الأحد، 26 يوليو 2026

مخيّم المهجرون

فكرة امي : آمنة الخالدي
كتابة : امل شانوحة 

الأحلام المدمّرة


كان مخيم المهجّرين ممتلئاً بالخيام المهترئة ، التي تعود ملكيتها لمواطنين ينتمون لطوائف مختلفة وأحزابٍ تابعة لبلدٍ يعاني من حربٍ اهلية ..


وبسبب اختلاف معتقداتهم وانتمائاتهم الحزبية ، لم تتوقف المشاحنات بعد وصولهم للمخيّم .. وعادةً ما تتحوّل نقاشاتهم اليومية الى اتهامات وتخوين ، يعيدهم لأجواء الحرب التي فرّوا منها ! 

***


وبذلك العصر.. قرّر ثلاثة آباء من طوائف مختلفة التخلّي عن تعصبهم الدينيّ والحزبيّ ، وشرب الشاي معاً الذي سخنه احدهم فوق موقد المازوت أمام خيمته.. وهم يراقبون ابنائهم يلعبون كرة القدم فوق أرضٍ موحلة ، وهم يضحكون ويتعثرون ثم ينهضون من جديد ، دون اهتمامهم بطائفة وحزب الولد الآخر .. بل اعتادوا مقاسمة العابهم وطعامهم ، وحتى حلواهم التي توزّع من وقتٍ لآخر من الجمعيات الإنسانية ، وكأنهم إخوة متحابين !


فقال أحد الآباء بحسرة:

- لا ادري كيف صدقنا كلام زعمائنا الحزبيين الذين ورطّونا في حربٍ تافهة .. بينما هرّبوا أبناءهم وأموالهم إلى الخارج ، دون اهتمامهم لآلاف المهجرين الذين يعيشون في مخيّماتٍ متفرقة ؟!

فردّ الثاني : 

- ليتنا تعلّمنا الإندماج الوطني من هؤلاء الصغار


وقبل أن يشارك الأب الثالث الحوار ، ارتفع صوت الزغاريد من الجهة الأخرى من المخيّم ! حيث انشغلت النسوة بزفّ العروس التي خاطوا لها فستاناً ابيضاً بسيطاً.. ولم يدم العرس اكثر من بضعة دقائق ، قبل دخول العروس الى خيمة زوجها وهي تحمل بقجة ملابسها .. 

ثم ساد الهدوء في المخيّم من جديد ، كأن شيئاً لم يكن ! 


فنظر الرجال الثلاثة إلى بعضهم ، قبل ان يقول أحدهم:

- هل لاحظتم دموع العروس ؟

فأجاب الثاني بشفقة :

- لابد أنها حلمت بهذه اللحظة طوال عمرها... لكنها لم تتخيّل أن يكون زفافها بهذا البؤس.. كان الله في عونها

وأضاف الأب الثالث ، وهو يراقب الأطفال الملطّخين بوحل المخيّم:

- الحرب حطّمت أحلامنا جميعاً 

ثم ساد الصمت بينهم 

***


وفي تلك الليلة...استيقظت أمٌ مهجّرة على همسات ولديّها ، وضحكاتهما الخافتة داخل الخيمة..

فعاتبتهما بنعاس :

- هيا ناما !! لقد تأخر الوقت

ابتسم ابنها الأكبر ، قائلاً : 

- تأخر الوقت على ماذا ، يا أمي ؟ هل لدينا مدرسة صباحاً ؟ نحن هنا لا نفعل شيئًا سوى الأكل واللعب والنوم... دعينا نسهر قليلاً ، فلا مستقبل نخسره


فشعرت الأم بوخزٍ في قلبها من شدة قهرها على ولديّها اللذين نزحا معها للمخيّم ، قبل أيامٍ فقط من موعد امتحاناتهما النهائية ، بعد ان تحوّلت مدينتهم إلى أنقاض.

وهنا قال صغيرها :

- امي ، لم تسألينا لماذا كنا نضحك 

فسألته : ولماذا ؟

ابتسم ابنها ببراءة :

- كنت أقول لأخي ، إننا ارتحنا أخيراً من ترتيب غرفنا كل صباح.. فهنا لا توجد أسرّة نُرتّبها ، ولا خزائن نعيد الملابس إليها.. وحتى الاستحمام أصبح نادراً ، لقلّة مياه المخيّم.. برأيّ الحياة هنا أسهل بكثير


وانفجر الشقيقان بالضحك مجدداً .. بينما ادارت الأم ظهرها ، حتى لا يريا دموعها وهي تتذكّر منزلها المرتّب ، بمفروشاته الجميلة التي اختارتها بنفسها .. وغرف ولديّها المليئة بكتبهما المدرسية والعابهما المتنوعة .. لكن كل ذلك اختفى بثواني بصاروخٍ غادر !


وأدركت أن الحرب لا تهدم البيوت فقط ، بل تهدم الأحلام والمستقبل والرغبة بالحياة... بينما يواصل من اشعل الفتنة حياتهم بشكلٍ طبيعي خارج الخيام ، دون اهتمامهم بمن دفع الثمن غالياً لقراراتهم المتهوّرة !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مخيّم المهجرون

فكرة امي : آمنة الخالدي كتابة : امل شانوحة  الأحلام المدمّرة كان مخيم المهجّرين ممتلئاً بالخيام المهترئة ، التي تعود ملكيتها لمواطنين ينتمون...