الجمعة، 24 يوليو 2026

خيارات الوفاة

تأليف : امل شانوحة 

الرحلة الأخيرة


في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك :

- أيها السادة الركّاب ... أعتذر منكم... أحد أفراد الطاقم يهدّدني بسلاحه ، ويجبرني على الهبوط فوق البحر ! ادعوا الربّ أن يُنجينا من هذا البلاء


وفجأة ! حلّ مكانه صوت المضيف الإرهابيّ ، وهو يقول ببرود :

- نلتقي قريباً في الجحيم


واثناء ارتفاع صرخات الركّاب ، أسرع جاك بربط حزام امانه.. قبل تتطايّر من حوله من مقاعدهم مع انقلاب الحقائب من المخازن العلوية ، فور الهبوط الإجباري نحو الأسفل !

وقبل ان يستوعب جاك ما يحصل ، حلّ الظلام فور ارتطام الهيكل بسطح البحر


وبثواني ! خلت مقصورة درجة رجال الأعمال (التي يجلس فيها) من الركّاب ! مع بقائه وحده مُثبّتاً بكرسيه ، اثناء غرقه ببطء نحو عمق البحر 

وآخر شيءٍ صرخ به ، قبل انقطاع انفاسه :

- لا اريد الموت غرقاً !!!!


ليستيقظ في مقعده والعرق يتصبّب من جبينه ، على صوت المضيفة التي تربت على كتفه : 

- استيقظ لوّ سمحت ، فأنت ترعب الركّاب بصراخك


فعدّل جلسته وهو يتنفّس الصعداء ، بعد علمه بسلامة رحلته الجويّة .. محاولاً تجاهل نظرات الإنزعاج من بقية الركّاب ، بعد صراخه من كابوسه المفزع


وكان اول ردّة فعلٍ لجاك ، ان فكّ حزام مقعده (الذي كان مُثبّتاً اثناء غفوته)

بهذه الأثناء .. لمح رجلاً يلبس عباءة وشماغٍ اسوديّن ، قادماً من مقصورة ركّاب الدرجة الأولى.. حيث بدى وكأنه انتقل من العصور الماضية ، بعيونه الكحيلة الحادة وزيّه الشعبي القديم !

والذي ظلّ يركّز نظره على جاك .. الى ان وصل بجانب كرسيه 


ثم انحنى نحوه .. دون تمكّن جاك من التحرّك ، كأنه التصق بكرسيه من الموقف المرعب ! 

وهمس بإذن جاك :

- لم يكن كابوساً ، بل كانت رؤية قدريّة.. فجميع الركّاب سيموتون خلال دقائق ، بعد غرق الطائرة بالبحر 

فسأله جاك مرتجفاً :

- من انت ؟!

- ملك الموت


وكانت ابتسامته المرعبة ، كفيلة بجعل جاك يصرخ بعلوّ صوته :

- لا اريد الموت الآن !! رجاءً أجّلني لزمنٍ آخر

- توقيت الوفاة لا يتأخّر ثانيةً واحدة .. وقد قُدّر موتك اليوم في هذه الرحلة الجوية .. الشيء الوحيد الذي يمكنك اختياره ، هو طريقة موتك داخل الطائرة .. وطالما لم يعجبك الموت غرقاً ، يمكنك تجربة اسلوباً آخر

فرد جاك بيأس :

- ايّ شيء اهون من غرقي في ظلام البحر الموحش

فصفّق الملك بيديه..


ليفتح جاك عينيه مع اختفاء الرجل الغامض ! فظن انه رأى كابوساً آخر.. الا ان امله تلاشى ، بعد سماعه صرخات ركّاب الدرجة السياحية.. 


ولم يمضي وقتٌ طويل حتى دخل رجلٌ مقنّع الى مقصورة رجال الأعمال بعد فتح ازرار قميصه ، لتظهر قنبلةٌ موصولة بجسمه .. وهو يصرخ مهدّداً :

- سأفجّر نفسي وأقتلكم جميعاً ، ايها الكفار الملاعيين !!

فتمّتم جاك بضيق :

- رائع ! سأموت هذه المرة مُنفجراً لأشلاءٍ صغيرة

وقبل ان يكمل جملته ، علت تكبيرات الإرهابي الذي دمّر الطائرة بالحال


وهنا فتح جاك عينيه ، بعد سماعه صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار هذه الطريقة لموتك ؟

جاك : لا طبعاً !! لا اريد ان أتحوّل لذرّات تتطاير بالهواء

الملاك مُتأفّفاً :

- يبدو انك ستتعبني.. حسناً اذاً ، لنخترّ طريقةً اخرى

ثم صفّق بيديه


ليفتح جاك عينيه وهو يشعر بانكتام انفاسه ، بعد تصاعد دخان من مقصورة الدرجة الأولى ! حيث فهم من صراخ المضيفة : ان ثريّاً سكراناً اطفأ سيجارته بالخطأ في كأس الويسكي ، أدّت لاشتعال ملابسه ! 

بينما تحاول المضيفة الأخرى اطفائه ، مع علوّ صرخاته المؤلمة.. 


وبأقل من دقيقتين ، اشتعلت مقاعد مقصورة الدرجة الأولى بالكامل ..مع صعوبة تنفّس بقية ركّاب مقصورتيّ الدرجتين التاليتين ، اللتين امتلئتا بالدخان الكثيف 

كما ان وصول الدخان الى مقصورة الطيّار ، جعلت الطائرة تترنّح يميناً ويساراً مع بكاء الركّاب الخائفين 


وقبل ثواني من وصول النار الى جاك ، استيقظ مرتعباً على صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار...

جاك مقاطعاً بعصبية :

- ومن الأحمق الذي يفضّل الموت احتراقاً ؟!

الملك ساخراً :

- معك حق ، ليس من العدل ان تحترق دنيا وآخرة.. اذاً ما رأيك بهذه الطريقة؟


وأكمل جاك الكابوس ذاته.. لكن هذه المرة تمكّن الهرب من النيران بآخر لحظة ، بعد نجاح المضيفون من إخمادها بطفايات الحريق المخصّصة للطوارئ .. لكن تدافع ركّاب مقصورة الدرجة الأولى للهرب من الدخان الكثيف ، أوقعت جاك ارضاً وهو يصرخ متألماً بعد دهسه بالأرجل.. 


وقبل لفظ انفاسه الاخيرة بعد تكسّر عظام ظهره ، استيقظ من كابوسه مرتعباً ! ليُسرع بشدّ عباءة ملك الموت بعصبية :

- بالتأكيد لا اريد الموت دهساً بالأقدام ، كأنني حشرةٌ قذرة !! 

الملك :

- اهدأ قليلاً.. عليك اختيار احد الطرق السابقة ، لكتابتها بتقرير موتك

جاك : وهل انا الوحيد الذي سيموت بهذه الرحلة ؟

- بل جميع الركّاب

- اذاً لماذا تركّز عليّ ؟

الملك : انظر مجدداً


وأشار الى الركّاب خلفه.. لينتبه جاك لأول مرة ، بوجود ملائكة الموت بجانب كل راكب ، وهم يعطونه الخيارات لطريقة الوفاة !

جاك بدهشة : كم عزرائيل يوجد في الدنيا ؟!

الملك : واحد فقط .. وانا وزملائي ، جنوده .. هو يعطينا قائمة بأسماء الأشخاص الذين علينا قبض ارواحهم كل يوم .. ونحن ننفذ اوامره ، حسب ما كتبه الله في اقدارهم 

جاك : وهل مكتوب بالسجلّ الذي تحمله ، طريقة موتي ؟


فقلّب الملك صفحات ملف جاك الذي يحمله : 

- مكتوبٌ عندي .. تاريخ وفاتك ، والمكان الذي سأقبض روحك فيه.. ولهذا انت مُلزم بالموت ضمن هيكل الطائرة.. وليس لديك خيارات كثيرة لطريقة الوفاة

جاك بيأس : انا احاول فقط إختيار أقلّها إيلاماً

- هذا موت يا عزيزي.. سيؤلمك خروج الروح من جسدك لبضعة دقائق ، قبل شعورك بالراحة الأبدية.. لذا استرجل قليلاً ، ودعني أُنهي مهمّتي بسلام


فمسح جاك دمعته .. ثم أخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول بحزن :

- طالما موتي مقرّراً هذا اليوم بجميع الأحوال ، فأريد طريقة اكثر رحمة من الموت غرقاً او حرقاً او تفجيراً او دهساً بالأقدام


ففكّر الملك قليلاً ، قبل ان يقول : 

- حسناً ، يوجد طريقةٌ اسهل .

وعاد لتصفيق يديه من جديد


وعندما فتح جاك عينيه.. وجد نفسه في مقعده وهو يمسك بطنه متألماً ، بجانب طعامه المتبقي على الصينية.. وهو ينادي المضيفة صارخاً:

- ماذا يوجد بالطعام ؟!! فبطني يتمزّق من الألم 

فصارت تعدّد له المكونات المكتوبة في قائمة الغداء .. الى ان اوقفها منصدماً :

- ماذا قلتي ؟! هل الدجاج مطبوخ بالفول السوداني ؟

المضيفة : نعم سيدي.. على الطريقة الهندية

جاك : انا لديّ حساسية منه.. احتاج لحقنتي فوراً ، والا سأموت في الحال


فساعدته بإنزال حقيبته الصغيرة من المخزن العلويّ فوق مقعده.. الا انه تفاجأ بأن محلول حقنة (الإبينيفرين) انكسر بضغط الهواء ! 

فصار يتلوّى بألم ، قبل ظهور ملك الموت من جديد :

- هآ يا جاك.. هل تفضّل الموت بهذه الطريقة ، لكيّ اكتبها في تقريري..

لكن جاك قاطعه ، بعد إمساك عباءته بعنف :

- لا طبعاً !! لا اريد الموت مسموماً.. إلغي الطريقة بالحال ، فمعدتي تكاد تنفجر !!


وفجأة ! اختفت جميع آلامه .. بينما الملك يتأفّف بجانبه :

- لقد اتعبتني يا جاك ! إخترّ ايّة طريقة .. وعشّ التجربة كاملةً ، لحين خروج روحك تماماً.. وبذلك تنتهي وظيفتي معك ... (ثم اشار بيده) ..انظر خلفك


فرأى جاك جميع الركّاب موتى في مقاعدهم !

الملك : جميع زملائي انهوا مهمّاتهم ، وعادوا للسماء ..وانت مازلت متردّداً باختيار طريقة موتك ! وكل ما عليك فعله ، هو تحمّل الألم قليلاً ..الى ان ينتهي عذابك بهذه الدنيا المتعبة


ففكّر جاك قليلاً ، قبل ان يقول :

- نعم وجدتها !! فقدان الوعيّ حتى الموت

الملك مستفسراً : وكيف سيحصل ذلك ؟

جاك : دعّ الطائرة تهبط بسرعة للأسفل بشكلٍ عاموديّ..وسيؤدي تغيّر الضغط داخل المقصورات الى جعل جميع الركّاب ، بمن فيهم الطيّار يفقدون وعيهم.. وبذلك نموت جميعاً اثناء نومنا دون رعبٍ او ألم

- حسناً ، كما تشاء يا جاك.. سأكتب الطريقة المختارة في تقريري.. وبعد قليل اسحب روحك معي الى السماء.. القاك لاحقاً


ثم اختفى الملاك مع إغماض جاك عينيه ..ودموعه تسيل على خده ، لعلمه بعدم وصوله مطلقاً الى وجهته او رؤية اهله من جديد..


وفجأة ! شعر بتغيّر ضغط الهواء .. جعلت الأصوات من حوله تضعف ، والوجوه تتلاشى .. قبل استسلامه لنومته الأبدية 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خيارات الوفاة

تأليف : امل شانوحة  الرحلة الأخيرة في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك : - أيها السادة الركّاب ... أعتذر من...