الاثنين، 8 يونيو 2026

دفء الكواليس

تأليف : امل شانوحة 

شرفة الطابق العلوي


لم تبحث الكاتبة الأربعينية عن الأضواء حين وافقت على الإنضمام لفريق تصوير مسلّسلها في موسمه الثاني.


ومنذ وصولها للقصر (الذي يصوَّر فيه المسلّسل) أثارت فضول الجميع : بثيابها الفضّفاضة وشعرها المربوط ، ووجهها الخالي من الوان الزينة ! 

حيث اعتادت على قضاء وقتها في شرفة الطابق العلويّ للقصر ، مع حاسوبها التي تُعدّل عليه حوارات السيناريو حتى الصباح 


وإن اضّطرت للجلوس مع فريق العمل ، فهي تنسحب بهدوء نحو الطفليّن (المشاركيّن بالعمل الفني) لملاعبتهما ، والرسم لهما شخصياتٍ كرتونية على دفترها 


وكانت ضحكاتها الخافتة الخجولة ، كافية لجذب انتباه بطل المسلّسل اليها .. فهو رجلٌ خمسينيّ .. اشتهر بوسامته وعلاقاته الكثيرة ، بعد طلاقه من زوجته الأجنبية التي سافرت مع ابنهما للخارج !

ومنذ خسارة اسرته ، ارتبط اسمه بالشائعات والحفلات الصاخبة والعلاقات العابرة 

لكن لسببٍ لم يفهمه ! وجد نفسه يلتفت دوماً نحو الشرفة العلويّة ، باتجاه امرأةٍ هادئة لا تحاول لفت انتباه أحد.

***


في إحدى الليالي ، انتهى التصوير مُتأخراً.. فخرج البطل إلى الشرفة ، لتدخين سيجارته .. فانتبه على نوم الكاتبة فوق الطاولة ، بجانب حاسوبها المفتوح !

ودون وعيٍّ منه ، جلس بجانبها يتأمّل وجهها البريء ، وهو يلمس خصلتها الرمادية التي لم تحاول صبغها .. وأخذ يقارن يده الضخمة ، بأصابعها الصغيرة التي وضعتها فوق اوراق السيناريو .. حتى حذائها الرياضيّ البسيط ، ذكّره بإبنه !

وظلّ يبتسم لا شعورياً ، الى أن أحسّ بتحرّكها ..


فاتجه بسرعة نحو الشرفة ، مُشعلاً سيجارته .. بينما فتحت عينيها بتعب ، قبل تعديل جلستها مُعتذرة :

- آسفة .. يبدو أنني غفوت ! 

ثم سارعت بحمل حاسوبها ، متوجهةً نحو غرفتها المجاورة..


فلم يستطع المقاومة بأن يطلّ برأسه ، لمراقبة شرفتها .. 

ليجدها (بعد ان توضّأت) تمدّ سجادة الصلاة .. فأخذ يراقب خشوعها بذهول ..

- كم هي رائعة بالحجاب ! 


((وهنا تذكّر امه التي رآها تبكي وهي تجلس على سجّادة الصلاة (وهو بعمر الثامنة) 

- امي ! لما تبكين ؟

فمسحت دموعها : منذ زواجي ، ووالدك يؤمُّني في الصلاة .. والآن بعد وفاته ، اشعر بالوحدة 

فسارع بالقول : إنتظريني قليلاً !!

ثم توضّأ على عجل .. ومدّ سجادته امامها ، وهو يقول :

- منذ اليوم ، انا امامُك يا امي 

فصارت تدغّدغه ، وهي تبكي فرحاً :

- انت ابني البكر ، وسندي دائماً .. لا حرمني الله منك))


ثم عاد للواقع وهو يتذكّر خلافه الأخير معها ، بعد اصراره على دوره الأول بمهنة التمثيل : كحارس حانةٍ قذرة ! 

وبسبب ذلك قاطعته امه لسنوات ، رافضةً اخذ ماله الغير حلال 


وهنا مسح البطل دمعته ، وهو يتمّتم بضيق :

- سامحيني يا امي ، لم أفي بوعدي .. وتخلّيت عن الصلاة منذ دخولي عالم الفن ، رغم رفضك مهنتي القذرة منذ البداية .. ليتني سمعت كلامك ، ولم أعصي ربي يوماً 

ثم سارع بإطفاء سيجارته ، وهو ينظر للسماء : 

- ربي لا تتخلّى عني ، واهدني الى صراطك المستقيم

***


في الليلة التالية .. استيقظ مذعوراً من كابوسٍ خانق ، وهو يشعر بضيقٍ شديد في صدره.. فصعد مباشرةً الى شرفة الطابق العلويّ ، متوجهاً نحو الكاتبة المُنشغلة بتصحيح السيناريو .. 

وجلس بجانبها وهو يتنفس بصعوبة .. فسألته بقلق :

- لما وجهك مُتعرّقٌ هكذا ؟!

فسألها بتردّد : هل يمكنك ان تُرقيني ؟ فقد رأيت كابوساً مفزعاً : كأن الشياطين تسحبني من ذراع ، وأمي تسحبني من ذراعي الثاني وهي تبكي خائفة .. وقد ارعبني المنام فعلاً .. انت الوحيدة بيننا ، المُحافظة على صلاتها .. رجاءً اقرأي لي شيئاً من القرآن 

فوضعت يدها على رأسه الذي اسنده على طاولتها ، وهي تُرتّل المُعوّذات ..وكان صوتها هادئاً بشكلٍ جعلت دموعه تنهمر دون ارادةٍ منه ، لتذكّره امه وهي تُحصّنه بالقرآن قبل نومه 


ثم التفت نحو الكاتبة ، وهو يقول بحزن :

- كم اشتقت لعائلتي .. امي وأخوتي الثلاثة الذين قاطعوني منذ امتهاني الفن

- هم فعلوا ذلك خوفاً عليك ، لا كُرهاً لك

فنظر اليها بعيونٍ دامعة : 

- انت تذكّريني بدفء المنزل .. الوحيدة التي جعلتني اشتاق لنفسي القديمة 


وقد أربكها كلامه الحنون ، لدرجة إدّعائها النعاس .. ثم حملت حاسوبها وأوراقها الى غرفتها.. لكن رجفة قلبها ، منعتها النوم تلك الليلة

***


بعد أيام ، احتفل فريق العمل بعيد ميلاد البطل في حديقة القصر.

حيث امتلأت الطاولة بالساعات الفاخرة والعطور والهدايا الباهظة..

أما الكاتبة ، فتقدّمت نحوه بخجل وهي تحمل قارورة ماءٍ صغيرة :

- هذه ماء زمزم.. أحضرها أقاربي من مكة..

فقاطعتها البطلة بلؤم :

- هل هو ماءٌ مسحور لجذب البطل اليك ؟

فحاولت الكاتبة كتم غضبها ، بردّها الهادئ : 

- كما ترين ، مكتوب ماء زمزم على القارورة المختومة بإحكام .. ثم لن أعصي ربي لأهدافٍ دنيوية  

ثم نظرت للبطل :

- ان دعوّت ربك قبل شربها ، ستحميك بإذن الله من الكوابيس 

فابتسم قائلاً :

- هذه أغلى هدية حصلت عليها في حياتي 


فساد الصمت بين الحضور ! بينما اكتفت الكاتبة بابتسامةٍ رقيقة ، قبل دخولها الى القصر

^^^ 


بعد قليل .. أحضر البطل صحن الكيك اليها ، اثناء انشغالها على حاسوبها بشرفة الطابق العلويّ (مكانها المعتاد) 

- الن تأكلي من كيك عيد ميلادي ؟

فشكرته على لطفه ، وهي تقول :

- لا تترك اصدقائك وحدهم ، فهم مجتمعون للإحتفال بك 

لكنه جلس بجانبها ، وهو يسألها بجدية :

- لما تهربين دائماً من الناس؟

- الضجيج لا يناسبني 

فردّ بغزل : لم تنجح خطتكِ ، فملك الضجيج يُلاحقك في كل مكان 


وغمزها بدلال .. وللمرة الأولى شعرت بشيءٍ دافئ يتسلّل الى قلبها الذي اعتاد الوحدة طوال حياتها !

***


مع الوقت ، صار يفتعل الأسباب للجلوس معها : امّا بتناول العشاء البسيط معها بالمطبخ ، متجاهلاً البوفيه الفاخر لفريق العمل .. او بسؤالها عن مشاهده بالسيناريو.. او حتى فتح مواضيع دينية ، تعلّمها من امه سابقاً .. وأحياناً يكتفي بالتدخين ، وهو يراقبها تعمل بهدوء على حاسوبها .. بينما حرصت الكاتبة على ابقاء مسافةٍ حذرة بينهما

***


لاحقاً ، اضطرّت إحدى الممثلات للإنسحاب من المسلّسل ، بعد مشكلةٍ مفاجئة مع المخرج .. وكاد يتوقف تصوير الحلقة التي سيتأخر موعد عرضها على الجمهور 

فاقترح البطل ان تقوم الكاتبة بالدور ، فهي تحفظه (بما انها كتبته)

فوافقت الكاتبة مُرغمة ، بعد الحاح المخرج الذي تفاجأ باتقانها للدور بشكلٍ لم يتوقعه احد !

حتى ان طاقم التصوير انفجر ضحكاً ، بعد صعود الكاتبة على الكنبة لصفع الشرير بالمسلّسل (لقصر قامتها) 

ورغم انه خطأ بالتمثيل ، الا ان المخرج لم يحذف المشهد الذي اصبح متداولاً فور عرضه ، لتصرّفها العفوي الذي اعجب الجمهور .. مما أشعل غيرة البطلة التي اساساً تكرهها ، بسبب انجذاب البطل لها في الكواليس ! 

***


وفي رحلة تصويرٍ خارج المدينة ، تعطّلت حافلتهم قرب غابةٍ مع حلول المساء..

وارتبك الجميع لعدم وجود شبكة اتصالات هناك !

لكن الكاتبة حافظت على هدوئها .. حيث أشعلت ناراً صغيرة ، وأعدّت الطعام التي احضرته (تحسّباً لأيّ طارئ) 


وبعد العشاء .. لمحت الكاتبة نوراً بالجهة المقابلة للنهر ، فصارت تنير وتطفئ جوالها كإشارات مورس .. وسط دهشة فريق العمل !  

ولحسن الحظ ، ان ذاك الصيّاد كان خبيراً بلغة الإشارة .. وقدم بسيارته لتزويدهم بالوقود


وعادوا الى القصر قبيل الفجر ، والبطل أشدّ تعلّقاً بالكاتبة التي تبهره كل يوم بتعدّد مواهبها !

*** 


في المقابل ، كان الإنجذاب الواضح بين البطل والكاتبة يُثير غضب البطلة التي كلّمتها على انفراد :

- الا يكفي انك أجبرتنا على تمثيل مشاهدٍ عاطفية دون قبلات ، مع تدخلك بحشمة ملابسي .. والآن تحاولين تقليل المشاهد بيني وبين البطل 

الكاتبة بهدوء : 

- اولاً : قصتي تناقش الحب العذري ، ولهذا ارفض التجاوزات الأخلاقية بجميع قصصي بشكلٍ عام .. فأنا لن اكسب الذنوب بسبب جرأتك الفاضحة .. وثانياً : البطل صديقٌ وزميل ، ليس اكثر

البطلة بعصبية : لا تنكري !! الجميع لاحظ انجذابه لك .. وان لم تبتعدي عنه فوراً !! سأخبر متابعي مسلّسلنا عن محاولتك التفريق بين حبيبيّن ، وسيكرهك الجميع 

الكاتبة : اساساً مشاهدي بالمسلسل انتهت..

البطلة مقاطعة بلؤم : اذاً ارحلي دون وداع !!

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأ الجميع برحيل الكاتبة التي اكتفت برسالةٍ نصية للمخرج : عن عودتها الى قريتها ، بسبب مرض امها المفاجئ .. وبعدها ابقت جوالها مغلقاً ! 

وبذهابها المفاجئ ، اصبح القصر فارغاً دون روح ! 

خصوصاً بالنسبة للبطل الذي يشرد بخياله كلما وجد طاولتها فارغة ، اثناء تدخينه السيجارة بشرفة الطابق العلويّ

فهو لم يستطع اللحاق بها ، لتصويرهم الحلقات النهائية للمسلّسل

*** 


بعد شهر .. واثناء جلوس الكاتبة على أرجوحة مُعلّقة بين شجرتيّن ، وهي تقرأ كتاباً تحت ضوء الشمس.. توقفت عن التأرجح ، بعد إمساك البطل الحبال من الخلف .. فالتفتت اليه بصدمة !

بينما سألها بعيونٍ مرهقة : 

- لما هربتِ مني ؟! الا تدرين كم تعبت من المجتمع المُصطنع ، وأضواء الشهرة الزائفة ؟ معك فقط ، شعرت بطبيعتي التي نشأت عليها 

ثم جثا على ركبته ، وهو يرفع خاتماً الماسيّ : 

- هل تقبلين الزواج من رجلٍ يحاول اصلاح نفسه ؟


فسكتت الكاتبة قليلاً ، قبل ان تقول بلطف : 

- اوافق بشرط !! ان لا تعود للعالم الذي أثقل روحك 

البطل : هل اترك التمثيل ؟ 

- فقط اخترّ ادواراً نظيفة ، كمسلّسلنا الذي اعجب الجميع 

البطل : وأنا موافق على كل ما تطلبينه ، حتى لوّ طلبتي كنوز الدنيا كمهرٍ لك 

- مهري هو عمرة لبيت الله الحرام .. دعنا نبدأ حياتنا الزوجية بصفحةٍ نظيفة خالية من الذنوب .. وأتمنى ان تقبل والدتك مرافقتنا بتلك الرحلة الطاهرة 

البطل بدهشة : هي امرأة كبيرة بالسن ..

مقاطعة : سأخدمها كوالدتي تماماً .. فأنا ابنة ضيعة ، ومن عاداتنا خدمة كبار السن  

فردّ بابتسامة : انت اصيلة ، وأمي ستعشقك حتماً

- وانا من سأصالحك مع عائلتك .. اعدك بذلك 


ثم لبست الخاتم بعد شعورها لأول مرة باندفاعٍٍ لتجربة الحب ، التي لطالما كتبت عنه دون شعورها به ! 

وهكذا بدأت قصة عشقٍ حقيقية وُلدت خلف الكواليس .. من شرفةٍ علويّة ، منحت الدفء لروحيّن أتعبتهما الوحدة والمشاعر الزائفة ! 


هناك تعليق واحد:

دفء الكواليس

تأليف : امل شانوحة  شرفة الطابق العلوي لم تبحث الكاتبة الأربعينية عن الأضواء حين وافقت على الإنضمام لفريق تصوير مسلّسلها في موسمه الثاني. وم...