فكرة امي : آمنة الخالدي
كتابة : امل شانوحة
الأحلام المدمّرة
كان مخيم المهجّرين ممتلئاً بالخيام المهترئة ، التي تعود ملكيتها لمواطنين ينتمون لطوائف مختلفة وأحزابٍ تابعة لبلدٍ يعاني من حربٍ اهلية ..
وبسبب اختلاف معتقداتهم وانتمائاتهم الحزبية ، لم تتوقف المشاحنات بعد وصولهم للمخيّم .. وعادةً ما تتحوّل نقاشاتهم اليومية الى اتهامات وتخوين ، يعيدهم لأجواء الحرب التي فرّوا منها !
***
وبذلك العصر.. قرّر ثلاثة آباء من طوائف مختلفة التخلّي عن تعصبهم الدينيّ والحزبيّ ، وشرب الشاي معاً الذي سخنه احدهم فوق موقد المازوت أمام خيمته.. وهم يراقبون ابنائهم يلعبون كرة القدم فوق أرضٍ موحلة ، وهم يضحكون ويتعثرون ثم ينهضون من جديد ، دون اهتمامهم بطائفة وحزب الولد الآخر .. بل اعتادوا مقاسمة العابهم وطعامهم ، وحتى حلواهم التي توزّع من وقتٍ لآخر من الجمعيات الإنسانية ، وكأنهم إخوة متحابين !
فقال أحد الآباء بحسرة:
- لا ادري كيف صدقنا كلام زعمائنا الحزبيين الذين ورطّونا في حربٍ تافهة .. بينما هرّبوا أبناءهم وأموالهم إلى الخارج ، دون اهتمامهم لآلاف المهجرين الذين يعيشون في مخيّماتٍ متفرقة ؟!
فردّ الثاني :
- ليتنا تعلّمنا الإندماج الوطني من هؤلاء الصغار
وقبل أن يشارك الأب الثالث الحوار ، ارتفع صوت الزغاريد من الجهة الأخرى من المخيّم ! حيث انشغلت النسوة بزفّ العروس التي خاطوا لها فستاناً ابيضاً بسيطاً.. ولم يدم العرس اكثر من بضعة دقائق ، قبل دخول العروس الى خيمة زوجها وهي تحمل بقجة ملابسها ..
ثم ساد الهدوء في المخيّم من جديد ، كأن شيئاً لم يكن !
فنظر الرجال الثلاثة إلى بعضهم ، قبل ان يقول أحدهم:
- هل لاحظتم دموع العروس ؟
فأجاب الثاني بشفقة :
- لابد أنها حلمت بهذه اللحظة طوال عمرها... لكنها لم تتخيّل أن يكون زفافها بهذا البؤس.. كان الله في عونها
وأضاف الأب الثالث ، وهو يراقب الأطفال الملطّخين بوحل المخيّم:
- الحرب حطّمت أحلامنا جميعاً
ثم ساد الصمت بينهم
***
وفي تلك الليلة...استيقظت أمٌ مهجّرة على همسات ولديّها ، وضحكاتهما الخافتة داخل الخيمة..
فعاتبتهما بنعاس :
- هيا ناما !! لقد تأخر الوقت
ابتسم ابنها الأكبر ، قائلاً :
- تأخر الوقت على ماذا ، يا أمي ؟ هل لدينا مدرسة صباحاً ؟ نحن هنا لا نفعل شيئًا سوى الأكل واللعب والنوم... دعينا نسهر قليلاً ، فلا مستقبل نخسره
فشعرت الأم بوخزٍ في قلبها من شدة قهرها على ولديّها اللذين نزحا معها للمخيّم ، قبل أيامٍ فقط من موعد امتحاناتهما النهائية ، بعد ان تحوّلت مدينتهم إلى أنقاض.
وهنا قال صغيرها :
- امي ، لم تسألينا لماذا كنا نضحك
فسألته : ولماذا ؟
ابتسم ابنها ببراءة :
- كنت أقول لأخي ، إننا ارتحنا أخيراً من ترتيب غرفنا كل صباح.. فهنا لا توجد أسرّة نُرتّبها ، ولا خزائن نعيد الملابس إليها.. وحتى الاستحمام أصبح نادراً ، لقلّة مياه المخيّم.. برأيّ الحياة هنا أسهل بكثير
وانفجر الشقيقان بالضحك مجدداً .. بينما ادارت الأم ظهرها ، حتى لا يريا دموعها وهي تتذكّر منزلها المرتّب ، بمفروشاته الجميلة التي اختارتها بنفسها .. وغرف ولديّها المليئة بكتبهما المدرسية والعابهما المتنوعة .. لكن كل ذلك اختفى بثواني بصاروخٍ غادر !
وأدركت أن الحرب لا تهدم البيوت فقط ، بل تهدم الأحلام والمستقبل والرغبة بالحياة... بينما يواصل من اشعل الفتنة حياتهم بشكلٍ طبيعي خارج الخيام ، دون اهتمامهم بمن دفع الثمن غالياً لقراراتهم المتهوّرة !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق