‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة تاريخية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة تاريخية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 27 أكتوبر 2025

القرصانة الرحيمة

تأليف : امل شانوحة 

الحقيقة المشوّهة


كانت ماري فتاةٌ مرحة تحب المغامرات ، لهذا لم تمانع الذهاب مع صديقاتها الى الملاهي لتجربة الإفعوانية المائية التي افتتحت حديثاً ، والتي سميّت بإفعوانية (ماري ريد) المقتبسة عن القرصانة الدمويّة المشهورة بالقرن 18 م


وفور مرور مركبتها ، داخل الحلزون المائي .. فتحت ماري عينيها .. لتجد نفسها مستلقية فوق ظهر سفينة ، بنسيمها البارد الذي اختلط برائحة البحر والبارود ! حولها رجالٌ مُدمّون ، سيوفهم تقطر دماً ، وعيونهم تحدّق بها بقلق ! 


فصرخت ماري مرتعبة ، محاولةً الهرب .. لكنهم اوقفوها ، وهم يقولون بقلق :

- تبدو قرصانتنا فقدت الذاكرة بعد إصابة رأسها !


فتلمّست ماري الشاشّ القذر حول جبينها ، وهي تنظر لملابسها الجلديّة بتصميمه الذي يعود للعصور القديمة ! 


وقبل أن تسأل عن الجثث المتناثرة ؟ وعن السفينة المجاورة التي تغرق ببطء ؟ انهمرت عليها الذكريات : فروحها الآن بجسد ماري ريد ! القرصانة التي تنكّرت في زيّ رجل بعد وفاة زوجها.. والتي انضمّت إلى طاقم جون راكهام ، لتصبح مطلوبة للعدالة.. لا بسبب دمويتها ، بل لمحاربتها الظلم..

لم تكن لصّة ، بل ثائرة.. سرقت بضائع قصر الملك لإطعام الفقراء ، وحمت طرق التجارة من القراصنة المتوحشين.. 

الا ان خيانةً مدبّرة بين الملك وزعيم القراصنة أبادت طاقمها ، وأوقعتها في الأسر.

^^^


وفي زنزانةٍ باردة ، علمت بنيّة الملك تدنيس جسدها قبل شنقها ! 

فابتلعت السمّ المخفي في خاتمها ، الأشبه بالأسيد .. الذي أذاب جسدها بشكلٍ يصعب التعرّف على ملامحها !

وكانت آخر كلماتها : 

- حاربت أعتى الرجال للحفاظ على شرفي ، ولن اسمح لأحد بلمس جسدي حتى بعد وفاتي !!


وكانت اول من ابتدع فكرة السم بالخاتم ، الذي اصبح تقليداً للشخصيات المهمة بالتاريخ ، الذين فضلوا الموت على الوقوع بيد اعدائهم ! 

^^^


كل تلك الأحداث مرّت بذاكرة الصبية ماري اثناء لعبها الإفعوانية ! 

وكان آخر ما شاهدته بتلك الرؤية الغريبة : هي رميّ الجنود لجثة ماري ريد المُتحلّلة بالبحر .. كتقليدٍ مُتعارف عليه ، لدفن القراصنة قديماً .. 

حينها شعرت الصبية بالمياه تسحبها لقعر البحر المظلم ! 


ففتحت عيناها وهي ترتجف بذهول ! لتجد نفسها مُبلّلة الملابس .. بينما صديقاتها يضحكن بعد خروجهن من المركبة ، للبحث عن لعبةٍ أخرى.


فنظرت ماري لتمثال الإفعوانية (على هيئة القرصانة ماري ريد) وهي تقول بنفسها:

((الملك الظالم شوّه سمعتك بكتب التاريخ ، وحوّلك من بطلةٍ اسطوريّة الى قرصانةٍ دموية ! لكني مُمتنة باختيارك لي ، لمعرفة الحقيقة.. ربما لتشابه اسمائنا ! وأعدك بأن لا انساك ابداً))


وفجأة ! لمحت التمثال تغمز لها .. فارتجف جسم ماري التي اكتفت بابتسامةٍ مصطنعة ، أمام صديقاتها اللآتي لم يلاحظن شيئا ..


لكن في أعماقها .. علمت ماري إن ما عاشته لم يكن حلماً ، بل رحلة عبر الزمن لاستعادة هيبة امرأةٍ ظلمها التاريخ ، ودفنها البحر.. لكن روحها لا تزال تبحث عن من يُنصفها !


الخميس، 24 يوليو 2025

طفلٌ بعقليّة ملك

تأليف : امل شانوحة 

 

نار الجهل


في العصر القديم ، ببريطانيا .. طلب جاك (رجلٌ ثريّ ، والداعم الأول لدار الأيتام) من الأطفال كتابة امنياتهم لربهم بعيد الميلاد.. دون علمهم بأنه سيقرأها بنفسه ، لتنفيذ طلباتهم..


فكانت معظم طلبات ٢٠٠ يتيم : هي حلويات او ملابس وألعاب.. 

ما عدا رسالة من احدهم ، كتب فيها بالتفصيل : عن مسؤولي الدار الذين يقومون بسرقة تبرّعاته ! 

فالطبّاخ يشوي نصف اللحوم المُرسلة للدار ، بينما يبيع الباقي لحسابه.. 

والأساتذة لا يعلّمونهم كافة الصفوف ، بل يرسلوهم لساحة الدار باكراً ..رغم أخذهم رواتبهم كاملة  

كما يُجبر المدير الأهالي (القادمين للتبنّي) بدفع المال له ، دون علم جاك الثريّ ! 


كما وضّح الولد : قلّة الأدوية وغيارات الملابس ..والمياه الباردة للإستحمام.. والضرب المُبرح عند كل خطأ من الأولاد ، رغم سياسة جاك الواضحة بالرحمة المُلزمة في داره.


وهذه الرسالة أقلقت جاك الذي قام ببحثٍ مُكثّف عن مصاريف الدار مع استجواب عمّالها ، الى ان ثبتّت لديه السرقات والتجاوزات ! مما استدعى طرد العديد من مسؤولي الدار واستبدالهم بآخرين كفوئين..


وأراد جاك تكريم الولد الذي ارسل التنبيه له.. لكن لا احد من الأولاد رفع يده عند سؤاله لهم ! حتى عندما وعد بمكافئة لصاحب الرسالة ، لم يظهر الولد الحكيم ! 

***


فقرّر جاك أخذهم برحلة الى قصره .. وبنهاية الرحلة المليئة بالطعام والألعاب التي ملأت حديقته ، طلب من الأولاد كتابة رأيهم بالرحلة  

ليجد ورقة من بينهم ، يوضّح فيها الولد : خيانة زوجة جاك التي شاهدها تُقبّل حارسه في زريبة القصر ! كما شكّكه بأن حملها ليس منه ، لأن من خلال حديثها مع الحارس : أن علاقتهما تجاوزت السنتيّن.


مما افقد جاك اعصابه .. وهدّد الحارس بالسلاح ، الى أن اعترف مع زوجته بالخيانة ! فقام بطرد الحارس وتطليق زوجته..


وللمرة الثانية لم يعرف من الولد الذي كشف بدايةً : سرقات الدار ، ثم خيانة زوجته ! فالأولاد الأيتام لا يتجاوز اعمارهن ١٣ عاماً .. والذي كتب الرسالتيّن لديه فهم الرجال ! 

***


واستمرّ الغموض للسنة الثانية ، بعد أن وصلته طلبات الأولاد بعيد الميلاد التالي.. ليجد رسالة اخرى من الولد المجهول عن الخطوات التي عليه تتبّعها ، لنجاحه بانتخابات رئيس البلديّة التي رشّح جاك نفسه اليها ! 

وكانت خطواتٌ دقيقة تدل على خبرة الولد بأحوال البلد والمُرشحيّن المنافسيّن ، مُتضمناً رسالته الآتي : 

((سيد جاك .. انت تطمح لمنصبٍ يتنافس عليه الطامعون .. لكنك بخلافهم ، تمتلك الرحمة والإنسانيّة .. اليك خطّة للنجاح على منافسيّك :


1- اللورد جيمس 

رغم قوّته السياسيّة الا ان لديه عثرات يمكنك الإستفادة منها ، للإطاحة به بالإنتخابات القادمة .. اولاً : غروره الذي يمنعه التواصل مع الفقراء ، بينما انت الداعم الأول للأيتام .. ثانياً : ثروّته اتت من البنوك المرابية ، بينما انت من بيع محصول حقولك الزراعيّة ، مما يُثبت نقاء تمويلك .. وثالثاً والأهم : تشجيعه للعبوديّة ، بينما انت تطالب بالحرّية للجميع .. وهذه تكفي لفوزك بالإنتخابات القادمة ، في حال ركّزت عليها بخطابات إنتخابك 


2- المنافسة الثانية : اليزابيث كارتر 

خطاباتها المؤثرة هي بالحقيقة من كتابات مستشارها ، لهذا أحرجها امام الجميع بأن تُلقي كلمة دون تحضير .. حينها سيكون إرتباكها ، سبباً بفوزك .. ثانياً : هي تُعارض التبني ، وانت مؤسسّ فكرة العائلة السعيدة للولد اليتيم .. يمكنك إثارة هذه النقطة بالإنتخابات القادمة ، وستحصل على تأييد الأهالي .. ثالثاً : هي تكره الريفيين ، وقد وضّحت ذلك بأكثر من خطاب عن إشمئزازها من جهلهم وتخلّفهم .. لذلك ركّز انت على أهميّتهم بمجال الزراعة والرعيّ ، وستحصل حتماً على تأييدهم .. فهم اكثر من نصف الشعب البريطانيّ .. 


ختاماً : لا تشتم احداً ، فقط إظهر بمظهر السيد اللبق المحترم .. والناس ستشعر بصدق نواياك .. بالتوفيق لك 

ابنك صغير البنيّة ، كبير الرؤية))

                 

فجمع جاك اساتذة الدار ، وأعطاهم الرسائل الثلاثة (سرقات الدار ، وخيانة زوجته ، وخطّة الإنتخابات) ليسألهم عن خط يد الولد.. لكن لا احد ميّزه او استطاع تحديد احد من تلامذته بهذا الذكاء ! 

***


وبعد نجاح جاك بانتخابات البلديّة .. وصلته رسالة رابعة من اليتيم المجهول ، يبارك فوزه ويخبره الحقيقة :

((انا طالب في دارك للأيتام .. وعمري الحقيقي : اربعين سنة.. انا قزم دون تشوّهات جسديّة.. أقصد ان نموي توقف بعمر العشر سنوات.. وكنت اعيش بإحدى القرى .. وعندما لم اكبر لسنوات ، ظنّوني شيطاناً او جنيّاً مُتلبّساً بهيئة ولد ! وحاولوا حرقي حيّاً.. فهربت منهم ، وقدمت الى مدينتك .. وأصبحات شحاذاً بالشوارع لسنتيّن .. الى ان اتت الشرطة ورمتني بالدار .. ولأني لم اردّ لفت انظاركم اليّ .. كتبت دروسي بيد اليسار ، لأشابه خطوط الصغار الغير مفهومة .. كما لم أُظهر ذكائي لأساتذة الميتم الذين بدأوا يشكّون بي ، لأني لم اطول منذ ثلاث سنوات.. لهذا قرّرت الهرب من الدار ، ومن المدينة كلها .. كيّ لا يحاولوا إحراقي ، كما فعل اهل قريتي.. هذه رسالة وداع.. ورجاءً لا تبحث عني.. سعيد انك سمعت نصائح رجلٍ ، عالق بجسم ولدٍ صغير))


ورغم صدمة جاك بما قرأه ، خاصة ان هذا النوع من التقزّم لم يكن معروفاً في عصره ! لكنه كان مُمّتناً لذلك الرجل الصغير الذي ساعده بالحصول على منصبه الجديد

***


ومرّت السنوات ، إستطاع جاك الحصول على تأييد اهالي منطقته الفرحين بمشاريعه الإنمائيّة ، خصوصاً القرويين .. لكن منافساه القدامى ، لم يكونا سعيدان بسمعة جاك العطرة بين الناس .. فخطّطا معاً للإطاحة به .. وتمكنا من تلفيق تهمة تعامله مع السفير الفرنسي ، بزمن اضّطراب العلاقة بين البلديّن .. مما اغضب الناس الذين طالبوا باستقالته !


ومن شدة حزن جاك من تصديق شعبه لهذه التهمة الباطلة ! رغم مشاريع الإعمار في عهده ، لصالحهم .. إستقال مُرغماً .. مما تسبّب بمرضه الذي تزايد كل يوم 

***


وعلى فراش الموت ، كتب جاك رسالته التالية :

((الى من يقرأ رسالتي بعد موتي .. لم اكن يوماً رجلاً حكيماً .. بل ظننت ان الإهتمام بالفضائل يكفي لرفع مستوايّ بين الناس ، دون الإكتراث لما يجري بالكواليس من دسائس وخيانة .. الى ان وصلتني رسالة طفوليّة من يتيمٍ في داري ، جعلتني اكثر نضجاً وفهماً للواقع والحياة .. وتتابعت رسائله ، كنورٍ وسط عتمة جهلي.. وبنصائح ذلك الولد المجهول ، أوصلني للقمّة ثم رحل .. وبغيابه ، تخبّطت وحدي بقراراتي التي كان بعضها سيئاً ، والتي اوصلتني للإنحدار .. ذلك الولد كان رجل بجسم قزم دون تشوهاتٍ جسديّة .. وهي حالة نادرة ، لم تُعرف حتى الآن ! لذلك اطلب من اطباء وعلماء بلدي دراستها ، في حال وجدوه .. وليخبروه ان كل ثروّتي له .. فهو استحقّها بجدارة بسبب افكاره النيّرة الحكيمة .. فعقله يفوق تاج الملك ، وإن كان مُحتجزاً بجسم طفلٍ صغير))

***  


ووصل الخبر للقزم الذي قدم من القرية المجاورة للحصول على ثروّته ، بعد ان عاش مُشرّداً طوال خمس سنوات هروبه من الدار.. ليحصل ما كان يخشاه ، فمنافسا جاك الطامعيّن بتحويل ثروّته لخزينة البلديّة .. تمكنا من إخافة الشعب بأن القزم هو مرسال الشيطان .. وتمّ تحديد يوم اعدامه حرقاً ، امام الجمهور الغفير الذي تجمّع بساحة العاصمة

 

وقبل إشعال الحطب تحت الصليب المُعلّق عليه ، قال بصوتٍ جهوريّ :

((إبقوا دائماً في عتمة الجهل والتخلّف !! أنا لم اسعى يوماً للملك ، بل وجّهت سياسيّاً طيباً لخدمتكم .. بينما تكترثون انتم بالشكل دون المضمون .. اليوم تحرقونني ، فقط لأن جسمي لم ينمو ! .. الشيطان الحقيقي هو جهلكم !! كم من موهوب سحقتموه بغبائكم .. وكم من طفل قتلتم مستقبله بتمسكّكم بتقاليدكم البالية .. انا كنت الشمعة في حياتكم ، أوجّههكم نحو الأفضل .. لكنكم قرّرتم إطفائها اليوم .. لهذا تستحقون اليأس الذي انتم فيه !! .. انا الطفل الرجل .. ورسائلي ستُدرّس يوماً للأجيال القادمة .. ليعرفوا مدى جهلكم وتخلّفكم .. رسائلي هي صرخة عقلٍ ناضج في زمن الطلاسم والشعوذات .. إحرقوني الآن ، لكنكم لن تطفؤا شعلة الفكر ابداً!!))

***


بعد سنواتٍ طويلة .. تم اكتشاف حالات مشابهة للقزم المُعجزة ، التي تمّ دراستها علميّاً في جامعات الطب ببريطانيا والعالم : وهي حالة توقف النمو الجسدي للطفل ، بينما عقله يستمر كرجلٍ طبيعيّ .. اما رسائل اليتيم : فمازالت تُدرّس بكتب التاريخ ، على انه العبقريّ الذي حوكم كشيطان ! والذي لُقّبه العلماء ب(طفلٌ بعقليّة ملك) !             

الخميس، 3 أبريل 2025

دولة الغجر

تأليف : امل شانوحة 

الحكم الفاسد


في إحدى الدول الأوروبيّة .. ارسل رئيس بلديّة العاصمة خطاباً لرئيس حكومته يخبره عن زيادة عدد الغجر في مدينته ، مما يضرّ السياحة بسبب امتهانهم الشحاذة والسرقة ! 

فأعطاه الحاكم صلاحيّة القيام بكل ماهو ضروري للحدّ من انتشارهم 

^^^


بعدها بأيام.. واثناء جلوس صبيٌّ غجري مع امه ، للشحّاذة على جانب الطريق .. سألها ابنها بقهر : 

- امي ، لما نحن منبوذين في كل مكانٍ نذهب اليه ؟! لما تكرهنا جميع الدول ، وتمنعنا الحكومات من تملّك المنازل والأراضي ؟ 

- هذا قدرنا .. فنحن من ذريّة كين الذي قتل شقيقه ، فعاقبه الله بالشتات هو وذريّته

الأبن باستغراب : تقصدين قابيل ؟! الم يغرقوا بطوفان النبي نوح ؟

- لا ادري يا بنيّ .. وهناك قولٌ آخر : ان جد الغجر هو من صنع مسامير صلب المسيح ، لهذا يكرهنا الأوربّيون المسيحيون.. 


الأبن : وماذا عن الأسطورة التي تردّدها جدتي ؟ بأن الربّ في بداية الخليقة اثناء توزيعه الشعوب على البلاد ، إلتهينا عنه بالرقص والغناء .. فعاقبنا بالشتات لآخر حياتنا ، هل هي صحيحة ؟

- لا اظن ، فكبار السن يحاولون تبرير بؤسنا بالخرافات .. والحقيقة ان معظمنا أميّون وعدوانيون ، لهذا منبوذون 

الولد : لكن يوجد منا من يتقن الصيد ورعاية الحيوانات والمهن اليدويّة والعاب الخفّة والسيرك والطبّ الشعبي !  

- لا احد يقدّر ذلك ، لهذا تمّ اضطهادنا كثيراً بعصر العبوديّة والحربيّن العالميّن..

- الهذا لا نملك اوراقاً رسميّة وثبوتيّة ، ويعيش معظمنا بمنازل متنقلة وخيام وعربات الأحصنة ؟!

الأم بحزن : للأسف ، هذا قدرنا !


واثناء حديثهما ، تفاجآ بشابٍ يعطيهما شطيرتيّن ساخنتيّن ! فشكراه وهم يدعيان له بطول العمر .. وتناولاها بنهم من شدّة جوعهما ، وبسبب مذاقها اللذيذ شعرا بالنشاط والحيويّة طوال النهار ! 

^^^


لكن لم يعلما بأن العساكر (المتنكّرين بهيئة شبابٍ عادية) هم من وزّعوا الشطائر المجانية على كل الغجر المنتشرين بالعاصمة ، الذين ما أن تجمّعوا مساءً في اكواخهم (المبنيّة بطريقةٍ غير شرعيّة) حتى عانوا من اوجاعٍ مُبرحة ! 


ومع شروق الشمس ، مات العديد من اطفالهم وعجائزهم ! بينما تمكّن طبيبهم الشعبيّ من إنقاذ البقيّة من التسمّم الغذائي ، بعد اكتشافه بأن الشطائر فيها سمّ بطيء المفعول .. 

مما أزعج قائدهم الذي عرف بأن رئيس البلديّة وراء ذلك ، فهو هدّده الشهر الماضي بالقضاء على اتباعه ان لم ينسحبوا من العاصمة بعد اضرارهم بالسياحة العامة !


فانفجر غاضباً : 

- يظن اعدادنا قليلة .. سأريه وأري العالم من نكون !!

*** 


وبدأ بتجميع الغجر من كل المدن المجاورة اولاً ، والذين ساهموا في احتلال العاصمة .. مما أجبر سكّانها على الهرب للقرى الجبليّة .. 

ولم يكتفي قائد الغجر بذلك ، بل اعلن بالإذاعة الوطنيّة (بعد إحتلال مبناها) عن رغبته بجمع الغجر من كل ارجاء العالم ، مُعلناً هذه الدولة الأوروبيّة الزراعيّة بلدتهم رسميّاً ! 


في البداية ، لم يعتقد حاكم الدولة بأن تهديده حقيقياً .. لكن بعد سقوط المدينة تلوّ الأخرى .. خصوصاً بعد انضمام 10 ملايين غجري امثال : (قبيلة الرّوما القادمين من اوروبا الشرقية..والفلاكس من رومانيا .. وغجر البلقان من اوكرانيا وبلغاريا ..وغجر الكالو من اسبانيا .. ورومن الكاربت من تشيك وسلوفاكيا..والدومر من الشرق الاوسط) بالإضافة لقراصنة الغجر الذين احتلّوا شواطئ الدولة ، بعد طردهم الجيش والقوى الأمنية خارج دولتهم .. خسرت اوروبا هذه الدولة نهائياً التي اصبح سكّانها الأصليين لاجئين في الدول المجاورة! 


بينما استغلّ حكّام العالم ما حصل ، بتسهيل سفر الغجر من بلادهم الى دولتهم الجديدة للتخلّص منهم ، فمعظمهم عاطلي عن العمل ولصوص وشحاذين .. وبذلك تحقّق حلم الغجر بأن يكون لهم موطن يجمعهم ضمن حدودٍ دوليّة !

^^^


وفي حفلٍ عام .. اعلن قائد الغجر : وقف العمل في الدوائر الرسميّة .. قائلاً بفخر :

- لطالما استحقرونا واشمئزّوا منا .. لكننا سنريهم حياتنا الجميلة .. لا عمل بعد اليوم .. فقط احتفالاتٍ دائمة !! 

فهللّ شعبه فرحاً ..

***


وبسبب نقل اعلام الغجر لإحتفالاتهم الغنائيّة الراقصة والصاخبة ، حفّزت شباب الدول الأوروبيّة للوصول لدولة السعادة (كما سمّاها قائد الغجر) لكن دولهم منعتهم بالقوة : بعد زرعهم الألغام البرّية والبحريّة ، ووضع الأسلاك الشائكة على الحدود الفاصلة بين الدولتيّن ، مع وقف الطيران والقطارات الوصول اليهم ! 

بينما تابع الشعب الغجري احتفالاته طوال الليل ، والنوم طوال النهار  

***


وبعد عام ، ابلغ مساعد القائد بأن خزينتهم أفلست تماماً .. وأن مخزون الغذاء انتهى من كل ارجاء الدولة ، بعد ان ذبلت المزروعات ونفقت المواشي لعدم الإهتمام بهما 

فحاول إجبار شبابه على الزراعة من جديد ، لكن لا خبرة لهم بهذا المجال 


فطلب قائد الغجر المساعدة من الدول المجاورة ، الذين رفضوا ذلك .. وسرعان ما انتشرت الفوضى في بلاده .. وبدأ اقوياء الغجر بسرقة المواد الغذائيّة من فقرائهم ، وصولاً لقتلهم وحرق اكواخهم .. مما جعل اهالي الغجر ينقلبون على قائدهم غاضبين :

- انت جمعتنا في هذا الفخ المميت ، كنا نعيش بشكلٍ افضل عندما كنّا مُتفرّقين بأنحاء العالم !!


وبسبب انهيار الأمن في البلاد .. إقترح رئيس البلديّة القديم على حاكمه بغزّوهم ، وإعادة البلاد الى حكمه .. 


فاستعان الحاكم القديم بالقوّة العسكريّة للدول الأوروبيّة الذين ساعدوه بحرب ما تبقى من الغجر الذين يعانون من سوء التغذية ، مما أجبر معظمهم على الهرب عبر البحر .. حيث تمكّن القلّة من الوصول سرّاً لشواطئ الدول المجاورة ، بينما البقية غرقوا بين الأمواج العاتية ! 


بينما فضّل الآخرين العودة لقرصنة السفن التجاريّة .. اما من اعتصم في الداخل ، فقد زجّوا في السجون بعد خسارة دولتهم .. بعد اعدام قائدهم امام الشعب الأصليّ الذي عاد الى دولته اخيراً 

^^^


وفي يوم حفل التحرير الوطنيّ .. تابع ابن قائد الغجر كلام رئيس البلديّة (من جواله ، بعد وصوله لاجئاً لدولةٍ مجاورة) وهو يقول امام الشعب :

((لا تقلقوا !! سنعيد بناء مدينتنا من جديد .. فالأغبياء الغجر !! لم يفهموا انه لا يمكن بناء دولة دون عملٍ وجهد .. وأدّى كسلهم وإحتفالاتهم الدائمة الى انهيار دولتهم ، بعد إبادتنا العديد منهم .. وبذلك تخلّصنا من تلك الآفة القذرة للأبد !!))  


فقال ابن القائد الغجر بإصرارٍ وحنق :

- أتعدّنا آفة ، ايها المُتعالي ؟ حسابك سيكون عسيراً .. فقد قرّرت بناء دوّلتي من جديد ، وجمع شتاتنا من انحاء العالم .. وهذه المرّة لن اعيد اخطاء والدي .. وسأريهم قوّة الغجر بعد الإستعانة بساحراتنا وبصّاراتنا اللآتي رفض والدي الأخذ بمشورتهن .. كما مهاراتنا بالسرقة والإغتيالات ونشر الإشاعات المسيئة .. حينها لن يهزمنا احد !!

وابتسم بخبث !


السبت، 31 أغسطس 2024

ذريّة قابيل

تأليف : امل شانوحة 

الجريمة الأولى


اثناء استراحة قابيل تحت الشجرة بعد دفنه اخيه ، إستيقظ على صوتٍ خافت .. ليرى هابيل يهرب نحو الجبل ، بعد محاولة دفنه حيّاً! 

فتمتّم قابيل بارتباك : 

- الم يمت بعد ؟! 

وخاف من عودته لوالدهما (آدم) وإخباره بما حصل ! ولأنه لم يستطع اللحاق به ، إنطلق قابيل هائماً على وجهه بالبراري.. 


بعدها بسنوات ، أنجب كلاهما ذريّةً ضخمة .. حيث قام اولاد وأحفاد قابيل بإفساد الأرض ونشرهم الفسوق والفجور .. بينما تعبّدت ذريّة هابيل الله في مدينةٍ هادئة خلف الجبل ، دون اختلاطهم بالذريّة الفاسدة.. 


وبنهاية العالم ، بعد ان ساد الدمار والفساد .. ظهرت ذريّة هابيل السرّية ، لتعلن الحرب ضدّ الظالمين وإعلاء كلمة الله من جديد

^^^


وهنا استيقظ قابيل من كابوسه ، وهو يقول فزعاً :

- مستحيل ان هابيل مازال حيّاً ، فقد اوشك على التحلّل فوق كتفي قبل ان يعلّمني الغراب الدفن ! 

وسارع للقبر ، لحفره بكلتا يديه .. الى أن وجد جثة أخيه قابعة هناك


فتنهّد بارتياح : جيد ، مازلت في مكانك ..

ثم نفخ صدره بغرور :

- ذريّتي وحدها ستحكم العالم ، فالشرّ لابد منه..

ليسمع تصفيقاً من بعيد ، من رجلٍ ضخم يلبس رداءً اسود !

فناداه قابيل بقلق : من انت ؟!!

- انا ابليس المعظّم !!

- أأنت من حرمت ابي الجنة ؟!

- وانا ايضاً وسّوست لك بقتل اخيك

فغضب قابيل ، ورمى حجرةً عليه :

- ايها اللعين !! أخسرتني أخي وصديقي الوحيد

فابتعد ابليس عن الحجرة ، وهو يقول :

- انا مخلّد يا عزيزي ، ام أعجبتك فكرة القتل ؟

- إبتعد عني !! لا اريد رؤيتك ثانيةً 


إبليس : إسمعني جيداً ايها الوغد .. إن لم تنفّذ كلامي بالحرف الواحد ، سأخبر والدك بما فعلت .. وربما يدعي ربه ، فيسخطك لحيوانٍ برّي  

قابيل بارتباك : ابي ! كيف لم أفكّر بأمره قبل ارتكابي الجريمة ؟!

- عليك الإبتعاد عنه نهائيّاً

- والى اين اذهب ؟

- إنطلق ، وسأعيّن وجهتك التالية .. هيا اركض !! ماذا تنتظر ؟

قابيل بحزن : وماذا عن امي واختي ؟

- أتظن ستستقبلانك بالأحضان بعد فعلتك الشنيعة ؟ هيا توغّل بالغابة ، ففي نهايته نهرٌ جاري ستعيش قربه.. ولا تقلق من الوحدة ، سأرسل لك النساء بطريقةٍ او بأخرى


فانطلق قابيل مهموماً بالغابة .. بينما اقترب ابليس من قبر هابيل وهو يبتسم:

- جيد انني تخلّصت من البذرة الصالحة

***


بعد قرون .. نزل ابليس من سفينة نوح دون ان يراه احد ، وهو ينفض الغبار عن ردائه الأسود :

- رحلةٌ طويلة بالبحر ، وانا عالقٌ بزريبة الحيوانات النتنة ! لكن لا بأس ، طالما لم أغرق مع الفاسدين


وابتعد عن السفينة ، وهو ينظر للمؤمنين القلّة مع النبي نوح..

إبليس بغيظ : صحيح معظمهم من ذريّة الإبن الثالث لآدم (شيث) مع بعض الصالحين من ذريّة قابيل الذين لم استطع السيطرة عليهم إلاّ انني أنوي تحريضهم على قتل اولاد عمهم ، فهم كجدهم (قابيل) لديهم ميول عنيفة وحبّ السيطرة.. لكن عليّ الإسراع قبل تكاثرهم كالأرانب ، وتعميرهم الأرض التي هي ملك للجن والشياطين.. ومن حسن حظي ان الطوّفان أغرق العديد منهم .. كما انّي فخور بمقتل هابيل قبل زواجه فهو ملاك كوالده ، وذريّته حتماً ستكون من الصالحين .. أما ذريّة إخوته ، فسهلٌ إفسادهم .. (ثم نظر ثانيةً للنبي نوح ومن آمن معه ، قائلاً بحنق) .. إنتظروني ، سأعود اليكم قريباً

وذهب للتخطيط لفساده التالي !

***


لكن يبدو انه فشل بإنهاء البشريّة الذين أصبح عددهم تسعة مليارات نسمة ! مما أفقد ابليس صوابه : فأعطى تعليماتٍ صارمة لكل الجمعيات السرّية في العالم على تلويث الأراضي الزراعيّة والمياه والجوّ ، بالإضافة لنشر الأفكار الشاذّة بين الناس بعد ان وعدهم بدعمه المُطلق للمليار الذهبي ، في سبيل تحرير صديقه الدّجّال (كما وعده) .. لكنه بالحقيقة لا يهمّه عبّاده وعملائه البشريين ، لأن حلمه الوحيد هو إفناء نسل عدوّه الّلدود آدم ، ولأبد الآبدين !!! 


الأربعاء، 14 أغسطس 2024

النِضال المُتهوّر

فكرة : محمد آل غلّاب
كتابة : امل شانوحة 

الخطّة الخفيّة


إحتلّت دولةٌ عظمى إحدى البلدات المسالمة ، مُجبرةً مواطنيها على تنفيذ قوانينها الصارمة.. مما أشعر السكّان بالإستعباد بعد منعهم من الإستفادة من محصولهم الزراعيّ عقب إلزامهم بإرساله الى مصنعٍ تابعٍ للدولة المحتلّة التي أعطتهم نسبةً ضئيلة من الأرباح ، لإدّعائها ملكيّة اراضيهم منذ قرون ! 


وبقيّ هذا الإحتلال لسنوات ، الى ان ثار احدهم مُطالباً بالإستقلال .. وبسبب قوّة خطاباته ، جمع حشداً من المناصرين الذين ساندوه لمقاومة العدوان الغاصب.. والذين تمكّنوا من تنفيذ هجماتٍ إنتحاريّة ، أدّت لأضرارٍ كبيرة بمعسكرات العدوّ الذين شنّوا حرباً مُضادة طوال شهرين ، قضت على آلاف شباب الدولة المحتلّة ، عدا عن سجنها البقيّة تحت التعذيب ! كما اعتدوا جنودهم على النساء والأطفال العُزّل .. وامتلأت المستشفيات بالمصابين والمعاقين ، مع ندرة الأدوية والعلاجات ! 


فجنّ جنون الأهالي ضدّ قائد الثورة الذي أعلن الحرب دون إستعداده عسكريّاً وطبيّاً او توفيره مؤونة وملاجئ آمنة للسكّان .. وما أغاظهم أكثر هو بقائه مُختبئاً بنفقٍ اسفل المدينة ، لينجو مع مساعديه دون اكتراثه بموت الكثير من انصاره ! 

فحصل إنقلابٌ عليه ، بعد هجوم النّسوة والعجائز والمراهقين على بيته لمحاكمته على نضاله المتهوّر !


وقبل تمكّنهم من إمساكه ، تفاجأوا بدخانٍ كثيف يُحاصرهم ! 

بعدها ظهر ابليس وهو يربت على كتف القائد بفخر :

- يكفي هذا القدر .. لقد انقصت عدد شبابهم الثائرين ، وانتهى دورك.. لنعدّ الى مملكتي


وإذّ بقائد المُناضلين يتحوّل الى شيطانٍ شاب ، وهو يسأل ابليس بألم (بعد إصابته من اقتحام منزله) :

- هل انت فخورٌ بي ؟

إبليس : جداً بنيّ.. هيا بنا

واختفيّا تحت الأرض !

^^^


بعد دقائق من الذهول التامّ ، صرخ احد المراهقين غضباً :

- بسبب ذلك اللعين ، قُتل كل افراد عائلتي ! لهذا لن اسكت !! سأقتل الخونة من أعوان الشيطان ، بعدها أُحارب الدولة المحتلّة .. فمن معي ؟!!

فهتفت النساء والعجائز خلفه ، مُساندين مقاومته الجديدة

***


في باطن الارض ، سأل الشيطان المُصاب والده :

- هل تظن اخي الصغير سيُكمل مهمّتي بنجاح ؟

ابليس : نعم .. فبعد تجسّده المراهق اليتيم ، سيقضي على بقيّة الثائرين ..وبذلك نحتلّ الأرض كلّها

وابتسما بخبث !


*****
ملاحظة :
هذه القصة غير مقصود فيها ما حصل بفلسطين .. لأنها قصة تتكرّر في كل زمانٍ ومكان .. الجهاد يجب ان يكون خالصاً لله ، وهذا نادر في ايامنا !

الجمعة، 22 ديسمبر 2023

الطب عبر العصور

تأليف : امل شانوحة 

آلة السفر بالزمن


زار طبيبٌ متخرّج حديثاً ، جرّاحاً مُتقاعداً :

- لوّ سمحت دكتور ، اريد التتلّمذ على يديك

الجرّاح : انا كبرت بالسن ، واستقلت من عملي 

- اعلم ذلك .. لكنك الطبيب الأول في بلادنا ، وربما في العالم كلّه

- انت تبالغ

الطبيب : لا سيدي ، فقد قمت ببحثٍ شامل عن أفضل اطبّاء العالم .. وانت الوحيد الذي نجحت جميع عمليّاته دون اخطاء ! حتى اصعب الحالات ، إنشفت على يديك ..واريد تعلّم مهارتك النادرة .. فحلمي ان اكون بارعاً مثلك ، وأنقذ اكبر عددٍ من المرضى

الجرّاح : يُعجبني حماسك .. لهذا سأوافق على طلبك ، لكن بشرط !! ما سأخبرك به ، يبقى سرّاً بيننا

فاستغرب الشاب من سرّية خبرته ! ومع ذلك وافق على كتمان الأمر 

***


ثم أخذه الجرّاح الى قبوّ فلّته .. ليجد في الزاوية ، كرسي خشبيّ داخل آلةً حديديّة على شكل كرةٍ صدئة !

الشاب بدهشة : ماهذه ؟!

الجرّاح : آلة سفرٍ عبر العصور 

- انت تمزح !

الجرّاح بحزم : إن اردّت الإستهزاء ، فعُدّ من حيث اتيت !!

الشاب : لا سيدي .. كنت اتساءل فقط ، إن كان بالإمكان الإنتقال للمستقبل بهذه الآلة المُهترئة ؟! 

- هي فقط تُعيدك للعصور القديمة .. فالعالِم الذي اخترعها ، مات قبل تحديثها  للإنتقال الى المستقبل 

- وماذا سنستفيد بالعودة للوراء ؟! فالعلوم الطبيّة في زمننا ، متطوّراً بأشواط عن العصور المُتخلّفة ! 

الجرّاح : وما كان ليتطوّر لولا الأوبئة الخطيرة التي أصابت البشريّة في العصور الماضية .. تخيّل إمكانية علاجك للمرضى القدامى بخبرتك الحاليّة ، حينها ستنقذ الآلاف منهم.. اليس كذلك ؟

- وهل الآلة مضمونة لإعادتي الى هنا سالماً ؟

- بصراحة لم استخدمها منذ عشرين سنة.. وهي السبب في زيادة خبرتي الطبيّة


الشاب : وهل أنقذت المرضى السابقين ؟

- الكثير منهم.. لكني لن اخبرك الطريقة ، لأنه عليك اكتشافها لوحدك لتطوير مهارتك.. هيا اجلس في الآلة 

فوقف الشاب مُتردّداً امامها ! 

الجرّاح : يبدو انني أضيّع وقتي .. يمكنك الذهاب ، وأيّاك إخبار احد بآلتي

- لا !! اريد تجريبها حقاً  

وجلس على الكرسي ، وهو يشعر بالقلق !


وقبل إغلاق الكرة عليه .. وضع الجرّاح امام قدميه ، حقيبة سفرٍ صغيرة .. قائلاً : 

- ستجد فيها مِجهراً متطوّراً لاكتشاف الجراثيم والميكروبات .. وبعض المحاليل الكيميائيّة لتركيب عقاقير ، لأهم امراضهم المُعديّة .. كما وضعت لك بحثاً ورقياً عن الإكتشافات التي ساهمت بالعلاجات الفعّالة .. اما كيفيّة تحضير الدواء ، فمتوقف على براعتك..

الشاب بقلق : وهل ممكن أن أُعدى بأمراضهم ؟! 

- إحتمال وارد


ثم اغلق الجرّاح بابيّ الكرة الحديديّة عليه .. فناداه الشاب من الداخل:

- سيدي !! ماذا سيحدث الآن ؟

الجرّاح : ستدور الآلة حول نفسها بسرعةٍ كبيرة ، لهذا ضعّ حزام الأمان.. وعندما تتوقف عن الحركة ، تكون وصلت لأحد العصور القديمة 

- أيّ عصر ؟!

- الآلة هي التي تختار لك ، فهي مُبرمجة على اكثر العصور تضرّراً من الأوبئة المُعديّة.. لكنها بالعادة تأخذك لعصرٍ قديم ، ثم لعصورٍ تليها .. الى ان تعود لحاضرنا .. بالتوفيق لك !!

وبالفعل دارت بقوّة لعشرات المرات ، قبل توقفها !

***


حين فتح الطبيب الشاب باب الكرة ، وجد نفسه داخل بيتٍ صغير ! 

فخرج منه .. ليجد نفسه في شارعٍ مُرصّفٍ بالبلاط الصغير ، الخاصّ بعربات الخيول ..اما المارّة فيلبسون زيّاً قديماً ، يُشبه ما شاهده بكتب التاريخ ! 

فتساءل بنفسه :

((ترى في أيّ عصرٍ انا ؟!))


ولم يأخذ منه وقتٌ طويل لمعرفة التاريخ ، بعد رؤيته الحرّاس يجلدون شخصاً مجذّوماً لإجباره على ركوب العربة الحديديّة ، التي تبدو كسجنٍ صغير ! وحسب كلام الناس المُتجمّهرة هناك .. عرف انه في فرنسا ، بزمن الملك فيليب الخامس الذي أصدر حكماً بحرق المجذّومين ! 


ولأنه يتقن اللغة الفرنسيّة .. أقنع رئيس الحرس بأخذه للملك ، كونه طبيباً شهيراً قادماً من انكلترا (كما ادّعى) وانه على وشك إكتشاف علاجٍ فعّال للجذام ، لكنه يحتاج لبعض الوقت لتركيب العقار .. لذا عليه إقناع الملك بتأجيل عمليّة الحرق الجماعي للمجذّومين


وبالفعل اقتنع الملك بالتأجيل بعد إمهال الطبيب الشاب اسبوعين فقط ، لإيجاد العلاج للمرض المُعدي المُقزّز !

وسمح له بسكن إحدى غرف قصره ، لمتابعة ابحاثه الطبيّة 


وهناك قرأ الشاب البحث الورقي الذي اعطاه إيّاه الجرّاح (الذي وجده في الحقيبة)

قائلاً في نفسه :

((حسب المكتوب بالبحث : فالجذام ظهر في عام 1321 في فرنسا ، أيّ قبل عقود من الطاعون الأسود ! وهو مرضٌ بكتيريّ مُعدي .. والعلاج اكتشفه جيرهارد أرماور هانسن ، بعد اكتشافه عام 1873 الفطريّة الجذاميّة ، بمضاد حيويّ يُسمى دابسون))

ثم قال بضيق : 5 قرون بين المرض واكتشاف العلاج ! لا ، عليّ تركيب عقار دابسون بالحال 


وفتح الحقيبة الجلديّة التي فيها المحاليل الكيميائيّة التي يحتاجها للدواء ، عدا عن المجهر المتطوّر الذي سيُعاين فيه عيّنات لبعض المرضى المحبوسين في زنزاناتٍ قذرة ، لحين إعدامهم ! 


وبالفعل استطاع علاج الأشخاص المصابين بالجذام في مناطق معينة من اجسادهم .. لكن من تفاقم مرضه بكافة جسمه ، فلم يستطع إنقاذه من الإعدام وحرق جثته ! مما اصابه باليأس ، فهو كان يأمل بإنقاذ اكبر عددٍ من المرضى .. لكن يبدو ان بعضهم مقدرٌ له الموت!


وعاد مُحبطاً للآلة المُخبأة داخل بيتٍ فارغٍ صغير ، وجلس فيها على امل عودته لفيلا الجرّاح لإخباره بما حصل

***


بعد دورانه عدّة مرات ، خرج من الآلة التي وجدها هذه المرة مُخبّأة في مخزنٍ مهجور ! 

وما ان خرج للشارع ، حتى لاحظ امرين : اولاً الفقراء يحمون وجوههم بالشالات الباليّة .. بينما الناس الأغنياء (حسب ملابسهم) يضعون قناعاً غريباً على وجوههم ، يُشبه المنقار !


فعلم فوراً إن الآلة نقلته لعصرٍ اسوء بكثير : عصر الطاعون الدبلي او «الموت الأسود» ! الذي بدأ عام 1347 ، وحصد أرواح ثلث سكّان أوروبا !


اما الأمر الثاني الذي لاحظه : هو امتلاء الشوارع بالفئران ! عدا عن الذباب والبعوض المنتشريّن في الجوّ ، والّلذان يساعدان بنقل المرض من القوارض للبشر


وهنا اقترب منه الشرطي معاتباً :

- انت يا سيد !! لما لا تضع القناع الواقي ؟ 

الشاب : لكني لاحظت ان ليس كلهم يضعون قناعكم المخيف ! 

- اولئك الفقراء ، ولا يهمّنا امرهم .. لكنك تبدو من الطبقة المخمليّة ، والأفضل ان تضع واقياً على انفك وفمك ، كيّ لا تصاب بالطاعون المُتفشّي بيننا

الشاب : بل انا من عليّ سؤالك .. كيف تتركون هذه الفئران حيّة ، وهي السبب الرئيسي لانتشار الطاعون

- لا !! الطاعون انتشر بسبب السحرة ..وقد احرقنا معظمهم .. ونبحث على البقيّة المُختبئين في الغابات والأودية .. وحين نقتلهم جميعاً ، تنتهي اللعنة على بلدنا 

الشاب : انا طبيبٌ محترف ، وأعلم جيداً بأن القوارض هي السبب الحقيقيّ لانتشار مرضكم المميت 

الشرطي : طالما طبيب ! فسآخذك عند رئيس البلدية ، لتخبره بشكوكك .. لكن ضعّ واقيّاً اولاً ، لحماية نفسك 


فأخرج الطبيب من جيبه قناعاً طبّياً حديثاً ..

الشرطي بدهشة : ماهذه القماشة الزرقاء ؟!

الشاب : ستنفع بحمايتي ، لا تقلق بشأني


ورغم إصرار رئيسهم بأن السحرة هم السبب ، لكنه وافق على وضع إعلان عن جائزةٍ ماليّة لمن يقتل اكبر عددٍ من الفئران .. كما معونةً غذائيّة لمن يساعد بتنظيف الطرقات من النفايات المنتشرة بكل مكان ! 


وسرعان ما انشغل الفقراء بقتل الفئران ، وتنظيف المدينة بأكملها خلال ايام ! بينما انشغل الطبيب بصنع تركيبته الكيميائيّة لعلاج الطاعون .. ((فبعد مراجعته ملف الجرّاح ، إستنتج أن هذا المرض استمرّ طويلاً ! الى ان اكتشف ألكسندر اميل جان يرسين ، طبيبٌ وعالم بكتيريّات فرنسي سويسري العصيّة المسؤولة عن الطاعون الدملي عام 1894)) 

والمعلومات التي وجدها بالبحث ، ساعدته على تركيب العقار الشافي

 

ومن بعدها ذاع صيت الطبيب الشاب في كل مكان ، بعد علاجه اوروبا بأكملها من المرض الأسود.. 

وعندما تلقى دعوةً من الملك الظالم (المعروف بقتله المشاهير ، لنرجسيّته المُفرطة) اسرع الطبيب الى الآلة المُخبّأة في المخزن المهجور ، وهو ينوي العودة لفيلا الجرّاح..

***


وإذّ به ينتقل للقرن الثامن عشر ! عرف ذلك فور رؤيته اشكال المرضى في الشارع ، بينما المارّة يحاولون تجنّبهم وهم مُشمئزّين من حكّهم الدائم لجلودهم المليئة بالجدري المًعدي الذي قتل 400,000 الف شخصٍ سنوياً في اوروبا 


ومن حسن حظهم أن الطبيب يحفظ علاج هذا المرض جيداً ، لأنه درسه بالجامعة .. قائلاً في نفسه :

((على ما أذكر انه في عام 1796 قدّم إدوارد جينر ، لقاح الجدري الحديث بعد أخذه عيّنة من قيح مرض الجدري المميت ، صانعاً منه الطُعم الشافي .. جيد ان المحاليل الكيميائيّة اللازمة لذلك العقار في حوذتي .. سأبدأ بصنعها حالاً)) 


واستطاع تأجير غرفة ، بعد رهنه ساعته الفضيّة .. وفي غرفته ، قام بتركيب الطُعم التي وافقت صاحبة النُزل على تجربتها على ابنها الذي يحتضر بعد إصابته بالحمّى من أثر الطفح الجلديّ .. وفور تعافيه ، إنتشر الخبر بين الناس .. ووصل للمسؤولين الذي وفّروا له كل ما يلزم لصنع اكبر قدرٍ من التطعيمات التي انقذت آلاف البشر .. وعاد لآلته المُخبّأة في الغابة ، وهو ينوي إخبار الجرّاح بإنجازاته الفخور بها

***


لكن الآلة نقلته لسنة 1917 (قبل عام من انتهاء الحرب العالميّة الأولى) حيث تطوّع لعلاج آلاف الجنود المصابين داخل المستشفيات المُتنقّلة .. 

وكان مُجبراً على تقسيم الجرحى بين ما يمكن إنقاذه ، وبين من يدعه يموت لقلّة الأدوات الجراحيّة والأدوية الطبيّة  !


وقد حاول جاهداً إنقاذ العديد منهم ، لكنه اضّطر احياناً لبتر اعضاء الجنود اليافعين الذين كان بالإمكان علاجهم لوّ أصيبوا بزمنٍ غير الحروب ! مما خلّف العديد من الشباب المعاقين المُحطّمين نفسيّاً !


بعدها عاد مُنهكاً للآلة ، وهو يتمنّى العودة لعصره بعد أن أتعبته التجربة الصعبة

***


لكن الآلة دارت لفّتين فقط ، قبل توقفها من جديد !

وحين خرج منها ، سأل احد المارّة عن التاريخ .. ليعلم انه انتقل سنةً واحدة للمستقبل ! وأصبح بعام 1918 ، بعد شهور من انتهاء الحرب!

فتساءل بنفسه باستغراب :

((لما لم تنقلني الآلة لعصرٍ مُغاير ؟!))

 

وبدأ بسؤال الناس ، حتى عرف عن انتشار مرض الإنفلونزا الإسبانيّة التي أصيب بها خلال شهورٍ قليلة : 500 مليون شخص ، بينما توفيّ ما بين 50 إلى 100 مليون شخصاً ! وهو رقمٌ مهول ، يُضاف الى ضحايا الحرب العالميّة الأولى ! 

والأسوء ان معدلات الوفاة مرتفعة عند الشباب البالغين الذين امتلأت رئتهم بالسوائل ! 


فأخرج الطبيب الملف من حقيبته ، وفتحها على قسم الإنفلونزا الإسبانية .. ليجد ان علاجها تأخّر حتى سنة 1928 ، بعد اكتشاف المضاد الحيويّ البنسلين لعلاج فيروس الإنفلونزا H1N1...

الشاب بحماس : البنسلين !! أحفظ تركيبته جيداً .. لكن عليّ الإنتقال اولاً الى المرضى 


وسأل الشرطي :  

- لوّ سمحت !! خذني الى المعسكر مرضى الإنفلونزا ، فأنا طبيبٌ محترف

الشرطي : أحقاً ! نحن بحاجة لأطباء ، لعلاجنا من هذا المرض المميت.. لكن عليك حماية نفسك ، فهو مُعدي جداً

فوضع كمّامته الزرقاء ، قائلاً :

- لا تسأل ، هي فعّالة للغاية.. هيا خذني اليهم


وأخذه للمعسكر المليء بالمرضى الذين يسعلون بقوةٍ ، وتعبٍ شديد.. وطلب الطبيب من المسؤول عنهم ، غرفةً خاصة لبدء تركيبته لعلاج مرضهم ..


وفي غرفته الصغيرة .. إستعان بالمحاليل الموجودة بحقيبة الجرّاح .. كما عيّنات المرضى ، لمراقبتها تحت المجهر المتطوّر الذي اخفاه عن بقيّة الأطباء هناك ، لعدم انكشاف امره .. 


ولم يمضي يومان ، حتى أنجز مهمّته الصعبة .. وطلب مُتطوّعاً لتجربة الحقنة عليه ..فخاف المرضى من فشل الطبيب (الجديد على منطقتهم) .. 

فرفع عجوزٌ يده : 

- انا احتضر بجميع الأحوال.. جرّبها عليّ


وبعد الحقنة .. غفى العجوز بنومٍ عميق ، بعد تخلّصه من السعال المزعج ... وانتظر الجميع نتيجة العلاج ، التي ظهرت في اليوم التالي بعد شعور العجوز بنشاطٍ مفاجىء ! مُنادياً بعلوّ صوته :

- لقد نجح العلاج !! لم اسعل منذ البارحة .. انا بخير !!


فطالب الجميع الطبيب الشاب ان يعالجه بحقنته السحريّة لإنقاذه من الموت.. خاصة اهالي الأطفال المرضى .. 


فجمع بقيّة الأطباء في مختبرٍ طبّي بدائي ، لصنع اكبر كمية من العقار الشافي ..وحقنوا اولاً المرضى ، الذين تعافوا خلال ايام .. ثم بدأوا بحقن بقيّة السكان لحمايتهم من المرض المميت ... وسرعان ما انتقلت تركيبته الكيميائيّة للبلدان المجاورة للوقاية من الإنفلونزا القاتلة .. 


وخلال اسابيع ، إنشهر الطبيب الشاب بالصحف الورقيّة بعد اكتشافه علاج المرض المُعدي.. وعندما ارادوا معرفة المزيد عنه ، وسؤاله عن ثيابه المختلفة عنهم ..خاصّة بعد اكتشاف احد الأطباء لمجهره المتطوّر .. تسلّل ليلاً بالطرقات الفارغة ، للعودة الى الكوخ الصغير على اطراف المدينة .. وجلس في آلة الزمن ، ليدير مفتاحها ..وهو يأمل العودة لفيلا الجرّاح ، وإخباره بما حصل 

***


وبالفعل عاد الى قبوّ فيلّا الجرّاح الذي وجده يشرب الشاب ، وهو يسأله :

- كيف وجدّت التجربة ؟

الشاب بصدمة : هل انتظرتني هنا لشهور ؟!

فنظر الجرّاح لساعته :

- انت غائب منذ نصف ساعة فقط

- أمعقول انني تنقّلت بين أربعة عصور بنصف ساعة ؟ هذا مستحيل!!

- نعم ، فالآلة اسرع ممّا تتصوّر .. لم تخبرني بعد ، كيف كانت النتيجة ؟ هل مازلت تريد إنقاذ البشريّة كلها ؟! 

الشاب بخيبة امل : يبدو الأمر مستحيلاً

- طبعاً ، فهناك من سيُصاب بإعاقة او مرضٍ مزمن ، وحتى الموت ..وهو شيء ليس بأيدنا ، فلا تلمّ نفسك .. كل ما عليك فعله ، هو علاجهم قدر الإمكان .. والباقي ، أتركه للقدر .. 


الشاب : لكنك الطبيب الوحيد الذي لم يمت أحد على طاولته الجراحيّة طوال مسيرتك الطبيّة ؟

الجرّاح : هذا لأنني لا اعالج المُحتضرين.. فكلما تعمّقت بهذا المجال ، سيصبح لديك خبرة لمعرفة من يمكن إنقاذه او لا .. فاخترّ مريضك بعقلك ، لا بعاطفتك..

- وهل ندمت يوماً على ذلك ؟

- ندمت مرة ، بعد رفضي إجراء عملية جراحيّة لأمي بسبب فحوصاتها المُخبريّة السيئة ، لأني لم اردّ موتها على يديّ .. لكن كلمتها الأخيرة أحزنتني : بأنها لم تستفد شيئاً من علم ابنها الذي فضّل سمعته الطبّية على إنقاذ والدته !

الشاب : لا تلمّ نفسك ، فحالتها كانت صعبة (كما اخبرتني) ولا مجال لإنقاذها

- ليتني حاولت بدل إنسحابي المُخزي .. (ثم تنهّد بضيق).. على كلٍ ، هل استفدّت من تجربتك الغريبة ؟

- يعني ، أصبحت اكثر خبرة بالتعامل مع المرضى

الجرّاح بفخر : أحسنت !! والآن يمكنك خوض معاركك الطبيبّة ، وانت على ثقة من نجاحك بعد تجربتك للعلاجات القديمة.. (ثم وقف للسلام عليه) .. عُدّ الى منزلك ، لترتاح قليلاً.. ورجاءً لا تخبر احداً بهذه الآلة.. اساساً خرج منها دخان قبل توقفها عن الدوران ، وأظنها تعطّلت نهائياً ! لهذا سنظهر كغبيّن إن اخبرنا الناس والإعلام بتجربتنا الغريبة


فوعده الشاب بكتمان السرّ .. وعاد الى منزله وهو يأمل بتفوّقه على زملائه في نجاحاته القادمة ، بعد اكتسابه خبرةً طبيّة من تجربته الفريدة .. والأهم من ذلك ، أنه سيحاول جاهداً لعلاج أكبر قدرٍ من المرضى حول العالم ! فهي نيّته منذ التحاقه بكليّة الطبّ .. والتي لن يعرف قيمتها سوى من يملك في قلبه ، الرحمة الإنسانيّة النادرة ! 


الثلاثاء، 26 سبتمبر 2023

الأميرة المأسورة

فكرة : إبن العراق
كتابة : امل شانوحة 

ماري الأسكتلنديّة 


- إختبئوا بسرعة ، فهم على وشك الوصول الينا !!


أطلقت هذا النداء (ماري) ابنة رئيس العشيرة ، لتحذير النساء والأطفال للإختباء بأكواخهنّ ، بعد فشل رجالهنّ بإيقاف الجيش الإنجليزيّ من اقتحام قريتهم الأسكتلنديّة الصغيرة (بالقرن الماضي) بعد معركةٍ دمويّة خلف التلال ، التي خاضوها قبل يومين ! 


فركضنّ بفزعٍ وهنّ يحملنّ صغارهنّ ، للإحتماء في بيوتهنّ الخشبيّة!

بينما راقبت ماري (من خلف النافذة) جيش العدو وهو يقتحم قريتهم ، للإطمئنان على والدها وأخويّها ، على أمل أن يكونوا من ضمن الأسرى ، فهم ما تبقّى لها من عائلتها وأقاربها بعد معاركٍ عديدة مع الإنجليز الذين يصرّون على ضمّ بلادهم الزراعيّة لمملكتهم الظالمة! 

***


بعد قليل ، أعلن منادياً من العدو : عن مقتل جميع رجال القرية ! 

لتتعالى صرخات النساء والأولاد من داخل منازلهنّ .. مع تأمّل ماري أن يكونوا احتفظوا بوالدها حيّاً ، لمكانته الكبيرة بين قبائل الأسكتلنديّة !


لكنها انهارت بالبكاء بعد رؤية رأسه المشوّه ، مُعلّقاً على رمح القائد المتغطرس الذي أعلن بصوتٍ جهوريّ :

- الآن جاء دوركنّ !! ستكوننّ جواري بقصر الملك .. وأولادكنّ عبيداً لجنودي .. هجوم يا رجال !! وأيّ واحدة تقاومكم ، أقتلوها في الحال!!  

^^^


بأقل من ساعة .. تمّ تقيد نساء واطفال القرية بحبالٍ مُتّصلة ، وهم يمشون مُرغمين فوق الوحل ، باتجاه القصر الملكيّ الذي يبعد مسافة ثلاثة ايامٍ عن قريتهم .. 

لتبدأ معها رحلة العذاب دون طعامٍ او ماء .. ومن يتوقف عن المشيّ ، يُقتل امام عائلته ! 


حتى ماري ، لم يرحموا مكانتها الكبيرة بينهنّ .. وجعلوها في مقدّمة الأسرى ، وعيونها مغرورقة بدموع الذلّ والإهانة .. فهي لم تتعوّد على الحياة الوضيعة ، كونها الإبنة المدلّلة لوالدها (الزعيم العادل)

***


في الطريق ، غرقت ماري بأفكارها المُحبطة : 

((هذه هي الغربة التي حذّرني منها والدي : البُعد عن الوطن مُرغماً .. فبعد أن كنت أتنزّه يومياً مع أحبابي  .. أمشي الآن مع قتلة عائلتي وأهالي قريتي وهم ينهالون علينا بألقابٍ مُهينة ، لم نعتدّها في حياتنا المسالمة ! 

وبسبب معاملتهم المستفزّة ، شحبت وجهونا وانطفأ النور في عيوننا واختفت ابتسامتنا ، اثناء سيرنا نحو مصيرنا المجهول ! 


وفي حال حصلت معجزة ، وفُكّ أسرنا .. لن يعرفنا أحد ، بعد أن ذُلّت كرامتنا وكُسرت شوكتنا .. فبعد أن كان السيف ، هو العِزّة والقوّة .. أصبحت أرتعدّ كلما لوّحوا بالسيف ، لمتابعة المسير .. غير آبهين بقدمايّ الّلتين تنزفا تعباً ، ومعدتي التي تعتصر جوعاً .. ومع ذلك أشفق على الصغار الذين يكتمون دمعتهم من شدة الخوف والألم! 


وهآ انا أرقب خيالي ، دون تذكّر آخر مرّة رأيته بوضوحٍ هكذا ! فقد اعتدّتُ الخروج من منزلي مع غروب الشمس ، دون خوفي من عتمة الليل .. فأنا ابنة رئيس العشيرة التي ينحني لها الرجال احتراماً وتقديرا ! والآن لا أميّز ظلّي الذي دُمج بظلال النّسوة والأطفال المرتعبين !


وبعد تميّزي بنعومة اليدين وعطري الذي يفوح في الطرقات ، لخدمة العاملات لي طوال حياتي ! هاهي ملابسي مُبتلّة بالعرق ودموع الذلّ والقهر ، وأنا امشي بين الأسرى الذين أشعر بخوفهم ، من تنهيداتهم المُرهقة وعيونهم الدامعة .. وصغارهم الذين يحاولون الإلتصاق بي ، لرؤيتي للمرّة الأولى دون حرّاس والدي !


وكأني البارحة كنت أميرتهم ، وبلمحة عين خسرت كل شيء .. فلم يعد بإمكاني تقدير نفسي .. وكيف أفعل ، بعد فشلي بحمايتهم ؟ بعد أن وصّاني والدي بهم ، قبل قيادة رجالهم الى حربهم الأخيرة ..  


وصدق ابي حينما قال : ((لا كرامة دون وطن)) 

وخوفي أن تتلاشى صور عائلتي بمرور الزمن ، رغم محاولتي تذكّر لحظاتنا السعيدة ، لتصبير نفسي عمّا ينتظرنا ببلاد الأعداء.. 

أتمنى لوّ باستطاعتي العودة للماضي ولوّ ساعة ، لإخبارهم بمحبتي لهم ، ورغبتي البقاء معهم لمواجهة ذات المصير ، بدل استعبادي آخر عمري .. فكوخٌ صغير فوق تلال بلادي ، أفضل من العيش خادمة بقصر ملك الإنجليز الظالم .. 

^^^


وتابعت كتابة مذكّراتها في المساء ، على نور شعلة الجنود : 

((سمحوا بنومنا حتى الصباح بعد إعطائنا الخبز اليابس ، ونحن نراقبهم يشوّون خِرافنا التي سرقوها من حظائرنا ! 


الآن ، اهالي قريتي نائمون من شدّة التعب .. بينما شاهدت مناماً قبل قليل لوالدي يُلوّح فوق حصانه ، قبل ذهابه للحرب .. وعندما استيقظت ، رأيت رأسه مُعلّقاً على رمح القائد اللعين ، الذي ينوي إهدائه للملك !

 

كم أتمنى نسيان فاجعتنا المرعبة ، وتذكّر مناسبات قريتي السعيدة .. لكني أدرك أننا ابتعدنا كثيراً عن ماضينا الجميل ، مع كل خطوةٍ نتجّهها نحو مستقبلنا الذليل الغامض 


قريباً لن يهتم أحد بمكانتي القديمة ، ولا نسبي الرفيع .. فأنا مجرّد اسيرة ذليلة ، كبقيّة نساء قريتي .. فهم قيّدوا احلامنا بالسلاسل مع ايدينا وأقدامنا .. ومع ذلك نأمل أن ينقذنا ابطال القبائل الأسكتلنديّة الأخرى ، قبل وصولنا للقصر الذي قُتل وعذّب في سجونه آلاف الأبرياء .. 


وأظنهم لم يقتلونني ، لأكون كبش فداء ! وإثارة غضب بقيّة العشائر ، لافتعال الحروب معهم ، بنيّة القضاء عليهم الواحد تلوّ الآخر ! 

بجميع الأحوال .. أصبحت غريبة في وطني ، ووحيدة الفِكر والروح)) 

***


في القسم الأخير من مذكّراتها ، كتبت : 

((بعد سفرٍ طويل وحرماننا من الطعام المُغذّي ، وضربنا بالسيّاط والعصيّ في حال سمعوا صوتنا او بكائنا ، وصلنا للقصر الذي سمعنا عنه طوال حياتنا ..

 

وبدخولنا اليه ، بدأت معاناتنا الحقيقيّة.. فكل من خالف اوامرهم ، أُعدم بالمقصلة .. ولم يرحموا الأمهات اللآتي شاهدنّ مقتل اطفالهنّ الذين رفضوا الإعتداء عليهم من جنودهم الغوغائيين ! ..كما قتلوا كل من انهارت قواه ، بعد جهدٍ مضني لأيامٍ متواصلة .. عدا عن الذين عُذّبوا دون سببٍ واضح ! كأنهم أحضرونا لإفراغ غضبهم علينا 


وظلّ الوضع بائساً طوال الستة شهور ، لحين قتلهم جميع الأسرى الثمانين بمختلف اعمارهم ، من النساء والأطفال !  


وبقيت وحدي بعد هلاك قريتي .. ممّا جعلني أشعر بتأنيب الضمير لعدم حمايتهم ، كوني أميرتهم التي خذلتهم ! 

لكن يبدو انني سألحقهم قريباً .. فالملك العجوز غاضبٌ مني ، بعد رفضي الرقص له كبقيّة جواريه ! .. فهل سيدفنونني بعد قتلي ، ام سيحتفظون برأسي كما فعلوا مع ابي الذي مازالت جمجمته مُعلّقة على اسوار قصرهم الكئيب ؟!

^^^

 

قصر الملكة إليزابيث في اسكتلندا


هذا ما كتبته ماري بالريشة ، في دفترها الصغير (المصنوع من جلد الماعز) .. 

وقد وجده جورج (10 سنوات ، حفيد الأميرة ديانا) في قبوّ قصر جدته الصيفيّ (في اسكتلندا) .. فأخفاه بعيداً عن والده وجده.. 


وبعد إنهاء قراءته في غرفته الخاصّة ، انتفض رعباً من آخر عبارةٍ مكتوبة في الدفتر الأثريّ :

((انا الأميرة ماري المبجّلة ، التي انتهت حياتي كأسيرةٍ مذلولة : أطلب ممّن يجد كتابي هذا ، أن يُعيد هيّبتي وكرامة اهل قريتي : بمعاقبته المسؤولين او احفادهم عن ظلمهم لنا ، بخلال اسبوعٍ واحدٍ من قراءته مذكّراتي.. وإلاّ !! ستحلّ عليه لعنة الثمانين روحاً ، بالإضافة لأرواح رجالنا الأربعين .. حيث نعده جميعاً : بتعكير حياته لآخر عمره إن بقيّ صامتاً عن إبادتهم لنا ، في عهد الملكيّة الظالمة))


فتساءل جورج بخوف : 

- ماذا عليّ فعله لإعادة الحقّ للأرواح المظلومة ؟! هل أنشر مذكّراتها من خلال مقابلةٍ صحفيّة ، او بوسائل التواصل الإجتماعي ؟ او أسلّمه لجدي الملك ؟ او أعيده الى مكانه في القبو ؟ ام أحرقه في المدفئة ؟ .. وماذا سيحصل إن تخلّصت منه ؟ هل فعلاً ستعاقبني ارواحهم ، كوني وريث العرش البريطانيّ ؟! 

^^^


ونام الصغير تلك الليلة ، مُرهق التفكير .. دون علمه باكتظاظّ غرفته بأرواح القريّة الأسكتلنديّة التي تنتظر قراره الأخير بشأن إظهاره الحقّ عن مذبحتهم الوحشيّة ، وإلاّ سيحرمونه العرش طوال حياته .. وربما يعذّبونه بجميع الوسائل المتاحة لهم في العالم الآخر .. والأسوء أن لديه اسبوعاً واحداً فقط ، لتقرير مصيره المحتوم !


الجمعة، 2 يونيو 2023

سيّاف الملك

تأليف : امل شانوحة 

الحاكم الظالم


في العصور القديمة .. أراد الشاب المدلّل (الذي استلم حكم البلاد حديثاً) إثبات قوّته لشعبه (المُعتاد على عدل والده المرحوم) من خلال حملةٍ واسعة للقبض على معارضيه : سواءً الشعراء والعلماء ، او القيّاديين البارزين الذين نصروا والده بالعديد من المعارك السابقة !


كما قام بتغيّر كل من حوله ، ممّن حصلوا على مناصبهم بجدارة .. رغبةً بتعيين زملائه وأصدقائه (الفاسدين مثله) بدل العجائز الذين اختارهم والده بحنكةٍ وذكاء !


ورغم الغضب المكبوت من شعبه وقادته ، إلا انهم التزموا الصمت بعد الإعدامات المتكرّرة من سيّاف الملك (الوحيد الذي بقيّ في عمله ، لقوّته وصلابة قلبه)

***


في أحد الأيام ، سمع الملك الفاسد شعراً غزليّاً مميّزاً.. فأمر بخطف خطيبة الشاعر ، وضمّها الى جواريّ قصره ! 

مما أفقد الشاعر صوابه ، وصار يهجوه في الأسواق كل يوم ..


وكما توقّع الجميع ، أمر بإعدامه دون محاكمة !

***


في الموعد المحدّد ، قدم السيّاف ومعه السيف الذي يقطر دماً .. فعاتبه الملك :

- أوسخت سجّادي العجميّ بدماء الفاسق .. هل قتلته ببطء كما أمرتك؟

السيّاف : بل فعلت أكثر من ذلك .. (وأشار للنافذة)  


فنظر الشاب لساحته ، ليجد رأساً مُعلّقاً على سور قصره !

- يبدو وجهه مشوّهاً ! هل هو ذاته الشاعر الوسيم ؟!  

السيّاف : طبعاً !! بعد قلع عينيه ولسانه الطويل ، وغليّ رأسه بالماء الساخن قبل قطعه  

- انت حقاً تستحق وظيفتك ، فقلبك ميّت كما أخبرني والدي ! ..لكن ليتك سألتني قبل تعذيبه ! فأنا اردّت وجهه كما هو ، ليعلم الشعراء مصيرهم في حال هجوني او نقدوني ..

- كان عقاباً عادلاً بعد نقده ملِكنا المُعظّم 

وانحنى احتراماً ..

الملك : حسناً ، شكراً لك .. أتعبتك بكثرة إعداماتي .. كم صار عددهم حتى الآن ؟


ففكّر السيّاف قليلاً ، قبل أن يقول : 

- منذ توليّك الحكم .. خمسون معارضاً من كبار العلماء ورجال الدين والشعراء والقادة العسكريّن ، وبعض الرعيّة الذين ادّعوا محاربتهم الفساد!

الملك : وسأقتل المزيد إن اضّطررت لذلك ، كيّ لا يجرؤ احد على نقد حكميّ الرشيد .. الآن عدّ لمنزلك ، سأناديك عند حاجتي اليك 

- برعاية الله ، يا مولانا المُبجّل

*** 


لم تمضي شهور ، حتى أصبح الحديث عن الملك مُحرّماً بين الناس ، بعد نشر المخابرات بينهم !

 

في بداية الصيف .. وصلت للملك رسالة من حاكم البلدة المجاورة : يطالبه بإيقاف مشروع السدّ الذي سيقللّ جريان النهر في دولته .. 

لكن الشاب (عديم الخبرة) تجاهل تهديدات منافسه ، وردّ عليه باستخفاف .. مما أغضب العدو الذي أعلن الحرب عليه !


فأسرع الملك لجمع اصدقائه (الذي عيّنهم في ارفع المناصب بدولته) وأمرهم بتجهيز جيشٍ كبير ليوم المعركة .. ممّا أربكهم (فهم من الطبقة المخمليّة الفاسدة) 


في البداية ، وعدوه بتنفيذ اوامره .. ليتفاجأ بهروبهم الى بلدانٍ بعيدة ، بعد سرقتهم المال من الصناديق المخصّصة لوظائفهم : سواءً التجاريّة او العسكريّة !


وخبر هروبهم أرعب الملك الذي جمع حاشيته ، لمشورتهم بحلّ الأزمة .. لكن لا احد منهم لديه خبرة القادة العشرين الذين أُعدموا منذ توليه العرش! 

فأمر الملك بالتجنيد الإجباريّ .. ليتفاجأ برفض الأهالي تطوّع اولادهم لحمايته !


فصار يهددّ بقتل من يخالف اوامره .. ومع هذا لم يؤثّر على شعبه الذي يتمنّى موته بعد نشره الفساد بدولتهم ، بعكس والده العادل !

***


بعد اختراق جيش العدو حدود دولته ، لبس الملك زيّ قائد الجيش وهو يرتعد خوفاً فوق حصانه.. مع مئة رجلٍ ، وعدهم بمكافئةٍ ماليّة إن رافقوه للمعركة التي يعلم مُسبقاً بخسارتها ، فور رؤيته ألف فارسٍ من الجيش المنافس قادمين من بعيد ! 


وسرعان ما التقى الجيشان في السهل الواسع ، القريب من النهر المشترك بين الدولتين .. وكان واضحاً تقدّم جيش العدو على الملك (الذي بكى خلف قناعه الحديديّ) وهو يتراجع ببطء للوراء بعد مقتل العديد من جيشه ، الغير مُدرّب على خوض المعارك العنيفة !


وأوشك الملك على الإستسلام برميه رايته ، مُعلناً فوز العدو باحتلال بلاده .. قبل تفاجئه بمجموعة فرسان قادمين من قلعته ، بقيادة فارسٍ مقنّع ! قلبوا موازين المعركة بدقائق بعد قتلهم العديد من رجال الجيش المنافس ، وفرار الأحياء منهم لخلف النهر .. 

وبذلك فاز مشروع الملك : ببناء سدّ النهر الذي ينبع من دولته !

^^^


بغمرة فرحته بالنصر ، إقترب منه الفارس المقنّع .. 

فطلب الملك إزالة قناعه ، لتكريمه على شجاعته مع فريقه المميّز .. وإذّ به سيّاف القصر !

الملك بدهشة : أهذا أنت ؟!

السيّاف : نعم ، وهذا جيشيّ الصغير .. 


ثم طلب السيّاف من فريقه ، إزاله الّلثام عن وجوههم : ليظهر الخمسون من القادة والشعراء وكبار التجّار والسياسيين ، الذين حوكموا بالإعدام سابقاً !


الملك بصدمة : كيف هذا ، وقد رأيت رؤوسهم مُعلّقه على سور قلعتي ؟! 

السيّاف : كانت رؤوس كبار الّلصوص والقتلة الذين طلبت مني إطلاق سراحهم من السجن ، رغم ثبوت فسادهم لوالدك.. لهذا تعمّدت تشويه وجوههم ، لتظن بتنفيذ طلباتك الغبيّة : بقتل أفضل رجالنا !

الملك غاضباً : انت تعلم بأن عصيان أوامري يُعرّضك للإعدام !! 


فرفع السيّاف سلاحه في وجه الشاب الذي ارتعد رعباً ! 

- إسمع ايها التافه .. لولاهم (وأشار لفريقه) لأصبحت عبداً للعدو .. لكني بدهائي ، خبّأتهم في سردابٍ اسفل قصرك .. وأطلعتهم أولاً بأول على قراراتك الحمقاء التي أفسدت دولتنا .. وسمحت بتدرّبهم على الأسلحة ، تجهيزاً لهذه المعركة.. فأنا من ارسلت رسالةٍ للعدو ، لإخبارهم عن سدّك السرّي 

الملك بعصبية : انت ايها اللعين !!

السيّاف : نعم ، لرغبتي بقلب الحكم عليك 

- لا يمكنك ذلك ، فأنا الإبن الوحيد للملك السابق !


فاقترب منه عالمٌ جليل : 

- لا مُلك بعد اليوم .. فقد قرّرت انا وزملائي تحويلها الى حكومةٍ عادلة ، عن طريق تعيّن رئيسٍ كل اربع سنوات ، بإجماع مجلس الشورى الذي سيضمّ كبار التجّار ومثقفيّ بلادنا

الملك بتهكّم : تقصد انت ورفاقك ؟ 

فردّ العالم باستحقار : أتدري يا غلام .. ما وصلنا اليه الآن ، هو بسبب دلال والدك لإبنه الوحيد .. وهآ انت أفسّدت بتهوّرك ما بناه في اربعين سنة ! .. لهذا قرّرنا بالإجماع إقالتك عن العرش الملكيّ 


فقال الملك للسيّاف غاضباً : 

- كلّه بسببك !! لوّ أعدمتهم ، لما ورّطتني بهذا المشكلة

السيّاف : أتعلم لماذا لم أقتلهم ؟ لأن الفاسدين أمثالك متواجدين في كل زمانٍ ومكان .. بينما العلماء والموهوبين ، فنادروا الوجود .. فهم شرفنا وواجهة دولتنا .. 


ثم اقترب سياسي بارز من الملك : 

- لا تضعّ كل الحق على السيّاف ، فأنت من أضعت فرصتك لتكون حاكماً جيداً كوالدك ، لذلك لن نعدمك كما حكمت علينا .. بل سننفيك الى خارج البلاد 

الملك بقلق : سترسلوني لدولة العدو ؟!

العالم : لوّ أردنا ذلك ، لتركناهم يأخذونك أسيراً 

التاجر : نحن سنضعك في سفينةٍ تجاريّة ، برحلةٍ طويلة الى بلاد الغرب

الملك : لكني لا اريد الهجرة عن بلادي

السيّاف بحزم : إمّا أن ترضى بذلك ، او أقطع رأسك بسيفيّ !! فماذا تختار؟

فسكت الملك بقهر..


العالم : ولا تقلق بشأن دولتنا .. فنحن سنقيم انتخاباتٍ عادلة بين اعضاء مجلس شورى يضمّ وجهاء القوم ، لاختيار أفضلنا لحكم البلاد .. وستكون مهمّتنا نشر السلام والعدل بعد وضعنا الشخص المناسب في المكان المناسب  

السياسي : حتى اننا سنقيم إتفاقيّة سلام مع الدول المجاورة ، نحدّد فيها نسب مياه الريّ بيننا 


الملك : يعني ستهدمون سدودي ؟!

العالم : سنترك السدّ على النهر الصغير لمزارعنا ، أمّا السد الكبير فلا لزوم له 

الملك : لكنه كلّفني الكثير من المال !

التاجر : نعلم انك أفلستنا بمشاريعك الغبيّة ، ونحتاج الكثير من السنوات لتعويض المال الذي صرفته على حفلات رفاقك الجبناء ، وجواريك اللآتي أحضرتهن من البلاد الأجنبية .. كان الله في عوننا 


السيّاف وهو يشدّ ذراع الملك : 

- هيا !! تعال معي 

الملك بخوف : هل ستقطع رأسي ؟!

السيّاف : الم تسمع ما قلناه ؟! سآخذك الى الشاطىء ، لأتأكّد من ركوبك السفينة التجاريّة

الملك : على الأقل دعوني أعود الى قصري لتوديعه للمرة الأخيرة


القائد العسكري : أساساً شعبك متأكّد من موتك في معركتك الفاشلة ، وهذا ما سنخبرهم به .. وإن أردّت العودة ، لسرقة الأموال المُخبأة في غرفتك .. فهي ستُنقل الى بيت المال ، لإصلاح ما أفسدّته طوال الخمس سنوات من حكمك الظالم

الملك بقلق : وماذا سأفعل بالغربة دون مال ؟!

التاجر ساخراً : إعمل مزارعاً او حطّاباً ، واجني مالك من عرق جبينك .. (ثم قال للسيّاف) ..هيا خذه من هنا ، يا صديقنا الوفيّ


ثم لوّحوا لمليكهم ساخرين .. بينما يقتاده السيّاف الى الشاطىء ، برحلة اللّاعودة !


الجمعة، 10 يونيو 2022

الأخبار المستقبليّة

تحليل : مسافر عبر الزمن
كتابة : امل شانوحة 

 

التلفاز السحريّ


اثناء بحث رجلٌ مُشرّد بين النفايات عن شيءٍ يأكله ، وجد تلفازاً قديماً مرمياً هناك .. فحمله على أمل بيعه كخردة ، لشراء شطيرة بثمنه .

وبعد عرضه على اكثر من محل كهربائيات .. إتفقوا جميعاً على تخلّصه منه ، لكونه تلفازاً قديماً ..وعلى الأغلب مُعطّل ، رغم عدم تجربتهم له ! 

***


بحلول المساء .. دخل المشرّد الى زقاقٍ ضيّق ، إعتاد النوم فيه .. وفرش الكرتون فوق أرضيّته الباردة ، بعد وضعه التلفاز في إحدى الزاويا وهو يفكّر بحرق إطاره الخشبيّ في حال إشتدّ البرد فجرا 


وقبل غفوه بقليل ، سمع صوتاً غريباً ! 

ففتح عيناه ، ليجد التلفاز مضاءً على نشرة أخبارٍ بالأبيض والأسود! 

فتمّتم باستغراب : كيف اشتغل ؟! لم أوصله بالكهرباء ..


وقبل قيامه لفحص خلفيّة التلفاز ، قال المذيع شيئاً أثار انتباهه ! فجلس يستمع الى نشرته التالية :

((بعد إجتياح روسيا للأراضي الأوكرانيّة ، تخوّف الرئيس بوتين من إنضمام فلندا للناتو ، فقرّر إجتياحها ايضاً.. ويبدو أن نصره السريع جعله يتجرّأ على إجتياح كلاً من لتوانيا ولاتفيا ! وهذه الفوضى صبّت في مصلحة الصين التي انتهزت إنشغال العالم بالحرب الروسيّة لاجتياحها جزيرة تايوان ! ممّا أجبر دول الناتو على إعلان الحرب على روسيا .. بينما أعلنت بريطانيا واميركا واستراليا الحرب على كلٍ من روسيا والصين ! ممّا جعل روسيا تشكّل تحالفاً أوراسيّاً مُضاداً : يضمّ الصين وكوريا الشماليّة وإيران وبعض دول آسيا الوسطى ! .. وكل هذه الأحداث أثّرت بدورها على تصاعد التوتّر في الخليج العربي : بين إيران والدول العربية من جهة ، وايران واسرائيل من جهةٍ أخرى .. واقتصر الأمر على التوتّرات سياسية بينهم ، دون تدخلٍ حربيّ .. وبهذه التطوّرات الميدانيّة حول العالم ، نُعلن نهاية النشرة الإخباريّة لهذه الليلة .. تصبحون على خير))


فصعق المُشرّد ممّا سمعه ! فهو يعلم بشأن حرب روسيا وأوكرانيا ، لكن التطوّرات التي أعلنها مذيع الأخبار لم يسمعها مُطلقاً .. فهل استجدّت كل هذه الأحداث الضخمة خلال الأيام الماضية !


ثم قال ، وهو يرتّب بطانيّته فوق فراشه القذر :

- إن تابعت الأحداث على هذا المنوال ، ستحدث حربٌ عالميّة ثالثة تقضي على البشريّة !

 

وقبل استسلامه للنوم ، سمع صراخ الناس في الشارع !

فخرج اليهم ، ليجدهم يتشاجرون امام متجرٍ للأغذية .. ولاحظ على الفور بأن مشترياتهم إقتصرت على اكياس الأرز والزيت النباتيّ ! 


وحين تمكّن من إيقاف احدهم لسؤاله عمّا حصل ، أجابه :

- الم تسمع الأخبار مؤخّراً ؟ روسيا سيطرت على قمح اوكرانيا .. أظننا على ابواب مجاعةٍ عالميّة .. 

ثم ابتعد مُسرعاً ، خوفاً أن يسرق أحدهم ما اشتراه بصعوبة من المتجر !

فتمّتم المُشرد بدهشة : يا الهي ! اذاً ما سمعته بالإخبار صحيحاً .. غريب كيف تطوّرت الأحداث بهذه السرعة ؟! 


ولكونه فقيرٌ معدم ، لم يكترث بقلّة المواد الغذائية فهو معتادٌ على الجوع .. وعاد للنوم في زقاقه الضيّق ..

*** 


في اليوم التالي .. خرج للتسوّل كعادته ، ليلاحظ إختلافاً بنوعيّة المحلاّت والمتاجر التي أُغلق بعضها ، وفتح مكانها سوقاً جديداً ! وكذلك إختلاف موضة ملابس الناس وطباعهم العامة ! كأنه مرّت سنوات على آخر مرة شاهدهم فيها !

المشرّد بصدمة : لا يعقل أن يحدث كل هذا التغير في يومٍ وليلة ! ترى ماذا حصل ؟!

وأوقف احدهم لسؤاله عما جرى ، فأجابه :

- الم تسمع آخر الأنباء ؟

المشرّد : لا سيدي !

- جيد انك سألتني من بين الناس ، فأنا مهووس بالأخبار العالميّة ..اولاً إخبرني عن آخر حدثٍ تعرفه ؟ 


فأخبره المشرّد عمّا سمعه في نشرة الأخبار من التلفاز القديم ، فقال له الرجل بدهشة :

- هل انت في غيبوبة يا رجل ! هناك احداث كثيرة حصلت بعدها

المشرّد : مثل ماذا ؟

- الم تسمع بإعلان الحرب العالميّة الثالثة في معظم قارات العالم ؟

المشرّد بصدمة : هل حصل ذلك بالفعل ؟!

- طبعاً !! فالصين نجحت في اجتياح الفلبين ومعظم جزر المحيط الهادىء .. ومن جهةٍ أخرى نشبت معارك ضدّ قوات البريطانيّة والفرنسيّة في اكثر من بلدٍ إفريقيّ..

- أحقاً ! وماذا عن كوريا الشماليّة ، لا اظن زعيمها سيبقى حياديّاً مع الأحداث العسكريّة التي تجري حوله ؟

الرجل : بل كان له دوراً كبيراً عقب خوضه معارك مع كوريا الجنوبيّة ، في محاولة لضمّها اليه بالقوة .. كما أعلن الحرب على اليابان


المشرّد : وماذا عن روسيا ؟

- إنشغلت باجتياحها للسويد ورومانيا ومولدوفا وبولنا .. حتى إن صربيا انضمّت للحلف الروسيّ بغرض إجتياحها للبوسنة وكرواتيا

- وكم استمرّت تلك الحروب العالميّة ؟

الرجل : نحن مازلنا نعاني من نتائجها بعد مرور سبع سنوات على بدء الغطرسة الروسيّة التي تهدّدنا حالياً باستخدامها القنابل النوويّة ! لهذا عليك تسجيل اسمك ليكون لديك مكاناً في إحدى الملاجىء التي حفرتها دولتنا اسفل الأرض ، وإلاّ ستموت فور إطلاقهم قنبلة نوويّة باتجاه اميركا


المشرّد بقلق : وماذا عليّ فعله ؟

- هناك جمعيّة مُختصّة بالفقراء ، سجّل اسمك كيّ يحجزوا لك سريراً في الملجأ الأرضيّ 

المشرّد بتهكّم : يعني سنُشارك الشياطين بيوتها ؟

- الشياطين هي من تحكمنا يا صديقي ، كان الله في عوننا جميعاً 


فعاد المُشرّد مُكتئباً الى زقاقه المعتاد ، وظلّ فيه حتى المساء ..

*** 


في تلك الليلة ، جافاه النوم .. وما أن التفت للتلفاز القديم ، حتى أُضيء وحده على نشرة الأخبار ! والمذيع يقرأ نشرته التالية :

((سنعرض لكم نتائج الحرب العالميّة الثالثة التي استمرّت سبع سنوات : فالمناطق الروسيّة معظمها مُدمراً بشكلٍ كامل او جزئيّ .. وكذلك شمال اوروبا والصين واميركا وبريطانيا وكندا واستراليا واليابان وشبه الجزيرة الكوريّة ! ..وبسبب الأخطاء السياسية الجسيمة بتعامل الرؤساء مع الأزمة الخطيرة ، إختفت امبراطوريات ودول عظمى لتتشكّل مكانها دولاً جديدة ! اما الدول التي اختفت من الوجود او انهارت قواها السياسية فهي : اسرائيل وايران وتركيا والدول الإسكندنافية.. وفي المقابل إنتشرت المجاعة العالميّة والأمراض التي فتكت بعددٍ كبير من ناجين الحروب الدمويّة !.. وسنتابع معكم المستجدّات في نشرتنا القادمة ، دمّتم بخير))


فقال المتشرّد بسخرية :

- ومالخير المتبقي بعد نشرتكم المتشائمة ؟! ولماذا يذيعون اخباراً كاذبة ، فأنا لم اسمع القذائف او أشعر بخطر المجاعة ! هل هي فعلاً نشرةٌ حقيقية ، ام مجرّد فيلم سينمائيّ عالق داخل التلفاز القديم ؟! 

وهنا انطفأ التلفاز وحده !


المشرّد : ياله من تلفازٍ غريب ؟! يُضيء متى يشاء ، ويُطفىء فور انتهاء الأخبار ! والأرعب إن شريطه الكهربائيّ مقطوع ، فهل يعمل على بطاريّة داخلية ؟ ..أفكّر حقاً بالتخلّص من هذه الخردة التي أشعرتني بالإكتئاب ، وزادت حياتي سوءاً .. 


ثم قرّر النوم ، لمتابعة حياته الروتينيّة في الصباح بالبحث عن لقمة العيش

***


في اليوم التالي .. وفور خروج المشرّد من الزقاق ، وجد الناس تركض باتجاه الشاطىء وهم يحملون أمتعتهم ! 

وحين اوقف احدهم بصعوبة لسؤاله عما حصل ، أجابه :

- الم تسمع آخر الأخبار ؟

المشرّد بضيق : ماذا ايضاً ؟

- بعد انتهاء الحرب العالميّة الثالثة التي استخدموا فيها القنابل النوويّة ، لم تعدّ اراضينا قابلة للعيش بعد احتراق المزروعات وتلوّث مياه الشرب .. وأصبحت القارات مثل : اميركا الشماليّة والجنوبيّة واستراليا وإفريقيا كصحراءٍ خالية ، إلاّ من بعض الإمارات الصغيرة والجماعات المتفرّقة

- هذا مستحيل ؟!

- بلى يا رجل !! هناك دول جديدة ظهرت على الخارطة


المشرّد باهتمام : مثل ماذا ؟ 

- دول عربية اسلامية هاشميّة ظهرت في الشام ، وعاصمتها القدس الشريف

- أمازالت الدول العربية بخير ؟!

الرجل : نعم ، وكذلك دولاً كرديّة كبيرة ظهرت في شمال العراق وجنوب تركيا وفي وسط ايران ايضاً .. وهناك دولة تكوّنت من الشعوب التركيّة ظهرت في منغوليا وآسيا الوسطى وصحراء الصين ، وصولاً لشمال ايران والأناضول

- وماذا عن اوروبا ؟

- ما تبقّى من دول جنوب ووسط اوروبا ، توحّدت ضمن دولةٍ واحدة


المشرّد مُستنكراً : كل هذا حصل خلال يومٍ فقط ؟!

- يوم ! بل عشنا سنوات بهذه الفوضى .. هل انت قادم من بعدٍ زمانيّ مُغاير ؟! .. 

فصمت المشرّد بارتباك ..

الرجل : رجاءً إبتعد عن طريقي ، اريد الّلحاق بالسفينة للذهاب الى بلاد الشام .. فالحياة هناك مزدهرة والطعام والمياه متوفّرة للجميع .. أتمنى فقط أن أجد مكاناً لي بالسفينة


وركض مُسرعاً باتجاه الشاطىء كآلاف الشباب غيره ! بينما أكمل المُشرّد طريقه ، وهو مذهول من حجم الدمار الذي حلّ بالأبنية والمحلاّت التي تبدو كأن صورايخ العدو دمّرتها بالكامل !


فقال المشرّد بضيق : كيف حصل كل هذا الدمار دون سماعي للقذائف والصواريخ ؟! .. هل انا أحلم ؟! أكاد أجنّ !!

***


وبعد مشيه في الطرقات الفارغة المدمّرة لساعاتٍ طويلة ، شعر بالجوع الشديد ..فلم يعدّ امامه سوى الّلحاق بالشباب باتجاه الشاطىء ، بعد إخباره عن تقديم الطعام المجانيّ في سفن الترحيل الى الشرق الأوسط .. فذهب الى هناك لركوب إحدى السفن الضخمة المتوجهة الى بلاد العرب !

*** 


في السفينة .. وبعد تناول المشرّد لوجبةٍ مُشبعة ، مُقدّمة من ملكٍ عربيّ .. سأل شاب امريكي عما حصل في العالم .. فقال له :

- سأخبرك ملخّصاً عمّا فاتك من الأخبار في الأعوام الماضية : فالتاريخ يدور الآن حول الدول العظمى الثلاثة التي حسب رأيّ ستستمرّ على الأقل لأربعين سنة القادمة وهي : تحالف الكرد والعجم والترك في امبراطوريتهم ..والروم في اوروبا .. وقوّة العرب في الشام .. حيث توسّعت الدول الإسلاميّة لتشمل الحجاز وجزيرة العرب ومصر وشمال افريقيا ، مع وجود امارات داخلية تابعة لها في اليمن والمغرب وبعض اجزاء العراق .. لكني أظن إن وفاقهم لن يستمرّ طويلاً ، وستدخل تلك الدول في معارك بينها بعد وقوع فتنٍ داخليّة ، ليُعيد التاريخ نفسه 


المشرّد : طالما الإعتقاد السائد بأن الدول العربية ستُفنى ايضاً ، فلما هاجرنا اليها ؟!

- لأنهم في الوقت الراهن يعتبرون في ذروّة قوتهم ، فبلادهم لم تُتدمّر مثلنا بالقنابل النوويّة .. الم تشتاق للطعام اللذيذ الغير ملوّث بالكيماويّات ؟

- انا عشت مُشرّداً لسنواتٍ طويلة ، وكل ما يشغل تفكيري هو تأمين قوت يومي


الرجل : اذاً ستفرح بالعيش في البلاد العربية ، فهم معروفين بكرمهم .. وملكهم هو الذي ارسل السفن لإنقاذ الناجين من اوروبا واميركا .. 

- وماذا سنفعل حين نصل اليهم ؟

- برأيّ لا تفكّر بالمستقبل ، وعشّ كل يومٍ بيومه كما فعلت دائماً 

المشرّد : اساساً لم أعدّ اعرف الماضي من المستقبل ، وبأيّ تاريخٍ أصبحنا  

- نحن في عام 2080 ميلاديّاً

المشرّد بصدمة : ماذا قلت ؟! مستحيل !! البارحة كنت في عام 2022 

فهمس الرجل في اذنه مبتسماً :

- هذا خطؤك ، ما كان عليك أخذ التلفاز السحريّ لرؤية مستقبلنا المريب 


وقبل إستيعاب المشرّد ما سمعه ! سقط مغشيّاً عليه فوق فراشه الموجود في مهجعٍ جماعيّ بقسم خاص للشباب في السفينة العربية  

***  


حين استفاق ، وجد نفسه في خيمةٍ بالصحراء .. 

فخرج منها وهو مذهولاً تماماً ! فقبل نومه كان في سفينةٍ مليئة بالمهاجرين الأجانب ..

وقد لاحظ الراعي العربي إرتباك المشرّد الأجنبيّ ، فاقترب للحديث معه بلغةٍ عربيّة فصيحة .. 


فأراد المشرّد أن يخبره إنه لا يتقن لغته ، لكنه انصدم حين قال بالعربي : 

- آسف لا أتقن .. ماهذا ؟! كيف تعلّمت العربية بهذه السرعة ؟!

الراعي : جميع المهاجرين الذين قدموا الينا قبل اربعين سنة ، باتوا يتكلّمون لغتنا بطريقةٍ بارعة 

- اربعون سنة ! البارحة كنت في طريقي اليكم ، كيف يعقل هذا ؟!

- يبدو انه فاتك الكثير من الأحداث 


المشرّد بضيق : ماذا حصل ايضاً ؟!  

- بعد اربعين سنة من نهاية الحرب العالميّة الثالثة ، مات حاكم دولةٍ اسلامية ، واختلف الناس على من يخلفه .. فقامت فتنة كبيرة في معظم البلاد الإسلامية التابعة لحكم تلك الدولة .. واستمرّت الفتنة عشرين عاماً ، تصاعد خلالها شرّ الأمبراطوريّة الروم والترك بشكلٍ لا يطاق ..وبنهاية الفتنة ، حُسر الفرات عن جبلٍ من الذهب

المشرّد بصدمة : ذهب !

- نعم ..وتقاتل الناس عليه ، حتى ابادوا بعضهم .. بعدها ظهر المختار في مكة ، وبايعه الناس على كوّنه المهدي الذي تحالف مع الروم لهزيمة دولة الترك وطردها من العراق وخرسان للأبد


المشرّد : يعني لولا نحن .. أقصد الروم ، لما ربحتم عليهم ؟! 

- لا تفرح كثيراً ، فالروم غدروا بنا (العرب) في محاولة لاستئصالنا وإضعاف قوتنا .. لكن المهدي هزمهم وحرّر اسطنبول القسطنطينيّة مرةً أخرى .. وحاليّاً تتوجّه جيوشه لتحرير جنوب اوروبا وروما 


وقبل إكمال كلامه ، سمعا رجلاً ينادي من بعيد وهو يركب حصانه مسرعاً باتجاه قبيلة البدو :

- يا قوم !!

الراعي صارخاً بقلق : ماذا هناك ؟!! ماذا حصل ؟


وبعد توقف الرجل امام خيّم افراد القبيلة الذين تجمّعوا حوله لمعرفة ما حصل ، قال بصوتٍ مرتجف :

- إحذروا يا قوم !! فقد خرج الدجّال من أصفهان ايران ، وهو في طريقه الى جزيرة العرب .. هآقد بدأت فتنة عظيمة لن ينجو منها سوى المؤمنين حقا !


وقبل إدراك المشرّد ما سمعه ، أُغميّ عليه بعد إصابته بضربة شمسٍ قوية ، لعدم تحمّله حرّ جزيرة العرب !

***


حين استفاق ، وجد نفسه في زقاقه الضيّق الموجود بشارع منطقةٍ شعبيّة بأميركا ، بجانبه التلفاز القديم ! 


فخرج للشارع ، لإيقاف اول رجلٍ رآه هناك .. وسأله :

- لوّ سمحت يا سيد ، ما تاريخ اليوم ؟

الرجل باستغراب : الا تعرفه ؟!

المشرّد بإلحاح : ارجوك إخبرني به 

- نحن في صيف 2022

فتنهّد المشرّد بارتياح : الحمد الله ، شكراً سيدي


وعاد الى الزقاق ، ليجد التلفاز مضاءً .. حيث ظهر المذيع ذاته ، وهو يقرأ نشرة الأخبار (التي سمعها اول مرة) :

((بعد إجتياح روسيا للأراضي الأوكرانيّة ، تخوّف الرئيس بوتين من إنضمام فلندا للناتو ، فقرّر إجتياحها ايضاً.. ويبدو.. 


وقبل إكماله نشرته .. سارع المُشرّد بإحراق إطار التلفاز الخشبيّ ، حتى تفحّم بالكامل !


وبعد تخلّصه منه ، تمّتم قائلاً :

- لا اريد الإنتقال لمستقبلنا الكئيب .. بل سأبحث فوراً عن عملٍ شريف ، ولوّ بأجرةٍ بسيطة .. وسأعيش حياتي وأتزوج وأنجب الأولاد ، قبل أن تقتلنا الحرب العالميّة الثالثة المدمّرة .. كان الله في عون الأجيال القادمة 


وذهب مباشرةً لمحطة بنزينٍ قريبة ، للعمل فيها براتبٍ يكفل له الحدّ الأدنى من العيش الكريم !


لانش بوكس المدرسي (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة  الحفاظ على النعمة داخل الثلاجة .. تنهّدت نصف شطيرة الجبنة بحزن :  - أخشى ان ينتهي أمري في سلّة النفايات ، فلا أحد يُكم...