي ..فلست أرغب بالعيش بقيّة عمري معاقاً .. او ان أموت هذا اليوم .. هيّا أكاد أصل , تبقّى القليل .. وأخيراً وصلت !!.. هآقد أمسكت بالسلّم .. حسناً لأرتفع بسرعة قبل ان ..)) 

وما ان صعد اول درجتين حتى هجم القرش عليه من الخلف , لكن فكّه ارتطم بقوّة بالسفينة فعاد أدراجه .. فصرخ جاك ساخراً منه :
- نعم ابتعد ايها اللعين !! فقد أفلتّ منك أخيراً

وصعد بقيّة سلّم الحبل , الى ان وصل للسطح الذي بدا خالياً من مظاهر الحياة !
فصار يصرخ بعلوّ صوته :
- هل يوجد أحدٌ هنا ؟!! ساعدوني رجاءً !!
لكنه لم يحصل على إجابة .. فمنظر الصدأ والعفن المنتشر بأرجاء السفينة تدلّ انها لم تحصل على صيانة منذ سنواتٍ طويلة ! (وقد لاحظ ذلك قبيل حلول الظلام)
- كيف يتركون سفينتهم دون ترميمات او إصلاحات , هذا خطرٌ على الملاحة ؟ّ!.. ام هي .. سفينةٌ مهجورة ! مصيبة ان كانت كذلك ..لأدخل واتأكّد بنفسي

وحين لم يجد من يُديرها في غرفة القيادة , تأكّدت اسوأ ظنونه 
- ماهذا الحظ اللعين ؟ حين وجدت أخيراً سفينة تنقذني , تكون مهجورة !

وحين خرج ليقف عند مقدّمة السفينة المهترئة , لمح ضوء المنارة يظهر من بعيد ..
- على كلٍ .. الأمواج كفيلة بأخذنا الى الشاطىء .. الأمر يحتاج الى بعض الوقت , ربما غداً .. والى ذلك الحين سأبقى على السطح , فأنا لن أجرأ على دخول الغرف بعد ان حلّ المساء .. هيا يا جاك لا تقلق , فغداً سينتهي هذا الكابوس وتُخبر أصدقائك بهذه المغامرة الغريبة !
***

في الصباح .. تفاجأ جاك بأن السفينة تسير في عرض البحر !
- كيف هذا ؟! لما لم نصل الى الشاطىء ؟! .. يا الهي ! هذا اسوأ بكثير من هجوم القرش .. فأنا عالقٌ في سفينةٍ مهجورة وسط البحر .. يعني لن أموت فقط من الجوع , بل من الخوف ايضاً !

ثم عاد واستجمع قواه ليدخل مجدداً الى كابينة القبطان للبحث عن جهاز الإرسال (ان كان يعمل) ليرسل منه إشارة لسفينةٍ أخرى تنقذه .. لكنه وجد جهازاً قديماً نمت عليه الطحالب وأكله الصدأ ليغدو معطلاً تماماً .. 

الغريب انه وجد دفتر مذكّرات القبطان في حالةٍ جيدة داخل الدرج المهترىء ! وقرأ منه آخر صفحة كتبها القبطان , حيث قال فيها :
((حدث خرقٌ في الجانب الأيمن من السفينة , أثناء إحتكاكنا بإحدى الصخور المرجانية بعد ان قذفتنا عليها موجةٌ عارمة .. من الجيد انها لم تُغرقنا , لكن امتلاء قعر السفينة بالمياه سيزيد من ثقلها مما سيعرّضنا للغرق مع مرور الوقت , لذا علينا إخلاء السفينة حالاً .. المشكلة انه لا يوجد لدينا سوى القليل من قوارب الإنقاذ , وهي لا تكفينا جميعاً .. لهذا قرّرت ان أخالف قوانين البحّارة وأنقذ نفسي اولاً , فزوجتي حامل بأول ولدٍ لنا ..ولن أُغرَق مع سفينتي تطبيقاً لقانونٍ غبي .. كل ما اريد قوله لمن يجد دفتري هذا : هو ان يغادر هذه السفينة الملعونة فوراً , فهناك أحداث غريبة تحصل بداخلها وهي من تسبّبت بتوجيهنا لتلك الصخور المرجانية .. لا أستطيع الشرح أكثر ..عليّ الهرب سريعاً , فبحّارتي ينادونني))

وبعد ان انتهى جاك من القراءة , قال في نفسه : 
- هذا ما كان ينقصني .. ان كان القبطان بنفسه شعر بأشياءٍ مخيفة تحدث في سفينته , فكيف الآن بعد ان أصبحت مهجورة ؟! لهذا سألازم سطحها الى ان ينقذني أحد , دون ان أغامر بدخول غرفها الداخلية
***

في وقت الظهيرة , اشتدّ عليه الجوع ..فاضّطر الى دخول السفينة على أمل ان يجد سمكة دخلت من ذلك الخرق (الذي تكلّم عنه القبطان) وعلقت بالداخل , ليأكلها ويسدّ جوعه .. 

وما ان تعمّق قليلاً بالداخل , حتى لاحظ الطحالب تعلو كل الجدران الخشبية ممّا جعله يغلق أنفه بسبب رائحة الرطوبة العفنة ..
وفجأة ! سمع انغام بيانو أوقفت شعر رأسه..
- من يعزف بالداخل ؟!

قالها برعبٍ شديد .. ورغم انه اراد الهرب فوراً الى سطح السفينة , الا ان قدماه وفضوله جعلاه يقترب اكثر واكثر من مصدر الصوت وبحذرٍ شديد .. ليجد داخل صالةٍ مهترئة فتاةً صبية بشعرها الأشقر الطويل وهي تعزف على البيانو القديم وتدنّدنّ باندماجٍ شديد والتي حين رأت وجهه يطلّ عليها من شقّ الباب .. شهقت برعب , صارخةً :
- قرصان !!

ففتح الباب وهو يقول بدهشة : قرصان ! بأيّ عصرٍ تعيشين ؟!
فسألته وهي ترتجف : اذاً انت شبح ؟!
فقال لها مهدّئاً : إهدئي قليلاً , انا لست شبحاً .. انا سبّاحٌ ضائع .. وقد وجدت هذه السفينة بالصدفة , وصعدت اليها 
فاقتربت اليه بحذر : يعني انت حيّ ؟
- ما هذا السؤال الغريب ؟! بالتأكيد حيّ 
- أعذر خوفي , فأنا هنا منذ عشرين سنة 
- كيف هذا ؟! واين الباقون ؟!
- رحلوا جميعاً وتركوني لوحدي .. فأمي ظنّت بأن المربّية أخذتني معها في القارب الذي سبقهم , والمربّية اعتقدت إنني برفقة امي .. بينما كنت انا وقت إجلاء الركّاب في الحمام , وكنت في الثانية عشر من عمري ..وحين خرجت , لم أجد أحداً سوايّ على السفينة..فأسرعت الى سطحها , وهناك رأيت قوارب النجاة تبتعد في البحر..فصرخت بعلوّ صوتي , لكن لم يلتفت اليّ أحد ! ومنذ ذلك الوقت وانا أعيش وحدي هنا 
جاك : لحظة ! قصتك مستحيلة .. فكيف عشتي عشرين سنة دون طعام او شراب ؟!
الصبيّة : ومن قال انه ليس عندي ما يُؤكل .. تعال معي لأريك
***

وذهب معها الى أسفل السفينة ليرى خرقاً بالجانب الأيمن العلوي , كان يدخل منه بعض مياه البحر ليستقرّ في قعرها 
جاك باستغراب : غريب ان السفينة لم تغرق الى الآن رغم الخرق الذي فيها ؟! ..انها حقاً معجزة !
الصبيّة بغيظ : بل هي لعنة علينا جميعاً
جاك بقلق : من تقصدين ؟!
فحاولت الصبيّة تغيّر الموضوع : 
- أنظر تحت !! ستجد في القعر سمكة او إثنتين , وأحياناً لا أجد سمكاً الا مرّة كل ثلاثة ايام .. لكن في حال وجدت , أصطادها بهذه الشبكة التي وجدتها في غرفة أحد البحّارة .. ثم أصعد بها الى مطبخ السفينة لأطبخها .. إنتظرني قليلاً , سأريك الطريقة .. 
واقتربت من حافة البحيرة الصغيرة التي تكوّنت في قعر السفينة وهي تحمل الشبكة ..

وبعد عدة محاولات , قالت بحماس وهي ترفع الشبكة التي بها السمكة الكبيرة :  
- وهآقد اصطدتها .. ارأيت !! الموضوع سهل ..
جاك بارتياح : أحسنتِ !! إمسكي بها جيداً .. 
وبعد ان وضعتها جانباً .. عاد وسألها :
- لكن عندي سؤال ..هل تبّقى في السفينة غاز منذ عشرين سنة لنطبخها ؟!
الصبيّة : انتهت آخر انبوبة منذ عشر سنوات , فقد كانت السفينة مليئة بأنابيب الغاز , لأنه تمّ إجلاء الركّاب بعد اربعة ايام فقط من انطلاق الرحلة التي كان من المفترض ان تستغرق ثلاثة اسابيع في البحر
- وكيف تطبخين السمك بعد انتهاء..
الصبيّة مقاطعة بحماس : على الخشب !! فقد وجدت فأساً في عِدّة البحّارة , وصرت أكسر بها الأبواب وأضعها في الفرن الكبير الذي يعمل على الحطب ..وعادة أنام في المطبخ حين يشتدّ البرد

جاك : وماذا عن مياه الشرب ؟
الصبيّة : من حسن حظي انه كان بين الركّاب عالمٌ محبّ للإختراعات .. وأذكر انه دخل الصالة التي كنّا نتعشّى فيها بعد يومين من انطلاق الرحلة وأخبرنا عن اختراعه الجديد , وهو هذه المصّاصة
وكانت تضعها في رقبتها..
- ما هذه ؟! ولما هي عريضة من الوسط ؟!
الصبيّة : انها مصّاصة بداخلها فحم واشياءٌ أخرى .. حين تمصّ بها مياه البحر تخرج مصفّاة وخالية من الأملاح .. إشرب من هذه البحيرة لتجرّبها بنفسك .. 

وبعد ان جرّب المصّاصة  ..
جاك بدهشة : جميل ! لقد شربت بها مياهً عذبة ومنعشة بالفعل
- نعم .. فالعالم كان ينوي بيعها لشركات السفن , هذا ان ظلّ حيّاً 
- كان من الأفضل لوّ وزّعها على قوارب النجاة
الصبيّة : أظنه فعل .. فهو صنع الكثير من النسخ , لكنني لم أجد الا هذه في غرفته ..وجيد انني تذكّرتها , رغم صغر سني وقتها
- وماذا عن ..
وأشار الى ملابسها .. فضحكت
- لم تكبر معي طبعاً .. لكنهم رحلوا تاركين ملابسهم في الغرف ..وكلما ازداد طولي , كنت ألبس إحدى فساتينهنّ التي لم تهترىء بعد 

جاك : قصتك هذه أغرب من الخيال ! أتدرين انك ستعملين ضجّة اعلامية بعد عودتنا سويّاً الى البرّ
فقالت بحزن : البرّ .. هذا حلمٌ مستحيل
- لا ليس مستحيلاً , فالشاطىء لا يبعد كثيراً عن هنا .. كلّ ما علينا فعله هو إدراة دفّة السفينة للعودة الى الشمال , فهي تسير عكس الطريق
الصبيّة : الدفّة مُعطّلة .. هذا ما سمعته بالصدفة من بحّارين في الليلة التي سبقت حادثة الإصطدام , وقالا ايضاً : بأن السفينة لا تسير بشكلٍ مستقيم وكأنها تتعمّد ان تبتعد عن كل الشواطىء التي تُصادفها , رافضةً ان ترسو بأيّ مكان ! ..(ثم حاولت كتم غضبها) ..وفي صباح اليوم التالي أخبرنا القبطان بموعد الإجلاء 

جاك : هذا غريب !
الصبيّة : مالغريب في الموضوع ؟!
- كنت قرأت مذكّرات القبطان قبل ان ألتقي بكِ , وأظنه كان ينوي الهرب وحده ! 
- ربما خطّط لذلك ! لكن الجميع شعر بلحظة الإصطدام , فانطلق الرجال اليه ليعرفوا المشكلة
جاك : لكنه كتب ايضاً : إن قوارب النجاة معدودة !
الصبيّة : ما أذكره .. انه حينما رأيت القوارب تبتعد عن السفينة , كانت مُزدحمة بالركّاب .. (بحزن) ومع ذلك لم يتواجد مكانٌ لي بينهم !
- لا تحزني ..ان لزم الأمر فسأصنع قارباً صغيراً من الأخشاب المتبقية , ونأخذ معنا الشبكة والمصّاصة السحريّة , بعد ان نُخيط الشراع من الأقمشة المتبقيّة ..ثم نجدّف سويّاً حتى نصل الى الشاطىء

فابتسمت الصبيّة قائلة : اين كنت طوال عمري ؟.. آه صحيح لم اسألك ..ما اسمك ؟
- جاك , وانت ؟
- جوزفين  
- اسمٌ جميل يا جوزفين
- وكم عمرك يا جاك ؟
- 36 ..وانت 32 , اليس كذلك ؟
فأجابت بخجل : نعم

وهنا ظهر صوت قرقرة معدته الخاوية , فضحكت عليه :
- أظنك جائع
جاك : نعم , كثيراً
الصبيّة بحماس : اذاً دعنا نصعد الى فوق حيث المطبخ لنشوي هذه السمكة ونأكلها , ومن ثم نخطّط سويّاً للخروج من هنا
***

وتناولا طعامهما على طاولةٍ قديمة في الصالة المتواجدة قرب المطبخ , وهناك بدأ يُخبرها عن التطوّرات التكنولوجية التي حصلت في العالم خلال العشرين سنة التي فاتتها , وظلاّ يتكلمان الى ان اختفى نور الشمس الذي كان يظهر من النافذة .. 
فقال جاك وهو يُخفي خوفه بعد ان أظلمت الصالة التي هما فيها : 
- الا يوجد قنديلاً هنا ؟
- بلى .. سأحضره حالاً
- لا, لا تذهبي لوحدك ..سآتي معك
الصبية بابتسامة : إعترف انك خائفٌ من البقاء وحدك
- بالحقيقة لا ادري كيف عشتِ لوحدك هنا , فالأمر مخيفٌ للغاية !
- تعوّدت مع الأيام .. هيا تعال معي , فالقنديل في غرفتي
***

وبعد ان اضاءت القنديل الذي أنار غرفتها , رأى جاك سريرها الصدىء وفوقه بقايا ملاءةٍ مهترئة , ومرآة كبيرة على الجدار .. 
وكانت تقول وهي تمسك القنديل : هذا آخر قنديل يعمل في السفينة , فقد استخدمت كل قناديل الغرف والممرّات في السنوات الماضية

لكن فجأة !! انتبه على شيءٍ أرعبه للغاية , فخيالها لم يظهر مثله في المرآة رغم انها كانت تقف خلفه حاملةً القنديل الذي ظهر وحده في المرآة وكأنه يطفو بالهواء ! فارتعب صارخاً :
- انت شبح !
الصبيّة بارتباك وقلق : لا , لست كذلك 

فتركها راكضاً بأسرع ما يمكنه الى سطح السفينة , وهي تلاحقه ..الى ان وقف على حافّة السفينة.. فأوقفته قائلة : 
- لا ارجوك لا تقفز !! لا تتركني وحدي هنا .. فأنا لم أصدّق متى التقيت بشخصٍ مثلك بعد كل هذه السنوات ! 
جاك صارخاً بفزع : لا تقتربي مني أكثر .. أنا أحذّرك !!
الصبيّة بخوف : لن أقترب .. فقط إنزل عن الحافّة , ودعني أفهمك الموضوع

فتجمّد في مكانه لدقائق , قبل ان ينزل متردّداً وهو مازال يرتعش من الخوف.. 
جاك بعصبية : اريد ان أعرف كل شيءٍ الآن !! هل انت جنية ام شبح ؟ فوجهك لم يظهر بالمرآة !
وهنا سمع صوت رجلٍ من بعيد , يجيبه :
- نحن ارواح الركّاب الذين ماتوا هنا قبل سنواتٍ طويلة

وخرج عشرات الركّاب بوجوههم الشاحبة وملابسهم الممزّقة من داخل السفينة نحو السطح , ووقفوا بالقرب منه .. حتى كاد ان يغشى على جاك من هول الصدمة ! حيث صرخ في وجه الصبيّة باكياً :
- أكنتِ تكذبين عليّ طوال الوقت ؟!
الصبيّة بحزن : لا .. فقد كنت انسانة حيّة قبل سنوات , والجميع كانوا كذلك ..(وأشارت اليهم).. لوّلا ما فعله القبطان الجبان بنا

جاك وهو يلتقط انفاسه بخوف : وماذا فعل بالضبط ؟!
فأجابه رجلٌ عجوز بقهر : لقد هرب هو والبحّارة بسفن النجاة , بعد ان تركنا نيّام ! 
جاك مستفسراً : وكيف استطعتم النوم بعد ان علمتم بالخرق الذي حصل بسفينتكم ؟!
الصبيّة : القبطان اللعين طمّأننا بأنه خرقٌ بسيط والبحّارة يعملون على إصلاحه , وبأننا سنُكمل المسير في الغد .. 
وأكمل رجلٌ آخر بغيظ : لكن بحلول اليوم التالي تفاجأنا بأننا لوحدنا في السفينة دون فريق الإبحار ! والأسوء من ذلك ان الإرتطام عطّل المحرّك تماماً , وصار مصيرنا مقيّداً بالأمواج التي تأخذنا يمنةً ويسارا ..حتى انتهى الطعام في مطبخنا

جاك : وهل متّم جميعاً من الجوع ؟!
الصبيّة بحزن : بعد مرور كل تلك الشهور , بالتأكيد  
وهنا قال طفلٌ في السادسة من العمر بقهر : 
- كنت انا أول من أكلوني
جاك بصدمة : أكلوك ؟!
فقالت سيدة كبيرة في السن : نعم , فقد مات من الحمّى ..وفضّلنا شوّيه وأكله من شدّة الجوع
جاك : وماذا عن والديه ؟!
الرجل : كانا يصرخان بألم بعد ان أقفلنا عليهما باب الغرفة , لحين انهائِنا الوجبة .. وقد ماتت ام الصبيّ بعده بيومين من شدّة الحزن عليه ..لكن هذه المرّة لم يعترض زوجها على طبخ جثتها , بل شاركنا العشاء .. اليس كذلك ؟ 
فأومأ زوجها الشبح برأسه إيجاباً بحزن , وهو يحتضن زوجته وكأنه يعتذر لها ..

ثم أكمل الرجل كلامه : وهكذا أكلنا كل شخص مات على السفينة  
رجلٌ آخر : بالحقيقة نحن أكلنا كل شيءٍ يتحرّك.. فالأسماك التي كنّا نجدها بالقاع لم تكن تكفينا , لهذا أكلنا الفئران .. وبعض الطيور التي حامت فوق السفينة , قمنا باصطيادها من بندقيةٍ وجدناها في غرفة القبطان .. وكذلك أكلنا الحشرات وكل شيء ..امّا اللحم البشري فكان آخر إختيارٍ لنا .. فأنت لا تدري يا بنيّ كم الجوع مؤلم , وبإمكانه تحويل الإنسان العاقل الى وحشٍ كاسر !

ثم قالت سيدة منهم : وفي أحد الأيام .. إقتربنا كثيراً من الشاطىء , فكسرنا ابواب غرفنا كيّ نستخدمها كقوارب نجاة
جاك : هذا أفضل حلّ , ان تقفزوا جميعاً من السفينة .. ثم ماذا حصل ؟
الرجل : أُغميّ علينا دفعةٍ واحدة ونحن نستعدّ لرمي الأبواب في البحر ! وحين استيقظنا في اليوم التالي , كنّا في عرض البحر مجدداً 
جوزفين بقهر : وكأن هذه السفينة الملعونة ترفض خروجنا منها ! 
جاك : بصراحة لن أعترض على كلامكم الغريب , فبقاء ارواحكم حيّة الى الآن تكفي لأن أشعر بأنني فقدت عقلي تماماً ! .. المهم الآن ..اريد ان أعرف بقيّة القصة منك يا جوزفين ؟ 

فأجابته الصبيّة بحزن : كنت انا آخر الناجين , وعشت لوحدي ثلاثة شهور .. في البداية كانت سمكةً واحدة تكفيني كل ثلاثة ايام , لكن حين ضربت العاصفة السفينة أصابتني الحمّى من شدّة البرد وانا بعمر 8 سنوات ونصف , على ما أظن .. فمعاناتنا دامت أكثر من ستة أشهر !
جاك بغضب : انت كاذبة !! لقد متّي في عمرك هذا , فالأشباح لا تكبر.. إعترفي !! 
فنظرت جوزفين الى بقيّة الأشباح , ثم قالت لجاك بارتباك :
- القصة التي رويتها لك صحيحة , لكنني لم أكن فتاةٌ صغيرة .. قلت هذا لأبرّر لك بقائي لوحدي في السفينة .. أعتذر منك 

جاك وهو يخفي غضبه : لا يهم .. وماذا عن آخر يوم لك في السفينة كبشريّة , ماذا تذكرين عنه ؟
الصبيّة : أذكر انني نمت في غرفتي بعد ان أحضرت كل بطانيات الغرف واستلقيت تحتها ظنّاً مني انها ستقيني من البرد , لكن حين أردّت القيام لم استطع إزاحة كل تلك البطانيات عنّي بعد ان هدّني المرض والجوع , فاختنقت تحتها .. كل ما أذكره , انه حين فتحت عينايّ وجدت جميع الركّاب الذين ماتوا بجانبي ! وقد أفزعني ذلك تماماً , لكنهم أخبروني بأنني أصبحت شبحاً مثلهم

وهنا قال الطفل له : وربما تكون انت ايضاً شبحٌ مثلنا , وأكلك القرش قبل صعودك الى هنا  
جاك صارخاً : لا هذا مستحيل !! وسأثبت لكم ذلك .. فربما أرواحكم علقت للأبد في هذه السفينة , لكنني مازلت حرّاً .. حتى انظروا !!
ووقف عند حافّة السفينة من جديد , فصرخت الصبية بفزع :
- ارجوك لا تتركني يا جاك !!

لكنه لم يأبه لتوسّلاتها وقفز الى البحر وهو يعلم تماماً انها بمثابة قفزة إنتحار , فهو في خضم بحرٍ لا نهاية له ..وان لم يأكله القرش , فسيغرق حتماً من التعب والجوع , لكن هذا كان أهون عليه من البقاء في سفينة الأشباح

وبعد إختفاء أثره بين الأمواج , قالت الصبية بحزن : 
- هذا سادس شاب يفضّل القفز بالبحر على ان يبقى معي ! 
الرجل : لا تحزني يا جوزفين , البشر بالعادة جبناء 
جوزفين : تتكلّم وكأننا لم نكن يوماً منهم !
فقال العجوز : لقد فزع الشاب بعد ان أخبرناه اننا متنا منذ عشرين سنة , فكيف لوّ عرف ان مأساتنا حصلت في القرن الماضي ؟! 

وهنا اقتربت سيدة من جوزفين وهي تربت على كتفها لتواسيها : 
- لا تحزني يا ابنتي .. فنحن خلال المئة السنة الماضية لم نلتقي الا ببعض الأفراد الضائعين في البحر ..لكن الأمر إزداد صعوبة هذه الأيام مع وجود التكنولوجيا وخفر السواحل الذي أخبرك عنها جاك , لذا لا تعقدي الأمل بلقائك مع شابٍ وسيم يشاركنا مصيرنا المجهول , واقبلي بقدرك كما رضينا نحن به !

فتمّتمت جوزفين بحزن : وهل قدري ان أعيش طوال حياتي برفقة الشيوخ والنساء والأطفال , دون وجود شابٌ واحد على هذه السفينة .. يالحظي السيء !

ثم نادى الرجل بقيّة الأشباح بصوتٍ عالي : 
- هيّا يا رفاق !! كلاً الى غرفته , على أمل ان نصادف مغامرةً جديدة في المستقبل

فقالت الصبية في نفسها بحزن , وهي تتأمّل البحر : ((او ان تغرق هذه السفينة الملعونة الى أعماق البحر , لتصعد أرواحنا الى السماء ونرتاح جميعاً من هذا الجحيم المؤلم !!))

ثم عادت برفقة الأشباح المحبطين الى غرفهم العفِنَة !

الخميس، 19 يوليو 2018

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة

ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً !

بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية في الكنيسة , وهو يقول له : 
- صوتك جميل
الشاب : شكراً لك
الرجل : هل تريد المشاركة بتجارب الأداء ؟
- تقصد لجوقات الكنائس ؟
- لا , بل لمسرحية موسيقية ستُعرض في كافة مسارح الدولة 
الشاب : آسف , انا من عائلة متدينة ولا أرغب بدخول عالم الفن الفاسق
- إسمعني اولاً يا جوزيف قبل ان تقرّر
- أتعرف اسمي ايضاً ؟!
- أعرف كل شيءٍ عنك .. دعنا نجلس هنا ونتحدث قليلاً

وأمضى ساعة معه مُحاولاً إقناعه بالأجر الضخم والشهرة التي سيحصل عليها في حال وافق على عرضه , لكن الشاب ظلّ متمسكاً برأيه 
فقال له الرجل بنبرةٍ حادّة : وهل تظن إنك ستنجح في مسابقتنا الصعبة ؟ فنحن لا نختار سوى أفضل الأصوات من كل مناطق الدولة , ولهذا نحرص ان يكون إختيارنا دقيقاً ومتميّزاً للغاية
وقد إستفزّه هذا الكلام , فردّ الشاب بحزم : بالتأكيد سأربح !! فأنا فزت السنة الماضية كأفضل قائد جوقة في كل كنائس مدينتا 
الرجل : أعرف هذا ولذلك قدمت اليك .. على كلٍ , مسرحيّتنا لها طابعٌ ديني
الشاب : قلّ هذا من البداية .. طالما انها مسرحية دينية , فلا بأس بذلك

فأعطاه الرجل منشوراً به كل المعلومات عن المسابقة : (المكان وتاريخ تجارب الأداء) ..ثم خرج من الكنيسة بعد تأكّده بأن الشاب أصبح من ضمن فريقه
***  

بعد يومين .. وقف الشباب العشرة والصبايا الأربعة فوق المسرح الخالي الاّ من مخرج الإستعراض ومساعديه , في انتظار دورهم لتأدية مقطعاً غنائياً كيّ يختاروا منهم بطل وبطلة المسرحية الغنائية التي ستكون الأضخم إنتاجاً لهذا العام ..
وكان جوزيف أول المُمتحنين ..وتقدّم نحو مكبّر الصوت الذي بدا قديم الصنع ! 
ومن اول كلمتين في الأغنية , أوقفه المخرج قائلاً :
- لحظة !! لا أسمعك جيداً
فنقر جوزيف على مكبّر الصوت قائلاً : (test –test) – هل تسمعني الآن ؟
فهزّ المدير رأسه إيجاباً .. ورفع يده لعازف البيانو (الذي يجلس بجانب المسرح) ليبدأ العزف ..

وبدأ جوزيف بالغناء ليتفاجىء بصدىً جميل لصوته أبهرت الحاضرين , وفي نفس الوقت ضايقت منافسيه ! حيث قال الشباب في أنفسهم : ((سيكون من الصعب الفوز على هذا الشاب)) .. بينما قالت الفتيات في أنفسهنّ : ((سيختاروه حتماً ليكون البطل لجمال صوته ووسامته))
وبعد انتهاء وصلته الغنائية , رفع الرئيس يده ليقول : 
- جيد جداً .. التالي !!

ثم تتابعت تجارب الأداء لكل شاب وفتاة , لكن بعد ان ينقروا على مكبّر الصوت القديم الذي لا يعمل قبل ان يقولوا ذات العبارة : 
- (test –test) – هل تسمعني الآن ؟

الا ان صوت جوزيف وفتاة (إسمها جسيكا) كانا الوحيدين الذي أعطى لهما مكبّر الصوت صدىً جميل فاق جماله أصوات الآخرين ! لهذا لم يتفاجىء المتسابقون حين تمّ إختيارهما ليكونا بطل وبطلة المسرحية ..
وبدا الحزن وخيبة الأمل واضحاً عليهم .. لكن المخرج قال لبقيّة المتسابقين:
- وأنتم ايضاً نجحتم , لكن كمردّدين لهاذين البطلين .. ولا تقلقوا فأجوركم ستكون جيدة , بالإضافة اننا سنوفّر لكم غرفاً فندقية فارهة أثناء تجوالنا الموسيقي بين مسارح البلاد
فهلّل الجميع فرحاً !! حيث معظمهم كان من الطبقة الفقيرة , ويحتاجون لهذه الفرصة الذهبية التي لا تتكرّر مرتين في العمر 

ونزل المتسابقون من فوق المسرح لأخذ أغراضهم والتوجّه الى منازلهم , لكن المخرج أوقفهم قائلاً :
- الى اين تظنوا أنفسكم ذاهبون ؟
فأجابوا باستغراب : الى بيوتنا !
- لا طبعاً ..انتم الآن أصبحتم ضمن فريقي .. ومن الغد صباحاً سنبدأ التمارين المُكثّفة , فنحن اصلاً متأخّرون على موعد العرض الأول للمسرحيّة
جوزيف : اذاً غداً نأتي باكراً..
المخرج بحزم : لا !! لن أجازف في ذلك .. لهذا ستذهبون معي الى استديوهاتنا للمبيت هناك , فعلينا تسجيل مقاطع غنائية لكل واحدٍ منكم لنستخدمها لاحقاً بالمسرحية .. اما عن أهاليكم , فسأتصل بهم بنفسي لأطمّئنهم عنكم 
فقال أحد الشباب : ولما كل هذا التعب ؟ نتصلّ نحن بهم ونخبرهم...  

المخرج مقاطعاً بعصبية : الا تفهمون الكلام ؟!! هذه مسرحية مهمّة جداً لهذا ستبقى سرّية الى يوم الإفتتاح , فأنا لن أغامر بإرسالكم الى بيوتكم لتخبروا الجميع بما حصل معكم هذه الليلة
جوزيف باستغراب : مابك يا رجل ؟! سنخبرهم فقط اننا نجحنا بتجارب الأداء , فنحن أساساً لا نعلم بعد ماهو موضوع المسرحيّة! 
فوافقه الجميع قائلين : هذا صحيح
فاقترب المخرج من جوزيف بعد ان أزال نظارته السوداء لتظهر عيونه الحادّة , قائلاً له بحزم : 
- هذه آخر مرّة أسمح لك او لأيّ أحدٍ منكم ان يكّلمني بقلّة احترام .. أسمعت ؟!!
جوزيف بدهشة : انا لم أقل شيئاً ! كنت فقط..
فوضع المخرج أصبعه على فمه , ليُفهم جوزيف بأن عليه السكوت حالاً 

ثم قال لمساعديه : خذا منهم الهواتف , والحواسيب ان وجدت
فعاد جوزيف ليعترض : لما كل هذا الحرص من أجل مسرحيّة ؟!
فصرخ المخرج عليه بغضب : كلمة أخرى يا جوزيف وستخسر بطولة المسرحيّة , وكذلك الشهرة التي لن تحلم بمثلها في حياتك .. فإيّاك ان تعارضني ثانية .. مفهوم !! 

فخاف الجميع بما فيهم جوزيف من قساوة المخرج الغير مبرّرة ! لذلك خضعوا أراديّاً لطلباته خوفاً على مستقبلهم الموسيقي , وأعطوا مساعديه جوّالتهم وحواسيبهم .. 

ومن ثم ركبوا سيارات بزجاجاتٍ سوداء تمنعهم من رؤية الشارع , برفقة حرسٍ مدجّجين بالسلاح والذين منعوهم من فتح النوافذ .. 
وانطلقوا جميعاً نحو استديو سرّي , وقلوبهم تنبض بشدّة من غموض الموقف الذي تورّطوا فيه !
***

وحين وصلوا الى هناك ..نزلوا ادراجاً كثيرة الى ان وصلوا الى صالة كبيرة , بها العديد من الأبواب !
فأخبرهم مساعد المخرج (وهو نفسه الرجل الذي اختار جوزيف من الكنيسة) : 
- المخرج ذهب ليستريح في بيته وسيلقاكم غداً صباحاً ..والى ذلك الحين , إرتاحوا في غرفكم
فسألته إحدى الفتيات : أيّة غرف ؟!
فأجابها : كل باب يحوي غرفة نوم من سريرين وحمامٌ خاص ..وستجدون اسمائكم على الأبواب  
أحد الشباب : وماذا عن أغراضنا ؟
مساعد المخرج : لا تقلقوا , ستجدون ما تحتاجونه بالداخل
ثم ذهب , بعد أن أغلق الباب الرئيسي خلفه .. 

واقترب الجميع من الأبواب ليجدوا إسمين منهما على كل باب , حيث كانت غرف البنات بعيدة عن غرف الشباب .. وحين فتحوا الأبواب وجدوا ثياب نوم لكل واحدٍ منهم بالإضافة لفرش الأسنان.. والغريب ان مقاس البيجامات تناسبهم ! فبدأوا بتغير ملابسهم .. 

وحين لبس أسمن الشباب ثياب نومه , قال لصديقه : 
- طالما ان مقاس بيجامتي صحيحاً , فهذا يعني انهم اختاروني منذ البداية , فلما أتعبوني إذاً بامتحانهم المريب ؟! 
زميله بالغرفة : معك حق ! أساساً لم يرسب أحداً منّا , كلّ ما فعلوه انهم اختاروا من ضمننا بطل وبطلة المسرحيّة 
***

وفي الغرفة الثانية ..لم يرضى جوزيف ان يستلقي على سريره , كما فعل زميله الذي قال له :
- يا بطل المسرحية .. هيا إلبس بيجامتك ونمّ قليلاً , فغداً لدينا عملٌ مُرهق 
جوزيف بقلق : لست مرتاحاً لهذا المكان ! .. ثم بأيّ حقّ يجبرونا على المبيت هنا دون أخذ رأينا في الموضوع ؟!
- لا تقلق , فهم سيتصلون بأهالينا .. الم تضع رقم هاتف منزلك في الأوراق الرسميّة التي طلبوها لتجارب الأداء ؟
جوزيف بنبرةٍ حزينة : أساساً انا أعيش لوحدي , فوالدايّ متوفيان منذ الصغر
- آسف لسماع ذلك ... (ثم يسكت قليلا).. اذاً لما انت متضايق , طالما لا يوجد من يقلق على غيابك ؟  
فتغيّرت ملامح جوزيف بعد ان ضايقه كلام زميله الذي أسرع معتذراً : 
- آسف , لم أقصد ذلك
- بكل الأحوال , لن أبقى هنا 
وأخذ جوزيف معطفه وخرج من الغرفة .. فلحقه زميله :
- يا مجنون !! لا تفوّت فرصة عمرك 

لكنه تفاجأ بالباب الرئيسي مقفولاً من الخارج ! فبدأ يطرق الأبواب بهستيريا :
- هاى .. افتحوا الأبواب !! انا لا اريد البقاء هنا !!
وخرج الجميع من غرفهم ليعرفوا سبب الضوضاء , ليروا جوزيف وهو يحاول خلع الباب .. فحاولوا إقناعه بالإنتظار الى الغد ..لكنه التفت اليهم غاضباً :
- يا أغبياء !! نحن مسجونين هنا .. الا تخافون ان يكونوا اعتقلونا لأسبابٍ أخرى غير تلك المسرحيّة اللعينة ؟!!
زميله بقلق : وماذا تظن يريدون منّا ؟!
جوزيف : من يعرف .. ربما يخطّطون لتخديرنا ونحن نيام , ليسرقوا أعضائنا

فشهقت البنات برعب ! لكن الشباب استنكروا أفكاره المخيفة..
أحد الشباب مُعاتباً : أهدأ يا رجل .. انت تضخّم الموضوع وتخيف البنات
شابٌ آخر : معه حق .. فالمخرج أخذ هواتفنا وأقفل الباب علينا , خوفاً من ان نفضح موضوع المسرحيّة .. هذا كل شيء
جوزيف بعصبية : حتى أهم أفلام الهوليوود لم تأخذ كل هذه الحيطة , فكيف بمسرحيّةٍ غنائيةٍ تافهة ؟!

وهنا ! سمعوا المخرج يقول من مكبّر الصوت المعلّق في سقف الصالة :
- جوزيف !! إهدأ يا ولد  
فتجمّد الجميع في أماكنهم , بما فيهم جوزيف !
ثم تابع المخرج كلامه : 
- توجد كاميرات في كل غرفة , وسيراقبكم مساعديني حتى الصباح , فلا داعي لتفكيركم السلبي .. فغداً ستعرفون أهميّة هذه المسرحيّة , وتفهمون سبب حرصي الزائد عليكم .. والآن اذهبوا الى غرفكم وناموا جيداً .. هيا جوزيف لا تعاند , إذهب الى غرفتك ..فأنت بالذات لديك عملٌ كثير بالغد

فرضخ جوزيف للوضع , بعد ان رأى الجميع مقتنعاً بكلام المخرج ..لكن شكوكه ظلّت تراوده طوال الليل , الى ان نام من شدّة التعب 
***

وفي الصباح .. أيقظه زميله قبل قدوم المخرج ومساعديه ..
وبعد ان تجهّز الجميع .. وصل المخرج على الموعد المحدّد , وأخذهم الى مكانٍ آخر داخل هذا الإستديو الضخم , حيث وجدوا في إحدى طوابقه : صالة كبيرة بها مائدة ضخمة وعليها العديد من أطباق الطعام .. فتناولوا فطورهم بسعادة , حيث ان منهم من لم يتذوق أصنافاً لذيذة كهذه طوال حياته ..

وهنا شعر جوزيف وبقيّة الفرقة بأن المسرحيّة التي سيؤدّونها بالغة الأهميّة , بعد رؤيتهم لتكاليف التي صُرفت على إفطارهم الفخم .. فهدأت شكوك جوزيف قليلاً , وبدأ يتعوّد على وضعه الجديد
***

ومرّت أسابيع من التدريبات الشاقة على المسرح وفي الإستديو , حيث كان يتمّ نقلهم بين المكانين بالسيارات مُظلّلة النوافذ , لهذا لم يعرفوا بالضبط مكان الإستديو الضخم , وان كانوا يعرفون سابقاً مكان المسرح الذي قدّموا فيه إمتحانات الأداء
*** 

وفي أحد الأيام .. دخل جوزيف غرفته (بالإستديو السرّي) متضايقاً , فسأله زميله :
- مابك ؟
جوزيف : بأيّ لغة كُتبت الأغنية التي طلبوا مني غنائها اليوم ؟! فأنا لم أفهم منها أيّةِ كلمة !
- ربما هي باللغة الإيطالية 
- لا ..فأنا سمعت هذه اللغة من قبل , لكن لغة الأغنية تبدو قديمةً جداً وكأنها من عالمٍ آخر !
- لا تبالغ يا جوزيف , فهل انت على إطلاع بلغات العالم ؟
- معك حق .. المشكلة انها صعبة الحفظ
- حاول , فهو مقطعٌ صغير 
جوزيف بضيق : أظنني سأسهر عليها الليلة , فغداً يريدني المخرج ان أسجّلها في الإستديو
- بالتوفيق اذاً

وسهر جوزيف الليل كلّه بالصالة بينما أصدقائه نيّام , محاولاً حفظ المقطع الصعب ..
***

وفي مكانٍ آخر .. كان المخرج ومساعده يراقبان جوزيف من كاميرا المراقبة.. 
المساعد : هآقد اندمج أخيراً مع الفرقة , وبدأ يأخذ الموضوع بجدّية
المخرج : جيد , هذا يعني اننا اقتربنا من الهدف
وابتسما لبعضها بمكر !
***

في اليوم التالي , على المسرح ..
عاد جوزيف ينقر على مكبّر الصوت : 
- ( (test-test– هل تسمعني الآن ؟..أفّ سيدي , لما لا تغيّره فهو قديم ؟ فمن غير المعقول ان نجرّبه كل مرة قبل ان نغني ! 
فأجابه المخرج بغموض : إحمد ربك عليه ..فلولا مكبّر الصوت هذا , لما حصلت على دور البطولة
فنظر جوزيف الى اصدقائه باستغراب , وهم بادلوه نفس النظرات لأن كلام المخرج لم يكن منطقيّاً ! ومع هذا أكمل جوزيف غناء مقطعه .. 

ولأوّل مرة لاحظ الجميع فرح المخرج من إتقان جوزيف لكلمات الأغنية الصعبة , حيث وقف يصفّق له : 
- برافو برافو !! أحسنت .. الآن أصبحت مهيّئاً لدور البطولة 
فأحسّ جوزيف بالفخر ..
***

في غرفة الإستديو السرّية .. إقتربت بطلة المسرحيّة (جسيكا) من كاميرا الصالة لتقول :
- سيدي .. اليوم هو يوم عملية والدي , فهو ينتظر منذ شهرين تغير كليته .. فهل تسمح لي بالذهاب الى المستشفى لزيارته ؟ 
فظهر صوت المخرج وهو يجيبها بحزم  : لا !! فغداً يوماً مهماً لك 
جسيكا برجاء : صدّقني لن أتكلّم معه عن المسرحيّة , أساساً سيكون والدي مخدّراً ..وهو كل ما تبقى لي من عائلتي , ويحتاجني اليوم لأكون معه
المخرج صارخاً من مكبّر الصوت : 
- قلت لا !! الا تفهمين ؟ إذهبي فوراً الى غرفتك ونامي 
فذهبت باكية , وسط صدمة الجميع من رفض المخرج لطلبها الإنسانيّ ! 

وكان جوزيف أكثرهم ضيقاً , حيث قال لزميله داخل غرفتهما :
- بأيّ حق يمنع المسكينة من زيارة والدها ؟!
فهمس له زميله بقلق : إخفض صوتك , فهو يستمع الينا من الكاميرات
فصرخ جوزيف بغضب : اللعنة عليه , وعلى مسرحيته التافهة !! أساساً نحن نؤدي المقاطع بلغةٍ غريبة دون ان نفهم ماهيّة المسرحيّة وعن ماذا تتحدّث , فلما كل هذا الحرص ؟ 
- أهدأ يا جوزيف 
- لا اريد أن أهدأ .. فقد ضيعنا الكثير من وقتنا ونحن نغني تلك التراتيل المخيفة
صديقه باستغراب : مخيفة ؟!
- نعم .. الا تشعر ان لحنها مرعب ؟! حتى أحياناً أشعر بنبضات قلبي تتسارع كلما اقتربت من ذلك المكبّر الصوت المعطّل السخيف

وهنا ظهر صوت المخرج من كاميرا الغرفة : 
- جوزيف !! نمّ الآن .. وغداً سأُجيبك عن كل الأسئلة التي تدور في رأسك
فقال جوزيف متحديّاً المخرج , وهو يقترب من الكاميرا : 
- حسناً !! غداً أريد معرفة كل شيء , والاّ أحلف انني سأكسر الباب الخارجي , وأتوجّه مباشرةً الى الشرطة للتبليغ عنك وعن مساعديك
فسكت المخرج قليلاً , قبل ان يقول :
- في الغد ... ستتغيّر أشياءٌ كثيرة .. أحلامٌ سعيدة

وقد أقلقه جواب المخرج الغامض ! وجعله يفكّر : 
جوزيف : ((ماذا يقصد بأنه سيتغيّر الوضع غداً ؟! هل يقصد إنه سيسحب مني بطولة المسرحيّة ؟ .. لا مستحيل .. فأنا الوحيد الذي حفظ تلك المقاطع الغريبة , ولا أظنه سيضيّع الوقت لكيّ يحفظها شخصٌ غيري ..حسناً لأنمّ قليلاً , وسنرى بالغد ما سيقوله ذلك الأحمق المتعجرف !!))
*** 

وفي اليوم التالي .. أخبر المخرج جسيكا بأن والدها بخير , وأن عمليته الجراحية نجحت لكنه بالعناية المركّزة ولن يخرجوه من هناك قبل أسبوع , وهو الوقت الكافي لإنهاء التمرينات وعودتهم جميعاً الى بيوتهم .. فرضخت الفتاة للبقاء رغماً عنها , لأنها فكّرت بأن المال الذي ستحصل عليه من المسرحيّة سيغطي تكاليف عمليته .. 

ومرّ يوم التمرينات بشكلٍ عادي , وجوزيف ما زال يتساءل بنفسه:  
((لم يتغيّر شيء كما أخبرني المخرج ! فهل كان يكذب عليّ البارحة كيّ أهدأ ؟!.. سأنتظر حتى المساء , وان لم يُجيبني على كل أسئلتي , فسأقلب الدنيا عليه !!))
***

وعصراً .. أحسّ الجميع بالتعب , وتوجّهوا طواعيةً للنوم في غرفهم ..
جوزيف وهو يتثاءب : مع إني بالعادة لا أنام في هذا الوقت !
زميله وهو يستلقي على سريره بتعب : وانا ايضاً , لكن تمارين اليوم كانت متعبة , كما ان طعام الغداء كان دسماً للغاية
جوزيف بإرهاق : نعم نعم , ربما الطعام هو السبب !
وناموا جميعاً..
***

في غرفة المراقبة .. قال المخرج لمساعده :
- جيد انك وضعت المنوّم في طعامهم , فنحن نحتاجهم نشيطين في المساء
مساعده : ستكون ليلةً طويلة
فيغمزه المخرج : بل قلّ .. ليلة العمر
وضحكا بمكر..
***

في المساء .. قدِمَ المخرج الى الإستديو بعد ان استيقظوا من نومهم 
- هل انهيتم عشائكم ؟
الشباب : نعم !!
إحدى الفتيات : نأسف لأننا نمنا العصر , لكننا نشطون الآن
المخرج : جيد , فعملنا يبدأ منذ الآن .. هيا ورائي !!

وفتح لهم باب القبو لأوّل مرة , والذي به أدراجاً مظلمة نحو الأسفل
جوزيف : انه مظلمٌ للغاية ! اليس به انوار ؟
المخرج : لا , ولهذا سنستخدم المشاعل
الجميع بدهشة : مشاعل !
وأضاء مساعداه المشاعل الناريّة , حيث أعطيا لكل صبيةٍ وشاب شعلةً ليحملها أثناء نزوله الأدراج المعتمة..  
المخرج وهو يتقدّمهم بالنزول : 
- لا تخافوا !! فالمشاعل سنستخدمها لاحقاً بالمسرحيّة , المهم ان لا توقعوها أرضاً وتُسبّبوا حريقاً في المكان .. هيا إتّبعوا خطواتي 
وبدأوا ينزلون خلفه بحرص على الأدراج المتهالكة.. 

وأمضوا قرابة الساعة , وهم مازالوا ينزلون ادراجاً لا نهاية لها نحو المجهول المظلم في الأسفل !
وبدأ القلق يسري في نفوسهم , خاصة الفتيات اللآتي بدأن يخفنّ من وحشة المكان ! حيث رفضت إحداهنّ إكمال الطريق ..
فصرخ عليها المخرج غاضباً : هذا ليس وقت الدلال !! فالجميع ينتظرنا 
فسأله أحد الشباب بقلق : ومن هناك في الأسفل ؟!
المخرج بعصبية : الجمهور يا غبي !! من تظن إذاً ؟!
جوزيف باستغراب : وهل سنقيم المسرحيّة الآن ؟!
المخرج : نعم .. وهناك مسرحٌ ضخم في الأسفل , وهو ممتلىء بالمشاهدين
أحد الشباب مستفسراً : ظننت اننا سنقيم المسرحية بنفس المسرح الذي نتدرّب فيه كل يوم ؟
المخرج : لا , فالمسرح السفلي أكبر وأجمل بكثير
جسيكا بقلق : ليتك فقط أخبرتنا بموعد الإفتتاح كيّ نتدرّب أكثر !
جوزيف بقلق : وانا نسيت كلمات أغنيتي في الغرفة
المخرج مُطمئناً : لا تقلقوا , فأنا راقبتكم جيداً خلال الشهور الثلاثة وجميعكم مستعدّون للمسرحيّة .. فهيا بنا نسرع الخطى , فمازال عليكم لبس الثياب الخاصّة بالمسرحيّة وهي موجودة في غرفة الملابس خلف المسرح..
***

ووصلوا أخيراً الى هناك .. ولبسوا ثيابهم الحمراء بقبّعاتها المخروطية ..اما البطل جوزيف والبطلة جسيكا فلبسا رداءاتٍ سوداء .. وصعدوا بعض الدرجات للوصول الى مسرحٍ مُهيب مبني على الطراز القديم !
وما ان إنفتح الستار , حتى تفاجئوا بالجمهور الغفير الذين لبسوا جميعاً رداءاتٍ تُشبه التي يلبسونها لكنها بيضاء مع قبعاتٍ مخروطية , بالإضافة الى أقنعة تغطي وجوههم , فيما عدا أعينهم!  
فهمس جوزيف للمخرج الذي كان خلف الستار : 
- لما يُخفي الجمهور نفسه ؟!
فقال له المخرج بصوتٍ منخفض : لأنها حفلة خاصة بكبار المسؤولين بالبلد .. فهيّا تقدّم نحو مكبّر الصوت وابدأ الغناء
وهنا ! ارتفع صوت الموسيقى من الفرقة العازفة الموجودة تحت المسرح , والذين كانوا ايضاً مقنعيّ الوجه !

لكن قبل ان يتقدّم جوزيف للأمام , لاحظ نفس مكبّر الصوت القديم في مقدمة المسرح .. فهمس للمخرج بضيق : 
- لا تقلّ انك جلبت نفس مكبّر الصوت المعطّل ؟!
فأجابه المخرج بصوتٍ منخفض : لا تقلق فهو سيعمل هذه المرة , لأن وظيفته انتهت
جوزيف بدهشة : أيّة وظيفة ؟! 
المخرج : وظيفة إختياره لأفضل الأصوات لدور البطولة .. باختصار هو مكبّر صوت مميزٌ جداً .. تقدِمَة من شخصٍ مهم .. والآن تقدّم للأمام , فالجميع ينتظرك 

وابتدأت المسرحيّة .. وبدأ الجميع يغني كلاً بدوره .. وجاء دور جوزيف الذي تفاجأ بنفسه وهو يغني كلمات الأغنية الغير مفهومة بسلاسةٍ وطلاقة .. والأغرب ان مكبّر الصوت أظهر صدىً جميل , بحيث صدح صوته في كل أرجاء المسرح !
فقال جوزيف في نفسه : ((يبدو ان وجود المسرح في عمق الأرض زاد من قوّة صوتي ! كم انا فخورٍ بنفسي الآن))
***

وبعد انتهاء المسرحيّة , صفّق الجمهور لهم بحرارة .. 
لكن فجأة ! إرتفعت شعلات نارٍ عملاقة في كل جانب من المسرح .. ومن ثم خرج عرشٌ مُهيب من تحت الأرض في مقدمة الجمهور , وكان يجلس عليه رجلٌ مقنّع وهو يصفّق للمغنيين..
وما ان رأوه الجمهور , حتى سجدوا له جميعاً ..وسط دهشة أبطال المسرحيّة ! 
فتساءل جوزيف في نفسه : ((هل هو رئيس البلاد ؟! .. حتى ولوّ كان , فمنذ متى نسجد لرئيس دولتنا ؟!))

وهنا قاطع تفكيره صوت ذلك الرئيس المقنّع الذي قال بصوتٍ جهوري للمخرج الذي خرج من خلف الستار : 
- أحسنت يا جاك .. فأنت دائماً تُحضر لي أفضل المغنيين
المخرج جاك وهو مطأطأ الرأس : هذا واجبي سيدي .. وقد اخترت البطل جوزيف من جوقة الكنيسة
فضحك الرئيس قائلاً : يا لك من ملعون .. كل سنة تفاجأني بإبداعاتك ! 

ثم توجّه بالسؤال لجوزيف : 
- وانت ايها الشاب !! ما هو شعورك بعد ان كنت تُغني للربّ..  
((وأزال القناع عن وجهه بعد ان رمى الرداء عن جسمه , ليظهر خلفهُ مخلوقاً مخيفاً بجلده الأحمر وقرنيه الضخمين وذيله الطويل .. والذي أكمل كلامه قائلاً لجوزيف)) :
- أن تغني الآن لإبليس المعظّم !! 

فأغمى على بعض الصبايا من هول الموقف , خاصةً بعد ان قامت الفرقة الموسيقية بإزالة الأقنعة عن وجوهها لتظهر خلفها الشياطين المرعبة .. كما أزال الجمهور أقنعته ليتبين بأنهم كبار المسؤولين في الدولة ! 

فصرخ جوزيف على المخرج وهو يرتجف من شدة الرعب : 
- ايها اللعين !! من قال لك انني أقبل ان أغني للماسون ؟!! 
فردّ المخرج بمكر : لقد غنيّت لنا وانتهى الأمر
ثم قال ابليس لجوزيف مُبتسماً : وغنيت بلغة الشياطين , وبكل براعة ! 

فصار الشباب والصبايا يبكون وهم يتوسّلون للمخرج ان يخرجهم من هذا المكان المرعب !  
فصرخ ابليس عليهم :
- والى اين تريدون الهرب ؟!! فالحفلة لم تبدأ بعد .. لأن بطلكم سيُكمل الغناء , بينما شياطيني تحرقكم الواحد تلوّ الآخر كقرابين لي

فحاول الشباب المرتعبين القفز خلف المسرح للعودة من حيث أتوا , لكن الحرس الشياطين إستطاعوا الإمساك بهم .. 

وهنا شاهد الجميع البطلة جسيكا وهم يقبضون عليها ويربطونها بسريرٍ رخامي قرب عرش ابليس , وهي تنتفض وتصرخ محاولةً الهرب .. 
فقال لها ابليس : مع ان صوتك جميل , لكنني أخترتك لتكوني اول قربانٍ لي من بين اصدقائك.. 
ثم صرخ بصوتٍ مهيب لجوزيف : 
- وانت !! إكمل الغناء , قبل ان يأتي دورك 

وباكياً أكمل جوزيف الغناء , وهو يتابع رؤية اصدقائه وهم يحرقون الواحد تلوّ الآخر أحياءً .. الى ان جاء دوره , واختفى صراخه هو ايضاً بين النيران !

وهنا قال ابليس للمخرج : في المرة القادمة إخترهم جميعاً من النّسوة فأصواتهنّ تعجبني أكثر .. كما لا تنسى ان تحافظ على مكبّر الصوت الخاص بي , فهو دقيق باختيار القرابين لي 
المخرج : بالتأكيد !! فأنا لا أعمل من دونه , سيدي

ثم قال ابليس بصوته الجهوريّ للجمهور : 
- وهآقد إنتهى الحفل ..ألقاكم السنة المقبلة
ثم اختفى عرشه تحت الأرض , والجميع سجوداً له ! 

الاثنين، 16 يوليو 2018

زواج القُصّر

كتابة : امل شانوحة

 أعيدوا لي طفولتي !!

أحمد بدهشة : هل جننت ؟ ابنتك في الثامنة من العمر !
والد الفتاة : أصبحت في التاسعة , وزوجتي أخبرتني أنها بلغت الأسبوع الماضي وهذا يكفي لتزويجها
- إتقي الله يا رجل , مازالت طفلة !
- وما دخلك انت ؟ فلوّ كنت تزوجت وأنجبت البنات لأحسسّت بثقل همّهنّ .. والآن أعذرني .. عليّ الذهاب للعريس لتفاوض معه..

صديقه أحمد مقاطعاً : لحظة ! من هو العريس ؟
- الحاج عبد الله حسين
- ماذا ! انه أكبر مني ومنك  
الأب : وما المشكلة , طالما سيدفع لي مهراً جيداً
- إنتظر قليلاً .. وكم سيدفع لك ذلك العجوز الهرم ؟
- ثمناً يكفي لشراء منزلٍ جديد 
صديقه : وما رأيك بمنزلي في الجبل ؟ الم يكن يعجبك ؟ 
- نعم كثيراً , لكن ما دخل منزلك بالموضوع ؟
- سيكون مهر ابنتك ان زوّجتها لي

فضحك الأب ملء شدقيه , ثم قال :
- قلّ انك تريدها منذ البداية , بدل ان تضيع وقتي بنصائحٍ لا لزوم لها
- والآن علمت بنيّتي تجاه الصغيرة , فماذا قلت ؟
ففكّر الأب قليلاً , ثم قال :
- حسناً .. غداً صباحاً تُسجّل بيتك بإسمي .. وفي المساء يُقام عرسكما , ايها الصهر العزيز
- إتفقنا
***

وبعد ان أخبر زوجته بموعد عرس ابنته القريب , قامت بدعوة الأقارب لحفلة الحنّاء مساءً , وهي سعيدة بالتخلّص من ابنة ضرّتها التي توفيت قبل سنوات تاركة (سمر) بعمر الثالثة ..

وقد تجمّعت النّسوة في بيتها لتقديم الهدايا للعروس الصغيرة التي مازالت لم تفهم سبب إهتمامهنّ المُفاجىء بها !
لكنها مع هذا شعرت بحزن بعضهنّ على نصيبها الغير موفّق .. رغم ان (أحمد عليّ) هو مجبّرٌ بارع في منطقتهم , الا انه يبقى في عمر والدها 
***

بعد انتهاء الحفل .. جلست سمر في غرفتها وهي سعيدة بالملابس الجديدة التي أهدوها إيّاها النّسوة ..
فدخلت عليها زوجة والدها وهي تقول لها :
- سمر !! تعالي واجلسي بقربي , فعليّ تعليمك بعض الأمور المهمّة

وبعد مضيّ ساعتين من حديث البالغين , لم يزلّ عقل الصغيرة لم يستوعب ما سمعه ! .. كلّ ما فهمته هو إنها لن تذهب الى المدرسة بعد اليوم , وبأن عليها القيام بأعمال المنزل لرجلٍ غريب ! ممّا أحزنها كثيراً , فرغم قساوة والدها الا انها لا ترغب بالإبتعاد عنه والعيش في منزلٍ جديد , كما انها تحب مدرستها وصديقاتها التي لم يمهلوها الوقت لتوديعهنّ !

فجلست سمر تبكي بحسرة , فظنّت زوجة والدها انها فهمت ما ينتظرها ليلة الغد .. وتركتها في غرفتها بعد ان قالت لها بلؤم :
- غداً سنقلب غرفتك الى غرفة جلوس , وسنتخلّص من سريرك.. لذا لا تظنّي للحظة أنك ستعودين الى هنا .. يعني من منزل زوجك الى قبرك .. أفهمتي ؟!!
***

وأمضت سمر الليل كلّه وهي تبكي بقهر , وتشكي حالها الى خيال امها في الصورة الوحيدة التي تملكها لها :
- ليتك يا امي أخذتني معك , فهم ينوون قتلي غداً .. آه يا الهي ساعدني .. كم أتمنى ان أنام ولا أصحى ابداً
***

في الصباح .. إستيقظت سمر لتجد زوجة والدها في غرفتها ترمي اغراضها داخل صندوق , بما فيهم العابها وحقيبتها المدرسية
فصرخت سمر بفزع : ماذا تفعلين ؟! هذه أغراضي !!
فابتسمت لها بمكر : اليوم أصبحتي فتاةٌ كبيرة , لذا سأرمي كل هذه الأغراض الطفوليّة السخيفة 

فقفزت سمر من سريرها مُحاولةً منعها , لكن دون فائدة .. فقد حكموا عليها بأن تودّع طفولتها للأبد !
وظلّت تبكي كثيراً , خاصة على لعبة القماش التي خاطتها لها امها حين كانت طفلة , وهي الذكرى الوحيدة منها 
***

وظهراً .. عاد والد سمر فرحاً بورقة تمليك بيت الجبل بإسمه , ومن بعدها بدأت تجهيزات العرس تجري على قدمٍ وساق .. وقامت نسّوة المنطقة بمساعدة زوجة الأب بكل ما يلزم .. بينما قامت عجوز بإخاطة فستان أبيض لسمر من أمتارٍ قليلة من القماش لقصر قامتها .. 

ومرّ الوقت بطيئاً على سمر , كانت فيه الأحداث تمرّ امامها كفيلمٍ بالحركة البطيئة ! فكل النسّوة من حولها يتراقصون بفرح , وزغاريدهنّ أشبه بطلقات رصاص تخرق روحها الهشّة .. وكل ما كانت تسمعه في هذه اللحظات هو نبضات قلبها التي علت على صوت الدفوف .. 

وبعد ان ألبسوها فستان الفرح ووضعوا الوان الزينة على وجهها لم تتعرّف سمر على نفسها بالمرآة حيث بدت كشبحٍ مُبهرج أكثر من عروس في ليلة عمرها ! 
وأجلسوها فوق الكوشة لتتأمّل من هناك نظرات صديقاتها الحزينة وهنّ يرونّ زميلتهنّ المتفوقة بالمدرسة تتركهنّ لتنتقل مع زوجها الى مدينته البعيدة !  
 ***

وفجأة ! علت صوت الأغاني والزغاريد بدخول العريس .. 
- انه العم أحمد !
قالتها سمر في نفسها باستغراب : 
- انه صديق والدي ..عمي الذي كان يلاعبني حين كنت صغيرة .. هل هو العريس فعلاً ؟ ام هو والد العريس ؟! لا العم احمد ليس لديه اولاد .. هذا لا يعقل ! .. كنت أحترمه كوالدي , فكيف سأصبح زوجته الآن ؟! .. والله حرام
ودون وعيٍّ منها , حاولت سمر الهرب من الكوشة .. 

الاّ ان زوجة والدها التي كانت تجلس قربها , أمسكت بيدها بقوّة حتى كادت ان تكسرها .. وهمست لها بلؤم :
- إجلسي فوراً !! قبل ان أصفعك امام الجميع
فجلست سمر من جديد وهي ترتجف بخوف .. 

وما ان جلس العريس بجانبها حتى شعر بخوف الصغيرة منه , لكن لم يكن بإمكانه فعل شيء لطمأنتها بوجود تلك النّسوة حولهما ..
***

وانتهى العرس .. وجلست سمر في سيارة العريس , وهي مازالت تنظر الى والدها من بعيد بعيونٍ دامعة وكأنها تترجّاه : 
((ابي , لا تبعدني عنك .. خذني اليك .. لا تجعلني أذهب معه , ارجوك))
لكن والدها كان مشغولاً بإطلاق النار من رشّاشه فرحاً بتزويج ابنته ..
***

وظلّت الصغيرة تراقب بيتها الذي فيه ذكريات والدتها والذي كان يبتعد عنها شيئاً فشيئاً , حتى اختفى مع اختفاء صوت زغاريد النساء وتوقف طلقات العرس !

وعمّ السكوت داخل السيارة .. والعريس الشائب مازال يقود بهدوءٍ أرعبها ..لكنه حين تأكّد من ابتعادهما عن الجميع , قال لها : 
- سمر .. إفتحي الصندوق الذي أمامك .. هيا لا تخافي , إفتحيه
ففتحه لتجد كيساً مليئاً بالحلوى التي كان يشتريها لها قبل سنوات , فهو مازال يذكر الحلويات التي تحبها
وللحظة نست خوفها وأخذت تأكل الحلويات بنهمٍّ كأيّةِ طفلة في مثل عمرها ..وبدوره ابتسم لها بحنان الأبوّة 
***

ووصلا بعد ساعات الى قريته التي لم يُخبر فيها أحد بزواجه , لأنه لم يردّ عرساً آخر .. 
ونزل أحمد من سيارته باتجاه بيته , ليلاحظ تجمّد سمر في مكانها بعد ان عاد لها الخوف من جديد ! 
فناداها قائلاً : 
- انزلي يا سمر , ففي الداخل شيءٌ سيعجبك .. هيا تعالي 
ولم يكن امامها الا ان تطيع اوامره .. فنزلت اليه بخطىً متثاقلة ..

وبعد ان أنار اضواء المنزل .. فتح لها باباً فيه غرفة نومٍ زهريّة تناسب عمرها .. فنظرت اليها بدهشة ! لأن غرفتها كانت عبارة عن سريرٍ صدىء وخزانةٍ قديمة .. لكن هذه الغرفة تشبه غرف الأميرات في الرسوم المتحركة !
وقال لها : لقد اشتريتها هذا الصباح , ستكون هذه غرفتك
فأسرعت تسأله :
- وانت ؟!
فأشار الى الغرفة المجاورة :
- تلك ستكون غرفتي 
فقالت بدهشة وفرح : أحقاً ! هذه غرفتي وحدي
- نعم .. ولتطمئني أكثر اشتريت لك هذا القفل ..وحين تنامين , إقفلي الباب على نفسك

الصغيرة بارتباك : لكن زوجة ابي أخبرتني عن أشياء... 
فقال مقاطعاً : إنسي كل ما قالته لك .. واسمعيني جيداً يا سمر .. كل ما أطلبه منك هو ان لا تخبري أحداً بما يحصل داخل هذا البيت .. فهذه حياتنا ولا دخل لأحدٍ فيها , حتى والدك
- لكنهم أخبروني انهم سيزوروني غداً صباحاً
العريس : نعم أعرف , دعيني أتكلّم معهم .. ومهما سألوك , إلتزمي الصمت
سمر : فهمت ..

العريس : والآن سأخرج لأجلب العشاء , بعد ان أُحضر حقائبك من السيارة .. وانت عليك إدخالها الى غرفتك , ومن ثم ترتّبي ملابسك في الخزانة الى ان أعود
سمر : حاضر عم احمد .. (بارتباك) ..أقصد.. 
العريس مبتسماً : لا بأس , ناديني عمّ احمد ..لكن ليس أمام الناس ..مفهوم 
- حاضر 
- وسأحضر معي المثلّجات ايضاً .. انت تحبين الفراولة على ما أذكر 
سمر بحماس : نعم !! الفراولة بالمكسّرات
- كما تشائين يا أميرتي الصغيرة
فابتسمت الطفلة بارتياح بعد ان أحسّت بحنانه الأبويّ التي إفتقدته مع والدها القاسي

***
وبعد العشاء .. أمضت سمر ليلتها الأولى في غرفتها الزهريّة وهي سعيدة بنعومة سريرها , مُحتضنةً لعبتها الكبيرة التي وجدتها داخل خزانتها , كهديّة من العم احمد .. ونامت بارتياح , بعد ان أقفلت بابها جيداً .
***  

في صباح اليوم التالي .. إستيقظت سمر على صوت زوجة والدها وهي تصرّ على دخول غرفة النوم لرؤية العروس (دون ان تعلم بأن لسمر غرفةٍ خاصة )
لكن العريس رفض تماماً ان يدخل أحد الى غرف بيته , وطلب منها ومن زوجها البقاء في الصالة الى حين حضور العروس والتي ما ان دخلت عليهما , حتى استقبلتها زوجة والدها بالأحضان , كتمثيليةٍ سخيفة امام والد سمر الذي كان سعيداً بصهره الجديد ..
وأرادت زوجة والدها الإنفراد معها للحديث عن ليلة البارحة , الا ان العريس رفض ذلك مطلقاً ..وطلب من سمر ان تحضّر لهم الشايّ 
وبعد ذهابها الى المطبخ..

زوجة الأب بعصبية : لا يحقّ لك ان تمنعني من مكالمتها ! فأنا اريد الإطمئنان عليها
العريس بحزم : قلت لكما انها بخير والأمور جرت على ما يرام !! وبصراحة لا احب لأحد ان يتكلّم في خصوصيّاتي 
فقال الأب لزوجته : إتركيه على راحته 
زوجته باعتراض : كنت فقط اريد ان اتأكّد بأنها بخير , ولم تتألّم من ..
العريس مقاطعاً بغضب : لوّ كان حقاً يهمّك أمرها لما زوّجتها بهذا العمر الصغير !!
والد سمر بقلق : ما بك غاضباً يا صهر ؟ هل حدث شيءٌ البارحة ؟!
العريس بعصبية : قلت !! كل شيءٍ على ما يرام .. الا تفهمان ؟! 

ثم نادى العروس بصوتٍ عالي : سمر !! إحضري الشايّ بسرعة , فعائلتك مستعجلة للذهاب
ففهما بأنهما غير مرحبٌ بهما في بيته ! فغضب الأب وخرج من هناك على عجل , ولحقته زوجته.. 

وحين قدمت سمر ومعها الشايّ , سألته بدهشة :
- اين ذهب ابي ؟!
العريس بضيق : ذهب في حال سبيله .. والآن تعالي لنشرب الشايّ وحدنا
***

في سيارة الأب العائد مع زوجته الى قريته :
قال بغضب : لا يحقّ له منعي من الإطمئنان على ابنتي !!
فخافت زوجته ان يغضب من صهره ويحاول إسترداد ابنته , التي لم تصدّق متى تخلّصت منها .. فتظاهرت بالضحك
زوجها باستغراب : ومالذي يضحكك ؟!
- أعتقد انه خاف ان تفضحه ابنتك
- ماذا تقصدين ؟!
فتغمزه زوجته بمكر : أقصد انه في مثل عمرك , وأكيد يعاني من نفس مشاكلك
- آه ! الآن فهمت ..
وضحكا ساخرين من حالته الصحيّة ..
***

وبعد اسبوعين .. فاجأ العم احمد سمر بحقيبةٍ مدرسية جديدة وأقلام ودفاتر
سمر بدهشة : لمن هذه ؟!
- لك طبعاً
سمر : هل سأعود الى المدرسة ؟!
- بالطبع .. وقد قمت بتسجيلك في المدرسة القريبة من هنا
الفتاة بفرح : أحقاً عم احمد ؟!!
- نعم , وستدرسين الى ان تُنهي مرحلة الثانوية
فحضنته كما تحضن الفتاة والدها .. فربت على ظهرها بحنان وهو يقول :
- اريدك ان تكوني الأولى يا سمر , كما كنتي دائماً
سمر بحماس : سأفعل سأفعل !! ..المشكلة انه ضاعت عليّ اسبوعين من الدراسة 
- لا تقلقي فجارتنا مدرّسة , وقد اتفقت مع زوجها ان تعطيك دروساً خصوصية ابتداءاً من اليوم مساءً
- شكراً جزيلاً لك .. لكن..
- لكن ماذا ؟
سمر بقلق : ان عرف والدي بالأمر فسيغضب مني
زوجها بجدّية : سمر .. والدك لا دخل له بك بعد اليوم .. انت زوجتي , وانا اريدك ان تُنهي دراستك .. مفهوم !! 
فأومات برأسها موافقة.. 

زوجها : والآن خذي هذه ايضاً
سمر بدهشة : مريلة !
- نعم إلبسيها لأتأكّد من مقاسها , وان كانت طويلة أرسلها فوراً للخيّاط كيّ تلبسينها مع بداية الأسبوع
فوضعتها على جسمها وهي تقول :
- أظن ان طولها مناسب , لكني سأتأكّد أكثر
وركضت الى غرفتها لتقيس مريلة المدرسة بسعادةٍ غامرة
***

وفي صباح بداية الأسبوع .. طرق أحمد باب غرفتها
- هيا سمر !! ستتأخّرين على المدرسة
ففتحت الباب وهي تلبس ثياب مدرسة ..
- لما لم تصفّفي شعرك ؟!
- لم أعرف ! 
- تعالي اذاً
وبعد ان مشّط شعرها , ذهب الى المطبخ للفّ السندويشات لها ..
- دعني أقوم بذلك
- لا , انت رتّبي شنطتك بسرعة قبل ان نتأخّر على مدرسة

ومن ثم أرسلها الى هناك .. ورغم ان اليوم الأول في مدرستها الجديدة كان غريباً عليها , خاصة بعد ان لاحظت المعلمات وزميلاتها خاتم الزواج في يدها الصغيرة , الا ان سمر استطاعت إثبات نفسها بعد ان شاركت في الفصل , حيث لاحظ الجميع ذكائها 
***

ومرّت الأيام .. كان فيها أحمد يساعد سمر بأعمال المنزل كيّ تتفرّغ لواجباتها المدرسيّة .. وهي بدورها تفوّقت بالدراسة في كل سنة , حتى وصلت للثانوية العامة .. وحينها فقط وصل الخبر الى والدها بأنها تُكمل دراستها , فأتى على عجل مع زوجته لزيارتهما..

وفي الوقت التي كانت تحضّر لهم القهوة , تفاجأت بصوت أحمد يصرخ على أهلها :
- وما دخلكما ؟!!
الأب : هي ابنتي
الزوج بغضب : وهي زوجتي !! وانا أريدها ان تتعلّم 
الأب بعصبية : لم يبقى الاّ ان تجعلها تعمل معك في تجبير الكسور
الزوج بتحدّي : ربما أفعل 
فوقف الأب غاضباً : والله أقتلها ان فعلت !!
فوقف الزوج في وجهه : بل والله اقتلك انت ان اقتربت منها .. أفهمت !!
وهنا ارتعبت الزوجة كثيراً على زوجها , فقالت لوالد سمر : 
- معه حق , فهي زوجته وهو حرٌ فيها .. هيا لنذهب من هنا

ومن بعد هذه الزيارة , قاطع الأب ابنته سمر الى ان أنهت دراستها.. 
***

وفي نهاية السنة الدراسية .. دخلت سمر الى المنزل سعيدة .. 
- عم احمد !! لقد تخرّجت أخيراً من المدرسة , وكنت الثالثة على الدفعة 
فقال لها مُعاتباً : ولما لستِ الأولى ككلّ مرّة ؟
- والله حاولت , لكن.. 
فقاطعها مبتسماً : كنت أمزح معك .. مبروك يا صغيرتي
- وما هي جائزتي ؟
الزوج : أطلبي ما شئتي
فقالت بسعادة : أريد نزهة بالبرّ كالصيفية الماضية 
- لكني لا أعرف الطريق .. فإبن صديقي هو من أخذنا تلك المرة
فقالت بحماس دون ان تنتبه : نعم نعم !! دعّ وليد يأتي معنا

ولأول مرّة لاحظ حماسها ! وتذكّر سعادتها كلما زاره ابن صديقه الجامعي الشاب الوسيم , فعرف بأن قلبها مال له .. فشعر أحمد بالحزن لأنه أدرك بأنه مُقبلٌ على قرارٍ صعب ..

لكن كان عليه اولاً التأكّد من شكوكه .. فذهب مع زوجته برحلة البرّ برفقة صديقه وابنه .. وصار يراقبها من بعيد ليراها وهي تحاول مكالمة الشاب على انفراد والذي رغم خجله من زوجها الا انه كان ايضاً يشعر بانجذاب تجاهها بعد ان أصبحت صبيّة فاتنة ..
*** 

وفي أحد الأيام .. قدِمَ الشاب الى عيادة المجبّر بناءً على طلبه 
- نعم عم احمد , هل طلبتني ؟
- اهلاً وليد .. تعال واجلس بجانبي , اريد ان أكلّمك بموضوعٍ مهم , لكن اولاً عدّني بأن لا تخبر أحداً عنه , حتى والدك
- يبدو انه موضوعٌ خطير !
أحمد : نعم , فأنا سأضع سمعتي كلّها بين يديك
الشاب بدهشة وقلق : لم أفهم !

فحاول أحمد استدراجه بالأسئلة كيّ يعرف شعور الشاب تجاه زوجته .. فتضايق وليد من ذلك , وقال له بندم :
- أعتذر منك .. وأعدك بأن لا أكلّمها ثانية
ففاجئه بسؤاله : هل تحبها ؟
فأجاب بارتباك : نعم ..أقصد لا !! من المستحيل ان أخون ثقتك بي , عمي
- اجلس اجلس .. سأخبرك بسرٍ مهم

وأخبره بأنه تزوجها شفقةً عليها من والدها , وبأنه طوال السنوات التسع التي أمضتها في بيته لم يعاملها الاّ كأبنته.. 
الشاب بدهشة وهو يكتم فرحه : أتقصد انك لم تلمسها ؟!
- مطلقاً , ولن أفعل ذلك ابداً 
- لكن هذا ظلم بحقها , فهي مازالت صبيّة 
أحمد : أعرف هذا ولذلك سألتك ان كنت مهتمّاً لأمرها , كيّ أطلقها وأزوّجها لك
الشاب باستغراب : أحقاً ؟!
- نعم , وسأسألها الليلة عنك ..وإن أحسسّت بحبها لك , فسأطلقها بالحال .. لكن عندي شرط
باهتمام : ماهو ؟
احمد : ان تبقى سمر في بيتي الى ان تُنهي عدّتها ..ثم أكون وكيلها بتزويجها لك .. وكل ذلك سيتمّ بسريةٍ تامة
- ولما السرّية ؟!
احمد بقلق : لأني أخاف ان علم والدها بطلاقها ان يأخذها الى بيته ويبيعها لعجوزٍ آخر , لهذا عليك الإنتظار قليلاً 

ورغم غرابة الوضع ! الا ان شاب قبل بالأمر , وهو مازال محرجاً من أخلاق العم احمد الراقية..
*** 

في ذلك المساء .. أخبر سمر بخطّته , فبكت متأثّرة من حنانه..
أحمد : لا تبكي رجاءً
سمر بحزن : أشعر وكأنني أخونك !
- لا لم تفعلي , فأنت صبيّة وما تشعرين به أمرٌ طبيعي .. ولوّ كان والدك انساناً سويّ لزوجك بعمرك هذا لشاب بعمر وليد.. 
وهي تمسح دموعها : والله لقد عشت معك أجمل سنوات حياتي , وكأن الله عوّضني بك عن والدي القاسي
أحمد : وانا كوالدك عليّ إكمال المهمّة ..فبعد ان أنهيتِ دراستك , عليّ تزويجك من شابٍ صالح .. ووليد أعرفه جيداً وأعرف عائلته , وهو حتماً سيسعدك .. كل ما أريده منك هو أن تكتمي خبر طلاقك عن والدك
- فهمت
ثم تنهّد أحمد بضيق , وقال بتردّد : 
- والآن عليّ إنهاء الرابط الذي يجمعنا .. سمر .. انت طالق 

وما ان سمعت تلك العبارة التي تخشاها كل النّسوة , حتى أسرعت الى غرفتها باكية , فبالرغم انها لم تعامله الا كوالدها الا ان كلمة الطلاق آلمت قلبها .. 
وهو بدوره أمضي ليلته منكسر القلب وهو يشعر بأنه فقد ابنته الغالية للأبد
*** 

ومضت شهور العدة دون ان تختلف معاملته الحنونة معها .. الشيء الوحيد الذي تغير : انه بات يرفض ان تقوم له بأعمال المنزل 

وفي يوم .. إقتربت منه وهو يجلي الصحون : 
- دعني على الأقل أساعدك ! 
أحمد : لا .. فبعد ايام سأعود للعيش وحدي , وعليّ التعوّد على الإهتمام بنفسي من جديد
- ولما لا تتزوج انت ايضاً ؟ 
مبتسماً : لقد كبرت على هذه الأمور , يا سمر  
سمر : تزوّج من امرأة تناسبك بالعمر لتكون صديقتك في ايامك المقبلة
- لا تشغلي بالك بي , فكّري فقط بأيامك الجميلة القادمة يا عروس
***

وقبل يوم من كتب كتابها على الشاب وليد.. طرق احمد باب غرفتها ليجدها ترتّب حقائبها .. 
احمد : سمر .. اريد ان أعطيك شيئاً 
وأعطاها قلادةً قديمة ..
سمر وهي تتفحّص القلادة المصنوعة يدويّاً : ما هذه ؟!
- هذه قلادة والدتك
- لم أفهم ! 
أحمد : كنت سألتني سابقاً : لما لم أتزوج في حياتي ؟
- نعم لماذا ؟
- لأنني لم أحب احداً سوى امك

سمر بدهشة : ماذا قلت ؟!
- لا تفهميني غلط .. كنت انا ووالدك وامك ثلاثة اصدقاء نلعب سويّاً في الحارة ..وكنت أحبها منذ ان كنت في التاسعة من العمر وهي في الخامسة , وهي ايضاً تحبّني .. لكن حين بلغت امك 13 من عمرها , تفاجأت بوالدك يخطبها ..فاضّطررت لإخفاء حبها في قلبي للأبد !
سمر باستغراب : لم أكن أعرف هذا !
فيتذكّر أحمد بحزن : وحين أُصيبت امك بطلقٍ ناريّ طائش في عرس قريبتها وانت في عمر الثالثة , أحضرها والدك البخيل اليّ .. فجنّ جنوني حين رأيتها تنزف بغزارة , وكُدّت أضربه ليُسرع بإحضار سيارة الإسعاف .. وحين خرج من عيادتي , حاولت قدر المستطاع إنقاذها لكنها كانت تحتضر , ووقتها فاجأتني بإعادة القلادة التي صنعتها لها بعمر 12 , حيث لم تفارق عنقها ابداً , كما طلبت مني ان أرعاك لأنها خائفة عليك من والدك ... وانا بدوري وعدّتها أن أنتبه عليك كإبنتي تماماً 

سمر وهي تمسح دموعها : ألهذا تزوجتني ؟
- لم أجد حلاً آخر لإنقاذك من والدك الطمّاع وزوجته اللعينة 
فقبّلت سمر يده.. وهي تقول باكية :
- أشكرك جزيل الشكر يا عمي , فقد وفّيت بوعدك لأمي .. ليتك حقاً تزوّجتها بدلاً من ابي , لكنّا أصبحنا أسعد عائلة
أحمد بحزن : انا وامك فشلنا في ذلك , لهذا عدّيني ان تحقّقي حلمنا وتبني عائلة سعيدة مع وليد
- أعدك بذلك , يا عمي الغالي
***

وفي اليوم التالي .. أرسلها مع زوجها وعيونه تفيض بالدمع , لكنه في نفس الوقت كان يشعر بالراحة لأنه وفّى الأمانة..
لكن هذا لم يعجب والدها الذي زاره بعد يومين كالمجنون , حين وصله الخبر ..
الأب صارخاً بغضب : أيّها اللعين !! كيف تزوّج زوجتك ؟!
أحمد بحزم : ومالمشكلة ؟ انا طلّقتها , وهي وكّلتني بزواجها
الأب مُعترضاً : وكيف توكّلك انت , وانا والدها ؟!
أحمد : طالما انها كانت متزوجة , فهي حرّة باختيار وكيلها 
الأب بقهر : لا يحقّ لك !! فأنت بذلك حرمتني من مهرها الجديد

وهنا لم يتحمّل أحمد ما سمعه , ولكم الأب بقوّة أسقطته أرضاً ..
وصرخ في وجهه غاضباً : أهذا كلّ ما يهمّك !!! .. المال فقط !.. قتلت زوجتك بإهمالك وبُخلك ..ودمّرت حياة ابنتك , وكل ما يهمّك هو المال ! هيّا أغرب عن وجهي !! وولله ثم والله !! إن سمعت انك تعرّضت لسمر وعريسها , لأفرّغ مسدسي في رأسك .. أفهمت ؟!!!

وقد صدمه موقفه ! فهذه اول مرّة يرى (والد سمر) أحمد غاضباً هكذا ! لهذا إنطلق بسيارته هارباً .. ومن وقتها لم يره أحمد ثانيةً ..

كما ان سمر لم ترى والدها منذ ذلك الحين , لكنها كانت تداوم على زيارة العم احمد مع زوجها وليد واطفالها الثلاثة الذين كانوا ينادونه : ب((جدّي)) .. وهو بدوره كان سعيداً بعائلته الجديدة . 
*****

ملاحظة :
يُقال انها قصة حقيقية حصلت باليمن , ولا أدري مدى صحّتها .. لكن ان كانت حقيقية فبارك الله بالعم احمد الذي أنقذ الصغيرة من مطامع والدها.. وحرص على إكمال تعليمها , وتزويجها لشاب من نفس جيلها .. 
جعل لها عمله هذا في ميزان حسناته , وكثّر الله من أمثاله .

الجمعة، 13 يوليو 2018

طفل الغوّاصة

تأليف : امل شانوحة

كيف سنربّي طفلاً في أعماق البحار ؟!

في عام 1939م , في فترة الرايخ الثالث ..سُمح للنساء العمل في القتال وفي الوحدة المساعدة البحريّة .. وكانت (ويلما هاغن) المجنّدة الوحيدة التي تمّ تجنيدها في البحريّة بإحدى الغوّاصات الإلمانية المتواجدة بالمحيط الأطلسي لضرب سفن الحلفاء .. وقد تمّ تكريمها بالعمل هناك بعد نجاتها من المعتقل البريطاني الذي تعرّضت فيه للتعذيب .. 

لكنها وبعد ان تعمّقوا في البحر , تفاجأت بالقبطان يطلب منها ترك أجهزة المراقبة والعمل ضمن وظيفتين : اما المطبخ او ممرّضة مساعدة لطبيبهم .. ورغم إنكارها لهذه التفرقة , الا انها قبلت بذلك مُرغمة بعد رفض المجندين الذكور تواجدها معهم في مركز المراقبة التابع للغواصة , خاصة بعد ان اشتدّت الحرب .. فاختارت العمل بالمطبخ برفقة الطباخ العجوز الذي كان يُعاملها كإبنته .. 
***

وفي أحد الأيام .. حصل مالم يكن بالحسبان ! فقد تأكّدت شكوكها التي  كانت تؤرّق نومها , وأفضت بسرّها التي كتمته لشهر ونصف الى الطبّاخ الذي قال مندهشاً :
- ماذا تقولين ؟ّ هل انت متأكدة ؟
فقالت بحزن ويأس : نعم .. أظنني حامل 
- ومن هو الوالد ؟
فقالت بغضب وقهر : أكيد هو القائد الإنجليزي اللعين !! الذي قام باعتقالي أثناء عملي في الميناء ..
- وما اسم ذلك القائد ؟
- لا ادري .. اسمه القائد جون , وهو مشوّه الوجه .. هذا كل ما أعرفه عنه 
الطباخ : وبأيّ شهرٍ تظنين .. 
مقاطعة : ربما الثالث او الرابع , لا أعرف بالضبط
- هذه مشكلة يا ويلما , لأنهم سيلاحظون حملك قريباً

المجنّدة برجاء : لهذا اريدك ان تبعدني عن الجميع الى حين ولادتي
- لا يا ويلما .. فبكل الأحوال سينفضح الموضوع , لهذا علينا إخبار القائد بالحال !!
ويلما بخوف : لا ارجوك ! ان عرف القبطان الآن , فسيطلب من الطبيب إسقاط الجنين
الطباخ باستغراب : وهل تريدين طفل ذلك المغتصب ؟!
الصبية بحزن : كنت يتيمة طوال عمري , وحين أصبحت مراهقة إلتحقت بالتجنيد النسائي .. لذلك سيكون هذا الطفل كل حياتي
يتنهّد بقلق : انت ستوقعيني بورطةٍ كبيرة يا فتاة
- إسمعني يا عم .. فريقنا سيتمّ إستبداله بعد ستة أشهر , وحينها آخذ ابني وابتعد عن الجميع .. فقط اريدك ان تحميني الى ذلك الوقت
الطباخ : ستكون هذه أطول ستة اشهر في حياتي .. ليساعدنا الربّ
***

الاّ ان الحرب اشتدت على غير عادتها بعد تدخّل القوات الأمريكية في امداد بريطانيا بالبضائع والأسلحة ..لهذا طُلب من افراد الغوّاصة الثبات في أماكنهم ..وسيتمّ إمدادهم بما يحتاجونه عن طريق غوّاصة صغيرة , وهذا يعني ان ويلما علقت معهم الى أجلٍ غير معلوم !

الطباخ : يا مجنونة !! لما لم تركبي في الغوّاصة الصغيرة ؟ فأنت على وشك الولادة !
ويلما بتعب : انا لا اعرف أحداً هناك , وأخاف ان يؤذونني او يقتلوا ابني .. ارجوك انت كوالدي , دعني أبقى هنا مع ابني 
- وماذا عن بكاء الطفل حين تلدينه ؟ سيكشفون أمره حتماً 
- الى حينها نفكّر بحلّ .. فقط أبقيني بعيدة عن أعين الجميع , كما فعلت معي الشهور الماضية
فأومأ الطباخ برأسه موافقاً وهو يعلم بأنه قرارٌ خاطىء
***

وفي يوم .. هبّت عاصفةٌ مفاجئة , أجبرت الغوّاصة على التعمّق أكثر بالبحر إبتعاداً عن الأمواج المتضاربة في الأعلى .. لكن الوضع كان أسوأً في المطبخ , حيث أحضر الطباخ طبيب الغوّاصة الى غرفة المؤن , ليتفاجأ برؤية المجنّدة ويلما في حالة وضع , وهي تحاول كتم صراخها بصعوبة رغم حالتها المزريّة !
فحاول الطبيب مساعدتها قدر الإمكان , الى ان أخرج الطفل بعمليةٍ قيصرية , لينفجر بعدها الولد بالبكاء الذي وصل لأسماع المجنّدين حيث انطلقوا مسرعين نحو المطبخ ليعرفوا مصدر الصوت , لكنهم وجدوا باب المطبخ مقفلاً من الداخل ! فبدأوا يطرقون الباب بقلق , لكن لا مجيب .. لهذا أسرع أحدهم الى غرفة القبطان ليخبره بما حصل في الأسفل 

القبطان بدهشة : ماذا تقول ؟ صوت بكاء طفل في غواصتي ! هل هو ابن ويلما ؟ 
الشاب : بالتأكيد !! فهي المرأة الوحيدة بيننا , وكانت إختفت عن الأنظار منذ شهور ..وكلما سألنا الطباخ عنها , أخبرنا بحجةٍ مغايرة : اما نائمة او مريضة او تستحم او أي عذرٍ آخر كيّ يبعدها عنا ..والآن عرفنا السبب
القبطان : أتقصد ان الطباخ هو والد الطفل ؟!
- ربما , فهو الأقرب لها ..مع انها لم تلتحق بطاقمنا الا منذ ستة أشهر.. كما ان الطباخ رجلٌ عجوز
القبطان بغضب : حسناً , لأذهب وأرى المشكلة بنفسي
***

وقد أدّت ولادتها المتعسّرة الى نزيفٍ حاد لم يستطيع معها طبيب الغوّاصة حلّ المشكلة , فأسرع الطباخ لفتح الباب ليجدّ القبطان في وجهه , فقال له بقلقٍ شديد : 
- سيدي انها تموت , والطبيب عاجزٌ عن إنقاذها 
فصرخ عليه القبطان بغضب (والبحّارة يستمعون خلفه لنقاشهما):  
- وماذا تريدني ان أفعل , ونحن عالقون في البحر وفي خضم المعارك ؟! اساساً ان أردنا ايصالها الى أقرب مستشفى على اليابسة , فسنحتاج على الأقل لشهرين من الملاحة المتواصلة , هذا ان وصلنا بخير دون ان يقصفنا الأعداء !!  
الطباخ بقلق : ومالعمل الآن ؟!

وهنا خرج الطبيب من غرفة المؤن وهو يحمل الطفل الصغير , قائلاً :
- لقد أنقذت الصبي
الطباخ بقلق : وماذا عن ويلما ؟
فهزّ الطبيب رأسه بالنفي .. فعلم الجميع بموتها..
فقال القبطان للطباخ بغضب : وها نحن خسرنا أحد أفرادنا بسبب كتمك لحملها , هل انت سعيدٌ الآن ؟!! 
فالتزم الطباخ الصمت وهو يشعر بالندم .. 

القبطان بعصبية : والآن إخبريني !! من هو والد هذا اللقيط ؟ 
الطباخ : رجاءً سيدي , لا تقل هذا ..
القبطان مقاطعاً : هل هو أحد المجنّدين ؟
وأشار الى البحّارة الذي بدأ كل واحداً منهم ينكر ذلك ..
شاب : هو ليس ابني , سيدي
شاب آخر : وانا لم أرى ويلما منذ شهور 
شاب ثالث : وانا ايضاً  
القبطان بغضب : اسكتوا جميعاً !! وانت (ونظر الى الطباخ) الم تقل لك من هو والد طفلها ؟
فقال الطباخ : نعم ..هي أخبرتني انها تعرّضت للإغتصاب في المعتقل البريطاني.. 
القبطان مقاطعاً بغضب : اذاً ارموه خارجاً !! فنحن لن نربّي ابن العدو 
فحصل هرجٍ ومرج بين الجنود الرافضين لهذا القرار الجائر.. 

فسألهم القبطان : اذاً ماذا تريدونني ان أفعل به ؟! 
فقال الطباخ العجوز : دعني أربّيه , فأنا جدّ ولديّ خبرة بهذه الأمور 
القبطان بتهكّم : وماذا عن الحليب وغيارات الطفل , يا عبقريّ ؟ 
فقال أحد الشباب : سيدي .. انا كنت أعمل خياطاً قبل ان ألتحق بالجيش , وسأخيط له الغيارات والملابس من الملاءات الإضافية الموجودة بالمخزن 
وقال مجنّدٌ آخر : وانا سأكون المسؤول عن التغير له , فأنا أب لطفلين وليس عندي مشكلة بهذا الأمر  
شاب : وانا سأطعمه
بحّار آخر بحماس : وانا سألاعبه , سيدي.. فأنا أعشق الأطفال 
القبطان : يعني إتفقتم جميعاً عليّ !
الطبيب : دعه يُؤنس وحدتنا في أعماق البحار , سيدي 

ففكّر القبطان قليلاً , ثم قال : 
- حسناً كما تشاؤون .. لكن إيّاكم ان أسمع صوته , والاّ رميتكم جميعاً في البحر 
ففرح الجميع , واقتربوا من الطفل ليتأمّلوا وجهه الجميل.. 

وأثناء انشغالهم بالطفل , همس الطبيب للقبطان : 
- وماذا بشأن المجنّدة ؟
- إرمي بجثتها في البحر من مكان اطلاق الصواريخ , كما نفعل عادةً بالجثث .. وابلغ القيادة بما حصل معها كيّ يبلغوا اهلها بوفاتها ..لكن لا تخبرهم بشأن الطفل , فلا أظنها كانت ترغب بمعرفتهم به 
الطبيب : كما تشاء , سيدي 
و ذهب القبطان غاضباً الى كابينته , بينما تجمّع بقيّة البحّارة لرؤية الطفل الصغير
***

ومرّت ثلاثة شهور , كانت الأجواء في الخارج هادئة .. حيث استمرّت الغوّاصة الإلمانية في عملها المعتاد بإغراق سفن البضائع الإنكليزية والإمدادات الأمريكية دون ان يجدوا مقاومة تقلقهم من الحلفاء .. لهذا كان الوضع بداخل الغواصة هادئاً , الاّ من صوت بكاء الطفل الذي كان يعلو صداه في أرجاء الغوّاصة الحديدية من وقتٍ لآخر 
***

في أحد الأيام .. وفي أثناء قيلولة القبطان , دخل عليه أحد المجندين وهو يقول : 
- آسف على إيقاظك سيدي , لكن وصلتنا إخبارية ان الإنجليز سيرسلون سفناً حربية لحماية سفنهم التجارية , وهذا يعني ان علينا توخّي الحذر في عملياتنا القادمة
فقال القبطان بتعب : هذه ليست بمشكلة كبيرة 
- كيف سيدي ! فقد صار بإمكانهم ضربنا بالطوربيدات .. 
القبطان مقاطعاً : الا تدري كم يكلّف إبحار السفن الحربية الضخمة , وهم اساساً يعانون من انهيارٍ اقتصادي بعد مئات السفن التي دمرناها لهم
الجندي : لكن القيادة الإلمانية أخبرتنا قبل قليل ان الولايات المتحدة ستساعدهم في ذلك ..
القبطان : جيد ..هذا يعني المزيد من الإنتصارات لنا , وكأننا نضرب عصفورين بحجرٍ واحد .. هيا بنا , فلدينا عملٌ كثير 
***

في كابينة القيادة , جمع القبطان جنوده في اجتماعٍ عاجل 
- لقد أخبرتني القيادة بأنه منذ هذه اللحظة , يُمنع علينا مساعدة الجرحى من بحّارة السفن التجارية للعدو
مساعده بدهشة : أحقاً ما تقول ؟!
القبطان : نعم , لأن إحدى غوّاصاتنا تمّ قصفها أثناء صعودها لسرقة المؤن الغذائية العائمة من سفينةٍ مدمّرة .. لهذا يُمنع علينا الصعود الى السطح مهما كانت الأسباب
الطباخ بقلق : وماذا عن طعامنا ؟!
القبطان : كما فعلوا معنا سابقاً , سيرسلون لنا ما نحتاجه عبر غواصةٍ صغيرة
أحد الجنود بغضب : هذا يعني اننا سنعلق في البحر لشهورٍ أخرى 
القبطان بحزم : وربما لسنوات , فحضّروا أنفسكم لذلك

وقبل ان يعود الى كابينته , أوقفه الطباخ : 
- وماذا عن الطفل , سيدي ؟
القبطان بعصبية : وماذا عنه ؟! سيكبر هذا الإنجليزي اللعين معنا ..(ثم يسكت قليلاً).. او يمكننا ارساله في غوّاصة المؤن التي ستصلنا بعد شهرٍ من الآن
الطباخ بحزم : لا !! لن أقبل ان أرسل الصبي بهذه الطريقة  
فصار الجنود يؤيدون رأيه : نعم , لن نبعده عنا !!
القبطان بتهكّم : يا سلام ! وكأن لهذا الطفل خمسين أباً 
فقال الجندي ممازحاً القبطان : وله جدّان ايضاً
القبطان (الخمسيني) : ماذا تقصد ؟
الطباخ (الستيني) متداركاً الموقف : كان يقصدني انا 
القبطان صارخاً بحزم : هيا عودي جميعاً الى أماكنكم !!
الجنود بصوتٍ واحد : حاضر سيدي !!

وبعد ان ذهبوا.. تمّتم القبطان بنفسه بضيق :
- هذا ما كان ينقصني .. ان أكون جدّاً لهذا اللقيط الإنجليزي !
***

وبعد مرور سنة ونصف , وفي أحد الأيام .. دخل الطباخ غرفة الجنود , وعلى وجهه علامات القلق :
- هل رأى أحدكم فيليب الصغير ؟!
أحد الجنود : لا ! الم يكن معك ؟
الطباخ : كنت منهمكاً بتحضير الطعام , وفجأة اختفى من المطبخ
جندي آخر : لا تقلق , سنبحث عنه
وانطلق بعض البحّارة للبحث عن الصغير , خوفاً من ان يكون دخل غرفة الصواريخ..

وقد وجده الطباخ أخيراً في غرفة القبطان بعد ان رآه من شقّ الباب وهو يلاعبه بمجسّماتٍ لجنود صغيرة كان يحتفظ بهم في غرفته الخاصة..
وهنا اقترب جندي آخر من الطباخ الذي كان يتلصّص عليهما .. 
- هل وجدت فيليب ؟
فهمس له الطباخ : إخفض صوتك , وانظر هناك
الجندي بدهشة : ماذا ! هذه أول مرّة يلاعبه القائد منذ ولادته
الطباخ مبتسماً : دعنا نذهب ونتركهما سويّاً

وظلّ يلاعبه القبطان , الى ان غفى الصغير بين يديه .. ثم نادى أحد الجنود لأخذه الى غرفة الطباخ حيث كان سريره ..
***

وفي عام 1945 .. وأثناء إحتفال البحّارة ببلوغ فيليب الصغير عامه السادس .. إهتزت الغوّاصة فجأة !
فصرخ القبطان : الكلّ الى موقعه !!
ودبّ الخوف أرجاء الغوّاصة وانطلق الجميع الى غرف المراقبة حيث فاجأتهم سفن الملكيّة البريطانية بطوربيد أصاب جزءاً من الغوّاصة
وحاول القبطان الإلماني توجيه البحّارة لتجاوز الصواريخ التي انطلقت عليهم من كل جانب ..
فقال أحدهم بخوف : قبطان !! سنغرق ان قاومناهم
فيصرخ القبطان بحزم : اذاً اطلقوا جميع صواريخنا عليهم ..فلا استسلام اليوم.. وإن كنّا سنموت , فسنغرق هؤلاء الملاعيين معنا !!!

فقال أحدهم : سيدي .. وماذا عن فيليب ؟
وسكت الجميع بذهول !
فقال جندي آخر : نعم , هو يستحق الحياة
وبدى الجميع قلقاً على الطفل ..فقال القائد لهم : 
- من يريدني ان استسلم للعدو , فليرفع يده ؟!! 
فرفع الجميع ايديهم.. 
القبطان بغضب : ايها الجبناء !!

وهنا اقترب الطباخ العجوز منه : ليس من أجلنا , بل من أجل الصغير 
القبطان بعصبية : الا تفهمون الموقف ؟ سيعذّبونا في معتقلاتهم !!
الطباخ : المهم ان يبقى الطفل بخير
القبطان : أهذا رأيّ الجميع ؟! 
الجنود بصوتٍ واحد : نعم سيدي !! 

وبعد ان رأى القائد بأن البحّارة يرفضون المقاومة خوفاً على مصير الطفل , اضّطر الى بعث رسالة بشفرة مورس لقائد السفينة البريطانية يعلن فيها استسلامهم ..وحينها توقف اطلاق الصواريخ باتجاههم .. 

وبعد هدوء الوضع .. إرتفعت الغوّاصة بصعوبة الى سطح البحر , بعد ان تمكّن البحّارة الإلمان بصعوبة من إغلاق الخرق الذي أحدثها الطوربيد الإنجليزي ..
***

وفوق سطح الماء .. إقترب القبطان الإنجليزي من البحّارة الألمان وهم يرفعون أيديهم باستسلام .. وقال لهم باللغة الإلمانية التي يتقنها: 
- وأخيراً قبضنا عليكم .. الا تعلمون كم خسرنا اقتصادياً بسبب غوّاصاتكم اللعينة ؟ لهذا تستحقون الموت
واصطفّ الجنود الإنجليز شاهرين سلاحهم امامهم , منتظرين الإشارة من قائدهم لقتل البحّارة الإلمان ..

وهنا تفاجأ الجميع ! بخروج الصبي من فوهة الغواصة مُنطلقاً نحو الطباخ وهو يقول :
- جدي !! لا تقتلوا جدي !!
فاستغرب القائد الإنجليزي ممّا قاله , وسألهم باستنكار :
- كيف تحضرون طفلاً صغيراً الى المعركة ؟!
فقال القبطان الإلماني : رجاءً لا تقتله .. فهو اساساً طفلٌ انجليزي وليس الماني
القائد البريطاني : وماذا تقصد ؟!
فأخبره القبطان الإلماني بقصّة المجندة ويلما باختصار ..

القائد البريطاني بدهشة : هل هي نفسها الجندية (ويلما هاغن) التي كرّمتموها بالعمل معكم , بعد ان أطلقنا سراحها من معتقلنا ؟!
القبطان الإلماني : نعم هي 
البريطاني بارتباك : يا الهي !
وبعد ان فكّر قليلاً .. قال للصغير :
- تعال يا ولد الى هنا !!
لكن الولد كان متعلّقاً بثياب الطباخ , بعد ان أخافته اسلحة الإنجليز المُشهرة ضدّهم  
الطفل بخوف : لا اريد ..
فقال له القائد الإلماني : إذهب عنده يا فيليب
الطفل : لا اريد جدّي ..انا أخاف منهم
القائد البريطاني : وهل هذا جدّك ايضاً ؟!
فقال الطفل : جميعهم أبائي .. جيم .. ومارك ...وجاك .. أمّا الطباخ والقبطان فكلاهما جدّي لأن ذقنهما أبيض
فابتسم القائد الإنجليزي وقال للطفل : ربما هما جدّاك , لكن انا والدك الحقيقي

فانصدم الجميع ممّا قاله ! وهنا تذكّر الطباخ كلام (ويلما) عن القائد مشوّه الوجه الذي اعتدى عليها .. فسأله :
- أأنت القائد جون ؟ 
فقال القائد البريطاني : نعم , جون اندرسون .. وحين علمت قبل سنوات بأن جنودي قبضوا على مجنّدة المانية تعمل بالبحريّة , قرّرت ان تكون لي وحدي 
الطباخ بغضب : ايها اللعين !! اذاً انت من اغتصبتها ؟ 
البريطاني : على الأقل , حميتها من الآخرين .. والآن أعطوني ابني !!
فصرخ الطفل وهو مازال يحضن أرجل الطباخ : 
- لا !! لن أذهب دون آبائي 
..وأصرّ على بقاء معهم..
فاقترب منه القائد البريطاني : حسنا بنيّ , سأتفق معك على أمر ..في حال قدمت معي , فسأطلق سراحهم ..لكن ان بقيت معهم , فسأضّطر حينها لقتلهم جميعاً.. فما رأيك ؟

فنظر الصبي الى اصدقائه الجنود الذي كان الخوف واضحاً في أعينهم .. ثم قال للقبطان الإلماني الذي كان يحاول ان يبقى متماسكاً :
- انت كنت دائماً تحدّثني عن القادة الإلمان الشجعان 
- صحيح 
- وكنت تقول لي : بأن أكون مثلهم قويّاً وشجاعاً , اليس كذلك؟ 
- نعم حبيبي
- ولأجلك جدي ولأجلكم جميعاً , سأوافق على الذهاب معه
القبطان الإلماني وهو يمسح على رأس الصغير بفخر وحزن : 
- أحسنت يا صغيري البطل

ثم شاهدوه وهو يرحل في سفينة القائد الإنجليزي , بينما كانوا هم يجدّفون في قاربين صغيرين مُبتعدين عن الصغير وهم يكتمون دموعهم بصعوبة 
فقال الطباخ حزيناً : لقد فدانا جميعاً
أحد الجنود متأثّراً : طبعاً , فهو بطلٌ الماني صغير
القبطان : لا تنسوا انه انجليزي الأصل
فاعترض أحدهم قائلاً : لا سيدي ! هو الماني أصيل ..فنحن من ربّيناه ليكون شهماً هكذا
فتنهّد القبطان بحزن : هذا صحيح

ثم ابتعدوا في السفينتان الخشبيتان عائدين الى مقرّهم على اليابسة 
..ومن بعدها بفترة , تمّ تسريحهم الى بلادهم ..
***

وبعد عشرين سنة على انتهاء الحرب .. وصلت للقبطان الإلماني المعتزل رسالة باللغة الإلمانية , كتبها الطفل فيليب بعد ان أصبح شاباً : يطلب منه الذهاب الى اميركا لحضور حفل تخرّجه من البحريّة الأمريكية بعد ان انتقل للعيش هناك
***

وفي اميركا .. تفاجأ القائد الإلماني بعشرة من طاقم غوّاصته القدامى حاضرين الحفل , بما فيهم حفيدة الطباخ التي قدمت مكان جدها المتوفي لحضور حفل تخرّج الطفل الذي أخبرها عنه كثيراً بعد عودته من الحرب 

وقد صفّقوا لفيليب بفخر بعد رؤيتهم له وهو يستلم شهادته , بطقمه الرسمي الخاص بالبحّارة الأمريكان..
ثم اقترب اليهم ليشكرهم على ذكرياته الجميلة التي عاشها معهم داخل الغوّاصة..
القائد العجوز باستغراب : أمازلت تذكر ؟! .. كنت حينها صغيراً !
الشاب فيليب : نعم أذكر كل شيء .. ولهذا رغبت في الإنضمام للبحريّة الحربيّة مثلكم , فأنا بالنهاية طفل الغوّاصة 

وهنا لاحظ الفتاة التي تراقبه من بعيد .. فاقترب منها :
فيليب : أنت حفيدة الطباخ , اليس كذلك ؟
الصبية : نعم .. هو أخبرني كثيراً عنك , فقد كان يحبك تماماً كما يحب أحفاده
فيليب : وانا أحببته كجدي , رحمه الله ..هل أتيت لوحدك ؟
الفتاة : اساساً انا أدرس هنا بالجامعة .. 
فيليب : كم جميل انه إنتهت الحروب , وعادت الدول لتتواصل مع بعضها من جديد 

فأشار القائد لبقيّة الطاقم بأن يتركوهما معاً .. وقال لفيليب : 
- سنودّعك الآن بنيّ , فنحن متعبون من السفر ونريد ان نرتاح في الفندق
فيليب : لكني سأراكم حتماً قبل عودتكم الى المانيا
القائد وهو يربت على كتفه : في انتظارك بنيّ
ثم همس له وهو يغمزه : قم بإيصال الفتاة بنفسك  
فابتسم له فيليب : فهمت جدّي

وأمضى فيليب النهار مع الفتاة وهما يتذكّران ايام الحرب , وكانت هذه بداية لعلاقة ربطتهما بزواج في السنة التالية , والتي حضرها القائد مع أفراد طاقم غوّاصته الإلمانية .
********

ملاحظة :
لمعرفة المزيد عن معركة الأطلسي , التي كانت أطول حملة عسكرية مستمرّة خلال الحرب العالمية الثانية .. يمكنكم قراءة مقالاً عنها في الويكيبيديا

التخاطر الروحيّ

تأليف : امل شانوحة الإتصال عن بعد ! في أواخر القرن 19م .. حاول فريدرك إقناع استاذه بدراسةٍ يُجريها عن إمكانية إنتقال الأفكار ، ومعرف...