‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة واقعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة واقعية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

الأميرة المُهمّشة

تأليف : امل شانوحة 

الظلّ الملكي


بعد بلوغي سن السبعين ، تجرّأت أخيراً على كتابة مذكّراتي :

((انا صوفيا ، ملكة اسبانيا .. الطفلة التي لم ترغب عائلتها في إنجابها ! 

فأبنتهما البكر (ليونور) تملك كل المواصفات المطلوبة ، لتصبح الملكة القادمة 

أما أنا ، فكنت النسخة الإحتياطية التي لا يُفترض استعمالها !


فهم أخبروني أن الدستور يفرض التفرقة..

لكني كطفلة ، لم أفهم قانوناً يمنع والدان من احتواء طفلتهما الثانية التي أجبروها على الوقوف طويلاً أمام عدسات المصوّرين ، بظهرٍ مستقيم وابتسامةٍ جامدة دون حركةٍ زائدة أو كلمةٍ عفوية.. بعد وصف أمي لضحكاتي الطبيعية بـأفعالٍ شائنة ، وعلّمتني الصمت وعدم الجدال باكراًً ! 


فأنا لا اذكر قبلةً دافئة من والدايّ ، بعكس اختي التي لا تفارق حضنهما ! حتى اللعب معها كان ممنوعاً.. فدخول غرفة اختي يحتاج اذناً مسبقاً ، كأني غريبة عن قصرهم 


رغم انني لم أحسد ليونور على تسلّط الأضواء عليها ، بعد تحمّلها فوق طاقتها ..وإلزامها بمسؤولياتٍ ضخمة ، وحفظها لبروتوكولاتٍ مُعقّدة ! 

في المقابل لم يكترثوا بتعليمي سوى سلوك النبلاء ، دون الطموح بالملك يوماً  


لهذا قضيت معظم وقتي مع مربيتي الحنونة التي رأتها امي يوماً تحتضنني بغرفتي ، فطردتها على الفور ! غير آبهة ببكائي وتوسّلاتي لإعادتها للقصر .. وبذلك خسرت الحضن الوحيد الذي اكترث بأمري !


اما موضوع المناسبات الوطنية .. فقد اعتدّت الوقوف خلفهم ، كالمنبوذة.. لأعاني من تجاهلهم بصمت ، كشمعةٍ تذوب في وضح النهار .. حتى انهم اجبروني على حضور مناسبات تخصّ اختي ، رغم مرضي وارتجافي من الحمّى .. واكيد لن يحدث هذا ، لوّ حصل العكس !


وبسن المراهقة .. طالت قامتي أكثر من اختي ، فمنعوني من الكعب العالي .. ولبس الفساتين الزاهية ، حتى لا الفت الأنظار اليّ .. ورفضوا قصّ او تصفيف شعري بموديلاتٍ جذّابة ، مع إجباري على إسداله كفتاةٍ مُهملة .. فأنا مُلزمة بالبقاء ظلّاً لأختي ، ملكة البلاد المستقبليّة ! 


وحين كسرتُ قدمي ، لم يمدّ والدايّ أيديهما لمساعدتي.

فعلتها ليونور بدلاً عنهما.

ففرح قلبي… قبل أن تُطفئه كلماتها الباردة : 

- لن أبدو متعالية أمام الصحافة 

حينها فهمت أن الشفقة في عائلتنا ، أمراً محسوباً !


فهل خاب املي ؟ بالحقيقة لم يعد شيء يفاجأني من جفاء عائلتي .. لدرجة انني تخيّلت نفسي : كلقيطة على باب قصرهم في ليلةٍ مظلمةٍ وباردة.. لهذا عليّ الإمتنان لضمّي الى عائلتهم الملكيّة ، دون المطالبة باهتمامهم ومحبتهم او مقارنتي بإبنتهم الحقيقية ! 

هكذا اوهمت نفسي ، مُتجاهلةً صور حمل امي بي ! كيّ أحمي قلبي من قسوتهم الغير مبرّرة 


وذات مساء ، سمعتهم يتحدثون عن جولةٍ أوروبية.. لكنهم مُتردّدين في اصطحابي ، لجهلي بالبروتوكولات.

وصادف تلك الليلة ، قراءتي إعلاناً عن مخيّمٍ لتعلّم الفروسية والإنضباط العسكري لأبناء الطبقة المخملية..


فدخلتُ الصالة بحماسٍ مُصطنع .. فتنفّسوا الصعداء ، لأنه الحل الأمثل لتخلّص مني صيفاً كاملاً..


وكم بكيتُ في ليلتي الأولى بالمعسكر... لأني كنت آمل رفضهم اقتراحي ، للبقاء معهم .. لكنهم ارتاحوا من همي !


لأعلم لاحقاً بأن ذلك المخيّم كان اجمل شيءٍ حصل بحياتي ، ففيه التقيت بزوجي المرحوم ..

وكان شاباً يافعاً من طبقة الأمراء.. عانى مثلي من الإهمال ، لأنه الإبن الأوسط لعائلته .. لهذا لم يكن صعباً التفاهم بيننا ، فلدينا الجروح ذاتها ! 


في البداية خفتُ من لطفه ، ظناً ببحثه عن الأضواء

لكنه طلب زواجاً بعيداً عن الإعلام .. على الشاطئ ، بحضور كاهنٍ والأصدقاء المقرّبين فقط ! فأحببتُ الفكرة.


تزوّجنا سرّاً ، لكن الخبر تسرّب لعائلاتنا .. فهدّدوا بحرماننا من ألقابنا والصلاحيّات الملكيّة ، لكننا لم نكترث .. وانتقلنا إلى بيتٍ صغيرٍ في الريف.. حيث عمل زوجي بالتجارة ، بينما اعتنيتُ بمنزلي رغم حملي .. 


وأنجبتُ ابني على يد قابلةٍ قروية. .واستدعيتُ مربيتي القديمة التي اعادت الدفء الى عائلتي.. وحرصنا جميعاً بعدم إظهار الطفل للعلن 


لكن ببلوغ شهره الثالث ، صوّرني احد الصحفيين وانا احمله في حديقة منزلي بطائرة درون ! 

مما احدث ضجةً اعلامية .. أجبرت والدايّ على دعوتنا للقصر ، لأخذ صورةً عائلية .. 


وهناك رأيتُ الشوق في عيني أبي وهو يحمل حفيده. .لكن أمي اعادت الطفل لي ، فور انتهاء التصوير ! 

بينما همست ليونور بحقد :

- ما كان عليك ان تسبقيني بالزواج والإنجاب 

فحاولت امي تهدئة غيظها : 

- لا تقلقي يا ليونور ، عرسك سيُخلّد بالتاريخ … ليس كعرس اختك السوقي ! 


فعدتُ إلى بيتي مكسورة ، واحتواني زوجي الحنون الذي وعدني بعدم التفرقة بين ابنائنا ، مهما كان عددهم 


بعد عام ، أنجبت طفلتي .. لكن هذه المرة حرصت عائلتي بعدم إشغال الإعلام بي ، بعد مسارعتهم بتزويج اختي من اميرٍ وسيم لا تطيقه ! 

لهذا بالكاد ابتسمت بعرسها الذي لم أُعزم عليه ، مُتحججين امام الصحافة : بمضاعفاتٍ مؤلمة بعد ولادتي ! 

وهو شيء لم يحصل .. لكني التزمت بيتي ، كيّ لا اظهر كذبهم للعلن


وبعد زواج اختي الضخم .. ودّع والدايّ العريسيّن في المطار ، للذهاب بشهر عسلٍ فاخر حول اوروبا.. 

لكن شاء القدر ان يحدث خللاً بطائرتهما الخاصة ، أدّت لوفاة اختي مع عريسها !

وجاء الخبر صادماً على الجميع .. حتى عليّ ! فهي بالنهاية اختي الوحيدة.. 


وبكيت امام تابوتها ، لحرماني التقرّب منها طيلة حياتي ! كما شعرت بظلمهم لها ، بعد إجبارها على النضوج باكراً .. وزواجها التقليدي دون حب ، بعكسي انا.. لهذا بكيت على شبابها الضائع ، بينما والدايّ تجمّدا في حالة صدمةٍ واضحة .. 

وحين حاولت احتضان امي لتخفيف المها ، همست في اذني :

- هل انت سعيدة الآن ، لحصولك على العرش بدلاً منها ؟!!


وقد صدمني كلامها ، فالمُلك لم يكن يوماً غايتي بالحياة ! 

كل ما اردّته هو الشعور باحتواء اختي الكبرى التي يبدو أن امي أفهمتها بأني منافستها على العرش ، وأغار منها ..لهذا تجنّبتني المرحومة طوال حياتها ! 


اما ابي ، فكنت قلقة عليه... فهو بدا مشوّش التفكير ، كأنه محتار بمن سيرثه بعد وفاة ابنته المفضّلة التي علّمها كل شيء عن السياسة .. فهو لم يهتم بتثقيفي من هذه الناحية.. وسيكون صعباً فعل ذلك ، بعد انشغالي بعائلتي.


ويبدو ان همه كبير ، لدرجه انتحاره بعد وفاة اختي بأسبوع ! 

وكانت تلك الصدمة الثانية للشعب ..ولأمي التي انهار جبروتها اخيراً ، بعد فقدان سندها الوحيد بالحياة 

وماهي الا ايام ، حتى لحقته امي بعد مرضٍ ألمّ بها


وبعد انتهاء العزاء .. زارني الوزير في بيتي الريفيّ ، لنقلي الى القصر ..لحفلة تتويجي ملكة البلاد ! وهو شيء لم يخطر ببالي ، حتى بأحلامي المتفائلة


وبالفعل تم تحضيري للمناسبة الضخمة التي حضرها الشعب الذين اصطفّوا بالآلاف خارج القصر ..وهم يشاهدون عبر شاشةٍ ضخمة ، لحظة وضع التاج فوق رأسي.. 


وبعد تلاوتي للقسم الملكي ، أخرجوني للشرفة ..لأكن في الواجهة هذه المرة ! بدل وقوفي طوال حياتي مع الحرس ، خلف عائلتي 


حيث لوّحت للشعب والدموع في عينيّ .. بينما زوجي يدعمني بابتسامته الحنونة وهو يحمل طفلتنا ، وبجانبه ابننا الذي كان سعيداً بالحدث 


ثم اعطاني المسؤول الميكروفون للتحدث مع الشعب الذي التزم الصمت ، لسماع كلمتي المكتوبة بعناية من قبل نائبي .. الذي فاجأته بطيّ الورقة ، والتحدّث إرتجالاً مع الجمهور :

((جميعكم يعلم بقصتي مع عائلتي ، وكيف كنت الخروف الأسود طوال حياتي.. لم اكن احلم يوماً بأن اصبح مليكتكم .. ولا انكر شعوري بالخوف من هذا المنصب الذي لم يحضّرني اهلي له ، كما فعلوا مع اختي المرحومة.. والآن اقف امامكم وقلبي حزين على فقدانهم .. فقد كنت آمل بوجودهم معي ، لمساندتي.. رغم يقيني بأنهم لن يفعوا ذلك ابداً ! .. لا اعتقد انني سأكون ملكةً تقليدية ، لكرهي للبروتوكولات المعقّدة .. فما يهمّني هو انتم !! فأنا اشعر بآلامكم ، واعرف شعور الشخص المُهمّش بالحياة.. لذلك لا اعدكم بالكمال ، بل بالإنسانية والعدالة .. كل ما اريده منكم هو دعمي بحنانكم وعطفكم.. وان اخطأت بحقكم ، فعاتبوني بلين..

دعونا معاً نقدّم أفضل ما لدينا ، لبناء بلدنا الحبيب .. وجعله في مصاف الدول العالمية ، فهو حلمنا جميعاً .. بالنهاية انا منكم ، وانتم مني !! ..عشتم وعاشت اسبانيا !!))


وما ان انهيت كلمتي ، حتى ضجّت الشوارع بالهتافات المؤيدة لحكمي المتواضع ! وهم يردّدون : 

- تحيا ملكة اسبانيا !! تحيا الملكة الحنونة !!


ومن يومها ازدهرت بلادي اقتصادياً بشكلٍ لم يحدث من قبل ، بعد اعتياد شعبي على زيارتي لشركاتهم ومصانعهم دون حرسٍ او بروتوكولات خانقة.. حيث سلّمت على الصغير قبل الكبير.. واهتمّمت بسماع مشاكلهم ، والسعيّ بحلها بكل الطرق الممكنة 


وهآ انا أتفرّغ أخيراً للكتابة بعد قيامي قبل ايام ، بتسليم تاجي لإبني الذي ربّيته على التواضع مع الشعب ومحبة الوطن .. والأهم من ذلك ، علّمته الإهتمام بأخته بعد حرصي انا وزوجي على عدم التفرقة بينهما.. وهو شيء جهله والدايّ اللذيّن تسبّبا بجروح الثقة ، وقيمتي امام نفسي لفترةٍ طويلة من حياتي.. لولا زوجي الحبيب الذي دعمني في كل خطوة.. كما لا انسى محبة الشعب الذين عاملوني باحترامٍ وتقدير ، لم اجده بعائلتي الراحلة 


وصيّتي الأخيرة : لا تجعلوا ابنائكم ظلالا ، فكل فردٍ مهم بهذه الحياة .. عشتم وعاشت اسبانيا !!))


*الظلّ الملكي* 

مذكّرات : الخروف الأسود

*****

ملاحظة : 

هذه القصة استوحيتها من احداثٍ حقيقية لأميرتيّ اسبانيا .. شاهدوا الفيديو الذي استلهمت منه القصة:

https://www.tiktok.com/@britishroyaltypulse/video/7585889489193536798?_r=1&_t=ZS-92QpMRkHfI9



الأحد، 24 أغسطس 2025

المنزل المقاوم

تأليف : امل شانوحة 

 

الإنقاذ البطوليّ 


في مكتب الجنرال الإسرائيلي الذي سأل باهتمام :

- ما آخر المستجدّات ؟

الضابط : نجحت خطتنا ، سيدي .. أغرينا اهالي القدس بالعيش في المبنى الضخم الذي بنيناه بعيداً عن محيط المسجد ، والمزوّد بكافة الخدمات الرئيسيّة .. خصوصاً بعد تسلّمهم سندات الملكيّة ، مقابل منازلهم المتهالكة القريبة من المسجد الأقصى

الجنرال بضيق : لا اريد سماع هذا الإسم ثانيةً !! فقريباً سنبني هيكل سليمان مكان المسجد ، كما حلم آبائنا واجدادنا

- لكن للأسف يوجد خبرٌ سيء 

- ماهو ؟

الضابط : لم يبقى سوى منزلٌ واحد ، يرفض اهله تركه بأيّ ثمن !

الجنرال غاضباً : اذاً فجّروه بمن فيه !!

- لا نستطيع .. فأحد جدرانه مُتصلاً بحائط المبكى

- وكم عدد اولئك الملاعين ؟

الضابط : عائلة مكوّنة من جد وكنّته وثلاثة احفاد .. كبيرهم مراهق ، وصغيرهم طفلٌ صغير

- الا يوجد رجال ؟

- والدهم مُعتقل لدينا منذ سنوات .. وأخوهم الأكبر استُشهد خلال رميه الحجارة على جنودنا بالإنتفاضة السابقة  

الجنرال : اذاً هدّدهم بأذيّة والدهم إن لم يخرجوا طوعاً من المنزل

- الأب أعند منهم ! فهو من شجّعهم على البقاء في المنزل حتى الرمق الأخير

الجنرال بابتسامةٍ خبيثة : اذاً سنحقّق أمنيّته

- ماذا تقصد ؟

- أغلقوا بابهم ونوافذهم بالطوب والإسمنت .. واقطعوا عنهم الماء والكهرباء والإنترنت .. وامنعوا دخول المؤنة اليهم .. وضعوا الحرس حول المنزل ، مانعين احد الإقتراب منهم .. وبموتهم جوعاً ، نُربي البقيّة على طاعة اوامرنا .. وبعد إفنائهم .. نهدم المنزل فوق جثثهم ، ونترك الجدار المُتصل بحائط المبكى سليماً .. هيا إذهب ونفّذ الأوامر ، ماذا تنتظر؟

الضابط : من الأفضّل اغلاق منافذهم مساءً ، اثناء نوم الجميع .. كيّ لا نلفت انظار الجيران والمارّة ، لمعاناة تلك العائلة 

- حسناً ، نفّذ الأمر هذه الليلة التي ستكون آخر مرة ينظرون فيها لقبّتهم الذهبيّة .. فبعد موتهم !! سيتم تدمير المسجد على مرأى العالم كلّه ، الذي سيشهد بناء هيكلنا دون اعتراضٍ او مقاومة 

- حاضر سيدي !!

*** 


في تلك الليلة من ايام الصيف الحارقة .. إستيقظ المراهق (16 سنة) بعد شعوره بحرارةٍ مفاجئة ! فأراد فتح نافذته ، لإدخال بعض الهواء الى غرفته الخانقة .. ليتفاجأ بانسدادها بالطوب من الخارج !

فأسرع الى بقيّة نوافذ المنزل ، ليجدها جميعاً مُغلقة بإحكام .. 


واستيقظت عائلته على صراخه الغاضب ، اثناء محاولته كسر الباب الرئيسيّ لمنزله الذي سُدّ ايضاً بجدارٍ من الطوب !


وعندما حاولت امه اضاءة النور لمعرفة المشكلة ، إنصدمت من انقطاع الكهرباء .. بهذا الوقت ، سمعوا صراخ الجد من الحمام بعد انقطاع الماء !

بينما الفتاة الصغيرة (11سنة) تخبرهم بعدم وجود إنترنت بعد محاولتها الإتصال بعمها ، للقدوم اليهم وحلّ المشكلة !


وبعد اجتماع العائلة المنكوبة بالصالة ، بعد اضاءة الأم لإحدى الشموع.. 

الجد : يبدو ان الملاعين قطعوا عنها كل وسائل الحياة ، بعد رفضنا بيع منزلنا !

الصغيرة بخوف : هل يعني اننا سنموت جوعاً ، يا جدي ؟

المراهق وهو يحاول تهوئة عائلته بقطعة كرتون من شدّة حرارة المنزل :

- هذا إن لم نختنق اولاً ، بعد إغلاقهم جميع المنافذ  

الأم : كان بإمكانهم تهديدنا بالشتاء ، لكنهم تقصّدوا حبسنا بعزّ الصيف ! 

الجد بقلق : هذا ونحن بالمساء ، فكيف ستكون حرارة ظهر الغد ؟ عدا عن حرماننا من المياه ، للإستحمام وتخفيف سخونة جسمنا !

الأم : رجاءً عمي ، لا تخيف الأولاد

الصغيرة وهي تمسح دموعها : ماذا بشأن اخي ؟ فهو لم يتجاوز عامه الأول .. كيف سندبّر له الحليب فور انتهاء القارورة التي لدينا؟! 

المراهق : برأيّ علينا الليلة ، أكل جميع الطعام الذي سيفسد بعد انقطاع الكهرباء عن الثلاّجة .. 

الأم : هذا عدا عن مشكلة الإضاءة ، فليس لدينا سوى عشرة شموع في المنزل ! 

الجد : ضعي واحدة بالحمام 

الأم : اذاً سآخذ شمعة ثانية للمطبخ ، لتحضير الطعام الذي سيفسد دون تبريد ! 


الصغيرة : الا تظنون ان احدهم سيساعدنا للخروج من هنا ؟

المراهق : لا اعتقد .. فقبل استيقاظكم ، صرخت كالمجنون وانا احاول كسر باب منزلنا .. لأسمع مُجنّد صهيوني يقول من الخارج : ((لا تحاول يا صبيّ ، فمنزلكم محاصر بالجنود .. ستبقون بالداخل حتى موتكم ، دون علم احد بمعاناتكم))

الجد : ليتك لم تخبرنا ، فهذا تأكيد على نهايتنا 

الأم : عمي ! ماذا سنفعل الآن ؟

الجد : نأكل اولاً ، ثم نقيم الليل بالصلاة والدعاء .. لا شيء آخر يمكننا فعله .. فذنبنا الوحيد ، إن منزلنا مُطلّ على المسجد الأقصى الشريف .. وحتماً سيجعلوننا عبرة للجميع ! 


ثم قام مُتثاقلاً نحو الكنبة ..وأخذ يضرب بكفّيه عليها ، محاولاً التيممّ لبدء صلاة التهجّد .. بينما المراهق يفكّر في نفسه :

((لن اجلس مكتوف الأيدي ، وعائلتي تموت امامي ببطءٍ وألم .. فوالدي وصّاني بهم بآخر زيارة له في السجن ، وسأكون على قدر المسؤوليّة))


ثم دخل غرفته ، مُغلقاً الباب على نفسه .. بعد اخذه شمعةً ثانية معه 

واثناء وضع الأم الطعام بالصالة ، سألت عن ابنها .. فأخبرتها ابنتها : أنه امضى ساعة لوحده في غرفته ، مع صوتٍ غريب يصدر من هناك ! 

فنادته امه لتناول الطعام قبل فساده .. فخرج من غرفته مُتعرّقاً ، وموسّخاً ملابسه بالتراب ! لكنه رفض التحدّث قبل انهاء طعامهم .. 


وبعد نوم الفتاة وهي تحتضن اخاها ، بعد شربه آخر ما تبقى من قارورة الحليب التي يملكونها


الجد بصوتٍ منخفض : هآقد نام اخوتك ، كما طلبت .. إخبرنا بما كنت تفعله بالغرفة ؟

المراهق : أليست غرفتي الوحيدة التي لديها ارضيّة ترابيّة في كل المنزل ؟

الأم : هذا لأن مالنا نفذ قبل تبليطها 

ابنها : وهذا من حسن حظنا .. فقد أخذت رفش جدي ، وبدأت بحفر ارضيّة غرفتي الى ان وصلت الى متر خلال ساعةٍ واحدة ! 

الجد باهتمام : هل ستحفر نفقاً الى خارج المنزل ؟

المراهق : نعم !! فغرفتي مُتصلة بحائط المبكى ، لهذا لن يجرأوا على تفجيرها .. كما لن يحرسها الجنود من الجهةٍ المقابلة ، حتى لا يثيروا ذعر الحاخامات الذين يدعون خلف جدار غرفتي .. فأنا اسمع ترانيمهم طوال حياتي ! وطالما حائط المبكى مُغلقاً في المساء .. سأقوم بالحفر كل ليلة ، لحين خروجي من هنا على هيئة يهوديّ 


الأم بقلق : ماذا تعني ؟!

- ألستِ خياطةً ماهرة يا امي ؟ اريدك ان تُخيطي طقماً رسمياً اسوداً ، يشبه ما يلبسه المتدينون منهم.. وسأقصّ بعضاً من شعر اختي المتموّج ، للصقه كخصل على جانبيّ وجهي .. وبعد خروجي ، سأركض الى شقة اعمامي في المبنى الجديد .. وسآخذ معي الجوال الذي صوّرت فيه معاناتنا ، لنشره لاحقاً بالإنترنت .. كل ما عليكم فعله هو الصمود لحين عودتي مع الثوّار الى هنا  .. هل يمكنكم فعل ذلك ؟ 

الأم : احتاج يومين لتحويل ستارتي السوداء الى طقمٍ رسميّ لك

ابنها : وانا احتاج يومين الى ثلاثة لإنهاء الحفر .. المهم ان لا تعرف اختي الموضوع ، لربما صرخت للجنود في الخارج عن محاولتي إنقاذكم .. لهذا سنعمل بسرّيةٍ مطلقة ، فالصغار لا يمكن التنبؤ بأفعالهم .. وانت يا جدي ، هل يمكنك الصمود دون ادويّتك الطبّية ؟


الجد : ان كان مُقدّراً لي العيش ، سيطيل الله عمري دون حاجتي لهم .. وفي حال لم أصمد دون دواء الضغط والقلب ، فقد عشت حياتي كاملة ولله الحمد .. وأتوق فعلاً لرؤية زوجتي المرحومة ، وكل معارفي الذين استشهدوا قبلي .. 

كنّته : رجاءً عمي ، احتاجك معي بفترة غياب ابني 

الجد : سأحاول على قدر صحتي .. المهم ان توفّري الطعام لحين نجاتنا

كنّته : لديّ كيس طحين ، يكفينا لصنع بعض الأرغفة التي يمكن تغميسها بالزيت 

ابنها : وماذا بشأن الماء ؟

الأم : لديّ جالون واحد .. المشكلة بمياه الإستخدام

ابنها : إتركوا المياه للشرب فقط ، لحين عودتي 

الأم : عليك الإسراع بالعمل ، قبل إختناقنا من قلّة الأوكسين .. بالإضافة للرائحة الخانقة التي ستصدر من حمامٍ دون مياه !

ابنها : سأفعل كل طاقتي ..وفي الصباح سأحفر بيديّ ، لأن الرفش يصدر صوتاً .. ولا اريد للجنود بالخارج ، التنبوء بمحاولتي الهرب

الجد : وانا سأدعي طوال الوقت لنجاح خطتك بإنقاذنا ، يا بطل !!

***


خلال الأيام الثلاثة التالية ، قلّ عندهم الطعام والماء بشكلٍ مُقلق .. وبدأ الصغير يبكي بشكلٍ مستمرّ من صعوبة تنفّسه بهواء المنزل الملوّث ، مع سخونة الجوّ الخانقة .. بينما الفتاة تُنشد الأغاني الثوريّة طوال الوقت ، كأن قلّة الأكسجين أضرّ بسلامة وعيها ! 


اما الجد : فأمضى الوقت بقراءة القرآن الذي يحفظه غيباً ، لعتمة المنزل حتى بساعات الصباح ! 

اما الأم : فحاولت الإسراع بالخياطة على ضوء الشمع الخافت ، خوفاً من نفاذه ! 

بينما ابنها المراهق يحفر ليل نهار ، الى ان تمكّن من صنع حفرة صغيرة توصله للجهة المقابلة من حائط المبكى .. 

***


وفي الليلة الخامسة ، في منتصف الليل .. وضع المراهق طقمه الأسود (الذي خاطته امه) داخل كيسٍ بلاستيكيّ ، للبسه فور خروجه من الحفرة .. وقام بقصّ خصلتيّ شعر من اخته (النائمة) وألصقهما بعناية بطرفيّ وجهه .. ثم قبّل جبين الصغيرة .. قبل توديعه جده وامه .. وعندما قبّل رأس اخيه النائم ، قال لأمه بقلق :

- حرارته مرتفعة !

الأم بحزن : اعلم ذلك ، لكني لم اردّ إخافتك .. المشكلة انه لم يعد لدينا ماء ، لتخفيف حرارته !

المراهق : سأحاول الإسراع قدر الأمكان ، للوصول للعمارة الجديدة 

الجد : لكنها تبعد 2 كيلومتر من هنا !

- سأركض بكل ما اوتيت من قوة

الأم : لا تنسى تغيّر ملابسك السوداء قبل وصولك لمبنى الفلسطينيين

- اكيد امي !!


وحضن امه مودّعاً .. بينما جده يلهج بالدعاء وهو يراه يزحف بصعوبة من الحفرة الضيّقة الى خارج المنزل ، حاملاً الكيس معه

***


في الخارج .. وبعد لبسه الطقم الأسود ، والتأكّد من إلتصاق خصلتيّ الشعر على جانبيّ وجهه جيداً .. حاول الخروج من محيط الحائط المبكى ، ليتفاجأ باقتراب جنديّن من المكان ! 

فسارع نحو الحائط وهو يهزّ رأسه ، مُردّداً بعض ترانيمهم التي حفظها على مدى سنوات (بعد سماعها دائماً من خارج غرفته)

فناداه احد الجنديّن : يا ولد !! ماذا تفعل عندك ؟!


ولأن والده (المسجون) علّمه العبريّة في صغره (لحكمة تعلّم لغة الأعداء) فقد اقترب منهما ، قائلاً بثقة :

- هو نذر ، بعد نجاحي بالمعهد .. وأتيت الى هنا للصلاة ، شكراً لأدونايّ (الربّ بالعبرية)

الجندي الآخر : أفي منتصف الليل ؟!

المراهق بنبرةٍ قوية : الم اقل انه نذر ؟!!

- مازلت صغيراً للقدوم لهذه المنطقة الشائكة .. عُدّ الى بيتك حالاً !!

المراهق : سأفعل الآن ، بعد ان وفّيت نذري  


وقبل خروجه من هناك ، أوقفه الجندي وهو يسأله : عن اسمه وعنوان منزله ؟

المراهق : اسمي داود ..  (ثم اشار للأمام).. ابي جندياً في ذلك المعسكر

- وما اسمه ؟ 

المراهق بعصبية : وهل تعرف جميع المُجنّدين في هذا المكان ؟!! دعني اذهب اليه .. فهو ينتظرني ، ليعيدني الى بيتي قبل استيقاظ امي ومعاقبتي على خروجي من المنزل دون اذنها

فضحكا عليه ..

الجندي : للحظة ظنناك يهوديّاً قوياً ! فلا احد تجرّأ على القدوم وحده الى هنا ، خصوصاً في المساء .. لكن يبدو مازلت مراهقاً متهوّراً 

الجندي الآخر ساخراً : هيا عُدّ الى ماما ، قبل معاقبتك بوضع الحرّ على لسانك


فركض المراهق بأسرع ما يمكنه ، وهو يسمع ضحكاتهما (ظناً بخوفه من عقاب والدته) 

^^^


وما ان خرج من محيط الجيش (المتجمّع حول المسجد الأقصى الذي بات فارغاً بالشهريّن الفائتين .. بعد قرار منع المُصلّين الوصول اليه ، دون اعتراض الدول المجاورة على ذلك !) حتى اعاد الطقم الرسميّ الى الكيس البلاستيكيّ الذي خبّأه فوق الشجرة ، لعلّه يحتاجه بطريق العودة .. وأكمل راكضاً بملابسه المُتربة باتجاه العمارة الحديثة 

الى ان سقط قرب ادراج المبنى ، بعد جفاف جسمه الذي انهار تعباً بعد خمسة ليالي من الحفر المتواصل (ليل نهار) حتى تجرّحت كل اصابعه ! 

^^^


ليستيقظ في منزل بوّاب العمارة (الفلسطينيّ) وهو يغسل وجهه بالماء .. ليسارع المراهق بخطف الكوب من يده ، لشرب المياه .. لكن الحارس أشربه على دفعات ، بعد ملاحظة جفاف شفتيّه !

- هل كنت بالصحراء يا بنيّ ؟!

فلم يخبره المراهق بشيء ، بل طلب إيصاله الى شقه عمه 


وفي الطابق العلويّ .. وما ان فتح عمه الباب ، حتى انهار المراهق باكياً بين احضانه !

^^^


وفي الداخل .. تجمّع اعمامه الثلاثة حوله ، وهم مصدومين مما سمعوه ! فهم لم يعلموا بأن عائلة اخيهم المسجون يموتون جوعاً وعطشاً تحت التعتيم الإعلاميّ


وعلى الفور !! قام اصغر اعمامه بإيقاظ جميع الجيران في تلك الليلة المُقمرة ، وأمر رجالهم بالتجمّع السرّي في قبوّ المبنى.. وهناك استمعوا الى المراهق وهو يخبرهم بتفاصيل الحادثة .. ليفاجئهم البوّاب قائلاً :

- في غرفة المولّد .. يوجد خزّان حديديّ فارغ ، مليء بالأسلحة والذخائر التي جمعتها من الثوّار قبل القبض عليهم.. يمكنكم استخدامها لإنقاذ العائلة المنكوبة

فأراد احدهم التكبير بعلوّ صوته ، لكن المراهق اوقفه :

- رجاءً لا تصدر صوتاً !! اخاف ان يسمعك جنود العدو في الخارج ، فأنا لا اريد المخاطرة بحياة عائلتي.. اريدكم ان تخطّطوا بذكاء ، لإخراج اهلي سالمين .. فلا اظنهم سيبقون احياءً حتى الصباح 

***


قبيل الفجر .. تفاجأ الجنود (المحيطون بالمنزل) بعشرات الرجال المُلثّمين يهجمون نحوهم وهم يطلقون الرصاص باتجاههم .. بينما شبابهم (بقيادة المراهق البطل) يرشقونهم بالحجارة من نبالهم المطاطيّة .. مما اخاف الجنود العشرة الذين سارعوا بركوب شاحنتهم ، والهروب من المكان ! 


وعلى الفور !! قام الرجال (باستخدام المعاول) بكسر الطوب الموجود على النوافذ والباب الرئيسي للمنزل المحاصر .. الى ان تمكّنوا مع تباشير الصباح من اقتحام المنزل ، ليجدوا العائلة مُستلقية على الأرض دون حراك ! ورائحة المنزل لا تطاق .. فأقفلوا باب الحمام الملوّث ..وحملوهم للخارج  


بينما سارع المراهق بوضع رضّاعة الحليب (التي اخذها من زوجة عمه) بفم اخيه .. لكن مهما حاول إطعامه ، لم يستيقظ الصغير ! وكذلك جده الذي وجدوه ميتاً فوق سجادة الصلاة !

اما الأم وابنتها : فاستيقظتا بصعوبة بعد إشرابهما الماء .. بينما الرجال تُهلّل وتحمد الله على سلامتهما .. 


اما المراهق : فاحتضن اخاه المتوفي وهو يبكي على خسارته هو وجده ، وهو يشعر بتأنيب الضمير على تأخّره بإنقاذهما .. فحاول اعمامه مواساته على مصيبته ، وتذكيره بعمله البطوليّ الذي أنقذ بقيّة عائلته 

***


في اليوم التالي.. نشر المراهق كل الأحداث المصوّرة بوسائل التواصل الإجتماعي ، ليضجّ العالم ضدّ الجريمة النكراء بعد الليالي الخمسة من الحجزّ اللا إنساني ! مما اجبر اليهود على تأجيل خطّة هدم المسجد ، بعد عودة عشرات الأهالي لبيوتهم القديمة ، تاركين شققهم الفخمة ! بعد إصرارهم على البقاء بجوار الأقصى لحمايتها كما فعلت العائلة المنكوبة .. بينما تحسّر الجنرال لعدم تفجيره منازلهم القديمة فور خروجهم منها ! 


في الوقت الذي نجح فيه المتظاهرون حول العالم مع الضغط الإعلامي على إجبار الحكومة الإسرائليّة بتسريح والد المراهق من السجن وعودته لأهله الذين رغم فوز نضالهم ، الا ان الأم وابنتها أصرّتا على الخروج من المنزل بعد موت الرضيع والجد فيه ! فرضخ الأب لبيع منزله المميّز ، لعائلةٍ فلسطينيّة مُكوّنة من ثماني شبابٍ اشدّاء ، وعدوه بفداء منزله حتى آخر رجلٍ منهم ! 

بينما سافر هو وبقية عائلته كلاجئين في الأردن الذين استقبلوا ابنه المراهق بالزغاريد ورقص الدبكة ، إحتفالاً بالبطل الذي انقذ عائلته من موتٍ محتّم !


الخميس، 2 نوفمبر 2023

الغضب الساطع آتٍ

تأليف : امل شانوحة 

 

الإتحاد العربيّ 


قبل سنوات.. قرّر رجلٌ إماراتيّ مُطلّق ، الزواج من جارته الفلسطينيّة الأرملة (فوزيّة) بعد ولادة طفلها عدنان ، والتي وافقت على تربيّة ولديّه : حمد 14 سنة ، وجاسم 13 عام .. 


وبعد ست سنوات ، أنجبت صغيرها (خليفة) ..لتصبح مسؤولة عن أربعة ابناء بعد وفاة زوجها ، والتي أحسنت تربيّتهم دينيّاً وأخلاقيّاً

***


بعد سنوات .. إنخرط الولدان الكبيران بالجيش الإماراتي ، مما جعل زوجة ابيهم فخورة بهما .. 


وذات يوم .. دخلت غرفتهما مُتفاجئة بعد سماعها كلاماً عبريّاً ، لتراهما يتعلّمان لغة اليهود عن طريق الحاسوب !

فسألتهما عن السبب ؟ 

فأجابها ابنها الكبير (حمد) بارتباك : 

- من واجبنا تعلّم لغة الأعداء ، أليس كذلك ؟ 

فأسعدها ذلك ، وخرجت وهي تدعو أن يسخّرهما الله لنصرة دينه 


وبعد ذهابها ، قال جاسم :

- ألن نخبرها الحقيقة ؟

حمد بحزم : لا !! علينا الإلتزام بالسرّية ، لنجاح خطتنا

- لكنها ستعلم لاحقاً 

- لتعرف من الأخبار ، وليس منّا

***


بعد اسابيع .. ضجّ الإعلام العربي بخبر توقيع معادة السلام بين الإمارات وإسرائيل .. والتي لم تكتفي بذلك ! بل استقبلت مسافرين يهود بحفاوة ، لم تحصل في أيّ بلدٍ عربيّ من قبل  

مما أغضب الكثير من المسلمين .. ومنهم الأم (فوزيّة) التي حاول ولداها الكبيران تهدأتها ، وبأن قرار الحكومة لا يُمثّل جميع فئات الشعب الإماراتيّ 

***


وفي أحد الأيام .. وبينما فوزيّة تتسوّق مع ولدها حمد لتحضير عيد ميلاده ، شاهدت بعض اليهود يتبضّعون هناك ! 

مما استفزّها كثيراً  .. وأوشكت على رميّ حذائها على أحدهم ، قبل أن يوقفها ابنها وهو يهمس في أذنها :

- رجاءً إلتزمي الهدوء يا امي ، كيّ لا يُرحّلونك من هنا .. فأنت علّمتنا : أن الغريب عليه أن يكون أديباً (مُحترماً) 

الأم بعصبية : أتقول هذا الكلام لي ، وليس لأولئك الأنجاس !! (وأشارت على اليهودي)

- ارجوك امي ، فتصرّفاتك ستؤذيني في عملي

- أعدّني الى بيتي ، يا ولد !! واحتفل بعيد ميلادك مع اصدقائك

- امي ! 


وعادت الى السيارة وهي تحلف أن لا تخرج ثانيةً من بيتها ، كيّ لا ترى تلك الأشكال الملعونة من جديد 

***


وفي الوقت الراهن ، مع بداية الحرب على فلسطين .. جلست الأم تشاهد بحزن ، ضرب غزّة بالصواريخ في نشرة الأخبار .. وبجانبها ابنها الصغير خليفة (12 عام) الذي سألها :

- متى ينصرنا المسيح على اليهود يا امي ؟

- بعد استردادنا القدس وإقامة الخلافة الإسلاميّة في الشام ، وسيحصل هذا قبل ظهور المهدي 

- يعني نحن نُمهّد له الطريق ؟!

الأم : طبعاً !! لكن علينا اولاً المُحاربة نصرةً للدين ، وليس لأرضٍ او حزبٍ او وطن .. حينها فقط ننتصر على الأعداء

- كان اخي عدنان مُحقاً بالعودة لفلسطين ، ليتني ذهبت معه .. (ثم بقلق) .. تُرى ، هل هو بخير ؟!  

الأم : إتصلت على خاله قبل انقطاع الإنترنت عندهم .. واخبرني انه استطاع الوصول لفلسطين عبر خنادق حماس .. وهو يعمل حالياً مع المُسعفين على إخراج العالقين تحت الأنقاض .. حماه الله ، فهو مازال في 18 من عمره .. لكن دمه الفلسطيني الحامي ، منعه البقاء معنا دون تقديم المساعدة لأهلنا هناك 


بهذه الأثناء.. دخل الى الصالة ، ولداها الكبيران .. حيث جلس حمد بجانبها ، لإخبارها بذهابه بمهمّةٍ عسكريّة الى فلسطين ..

فقالت بفخرٍ وحماس : هل ستقصف الملاعيين ؟!!

- امي ، انت تعلمين موقف الإمارات من ..

الأم مُقاطعة بدهشة : هل ستذهب لقصف اهلي في فلسطين ؟! 

- هذا عملي..

وقبل إكمال كلامه ، صفعته بقوة :

- يا خسارة تربيّتي لك !! 

- امي أنا ..

مُقاطعة بغضب : أسكت !! الا يكفيهم قصف اليهود ، لتساعد اعداء الله باحتلال القدس ؟! هل ستتخلّى عن دينك وعروبتك لأجل وظيفتك ، ايها الفاشل ؟!! ..أحلف بالله العظيم !!! إن لوّثت يديّك بدماء المسلمين ، فلا علاقة تجمعنا الى يوم الدين..هيا أغرب عن وجهي !!


فقال أخوه جاسم بارتباك : امي لا تقسي علينا ، فنحن..

مُقاطعة بصدمة : نحن ! أأنت ذاهبٌ ايضاً الى هناك ؟!

جاسم : حمد سيذهب بطائرته العسكريّة ، وانا سأنضمّ الى الجنود..

فصرخت بغضبٍ شديد : لعنة الله عليكما انتما الأثنان !! أذاهبان لقتل أخيكم عدنان.. (ثم نظرت لإبنها الصغير).. ماذا عنك ؟!!


فردّ خليفة بقوّة ، وهو غاضبٌ من أخويّه : صحيح انني ابن رجلٍ إماراتيّ ، لكن دمي وروحي فلسطينيّ يا أمي .. وسأبقى مُخلصاً لوطني لحين موتي او استشهادي !!

الأم : بارك الله فيك يا صغيري .. وانتما !! من الأفضل أن لا تعودا احياءً الى هنا .. هيا إذهبا الى الجحيم !!

فخرجا حزينان من بيتها ..

***


وتوجّه العسكري جاسم الى الأردن ، قبل موعد وصول أخيه الطيّار حمد الى هناك .. 


وفور وصول جاسم الى فلسطين ، إستأذن قائده لزيارة أخيه المراهق الذي يعيش مع خاله الحدّاد .. ليقوم بتسليمه رسوماتٍ تقنيّة : لطريقة صنع سلاحٍ يُطلق لهيب النار ، بعد بحثٍ دقيق في الإنترنت .. 

كما حدّد لهما الوقت المناسب لتنفيذ مهمّتهما ، التي ستدعم خطّة حمد السرّية !

 

فاعترض أخوه عدنان :

- لكن أخي ، حائط البراق (حائط المبكى) يحدّ الحرم القدسيّ من الجهة الغربيّة ! 

جاسم : وهم نجسّوه بأفعالهم .. لذا سنقوم بتطهيره ، ثم بنائه من جديد .. المهم يا خال ، هل تستطيع صنعهم في ورشتك ؟ نحتاج على الأقل لعشرين سلاحاً ، قبل وصول حمد بطائرته الى هنا  

الخال : لا تقلق .. سأوظّف عمّالاً جددّ لهذه المهمّة ، لإنهائها خلال اسبوعٍ واحد .. لكن لما تصرّ على إعطاء السلاح الجديد للمراهقين ؟

- لأنهم لن يلفتوا الأنظار كالشباب والرجال

عدنان : وانا سأكون قائدهم ، وسأهرّب الأسلحة داخل سيارة الإسعاف التي سأوقفها قرب المسجد

- بوّركت أخي

عدنان : ماذا عن امي ، ألم تخبرها بالخطّة ؟ 

جاسم بحزن : لا ! وهي غاضبةٌ جداً منا ، لكنها ستفخر بنا قريباً .. المهم الإلتزام بالسرّية المُطلقة

- كما تشاء اخي ..


وحضنه باكياً ، لعلمه بأنها المرة الأخيرة التي يجتمعا فيها ، في ظلّ القصف العنيف للحيّ الذي يعيشون فيه 

***


بعد اسبوع ، حلّق حمد بطائرته العسكريّة فوق فلسطين .. وعندما رأى المسجد الأقصى من فوق ، دمِعت عيناه وصلّى على النبي محمد .. 


ثم سارع بالتحليق نحو اسرائيل .. وعلى الفور !! تلقّى إتصالاً من قائده :

- حمد !! الى اين انت ذاهب ؟

- سيدي ، هناك عطل في طائرتي .. سأهبط في المطار العسكري لإسرائيل .. وبعد إصلاحهم المشكلة ، أعود لقصف فلسطين كما أمرتموني

- لكن لا تظهر اعطال على شاشتنا في برج المراقبة ! 

- بلى سيدي !! الضوء الأحمر في جهاز التحكّم يصدر رنيناً مُزعجاً .. سأحلّ المشكلة بسرعة ، وأعود لتنفيذ مهمّتي

- حسناً ، لا تتأخّر 

^^^


وحلّق حمد نحو المطار العسكري الإسرائيلي .. 

وحين وصل الى هناك ، قال في نفسه :

((ستفخرين بي كثيراً ، يا امي العزيزة))  


وبدأ بإطلاق الصواريخ على الطائرات المركونة هناك ، وسط دهشة العسكريين اليهود ! 

- هذه طائرة اماراتيّة يا سيدي ، ماذا نفعل ؟!

- العرب الملاعيين ، لا يمكن الوثوق بهم ! هيا أطلقوا النار عليه ، ماذا تنتظرون ؟!!


وخلال دقائق.. أُطلق جهاز الإنذار في طائرة حمد ، إنذاراً باقتراب صاروخٍ نحوه ! 

فنطق الشهادة .. ثم هبط بطائرته بسرعةٍ هائلة فوق مخزن الأسلحة اليهوديّ ، في مهمّةٍ إنتحارية وهو يُكبّر الله بعلوّ صوته .. قبل أن يدويّ إنفجارٌ هائل ، هزّ دولة اسرائيل بأكملها ! 

***


وفور سماع جاسم للخبر ، مسح دموعه وهو يقول :

- سألحقك قريباً الى جنة الفردوس .. إنتظرني يا أخي


وتسلّل من جيشه الى مكانٍ سرّي ، للبس ثيابه التنكريّة (كعجوزٍ يهوديّ)  


ثم مشى مُتكئاً على عكّازه ، للدخول بين اليهود المُتديّنين .. مُلامساً بيده على طول حائط المبكى ، وهو ينطق ترتيلات بلغتهم التي حفظها .. ويهزّ رأسه مثلهم ، بعد إتقانه دور العجوز (المُنحني الظهر) 

بينما يدسّ أوراقاً ملفوفة ، في كل فتحةٍ وركن من الحائط .. 


فحسبه اليهود المتديّنون بأنها دعواته لربهم ، دون معرفتهم بأن في داخلها : أصابع ديناميت صغيرة ، بخلطة بارودٍ شديدة الإنفجار ! 


ثم تركهم ، ليقف بين الدبّابات المتواجدة خارج المسجد .. 

وانتظر لحظة إحتشاد اليهود هناك ، للضغط على الزرّ التحكّم الذي أخفاه في جيبه .. 

فحدث انفجارٌ كبير لحائط المبكى ، مُوديّاً بحياة كل الحاخامات المتواجدين هناك 


فأسرع الجنود بركوب دبّاباتهم .. فعرف جاسم بأنهم سينتقمون من المصلّيين الفلسطينين المُنشغلين بصلاة الظهر.. 

فقام بتفجير حزامه الناسف (الذي أخفاه تحت ملابسه) بمهمةٍ إنتحاريّة أحرقت الدبّابات الثلاثة المتواجدة هناك !

^^^


في هذا الوقت .. ظهر أخوه عدنان بعد سماعه للإنفجار الكبير (وهي الإشارة المُتفق عليها) مع جيش المراهقين الذين حملوا قوارير الغاز على ظهورهم ..مُصوّبين ماسورة الحديد الطويلة باتجاه جيش العدو الذي تجمّع حول المسجد من كل مكان ، لإطلاق شرارة النار على الجنود اليهود الذين أصيبوا بالذعر بعد احتراق بعضهم !


فلاذوا بالفرار وهم يصرخون بخوف ، غير آبهين بأوامر ضابطهم بالثبات اماكنهم .. مُتوجهين سريعاً لخلف الحائط الفاصل بين المدينتين 


بينما خرج المصلّون من مسجد الأقصى ، لمساندة المراهقين برميّ  الحجارة على من تبقّى من الجنود .. الى أن هربوا جميعاً الى خلف الأسوار ..


ولم تنتهي الخطّة هنا ، حيث قدِمَ الخال ومعه شاحنة بها ألغام ارضيّة صنعها هو وعمّاله في الآونة الأخيرة .. ليقوم الشباب بزرعها قرب بوّابة جدارهم ، لمنع اليهود من العودة اليهم ..

***


في تلك الليلة .. إحتفل الفلسطينييون باسترداد بيت المقدس ، بعد قيام الطيّار حمد بتدمير اسطول طائراتهم الحربيّة ..وتفجير جاسم لحائط المبكى الذي يتحجّجون به دائماً ..  


ونال الأخ الثالث (عدنان) الشهادة ، بعد مقتله برصاص الجنود اليهود العشوائيّة اثناء فرارهم ..

فحمل الخال جثته وهو يزفّه بالدموع مع الفلسطينيين ، كأنه عريس .. بينما تناثرت اشلاء اخويّه الكبار في اماكن مجهولة ! 

***


ورغم هذا الإنتصار الكبير ، إلاّ أن الأخبار العالميّة تكتّمت على الخبر لحين إرسال الدول العظمى لطائراتٍ عسكريّة جديدة لإسرائيل !


لكن الخبر وصل للأم فوزيّة بعد قدوم النقيب الإماراتي الى بيتها غاضباً : 

- أتدرين بخيانة اولادك ؟!!

- نعم للأسف ، خانوا بلدي فلسطين

- بل خانوا إتفاقيّة السلام التي بيننا وبين اليهود

- ماذا تقصد ؟!


وأخبرها بما فعلوه ابنائها الثلاثة .. ليتفاجأ بردّة فعلها : وهي تزغرد بعلوّ صوتها والدموع في عينيها ، وهي سعيدة باستشهاد ابنائها الأبطال ..وتردّد بفخر : 

- الحمد الله !! أثمرت تربيّتي فيهم..(ورفعت يداها بالدعاء)..لا تنسوا الشفاعة لي بالجنة ، يا اولادي الأعزّاء .. وجمعني الله بكم في الفردوس الأعلى

ممّا أغضب النقيب الذي وعدها بالطرد من بلاده

***


وهذا ما حصل بنهاية الإسبوع ، مع منعها دخول فلسطين (بطلبٍ من اليهود) .. فاضّطرت السفر الى الأردن 


لتتفاجأ بمئات المواطنين الأردنيين يستقبلونها مع ابنها الصغير (خليفة) في المطار بالزغاريد والتصفيق ، وهم يردّدون بفخر :

- ام الأبطال وصلت !! ام الشهداء الذين اعادوا لنا فلسطين الحبيبة


وظلّوا يطلقون ابواق السيارة خلفها ..الى ان وصلت الى بيت اختها التي تسكن هناك 

***


وبعد شهرين .. علمت الأم فوزيّة بإرسال اميركا اسطولاً من الطائرات الحديثة الى اسرائيل ! فعرفت بأن مجازر جديدة ستقام بالأيام القادمة ..


وفي تلك الليلة .. إستيقظ ابنها خليفة ، ليراها تُحضّر حقيبتها !

- امي ! الى اين انت ذاهبة ؟

- خالتك ستهتم بك ..

مقاطعاً : هل ستذهبين الى فلسطين ؟

- حصلت بصعوبة على موافقة جماعة مُسلّحة ، لتسلّل معهم بإحدى خنادق حماس السرّية ، لعبور الحدود.. فهم يعتبرونني أم الأبطال 

- اذاً سأذهب معك !!

- مازلت صغيراً

خليفة بإصرار : عمري 12 يا امي !! واريد المساهمة بالمقاومة ، كما فعل إخواني الشهداء

- اليهود يدبّرون عملية إنتقامٍ كبيرة ، وربما لن أعود حيّة الى هنا

- لن أتركك تذهبين الى الجنّة من دوني

فحضنته باكية : انا فخورة بك وبإخوانك .. الحمد الله أن تربيّتي لم تضع سدى .. هيا إذهب وحضّر حقيبتك 


وأسرع لتحضير أغراضه ، رغم علمه بذهابهما في مهمّةٍ إنتحاريّة! 

لكنهما كبقيّة الأبطال يُمهّدون ليومٍ عظيم ، يقودنا فيه المسيح لمذبحة اليهود الكبرى ، وإحلال السلام العالميّ .. حلم البشريّة الأبديّ !  

****


ملاحظة :

هذه القصة مُهداة لأهل فلسطين الأبطال ، وللأكثريّة المُتديّنة من الإماراتيين الذين أُرغموا على معاهدة السلام المُشينة مع العدو (كبقيّة العرب) 


لكن مهما فعل الأعداء والخونة ، ستتحقّ الأية رغم أنف الحاقدين :(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) ..


وسنستردّ القدس ، كما بشّرنا حبيبنا المصطفى.. لنجتمع يوماً في ساحتها ونحن نشعر بنشوّة النصر ، كما أحسّ بها صلاح الدين الأيّوبي .. 

ونصرخ بعلوّ صوتنا :((إنتهى زمن الإحتلال الغاشم !! وعادت الأرض وأولى القبلتيّن لأهلها الأصلييون الذين روّوا أرضها بدماء شهدائهم الأبرار)) 


والى أن يتحقّق وعد الآخرة .. سندعو الله دائماً بنصرٍ قريب تدمع له الأعيّن ، وصلاةٌ في مسجد الأقصى قبل وفاتنا .. إنك سميعٌ مُجيب الدعاء. 


الجمعة، 27 أكتوبر 2023

طوفان المشاعر

تأليف : امل شانوحة 

العدالة الإلهيّة


في سجنٍ للمعتقلين السياسيين ببلدةٍ عربيّة.. واثناء تعذيب الضابط لشابٍ في زنزانةٍ مُنفردة.. توقف عن جلده ، بعد سماعه صراخ الناس من خارج السجن الموجود على اطراف بلدةٍ ريفيّة ! 

قبل أن يتعالى نداء العساكر الذين يركضون بفزعٍ بين العنابر :

- إنفجر السدّ .. إهربوا بسرعة !! 


ولم يستوعبا ما حصل ! حتى وصلت المياه خارج السجن ، لمستوى النافذة العلويّة للطابق الأول (خلف الزجاج العازل) 

وهذا يعني ان المياه غمرت قبوّ السجن التي فيها مكاتب العساكر بالطابق الأرضيّ ! وذلك بعد انفجار السدّ المُستخدم لريّ الأراضي الزراعيّة الموجودة بمحيط السجن الكبير ! 


فحاول الضابط النجاة بنفسه .. لكن الباب الحديديّ علِقَ بعد تدافع اغراض السجن خلفه ، التي جرفتها مياه الطوفان ! 

فصرخ السجين :

- فكّ وثاقي لإساعدك بفتحه .. ماذا تنتظر ؟!! سنغرق سويّاً


فأسرع الضابط بفكّ سلّسلته الحديديّة .. ليقوم الإثنان بسحب الباب للخلف بكل قوّتهما ، حتى فتحاه بصعوبة .. 

وبدآ السباحة للوصول لأدراج الطابق الثاني .. حيث استطاع السجين الصعود اولاً ، مُتجاهلاً آلام الجلد على طول ظهره !  


وعندما وصل لأعلى الدرج ، شاهد الضابط (الذي عذّبه) يُصارع للوصول اليه .. فنزل اليه ، وهو يمدّ يده نحوه : 

- إعطني يدك !!

ورغم صدمة الضابط من مساعدة السجين له ! لكنه امسك يده بقوّة 


ثم صعدا الأدراج .. حتى وصلا لعنبر المساجين الذين كانوا يطرقون قضبانهم بأكوابهم الحديديّة ، وهم يطالبون بفتح زنازينهم قبل وصول المياه اليهم !

فقال السجين للضابط : 

- هات المفاتيح !! علينا مساعدتهم

الضابط : لا وقت لذلك .. فماء السدّ سيغمر السجن كلّه ،علينا الوصول للسطح حالاً!!


وسبقه بصعود الأدراج ! فلم يكن امام السجين إلاّ الّلحاق به ، بعد وصول المياه الضحلة الى الزنزانات على طرفيّ العنبر الطويل !

^^^


وحين وصلا للباب الحديديّ .. فتح الضابط قفله ، وخرجا لسطح السجن 

ثم أقفلا الباب خلفهما ، بعد أن إوشكت المياه على الوصول اليهما ! وهذا يعني انهما الناجيان الوحيدان في السجن 


فوقفا مذهولان امام سور السطح .. وهما يشاهدان غرق المدينة الريفيّة بالكامل ، بأراضيها ومبانيها التي تهدّمت بقوّة السيل ! 

بعكس المبنى الخرسانيّ للسجن الذي لم يتزحّزح من مكانه ، ليصبح وسط بحيرةٍ من الأمواج الطينيّة العاتية التي جرفت معها كل مظاهر الحياة في المنطقة ! 


فلم يكن امامها سوى الجلوس على السطح في انتظار قدوم المساعدة ، التي لن تأتي لحين إفراغ السدّ لمائه وتوقف الطوفان !

***


بعد هدوء الوضع ، قال الضابط وهو ينظر للسماء :

- أتمنى ان تأتي المساعدة قبل حلول المساء 

- تبدو قلقاً ! هل اهلك يسكنون بهذه المنطقة ؟

فردّ الضابط بنبرةٍ حزينة : انا لا اهل لي

السجين باستغراب : ماذا تقصد ؟!

- عائلتي تبرّأت مني بعد معرفتها بوظيفتي الوحشيّة ، كما وصفوها ! ولم تقبل أيّةِ عائلة بتزويجي ابنتهم ، رغم راتبي الكبير ! لهذا لن يهتم احدٌ لموتي .. ماذا عنك ؟

فابتسم السجين ساخراً : يعني اثناء تحقيقك معي ، سألتني عشرات الأسئلة عن علاقتي بالدولة والسياسة والمعارضة والأسلحة والعالم أجمع .. والآن تريد التعرّف على حياتي الخاصّة ؟!

فأجاب بلؤم : نحن عالقان هنا ، وحديثي معك هو لتمضيّة الوقت فحسب 


السجين : حسناً لا تغضب .. (ثم تنهّد بحزن) .. لي خمسة اخوة .. ووالدي متوفي .. وامي مرضت بعد اعتقالي ، ولا ادري ان كانت بخير ام لا !

الضابط : وهل انت متزوج ؟

- كنت خاطباً قبل عامين من اعتقالي .. ولا ادري إن كانت تنتظرني ، او عدّتني ميتاً كبقيّة السجناء !.. وانت ، الم تحب من قبل؟

- لم اعرف الحب في حياتي 

السجين بتهكّم : هذا طبيعي

- أتقصد لأنّي أُعذّب المُعتقلين ؟ 

- برأيّ لا يمكن لشخصٍ طبيعيّ ان يعذّب إنسان بهذه الوحشيّة!


فتنهّد الضابط بحزن : والدي كان ساديّاً ، ويستمتع بتعذيبي .. 

- ولماذا !

- لأني اشبه امي التي تخلّت عنه ، وتزوّجت برجلٍ آخر .. لهذا أفرغ غضبه عليّ .. ورغم تزوّجه بغيرها وإنجابه لثلاثة اولاد ، لكنه ظلّ قاسياً معي ! ولم يسمح بتقرّبي من إخوتي ، ارضاءً لزوجته ! 


ثم عمّ الصمت لبعض الوقت ، قبل أن يسأله السجين :

- عندي فضول لمعرفة كم شخص عذّبت حتى الآن ؟

الضابط : أعمل بهذه المهنة منذ 12 سنة .. كل شهر يحضرون لنا عشرة اشخاص للتحقيق معهم .. فأقوم بتعذيب اثنين منهم على الأقل .. إحسبها انت !! 

السجين : وهل كان حلمك العمل بالسجون ؟

- وهل يتمنّى أحد تلويث سمعته بهذا المستنقع القذر ؟

- اذاً كيف وصلت الى هنا ؟


الضابط : بعد ان طردني ابي من بيته ، عملت في الجيش للحصول على السكن والطعام المجانيّ .. وبدأت أترقّى شيئاً فشيئاً ، الى ان وظّفوني هنا .. ومع الوقت أصبحت بلا قلب ، كبقيّة عساكر السجن!

- وكيف تنام بعد سماعك لكل هذا الأنين والصراخ ؟!

- لم أنمّ منذ عشرين سنة إلاّ بحبوب المنوّم ، بعد تعافيّ من المخدرات التي أدمنت عليها لأربع سنوات

السجين : اذاً ضميرك يؤنّبك من وقتٍ لآخر ؟!

- وهل تظنني وحشاً ؟!.. بالطبع يؤنّبني !! بل يقتلني احياناً 

- وماهي الضحيّة التي لم تنساها ابداً ؟


فسكت الضابط مُطوّلاً ، وكأنه يسترجع ماضيه الأليم : 

- صبيّ في 14 من عمره .. كان جميلاً للغاية ، وكأنه ملاكٌ من الجنة .. تناوب عليه الملاعين للإعتداء عليه ، بينما أراقبهم من بعيد .. الى أن زحف المسكين نحوي ، وقبّل حذائي وهو يترجّاني بقتله ! وعندما طلب مني الرقيب الضخم ، إحضاره اليه.. أرحته من عذابه ، برصاصةٍ في رأسه ..ليتناثر دماغه على ثيابي .. ولم أنسى كلماته الأخيرة حتى اليوم : ((عمي تبدو رحيماً ، رجاءً أقتلني)) .. ناداني باحترام رغم معاناته ، وهذا ما يجعلني أنهار كل ليلة !


السجين : رحمه الله .. حسناً ، ومن هو اكبر ضحاياك ؟

- رجلٌ كهل ، في التسعين من عمره .. رفض أخذنا حفيده للتحقيق ، بعد مشاركته بمظاهرةٍ مُعادية للرئيس.. فصفعته بقوّة ، لإبعاده عن طريقي .. فارتطم رأسه بطرف الكنبة ، ومات على الفور .. أكاد أجزم أنه بحياتي كلّها ، لم أرى وجهاً مُنيراً كوجهه ! ولوّ استغفرت ربي طوال عمري ، لن يسامحني على قتلي العجوز الصالح ..


ثم ابتعد عن السجين ، كيّ لا يرى دموعه .. وأخذ يراقب السيل بهدوء ، قبل أن يقول :  

- إنحسر الطوفان بعد سحبه الجثث الى النهر ! قريباً ستأتي المساعدة ، اما بالهليكوبتر او بقوارب النجاة ..لكني لا اظنهم سيخاطرون اليوم ، فالشمس على وشك المغيب 

السجين : المهم أن يأتوا غداً باكراً .. برأيّ ان ننام ، قبل ان يشتدّ جوعنا

- طبيعي ان تكون مُتعباً ، بعد جلدي لك بعنف .. هيا حاول النوم ، لربما خفّ ألمك قليلاً 

- وماذا ستفعل انت ؟

الضابط : سأسهر قليلاً مع ذكرياتي اللعينة 


وما ان وضع الشاب رأسه على ارضيّة السطح ، حتى غفى سريعاً من شدّة تعبه 

***


في الصباح الباكر ، استيقظ الشاب .. ليرى الضابط يخلع بذلته العسكريةّ ، ويبقى بثيابه البيضاء !

- ماذا تفعل ؟!

الضابط بقهر : حديثنا البارحة ، جعلني أتذكّر جميع الأشخاص الذين ماتوا تحت تعذيبي .. فتأكّدت أنه لا يمكنني متابعة الحياة ، بهذا القدر من تأنيب الضمير .. خاصّة بعد ظهورهم في منامي الليلة الماضية ، وهم ينتظرون مُحاسبتي ! 

- ولما خلعت بذلتك ؟

- لتلبسها انت !! فقريباً ستحضر قوى الأمن والدفاع المدني لإخلاء الناجين .. وان رأوك بملابس السجناء ، سينقلونك لسجنٍ آخر.. لهذا إلبس زيّ العسكريّ ، مُدعياً شخصيّتي .. فهم لن يعرفوا شكلي ، دون اوراقي الرسميّة .. وبعد نقلك من هنا ، تودّع أهلك قبل هروبك لخارج البلاد بهويّةٍ مزوّرة .. فهو الحلّ الأمثل لعدم عودتك لسجونهم المرعبة 

السجين : وماذا ستفعل انت ؟

- سأنال عقابي ، قبل جفاف السيل 


ووقف على سور السطح .. فحاول الشاب الّلحاق به ، وإيقافه .. لكنه قفز للإسفل باتجاه المياه الضحلة التي أغرقته بثواني !

***


بعد مشاهدة موته ، لمح الشاب قارباً فيه اربعة عساكر مُتوجهين نحو مبناه (الوحيد الباقي في المنطقة) للبحث عن ناجين .. 

فأسرع الشاب برميّ ملابس السجناء من فوق ، ليجرفها السيل بعيداً 


وفور لبسه الزيّ العسكري ، سمع ضابطاً يناديه (بمكبّر الصوت) من القارب :

- انت ايها العسكريّ !! هل يوجد ناجين غيرك ؟!!

فعرّفَ الشاب عن نفسه بإسم الضابط المُنتحر ، وبأنه الناجي الوحيد بالسجن !

***


بعد نقله لمكانٍ آمن .. أسرع الى بلدته ، للقاء عائلته الذين أخفوه عن الأقارب والأصدقاء لحين تهريبه ، خوفاً من سجنه مُجدّداً ! 


وقد وافقت خطيبته على الزواج به .. فأقاموا حفلاً بسيطاً دون موسيقى ، كيّ لا يعرف الجيران بوجوده .. ثم نقلوه مع زوجته (بهويّته الجديدة) للعيش بأمان في دولةٍ اجنبية ، بعيداً عن حياة الذلّ والتعذيب في وطنه الغالي ! 


الجمعة، 13 أكتوبر 2023

تحرير القدس

تأليف : امل شانوحة 

الحلم العربي


تجمّع آلاف المصلّين في مسجد الأقصى لصلاة الجمعة ، لسماع خطبةً مدويّة على لسان أهم المشايخ وأكبرهم سنّاً وقدراً ، والذي بدأ خطبته بالقول :

- اليوم هو يوم تحرير القدس !!


فضجّ المسجد بالتكبيرات .. بينما استمع جنود الإحتلال من خارج الأسوار على صرخاتهم التي هزّت الجدران من حولهم ! 

وشعروا بغضبهم الذي يوشك على الإنفجار ، بعد تدميرهم لمعظم مباني غزّة بالقصف الجويّ الّلا إنسانيّ !


وأكمل الشيخ بعصبية :

- ماذا ننتظر بعد موت اهالينا وتدمير بيوتنا ، وقيام الدول العربيّة المجاورة بفتح مطاراتها لطيران العدوّ لإبادتنا ؟!! هل نتوقّع المساعدة من الزعماء الخوّنة ؟! .. نحن وحدنا !! لا ظهر يحمينا ، ولا قوّة لنا إلاّ بالله !! هو نصيرنا ، ووكيل أمرنا .. فاليوم هو يوم المصير ، إمّا النصر او الشهادة !! .. إمّا جنة الأرض ، او جنة السمااااااء !!!!


فصرخ المصلّون بحماس :

- لبيّك يا أقصى !! لبيّك يا مسّرى الأنبياء !!

الشيخ : هيا أخرجوا أسلحتكم !!


فأخرج كل شابٍ سكينته الحادّة من جيبه (بعد اتفاقهم على ذلك ، بسرّيةٍ تامة)

الشيخ بعلوّ صوته :

- هجوووم !!!!


وانطلق الشباب لخارج المسجد ، شاهرين أسلحتهم وعصيّهم ونبالهم .. وهم يركضون بأقصى سرعتهم نحو الدبّابات الثلاثة التي ارتجف الجنود بداخلها ، وهم يحاولون توجيه مدفعيّتهم باتجاه الفدائيين الشجعان.. 


وسرعان ما قفز بطلٌ لسطح دبّابة.. وفتح بابها ، لرميّ زجاجة كحول مولّعة بالنار.. صارخاً على الفلسطينين ، بالإبتعاد قبل انفجارها !!!


وحاول الجنود الأربعة الخروج منها ، وهم يطفئون النار عن زيّهم العسكريّ.. ليهجم الشباب عليهم ، ويذبحونهم كالخِراف ..


وهذا ما حصل مع الدبّابتين المجاورة لها ! قبل استلام ثلاثة فلسطينيين قيادتها ، بعد ذبح من فيها .. ليتبعهم بقيّة الشباب وهم يرمون قاذفات النار والحجارة باتجاه جنود الإحتلال الذين فرّوا هاربين ، رغم انهم مُدجّجين بالسلاح ! 

لكن هذا لم يوقف هجوم الثوّار الذين خسروا كل شيء بعد موت اهلهم ودمار منازلهم ، فلم يبقى امامهم سوى النصر او الشهادة


وقد استمتع الفلسطينيون بذبح جنود الإحتلال والإستيلاء على اسلحتهم التي سلّموها لقنّاصتهم الذين صعدوا لأسطح المباني العالية ، لاستهداف قادة العدو الذين تراجعوا للخلف وهم يصرخون بفزعٍ شديد للحرّاس بفتح ابواب الجدار !

***


لم تمضي ساعة على انتهاء صلاة الجمعة ، حتى اختبأ جميع جنود العدوّ خلف الجدار العازل !

ليبدأ مؤذّن الجامع بالتكبير : إعلانا على تطهير القدس من نجاسة اليهود ، وبوقتٍ قياسيّ !


لكن فرحتهم لم تكتمل بعد سماعهم هدير طائرةٍ حربيّة تحلّق فوق رؤوسهم ، وهي تشنّ قصفاً عنيفاً على تجمّعاتهم ! 


لتدمّر خلال دقائق قليلة عدّة منازلٍ هبطت فوق ساكينها ، ممّن تبقّى من العائلات الفلسطينيّة العُزّل ! فالعدوّ معروف بفوزه الدائم بالقصف الجويّ ، دون البرّي لجبنهم الشديد..


لكن حدّاداً بطلاً إستطاع صنع قاذفة صواريخ (أربجيّ) .. وبقذيفةٍ واحدة وجّهها نحو الطائرة ، وهو يدعو ربه :

((وما رميت إذّ رميت ، ولكن الله رمى))


وبضربةٍ واحدة ، أصاب الطائرة السريعة ! لتسقط وسط تهليلات الشباب ، وهم يراقبون الطيّار الذي يحاول جاهداً الوصول بمظلّته لخلف الجدار.. 


لكنه وقع أسيراً بين ايديهم ، لينصدموا بأنه من دولةٍ شقيقة ! والذي ترجّاهم بإسم العروبة أن يطلقوا سراحه.. 


فاقترب منه القائد الشيخ الذي صفعه بقوّة ، وهو يقول بقهر :

- لولا الخيانة العربيّة ، لاستردّدنا القدس من الشهر الأول لاحتلالها.. لكن بسببكم !! أُبدّنا عن بكرة أبينا.. مع العلم ان اليهود مصيرهم النار ..لكن الخوّنة في الدرك الأسفل من جهنم ، لبيعكم الجنة بثمن بخسٍ ! 

فسأله فلسطينيّ : ماذا نفعل به يا شيخ ؟!


الشيخ بغضب : أحرقوه علناً !! وانشروا المقطع في جميع وسائل التواصل الإجتماعي ، ليكن عبرة للجميع.. واخبروا العالم اننا سنحارب الخوّنة قبل اعدائنا ، ونعاقبهم بقسّوة دون رحمة.. أما المواطنون العرب الذين سيدعموننا ، سنعدّهم إخوّةً وأصدقاء .. ومن يعادينا منهم ، سيلقى مصيراً اسوء من اليهود.. والآن اقتلوا الطيّار الملعون !! ثم اهجموا على كافّة الحدود العربيّة ، واقتلوا العساكر إن حاولوا إيقافكم.. وبعد كسر الحواجز ، إسمحوا للمقاتلين العرب الأحرار بمساندتنا .. فالقدس اليوم للجميع !! إمّا أن نحرّرها معاً ، او نستشهّد فداءً لديننا !!!


وقد أفزع حرق الطيّار الخائن ، قادة العرب الذين هربوا للإحتماء بزعماء الغرب ! بينما فرّت جيوشهم المتمركّزة على الحدود ، بعد مداهماتٍ مليونيّة بكل الدول العربيّة المجاورة الذين اقتحموا الحدود من جهاتها الأربعة : الأردن وسوريا ولبنان ومصر..


وقد أرعب خبر عبورهم الحدود ، اليهود الجبناء الذين فرّوا برّاً وجوّاً وبحراً للخارج.. تاركين جدارهم الإسمنتيّ دون رقابة ، والذي تمّ تفجيره بعبواتٍ ناسفة .. ليقتحم آلاف العرب الأحرار المدن الإسرائيليّة


وعندما حاول بعضهم إحراق المستوطنات ، أوقفهم شيخ المسجد (القائد) قائلاً بمكّبر الصوت :

- إتركوها !! فهي منازل الفلسطينين الذين تدمّرت بيوتهم.. هي ملكٌ لنا !! كما المؤسسات والأراضي الزراعيّة التي عادت لأصحابها


وبعد رفض الطيّارون العرب تنفيذ أوامر قادتهم لتدمير فلسطين ، بعد مشاهدة حرقهم لجميع الخوّنة العملاء مع اليهود ! 

لم يعد امام اسرائيل إلاّ الإعتماد على طيّاروها الذين كانوا أشدّ فزعاً من جنودهم ، والذين هربوا للخارج .. تاركين مطارهم العسكريّ خالياً ، ليتحاصر اليهود دون غطاءٍ جويّ.. 


فاستطاع المجاهدون الأبطال ، أسرّ آلاف المستوطنين الذين خيّروا بين السفر للخارج او الإعدام

***


وخلال اسبوعٍ واحد ، فرغت المستوطنات من اليهود ! 

وفي المقابل ، إستقبل مطارهم (تحت سيطرة المجاهدين) ملايين الفلسطينين المُهجّرين بكافّة انحاء العالم ، للسكن في مناطق اليهود المعمورة .. 

مع عودة العجائز الى ديارهم وهم يحملون مفاتيحهم القديمة ، ضمن احتفالٍ شعبيّ ضخم.. وعلى رقصات الدبكة الفلسطينيّة المشهورة 


كما اكتظّ مسجد الأقصى بالمصليّن وهم يكبّرون الله ، اثناء تصليحهم المسجد القديم .. بعد إغلاقهم السردايب والأنفاق من تحته بالأسمنت.. وتحطيمهم لحائط المبكى اليهوديّ .. 


بينما قامت النّسوة بتنظيف سجّاد المسجد وتعطيره ، وهم يزغردون بفرحٍ شديد.. وتشارك المراهقون بدهن الجدران الداخليّة والخارجيّة للمسجد ، وهم ينشدون الأغاني الوطنيّة 

***


من بعدها ، فُتحت ابواب الأقصى للزوّار العرب الذين اكتظّت بهم المدن الفلسطينيّة التي استعادت اسمائها القديمة ..وهم يتسابقون للصلاة في ساحة المسجّد ، وعيونهم مُغروّرقة بدموع الشوق ، بعد حرمانهم منها لأكثر من سبعين عاماً !

كما قدم المسيحيوّن المتديّنون لزيارة كنيسة القيامة ، تحت حماية الفلسطينيّون الأحرار 


بينما انتشر اليهود كلاجئين في اوروبا واميركا ، ليعودوا مُشرذمين وفقراء كما كانوا سابقاً !  

****


ملاحظة :

أليس حلماً جميلاً أن يحدث هذا فعلاً ؟! خاصّة انه مذكور بتوراتهم ان حكمهم سيدوم ٧٦ عاماً ، أيّ في السنة القادمة التي توافق ايضاً مرور مئة عام على انتهاء الخلافة العثمانيّة ، حيث وعدنا الله بمجّددٍ للدين كل مئة سنة ! 


لكن للأسف ، وحسب المذكور بعلامات يوم القيامة : فأنهم سينجحون ببناء هيكلهم على انقاض الأقصى ، بعد طردهم جميع الفلسطينيين الى الأردن وسيناء .. والذين سيعودون الى وطنهم بعد ثلاث سنوات من هدم المسجد ، لبنائه من جديد .. بعد طردهم اليهود الى خلف الجدار ، والذين سيبقون هناك لحين معركتهم النهائيّة مع سيدنا عيسى بعد نزوله من السماء في آخر الزمن (كما ذُكر في الأديان السماويّة الثلاثة)  


بالنهاية نقول : ((ربنا لا تمتحّنا في ديننا ، وصبّرنا الى يوم النصر الكبير))


الأحد، 20 أغسطس 2023

حُرمة الموتى

تأليف : امل شانوحة 

الجثث التعليميّة


في غرفة التشريح الخاصّة بجامعة الطبّ .. إنشغل الأستاذ بأمرٍ عائليّ ، فترك طلّابه يُشرّحون الجثة وحدهم .. 


وبعد ساعة من البتر والتقطيع ، دخل الطالب مروان بوجهٍ حزينٍ ومتعب 

فسأله صديقه وهو يحمل القلب الذي أخرجه من الجثة  :

- لما قطعت إجازتك يا مروان ؟

فردّ بيأس : بقائي في سكن الطلّاب يزيد كآبتي ! الأفضل إشغال نفسي بالدراسة

- كما تشاء .. خُذّ المشرط ، واقطع الّلسان.. فالدكتور أمرنا بإزالة جميع الأعضاء من الجثة ، ووضعها في البرّاد .. وهو سيقيّم عملنا غداً  


وحين اقترب مروان من وجه الجثة (الذي قام زميله بقلع إحدى عينيها) أُصيب بنوبةٍ هستيريّة ، مُبعثراً الأدوات الطبّية في كل مكان! 

ثم صرخ على زملائه بغضبٍ شديد :  

- أتشرّحون خطيبتي يا ملاعييين  !!!

فتجمّد الطلبة في مكانهم .. حتى أن صديقه أوقع القلب على الأرض بارتباكٍ شديد !


وبصعوبةٍ بالغة استطاعوا تهدأته ، بعد إعادة الجثة مع اعضائها المبتورة الى ثلاّجة الموتى .. 

ومن حسن حظهم أن المشرحة في قبو الجامعة ، بعيداً عن الفصول الدراسيّة .. لهذا لم يسمع صراخه أحد من الحرّاس والأساتذة ! 


وبعد شرب مروان الماء .. إعتذر صديقه عمّا حصل :

-  ما يُدرينا أن الجثة المُخصّصة للتعليم ، هي نفسها خطيبتك التي ماتت منذ يومين؟!

مروان وهو يتنفّس بصعوبة : من بالعادة يُحضر النماذج لنا ؟

صديقه : على حدّ علمي .. مدير الجامعة !  

مروان وهو يحاول كتم غضبه : إذاً لن نُخبر احداً بما حصل ، وسنذهب ليلاً لدفنها في قبرها .. فأنتم مدينون لي بذلك !!


أحد الطلاّب : وماذا نقول للأستاذ غداً ؟ فهو يريد معاينة الأعضاء ..

مروان مقاطعاً بعصبية : حبيبتي ستُدفن مع جميع اعضائها .. ولا اريد معارضة !! كيّ لا ارتكب جريمة بهذه الجامعة الملعونة  

صديقه : اهدأ يا مروان .. سنفعل ما أمرتنا به .. اما الأستاذ ، نُخبره أيّةِ حجّة .. لحين معرفتنا طريقة إحضارهم الجثث الغير قانونيّة.. 

مروان بحنق : سأكتشف الحقيقة بنفسي !! 

***


وفي ذلك المساء .. إستطاعوا القفز فوق اسوار المقبرة المغلقة ، وهم يحملون جثة الصبيّة بكيسٍ اسود ، وأعضائها المقطوعة بكيسٍ آخر .. 

واستغلّوا نوم حارس المقبرة ، لدفنها في مقبرة عائلتها .. 


ثم دلّهم مروان على الغرفة المخصّصة لمقبرة عائلته ، والتي ينوي إستخدامها للإنتقام من حارس المقبرة ، المُتورّط مع مدير الجامعة ببيع الجثث دون إذن اهلها

***


في مساء اليوم التالي ، أخفى مروان وجهه بقناعٍ صوفيّ.. واختبأ خلف سيارة سكرتير المدير (الذي بالعادة يعود متأخراً الى بيته) .. 


وما ان فتح سيارته ، حتى وضع المسدس (اللعبة) في ظهره..

مروان مهدّداً : إرفع يديك !!

السكرتير بخوف : سأعطيك محفظتي ، لكن لا تقتلني !!

- لا اريد مالك .. اريد التأكّد من معلومةٍ سرّية

- ماذا تريد ؟!

مروان : هل مدير الجامعة مشتركاً مع حفّار القبور بشراء الجثث فور دفنها ، لتكون وسيلة تعليّمية لطلّاب الطبّ ؟ 

فسكت السكرتير بخوف ..


مروان : أخبرتك انني اعرف الحقيقة ، اريد فقط إثباتاً على ذلك .. فإمّا أن تخبرني بما تعرفه .. او أُطلق النار على ظهرك ، لتعيش بقيّة حياتك مشلولاً

- كان المفترض على المدير إستخدام مال الجامعة لشراء الجثث القانونيّة التي توفّرها الدولة : من الموتى الشحاذين والمجرمين ومجهوليّ الهويّة والمدمنين ، او بموافقة اهلهم  

مروان : وطبعاً باتفاقه مع حفّار القبور يدفع مبلغاً أقل ، ويسرق الباقي ؟

- هذا صحيح 


فأخرج مروان من جيبه دواءً ، وضعه في جيب السكرتير :

- توجد في العلبة حبتيّ دواء : أحدهما منومٌ قويّ ، والآخر يسبّب الهلوسة .. ضعهما في قهوة المدير ، ولا تسألني عن السبب 

السكرتير : هو ينوي البقاء غداً الى وقتٍ متأخر من الليل ، لتصنيف ملفّاته في الحاسوب .. سأتصل بك بعد نومه .. رجاءً لا تقتلته ، فهو على وشك التقاعد 

- اريد فقط تأديبه .. والآن إذهب الى بيتك .. وايّاك إخبار احد باتفاقنا ، والا سألاحق ابنك من مدرسته  

السكرتير بفزع : سأفعل ما تريد ، لكن لا تُدخل عائلتي بالموضوع 

- لك ما تشاء .. هيا اذهب !!

وانطلق سريعاً بسيارته ، وهو يرتجف خوفاً

***


في اليوم التالي ، وقبل غروب الشمس.. اختبأ مروان واصدقائه داخل مقبرة عائلته (الغرفة الإسمنتيّة الصغيرة) بعد قيام صديقة خطيبته (المتوفاة) بتشويه اشكالهم بالألوان والسليكون ، فهي محترفة بالمؤثّرات السينمائيّة.. لرغبتها المساعدة في الإنتقام من حفّار القبور الطمّاع الذي شوّه جثة صديقتها ! 


وظلّوا هناك ، حتى موعد إقفال المقبرة عند 8 مساءً .. وهم يتناولون الطعام والشراب التي في حقائبهم .. 

ولم ينتبه حفّار القبور لهم ، لاجتماعه عصراً مع تاجر الأعضاء البشريّة في غرفته الصغيرة بطرف المقبرة 

^^^


في المساء ، خرجوا اليه بأشكالهم المخيفة .. حيث بدو كمعاقين بأعينهم التي تتدلّى على وجوههم ، وأيديهم المقطوعة ..وهم يستندون على عكّازٍ ، بدل سيقانهم المفقودة (بعد ان ربطوا اطرافهم خلف ظهرهم) ..


فصرخ الحفّار مرتعباً :

- من انتم ؟!! وماذا تريدون ؟!

مروان : انت بعتنا للمشارح التعليميّة دون علم أهلنا.. شوّهتنا قبل تحللّ اجسادنا.. من سمح لك بذلك ؟!! الا تعرف حُرمة الموتى ؟! 

- سامحوني ، كنت بحاجة للمال

- سنظهر لك كل مساء ، لمعاقبتك على ذنبك الكبير .. وسنظهر في احلامك ..ونؤذيك ليل نهار ، عقاباً على تشويه اجسادنا !!


وكانت ردّة فعله أفضل مما توقعوه ، بعد قوله باكياً :

- سأستقيل فوراً !! وأعدكم أن لا أقترب من المقابر .. لكن رجاءً لا تظهروا لي مجدّداً 

مروان : إذهب !! فأنت حرٌّ طليق


وسرعان ما دخل الرجل الى غرفته ، لحمل صُرّة ثيابه .. ثم الهرب الى خارج المقبرة ، وهو يعدهم بعدم الإقتراب من الموتى طوال حياته

***


بعد عودتهم الى السيارة :

- ماذا نفعل الآن ؟ هل نمسح المكياج ..

مروان مقاطعاً : لا طبعاً !! سنذهب مباشرةً للجامعة .. فالسكرتير ارسل لي قبل قليل : أن المدير نائم في مكتبه

- تقصد مُخدّراً ؟

مروان : نعم ، وحارسه ذهب باكراً الى منزله 

- اذاً دعنا ننهي المهمّة الليلة

***


إستيقظ المدير وهو مُقيّد اليدين في كرسي ، وسط الملعب المظلم لكرة السلّة بالجامعة .. فصرخ غاضباً :

- من يجرأ على تقيّد مدير الجامعة ؟!!


وهنا ظهروا بأشكالهم المخيفة من كل جانبٍ في الملعب .. وأحاطوه وهم يدنّدنون بألحانٍ مخيفة .. ولم يعرفهم لظلمة المكان ، وكثرة المكياج المرعب على وجههم .. بل شعر أنهم اشباحٌ حقيقيون ، بسبب الدواء المُسبّب للهلوسة ! 

فسألهم بفزع : 

- ماذا تريدون مني ؟!

مروان : نحن الجثث التي اشتريتها بسعرٍ بخس ، لمختبر الجامعة

المدير : طلّابنا بحاجة لتشريحكم ، ليصبحوا أطبّاءً أكفّاء

- نحن ابناء عائلاتٍ محترمة .. أتعرف ماذا سيفعلون بك ان علموا بتقطيعك اجساد ابنائهم دون رضاهم ؟ 


مروان : ستدخل السجن حتماً !! لكن بعد طردك من عملك ، لسرقتك مال الجامعة المُخصّص للجثث القانونيّة

المدير : آسف ، لكني احتجت المال لجمعيّتي الخيريّة

مروان : كاذب !! بل لإرسالها لأولادك المُدلّلين في الخارج .. لذلك سنعاقبك بالظهور دائماً في واقعك والمنام ، حتى تكره حياتك

المدير : أعتذر منكم .. لن أفعل ذلك مجدداً !! أعدكم بذلك


وهنا التفّ مروان خلفه ، واضعاً قماشة المخدّر على انفه .. ليغفو المدير ، بعد توسيخ ملابسه من شدّة الرعب !

مروان : سآخذ مفاتيح سيارته وأعيده الى منزله ، بعد أن لقّناه درساً لن ينساه في حياته 

***


إستيقظ المدير صباحاً على صراخ زوجته التي وجدته نائماً في سيارته بحديقة فلّته ، وبجانبه زجاجة خمرٍ فارغة :

- أعدّت للسِكر ثانيةً ؟!! 

فنظر المدير للقارورة الفارغة (التي وضعها مروان بجانب مقعده) قائلاً بدهشة : 

- لا أذكر انني شرِبتُ مُطلقاً !


ثم تذكّر كابوس الأمس ، فقال مرتعباً :  

- أتدرين ؟ كلامك صحيح ، سأتقاعد مبكّراً للعيش مع اولادنا في الخارج

زوجته باستغراب : 

- لا ادري ما حصل لك ! لكني سعيدة انك اتخذت القرار السليم .. فحياتنا مملّة دون اولادنا .. هيا ادخل واستحمّ ، قبل ان يراك الخدم مُبلّلاً هكذا 

***


في اليوم التالي بكافتريا الجامعة ، إحتفل مروان ورفاقه باستقالة مديرهم :

- نجحت خطتك يا مروان .. فحفّار القبور ترك المقبرة .. ومديرنا الطمّاع استقال من وظيفته .. وبذلك انتقمت لخطيبتك

مروان : المحزن بالموضوع اننا سنتابع تشريح الجثث .. صحيح ستكون قانونيّة ، لكنها بالنهاية لبشرٍ لديهم اهل وأقارب.. فربما مجهوليّ الهويّة مازالت عائلاتهم تبحث عنهم حتى الآن !

صديقه : هذا هو الجانب السيء من كليّة الطبّ.. لنأمل أن يسامحنا الله ، طالما نُشرّحهم بنيّة تعلّم مداواة الأحياء منا

وعمّ الصمت الحزين بينهم !


المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة  الخطيب الغيّور دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :  - وأين اجرة...