تأليف : امل شانوحة
المتطفّل الحنون
انتقلت ديانا إلى مدينةٍ ساحلية ، برفقة ابنها الوحيد آدم (8 سنوات) بعد طلاقها من زوجها السكّير العنيف.. ولعدم امتلاكها الكثير من المال ، استأجرت منزلاً خسر مالكه رهانه للبنك
من بعدها وجدت عملاً في مطعم للوجبات السريعة ، بدوامٍ ليليّ .. مما اجبرها على ترك آدم وحيداً في المنزل الذي تعوّد مع الأيام على السهر أمام التلفاز حتى يغلبه النوم.
***
وفي إحدى الليالي ، استيقظ آدم لدخول الحمام..
وبعد خروجه ، مرّ بجانب الصالة .. ليلمح رجلاً يراقبه من النافذة ، وهو يناديه :
- إفتح الباب ايها الصغير !! أعرف أنك لوحدك.
فركض آدم للإختباء بخزانة ملابسه بالغرفة ، متصلاً على جوال والدته الذي كان مغلقاً (بقانون العمل)..
فأرسل رسالةً بصوته المرتجف :
((أمي... تعالي بسرعة... هناك لصّ يحاول دخول المنزل... أنا خائفٌ جداً))
وهنا سمع صرير نافذة المطبخ تفتح ، بعد ان نسيت امه اغلاقها جيداً ..فضاقت انفاسه من شدة الرعب ، لمعاناته من الربو
وفجأة ! خرج عجوز من خلف ملابسه ، حاملاً مسدسه .. وهو يشير بأصبعه على فمه ، كيّ يلتزم آدم الصمت
وآخر ما سمعه الولد قبل إغمائه ، هو صوت الدخيل الخائف :
- ارجوك سيدي... لا تقتلني ! سأخرج فوراً
صوت العجوز مُهدّداً : إن عدّت الى هنا ثانيةً ، سأقتلك دون تحذير!!
***
في اليوم التالي ، استيقظ آدم على عتاب والدته بعد تبليل فراشه ..
فحضنها خائفاً :
- هل امسكت الشرطة باللص ؟
ولم تفهم ما قصده ، الا بعد سماع رسالته الصوتية .. فأسرعت الى المطبخ ، لتجد النافذة العلوية مغلقة من الداخل !
فحاولت إقناع ابنها بأنه مجرّد كابوس ..
كما لم تصدّق قصة العجوز الذي يعيش في خزانته !
***
منذ تلك الليلة .. رفض آدم البقاء وحده ، وأصرّ ان تأخذه امه معها للعمل .. لكن رئيسها رفض طلبها .. فوعدت ابنها بتركيب قضبانٍ حديدية على النوافذ ، فور حصولها على راتبها.. مما هدّأه قليلاً
***
وفي إحدى الليالي ، حاول زبون معاكسة ديانا بطريقةٍ وقحة.
وحين تجاهلته ، شدّها من ذراعها بقوة..
ليسمعا عجوزاً يقول من الخلف ، بنبرةٍ آمرة :
- خذ طعامك ، وارحل فوراً !!
استدار الرجل غاضباً : :
- ومن انت ايها الخرف ، لتأمرني ؟
فأزاح العجوز طرف معطفه ، مُظهراً مسدسه عند خصره.
ليسرع الرجل بأخذ طعامه ، والخروج من المطعم ..
ثم نصحها العجوز بانتظار شروق الشمس قبل عودتها لمنزلها ، خوفاً ان ينتظرها المتحرّش في الخارج ..
فشكرته على دفاعه عنها .. فقال على عجل :
- فعلت ذلك لأجل آدم
وخرج من المطعم .. دون ان تعرف كيف عرف اسم ابنها ، وهي لم تقابله من قبل!
***
بعد أسبوع .. تشاجرت ديانا مع آدم في طريق عودتهما من السوق بعد رفضها شراء الحلويات له ، لحاجتها توفير المال لإصلاح منزلهما القديم .. فنام باكياً تلك الليلة
^^^
في الصباح ، استيقظ ..ليجد كيساً كبيراً من الحلويات بجانب سريره!
فأراد شكر والدته ، التي وجدها نائمة .. فعاد الى غرفته ، لتناول الحلوى بجانب التلفاز..
وبعد ساعة .. دخلت اليه ، لترى أغلفة الحلوى حوله ! فظنّت انه سرقها من السوق دون علمها ، لكنه أكّد بعدم خروجه من المنزل دون اذنها ..
فحاولت تجاهل الموضوع ، رغم غرابته !
***
لكن الأمر لم يتوقف هنا ، فقد صُدمت بعد ايام بوجود لعبة جنود من النوعية الغالية اسفل سريره !
وعندما استجوبته بحزم ..
أخبرها ان صديقه جورج العجوز الذي يعيش في خزانته ، هو من احضرها له
امه بعصبية :
- آدم !! لقد كبرت على الصديق الخيالي.. إخبرني الحقيقة ؟
لكنه أصرّ على روايته ! فخافت ان يكون طليقها عرف عنوان منزلها .. مما جعلها تترك كاميرا حاسوبها مضاءة اثناء نوم ابنها ، قبل ذهابها لدوامها المسائي ..
***
في الصباح .. عادت منهكة ، وذهبت مباشرةً للنوم.
وبعد ساعات.. استيقظت على ضحكات آدم.
فدخلت غرفته وهي تعاتبه على رفع صوت التلفاز
آدم : لم يكن التلفاز .. بل ضحكت على نكات صديقي جورج
وقبل ان تعاقبه على كذبه ، رن جوال ابنها .. ليظهر رقم والده !
فأطفأت جواله على الفور !
ديانا برعب : الم تعدني بعدم الإتصال به ؟ أتريده ان يعرف عنواننا ، ويأتي ليضربني من جديد ؟!
آدم : لم اقل عنواننا .. اخبرته فقط ، ان منزلنا قريب من البحر
وهنا تذكّرت كاميرا حاسوبها ، فأسرعت الى غرفتها لرؤية التسجيل الليليّ
لتنصدم بخروج عجوز من خزانة ابنها ، وهو يهمس له :
- لنذهب للمطبخ لإعداد العشاء
لم يكن وجه العجوز واضحاً بالفيديو ، لهذا أرادت الإتصال بالشرطة .. لكنها تذكّرت ان ابنها اخبرها بامتلاكه مسدس .. فطلبت منه اللعب بحديقة المنزل ..
وبعد خروج الصغير ، امسكت سكين مطبخ وهي تبحث بخزانة ابنها .. الى ان اكتشفت باباً سريّاً ، خلفه يوجد ادراج تصل لقبوٍّ مظلم !
فنادت بعلو صوتها ، وهي ترتجف رعباً :
- اعرف انك تعيش اسفل منزلي !! اخرج قبل اتصالي بالشرطة
وإذّ بها تسمع خطوات تصعد الدرج..
الى ان ظهر وجه العجوز على نور جوالها ..
ديانا بصدمة : الست انت من حميتني من متحرّش المطعم ؟!
العجوز وهو يرفع يديه مستسلماً :
- نعم انا .. رجاءً إبعدي السكين عني
ديانا بعصبية :
- هذا منزلي !! أنا أدفع إيجاره ! ليس من حقك العيش هنا!
- وانا صاحب المنزل الذي خسرته ، لدفع علاج زوجتي المرحومة .. هل يمكننا التكلّم بهدوء ؟ فأنا لست لصاً ، بل ضابط محترم
وعندما عرفت أنه حارب بالفيتنام ، نادت ابنها .. ليجتمعوا معاً بالصالة ، لسماع قصة العجوز الذي أخبرهم انه تم اعتقاله بالحرب ، وأوشك على الموت من التعذيب .. الى ان خاطرت مراهقة فيتنامية لإنقاذه .. وبدوره هرّبها معه الى اميركا .. لكن اهله رفضوا استقبالها .. فعاش معها بهذا البيت بعد ان بنى لها غرفةً سرّية ، خوفاً من ان يقتلها مواطنٌ عنصريّ.. وقدّ زوّد القبو بأجهزة مراقبة ، من كاميرات مخفية بأرجاء البيت وخارجه .. وهذا ما سمح له بحماية آدم من الدخيل تلك الليلة .. كما استفاد من الكاميرات لمعرفة موعد خروجه واختبائه ، قبل عودة ديانا من عملها ..
العجوز : اعتذر منك ، لم استطع التخلّي عن بيتي الذي فيه الكثير من الذكريات مع زوجتي التي ماتت من السرطان بعد تحمّلها عقمي
ديانا : رحمها الله .. لكن متى بدأت علاقتك بآدم ؟
فأجاب آدم : عدّت يوماً باكراً من المدرسة ، فوجدته بالمطبخ ..
العجوز : كنت أعدّل على طبخاتك .. يعني ، أضيف بعض البهارات الآسيوية
ديانا : الآن فهمت لما كان طبخي اطيب في اليوم التالي !
آدم : ولا تنسي يا امي انه انقذني من اللصّ .. وبدوري وعدته بكتمان الأمر
العجوز وهو يمسح رأس الصغير :
- مقابل الحلويات والألعاب ، ايها المخادع الذكي
ثم قال لها :
- لديّ اقتراح ، سيدة ديانا ..ما رأيك ان ادفع نصف الإيجار مقابل استردادي غرفة ابنك ، فهي كانت غرفتي انا وزوجتي ..
ديانا : وهل لديك مدخولاً مادياً ؟
العجوز : كانوا طلبوا مني تدريب المجنّدين الجدد ، فرفضت الوظيفة بسبب احتضار زوجتي .. لكني أفكّر حالياً بقبول عرضهم
وقبل ان تجيبه ، سمعا طرقاً عنيفاً على بابهم
- افتحي الباب يا ديانا !! اريد رؤية ابني !!
ديانا برعب : هذا طليقي ، وهو سكران كعادته
فأراد العجوز البقاء معها ، لكنها أصرّت على عودته لغرفته السرّية .. وطلبت من ابنها البقاء في غرفته ..
وما ان فتحت الباب ، حتى انهال عليها بالضرب والشتائم .. مما جعل ابنها يستنجد بالعجوز الذي احضر مسدسه ، مهدّداً طليقها بالطرد من بيته
الطليق باستهزاء :
- أتخلّيتي عني للزواج بهذا الخرف ؟!
لينصدم الجميع بآدم يقول وهو يحتضن العجوز :
- هذا جدي ، يا ابي
الطليق بدهشة :
- ديانا ! الم تخبريني بوفاته وانت طفلة ؟
فسارع العجوز بالقول :
- امها ادّعت ذلك ، بعد اكتشافها علاقتي بأمرأةٍ اخرى .. لكن بعد طلاق ابنتي منك ، راسلتها وطلبت منها القدوم مع ابنها للعيش معي .. هل لديك مانع ؟
الطليق بعصبية : إبعد مسدسك عن وجهي !! فأنا باستطاعتي مقاومتك بسهولة
ديانا : لا انصحك ، فوالدي كان ضابطاً عسكرياً .. وهو محترف باستخدام الأسلحة
العجوز : ارحل فوراً ، ولا تعدّ ثانيةً الى هنا
الطليق : ليس من حقكما حرماني من ابني
العجوز : إن تعالجت من ادمانك على الخمور ، لن أمنعك من رؤية حفيدي .. والآن اخرج ، فلست بمزاج لدفن جثتك الكريهة
فخرج الرجل مُجبراً من بيت طليقته..
بينما حضنت ديانا العجوز ، وهي تشكره على موقفه النبيل
العجوز : هل غضبتي مني ، لادّعائي بأني والدك ؟
ديانا وهي تمسح دموعها :
- انا لم اقابل والدي ابداً .. ولوّ تخيّلته ، لتمنيته ان يكون قوياً وحنوناً مثلك
العجوز : وانا كان حلم حياتي ، ان يكون لديّ ابنة تتحمّل المسؤولية مثلك
آدم : وماذا عني انا ؟!
فمسح العجوز على رأسه بحنان :
- وكان حلمي ايضاً ، ان يكون لديّ حفيد مشاغبٌ مثلك
***
مرّت الأشهر ، حصل فيها جورج على عمله بتدريب المجنّدين.. وتغيّرت حياة ديانا التي نقلت عملها للدوام النهاريّ ، بعد مساعدة العجوز بمصاريف المنزل .. حتى انها اخبرت زملائها بالعمل ان جورج هو والدها الحقيقي ..
أما آدم ، فأصبح يقضي معظم وقته مع جده الجديد الذي يعلّمه الصيد برحلاتهم البحرية.. بينما تراقب ديانا بسعادة ، تطوّر العلاقة بين العجوز وآدم بشكلٍ لطيف .. وهي تحمد الله على ظهور جارها الخفيّ الذي حرس ابنها ، وحمى بيتها ، وأنقذها من ماضيها العنيف .. ليصبح لديها بالنهاية ، العائلة المثالية التي تمنّتها طوال حياتها !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق