الأربعاء، 6 مارس 2024

التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة 

الطيّبة والشريرة


دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :  

- إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ..ودعّ نائبك يوقّع عقود البيع..

مقاطعاً بحزن : الألم ليس برأسي ، بل بقلبي

- مصابك كبير.. رحم الله زوجتك

فردّ بعصبية : كم كانت عنيدة !! أصرّت على قيادة السيارة بنفسها .. لوّ تركت سائقي يأخذها للسوق ذلك اليوم ، لما توفيّت وتركت ابني في غيبوبة منذ شهور

السكرتيرة : هل ستبقيه في المستشفى ؟

- لا ، أفكّر جديّاً بإعادته للمنزل

- اذاً تحتاج للممرّضة


جاك : سأبحث عن واحدة ..

السكرتيرة مقاطعة : إبنة اخي ممرّضةٌ جيدة ، وأختها التوأم مُدبّرة منزلٍ ممتازة .. وطالما خادمتك عادت لبلدها ، فالأفضل توظيفهما معاً.. فهوب (أمل) تهتم بالقصر ، وأختها جاكلين بإبنك الصغير

- هل لديها خبرة بتمريض الأطفال ؟

السكرتيرة بفخر : هي الأولى على دفعة المعهد ، ولديها الكثير من شهادات التقدير

- اذاً إرسليهما الى قصري بعد العصر

***


وبدأت الأختان العمل في قصره.. هوب تهتم بالطبخ وترتيب المنزل ، وجاكلين بالطفل الغائب عن الوعيّ منذ بداية السنة.. ولأن جاك رجلٌ ثريّ ووسيم ، فقد اثار اهتمام جاكلين التي تحلم دائماً بتحسين مستوى حياتها بسبب غرورها بجمالها اللافت ، بعكس أختها هوب ذات الجمال المتواضع (فهما توأمتان غير متشابهتيّن) 


ومع الوقت .. صارت جاكلين تهتم بتحضير قهوة جاك وتنسيق ملابسه وترتيب مكتبه بالقصر ، مُهملةً بذلك ابنه المريض

لهذا اضّطرت هوب لإمضاء الوقت مع الولد (8 سنوات) فور انهاء عملها .. مع تغيّر حفائضه وتحميمه من وقتٍ لآخر .. وهي التي تذكّر جاكلين بمواعيد تغيّر الأمصال ، كغذائه الوحيد.. كما أمضت العديد من الليالي بقراءة القصص له ، بعد تعلّقها بالصغير النائم

***


وذات يوم .. دخلت جاكلين الى غرفة الصبي ، لتجدها تحاول دغدغته وإضحاكه ! 

فقالت لها بلؤم : انت تضيعيّن وقتك مع هذا المعاق

وكانت هوب تمسك بيد الصغير الذي ضغط على اصابعها .. فعاتبت اختها:

- جاكلين !! لقد أزعجه كلامك

- هل تصدّقين فعلاً انه سيستعيد وعيه ؟ 

هوب : طبعاً !! فكل من كان بغيبوبة ، استيقظ يوماً ما 

- ربما بعد سنواتٍ طويلة .. وأنا لن انتظر كل هذه المدة

- ماذا تقصدين ؟!

جاكلين : حالياً أُخطّط للزواج من والده .. وأتمنى حينها ان يكون ميتاً ، فأنا لا اريد ابنه في حياتي


هوب بعصبية : لقد بالغتي في احلامك .. فحن موظفتيّن لدى السيد جاك ، ولا داعي لتُغرمي به !

- لا يهمّني موضوع العشق والغرام .. المهم أن اصبح سيدة القصر

- أهذه كل اهتماماتك بالحياة ؟!

جاكلين : وماذا يوجد اهم من المال والسلطة ؟

- حرامٌ عليك ..انت تهملين الصغير كثيراً ، وأحياناً تنسين وضع الأمصال..

مقاطعة بلؤم : اذاً ضعيها انت !!

هوب بضيق : انت تعلمين ان والدي لم يُكمل تعليمي ، مثلك..  

- لأنك تشبهين امي التي لا يحبها ، بينما أشبه عمّاتي الفاتنات

- عيبٌ عليك ان تتكلّمي هكذا عن امك المرحومة !

جاكلين : كانت ضعيفة الشخصيّة ، مثلك تماماً

- هل أصبحت طيبة القلب ضُعفاً هذه الأيام ؟!

- وغباءٌ ايضاً !! إهتمي انت بالصغير .. فعليّ التركيز على جمالي هذه الفترة ، لألفت نظر جاك إليّ


هوب بدهشة : جاك هكذا ، دون ألقاب !

- ولما لا ، فهو سيصبح زوجي قريباً .. وسأذكّرك بذلك ، يا غيّورة 

- انا لا اغار منك !! انت تتوهمين ذلك

جاكلين بغرور : بلى !! فلطالما كانت الأنظار مُصوّبةً نحوي .. لأني جميلة ومتعلّمة ، وانت فتاةٌ عاديّة لم تنهي مرحلة الثانوية

- لا يهم كل هذا ، المهم صفاء القلب والنيّة الحسنة ..

مقاطعة بسخرية : إبقي على مثاليات والدتك .. فطيبة قلبك لن تنفعك بشيء ، بل ستصبحين عانسٌ فقيرة .. آه ! هل سمعتي .. وصل حبيبي ، سأذهب لاستقباله


وبعد خروجها من الغرفة ، تمّتمت هوب بقلق :

((كان الله في عونك ، سيد جاك.. (ونظرت للصغير) ..وفي عونك انت ايها الملاك النائم ، في حال اصبحت زوجة والدك بالفعل !))

***


بمرور الأيام .. نجحت جاكلين بإثارة إعجاب جاك الذي ذهبت معه الى مطاعمٍ فاخرة ، بعد تمثيلها ببراعة : إهتمامها بإبنه وخوفها عليه!

لكنه مع ذلك اراد الإطمئنان اكثر قبل خطبتها ، فوضع كاميرا في غرفة ابنه دون علم الصبيتيّن..


ليجد ان هوب هي التي تهتم بالصغير معظم الوقت ! بينما جاكلين تدخل غرفته مُتأففة لتغيّر الأمصال ، بعد إلحاحٍ متواصل من اختها الحنونة ..


كما استمع لمشادةٍ كلاميّة بين الأختيّن :

جاكلين : انت تغارين مني !!

هوب بضيق : قلت لك الف مرة إن الأشياء التي تهمّك ، لا تهمني !!

- أتدرين يا توأمي اللعين !! عندما أتزوج جاك ، سأبقيك في قصري كخادمةٍ لي ولأولادي 

- أتعلمين شيئاً .. رغم اننا توأمتان ، إلاّ اننا لا نشبه بعضنا بشيء ! فأنت جميلة من الخارج ، وقبيحة من الداخل..

جاكلين مقاطعة بعصبية : هذا أفضل من قضاء حياتي ، كقبيحةٍ مثلك .. فالرجال الأثرياء لا يهمّهم طيبة قلب المرأة بقدر جمالها ، ليفاخر بها امام طبقته المخمليّة .. وقريباً جداً ، سترين خاتم خطبتي الإلماسيّ .. بينما انت منهمكة بتغيّر حفاضات الصبيّ القذر .. والآن سأذهب للتزيّن ، فقد قارب موعد عودة حبيبي من شركته


وبعد ذهابها .. سمع جاك (من خلال الكاميرا) هوب وهي تكلّم ابنه بعيونٍ دامعة :

- هيا يا صغيري .. دعني ارى عينيّك الجميلتيّن .. الم تشبع من النوم ايها الكسول ؟ الم تشتاق لزملائك في المدرسة ؟ أكيد لديك معلمة تفضّلها عن غيرها ، وهي قلقة عليك الآن .. ماذا عن والدك ؟ الم تشتاق الى حضنه ؟ هيا يا صغيري ، إفتح عينيك لترى خالتك هوب التي تهتم بك ، وتحبك كثيراً..  (ثم تنهّدت بشفقة).. كما تشاء ايها الوسيم ، لن اضغط عليك .. إن كنت تريدني ان اقرأ لك قصةً ثانية ، فاضغط على يديّ .. أحسنت يا بطل !! سأقرأ قصة اشتريتها خصيصاً لك .. 


فتساءل جاك باهتمام : ((هل فعلاً ضغط ابني على يدها ؟! إن فعل ذلك ، فهو تطوّرٌ جديد بحالته الصحيّة .. عليّ سؤال هوب عن حالته ، فور عودتي للمنزل)) 

***


وفور وصوله ، تجاهل جاكلين التي تنتظره عند باب القصر بكامل اناقتها .. وتوجّه مباشرةً لغرفة ابنه .. مما ضايقها كثيراً !


وعندما دخل .. وجد هوب تمسك يد ابنه وهي تقرأ القصة بحماس ، مع تغيرها للأصوات حسب الشخصيّات الكرتونيّة ! والتي تفاجأت بجاك يسألها باهتمام :

- هل فعلاً يتجاوب معك ؟! 

هوب بارتباك : نعم .. فالقصة التي تعجبه ، يشدّ بها على يدي .. فأضعها مع مجموعة القصص التي سأعيدها له لاحقاً 

وأشارت الى مكتبة ابنه .. فقال جاك باستغراب :

- لا اذكر انني اشتريت له كل هذه القصص !

هوب : أحضرتها له من مصروفي

جاك : ولماذا !

- لأني آمل ان تكون الدافع لإستيقاظه  

- وهل لديك امل بذلك ؟ 

هوب : أكيد !! لا يأس مع الحياة.. إن اردّت ، جرّب بنفسك .. لربما يتجاوب معك ايضاً


وجلس جاك بجانب سرير ابنه ، مُمسكاً بيده .. ثم همس في اذنه :

- اريد ان آخذ رأيك بشيء .. هل تريدني ان أخطب ممرّضتك جاكلين؟

فضغط الصبي على يده بقوة ، وهو عاقد الحاجبيّن !

فسألته هوب بدهشة : ماذا قلت له ؟! .. يبدو غاضباً ! 

فابتسم جاك : أظن اقتراحي لم يعجبه .. سأحاول من جديد


ثم همس في اذن ابنه :

- ام تفضّل زواجي بهوب التي تقرأ لك القصص ؟

فابتسم الصغير وهو مُغمض العينين !

جاك بصدمة : يا الهي ! انه يسمعني فعلاً 

هوب : نعم .. فأنا قرأت العديد من المقالات عن المرضى الذين استيقظوا بعد سنوات من غيبوبتهم ، والتي وصفوها بمنامٍ طويل .. كأنهم في فقّاعة صابون ، يسمعون كل شيءٍ حولهم .. ويميّزون الأشخاص الذين يدخلون غرفهم من خلال عطورهم .. حتى انهم يشعرون بمن يرغب بشفائهم ، ومن يتمنى موتهم من خلال طاقتهم السلبيّة والإيجابيّة اتجاههم ! 


وهنا تدخل جاكلين الغرفة :

- جاك .. لدينا حجز في المطعم ، أنسيت ؟!

فنظر اليها بدهشة لمناداتها إسمه هكذا ، فقالت بارتباك :

- آسفة سيد جاك ، لكني لا اريد التأخّر عن موعدنا 

جاك : كنت قلقاً على ابني ، لكن يبدو ان هوب تقوم بعملٍ جيد

جاكلين بلؤم : وما يدريها بالتمريض ؟ فهي مجرّد خادمة

جاك معاتباً : كيف تقولين ذلك عن اختك الوحيدة ؟!

جاكلين : هي لم تدرس التمريض ، وأفضّل عدم إقترابها من ابنك


جاك : ابني ليس بحاجة لممرّضة ، بل لأمٍ حنونة  

- لكن انا لديّ أم !

قالها الصغير بعد سماعه كلامهم .. فحضنه ابوه باكياً :

- حبيبي ! إستيقظت أخيراً

ابنه باستغراب : كنت نائماً يا ابي ، فلما كل هذه الدموع ؟!

جاك بقلق : أتستطيع تحريك يديّك وقدميّك ؟

فحرّك الصبي أطرافه ، وهو يقول :

- نعم ابي ! مالذي حصل ؟ .. وأين امي ؟!


فقالت جاكلين بلؤم ، بعد ضيقها من تعافي الصبي الذي لا تريد تحمّل مسؤوليته : 

- امك ماتت !!

الولد بصدمة : ماذا !

وانهار باكياً .. فصرخ جاك بوجه جاكلين :

- هل جننت !! أهكذا تخبرين الصبي بالأمر ؟!!

فأجابت بلا مبالاة : هو سيعلم بكل الأحوال

جاك بغضبٍ شديد : انت مطرودة !!

جاكلين بصدمة : ماذا ! لا .. ابنك بحاجةٍ لي ، فأنا اعرف حالته الصحيّة ..

جاك مقاطعاً : هو ليس بحاجة لإنسانة عديمة الرحمة مثلك !! 


فنظرت بغيظ لأختها هوب :

- ماذا فعلتي ؟!! كيف جعلته يكرهني بهذه السرعة ؟!

فأجاب جاك : اختك لا دخل لها بالموضوع

وأشار لكاميرا الغرفة ، وهو يقول :

- لقد شاهدت كل شيء : وقاحتك مع اختك ، وقساوتك بالتعامل مع ابني اثناء مرضه .. والآن أخرجي من منزلي !!

جاكلين بغرور : أتظنني سأتوسّل للبقاء معك ؟ فأنا بسهولة يمكنني إيجاد غيرك .. لأني فاتنة ، والجميع يتمنّاني .. انت تكفيك هذه الخادمة الجاهلة!!

وخرجت من القصر ، وهي تتوعّد اختها بالإنتقام !

***


وبمرور الوقت ، تعلّق جاك وابنه بهوب الطيبة .. 

وذات يوم ، وعند إحضار ابنه من المدرسة .. سأله بالسيارة : 

- ما رأيك لوّ تعيش هوب معنا للأبد ؟

ابنه بسعادة : نعم ابي !! فأنا احبها كثيراً

- اذاً دعنا نختار خاتم الخطوبة ، لمفاجأتها الليلة بطلب يدها

***


وفي الوقت الذي كانت تعيش فيه هوب اجمل ايامها مع زوجها الحنون وابنه ..كانت جاكلين متورّطة مع ثريٍّ عجوز ، هو زعيم أكبر عصابة مخدرات بالبلد .. لكن هذا لم يهمّها بسبب إسرافه بتدليلها ، دون علمها بأن حياتها ستتحوّل لجحيم عندما تقرّر العصابة المنافسة الإنتقام منه بخطفها .. وكل هذا بسبب غرورها وطمعها الذي أخسرها اختها الوحيدة ! وقريباً جداً ، حياتها بأسوء طرق التعذيب المؤلمة             


الأحد، 3 مارس 2024

الجريمة المثاليّة

فكرة : الأستاذ عاصم
كتابة : امل شانوحة

 

القاتل الغامض !


كانت القضيّة غامضة لدرجة انهم استدعوا أفضل محقّقٍ بالمنطقة ، بعد إيجادهم جثة شابٍ مطعون في حوض الإستحمام .. والغريب إن حمامه كان مقفلاً من الداخل ! حيث اضّطرت الشرطة لكسر الباب ، بعد انزعاج الجيران من رائحة تحلّل جثته.. 

ولم يكن مُنتحراً بقطع شراينه بل مطعوناً بعدّة اجزاءٍ من جسمه ، دون عثورهم على اداة الجريمة بالقرب منه ! كما لا أثر للدماء في بقيّة الشقة ، مما يؤكّد ان الطعن حصل بالحمام الضيّق الذي لا يمكن لأحد الإختباء به .. فكيف حصلت الجريمة ؟!


ولم يكن امام المحقّق إلاّ السؤال عن القتيل الذي يبدو انه سكن المنطقة منذ عام دون أن يكون لديه صداقات ، حتى علاقته بالجيران سطحيّة .. ومع ذلك شهدت جارته برؤيته يدخل شقته اكثر من مرة برفقة سيدة تكبره سناً.. 

فهل قتلته عشيقته ؟ .. الأمر مشكوكٌ فيه ، لأنه يبدو انه قاوم قاتله بكل قوته.. وحسب اقوال جارته : فالسيدة هزيلة الجسم ، بينما هو رياضيّ .. اذاً لابد أن قاتله رجلٌ قويّ البنيّة. .فهل له علاقة بعشيقته التي خانته ؟ ام هو قوّادها ، ام احد اقاربها ؟ ام ان القاتل شخصٌ آخر لا علاقة له بحبيبة القتيل التي لا أثر لها ، رغم انتشار خبر الجريمة بكل المنطقة ! 


وحسب اقوال الشاهدة الوحيدة : أن عشيقته زارته قبل اسبوع من انبعاث رائحة تحلّل الجثة الكريهة ، مما يؤكّد انها آخر من شاهدته حيّاً .. دون علم أحد بمن تكون ، كأنها قدمت من حيٍّ بعيد ! 

***


لاحقاً انتشرت اشاعة : إن شقة المغدور مسكونة ، وأنه قُتل بواسطة الجن والعفاريت التي اقتحمت حمامه المُغلق ! لكن هذا الكلام لم يقنع المحقّق ، خاصة موت القتيل بملابسه ، رغم وجوده بحوض الإستحمام .. وهذا يدل ان قاتله أدخله الى هناك عنّوة ، لطعنه حتى الموت .. ربما لعدم رغبته بإثارة الفوضى بالشقة ، واضّطراره لمسح الأدلّة.. كما يبدو ان القاتل حرص على لبس ثيابٍ سميكة ، غطّى بها كل جسمه .. لعثورهم على بقايا صوف تحت اظافر القتيل الذي حاول جرح قاتله ، للحصول على عيّنة (DNA) تُستخدم لاحقاً في المختبر ! وهذا يدلّ انه قُتل عن سبق إصرار وترصّد ، بعد أخذ القاتل احتياطاته بعدم ترك أثرٍ خلفه بمسرح الجريمة! 


كما لا وجود لدعسة طينٍ هناك ، رغم ان الجريمة حصلت في اسبوعٍ ماطر .. وكأنه قبل اقتحامه الشقة ، لبس مطاطاً فوق حذائه.. فمن ذلك الشخص الذي خطّط لجريمةٍ مثاليّة ؟! هل هو عدوٌّ سابق للقتيل ؟ ام شخصٌ مهووس بالأفلام البوليسيّة ؟!

***


مرّ شهر دون عثور المحقّق على دليلٍ واحد يُرشده للقاتل الغامض ! وأوشك على تقيّد القضيّة ضدّ مجهول .. 


وفي ليلتهم الأخيرة بمسرح الجريمة .. إجتمع المحقّق مع افراد الشرطة ورئيس مركزه اسفل المبنى ، بعد قيامهم بإغلاق الشقة بالشمع الأحمر بعد فشلهم بحلّ الّلغز.. 


واثناء انشغال المحقّق مع الشرطة بإبعاد الناس المتجمّهرة هناك .. إقتربت عجوز (تسكن في المبنى المقابل ، للمبنى الذي وقعت فيه الجريمة) من رئيس مركز الشرطة وهي تحمل ببغائها ، وتشير نحو شخصٍ بعيد وهي تقول :

- رأيت ذلك الرجل يتشاجر مع القتيل في الشارع 

فقال رئيس الشرطة :

- انت مخطئة يا خالة ..فالشخص الذي تشيرين اليه ، هو المحقّق بالقضيّة

العجوز : انا اقول الحقيقة ..رأيته يصعد خلف الشاب الى العمارة ، غاضباً .. وبعد اقل من ساعة ، نزل وهو يزيل القفّازين عن يديه والمطّاط البلاستيكيّ عن حذائه .. وإن كنت لا تصدقني .. فببغائي كان معي وحفظ جملة من شجارهما ، وهو يردّدها دائماً..

ثم نظرت للطيّر :

- هيا كوكي !! قلّ جملة الرجل الغاضب من جديد

فقال الببغاء : ((إبتعد عن زوجتي ، ايها الغريب الحقير !!))

وكان بصوت المحقّق الذي ما أن سمع الببغاء ، حتى حاول الهرب بسيارته .. قبل أن يأمر رئيسه بنقله لمركز الشرطة ، وسط دهشة الجميع ! 

***


وهناك اعترف بشكّه بزوجته ، بعد اهتمامها الزائد بنفسها بالأونة الأخيرة .. فراقبها ليجدها تخرج من شقة الشاب بملابس أخرى ، مؤكّدةً خيانتها ! 

فخطّط جيداً للجريمة.. ثم انتظر الشاب بالشارع ، وهدّده بترك زوجته .. لكن الشاب ردّ بحقارة : بأنه يهتم بها ، اثناء انشغاله بالعمل ! 


فلم يكن امامه إلاّ تنفيذ خطة الإنتقام .. حيث لم يتوقع الشاب ان يصعد خلفه ، ويرنّ جرس منزله !

وما ان فتح الباب .. حتى سارع المحقّق بخنقه ، وشدّه بقوّة باتجاه الحمام .. ليقوم بطعنه بحوض الإستحمام حتى الموت.. 


ثم وضع مفتاحاً صغيراً ، بدل المفتاح الأصليّ لباب الحمام الذي أغلقه من الخارج بمفتاحٍ خاص بالشرطة التي لم تنتبه على استبداله المفاتيح ! 


وكان متأكداً ان لا احد سيحلّ الّلغز ، خاصة بعد تدميره للأدلّة الباقية دون شعور فريق المختبر الجنائي بذلك : كتمزيقه صورة زوجته مع عشيقها التي وجدها بدرج غرفة النوم .. كما إعادته المفتاح الأصليّ ، بعد خلعهم باب الحمام .. 


لكن لسخرية القدر : إستدعاه رئيسه للتحقيق بجريمته التي كادت تكون مثاليّة ، لولا أن فضحته العجوز الفضوليّة باللحظة الأخيرة !


فسأله رئيس المركز الذي حقّق معه بنفسه :

- انت تعمل معنا منذ عشرين سنة ، وكشفت عشرات الجرائم الغامضة .. فلما ضيّعت مستقبلك هكذا ؟!

المحقّق بقهر : لا تحكم عليّ .. فلوّ عرفت بخيانة زوجتك ، لفعلت الشيء ذاته .. فلا شيء يؤلم أكثر من غدر ، أعزّ الناس اليك !

الرئيس : آه صحيح ! ماذا فعلت بزوجتك ؟ هل واجهتها بفعلتها ؟

فالتزم المحقّق الصمت..

الرئيس بعصبية : تكلّم !! ماذا فعلت بها ؟!

لكنه لم يجيب !

الرئيس : انا اعرف رقم منزلك

واتصل مراراً ، دون جواب !

الرئيس بقلق : هل قتلتها ايضاً ؟!

المحقّق : هذه المرة لن اساهم بحلّ لغزّ اختفائها..

وابتسم بخبث !


الجمعة، 1 مارس 2024

الوحش الدخانيّ

تأليف : امل شانوحة 

المعمل المشبوه


أُفتتح مصنعٌ وسط مدينةٍ صغيرة لا يديريه صاحبه إلاّ مساءً ، مُزعجاً السكّان المئة بدخانه الأسود الذي يكتم الأنفاس ، مما أجبرهم على غلق النوافذ وإضاءة المراوح رغم النسيم العليل بالخارج!


وفي إحدى الليالي .. خرجت أخت وأخوها الى الشرفة وهما يراقبان الدخان الأسود المُتصاعد باتجاه شقةٍ علويّة للمبنى المجاور.. 

فتساءلت الأخت بقلق : الا تلاحظ إن المالك العجوز لم يعد يخرج للشرفة ، كعادته كل مساء ؟!

الأخ : علينا الإطمئنان عليه ، لربما مات اختناقاً من الدخان ..فهو الأكثر تضرّراً من بين المباني المحيطة بالمعمل .. آه لحظة ! هل تري شيئاً يتحرّك بالشرفة ؟!

- كأن أحدهم يلوّح لنا !

- يبدو أن العجوز فقد وعيه هناك ، ويحتاج لمساعدةٍ عاجلة


وقبل خروجهما من شرفة منزلهما ، بنيّة التوجّه للمبنى المجاور لإنقاذ الجار .. شاهدا تحوّل الدخان الأسود الى وحشٍ ضخم ، بنصف إنسان ووجهٍ مخيف وذراعيّن ضخميّن ، حمل العجوز المُحتضر .. ثم ابتلعه ، ليزداد كثافة دخانه ! 


وقبل ان يستوعب الأخان ما شاهداه ! لمحهما الوحش الأسود الذي انطلق باتجاه شرفتهما .. فأسرعا للداخل ، وأغلقا الباب الزجاجيّ.. لترطم يد الدخان العملاقة بالباب ، ويتراجع للخلف .. ليعود كدخانٍ عاديّ يتصاعد من المعمل !

***


في اليوم التالي ، لم يصدّق الأهالي ما قاله الأخويّن .. لكنهم شعروا بالقلق لعدم عثورهم على العجوز داخل شقته ، بعد كسرهم الباب الذي كان مقفلاً بإحكام من الداخل !


ولم يكن امام الأخويّن إلاّ الإستعانة بجارهم المصوّر الذي سهر معهما تلك الليلة على شرفة منزلهما ، وهو يحمل كاميرته بصورها التلقائيّة (المميزة بزمن السبعينات)


ولم تكن إلاّ لحظات .. حتى شاهدوا الوحش الدخانيّ يتكوّن من جديد ، فور خروج ابن الجيران الى شرفة الشقة السفليّة للعجوز المفقود .. ليحصل الشيء ذاته ، بعد ابتلاع الوحش للصغير !

***


وفي الصباح .. إنتشر الخبر بأرجاء المدينة الصغيرة ، بعد رؤيتهم للصور المفزعة ! وتجمّع الشباب الغاضبين امام باب المعمل ، بعد منع الحارسان دخولهم اليه .. فانتظروا صاحب المعمل الذي وافق على إغلاقه لعدة ايام ، لحين هدوء غضبهم .. دون انزعاجه من صور الوحش المخيف !

***


باليوم الثالث ، أدار معمله آخر الليل بعد نوم الأهالي .. ليسارع الوحش الدخانيّ بدخول منزل المصوّر الذي نسيّ إغلاق نافذة غرفته .. وكاد يبتلعه ، قبل صراخه بعلوّ صوته مُهدّداً :

- وزّعت صورك على الجميع !! حتى لوّ قتلتني ، سيفضحونك انت وسيدك


وسرعان ما تبدّد الوحش ، ليعود كدخانٍ يتصاعد بشكلٍ عادي فوق المعمل الذي رفض صاحبه إطلاع الأهالي على نوعيّة المواد المُصنّعة داخله ! خصوصاً ان عمّاله الأفارقة يتحدثون بلغةٍ غريبة .. اما حارسا المعمل ، فممنوعا من التواصل مع الأهالي ، وكأن ما يحصل داخل المعمل يرعبهما بشدة !


وقد علم صاحب المعمل بما حصل مع المصوّر ، بعد مواجهته غضباً مضاعفاً من الجيران المستائين على هجوم الوحش على جارهم ، وتهديدهم بإيصال الأمر لإدارة العاصمة .. لهذا إضّطر لإغلاق معمله نهائيّاً .. وفتحه لاحقاً في صحراءٍ بعيدة عن المدن السكانيّة..

***


ومضت شهور لم تحدث مشكلة بالمعمل.. الى ان تجمّع الدخان كوحشٍ عملاق ، أضعاف الوحش السابق ! مُتصاعداً باتجاه السماء ، ليتحوّل لغيمةٍ سوداء توجّهت مباشرةً فوق العاصمة ..وهي تُنذر بمقتل الآلاف ، دون معرفة أحد بالسرّ المرعب الذي يُخفيه صاحب المعمل المشبوه ! 


الأربعاء، 28 فبراير 2024

الرموز المجهولة

كتابة : امل شانوحة 

التحدّث اثناء النوم


اثناء عمل جاك على حاسوب الشركة التي يعمل فيها ، غفى من شدة تعبه 

وعندما استيقظ بعد قليل ، أخبره زميله الذي يعمل معه بذات الغرفة:

- انت تتكلّم اثناء نومك !

جاك بدهشة : أحقاً ! وماذا قلت ؟

- حروف وأرقام عشوائيّة ، مع علامات الترقيم ! هل تهلوّس بشيءٍ معيّن ؟!

ولم يتحدثا اكثر عن الموضوع ، بعد أن طلبهما المدير لإجتماعٍ عاجل

***


بعد عودة جاك الى منزله ، تساءل إن كان من عادته التحدّث اثناء نومه ؟! 

وفي الليل ، أدار التسجيل بجواله الذي وضعه بجانب سريره ..


وعلى مدى ثلاثة ليالي متتالية ، تكلّم بنومه بذات العبارة ! والأغرب عند تدوينه للجملة الغير مفهومة ، وجد تكراره لذات الأحرف والأرقام بنفس الترتيب ، مما اثار انتباهه !

***


بعد اسبوع ، في العمل .. سمع زميليّه يتحدّثان عن الكلمة السرّية الخاصة بإيميل الوظيفة ، والتي ايضاً تضمّنت أحرفاً وارقاماً وعلامات ترقيم !


فتساءل في نفسه : ((أمعقول ما اردّده في نومي هو رقمٌ سرّي لإحدى صفحات تواصلي الإجتماعي التي نسيتها ، لكن عقلي الباطني مازال يذكرها ؟!))

***


وفور عودته الى المنزل .. بدأ بفتح كل صفحاته على الإنترنت التي عادةً لا يغيّر فيها سوى رقمها السرّي .. لينصدم بأن الجملة الغامضة : هي رقمٌ سرّي لإيميل لا يذكر تسجيله من قبل !


وعندما فتحه ، وجد ثلاث ملفات .. الملف الأول : فيه صور 13 فتاة جميلة ! وفي الملف الثاني : ذات الفتيات وهن مُعذّبات ! .. وفي الملف الأخير : صور جثثهنّ المشوّهة ..وكاد الحاسوب يسقط من يده من هول الصدمة !

جاك بفزع : كيف املك صور تعذيبهنّ ، وصور جثثهنّ ؟! مالذي يحدث ؟!


ولاحظ وجود اسفل صور الجثث تاريخٌ معيّن ، يبدو يوم وفاتهنّ : أقدمهن قبل 10 سنوات ، وأحدثهنّ منذ سنةٍ فقط ! .. بينما وجد ثلاثة صور فقط ، مذكوراً فيها اسم القتيلة .. بينما البقيّة مجهولات الهويّة! 


لينتفض جسمه بعد رؤيته للفتاة صاحبة أقدم تاريخ بينهنّ : وهي صديقته بالجامعة التي اختفت قبل حفلة التخرّج ، ومازال مصيرها مجهولاً للوقت الحاليّ !  


وعندما ركّز على تاريخ وفاتها ، تذكّر أمراً اربكه لسنوات .. فقبل يومين من حفلة التخرّج ، سأل زميله بالغرفة : عن يوم الأحد الذي لا يذكره ؟ فهو نام مساء السبت ، واستيقظ الإثنين صباحاً .. لكن زميله أمضى يوم العطلة في منزل اهله ، لهذا لم يعلم عن ماذا يتكلّم! 


ولاحظ جاك ان الأحد الذي مُسح من ذاكرته ، هو نفسه المذكور تحت صورة جثة صديقته .. فهل قتلها بعد رفضها مواعدته بعد حفلة التخرّج ؟! وكيف لا يذكر ذلك؟! 


كما لاحظ امراً آخر مُربكاً : فبقيّة النساء المقتولات ، يشبهنّ صديقته لحدٍ كبير ! فهل قتلهنّ ، لأنهنّ ذكرنه بصديقته التي كسرت قلبه ؟! 

^^^


ولشدّة ارتباكه من الإيميل الإجراميّ ، وضع كاميرا امام الباب الخارجيّ لمنزله ..


ولم يحصل شيء خلال اسبوعين .. وكاد ينسى الموضوع برمّته ، الى ان شاهد نفسه بالكاميرا : وهو يلبس معطفه ويخرج من منزله آخر الليل ، اثناء عاصفةٍ رعديّة .. وهي ليست من عادته الخروج بعد الساعة ١٢ مساءً ، خصوصاً تحت المطر ! فهل يمشي كما يتكلّم اثناء نومه ؟! وهل ارتكب تلك الجرائم بعقلٍ غير واعي ؟ 

^^^ 


الأمر جعله يشعر بتوترٍ دائم ، أثّر سلباً على مستوى عمله.. مما اضّطره لأخذ موعدٍ مع طبيبٍ نفسيّ عجوز ، مشهور ببراعته .. والذي أخضعه للتنويم المغناطيسي ، بعد إطلاعه على فيديو خروجه المسائيّ الذي لا يذكره .. مُخفياً موضوع الجثث (خاصة بعد بحثه عن إسميّ الصبيّتين بالإنترنت ، ومعرفة اختفائهما بذات تاريخ وفاتهما المذكور اسفل صورهما ، مما يؤكّد تورطه بمقتل جميع النساء اللآتي يملك صورهنّ)

 

ليتفاجأ جاك بعد استيقاظه من التنويم ، بنظرات الإرتباك على وجه الطبيب العجوز الذي لامه على وحشيّته ، بعد وصف جاك اثناء تنويمه جميع وسائل تعذيبه للفتيات اللآتي ذنبهنّ الوحيد ، هو شبههنّ بصديقته التي رفضت حبه !

ليس هذا فحسب ، بل اعترف ايضاً بجريمته الأولى بعمر المراهقة : بعد إطفائه شعلة المدفأة ، ليموت والده من رائحة الغاز ! 


جاك بصدمة : انا لا افهم شيئاً مما قلته ؟!

الطبيب : انت لا تمشي اثناء نومك ، بل لديك انفصام شخصيّة تكوّنت بسبب قسوة والدك طوال طفولتك .. وببلوغك سن ١٥ إستغلّيت نومه في غرفة المكتب ، لتقتله إختناقاً بالغاز بعد ظهور شخصيتك الثانية الإجراميّة التي خمدت لسنوات ، قبل ظهورها من جديد بعد إهانة حبيبتك : بأنك لست من مستواها لتصاحبها ! لهذا قتلتها بعد الإعتداء عليها.. اما شبيهاتها ، فاكتفيت بتعذيبهنّ حتى الموت ! كما ذكرت اثناء تنويمك : بأن جميع ضحاياك (النساء) دفنتهنّ بحديقة منزلك الخلفيّة .. لهذا انا مضّطر لإبلاغ الشرطة ، فأهالي المفقودات مازالوا يبحثون عن بناتهنّ حتى اليوم !

***


في منتصف الليل ، عاد جاك الى منزله مرهقاً .. وجلس متهالكاً امام حاسوبه الذي أوصله بجواله ، لإضافة شيء جديد الى ملف الإيميل الغامض : وهي صورة رأس الطبيب العجوز المقطوع ، قبل دفنه مع بقيّة الضحايا في حديقة منزله.. 


وعاد للنوم وكأن شيئاً لم يكن ، بعد سيطرة شخصيّته الإجرامية على شخصيّته الإنسانيّة التي اختفت هذه المرة للأبد !


الاثنين، 26 فبراير 2024

مسابقة الألوان القاتلة

تأليف : امل شانوحة 

 

إنتقام الطفولة 


وصلت كروت حفلةٍ مسائيّة الى مجموعة شباب من ابناء اثرياء البلد .. والذين حضروا للمبنى (الذي تمّ تجديده حديثاً) بكامل اناقتهم ، دون معرفتهم بصاحب الحفل الذي لم يذكر اسمه في الدّعوة .. 

وعندما تجمّع الشباب الثمانية في غرفة الإستقبال ، أخبرهم الموظف بأن عليهم إختيار زيّ من غرفة الملابس التي فيها مقاسات متعدّدة بألوانٍ مختلفة ، بشرط أن يلبس كل شخص لون مغاير عن الآخر ! 


فاختارت الصبايا الثلاثة ، فساتين باللون الأحمر والأصفر والرمادي .. بينما اختار الشباب الخمسة ، بدلات باللون الأخضر والأزرق والأبيض والأسود والبنفسجيّ 


ثم طلب منهم الموظف دخول الغرف التي لُوّنت ابوابها بنفس لون الملابس التي اختاروها .. بعد أخذ جوّالاتهم كشرط إلزامي بالحفلة السرّية ، كما وصفها صاحب الحفل بكرت الدعوة !

^^^


لتتفاجأ صاحبة الفستان الأحمر : بشخصٍ مُقنّعٍ بالداخل ، يوجّه سلاحاً نحوها وهو يأمرها بالجلوس على الكرسي الخاصّ بعيادة الأسنان ! 

وما ان جلست عليه ، حتى قيّدها بالسلاسل  


وفتح فمها بجهازٍ حديديّ ، بعد إنزاله الكرسي للأسفل .. ومن دون تخدير ، بدأ بقلع اسنانها الواحدة تلوّ الأخرى ، وهي تتلوّى بألمٍ شديد 

ثم خرج من الغرفة .. تاركاً الفتاة تحاول يائسة بصق دمائها (بعد تقيّد رقبتها جيداً بالكرسي) الى أن ماتت اختناقاً ! 

^^^


في الغرفة الصفراء : لم يكن وضع الصبية افضل من صديقتها ، بعد تفاجئها بجدران الغرفة الحديديّة تقترب نحوها من كل جانب ! الى ان احتجزت بمكانٍ ضيّق ، منعها من التحرّك .. لتشعر بحرارة اسفل قدميها ، كأنها تُشوى بطنجرةٍ حديديّة .. أّدت لاحقاً لاحتراق فستانها الأصفر ، دون سماع احدٍ صراخها (فجميع الغرف الثمانية صُمّمت لتكون كاتمة الصوت) واحترقت ببطء حتى الموت !  

^^^


اما الصبية الأخيرة ، صاحبة الفستان الرماديّ : فوجدت أيضاً رجلاً مقنّعاً داخل الغرفة ، أجبرها الجلوس على الكرسيّ ، مع تقيّد قدميها ويديها بالسلاسل .. ومن بعدها حقنها بموادٍ كيميائيّة ، غير مبالي بصراخها وتهديداتها (بانتقام والدها الثريّ منه) الى ان شحب وجهها كالأشباح ، بعد تسمّم دمها بالكامل حتى الموت !

***


اما الشاب ، صاحب البذلة الزرقاء : فلم يمشي خطوتين بالغرفة الصغيرة حتى سقط للأسفل ، بعد تمزّق الأرضيّة الكرتونيّة ! ليسقط في حوضٍ ضيّق مليء بالماء .. ولم يستطع الصعود للأعلى ، بعد غلق سطح الحوض بزجاجٍ آخر ضدّ الكسر اوتوماتيكياً .. فقاوم بصعوبة وهو يحاول كسر الزجاج السميك ، الى ان مات غرقاً!

^^^


وهذا ما حصل ايضاً للشاب الذي اختار اللون الأخضر ، لكن موتته اسوء من صاحبه .. بعد سقوطه بحفرة مجاري تبدو كمستنقعٍ أخضر ! ولم يستطع الخروج بسبب المواد اللزجة التي قتلته بعد انكتام انفاسه ! 

^^^


اما الذي اختار اللون الأبيض ، فلم يعلم بأن المقصود هو السلاح الأبيض ! حيث صُدم بالخناجر تُرمى عليه من فتحات جدران الغرفة الصغيرة ، لتغرز في كل جزءٍ من جسمه ..الى ان اخترقت إحداها قلبه ، أراحته من عذابه اخيراً !

^^^


اما صاحب اللون الأسود : فكانت غرفته مظلمة لدرجة انه لم يسمع فيها ، سوى أنفاسٍ تلهث بشكلٍ مُتسارع ! ليتفاجأ بهجوم كلبيّن اسوديّن شرسيّن ، تم تجويعهما لأيام .. نهشا لحمه دون رحمة .. الى ان اختفت صرخاته بعد نصف ساعة من المقاومة المُوجعة !

***


اما الشاب الأخير الذي اختار اللون البنفسجيّ : فلحسن حظه لم يجد بالغرفة إلاّ  عرشٌ قديم ، يُشبه كراسي الملوك القدامى .. وما ان جلس عليه ، حتى سمع صوتاً من الميكروفون يقول :

- انت الفائز بالمسابقة !! فاللون الأرجواني هو المُفضّل للحكّام والملوك  

الشاب : وماذا ربحت ؟

- الفضيحة الإعلامية والقلق المزمن 

الشاب بقلق : ماذا تقصد ؟! 


فعُرض على التلفاز الكبير (على جدار الغرفة) مصير الشباب السبعة .. فصرخ الشاب مُرتجفاً :

- ايها المجرم !! لما قتلت اصدقائي ؟!


فقال الصوت : 

- كل هذه الفيديوهات نقلتها قبل قليل لموقع الشرطة ، وهي في طريقها اليك الآن .. فقد أخبرتهم بإسمك كاملاً ، وانك دبّرت مقتل اصدقائك كنوع من التسليّة ، ولغيرتك من ثروتهم التي تفوق ثروة والدك .. يمكنك تخيّل موقف عائلتك من فضيحتك المُخزيّة .. عدا عن محاولات اهالي المغدورين للإنتقام منك لاحقاً ، لذا لن يكون السجن آمناً لك 

الشاب مرتجفاً : سأنكر كل الجرائم ، فأنت لا تملك دليلاً ضدّي 

الصوت : انت الوحيد الذي غفوت ، فور اختيارك للون البنفسجيّ 

- هل دسست المخدّر في عصيري ؟ 

- نعم .. وقبل دخول زملائك لغرف التعذيب ، حملك رجالي لطبع بصماتك في كل غرفة .. وبذلك ورّطتك بجرائم قتلهم 


الشاب باكياً : لما فعلت ذلك ؟! فقط إخبرني السبب !!

- ربما لا تتذكّرني ، فقد كنت صديقكم في المرحلة المتوسطة .. كنت أصغركم بعد حصولي على منحةٍ دراسيّة بعمر العاشرة .. ولأني أفقركم ، فقد تنمّرتم عليّ بقسوة ..وفي حصة الرسم ، قام كل واحدٍ منكم برميّ أحد الواني من نافذة الفصل ! وعندما قدِمَ المعلّم ، أهانني امام الطلّاب : بأن مدرسته الفخمة لا تناسب اولاد الشوارع! 

- اذاً عاقب المعلّم ، وليس نحن !!

الصوت : كنت أنوي ذلك ، لكنه توفيّ قبل أن اصبح ثريّاً من بيع المخدرات بعد تركي المدرسة والتحاقي بعصابات الشوارع ، مما أمات امي قهراً من خسارتها لطفلها المميّز .. لعدم تحمّلي ضحكاتكم وتعليقاتكم الساخرة في ذلك النهار الكئيب .. ورغم محاولات امي إقناعي بتجاهلكم ، لكني بالنهاية تخلّيت عن تعليمي ، وانحرفت بسببكم .. وفي الحقيقة كنت نسيت أمركم ! قبل مشاهدتي لحفلكم الفخم الذي أسميتموه قوس قزح لدعم الشواذّ.. فتذكّرت حصة الرسم .. ودعوتكم الى هنا ، للإنتقام منكم .. فلولا تنمّركم ، لكنت طبيباً او عالماً .. لهذا استحقيتم العقاب !! ..آه ! هل سمعت ؟ صافرات الشرطة تقترب من المبنى .. عليّ الرحيل.. توقّع منذ اليوم ، مستقبلاً مرعباً وانت تحاول الهرب من انتقام اهالي اصدقائك ، ايها القاتل عديم الرحمة


واختفى الصوت مع كسر الشرطة للباب البنفسجيّ ، وهم يصرخون: 

- إرفع يديك الى فوق !! 


وتجمّد الشاب في مكانه بانتظار فضيحته الإعلاميّة المدويّة ، مع مستقبلٍ غامض يُنذر بنهايةٍ مرعبة !  


السبت، 24 فبراير 2024

بُرجا النجاة

تأليف : امل شانوحة 

 

القنبلة الدخانيّة


بعد حربٍ دامت سنتيّن ضدّ دولةٍ عظمى ، تفاجأوا سكّان العاصمة بإلقاء العدوّ لقنبلةٍ دخانيّة خانقة ، إمتصّت الإكسجين من أجواء المنطقة ، فأبادت مليون نسمة بغضون ساعاتٍ قليلة ! والأسوء أن الدخان لم يتبدّد ، بل ظلّ عالقاً على ارتفاع عشر طوابق .. مما جعل الطوابق العليا في البرجيّن المتقابليّن ، هم الأحياء الوحيدين في العاصمة التي انقطعت عنها وسائل التواصل الإجتماعي مع مدنها المجاورة ! 


واجتمع ما تبقى من سكّان البرجيّن للتخطيط لحياتهم في الشهور الصعبة القادمة ، لحين انحسار الدخان الأصفر السامّ المتراكم اسفل البرجيّن ، والذي قضى على كل مظاهر الحياة في المدينة !


ولأن البرجيّن يحويان فندقيّن سياحيّن بالطوابق العليا ، مليئتان بالمؤن الغذائيّة (قبل بدء العطلة الصيفيّة ، وتوافد السوّاح كعادتهم كل سنة) لم تكن هناك مشكلة طعام للأسابيع القادمة .. عدا أن البرج الأطول يتميّز عن الآخر : بوجود حديقة زراعيّة في سطحه ، بالإضافة للألواح الشمسيّة .. اما المياه : فكلا البرجيّن يملكان بئراً إرتوازيّ لم يلوّث بالقنبلة بسبب عمقه وسماكه جدرانه الاسمنتيّة ، والذي يكفيهما للعام القادم.. 


الفرق ان البرج الأعلى يحوي عيادة صغيرة : فيها عشرة انابيب الأكسجين ، تمّ تخصيصها لبوّاب البرج في حال تعطّلت مضخّات المياه ، مما يجبره على النزول للقبوّ الملوّث لإصلاحها لسكّان المبنى الذي يقودهم الثريّ العجوز بحكمةٍ وحزم ، مُلزماً بقيّة ملاّك الشقق العشرين من اطباء ومهندسين (سكّان العمارة الفخمة) على إطاعة اوامره ، تحت تهديد سلاح حارسه الوفيّ !

***


بعد شهرين من انفجار القنبلة .. بدأوا بسماع نداءات الإستغاثة من جيرانهم بالبرج المقابل الذين لوّحوا بالملاءات البيضاء ، ولافتات مكتوبٌ عليها:

((نفذ لدينا الغذاء ..رجاءً ساعدونا))


واجتمع سكّان البرج الأعلى ، لاقتراح طريقة لمساعدة جيرانهم .. لكن القائد العجوز رفض المخاطرة بمؤنتهم المحدودة .. وهدّد بالسلاح كل من يحاول مساعدتهم بالطرد من برجه ، وكأنه يملكه ! 

فلم يكن امامهم سوى مشاهدة معاناة الجيران وهم يصرخون ألماً وجوعاً ، حتى اضّطر أكثرهم للإنتحار قفزاً من المبنى ، بعد ايام من الجوع والعطش ! الى ان استيقظ سكّان البرج الكبير مساءً على فاجعة إحراق احد الجيران اليائسين لشقته ، مما أدّى لانتشار الحريق في كل شقق المبنى المجاور ! 


وبعد صراخٍ موجع لساعاتٍ طويلة ، عمّ الهدوء المخيف عقب إنخماد الحريق بالمبنى المُتفحّم .. وبذلك اصبح البرج الكبير هو الوحيد الصامد في العاصمة تحت قيادة الثريّ ، المتحكّم وحده بمصير الناجيّن المجبورين على طاعته !

***


في اليوم الثاني لفاجعة الحريق ، إجتمع الثريّ مع جيرانه الغاضبين .. حيث لامه أحد الشباب على مقتل سكّان البرج المقابل ، بعد منعه مدّ الحبال بين البرجيّن لنقل الطعام لهم ، قبل الحريق المُفتعل ! 


مما أغضب الثريّ الذي أمر حارسه بطرد الشاب المتمرّد من مبناه ، رغم توسّلات امه الخائفة على مصير ابنها الوحيد :

- سيدي ، اين سيذهب ؟ سيموت حتماً بالدخان السامّ

العجوز بلؤم : طالما لا تعجبه ادارتي ، فليخرج من برجي !!

فردّ الشاب بعصبية : هذه ليست عمارة والدك ، ايها العجوز الخرف!!

فرفع الحارس المسدس في وجهه .. لتسارع الأم بإمساك ابنها ، لتهدئته .. ليكمل الثريّ كلامه مع حارسه :

- اطرده حالاً !! وإن قاومك ، أطرد امه معه


فأخذ الشاب امه المنهارة لخارج قاعة الإجتماعات :

- لا تخافي امي ، الم تري الطيور التي حلّقت فوق المبنى هذا الصباح؟ 

الأم : هذا لا يعني إن الحياة عادت لطبيعتها ، فنحن نعلم إن ثقل الدخان منعه من الإرتفاع كثيراً وإلاّ لما كنا احياء للآن 

- وماذا عن الكلاب التي سمعناها تنبح البارحة بالشارع ؟

الأم باكية : وهذا غير مطمئن ، فهي تأكل الجثث المتراكمة ، بعد ان أصبحت مسعورة

- لا يا امي ، هذا يدلّ انها تتنفّس جيداً .. الم تلاحظي إن الدخان اصبح ابيضاً ؟

- مازال ملوّثاً

الشاب : سأجد طريقة للوصول للنجدة .. 

الأم مقاطعة : من اين ، يا بنيّ ؟ فالجميع ماتوا بالقنبلة النوويّة

ابنها : لم تكن نوويّة ، بل دخانيّة من النوع المحرّم دوليّاً  .. يعني اثرها محدود داخل العاصمة ، وحتماً سكّان المدن المجاورة مازالوا احياءً.. وربما لم يجرأوا على دخول مدينتنا ، خوفاً من العدوى او الموت اختناقاً ، ظناً بمقتلنا جميعاً ..لهذا سأحضر النجدة اليكم

الأم : لكن المسافة كبيرة !

- سأجد سيارة او درّاجة ناريّة مازالت تعمل بعد موت صاحبها .. لا تقلقي بشأني ، اعدك بالعودة لإنقاذك مع بقية الجيران

^^^


ثم نزل للطوابق السفلى التي أمر الثريّ سابقاً إغلاقها ببابٍ حديديّ ، والذي فتحه البوّاب وهو يقول :

- آسف لعدم نزولي معك ، لأني سأعطيك قناعي الأكسجين.. حاول المحافظة على الإنبوبة ، لحين خروجك من المنطقة الموبوءة.. (ثم تنهّد بضيق) ..لوّ كان الأمر بيدي ، لأعطيتك الأنابيب الثلاثة المتبقيّة ، فأنت بحاجة اليها اكثر منا جميعاً .. لكن العجوز الأخرق سيعاقبني إن عرف بإعطائك انبوبتي 

الشاب وهو يأخذ القناع منه : شكراً جزيلاً لك

البوّاب : بل الشكر لك ، فأنت تقوم بعملٍ بطوليّ.. رجاءً عدّ بالمساعدة ، فقد ضاق صدرنا من احتجازنا بالمبنى الكئيب تحت قيادة العجوز المتعجرف

- حتماً سأفعل ، فأمي معكم .

^^^


ثم ودّعه .. ونزل الأدراج سريعاً ، بعد لبسه قناع الأكسجين .. باتجاه الشارع لمدينة الأشباح بعد خلوّها من مظاهر الحياة ، دون عثوره على بقايا الجثث ! وكأن القنبلة حوّلتهم لتراب ، او إن الكلاب الضالة (التي ظهرت منذ ايام) أكلت رفاتهم .. 


وبدأ البحث بين السيارات المركونة في موقف البرج.. ليجد إحداها ببابٍ مفتوح والمفتاح بداخله ! يبدو ان صاحبها هرب ، بعد رؤيته سقوط الصاروخ من الطائرة العسكريّة قبل شهرين .. ومن حسن حظه انها مازالت تعمل ، والتي قادها بسرعتها القصوى لخارج العاصمة

***


مضى الأسبوع ثقيلاً على ام الشاب ، وهي تبكي حسرةً عليه .. الى ان نهضت من سريرها باتجاه الشرفة ، بعد سماع ابنها ينادي من مكبّر الصوت اسفل البرج : 

- يا اهالي البرج الكبير !! هناك حياة بالمدينة المجاورة التي أخبرت مسؤوليها عن نجاتكم من القنبلة .. لكنهم يريدون دليلاً على كونكم احياء ، قبل المجازفة بإرسال المساعدة اليكم.. لهذا سلّموني طائرة درون ، سأطيّرها باتجاهكم !! واريدكم جميعاً ان تخرجوا للشرفات ، للتلويح للطائرة لمعرفة عددكم .. وسأنقل الحدث مباشرةً على شاشات مسؤولي المنطقة المجاورة


فخرج اهالي الشقق العشرين للشرفات ، وهم يلوّحون ويقفزون امام الطائرة الصغيرة التي يتحكّم بها الشاب اسفل البرج.. 


وعندما وصلت للطابق الأخير الذي يسكنه الثريّ العجوز ، صوّرت الطائرة الّلافتة التي رفعها امامها ، والمكتوب فيها :

((لا تساعدونا.. فالقنبلة جعلتنا موبوئين بمرضٍ جلديّ مُعدي ، هو اسوء من الجذام .. فإن فعلتم ، سينتشر المرض بأرجاء البلاد .. دعونا نموت بهدوء))


وفوراً إنتشر الخبر بين اهالي المدينة المجاورة (الذين شاهدوا ما صوّرته الطائرة مباشرةً على نشرة اخبارهم) رافضين قدوم الناجين المرضى اليهم 


فأرسل حاكمهم افراد الشرطة لحماية مداخل مدينتهم ، مع الأمر بقتل كل من يقترب من العاصمة الموبوءة باتجاههم !

^^^


في هذا الوقت .. حاول الشاب إقناع جيرانه بالنزول للشارع دون اقنعة الأكسجين ، بعد انحسار الدخان السام .. قائلاً بالميكروفون :

- أنظروا إليّ !! انا اتنفّس جيداً دون اكسجين .. لقد انتهت مصيبتنا اخيراً.. هيا انزلوا ، فقد احضرت حافلة كبيرة لنقلنا للمدينة المجاورة.. ومن لا يجد مكاناً معنا .. يبحث عن سيارةٍ سليمة بالشارع ، كما فعلت سابقاً ..وسنمشي خلف بعضنا ، لحين خروجنا من العاصمة المدمّرة !! 


فنزلت امه اولاً ، ليلحقها بقيّة الجيران .. بينما بقيّ العجوز في شقته العلويّة وهو يراقبهم من منظاره.. قائلاً لحارسه بحنق :

- الأغبياء ، سيعدمون جميعاً

الحارس : ولما لم تتركهم يرحلون ؟!

- لأني احببت السلطة عليهم .. بالنهاية انا عجوز وعشت حياتي كاملة ، لهذا لا يهمني مصيرهم.. اساساً الخضراوات الموجودة بحديقة السطح ، بالكاد تكفيني

الحارس بقلق : وماذا عني ؟ 

- وتكفيك ايضاً

قائلاً في نفسه بلؤم : ((اساساً احتاج لكلبٍ وفيّ ، لخدمتي))


وتابع مراقبتهم وهم يركبون الحافلة ، فرحين بانتهاء الأزمة دون معرفتهم انهم متوجهين للإبادة الجماعيّة !


الأربعاء، 21 فبراير 2024

ابنة المافيا

تأليف : امل شانوحة 

زعامتي اولاً !


كتبت صبيّة في مذكّراتها :

((بعد وفاة امي بسن السابعة ، منعني والدي الخروج من القصر ..وعلّمني في المنزل على يد افضل المعلّمين الخصوصيين.. وعشت رفاهيةً مُطلقة من خدمٍ ومُربّين وألعاب وملابس فخمة ، مع ذلك شعرت بالمللّ بعد منعي التعرّف على الأصدقاء او الإبتعاد عن حديقة القصر ! وفي حال اردّت التنزّه قليلاً ، رافقني حارسه الشخصيّ الذي يتابعني كظلّه.. 


وفي يوم استطعت الذهاب بسيارتي وحدي بعد تضليل الحارس ، بعد توجّهي لأول مرة لمنطقةٍ شعبيّة فقيرة 


ولسوء حظي تعطّلت سيارتي هناك ! وعندما طلبت المساعدة من الأهالي ، تفاوتت نظراتهم بين الرعب المطلق والإشمئزاز..

وبعد قيام احدهم بإصلاح العطل ..وقبل ابتعادي عن المكان ، سمعت سيدة تقول :

- كان ينقصنا ابنة رئيس المافيا !


وأفزعني كلامها ! .. فبالرغم ان والدي منعني قراءة الصحف ..ووضع رقابة مشدّدة على تلفازي وحاسوبي وجوّالي كيّ لا اتابع الأخبار ، الا انني على علم بالمافيا الإيطاليّة المتخصّصة بأكبر جرائم البلد.. لكن ما دخل والدي بالأمر ؟!


وذات يوم ..إستغلّيت سفره ، لدخول مكتبه واستعمال حاسوبه الخاصّ (المُحرّم عليّ) ووضعت اسمه كاملاً ، لأجده المطلوب الأول في ايطاليا كأكبر تاجر مخدراتٍ في البلد !

مما صدمني للغاية ، فهو بالعادة يستقبل بعض السياسيين البارزين في قصره ، عدا عن مدراء الشرطة والجيش ! فهل هم متواطئين معه ، مقابل رشاوي ماليّة ؟!


كل هذا جعلني اشمئزّ من حياتي.. فمربّيتي الفاضلة علّمتني الأخلاق والقيم التي جعلتني أتخذ قراراً بمحاربة والدي ، من أجل الوطن وشعبه الطيّب 


وسنحت لي الفرصة بعد شجاري العنيف مع ابي ، عقب دفعه مبلغاً ضخماً للإفراج عني ، بعد قيام عصابة منافسة باختطافي ! حيث اخبرني انني كلّفته ما يقارب ثلاث شاحنات فواكه ! فانفجرت في وجهه : 

- تقصد مخدرات ، اليس كذلك يا زعيم المافيا ؟!!


لتعلو نظرات الذهول على وجهه ، بعد معرفتي الحقيقة ! لكني لم اكترث لتبريراته ، وطلبت العيش في منزل جدتي (والدة امي) .. فوافق مُرغماً لإبعادي عن منطقة الخطر ، دون علمه بسحب معظم اموالي من البنك ، لإفتتاح بها لاحقاً اول دارٍ لعلاج الإدمان في المنطقة الشعبية المُستهدفة من تجّار وموزّعين بضاعة والدي الفاسدة


لكن كرئيس مافيا محترف ، لم يُخفى عليه أمر مُطوّلاً .. وحاول إعادتي جبراً الى قصره بعد قيام افراد عصابته بحرق الدار ، دون إكتراثهم بالمرضى داخله ! مما زاد عداوتي لوالدي .. ولكيّ أتخلّص من سلطته ، وافقت على الزواج من المحقّق الذي تعرّفت عليه خلال شكوتي ضدّ ابي وعصابته القذرة .. وهو يعدّ اكثر الشرطة جرأةً في محاربة والدي منذ سنواتٍ طويلة ، والذي تلقيت منه مكالمه بيوم عرسي :

- ليتك متِ مع امك بحادث السير .. منذ اليوم سأعتبرك عدوّتي

فردّدت بعصبية : وانت عدوي حتى آخر نفسٍ لي !!


كانت هذه مكالمتنا الأخيرة قبل تمكّن زوجي من الإطاحة بزعامته ، بعد تقديمي المستندات التي صوّرتها من مكتبه (في بداية معرفتي بنوعيّة عمله) وكان فيها اسماء وعناوين كبار مورّدين المخدرات من داخل وخارج البلاد.. ليقوم زوجي بالقبض عليهم تباعاً ، مما ضعّضع قوّة والدي ..


وبعد شهور من المتابعة والمراقبة من افراد الشرطة بقيادة زوجي ، إستطاعوا اخيراً سجنه كعقاب عن اعماله الشريره لثلاثة عقود ، دمّر فيها العديد من الشباب واليافعين الإيطاليين والأجانب !


لكن فرحتنا لم تدمّ اكثر من يومين ، بعد ارشائه حارسيّ السجن اللذيّن هرباه لمكانٍ سرّي .. مما أفزعني ! فهو لا ضمير له ، وبإمكانه قتلي دون أن ترفّ عينه 


لكن يبدو إن قلبي حنّ له ، بعد إنجاب طفلي ..وأرسلت صورة حفيده الوحيد .. ليخبرني بلؤم : انه لا يشرّفه ابن المحقّق !

ليتني فهمت بأن كلامه كان تهديداً مُبطّناً .. لم اعرف ذلك إلاّ بعد إيجاد طفلي ميتاً في مهده ، بسبب الدخان السام الذي انبعث من لعبةٍ صوفيّة ، وصلتنا هدية من شخصٍ مجهول .. فعلمت ان ابي قتله ! 


ولم يكتفي بذلك ، بل قام رجاله بتفخيخ سيارة زوجي الذي لم أجد منه سوى قطعة لحمٍ مُتفحّمة لدفنها ، بعد انهيار عالمي بوفاته المُفجع ! لأبقى وحدي في مواجهة وحش الدولة الذي يهابه الجميع


وهآ انا انشر مذكّراتي بالإنترنت ، تحت عنوان : ابنة المافيا .. لأعلن براءتي من اعمال والدي الشريرة.. وفي حال انقطعت اخباري ، فاعلموا انه دبّر مقتلي بالخفاء))

***


في القصر .. مسح والدها دمعته سريعاً ، بعد قراءته مذكّراتها التي انتشرت في ارجاء ايطاليا..

ثم دخل حارسه وهو يقول :

- القاتل المأجور يخبرك باتمامه المهمّة .. ولن يعرف احد مكانها ، بعد تذويب جسمها بالأسيد

الأب وهو يكتم قهره : لا تريني وجهه القبيح !! فقط أعطه المكافأة الماليّة ، ودعه يرحل للجحيم 


وبعد ذهاب الحارس ، أخرج صورة ابنته وهي صغيرة من الدرج :

- كنت ملاكي الحارس ، فلما انقلبتِ على والدك ؟! من سيرث كل هذه الملايين بعد وفاتك ؟!


وهنا وصله اتصال : للإجتماع مع رؤساء العصابات من عدّة دول ، ضمن اجتماعٍ سرّي .. فردّ بحزم :

- انا قادمٌ حالاً ، ومعي خطط خبيثة لتهريب المخدرات لأكثر المطارات تشدّداً بالحراسة والتفتيش 


وبعد انهاء المكالمة .. رمى صورة ابنته بالدرج بعصبية ، وهو يقول:

- تخلّصي منك ومن عائلتك ، رفع مكانتي بين العصابات ، لظنهم بأني عديم الرحمة ! ليتهم يعرفون حجم الألم في قلبي الذي إن تفاقم عن قدرة تحمّلي ، سأنتحر بمسدسي الذهبيّ..الى ذلك الحين ، سأظل شامخاً كأقوى رئيس للمافيا الإيطاليّة .. فالدنيا علّمتني أن الزعامة تأتي اولاً !!


الاثنين، 19 فبراير 2024

المعركة الناريّة

تأليف: امل شانوحة 

 

معاهدة السلام


في بلدةٍ اوروبيّة ، بزمن العصور الوسطى ..أصدر الحاكم قراراً بالتجنيد الإجباريّ لكل مراهق بلغ ١٥ سنة ، وللرجال دون سن ٧٠ لخوض حربٍ مصيريّة مع عدوٍّ أراد تدمير قلعتهم !

***


وفي اليوم المحدّد ، إجتمع الجيشان في سهلٍ يبعد امتاراً عن القلعة المنيعة

وبدأت المعركة مع قرع طبول الحرب .. ورغم إتقان رجال القلعة لخطط المعارك الذكيّة ، وبراعتهم باستخدام السهام والرماح والسيوف ، الى انهم تفاجأوا بقوّة فريق العدوّ الذي فاقهم طولاً وصلابة .. عدا عن لياقتهم البدنيّة الخارقة التي ساهمت في إبادة نصف جيش القلعة ، خلال ساعاتٍ قليلة ! 


وقد لاحظ الحاكم الذي راقب المعركة بمنظاره من سطح قلعته ، أن فريقه يُهزم ! فنفخ بالبوق ، لإعلان فترة هدنة بعد اقتراب الشمس على المغيب .. بشرط إكمال المعركة غداً صباحاً ، لحين دفن الموتى وعلاج المصابين من جيشه الذي تكبّد خسائر ضعف جيش العدوّ !

^^^


واثناء إستراحة الجيشين ، إنتشرت الإشاعات بين جنود القلعة وهم يتداولون العجائب التي حصلت خلال المعركة الغامضة ! 

قائلاً احد الجنود ، وهو يستذكر بخوفٍ واضح :

- أحلف ان الجندي الذي كنت احاربه ، حلّق فوق رأسي حرفيّاً ! بعد قفزه مترين للأعلى ، ورمحي مغروز في بطنه

جندي آخر : وانا رأيت شعاعاً ناريّاً يخرج من يد احدهم ، بعد إسقاطي سلاحه على الأرض !

- وانا لمحت اسنان احدهم من خلف قناعه الحديديّ ، تبدو كالمنشار كأنه تمساح بشريّ !

- وانا شاهدت عينيّ أحدهم عن قرب ، بعد تعاركنا بالعصيّ .. وهي تشبه القطط !

- جنودهم ليسوا مخيفين بقدر قائدهم الذي يراقبنا من خيمته .. فهو إن هجم بقناعه المخيف وحصانه الأبيض ، يقتل خمسة منا بضربة سيفٍ واحدة !

الجنود برعب : هذا صحيح !

^^^


وسرعان ما وصلت مخاوفهم لأسماع حاكم القلعة ، حيث أخبره قائد الجيش بقلق :

- سنخسر إن ظنّ جيشنا انه يحارب الجن والعفاريت !

فتنهّد الحاكم بضيق : 

- ليسوا جنّاً ، بل شياطين

القائد بصدمة : ماذا !

- أتذكر ساحرنا العجوز الذي طردته قبل شهر ، بعد فشل نبوءته بزواجي من حسناء العاصمة التي تزوجت أميراً آخر ؟ 

- نعم ، مابه ؟

الحاكم : هدّدني بإحضار جيشٍ من الشياطين لمحاربتي .. وظننته يُبالغ ! الى أن وصلتني رسالة فيها موعد المعركة الحاسمة ، بتوقيعٍ من إبليس نفسه !

- هل أوصل العجوز الخرف شكواه لإبليس ؟!

- يبدو ذلك ! وإبليس يريد أسيرنا العربيّ بأيّة طريقة !

القائد : أتقصد مرسال الخليفة الأندلسيّ الذي أمرنا بدفع الجزّية او محاربتنا؟!

- نعم ، وانا حبسته في سجن القلعة منذ خمسة شهور

- اذاً سلّمه لإبليس ، ودعنا نُنهي معركة قبل إبادة جميع رجالنا

الحاكم : لا ، هناك سرّ وراء إصرار إبليس على أخذ أسيرنا ! سأنزل للقبوّ لمعرفة السبب

^^^


وذهب الحاكم بنفسه للسجن الإنفرادي الرطب اسفل قلعته ، ليجد العربيّ يذكر الله بخشوع ! فأخبره بما حصل.. فأجابه بهدوء :

- الشياطين تخشى سماع القرآن ، لأنها تحرقهم

الحاكم باهتمام : وماهو القرآن ؟

- كتاب الرسول محمد عليه السلام

وأخبره قليلاً عن الإسلام..


الحاكم : أتقصد ان بتلاوتك لبعض الكلمات ، تحرق جيش إبليس العتيد ؟!

العربي : ليست كلمات عادية ، بل هي كلام ربّ العالمين 

- لن اجادلك بهذا الموضوع .. لكني أعدك في حال أنقذتني من جيشهم الهمجيّ ، أُعيدك الى بلدتك سالماً 

- إذاً أحتاج حصاناً وبوقاً خشبيّ ، ليسمع تلاوتي أكبر عددٍ من الشياطين

الحاكم : لك ذلك !!

***


وفي الصباح التالي .. تراجع جيش القلعة للوراء ، بأمرٍ من حاكمهم! 

فظنّ إبليس (الذي يراقب من خيمته ، خلف جيشه) انه على وشك النصر ! لكن سرعان ما شاهد رجلاً بملابس عربيّة يركب حصاناً ، وهو يتكلّم من البوق !


وماهي إلاّ لحظات ، حتى شاهد جيشه يتقهّقر رعباً باتجاهه ! بعد احتراق جلدهم خلف دروعهم الحديديّة .. حتى إن بعضهم تبخّر كالدخان ، رغم إغلاق آذانهم بخوفٍ شديد !

فتمّتم إبليس بضيق : هذا ما كنت أخشاه !


ودخل خيمته .. ليخرج وهو يحمل الراية البيضاء التي لوّح بها ، مُعلناً خسارته .. وسط دهشة الطرفين ! ليعلو معها هتاف جيش القلعة ، بعد انتصاره الغير متوقع على الشياطين التي فرّ أكثرها لباطن الأرض !

^^^


بعدها اجتمع الحاكم مع إبليس وسط ساحة المعركة ، لكتابة معاهدة سلام بعدم اقترابه من القلعة ثانيةً .. ثم اختفى إبليس مع حرسه .. لتبدأ احتفالات اهالي القلعة بعودة رجالهم منتصرين من معركتهم الخطيرة

***


في باطن الأرض ، سأله المشعوذ العجوز بغيظ :

- لما استسلمت بهذه السهولة ؟! كان بإمكاننا المقاومة ، حتى آخر رجلٍ فينا

إبليس معاتباً : فينا !! أتظن نفسك من نسلي ، ايها البشريّ النجس؟!!

المشعوذ بارتباك : لا اقصد ذلك ، لكن استسلامك المُبكّر أهان كرامتنا امامهم !

- لا يا غبي !! انا فقط انتظر خبراً من الجن الغوّاص عن ابتعاد سفينة العربيّ باتجاه الأندلس ، لأعيد غزوّ القلعة بطريقةٍ أخرى


العجوز باهتمام : كيف ؟!

- انت بتعويذاتك وأعمالك الشيطانيّة ..وانا بإرسال ابنائي بصورةٍ مخفيّة ، للوسّوسة لأولادهم ونسائهم للإنقلاب على رجالهم بالعصيان وعدم طاعة اوامرهم .. ثم نغزوهم من جديد ، ليتفاجأوا بأنهم محاصرين من جيشنا من جهة ، ومن اهاليهم الذين سينقلبون عليهم باللحظة المناسبة .. بعدها نحتلّ قلعتهم التي يوجد اسفلها كنزٌ ذهبيّ سينفعنا بإغراء كبار الحكّام والقادة حول العالم

المشعوذ : ظننت انك ارسلت جيشك لدعمي ؟!

- انا لا ادعم احداً من ذريّة آدم !! لكن بعد شكوتك ضدّ الحاكم ، ارسلت خبيراً للقلعة .. وأخبرني عن وجود كنزٍ ثمين اسفلها.. فأصبحت مهتماً بإبادة شعبها عن بكرة ابيهم ، هل فهمت الآن ؟

- وماذا عن معاهدة السلام بينك وبين الحاكم ؟

إبليس : ومنذ متى ألتزم بوعودي ؟ 

وابتسم مع المشعوذ بمكرٍ وخبث !


السبت، 17 فبراير 2024

الوهم الورديّ

فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

حبيبتي المميزة !


اثناء مرور سائق اجرة بجانب الأسواق الشعبيّة ، رأى امرأة حامل تصرخ بألمٍ شديد كأنها تلدّ وسط السوق ، دون إقتراب احدٍ لمساعدتها ! فتطوّع لأخذها للمستشفى

^^^


في الطريق ..اعطاها جوّاله للإتصال بزوجها ، فاكتفت بالقول :

- سيقتلني إن عرف مكاني

وأكملت صراخها ، بعد ان اربكه كلامها !

^^^


في المستشفى .. طلبت منه الممرّضة الدخول لغرفة الولادة ، للبقاء مع زوجته ..فأخبرها أنه ليس زوجها .. فردّت الممرّضة :

- ومع ذلك تصرّ على وجودك معها


فدخل شفقةً عليها ، وأمسك يدها الى ان ولدت.. 

^^^


وعندما اراد تسجيل تكاليف الولادة على ضمانه الخاص .. أخبرته المسؤولة بطلب الأم ، تسميّة طفلها على اسمه !


فعاد الى غرفتها ، ليسألها عن السبب ؟

فأجابت : ليس لديّ احد ألجأ اليه ، رجاءً إكمل معروفك معي

***


ومع رفضها إخباره عن طليقها التي وصفته بالوحش ! اضّطر لأخذها الى منزله ، حيث يسكن مع امه التي سألته جانباً وهي تعاتبه:

- ماهذه المصيبة التي أحضرتها الينا ؟!

فأخبرها بما حصل..

الأم العجوز : سيظن الناس انه طفلك .. عليها الذهاب من هنا

الإبن : لا استطيع طردها وهي بهذه الحالة !

العجوز بعصبية : اذاً سأطردها انا !!

^^^


ودخلت غاضبة الى الغرفة .. لتخرج بعد قليل ، وهي تقول لإبنها :

- لنتركها شهر حتى تتحسّن صحتها

الإبن بدهشة : يبدو انك غيّرتي رأيك !

العجوز : وجهها بشوش ومريح ، وطفلها جميل.. تبدو امرأة مظلومة ! سنكسب الثواب بالإهتمام بها

- جزاك الله خيراً يا امي .. دعيها بغرفتي ، وانا سأنام بالصالة

***


بعد يومين .. وعند عودته من عمله مساءً ، قال لها :

- سارة ! يبدو وجهك افضل الآن ، بعد ان كان شاحباً بالولادة !

- هذا بسبب طعام امك الصحيّ وإحساسي بالأمان معكما ، انا مدينة لكما بحياتي

- الن تخبريني المزيد عن زوجك ؟

سارة بضيق : تقصد طليقي .. رجاءً لا اريد تذكّره

- حسناً لن اضغط عليك

***


بمرور الأيام .. لاحظت العجوز بأن الطفل نادراً ما يبكي ، وهو سهلٌ إطعامه وتنويمه ! وكأن الله عوّض الأم عن عذابها مع طليقها ، بطفلٍ هنيّ .. عدا عن تحسّن صحة سارة سريعاً ، والتي أصرّت على مساعدتها بأعمال المنزل ، اثناء غياب الشاب طوال النهار ، مُتنقلاً بسيارة الأجرة .. حيث يعود ، ليجد سارة طبخت ألذّ الطعام ونظّفت المنزل بأكمله ! مما اسعد امه التي كانت عاجزة ماديّاً عن إحضار خادمة تساعدها بالأعمال الشاقة .. لذلك لم تعد تفتح موضوع خروج سارة من منزلها ، خاصة بعد تعلّقها بالصغير الذي صار يناغي ويبتسم رغم صغر سنه !

***


وفي يوم ، رأتها العجوز وهي تصنع الطعام لطفلها.. فسألتها باستغراب : 

- طعام وهو لم يتمّ شهره الأول ؟!

سارة : فطمته البارحة بعد ظهور سنيّه الأماميتيّن 

العجوز بدهشة : مستحيل ! مازال باكراً على التسنين

- نحن بالعائلة نكبر بسرعة

- هذا شيء لم اعهده طوال حياتي ! على كلٍ ، سأذهب لكويّ الملابس

سارة : دعي الكويّ عليّ ، يا خالة

- اذاً سأطبخ الغداء

^^^


لم تمرّ ساعة ، حتى قدمت سارة للمطبخ لمساعدتها ..

العجوز باستغراب : هل أنهيتي الكويّ بهذه السرعة ؟!

سارة : انا شغلي مُتقن وسريع 

- وهذا من حسن حظي

***


وفي اليوم التالي .. إستيقظت العجوز من قيلولة الظهر ، لتجد سارة فرشت السجّاد بعد ترتيبها المنزل ..

- هل أنتهيتي بهذه السرعة ؟! فأنا نمت لربع ساعة فقط

سارة : بل ساعتيّن يا خالة

فنظرت العجوز لساعة الحائط ، بدهشة :

- بالعادة لا انام كل هذا الوقت في منتصف اليوم ! ليتك أيقظتني لمساعدتك بمدّ السجّاد ، فأنت مازلت نفساء

سارة : لا ، اصبحت بخير

- هل مرّ ٤٠ يوماً ؟!

- في قبيلتنا نتعب لأسبوعٍ فقط ، هو نوع من الوراثة

العجوز : امرك غريب ! فإبنك بدأ يحبو ، وطال شعره .. ونادراً ما يبكي ، حتى انه بدأ بتناول الطعام المهروس وهو لم يتمّ شهره الأول!

- لدينا موروثات قويّة

- الن تخبريني اكثر عن اهلك وقبيلتك ؟

سارة بضيق : اخبرتكم انني يتيمة ومطلّقة .. رجاءً لا احب الحديث عن الماضي ، فهو يؤلم قلبي

- كما تشائين يا بنتي

***


وفي يوم ، أصرّ الشاب على معرفة احوال طليقها .. فردّت سارة باختصار:

- زوّجوني إيّاه غصباً عني ، وكان سيئاً معي ..وهربت منه قبل معرفته بحملي

الشاب باستغراب : عندما وجدتك بالسوق ، كنت تلدين ..فكيف لم يلاحظ حملك ؟!

- هو لديه زوجتيّن أخرتيّن ، ونادراً ما يزورني.. وكنت أتهرّب منه بكل الطرق .. مع لبسي الكثير من الملابس ، كيّ لا ينتبه على انتفاخ بطني .. وحينما قاربت ولادتي ، إفتعلت مشكلة كبيرة لأجبره على تطليقي .. وبعدها هربت من منزله ، دون ان يراني احد

الشاب : قصتك غريبة ، لكنها حتماً مؤلمة .. لهذا لن اسألك اكثر عن حياتك السابقة

سارة : وهذا كل ما اريده

***


وذات يوم ، عادت العجوز من السوق غاضبة .. وأخبرت ابنها بأن الناس تتحدّث سوءاً عنه : بعد إحضاره عشيقته ، وإبنه الغير شرعيّ الى بيت امه!

ابنها : لا تهتمي بكلامهم

- نحن نعيش معهم ، ولا يمكننا تجاهلهم .. لذا عليك الزواج بها

ابنها بصدمة : أحقاً لا تمانعين بزواج ابنك الأعزب من مطلّقة لديها ولد ؟!

امه : وماذا نفعل ؟ فكل من خطبتهنّ لك ، رفضنّ عيشي معك.. وسارة تعيش معنا وتساعدني بأعمال المنزل ، وتعوّدنا عليها وعلى ابنها الذي بدأ يمشي بشهره السابع!

- هو فعلاً ينمو بسرعة ! حسناً لنسألها اولاً

وهنا دخلت عليهما ، وهي تقول بخجل :

- موافقة !!

العجوز بدهشة : الم تكوني تجلين قبل قليل ؟!

سارة : نعم ، وسمعتكما وانتما..

الشاب مقاطعاً : لكن يفصلنا عن المطبخ ممرٌّ طويل ، هل انت وطواط ؟!

العجوز معاتبة : ابني !! عيب هذا الكلام

سارة : كنت مارّة من هنا صدفة ، و..

العجوز : ومتى تريدين العرس ؟

سارة : لا داعي لذلك .. تكفي حفلة بسيطة تعزمون فيها اقاربكم ، فأنا ليس لديّ احد

***


وبالفعل تزوجا .. ودخل غرفتها ليجدها بقمّة الجمال ، بعد تنويم ابنها بغرفة امه

وما ان اقترب منها ، حتى شعر بنعاسٍ مفاجىء !

^^^


في الصباح التالي ، إستيقظ ليجدها تمشّط شعرها .. فسألها بارتباك :

- ماذا حصل البارحة ؟

سارة : كانت ليلةً رائعة ، الا تذكر ؟!

- اذكر انني نمت فجأة !

- ربما أثقلت بالعشاء ، او بسبب تعبك وتوتّرك

الشاب : يعني تزوجنا فعلاً ؟!

- بالتأكيد حبيبي .. هيا لنفطر مع امك

فقال بنفسه باستغراب : ((غريب ! لا اذكر شيئاً))

^^^


وتكرّر الأمر عدّة ليالي ، فسأل امه عن السبب ؟

العجوز : لا تقلق بنيّ .. والدك ايضاً كان ينام بسرعة ، يبدو انه موروث عائلي

ابنها : لكني لا اذكر انني لمستها !

***


ولم يمضي شهر العسل ، حتى اخبرتهما العروس بحملها

الشاب بصدمة : ماذا ! .. كيف ؟!

العجوز معاتبة : ابني ! كيف تسأل هذا السؤال ؟!

ابنها : اخبرتك امي انني لا اتذكّر انني لمستها

سارة بضيق : كلامك يحزنني ، هل تشكّ بي ؟! اساساً لا اخرج من المنزل إلاّ نادراً ، وبرفقة امك

زوجها بارتباك : لم اقصد ذلك !

فسارعت امه باحتضانها ، وهي تبارك لها حملها الجديد .. وذهبتا للمطبخ لصنع الكيك للإحتفال بالمناسبة ، تاركتان العريس في حيرةٍ من امره !

***


وبمرور الأيام .. لاحظت الحماة كبر بطن كنّتها بسرعة ! فهي لم تتمّ شهرها السابع حتى ولدت حفيداً جميلاً ، مما فاجأ الزوج الذي رغب بأخذها وطفله للمستشفى ..لكن امه طمأنته انهما بخير وبصحةٍ جيدة

سارة : أخبرتكما سابقاً عن موروث قبليتنا الذي يجعلنا ننمو اسرع من غيرنا

زوجها : صار لديّ فضول لزيارة قبيلتكم

فردّت بابتسامة : يوماً ما حبيبي

***


وكما حصل مع ابنها الأول ، حصل مع الثاني الذي تزايد نموه خلال شهورٍ قليلة حتى انه اتقن المشيّ بشهره السابع ! 

الإختلاف بينهما : انه اكثر مشاغبة من ابنها الأول الذي كان يجلس ساعاتٍ طويلة في غرفته على جوال امه (رغم صغره) وهو يتحدّث بلغةٍ غريبة ! وعندما سأل زوجته عن الموضوع ، أخبرته ان ابنها يحفظ بعض كلمات الرسوم المتحرّكة الأجنبية التي يحبها !

- ولما ابني مشاغبٌ اكثر منه ؟

سارة : لأنه نصف نصف

زوجها بقلق : ماذا يعني كلامك ؟

سارة : يعني نصف عفريت

الزوج بخوف : ماذا !

فأسرعت امه بالقول : هي تقصد انه مشاغب كالعفاريت ، تماماً كما كنت بصغرك

فتنهّد الزوج بارتياح : آه ! الآن فهمت

***


عندما كبر الولدان ، أصرّت زوجته بعدم إخراج ابنها البكر من المنزل ! 

وفي احد الأيام ، بعد ذهابها مع امه بزيارةٍ عائليّة.. إستغلّ غيابها لأخذ الولديّن للسوق ، لشراء الحلوى لهما .. فإذّ برجلٍ ضخم يوقفه بالشارع ، وهو يشير لإبن زوجته :

- هذا يخصّني !!

الشاب بصدمة : ماذا قلت ؟!

الرجل : الا ترى الشبه بيننا ؟ فرجالي تتبّعوا طليقتي ، بعد تصويرهم ابني

وهنا ارتفع صوت شجارٍ بالسوق .. وما ان ادار الرجل الضخم ظهره لرؤية ما حصل ، حتى سارع الأب بوضع الولديّن في سيارته الأجرة ..والعودة لمنزله ، ليجد زوجته عادت دون امه.. 


فأخبرها بما حصل ، فجنّ جنونها :

- الم اخبرك ان لا تخرج ابني من البيت دون علمي ؟!!

فأشار بإصبعه الى رجليّها ، وهو يرتجف :

- انت تطيرين !

وكاد يُغمى عليه ، لكنها أنكرت بارتباك :

- هل جننت ؟ قدمايّ على الأرض ، انت تتوهّم

- لا انا متأكد ممّا رأيته !! إخبريني الحقيقة .. لما كبر الولدان بسرعة ؟ ولما صحتك جيدة ، ولم تمرضي يوماً ؟ وكيف تنجزين اعمال المنزل بوقتٍ قياسيّ ؟ وماهي اللغة الغريبة التي يتعلّمها ابنك؟

سارة : حسناً اهدأ .. سأخبرك بكل شيء


ثم تنهّدت مُطولاً ، قبل ان تقول : 

- انا جنيّة ..أُجبرت على الزواج من شيطان ، لكني هربت قبل ولادة ابنه.. وفي عالمنا نتمتّع بصحةٍ كبيرة ، ووقتنا يختلف عن وقتكم.. وسبب بقائي في منزلك ، لأني اصدرت شعاعاً من عينيّ لإرغامك انت وامك على محبتي والتعلّق بي ، للموافقة على العيش معكما.. اما زواجنا فتمّ فعلاً ، لكنك لا تذكره لأن طاقة الجن اقوى من البشر .. لهذا الجنّيات هُنّ من يتزوّجنّ الإنس وليس العكس ، لذلك تنام كلما اقتربت مني.. والآن بما ان طليقي اللعين رآك ، فسيعرف عنوان منزلك .. وعليّ الهرب بسرعة مع الولديّن..

مقاطعاً بعصبية : لن تأخذي ابني معك !!

سارة : اذاً تعال معنا لعالم الجن

- هل جننت ؟!! لن اعيش في باطن الأرض

فتنهّدت بضيق : كنت متوقعة انك ستتعبني


ونادت ولديّها الّلذين امسكا يديها ، بعد تحوّل الثلاثة لأشكالهما الحقيقية : هي كجنيّة ، وإبنها نصفه شيطان وجني ، وابنه نصف جني وبشري .. ثم اختفوا فجأة ! مما أفقده الوعيّ

***


وهذه قصتي التي اخبرتها للعديد من الأطباء النفسيين ، دون أن يصدّقني احد ..حتى امي اضّطرت لوضعي بالمصحّة النفسيّة ! .. فهل تصدّقونني انتم ؟!


التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...