تأليف : امل شانوحة
الرحلة الأخيرة
في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك :
- أيها السادة الركّاب ... أعتذر منكم... أحد أفراد الطاقم يهدّدني بسلاحه ، ويجبرني على الهبوط فوق البحر ! ادعوا الربّ أن يُنجينا من هذا البلاء
وفجأة ! حلّ مكانه صوت المضيف الإرهابيّ ، وهو يقول ببرود :
- نلتقي قريباً في الجحيم
واثناء ارتفاع صرخات الركّاب ، أسرع جاك بربط حزام امانه.. قبل تتطايّر من حوله من مقاعدهم مع انقلاب الحقائب من المخازن العلوية ، فور الهبوط الإجباري نحو الأسفل !
وقبل ان يستوعب جاك ما يحصل ، حلّ الظلام فور ارتطام الهيكل بسطح البحر
وبثواني ! خلت مقصورة درجة رجال الأعمال (التي يجلس فيها) من الركّاب ! مع بقائه وحده مُثبّتاً بكرسيه ، اثناء غرقه ببطء نحو عمق البحر
وآخر شيءٍ صرخ به ، قبل انقطاع انفاسه :
- لا اريد الموت غرقاً !!!!
ليستيقظ في مقعده والعرق يتصبّب من جبينه ، على صوت المضيفة التي تربت على كتفه :
- استيقظ لوّ سمحت ، فأنت ترعب الركّاب بصراخك
فعدّل جلسته وهو يتنفّس الصعداء ، بعد علمه بسلامة رحلته الجويّة .. محاولاً تجاهل نظرات الإنزعاج من بقية الركّاب ، بعد صراخه من كابوسه المفزع
وكان اول ردّة فعلٍ لجاك ، ان فكّ حزام مقعده (الذي كان مُثبّتاً اثناء غفوته)
بهذه الأثناء .. لمح رجلاً يلبس عباءة وشماغٍ اسوديّن ، قادماً من مقصورة ركّاب الدرجة الأولى.. حيث بدى وكأنه انتقل من العصور الماضية ، بعيونه الكحيلة الحادة وزيّه الشعبي القديم !
والذي ظلّ يركّز نظره على جاك .. الى ان وصل بجانب كرسيه
ثم انحنى نحوه .. دون تمكّن جاك من التحرّك ، كأنه التصق بكرسيه من الموقف المرعب !
وهمس بإذن جاك :
- لم يكن كابوساً ، بل كانت رؤية قدريّة.. فجميع الركّاب سيموتون خلال دقائق ، بعد غرق الطائرة بالبحر
فسأله جاك مرتجفاً :
- من انت ؟!
- ملك الموت
وكانت ابتسامته المرعبة ، كفيلة بجعل جاك يصرخ بعلوّ صوته :
- لا اريد الموت الآن !! رجاءً أجّلني لزمنٍ آخر
- توقيت الوفاة لا يتأخّر ثانيةً واحدة .. وقد قُدّر موتك اليوم في هذه الرحلة الجوية .. الشيء الوحيد الذي يمكنك اختياره ، هو طريقة موتك داخل الطائرة .. وطالما لم يعجبك الموت غرقاً ، يمكنك تجربة اسلوباً آخر
فرد جاك بيأس :
- ايّ شيء اهون من غرقي في ظلام البحر الموحش
فصفّق الملك بيديه..
ليفتح جاك عينيه مع اختفاء الرجل الغامض ! فظن انه رأى كابوساً آخر.. الا ان امله تلاشى ، بعد سماعه صرخات ركّاب الدرجة السياحية..
ولم يمضي وقتٌ طويل حتى دخل رجلٌ مقنّع الى مقصورة رجال الأعمال بعد فتح ازرار قميصه ، لتظهر قنبلةٌ موصولة بجسمه .. وهو يصرخ مهدّداً :
- سأفجّر نفسي وأقتلكم جميعاً ، ايها الكفار الملاعيين !!
فتمّتم جاك بضيق :
- رائع ! سأموت هذه المرة مُنفجراً لأشلاءٍ صغيرة
وقبل ان يكمل جملته ، علت تكبيرات الإرهابي الذي دمّر الطائرة بالحال
وهنا فتح جاك عينيه ، بعد سماعه صوت ملك الموت يسأله :
- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار هذه الطريقة لموتك ؟
جاك : لا طبعاً !! لا اريد ان أتحوّل لذرّات تتطاير بالهواء
الملاك مُتأفّفاً :
- يبدو انك ستتعبني.. حسناً اذاً ، لنخترّ طريقةً اخرى
ثم صفّق بيديه
ليفتح جاك عينيه وهو يشعر بانكتام انفاسه ، بعد تصاعد دخان من مقصورة الدرجة الأولى ! حيث فهم من صراخ المضيفة : ان ثريّاً سكراناً اطفأ سيجارته بالخطأ في كأس الويسكي ، أدّت لاشتعال ملابسه !
بينما تحاول المضيفة الأخرى اطفائه ، مع علوّ صرخاته المؤلمة..
وبأقل من دقيقتين ، اشتعلت مقاعد مقصورة الدرجة الأولى بالكامل ..مع صعوبة تنفّس بقية ركّاب مقصورتيّ الدرجتين التاليتين ، اللتين امتلئتا بالدخان الكثيف
كما ان وصول الدخان الى مقصورة الطيّار ، جعلت الطائرة تترنّح يميناً ويساراً مع بكاء الركّاب الخائفين
وقبل ثواني من وصول النار الى جاك ، استيقظ مرتعباً على صوت ملك الموت يسأله :
- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار...
جاك مقاطعاً بعصبية :
- ومن الأحمق الذي يفضّل الموت احتراقاً ؟!
الملك ساخراً :
- معك حق ، ليس من العدل ان تحترق دنيا وآخرة.. اذاً ما رأيك بهذه الطريقة؟
وأكمل جاك الكابوس ذاته.. لكن هذه المرة تمكّن الهرب من النيران بآخر لحظة ، بعد نجاح المضيفون من إخمادها بطفايات الحريق المخصّصة للطوارئ .. لكن تدافع ركّاب مقصورة الدرجة الأولى للهرب من الدخان الكثيف ، أوقعت جاك ارضاً وهو يصرخ متألماً بعد دهسه بالأرجل..
وقبل لفظ انفاسه الاخيرة بعد تكسّر عظام ظهره ، استيقظ من كابوسه مرتعباً ! ليُسرع بشدّ عباءة ملك الموت بعصبية :
- بالتأكيد لا اريد الموت دهساً بالأقدام ، كأنني حشرةٌ قذرة !!
الملك :
- اهدأ قليلاً.. عليك اختيار احد الطرق السابقة ، لكتابتها بتقرير موتك
جاك : وهل انا الوحيد الذي سيموت بهذه الرحلة ؟
- بل جميع الركّاب
- اذاً لماذا تركّز عليّ ؟
الملك : انظر مجدداً
وأشار الى الركّاب خلفه.. لينتبه جاك لأول مرة ، بوجود ملائكة الموت بجانب كل راكب ، وهم يعطونه الخيارات لطريقة الوفاة !
جاك بدهشة : كم عزرائيل يوجد في الدنيا ؟!
الملك : واحد فقط .. وانا وزملائي ، جنوده .. هو يعطينا قائمة بأسماء الأشخاص الذين علينا قبض ارواحهم كل يوم .. ونحن ننفذ اوامره ، حسب ما كتبه الله في اقدارهم
جاك : وهل مكتوب بالسجلّ الذي تحمله ، طريقة موتي ؟
فقلّب الملك صفحات ملف جاك الذي يحمله :
- مكتوبٌ عندي .. تاريخ وفاتك ، والمكان الذي سأقبض روحك فيه.. ولهذا انت مُلزم بالموت ضمن هيكل الطائرة.. وليس لديك خيارات كثيرة لطريقة الوفاة
جاك بيأس : انا احاول فقط إختيار أقلّها إيلاماً
- هذا موت يا عزيزي.. سيؤلمك خروج الروح من جسدك لبضعة دقائق ، قبل شعورك بالراحة الأبدية.. لذا استرجل قليلاً ، ودعني أُنهي مهمّتي بسلام
فمسح جاك دمعته .. ثم أخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول بحزن :
- طالما موتي مقرّراً هذا اليوم بجميع الأحوال ، فأريد طريقة اكثر رحمة من الموت غرقاً او حرقاً او تفجيراً او دهساً بالأقدام
ففكّر الملك قليلاً ، قبل ان يقول :
- حسناً ، يوجد طريقةٌ اسهل .
وعاد لتصفيق يديه من جديد
وعندما فتح جاك عينيه.. وجد نفسه في مقعده وهو يمسك بطنه متألماً ، بجانب طعامه المتبقي على الصينية.. وهو ينادي المضيفة صارخاً:
- ماذا يوجد بالطعام ؟!! فبطني يتمزّق من الألم
فصارت تعدّد له المكونات المكتوبة في قائمة الغداء .. الى ان اوقفها منصدماً :
- ماذا قلتي ؟! هل الدجاج مطبوخ بالفول السوداني ؟
المضيفة : نعم سيدي.. على الطريقة الهندية
جاك : انا لديّ حساسية منه.. احتاج لحقنتي فوراً ، والا سأموت في الحال
فساعدته بإنزال حقيبته الصغيرة من المخزن العلويّ فوق مقعده.. الا انه تفاجأ بأن محلول حقنة (الإبينيفرين) انكسر بضغط الهواء !
فصار يتلوّى بألم ، قبل ظهور ملك الموت من جديد :
- هآ يا جاك.. هل تفضّل الموت بهذه الطريقة ، لكيّ اكتبها في تقريري..
لكن جاك قاطعه ، بعد إمساك عباءته بعنف :
- لا طبعاً !! لا اريد الموت مسموماً.. إلغي الطريقة بالحال ، فمعدتي تكاد تنفجر !!
وفجأة ! اختفت جميع آلامه .. بينما الملك يتأفّف بجانبه :
- لقد اتعبتني يا جاك ! إخترّ ايّة طريقة .. وعشّ التجربة كاملةً ، لحين خروج روحك تماماً.. وبذلك تنتهي وظيفتي معك ... (ثم اشار بيده) ..انظر خلفك
فرأى جاك جميع الركّاب موتى في مقاعدهم !
الملك : جميع زملائي انهوا مهمّاتهم ، وعادوا للسماء ..وانت مازلت متردّداً باختيار طريقة موتك ! وكل ما عليك فعله ، هو تحمّل الألم قليلاً ..الى ان ينتهي عذابك بهذه الدنيا المتعبة
ففكّر جاك قليلاً ، قبل ان يقول :
- نعم وجدتها !! فقدان الوعيّ حتى الموت
الملك مستفسراً : وكيف سيحصل ذلك ؟
جاك : دعّ الطائرة تهبط بسرعة للأسفل بشكلٍ عاموديّ..وسيؤدي تغيّر الضغط داخل المقصورات الى جعل جميع الركّاب ، بمن فيهم الطيّار يفقدون وعيهم.. وبذلك نموت جميعاً اثناء نومنا دون رعبٍ او ألم
- حسناً ، كما تشاء يا جاك.. سأكتب الطريقة المختارة في تقريري.. وبعد قليل اسحب روحك معي الى السماء.. القاك لاحقاً
ثم اختفى الملاك مع إغماض جاك عينيه ..ودموعه تسيل على خده ، لعلمه بعدم وصوله مطلقاً الى وجهته او رؤية اهله من جديد..
وفجأة ! شعر بتغيّر ضغط الهواء .. جعلت الأصوات من حوله تضعف ، والوجوه تتلاشى .. قبل استسلامه لنومته الأبدية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق