الأحد، 26 يناير 2020

جيل المستقبل

تأليف : امل شانوحة

المختارون 

في ذلك الصباح , تأخر جون عن المحاضرة .. واثناء دخوله مُسرعاً الى الجامعة , إصطدم بطالبٍ متفوق مما أوقع بطاقته الجامعية التي كان يُريها لحارس البوّابة 
فانتبه جون بأن بطاقة الطالب ذهبيّة , بعكس بطاقته الزرقاء ! رغم انهما يدرسان معاً في السنة الأخيرة لهندسة الكمبيوتر..

كما لاحظ إرتباك الطالب الذي أسرع بإخفاء بطاقته ! ..فلحقه جون ليسأله:
- عفواً , هل غيروا بطاقتنا الجامعية ؟
الطالب بتلعثم : لا ابداً , كانت تلك بطاقة النادي الرياضي 
جون : لكن عليها شعار الجامعة !
- دعنا نستعجل قبل بدء المحاضرة 
وأسرعا الى القاعة , دون ان يجيبه على سؤاله !
***

في ليلة رأس السنة .. ارتفعت أصوات الأغاني في السكن الطلّابي , إحتفالاً بنهاية العام .. مما ضايق جون ورفاقه الذين ارادوا الدراسة لامتحانٍ مهم بعد العطلة الرسمية .. 
ولأن جون لم يستطع التركيز مع هذه الضجّة , خرج من المهجع باتجاه الجامعة , ليتفاجأ بأنها مفتوحة ! 
فاتصل على اصدقائه الثلاثة , مُقترحاً عليهم الدراسة في إحدى قاعاتها 
***

بعد تجمّعهم هناك , قام جون بإلهاء الحارس بعمل اصواتٍ في موقف السيارات , جعلته يبتعد عن البوّابة .. مما مكّنهم من التسللّ الى الحرم الجامعي .. ثم الصعود للطابق الأخير , حيث وجدوا إحدى غرفها مفتوحة .. فأقفلوا الباب عليهم من الداخل , وبدأوا الدراسة بهدوء  
***

بعد مرور الوقت .. نظرت جاكلين الى ساعتها :
- درسنا لساعتين متواصلتين , الا تريدون العودة للمهجع ؟
صديقتها : معها حق , فنهاية العام بعد ساعة .. دعونا نحتفل مع اصدقائنا
جون : عودوا ان اردتم , فأنا اريد إنهاء الفصل الأخير من الكتاب
صديقه وهو يمسك جواله : اللعنة !!
جون : مابك ؟
الصديق : اريد تصوير صفحة من الكتاب , لكن كاميرتي لا تعمل 
جون : أعطني جوالك .. سأصلحه هذه الليلة , فأنا خبير بهذه الأمور
صديقه : تفضّل !! .. (ثم قال للفتاتين) .. سأحاول إنهاء المسألة الرياضية سريعاً , لأعود معكما  
ففتحت جاكلين باب الغرفة وهي تقول : 
- سأذهب للحمام اولاً , لا تذهبوا من دوني 
صديقتها : وجدته مغلقاً قبل قليل , إبحثي في الطوابق السفلية  
***

بعد خروج جاكلين من حمام الطابق الثالث , ضغطت على زرّ المصعد للعودة الى اصدقائها في الطابق الرابع والأخير .. الا ان المصعد نزل مباشرةً الى الطابق السفليّ للجامعة !
وحين خرجت من المصعد , رأت ضوءاً قادماً من مسرح الجامعة  
فاقتربت من بوّابته العملاقة , لتسمع محاضرة في الداخل !

فاسترقت النظر من شقّ الباب المفتوح , لترى مدير الجامعة يُلقي كلمة على عددٍ من الطلاّب , برفقة استاذين .. جميعهم لبسوا أقنعة بلاستيكية تُخفي وجوههم ! ورغم ذلك تمكّنت جاكلين من تميز صوت المدير الجهوريّ ..

وقبل عودتها الى فوق لإخبار اصدقائها عن المحاضرة السرّية , إستوقفتها كلمات المدير وهو يقول لهم :
- انتم طلاّبنا المميزون الذي إخترناهم بعنايةٍ فائقة : فمنكم المبدعين وأوائل الدفعات , وابناء الذوات والأغنياء , وأبرع شبابنا الرياضيين .. كما اخترت بنفسي المشاغبين الطمّاعين الذين لا يمانعوا في بيع مبادئهم الأخلاقية لأجل مركزٍ مرموق او مال .. ولهذا ميّزناكم بالبطاقات الذهبية .. فأنتم جيل مستقبلنا الواعد !! 
وصفقوا جميعاً ..

فقالت جاكلين في نفسها : ((آه ! البطاقة الذهبية التي أخبرني عنها جون .. اذاً أعطوها للطلاّب المميزين .. لكن لما مدح الطلاّب السيئين الذين تخلّوا عن مبادئهم ؟! فالأمر يُخالف تعاليم الجامعة ! .. ولما يخفون وجوههم بهذه الأقنعة المرعبة ؟! ..عليّ تنبيه اصدقائي للخروج من هنا فوراً , فحدسي يشعرني بمصيبةٍ قادمة))

لكن عادت واستوقفتها كلمات المدير وهو يقول لهم : 
- جميعكم ستتوظفون بأرقى الوظائف الحكومية فور تخرّجكم من هنا .. اما بقية الطلاّب , فعليهم تدبير امورهم بوظائف روتينية لا تأثّر على قرارات الدولة .. ولكيّ تضمنوا مراكزكم المستقبلية , عليكم تنفيذ اوامر جمعيتنا بالحرف الواحد دون مناقشة او اعتراض .. فبتضامننا معاً نبني مجتمعاً يخدم مصالح جمعيتنا السرّية !!
فصرخ جميع الطلاب المقنّعون بصوتٍ واحد : 
- تحيا جمعية المتنورين !! 

فقالت جاكلين في نفسها برعب : ((يا الهي ! الماسون يجنّدون الطلاّب منذ الآن , لهذا اختار المدير الطمّاعين الفاسدين .. اذاً لا قيمة لشهاداتنا المزوّرة , فالنتائج حُسمت سابقاً !.. اولاً لأخرج اصدقائي من هنا , من بعدها أقنعهم بتغير جامعتنا المُسيّسة))

وهنا رأت الأستاذ يقترب من المدير ليعطيه الجوال وهو يقول :
- سيدي , الحارس يريد إخبارك بأمرٍ مهم

فأسرعت جاكلين نحو المصعد .. ورغم انها ضغطت الزرّ عدة مرات , الا انه تأخّر كثيراً في النزول ! 
وقبل صعودها الأدراج , وصل اليها .. فدخلته وضغطت على زرّ الطابق الأخير .. 
لكن قبل تحرّكه بلحظات , أوقفه طالبٌ بيده .. والذي وقف بجانبها وهو ينظر اليها بنظراتٍ حادّة ! 

وقبل صعود المصعد , عاد وأوقفه طالبٌ أخر .. وهكذا الى ان أصبح عددهم اربعة شباب (من ذويّ العضلات المفتولة) أحاطوا بجاكلين في الوسط , وهي ترتجف من نظراتهم الغاضبة اتجاهها! 

فقالت في نفسها  :((هل ازالوا اقنعتهم للحاق بي , بعد ان أخبرهم الحارس بتسلّلنا للجامعة ؟! .. وهل سيسمحون بخروجنا من هنا سالمين ؟)) 

وهنا اسرعت بالضغط على الزرّ الأرضيّ .. فسألها الشاب :
- الم تكوني صاعدة الى فوق ؟
جاكلين بتلعثم : اريد الخروج من الجامعة 
الشاب الآخر : ولما اتيت الى هنا بهذا الوقت المتأخر ؟
جاكلين : ظننت ان صديقي هنا , لكن يبدو انه عاد الى السكن الجامعي
(قالت ذلك لإعطاء الوقت لأصدقائها للهرب من الجامعة)
***

فور خروجها من المصعد , تفاجأت بجميع الطلاّب مجتمعين في ساحة الجامعة (بعد خروجهم من المسرح) .. وقد استشعرت غضبهم خلف أقنعتهم المرعبة !
وهنا سمعت الشاب (الذي كان معها بالمصعد) يقول لهم :
- أمسكوا الدخيلة !!

وما ان قال ذلك , حتى ركضت جاكلين بأسرع ما يمكنها باتجاه بوّابة الجامعة .. لكنها شعرت بشيءٍ بارد يمرّر على خلفيّة رأسها .. وبعدها أحسّت بشيءٍ دافيء يسيل بين خصلات شعرها , مع شعورها بالألم .. فعلمت إن الشاب جرحها بشيءٍ حادّ .. وقبل ان تستوعب ما حصل ! رأت المدير يأمرهم من بعيد :
- لا تجعلوها تخرج من هنا حيّة !! أقضوا عليها وعلى اصدقائها الثلاثة 
فأخرج كل طالبٍ سكينة من جيبه , وبدأوا بملاحقتها ..

فأسرعت جاكلين بتسلّق شجرة ضخمة في وسط الجامعة ..
ومن فوق : شاهدت اصدقائها وهم يحاولون مقاومة المقنّعين بكل قوتهم وهم يصرخون بألم (بعد ان أطلعهم الحارس عن مكانهم في الطابق الأخير من خلال كاميرات المراقبة) ليقوم الجميع بضربهم بالعصيّ والسكاكين بوحشية في ساحة الجامعة !
الى ان قضوا على صديقيها .. اما جون , فقد شاهدت الحارس يرميه في صندوق السيارة .. وكان هذا آخر ما شاهدته جاكلين , قبل تمكّن طالبٌ ضخم من إنزالها من الشجرة بالقوة , وضربها حتى الموت !
***

في صندوق السيارة .. سمع جون (الذي كان يحتضر من جروحه الخطيرة) صوت المدير وهو يسأل الحارس :
- هل تأكّدت من موته , قبل دفنه مع اصدقائه بالغابة ؟
صوت الحارس : نعم سيدي , لكن ماذا سنخبر الأهالي عن اختفائهم المفاجىء ؟ 
فسكت المدير قليلاً , قبل ان يقول : 
- أتدري .. الأفضل ان تترك مهمة الدفن لطلّابنا الرياضيين .. وانت إسرع بحذف ما سجّلته كاميرات المراقبة لهذه الليلة .. وان سألتك الشرطة لاحقاً عما حصل , تُخبرهم بأن الجامعة كانت مغلقة ليلة رأس السنة .. كما اريدك ان تتصل بخادمينا المخلصين لمسح الدماء من الساحة , واخبرهم انني سأضاعف مكافأتهم لعملهم في يوم عطلتهم .. 

صوت الحارس : وماذا نفعل ان وجدت الشرطة جثثهم في الغابة؟ 
صوت المدير : الى ان يجدوهم , يكونوا تحلّلوا بالكامل واختفت معهم آثار الجريمة .... ولا اريد تذكيرك بضرورة تحطيم جوالاتهم التي أخذناها منهم.. 

وهنا سمع جون صوت استاذه الجامعي يقترب من المدير ويقول :
- لا داعي لكل هذا القلق .. فرئيس الشرطة من طلاّبك القدامى , ولن يفضح سرّية جمعيتنا
صوت المدير : آه صحيح , نسيت امره .. اذاً اتصل فيه واخبره عن المتسلّلين الأربعة , ليساعدنا بإخفاء الجريمة
صوت الأستاذ : كما تشاء سيدي

وهنا تذكّر جون بأن جوال صديقه مازال معه (بعد ان سرقوا جواله) ... فأخرجه من بنطاله , اثناء سير السيارة نحو الغابة لدفنه .. لكنه لم يتصل بالشرطة (بعد علمه بتورّط رئيسهم مع الجمعية السرّية) .. بل ارسل ملخّصاً عمّا حصل له ولأصدقائه الى ايميل أهم صحيفة بالبلد , وأطلعهم فيها على إسم المدير والأستاذين المتورّطين بالأمر .. 
بعدها لفظ جون انفاسه الأخيرة لفقده الكثير من دمائه !
***

بعد ساعة .. إتصل رئيس الصحيفة بمدير الجامعة ليخبره عن رسالة جون , وهو يقول :
- جيد انني مرّرت بمكتبي قبل ذهابي لحفلة رأس السنة , والاّ لكان الإيميل أحدث ضجّةً عارمة لوّ قرأه أحد الموظفين بعد انتهاء العطلة 
مدير الجامعة : أشكرك لأنك حذفته
- بالطبع سأفعل !! فأنا من تلاميذك الأوفياء , ولولا جمعيتك السرّية لما حصلت على هذه الوظيفة الراقية .. لكن أتمنى ان لا تنسى مكافأتي 
- مكافأتك محفوظة ايها الطمّاع
- شكراً سيدي ..

وبعد إغلاقه الهاتف , قال له سكرتيره (المنتسب ايضاً للجمعية) : 
- لما استعجلت بحذف رسالة الضحية ؟ كنت استغلّيتها للحصول على المزيد من المال , فرؤساء الجمعية من اثرياء البلد
رئيس الصحيفة : يا غبي !! هؤلاء لا يمكن التلاعب معهم .. فإما ان تنفّذ اوامرهم بكل تفانيٍ واخلاص , او يرسلوك الى جهنم بأسوء طرق التعذيب الشيطانية .. فهم المتحكّمون بالحكومات والدول ..ونحن لسنا سوى أحجار شطرنج ! 

الاثنين، 20 يناير 2020

القرية المهجورة

تأليف : امل شانوحة


فيلمٌ سينمائي بلا نهاية !

في عصر ذلك اليوم .. وصل الشباب الستة الى القرية المهجورة , بناءً على اقتراح المخرج لتصوير نهاية فيلمٍ حربي لمشروعهم التخرّجي في المعهد السينمائيّ

وحين وصلوا الى هناك , تفاجأوا بأعداد المنازل المغطاة بالأعشاب البرّية على طول الجبل التي زادها كآبة ورعباً  

ثم تفرّقوا الى ثلاث مجموعات للبحث عن المنزل المثالي لتصوير مشهدهم الأخير .. 
لكن رائحة العفن المزعجة منعتهم من التجوّل في المنازل التي كانت فارغة من الداخل , فيما عدا بعض البيوت التي احتوت على مفروشاتٍ قديمة صدئة  

ومع ذلك أملوا في إيجاد منزلٍ صالح للمبيت فيه هذا المساء , لبدء التصوير مع فجر يوم التالي ..

وبعد ان أوشكت الشمس على المغيب , قال جيم لصديقه المخرج :
- الأفضل يا مايكل ان ننام في السيارة , بدل ان نُصاب بمرضٍ جلدي او نوبات ربو بسبب الرطوبة العفنة
اريك : وانا اوافقه الرأي 
وهنا سمعوا صوت صديقتهم تناديهم من بعيد :
- أخيراً وجدناه !!
فانطلقوا باتجاهها ..

وكان منزلاً في وسط القرية , لكن لم يُصبه العفن والرطوبة وكأنه بُنيّ حديثاً !..والأغرب انهم وجدوا في غرفته الوحيدة : ستة سرائر (كل سريرين فوق بعض)  ..فقاموا بمسح الغبار عنهم , واستلقى كل واحدٍ منهم في سريره .. 

فقال آدم ممازحاً وبصوتٍ عالي : 
- شكراً ايتها الجن لترتيبكم مكان نومنا !!
جسيكا معاتبة : لا تمزح بهذه الأمور
آدم : ستة سرائر على حسب عددنا , الا تجدين الأمر مريباً ؟
جسيكا : ربما عاش هنا في الماضي ستة اشخاص 
آدم : دون مطبخٍ او حمام ! 

جاك : لقد قمت ببحثٍ شامل عن هذه القرية قبل قدومنا .. واكتشفت انها منازل لعمّال المنجم الموجود في أعلى الجبل .. لكن بعد قرار الحكومة بإغلاقه , هاجر سكّانها الى القرى المجاورة .. لهذا اعتقد إنهم استخدموها للنوم فقط 
آدم : لا أتخيل نفسي اعيش هنا , واضّطر للخروج كل مرة في الجوّ البارد لقضاء حاجتي !
المخرج : الفقر يُرغم الإنسان على فعل المستحيل .. والآن حاولوا ان تناموا , لأن غداً لدينا عملٌ كثير

جيم : لكني جائع
اريك : وانا ايضاً
جسيكا : وانا اريد دخول الحمام
آدم : كنت لمحت نهراً قريباً من هنا .. إن اردّت اذهب معك , وآخذ المصباح معي .. ولا تقلقي , سأبتعد عنك الى ان تناديني للعودة سوياً الى هنا
فتنهدت جسيكا بضيق : مضّطرة لقبول عرضك .. هيا بنا 

وبعد خروجهما من المنزل .. سأل جيم اصدقائه :
- من معه حقيبة الطعام ؟
فأخذوا يبحثون في حقائبهم , ليتفاجأوا بأنهم نسوها في السيارة المتوقفة اسفل الجبل..
جيم بضيق : اللعنة !! السيارة بعيدة جداً عن هنا 
جاك بقلق : والمشي بين الأعشاب الضارة خطيرٌ ايضاً , لأنها رطبة في المساء وتسبّب الإنزلاق , ولا مستشفيات قريبة من هنا .. من الأفضل الإنتظار حتى الصباح

جيم : لكني أتضوّر جوعاً
اريك : اذاً سأرافقك الى هناك , هيا بنا 
جاك : إنتبها جيداً , وكونا حريصين من الدببة والثعابين
جيم معاتباً : جاك ! الا يكفي اننا نمشي بين المنازل المهجورة في المساء , أتريد ان تخيفنا ايضاً من الحيوانات المفترسة !!
المخرج : دعكما منه .. إذهبا ولا تتأخرا كثيراً .. رافقتكما السلامة
*** 

وبعد ذهابهما , سأل جاك المخرج :
- مايكل .. الم يكن أفضل لوّ اقترضنا المال لبناء بيتٍ خشبي صغير , نفجّره بآخر المشهد وينتهى الأمر ؟
المخرج : ألأجل مشهدٍ لا يتعدى الخمس دقائق تريدني ان استلف مالاً مع فوائد من البنوك ؟
- ليتك سألتني سابقاً , لأني اعرف شخصاً يبنى نماذجاً لبيوت صغيرة تظهر بالكاميرا وكأنها بيوتاً حقيقية
- لا وقت الآن لإقتراحاتٍ جديدة .. وطالما أتينا الى هنا , سنصوّر المشهد الختامي غداً ونعود فوراً الى بيوتنا 
جاك : ذكّرني به مجدداً ؟

المخرج : تودع جسيكا زوجها آدم لذهابه الى الحرب العالمية .. وحين يلتفت خلفه , يتفاجأ بصاروخ يسقط على كوخه ويفجّره تماماً ..ثم نصوّره وهو يبكي قرب الحطام , حزناً على زوجته ..وبهذا ينتهي فيلمنا القصير
- ومن اين سنحضر الصاروخ ؟
- نقتطعه من أيّ فيلمٍ وثائقي .. ثم نفجّر المنزل بالديناميت التي أحضرناها معنا .. والآن حاول ان تنام 
جاك : لا سأنتظر الطعام

وفجأة ! سمعا صرخة جسيكا من الخارج .. 
المخرج بقلق : ماذا حصل لها ؟!
جاك : هل يُعقل ان آدم حاول التحرّش ..
المخرج مقاطعاً : لا طبعاً !! فهو مغرمٌ بها ولن يؤذيها .. أخاف ان يكون هاجمهما حيواناً برّيّاً
جاك بقلق : اذاً دعنا نساعدهما , سأحضر مصباحي

وقبل خروجهما من المنزل .. عاد آدم برفقة جسيكا بوجهها الشاحب وثيابها المبللّة , وهي ترتجف من البرد والخوف ..
المخرج بفزع : ماذا حصل لك ؟! 
جسيكا بتلعثمٍ وخوف : هناك شيء حاول إغراقي في النهر ! 
جاك : ربما كان تمساحٌ صغير او راكون او ..
آدم : لا , لم اجد أيّ حيوان قربها ! 
جسيكا بعصبية : لم يكن حيواناً !! فقد شعرت بأصابعه تشدّني بقوة من قميصي .. وأحلف ان اظافره غُرزت في ظهري ..حتى انظروا !!
ورفعت قميصها , ليظهر خدوش اظافر على طول ظهرها !

جاك : هذا مخيف ! أمعقول ان دباً كان يسبح في النهر لحظة ..
آدم مقاطعاً : المصباح كان معي .. وبحثت حولنا جيداً , ولم ارى شيئاً  
المخرج : المهم , الحمد لله على سلامتك .. الأفضل ان تطهّري جروحك  
جسيكا : هل الحقيبة الطبيبة معك ؟
جاك : نعم معي 
آدم ساخراً : أأحضرت الإسعافات الأولية ونسيت حقيبة الطعام في السيارة؟

جاك بعصبية : ليس لأنني شخصٌ رياضيّ عليّ حمل جميع الحقائب , فمعدّات التصوير ثقيلة ايضاً 
المخرج : لا داعي للشجار , فجيم واريك سيحضران الطعام بعد قليل 
آدم بقلق : أخاف ان يعودا الى المدينة ويتركونا , فهما عارضا الرحلة منذ البداية !
المخرج : لا لن يخدعونا , اهدأوا قليلاً
***

مرّت ساعة أخرى , دون أثرٍ لجيم واريك ! 
في هذه الأثناء .. كانت جسيكا تأنّ بألم اثناء نومها ! 
المخرج : ما بها ؟!
فلمس آدم جبينها : يا الهي ! حرارتها مرتفعة  
جاك بقلق : ربما تجرثم جرحها  
فرفع آدم قميصها , ليرى بأن خدوشها إزدادت تورّماً ! 

آدم : أظنها بحاجة الى دواءٍ ما .. سآخذها فوراً الى المستشفى
جاك بعصبية : وهل ستذهب بسيارتنا الوحيدة وتتركنا جميعاً هنا ؟
آدم : لا تقلق , سأعود فجراً لآخذكم الى ..
المخرج مقاطعاً : لا !! نحن لن نستطيع تصوير المشهد الأخير دونكما , فأنتما البطلين .. 
جاك : كلامه صحيح .. فذهابكما قبل المشهد الختامي سيضيّع مجهودنا في المشاهد العشرين التي صوّرناها بالمدينة , ولن نتمكّن من تسليم مشروعنا في الوقت المناسب 

آدم : في جميع الأحوال لن تستطيع جسيكا التمثيل وهي مريضة هكذا
المخرج : ربما تخفّ حرارتها في الصباح 
جاك : اساساً من الصعب عليك حملها اثناء نزولك من الجبل في الظلام
المخرج : الأفضل الإنتظار الى الغد يا آدم , وبعدها نخرج جميعنا من هذا الجحيم .. الآن ضعّ الكمّادات الباردة على جبينها , لربما تتحسّن صحتها 
***

بعد قليل.. سمعوا طرقاً قوياً على الباب , وجيم يصرخ من الخارج:
- إفتحوا بسرعة !!
وحين فتحوا له , وجدوه ينزف من جسده ووجهه !
المخرج بفزع : ماذا حصل لك ؟! واين اريك ؟
جيم بفزع وهو يبكي : بسرعة !! انهم يلدغوه بوحشيّة 
جاك : من تقصد ؟!

جيم وهو يحاول التقاط انفاسه : 
- اثناء نزولنا الجبل , هجمت علينا الخفافيش من كل مكان ! فأسرعنا باتجاه السيارة .. وما ان دخلناها , حتى اختفت جميع الوطاويط اللعينة !!  
المخرج : ثم ماذا ؟!
جيم : جلست في المقاعد الخلفية للبحث عن حقيبة الطعام , لكني تفاجأت بإريك يضع حزام الأمان ويدير محرّك السيارة 
آدم : هل قادها نحو المدينة ؟ 

جيم : لا ..فمجرّد تشغيله لتدفئة السيارة , تسلّلت نحلتين من فتحات المكيف .. فأصبت بالهلع , وفتحت الباب عائداً الى هنا .. وظننت اريك خلفي ! لكني سمعت صراخه من داخل السيارة بعد هجوم سرب نحلٍ عليه , دخل من الباب الذي تركته مفتوحاً ..ارجوكم ساعدوه !!
المخرج : لا يمكننا فعل شيء , فالنحل باستطاعته خنقك بعد تجمّعه داخل حنجرتك .. وليس معنا مبيدات لرشّها ومحاربتها ! 

جيم غاضباً : وهل سنتركه يموت ؟!!
المخرج : تذكّر جيداً يا جيم !! .. حينما خرجت من السيارة , هل كان معك مصباح ؟ 
جيم : لا طبعاً 
المخرج : وهل كانت السيارة مضاءة من الداخل ؟
جيم : لا ايضاً 
المخرج : اذاً يبدو ان عقلك أوهمك بأنه مازال في السيارة .. لكني أرجّح انه تمكّن من الهرب , وربما يركض الآن باتجاه المدينة
جيم : أتمنى ذلك ! 

آدم : ماهذه الليلة المخيفة ؟! حيوانٌ مجهول يهجم على جسيكا محاولاً إغراقها , ثم خفافيش ونحلٌ عدواني .. ماذا بقيّ ايضاً ؟
جاك : ان نموت جوعاً 
المخرج : لن نموت ان نمنا ليلتنا دون طعام .. والآن لنُطفئ مصابيحنا , فغداً يومٌ طويل
جيم بدهشة : أمازلت مصمّماً على تصوير الفيلم بعد الذي جرى ؟!
المخرج بغضب : وهل تريد ان يذهب تعبنا سدى ؟ سنُنهي فيلمنا اللعين الذي بسببه سنتخرّج من المعهد بشهادة تفوّق .. والآن كلاً الى سريره , هذا أمر !! 

فنظر جيم من النافذة باتجاه الوادي المظلم , وهو يتمّتم بقلق : 
- أتمنى ان تكون بخير يا اريك 
*** 

في الصباح .. تنّهدوا جميعاً بارتياح فور رؤيتهم لجسيكا تمشّط شعرها بنشاط , بعد زوال حرارتها.. 

ثم خرجوا , ليجدوا المخرج يلغّم المنزل بالديناميت !
جسيكا معاتبة : أكنت تلغّمه ونحن نيام بالداخل ؟!
المخرج : أكيد لن أفجّره قبل استيقاظكم , لكني اريد انهاء المهمة بأسرع وقتٍ ممكن .. فأنا لم أنم جيداً البارحة بسبب الكوابيس المزعجة 
جيم بحزن : وانا رأيت اريك في الحلم يلومني لعدم مساعدتي له ! 
جاك : وانا أصبت بجاثومٍ لعين

آدم : اما انا ..فشاهدت فتاةً جميلة تلبس فستاناً اسود , وهي تطالبني بالرحيل عن قريتهم التي أرتني إيّاها قديماً وهي تضجّ بالعمّال النشيطين , قبل اغلاق المنجم  
المخرج : لا وقت الآن للمنامات .. دعونا ننهي تصوير المشهد سريعاً 
جاك : ولما تفجّر البيت الوحيد القابل للسكن بين كل المنازل الرطبة ؟ 
المخرج : وهل ستعيش البطلة في بيتٍ عفن يا ذكي ؟ .. نريد ان يكون فيلمنا القصير واقعياً بالنسبة للمشاهد .. والآن لنبدأ التصوير , جهزوا الكاميرات .. 

ثم اقترب من جسيكا ليسألها :
- هل صحتك بخير لتمثيل المشهد ؟
جسيكا : مازال ظهري يؤلمني قليلاً , لكن حرارتي انخفضت .. فهيا دعنا ننهي التصوير , للعودة الى بيوتنا بخيرٍ وسلامة 
المخرج : اذاً اريدك ان تُظهري مشاعر الحزن العميق , اثناء توديعك لزوجك الذاهب الى الحرب .. ولنحاول تصويرها بلقطةٍ واحدة
جسيكا : سأحاول .. 

المخرج : جيد .. والآن ادخلي الى المنزل للبس فستانك الطويل .. وانت يا آدم !! إسرع بلبس ثياب الجندي .. هل احضرت البندقية القديمة معك ؟
آدم : نعم , لا تقلق

وبعد تحضير عدّة التصوير .. بدأ آدم وجسيكا بتمثيل مشهد الفراق المؤثّر  
***

بعد انتهاء المشهد .. طلب المخرج من الجميع الإبتعاد عن البيت لتفجيره بعد الرقم ثلاثة .. 
وبدأ يعدّها ببطء وهو يمسك جهاز التحكّم , قائلاً للجميع :
- سنبدأ التفجير .. 3 – 2 ..
وهنا صرخ آدم : توقف !!

ففزع الجميع ! بينما اسرع آدم الى داخل البيت , ليخرج بعد قليل حاملاً هريرة سوداء صغيرة ..قائلاً لهم :
- لمحتها فجأة تمشي داخل المنزل 
المخرج غاضباً : اللعنة عليك يا آدم !! كاد قلبي يتوقف من الخوف .. ظننت اننا نسينا شيئاً مهماً في البيت 
آدم : آسف ان أفزعتكم , لكني خفت عليها  

جسيكا وهي تربت على الهريرة : انها صغيرة جداً , اين امها يا ترى ؟
آدم : آه صحيح , لابد انها بالداخل ايضاً .. سأبحث عنها
لكن المخرج أوقفه قائلاً : لن انتظر اكثر .. ابتعدوا جميعاً
آدم : لحظة ارجوك !
وأكمل المخرج قائلاً :
- سأبدأ التفجير .. 3 – 2 – 1

وفجّر المنزل الذي تطاير ركامه في كل مكان .. ثم أسرع بسؤال جاك :
- هل صوّرت الحدث ؟
- نعم نعم , لا تقلق 
المخرج : ممتاز , لنعدّ الآن الى السيارة .. ولا تنسوا المعدّات التي سنعيدها الى مستودع المعهد فور عودتنا
*** 

وقبل نزولهم لأسفل الجبل .. طلب جيم منهم الإنتظار , لحين قضاء حاجته في الغابة .. 

بعد قليل .. سمعوا صراخه من بعيد .. 
فأسرعوا نحوه , الا انهم تجمّدوا في اماكنهم حين شاهدوا دباً كبيراً يمزّق جسده ! 
فكانت ردّة فعلهم : ان رموا جميع حقائبهم على الأرض , وركضوا بأسرع ما يمكنهم باتجاه السيارة .. 

حين وصلوا اليها .. تفاجأوا بجثة اريك متورّمة ومنتفخة في المقعد الأمامي , بعد ان علق حزامه الأمان ! 
لكن لم يكن هناك وقتاً للحزن , خوفاً من هجوم دببة اخرى عليهم ..
فطلب المخرج من جاك إخراج جثة اريك من السيارة .. لكنه رفض تركه هناك , وأسرع بوضعه في صندوق السيارة .. 

بهذه الأثناء .. حاول المخرج ادارة المحرّك , لكن وجده معطّلاً .. فتطوّع جاك لإصلاحه.. 
وكان سبب عطله : هو وجود نحلٌ ميت محشوراً بين اسلاك المحرّك .. فنظّفه جاك على عجل , وهو يتلفّت حوله بقلق .. 
وما ان سمعوا صوت المحرّك يدور من جديد , حتى تنفّس الجميع الصعداء 

لكن قبل صعود جاك الى السيارة , تفاجأوا بسقوط شجرةٍ طويلة فوق رأسه هشّمته تماماً ! 
فصُعق الجميع بموت صديقٍ آخر من المجموعة !

فقالت جسيكا باكية : ارجوك يا مايكل أخرجنا من هذه القرية المسكونة , قبل ان نموت جميعاً !! 
بهذه اللحظات .. فقد المخرج اعصابه بسبب مواء الهريرة الحادّ المتتابع , فصرخ في وجه آدم :
- إرمي القطة خارج السيارة حالاً !!
آدم : لا تفرغ غضبك على القطة الصغيرة , فبسببك أتينا الى هذا المكان المرعب
جسيكا : هذا صحيح !! وهآقد مات اصحابنا دون فائدة , بعد ان تركنا معدّات التصوير فوق الجبل

المخرج : لا لم يذهب تعبنا سدى , فشريط المشهد النهائي في جيبي .. اما المعدّات , فسندفع لأحد القروين لإحضار حقائبنا بعد خروجنا من هنا .. والآن إرمي القطة اللعينة من سيارتي , قبل ان أخنقها بيديّ هاتين !!  

وإذّ بالقطة تقفز من يديّ آدم , لتهجم على وجه المخرج محاولةً فقأ عينيه بأظافرها !
فخرج من السيارة فزعاً , وهو يحاول بصعوبة إزالة القطة عن وجهه .. وأسرعت جسيكا باتجاه المخرج لمساعدته .. بينما تجمّد آدم داخل السيارة بعد ان أفزعه قوة الهريرة الغير طبيعيّ !

وفجأة ! هجمت الغربان على جسيكا والمخرج اللذان حاولا الرجوع الى السيارة .. لكن آدم لم يستطع فتح أيٍّ من الأبواب الأربعة لهما , كأنها أُقفلت بإحكام من الخارج ! ليشاهد صديقه وحبيبته يقتلان امام عينيه , بعد ان نقرت الغربان رؤسهما وفقئت عيناهما وقلعت لسانهما , ليقعا على الأرض جثتين هامدتين , قرب جثة جاك المُنسحقة اسفل الشجرة !
ثم عمّ الصمت المرعب ارجاء الغابة المرعبة..

فحاول آدم بجسده المرتجف الجلوس في المقعد الأمامي لقيادة السيارة , لكنه تفاجىء بتحوّل الغربان والخفافيش والنحل والدب , وحتى الشجرة الطويلة (التي استقامت ثانية) الى اشباه بشر بقرونٍ وارجل حيوانات .. فعلم آدم إنه محاطٌ بقبيلة من الجن !

وهنا قفزت الهريرة السوداء على مقدمة السيارة , لتتحوّل بدورها الى فتاةٍ جميلة بفستانها الأسود ..
فقال آدم وهو يشير اليها برعب (من داخل السيارة) : 
- لقد رأيتك بمنام الأمس !
الصبية : نعم وطلبت منك الخروج انت واصدقائك من قريتي , لكنك لم تنصحهم ب..
آدم مقاطعاً بعصبية : وكنّا على وشك الرحيل , فلما قتلتم اصدقائي؟!!

الصبية : نحن في البداية خطّطنا لتحطيم معدّاتكم التصويرية , خوفاً من ان يجلب فيلمكم المزيد من السوّاح والمتطفلين ومحبّي المغامرات الغريبة الى قريتنا .. لكن والدي قرّر قتل جميع الشهود 

وهنا قال الأب (الذي كان سابقاً على هيئة دبّ) : 
- وانا مازلت مصّراً على رأيّ , لهذا ستموت انت ايضاً
الصبية : ابي رجاءً , هو أنقذ حياتي .. ولولاه لكان المخرج الغبي فجّرني داخل منزلي 
امها (التي كانت سابقاً على هيئة شجرة) : ابنتي , نحن تعبنا كثيراً حتى استطعنا السيطرة على عقل رئيس البلدية لإغلاق المنجم وطرد العمّال من هنا .. وهذا الشاب سيفسد كل شيء ان تركناه حياً  

الصبية : الا يكفي ان نكسّر كاميراتهم التي تركوها بأعلى الجبل , ونحطّم الشريط الذي بحوذة المخرج .. حينها لن يصّدق أحد قصته الخيالية
اخوها (الذي كان سابقاً وطواط) : ان خرج من هنا حياً , ستستجوبه الشرطة لاكتشاف مصير أصدقائه , تحت ضغط الأهالي لمعرفة الحقيقة .. وحينها تضجّ قريتنا بالمحققين وافراد عائلاتهم 
الصبية : انا أفهم المشكلة جيداً , لكن الا يوجد حلٌ آخر ؟

وهنا قالت اختها الصغيرة (التي كانت سابقاً ملكة النحل) :  
- لا احد يُصدّق كلام المجانين
الصبية بارتياح : أحسنت اختي !!
آدم بقلق : ماذا قصدت ؟!
الصبية : امامك خيارين يا آدم : اما ان تموت كأصدقائك , او تفقد عقلك
آدم مرتجفاً : اريد فقط العودة لحياتي الطبيعية
الأب الجني : لا احد يعود لحياته السابقة بعد مقابلتنا .. ايها الطبيب !! ازلّ عقله فوراً
فصرخ آدم بخوف : لا !! لا تدخلوا السيارة

لكن طيف طبيب الجن (الذي كان سابقاً غراب) إقتحم السيارة , ومعه ادواته الجراحية..
بهذا الوقت قالت له الصبية (الجالسة على مقدمة السيارة) : 
- لا تخف يا آدم , ستكون عملية بسيطة

وما ان وضع الطبيب يده الشفّافة على رأس آدم , حتى أغمي عليه .. ليستيقظ مساءً وهو مستلقي على المقاعد الخلفية للسيارة , وبجانبه اجزاء من دماغه ! 

وحين رفع جسمه بصعوبة لاستراق النظر من واجهة السيارة , رأى قبيلة الجن وهي ترقص حول النار بحفلة شواء لجثث اصدقائه ! 

فاستغلّ انشغالهم , ليتسلّل من السيارة ..
ثم هام على وجهه دون ان يدرك وجهته , حيث كان نظره وتفكيره مشوشين للغاية !
***

بعد سنوات , في مستشفى المجانين..
أخبر الجرّاح تلاميذه (الأطباء المتخرّجين حديثاً) عن قصة آدم المحتجزّ لديهم بقسم المرضى الميؤوس منهم .. قائلاً لهم :  
- وهذه حكاية أغرب مجنون لدينا , الذي الى اليوم مازال يصرّ على قصة قرية الجن , دون تذكّره لأيّ شيءٍ آخر !

أحد التلاميذ : وكيف وصل الى هنا ؟
- وجدوه الناس يهلّوس في الشارع , وهو ينزف من رأسه .. وحين قامت مستشفى الطوارئ بعمل اشعة لرأسه : وجدوا بأنه أُزيل معظم دماغه , ما عدا جزءاً بسيطاً من ذاكرته .. لهذا نسيّ اسمه واسماء اصدقائه المزعومين , وعنوان منزله .. فأحضروه الى هنا 

ثم أسرع الطلّاب للنظر من نافذة المريض آدم , بعد سماعهم لمواء صادراً من الداخل .. فوجدوه يُكلّم نفسه وكأنه قطة !

فقال لهم الطبيب :
- آه نسيت ان اخبركم .. هو يدّعي ان القطة السوداء التي أنقذها من التفجير تزوره يومياً للإطمئنان عليه , وهي علّمته لغة القطط
- أتقصد الصبية الجنية ؟.. هل هي معه الآن ؟
الطبيب : وهل صدّقتم قصته الخيالية ؟ .. (ثم نظر الى ساعته) .. لقد انتهت حصة الدراسة , إذهبوا الى بيوتكم 
***

بعد خروج الطلّاب من مستشفى المجانين , قال أحدهم لأصدقائه :
- من يريد الذهاب معي الى القرية المهجورة بالعطلة الأسبوعية لاكتشاف الحقيقة ؟
طالب آخر منبهاً : أتريد ان تصبح مجنوناً مثل ذاك الشاب المسكين؟
- اساساً انا لم أصدّق تلك الخرافات .. ولكيّ أثبت ذلك , سآخذ معي طائرة (درون) لتصوير القرية من الأعلى .. وفي حال وجدنا منزلاً مُفجّراً كما ادعى المريض , سنبيت ليلتنا هناك لتصوير قبيلة الجن في المساء .. فمن لديه الجرأة للذهاب معي ؟!!
- انا احب مغامرات الجن والأشباح
- وانا ايضاً 

فعاد ونبهم ذات الطالب : لا تذهبوا , ستؤذون انفسكم
- إذاً إبقي انت مع عائلتك ايها الجبان , ونحن الثلاثة سنصعد الى فوق بعد يومين .. 
الطالبين الآخرين بحماس : إتفقنا !! 
***

داخل غرفة آدم (في مستشفى المجانين) كانت القطة السوداء (التي لا يراها احداً سواه) تنظر من نافذته للشارع بقلق :
آدم : الى ماذا تنظرين ؟
القطة بغضب : هناك ثلاثة تلاميذ اغبياء يخطّطون لاستكشاف قريتي , وكلّه بسبب لسانك الطويل !!
آدم بعصبية : الا يكفي انكم إقتطعتم معظم اجزاء عقلي ؟!! 
- صحيح .. كان خطأ طبيبنا الغبي الذي ازال كل شيء , ماعدا ذكرى الحادثة التي طلبنا منه حذفها من دماغك .. لهذا طرده ابي من عمله .. المهم الآن !! عليّ الإسراع الى اهلي لوضع خطة للقضاء عليهم
آدم بخوف : لا ! لا تقتلوهم ايضاً
القطة : آسفة يا آدم , لكن ولائي لبنيّ جنسي اولاً .. ولا تحاول تنبيه الممرضات والأطباء , فلا أحد سيصدّقك .. اراك لاحقاً

ثم اختفت من غرفته .. ليُسرع آدم نحو الباب المقفل ويطرقه بكلتا يديه , صارخاً بفزعٍ شديد :
- إفتحوا الباب !! عليّ التكلّم مع الطبيب حالاً !! .. دكتور !! أنقذ طلاّبك من الموت !!.. هل يسمعني أحد ؟!! الشباب في خطر!!
***

في غرفة الإدراة , سأل الجرّاح سكرتيرته : 
- ماهذا الصراخ ؟!
السكرتيرة : انه المريض الذي لا مخّ له , يبدو انه يهلوس من جديد 
الطبيب : إذهبي واعطيه ابرة مهدئ  
*** 

وما ان فتحت الممرّضة الباب , حتى امسك آدم بيدها وهو يترجّاها:
- القطة السوداء ذهبت قبل قليل للتخطيط مع قومها الجن لقتل الطلاّب الأبرياء .. أنقذيهم بسرعة !!
فتنهّدت الممرّضة بضيق : أوف ! القطة السوداء من جديد

وقبل ان يُكمل كلامه .. غرزت بذراعه إبرة المنوّم , ليسقط على الأرض مغشياً عليه بلا حولٍ ولا قوة ! 

الخميس، 16 يناير 2020

الحب المرضي

كتابة : امل شانوحة



خطة النرجسي للإيقاع بضحيته

في حفلة الزفاف ... جلس مراد يراقب الصبايا المتواجدات في العرس بتركيزٍ شديد .. الى ان شاهد ضحيته المثالية بعد مراقبتها جيداً على مدى ساعتين دون ان تنتبه له .. وكانت فتاة خجولة لم تشارك بالرقص , بل فضّلت الجلوس بعيداً عن اضواء الكاميرات .. وهي آخر من توجهت للبوفيه , لوضع القليل من الطعام في صحنها .. كما أُعجبه اهتمامها بإبن اختها طوال الحفلة , وعدم غضبها من سيدة داست بالخطأ على حذائها ..

ففكّر مراد في نفسه : ((فتاةٌ هادئة , مراعية لمشاعر غيرها , لا تحب لفت الأنظار , غير واثقة من جمالها الملفت , ثيابها محتشمة , وحنونة على الأطفال , وتتحكّم جيداً بأعصابها .. اخيراً وجدّتُ الضحية المناسبة.. سأذهب لتعرّف عليها بشخصيتي الوهميّة))

وتقدّم نحوها لحظة إنشغال المعازيم بأخذ صورة مع العروسين قبل نهاية العرس , قائلاً لها بلطف :
- مرحباً , كيف حالك ؟
فأجابته بارتباك : بخير الحمد الله
- اسمي مروان , مهندس في الخليج
- اهلاً وسهلاً
- أأنت من اقارب العروس ؟
- لا انا صديقتها 
- ولما لا تتصورين معها ؟
- سأفعل بعد انتهائهم جميعاً  

مروان : أأتيت وحدك الى هنا ؟
- لا مع اختي الكبرى وابنها , فالعريس من اقارب زوجها
- إن كنت أضايقك بأسئلتي , يمكنني الذهاب 
- لا , لكن الأعراس تشعرني بالمللّ 
- يبدو انك عزباء ؟
فأومأت برأسها إيجاباً بخجل ..

فتنهّد مروان بضيق : اما انا فمطلّق , وابني مع امه في امريكا ..وحالياً اعيش وحدي في فيلتي الساحلية 
- آسفة لسماع ذلك
فقال في نفسه بحماس : ((تعاطفت مع قصتي المزيفة .. ممتاز!!))
وأكمل قائلاً وهو ينظر الى ثيابها :
- ثوبك رائع .. وهو الأجمل بين الحضور , لأنه محتشم .. 
- شكراً لك 

وهنا انتبه بأن اختها في طريقها اليهما , فأسرع قائلاً وهو ينظر الى ساعته:
- أوه ! لقد تأخّر الوقت , عليّ الذهاب .. سعدّتُ بالتعرّف عليك , آنسة..
- مروى 
بابتسامة : اسمٌ يليق بآنسةٍ جميلة  .. يبدو انه يوم حظي
وسلّم عليها بحنان , قبل خروجه من القاعة .. 

وبعد ذهابه , سألتها اختها باهتمام : 
- من ذلك الشاب الوسيم الذي كنت تكلّميه ؟
مروى : لا ادري ! هو بدأ الحديث معي , ثم ذهب
- وهل قال شيئاً غير لائق ؟
- لا ابداً , كان مهذباً للغاية 
- المهم .. إذهبي لتوديع العروس , لأوصلك الى البيت
***  

بعد اسبوع .. واثناء تسوّق مروى في السوبرماركت , تفاجأت بشخصٍ خلفها يقول :
- آنسة مروى .. يالها من صدفةٍ جميلة
فقالت بدهشة : المهندس مروان !
- جيد , مازلتي تذكرين اسمي
فسكتت بخجل ..

مروان : هل تتسوّقين عادةً من هنا ؟
- نعم , فهو قريب من جامعتي 
مروان : أتقصدين الجامعة التقنية ؟ 
- نعم , ادرس برمجة الحاسوب
- فتاةٌ جميلة وذكية ايضاً .. لا لم أقصد إرباكك , لكني أقول الحقيقة .. (ثم سألها ).. مروى , هل تقبلين عزيمتي على كوب قهوة ؟ 
- عليّ إيصال الأغراض الى امي
فقال بضيق : آه فهمت .. كما تشائين .. سلام

وتعمّد الذهاب بسرعة , ليُشعرها بالذنب لعدم إعطائه فرصة للتقرّب منها .. فعاتبت نفسها :
((هل ظنّ انني رفضت لقاءه ؟!.. يالا غبائي !! متى سأتوقف عن تصرّفاتي الطائشة ؟!)) 
*** 

بعد يومين .. واثناء وجودها في كافتريا الجامعة , تفاجأت بكوب قهوة يوضع امامها ! 
وحين رفعت نظرها عن كتابها , وجدت مروان يسحب الكرسي ليجلس مقابلاً لها.. فقالت له بدهشة :
- استاذ مروان !
- لوّ سمحتي مروى , نادني مروان فقط 
- كيف عرفت انني ..
مقاطعاً : شعرت انني مدينٌ لك بقهوة .. هيا إشربيها قبل ان تبرد

وعمّ الصمت بينهما لدقائق , وهو يركّز نظره عليها .. الى ان أوقعت القهوة على كتابها .. فساعدها بمسحه , وهو يقول مبتسماً :
- هل اربكتك بنظراتي ؟
مروى : ولما تنظر اليّ هكذا ؟!
- لأنك تذكّريني بفتاةٍ احببتها في الثانوية .. كان لديها نفس عينيك العسيلين
مروى : ولما لا تتواصل معها ؟
- حصل ذلك قبل سنواتٍ طويلة ..وأظنها تزوجت الآن ولديها اطفال ..ماذا عنك ؟
- ماذا عني ؟!
مروان : هل أحببتي من قبل ؟

وقد ضايقها جرأة سؤاله , فقالت له بجدية : 
- سيد مروان , لا احب ان يتدخل أحد بخصوصياتي
- أمازلتي تعتبرينني غريباً ؟! ظننت إننا اصدقاء 
وقام من مقعده وهو يقول : آسف ان ضايقتك آنسة مروى

وقبل ان تقول شيئاً , خرج من الكافتريا .. لتشعر على الفور بتأنيب الضمير لمنعه من التحدّث معها على راحته !
وعاتبت نفسها : 
((اختي معها حق , ان بقيت هكذا فلن اتزوج مطلقاً .. أتمنى ان يعود قريباً))
***

لكن مراد (او الأصح مروان) لم يعدّ قبل اسبوعين , رغم مراقبته لها كل يوم في الحرم الجامعي (من بعيد) للتأكّد بأنها لا تكلّم غيره .. وبالفعل لم يكن لديها سوى صديقة واحدة .. كما كان من عادتها العودة الى بيتها مباشرةً بعد انتهاء محاضراتها ..

وفي إحدى الأيام .. وبعد خروجها من الجامعة , إقترب مراد من صديقتها ليسألها عن مروى.. 
فأجابته بقلق :
- ولما تسألني عن صديقتي ؟!
مروان : لأني أودّ خطبتها , لهذا اريد جمع المعلومات عنها
الصديقة بحماس : أحقاً !! سيكون جميلاً لوّ انخطبت مثلي , هكذا نذهب سوياً للتسوّق ليوم عرسنا
- ممتاز !! هل يمكننا الجلوس بالكافتريا ؟ 
- طبعاً
مروان : لكن رجاءً , إبقي الموضوع بيننا 
- كما تشاء

وبعد ساعة من حديثه معها , إستطاع الحصول على معلوماتٍ مهمة تخصّ مروى , كالأشياء التي تحبها وتكرهها .. كما عرف بأنها فسخت خطوبتها السابقة قبل سنة ! 

فقال في نفسه بمكر : ((اذاً خطيب مروى السابق خانها وكسر قلبها .. كنت متأكداً انها الضحية المناسبة))  
وشكر صديقتها ليعود الى شقته لوضع الخطة المناسبة لإيقاع مروى في غرامه
***

وفي إحدى الأيام .. لحق بها الى مطعمٍ قريب من الجامعة..  
وحين وجدته امامها , تراجعت للخلف بفزع وهي تقول : 
- أكنت تراقبني ؟!
مروان بابتسامة : لا , العصفورة أخبرتني انك تأكلين هنا من وقتٍ للآخر
- سيد مروان , بدأت تخيفني
- مروى ..انا سيدٌ محترم , ونيتي سليمة تجاهك
- وماهي ؟ 
- ستعلمين قريباً
وغمزها , لتظن بأن قصده خطبتها ..

ثم جلسا على نفس الطاولة .. واثناء الغداء سألها : 
- لما لم تخبريني بأن قلبك مكسور مثلي ؟
مروى باستغراب : عفواً !
- علمت من مصادري انك فسخت خطبتك مع حبيبك السابق
- لم يكن حبيبي فهو خطبني بالطريقة التقليدية , وحصل الفراق بيننا في مرحلة التعارف .. ثم من أخبرك بذلك ؟ .. (بعصبية) .. إيّاك ان تقول العصفورة ثانيةً !! 
فضحك وهو يكمل عصيره , دون ان يُجيبها..

وبعد انتهاء الغداء , أصرّ على دفع ثمن الطعام..
مروى : دعني على الأقل أدفع ثمن صحني 
- لن أقبل بذلك !!
- سيد مروان .. انت مازلت غريباً عني , ومن واجبي ان..
مروان مقاطعاً : لن اكون غريباً لوقتٍ طويل .. (ثم وقف وهو يقول)..دعيني اوصلك الى بيتك 
مروى بحزم : لا طبعاً !!
- لماذا ؟!
- لا اريد ان يراك ابي او اخي وانت توصلني الى البيت
- لكني سأقلق ان ذهبت وحدك .. (ثم فكّر قليلاً) ..أتدرين مالحل ؟ 
مروى : ماذا ؟
- سأجلس معك بسيارة الأجرة .. وبعد توصيلك , اعود الى هنا لأخذ سيارتي
- ولما تطيل المسافة عليك ؟
- لكيّ يطمئن قلبي .. هيا بنا

وخرجت من المطعم وهي تُخفي سعادتها بإيجادها رجلاً محترماً مثله , دون ان تدري بأن غايته هو معرفة عنوانها لاستخدامه في خطته القادمة
***

بعد ذلك اللقاء , غاب عنها اسبوعين .. مما جعلها في حيرةٍ وقلق! 
الى ان رأته يقف في الشارع المقابل لمنزلها , فتوجهت اليه بعصبية :
- اين كنت ؟!!
فابتسم بمكر , وهو يقول في نفسه : ((جيد , بدأت تتعلّق بي)) ..وأكمل قائلاً :
- لوّ كان يهمّك امري لما رفضتي إعطائي رقم جوالك المرة الماضية
فسكتت مروى قليلاً , قبل ان تقول بتردّد : 
- سيد مروان .. ان كنت فعلاً معجباً بي , فالأفضل ان ..(وسكتت) 
- إكملي رجاءً 
- ان أعطيك رقم والدي 

مروان بارتباك : لا !! .. أقصد ليس بعد , فأنا اريد التعرّف عليك اكثر ..فعندي عشرات الأسئلة اريد مناقشتها معك , قبل إحضار اهلي لزيارتكم .. لهذا احتاج الى رقم جوالك
مروى بضيق : لكني لست من النوع الذي يكلّم الشباب
مروان بعصبية : هل مازلتي تعتبريني غريباً , رغم معرفتك بنيتي اتجاهك؟!!
- لكن يا مروان ..

ففاجأها بسحب جوّالها من يدها لتسجيل رقمه .. ثم ردّه اليها وهو يقول :
- هآقد سجّلت رقمي عندك , وانا متفرّغٌ فقط بالمساء .. فإن كان يهمّك التعرّف على خطيبك المستقبلي , فاتصلي بي قبل موعد نومك .. سأنتظرك هذه الليلة
- مروان , لست جريئة لفعل ذلك  
مروان بإصرار : اذاً سأنتظرك كل ليلة الى ان تتصلي .. او على الأقل إبعثي على الواتساب إيموجي لأعرف انك متفرّغة للكلام .. إتفقنا ؟ 

وقبل ان تجيبه , سلّم عليها بكلتا يديه بحنانٍ زائد .. ثم ركب سيارته وابتعد , تاركاً مروى في حيرةٍ من امرها !
*** 

في المساء .. تقلّبت مروى في فراشها كثيراً بعد ان جافاها النوم , فهي لا تريد خسارة عريسٍ مثالي كمروان  .. 
ففكّرت في نفسها :
((سأرسل الإيموجي لدقيقتين فقط , ثم أمسحها))
وما ان ارسلت صورة وردة , حتى أرسل لها إيموجي القلب ! وكأنه ينتظرها على أحرّ من الجمر ..

ولم تشعر الا والمحادثة الكتابية تمتدّ بينهما لساعتين كاملتين : سألها فيها عن علاقتها السابقة , وعن احلامها الورديّة بشأن الحب والزواج .. كما تركها تتحدّث على راحتها عن احزانها ومخاوفها , موافقاً على كل ما قالته  
وبنهاية المحادثة .. شعرت مروى براحةٍ نفسية بعد ان فضّفضت له عن جروحها القديمة .. 
*** 

مرّ اسبوعان آخران وهما يتحدثان كتابياً على الواتساب , رافضةً الكلام بالهاتف خوفاً من ان يسمعها والدها وهي تتحدّث في وقتٍ متأخر  

وفي يوم وبعد خروجها من امتحانٍ شهري , وجدته يتصل بها !
مروى باستغراب : الو مروان ! الست في عملك ؟
- خرجت باكراً .. أمازلتي في الجامعة ؟
- نعم , مازال لديّ محاضرتين
- هل هما مهمتين ؟
- ليس كثيراً
مروان : اذاً انا قادم لأخذك الى مطعمٍ جيد
- ولما لا نأكل في الكافتريا ؟
- لا , طعامهم ليس لذيذاً .. لا تقلقي , فالمطعم لا يبعد كثيراً عن الجامعة .. إنتظريني قرب البوّابة الخارجية , لن اتأخر
***

وبالفعل أخذها الى مطعمٍ راقي..
مروى وهي تتلفّت حولها بقلق : هنا الأسعار غالية
مروان بابتسامة : لا شيء يغلو على حبيبتي 
- أنظر اليّ ! ثيابي متواضعة ولا تناسب المطعم الفخم
- انا لا تهمني المظاهر
- لكنك تلبس طقماً رسمياً .. ليتك أخبرتني البارحة لأجهز نفسي 
مروان : الأيام الجميلة قادمة , وسآخذك الى أفخم المطاعم .. وربما نسافر معاً حول العالم , من يدري ؟

مروى : يبدو ان شركتك تدفع رواتباً جيدة , إسألهم ان كانوا يريدون موظفة كمبيوتر ؟ لربما عملت لديهم فور تخرّجي هذه السنة
فضحك مازحاً : ومن قال انني سأسمح لك بالعمل بعد زواجنا ؟ بل ستجلسين ملكة في قصرك , وسأوظف الخدم للعمل على راحتك 
- تتكلّم وكأنك رجلٌ مليونير
مروان بغرور : ربما أكون واحداً منهم , فأنت لا تعرفينني جيداً ..وباستطاعتي القول بتواضع : إنني حلم كل فتاة 

مروى بقلق وغيرة : أهذا يعني ان لديك صديقاتٌ غيري ؟!
- بالتأكيد !!
وحين شعر بامتعاضها , أكمل قائلا ً:
- لكن لا يوجد حبيبات غيرك .. فلا تقلقي
مروى : طالما لديك الكثير من المعجبات , فلما اخترت انسانة بسيطة ومتواضعة مثلي ؟
- ولأنك كذلك , أحببتك .. فقد مللّت النساء المتصنّعات الأنانيات.. واريد انسانة حنونة تكون اماً لأولادي في المستقبل 

وظلّ طوال ساعتين يغدق عليها المديح والإطراء المبالغ فيها , والإحترام الزائد لشخصيتها الفريدة من نوعها .. ويُثني على أفكارها الذكية , دون ان ينسى مدح أهلها الذين أحسنوا تربيتها .. وإخبارها بأنه محظوظ لوجودها في حياته .. بل حتى انه قللّ من اهميته , مُبدياً استغرابه بقبولها لشخصٍ مثله ! 
وحرص طوال الجلسة ان يوافقها على كل شيءٍ تقوله وتقترحه , وصولاً لطلب نصائحها لحل مشاكل حياته .. 

وبهذه الحيلة استطاع تزويد ثقتها بنفسها بعد ان رفعها الى السماء 
حيث قالت في نفسها , وهي هائمة بعينيه الجميلتين :
((انها الحياة مثالية التي حلمت بها دائماً))  
بينما كان مروان يقول في نفسه :
((تعاطفت مع كل اكاذيبي حول طليقتي المزعومة , هذا يعني انها تعلّقت بي.. وغداً سيبدأ الإمتحان الصعب))
***

في يوم التالي , عزمها على مطعمٍ آخر .. وقبل ان يطلبا الطعام , قام من مكانه وهو ينظر الى جوّاله قائلاً :
- دقيقة واعود اليك
ومشى بعيداً عنها ..

ومضت عشرون دقيقة على ذهابه ! بعد ان تركها في وضعٍ محرج امام النادل الذي ظلّ يسألها كل خمس دقائق عن طلباتها .. بينما ظلّت تتلفّت حولها في انتظار عودته , وهي تقول في نفسها : 
((لابد انه اتصالٌ مهم , فليس من عادته تركي كل هذه المدة .. مروان , اين انت ؟!))

دون ان تعلم بأنه يراقبها عن بعد , وهو سعيد بارتباكها ..فهذا يدلّ بأنها وقعت تماماً في غرامه , خاصة انه اختار الوقت المناسب لتلاحظ فيه غيابه .. 

وبعد عودته .. جلس امامها وهو يشير للنادل لأخذ طلباتهما , دون الإعتذار لها !
فكتمت مروى غيظها , وطلبت صحنها دون ان تعاتبه..

وهنا قال في نفسه :
((جيد , لقد نجحت بالإمتحان .. فعدم معاتبتها لي , يدل بأنها لا تعرف قيمة نفسها حين احتقرتها بتركي لها دون سببٍ مقنع .. لهذا سأبدأ الليلة بمرحلة الإنسحاب من حياتها))
***

في المساء وقبل نومها , ارسلت له رسالة صغيرة على الواتساب تقول فيها:
((سأنام الآن , فغداً لديّ امتحانٌ مهم .. تصبح على خير)) 

ورغم انه ظهر لديها بأنه قرأ رسالتها , لكنه لم يجيب ! ..مما جعلها تسهر ساعتين في انتظار ردّه , قبل ان تتشجّع لإرسال رسالة اخرى :
((مروان ! هل انت بخير ؟!))
فأقفل مراد جواله دون إجابتها , وهو يبتسم بمكر : 
((سأجعل بالها مشغولاً حتى الصباح , وهذا سيمنعها من التركيز في امتحانها))
***

في اليوم التالي .. دخل كافتريا الجامعة , ليجدها تنتظره بغضب.. 
وما ان جلس امامها , حتى سألته بعصبية : 
- لما لم تجيبني البارحة ؟ فبسببك سهرت حتى الصباح , ولم أكتب جيداً في الإمتحان !!
فعاتبها قائلاً : هذا بدل ان تسأليني عن همّي ؟
- وماذا بك ؟!
فتنهّد بضيق قائلاً : أخبرتني طليقتي البارحة انها لن ترسل ابني في العطلة الصيفية كما اتفقنا سابقاً ! وقرارها المفاجىء كسر قلبي , لأني مشتاقٌ اليه جداً .. وفي الوقت الذي راسلتني فيه , كنت في قمّة غضبي .. وخفت ان أحادثك بعصبية , فأضايقك قبل الإمتحان 

فأمسكت يده بحنان : آسفة مروان , لم اكن اعرف
- لا عليك حبيبتي , فقدري ان اعيش بعيداً عن ابني .. (ثم أمسك رأسه بألم) ..آخ أشعر بالصداع , واحتاج الى قهوة مركّزة
- سأطلبها لك بنفسي
وذهبت لشرائها , وهو يراقبها بمكر ..قائلاً في نفسه :
((كم هي ضحية سهلة))
***

وفي الأيام التالية , تغيّرت معاملته معها للأسوء ! حيث بدأ يستهزأ من ارائها وملابسها ومن تصفيفة شعرها ومن اصدقائها , ويقلّل من اهمية دراستها وشهادتها .. وصار لا يردّ كثيراً على رسائلها 

وحين عزمها على عيد ميلاده في إحدى المطاعم , تفاجأت بأن معظم المعازيم من صديقاته الجميلات الذي أخذ يغازلهم امامها دون الإكتراث لمشاعرها , وكأنه يتعمّد إثارة غيرتها ! 
وانتهت الحفلة دون ان يخبرهنّ بأنها خطيبته المستقبلية  
فخرجت من هناك غاضبة , دون لحاقه بها !
***

وفي يوم ..ضاق صدرها بلفّه ودورانه , فسألته مباشرةً :
- متى ستزور والدي كما وعدتني ؟
- ولماذا ؟
مروى : لخطبتي !
مروان بلؤم : ومن قال انني سأخطبك ؟
بدهشة : ماذا !
- مروى .. لا ادري كيف أفاتحك بالموضوع .. لكني تصالحت مع طليقتي .. وسأسافر اليها غداً , لنعود عائلة من جديد 

مروى بعصبية : الم تقل لي مراراً انك لا تطيقها ؟!!
- رجاءً إخفضي صوتك , فأنت تلفتين الأنظار الينا
- يعني بعد ان أوقعتني بحبك , تريد الهروب ايها الكاذب !! 
- باختصار عزيزتي , كنت أضيّع الوقت معك .. او بالأصح أتسلى بسذاجتك الغبية 

مروى بغضب : والآن تخبرني بنواياك اللعينة قبل يومٍ واحد من امتحاناتي النهائية !!
- وهل تظني نجاحك يهمّني ؟ فنهايتك ان تجلسي في البيت لخدمة زوجك واهله  
وقام من الكرسي وهو يقول : 
- عليّ الذهاب لترتيب حقيبة سفري , الوداع يا مروى .. وإيّاك ان تتصلي بي ثانية , مفهوم !!

وخرج من المطعم .. تاركاً مروى في انهيارٍ شديد , وسط الزبائن الذين أشفقوا على حالتها البائسة !
***

في تلك الليلة , احتفل مراد مع صديقه في البار .. حيث سأله صاحبه باستغراب :
- لا أفهم سبب تهافت النساء عليك لكيّ تحطّم قلوبهنّ ؟
مراد (مروان) : هذا لأنني اختار ضحيتي جيداً .. فلابد ان تكون : طيبة لحد الغباء , ومراعية لشعور الآخرين , ومضحيّة بوقتها لخدمتهم .. ثم أقوم بتعزيز ثقتها بنفسها بالمديح الزائد , واهتمامي بسماع تفاصيل حياتها المملّة للإستفادة من المعلومات لاحقاً في تدميرها .. وبعد تأكّدي من تعلّقها بي , انسحب رويداً رويداً من حياتها , ليزداد ملاحقتها لي خوفاً من خسارتي .. وبالنهاية أكسر قلبها بالوقت الذي تكون فيه بأمسّ الحاجة اليّ , كيّ تتذكّرني للأبد

صديقه : ولماذا تفعل ذلك ؟
مراد : لأنه يشعرني بنشوة الإنتصار , وكأني أحلق في الفضاء بسعادةٍ غامرة .. فأنت لا تدري كم اعشق تدميرهنّ عاطفياً !! 
وضحك بهستيريا وهو يحتسي الخمر , بينما صديقه يراقبه بقلق !
***

بعد محاولة إنتحارها الفاشلة عقب رسوبها وتخرّج صديقاتها , أجبرتها اختها الكبرى على العلاج النفسيّ .. 
وبعد إخبارها الطبيب باكيةً بكل ما حصل لها , قال لها :
- هذا هو الأسلوب التقليدي للرجل النرجسي
مروى وهي تمسح دموعها : ولما فعل ذلك ؟!

الطبيب : لأن النرجسيين لديهم مشكلة في المخ , فهناك نقص في إفرازات السعادة لديهم .. فكما يشعر المدمن بالبهجة بعد المخدرات , يشعر هو بال(إيفوريا) ..أيّ الفرح الزائد الناتج عن رؤية فتاةٍ تتعذّب بحبه .. وهو ذاته السعادة التي شعرتي بها في بداية العلاقة , حين رفعك الى السماء بمدحه الزائد .. فالتخطيط لتدميركنّ يشعره بالإثارة .. وباختصار : النرجسي شخصٌ شرير ومريض يا ابنتي ولا فائدة منه ..واحمدي الله انك لم تنساقي لمغرياته الجسدية قبل الزواج , ولهذا فسخ علاقته بك سريعاً .. فبعض مرضاتي تعرّفنّ بالإنترنت على ذئابٍ بشريّة أرغموهنّ على خسارة شرفهنّ وسمعتهنّ , بعد ان هدّدوهم بنشر صورهنّ في وسائل التواصل الإجتماعي .. حتى ان إحداهن قُتلت على يد اهلها !.. فاحمدي ربك انك خرجتي من هذا الكابوس بكسرة القلب فقط

فسكتت مروى قليلاً , قبل ان تسأله :
- وهل هناك علاج لمرضه النفسيّ ؟
- أمازلتي تهتمين بأمره بعد الذي فعله بك ؟
- لا , مجرّد سؤال
الطبيب : لكيّ يتعالج عليه ان يعترف لنفسه انه مريض , وهذا لا يحصل عادةً , لأن (الأنا) لديه عالية ..وهي تأتي من تقليده لإحدى والديه النرجسيين , او لدلالهم الزائد ..او العكس تماماً !! بسبب اهمالهما له في طفولته , يخترع شخصية خيالية لحماية قلبه من قسوة الناس .. فالنرجسيون بعكس ما يظهرونه , لديهم ثقة مهزوزة بنفسهم .. لهذا يحتاجون دائماً لأشخاص طيبين لامتصاص طاقتهم الإيجابية , فتدميرهم يشعرهم بقيمتهم المزيفة .. الم تلاحظي إصراره على الفوز بمناقشاته معك , حتى لوّ كان رأيه خاطئاً ؟
مروى : صحيح !

الطبيب : وبأنه يحاول التقليل من شأنك واحتقارك امام الناس للفت الإنتباه اليه .. وبأنه يفقد اعصابه عند انتقادك له , حتى على سبيل المزاح ؟
- نعم !
- وبأنه يحاول دائماً إثارة غيرتك بغزله للجنس الآخر ؟
مروى : ولماذا يفعل كل هذه التصرّفات الغير سويّة ؟! 
- لأنه لا يفهم من السلوك البشريّ الا السيء منها : كالغضب والحقد والحسد والغيرة , لذلك يفسّر غيرتك عليه بأنه حب .. اما أيّ شيء جميل تقولينه او تفعلينه , قد يغضبه لأن عقله لا يستوعبه!

مروى : بعد هذا التوضيح , أُعتبر نفسي محظوظة لأن الله أبعدني عن شروره .. لكن ماذا عن كسرة قلبي ؟
- سيعوّضك الله بأفضل منه .. فأنت أحببتي رجلاً لا يمكن الوثوق به لبناء عائلةٍ سليمة  
- الشيء الوحيد الذي لا أفهمه ! لما وضعني الله بهذا الإختبار الصعب؟
الطبيب : ربما لأنه اصطفاك عن بقيّة اقرانك 
- ماذا تقصد ؟! 
- ربما اراد الله ان تتعرّفي على هذا الصنف من الرجال , لتزدادي قوةً وصلابة .. فبعد الذي حصل معك , هل باستطاعة أيّ شيطان بشريّ خداعك بكلامه المعسول ؟  
- لا طبعاً !! 
- أحسنت !! وهذا هو الهدف الإلهي  

فتنهّدت مروى بضيق وهي تقول : 
- اذاً ليس امامي الا الدعاء بدعوة النبي نوح عليه السلام : ((اني مغلوبٌ فانتصر)) ..وحسبي الله ونعم الوكيل

وخرجت من العيادة بعد إدراكها بأنها لم تعد تلك الفتاة اللطيفة البريئة , بل حوّلتها تجربتها المريرة الى امرأةٍ حديدية لا يمكن لأحدٍ كسرها بعد اليوم .. فربّ ضارةٍ نافعة !

*******
ملاحظة :
إستلهمت القصة بعد مشاهدتي لهذا الفيديو : 



الخميس، 9 يناير 2020

المبنى المُحتجزّ

تأليف : امل شانوحة


جريمة رأس السنة 

في اوائل التسعينات القرن الماضي , وفي وقت العشاء .. تفاجأ سكّان المبنى المكوّن من ثلاث طوابق (الوحيد الذي بيعت شققه الستة , من بين المباني الفارغة في المجمّع السكني الفاخر) بصوت طلقةٍ نارية دوّت في ارجاء المكان قيد الإنشاء ..

فتساءلت الزوجة بقلق : 
- الصوت يبدو قريباً من هنا !
فقال زوجها أحمد وهو يُكمل عشاءه : ربما أطلقوها إحتفالاً برأس السنة
فنظرت زوجته الى ساعة الحائط : مازالت الساعة الثامنة مساءً !
أحمد : هي طلقةٌ عشوائية , إكملي طعامك 

وهنا خرج ابنهما من الحمام وهو يقول : الماء مقطوعة 
الأم باستغراب : كان يتدفّق جيداً قبل قليل ! .. إتصل بغرفة البوّاب لمعرفة السبب
الإبن وهو يغلق سمّاعة الهاتف : لا توجد حرارة في الهاتف الأرضيّ 
وفجأة إنقطعت الكهرباء !

فحاول الأب تلمّس طريقه الى ان وصل للشرفة , وهناك رفع صوته قائلاً:
- غريب ! الكهرباء لم تنقطع الا على مبنانا فقط 
الزوجة بتهكّمٍ وضيق : يا سلام ! لا هاتف ولا ماء ولا كهرباء , تبدو بداية سنةٍ جميلة 
الزوج : سأنزل الى البوّاب لمعرفة المشكلة 
زوجته : خذّ المصباح معك , ستجده في درج المطبخ
***

وحين نزل احمد الى الطابق الأرضيّ , تفاجأ بجيرانه يقفون قرب الباب الخارجي .. فسألهم باستغراب :
- ماذا تنتظرون ؟ إفتحوا الباب 
فردّ جاره مروان : الا ترى السلاسل والقفل الكبير الذي يُغلق البوّابة من الخارج ؟ 
احمد بدهشة : من فعل ذلك ! واين سمير ؟
الجار سعيد : ناديناه كثيراً ولم يجيب , لا هو ولا ابنه !
فناداه احمد بدوره , وهو يخرج رأسه من بين القضبان الحديدية للبوّابة المغلقة ..

بعد قليل.. تفاجؤوا بالبوّاب وهو يحمل ابنه (12 سنة) المُضرّج بالدماء ! 
فصرخوا الجيران بفزع : ماذا حصل لإبنك ؟!
فوضع سمير جثة ابنه امام البوّابة (من الخارج) وجلس قربه مذهولاً 

وبعد لحظاتٍ من الصمتٍ المُقلق .. أخرج سمير مسدساً من جيبه ووجّهه نحوهم , وهو يسألهم بغضب :
- من منكم ايها الملاعيين أطلق النار على ابني ؟!!
فقال له سعيد : ماذا تقول يا رجل ؟! كنّا جميعاً في بيوتنا 
أحمد : نعم كنت أتعشّى مع عائلتي حين سمعت الطلقة النارية
الشيخ : وانا وقتها كنت اشاهد الأخبار مع خادمي .. ولربما أُصيب ابنك برصاصةٍ طائشة من محتفلي السنة الجديدة.. او إن احد اللصوص..
البوّاب مقاطعاً : مبنانا في آخر المجمّع السكني , فلما يُجازف الحرامي بالتعمّق كل هذه المسافة ليقتل ولداً صغيراً , دون ان يسرق شيئاً ؟ لابد ان أحدكم أقدم على هذا الفعل الشنيع , وسأحلّ اللغز بنفسي

وعاد ووجّه سلاحه نحو الرجال المتجمّعين خلف البوّابة .. 
مروان : اهدأ يا سمير ولا تتهوّر .. فربما الرصاصة إنطلقت بالخطأ من بندقية الحارس وهو يلعب بها .. الم تقل انه يُخبأها ببيتك في يوم إجازته ؟
البوّاب بغضب : ابني قُتل اثناء غسله سيارتك اللعينة !!
مروان بدهشة : أمات في كراج المبنى ؟!

البوّاب بعصبية : نعم !! وكنت أخبرتك عصر اليوم بأن الإضاءة هناك معطّلة .. لكنك أصّريت بأن يغسلها لك , لتذهب مع خطيبتك الى حفلة رأس السنة .. واثناء تنظيفه السيارة من الداخل على نور المصباح , أُصيب بطلقٍ ناريّ في ظهره 
احمد : اذاً إتصل بالشرطة للتحقيق في الجريمة
البوّاب : لا !! فالأمر واضحٌ بالنسبة لي .. هناك ستة شقق مسكونة فقط في كل المجمّع , اذاً القاتل هو واحداً منكم .. وسأعرفه بنفسي  

فقال له الجار العجوز : اذاً اسأل الحارس , لربما شاهد الفاعل
البوّاب : الحارس في عطلة منذ البارحة 
مروان : وما يدريك انه لم يأتي الى هنا للإنتقام منك .. الم تتشاجر معه الأسبوع الفائت ؟ 
البوّاب : وما دخل ابني في الموضوع !
مروان : ربما الإضاءة الخافتة في الكراج جعلته يتوّهم انه انت 
العجوز : او ربما كان احد اقاربك , الم تخبرني سابقاً بأنك هربت الى المدينة بسبب تار والدك القديم ؟
البوّاب : لا , فأقاربي يظنون انني مُتّ بحادثة القطار السنة الفائتة  

مروان : عليك التفكير بجميع الإحتمالات يا سمير
البوّاب بعصبية : اذاً دعوني أخبركم بشكوكي .. أنت مثلاً ..(وأشار الى مروان) .. محامي مشهور .. وبسبب مرافعاتك القوية أدخلت عشرات المتهمين الى السجن .. فما يدريني ان احدهم بعد إطلاق سراحه قدم الى هنا للإنتقام منك .. خاصة انه قتل ابني اثناء تنظيفه سيارتك 
مروان : لا أظن ذلك ! فلا احد يعرف عنوان سكني الجديد , ولا حتى زملائي في المحكمة
البوّاب بلؤم : لكنه يبقى إحتمالٌ وارد , اليس كذلك ؟ 
فالتزم مروان الصمت ! 

وأكمل البوّاب إتهاماته : 
- وماذا عنك ؟ .. (وأشار الى سعيد) .. الم تحصل على حضانة اولادك من طليقتك التي تتعالج نفسياً ؟ .. فربما حاولت قتلك , لأنها لا تعلم بأنك بعت سيارتك البيضاء لجارك مروان 
سعيد : اذاً أعدّ توصيل اسلاك الهواتف الأرضية , لكيّ أتصل بها واتأكّد من الأمر
العجوز : وأصلح لنا الكهرباء والماء ايضاً
البوّاب بلؤم : ليس الآن.. وانت ؟!!
نجيب : ماذا عني ؟!

البوّاب : كنت سمعت عروستك قبل ايام وهي تتحدّث مع صديقتها اثناء خروجهما من المصعد , وكانت تخبرها عن قساوة طليقها .. فما يدريني بأنه لم يأتي الى هنا لقتلك بعد زواجك منها , او قتلها هي ..فالكراج كان معتماً تقريباً  
- لا اظن ذلك , لأني تزوجتها بعد طلاقهما بسنة
البوّاب بعصبية : انا اسألك !! هل هو قادر على ارتكاب جريمة ام لا ؟
نجيب : هو رجلٌ مجنون , لكن ..

فقاطعه البوّاب ليُكمل فرضياته , وهو يشير هذه المرة الى احمد :
- وانت !! ماذا عن ابنك البكر ؟ الا يتعالج حالياً من ادمانه على الحشيش ؟
أحمد : هو في مركزٍ طبّي خارج المدينة , ولن يطلقوا سراحه قبل شهرين
- وماذا لو افترضنا انه هرب من هناك , ليتهيأ له بأن ابني هو والده الذي إقتاده قسراً الى مركز علاج المدمنين
فسكت احمد بامتعاض .. 

وهنا قال مروان للبوّاب : 
- توقف يا سمير !! انك تؤذي الجميع بشكوكك التي .. 
البوّاب مقاطعاً بغضب : انت بالذات لا تسمعني صوتك !! فأبني لم يكن ليُقتل لوّ لم تصرّ على تنظيفه لسيارتك في عتمة الليل 
نجيب : انت لست محققاً بوليسياً , إتصل بالشرطة ودعها تقرّر من الفاعل
البوّاب بلؤم : آه صحيح .. ربما انت الفاعل , وليس طليق زوجتك 
- ماذا تقصد ؟! 

البوّاب : الست موظف تأمين ؟ ولهذا أردّت حرق سيارتك ليلة رأس السنة لتحصل على التعويض الماليّ , لكنك تفاجأت بإبني هناك والذي رآك تسكب البنزين فوق سيارتك
نجيب بعصبية : ماذا تهذي يا رجل ؟!
البوّاب : رائحة البنزين تفوح بقوة من الكراج 
نجيب : لست غبياً لدرجة ان أحرق سيارتي داخل مجمًعٍ مغلق !! 

الشيخ : يا بنيّ ! لا تظلمنا هكذا
البوّاب : وما يدريني يا شيخ ان الفاعل ليس أحد تلاميذك
الشيخ : انت تعرف جيداً انني لم أستقبل طلاّباً منذ ايام بسبب وعكتي الصحية .. ثم ما تفعله الآن مخالفٌ للدين , فإكرام الميت دفنه
البوّاب : سأدفن ابني بعد الإنتقام له 
وعاد ووجّه سلاحه نحوهم..

الجار العجوز بضيق : لا تهدّدنا بالسلاح , فأنت لا تخيفنا !!
البوّاب : آه نسيت انك صيادٌ محترف .. وربما حفيدك لعب بسلاحك , فقتل ابني خطأً
العجوز : حفيدي كان نائماً في غرفته , لحظة سماعي للطلقة الناريّة

وفجأة ! انهار سمير بالبكاء وهو يحمل جثمان ابنه :
- كيف طاوعكم قلبكم ان تقتلوا طفلاً يتيم الأم .. أحلف بالله إن الفاعل سينال جزاءه !!

وقبل ان يُدخل جثة ابنه الى غرفته , هدّدهم قائلاً : 
- سيعترف الفاعل بفعلته قبل نهاية العام , والا سأقتلكم الواحد تلوّ الآخر .. هل سمعتم !!
وبعد ذهابه , عاد الجيران الى شققهم وهم قلقين مما حصل
***

قبيل منتصف الليل , والجيران جلوس في بيوتهم على ضوء الشموع .. إذّ بهم يسمعون شجاراً عنيفاً في الخارج ! 
وحين أطلّوا من شرفاتهم , وجدوا البوّاب يتشاجر مع الحارس الذي عاد فجأة الى المجمّع رغم إجازته ! 
وسمعوا مقتطفات من حوارهما وهما يتعاركان بالأيدي , حيث كان سمير يتهمه بقتل ابنه .. 

وقبل ان يستوعبوا الموقف ! ضربه بقبضة المسدس على رأسه , ليسقط الحارس على الأرض ! ومن ثم أطلق الرصاص على ظهره .. 
فشهق الجميع برعب بعد تأكّدهم بأن تهديدات البوّاب حقيقية ! 

وبعد موت الحارس , صرخ سمير عالياً : 
- لقد نفذ صبري !! وطالما انه لم يعترف احد بقتله إبني , ولا حتى هذا الحارس اللعين .. فأريدكم ان تدفعوا ديّة الصبي .. والآن حالاً !! إبدأوا برميّ المال وحُليّ نسائكم الى الأسفل

فأطلّ مروان من الشرفة وهو يقول : وما دخلنا نحن ؟
- انت بالذات إيّاك ان تعترض !!.. ولأنك محامي مشهور , وابني مات في سيارتك .. فستدفع ضعف ما سيدفعه جيرانك
ووجّه سلاحه نحو الشرفات وهو يقول :
- احلف ان لم تبدأوا برميّ المال , سأدخل المبنى لقتلكم جميعاً.. وسأبدأ بأطفالكم !!

فأسرعت الأمهات برميّ عقدهنّ واساورهنّ اليه .. وخضع الرجال مجبرين لتوسّلات نسائهم , ليقوموا برميّ المال من حافظاتهم نحوه 

وبعد ان قام البوّاب بجمع الحليّ والمال , جرّ جثة الحارس الى سيارته القديمة التي كان وضع فيها جثمان ابنه .. قائلاً لهم :
- سأرمي جثة اللعين في أقرب مزبلة , ثم أدفن ابني في قريتي ..ولن تروني ثانية !!
العجوز : وماذا عن باب العمارة ؟ متى ستفتحه ؟!!
لكن سمير لم يجيبه ..وخرج بسيارته (التي فيها الجثتين) الى خارج المجمّع  

وهنا قال الشيخ لبقية الجيران :
- أحد تلاميذي قادمٌ غداً بعد الظهر , وحينها سأطلب منه إحضار الحدّاد لخلع القفل .. ومن بعدها نصلح اعطال الهاتف والكهرباء والماء.. فحاولوا ان تهدأوا قليلاً
فعادوا الى بيوتهم وهم يتنفسون الصعداء بعد رحيل البوّاب المجنون عن مجمّعهم السكني الفاخر ..
***

وفي الوقت الذي كانت فيه سماء المدينة تُضيء بمفرقعات العام الجديد , كان سمير متوجهاً نحو قريته .. 

وفي الطريق .. إستيقظ الحارس (في المقعد الأمامي) وهو يمسك رأسه بألم:
- ما كان عليك ان تضربني بهذه القوة يا سمير 
البوّاب : آسف , إندمجت قليلاً بالتمثيل .. المهم اننا حصلنا على المال والذهب , واريدك ان تسرع في بيع الحليّ بالسوق سوداء قبل ان يبلغوا الشرطة عن سرقتها
- حسنا سأفعل , لكن النصف بالنصف ..فأنا ايضاً خسرت عملي 
- لا تقلق .. المهم , ماذا عن المهمة الجديدة ؟

الحارس : هناك رجلٌ ثريّ يعيش وحيداً في فلّة بعيدة عن الناس  
سمير : اريدك ان تسأله ان كان يريد حارساً او بوّاباً او حتى خادم , لأعمل في منزله لفترة قبل تنفيذ خطتنا القادمة 
الحارس : لكن لا أظنه سيقبل ان يسكن ابنك الكبير معك
- لا تقلق , فلديّ آلاف الخطط غير التي نفذناها اليوم

وهنا نهض ابنه من المقاعد الخلفية ..
- أهذا يعني انني لن اعمل معكما بالخطة الجديدة ؟
والده سمير : ليس هذه المرة .. والآن غيّر ملابسك قبل وصولنا الى المنزل , كيّ لا تفزع امك واخوتك الصغار من الصبغة الحمراء 

واثناء تغير ملابسه , سأل والده :
- كنت وعدّتني بدراجة إن أجدّت دور الميت
ابوه بابتسامة : دراجةٌ جميلة , وحلويات لك ولأخوتك
الولد بسعادة : يا سلام !! 

الحارس : وانا سأهدي اختي غسالة بحوضين كما وعدتها 
الولد : ممتاز !! هكذا لن تضربني امي لإفساد ثوبي بالدماء المزيفة 
الحارس : محتالٌ كأبيه
الأب : وخاله ايضاً 
وضحكوا سوياً بخبثٍ ومكر !

لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة جمعنا القدر في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجو...