الأربعاء، 23 مايو 2018

كيف أهرب من هذا الجحيم ؟! الجزء 3 والأخير


الجزء الأول :
فكرة : محمد بيومي آل غلّاب
كتابة : امل شانوحة
رابط القصة :
https://kabbos.com/index.php?darck=4618

الجزء الثاني : 
تأليف : امل شانوحة
رابط القصة :
http://www.lonlywriter.com/2018/05/blog-post_6.html

الجزء الثالث والأخير :
تأليف : أمل شانوحة


خطأكِ هذا سيُكلّفنا حياتنا !!

قبيل غروب الشمس .. جلس جون وزوجته يلاعبان ابنهما (6 اشهر) في حديقة منزلهم المتواجد في أحضان غابةٍ بعيدة عن أجواء المدينة 
وهناك سألها : أتدرين .. لم اسألك بعد عن القلادة التي تلبسينها دائماً , تبدو رخيصة الثمن !
ديانا وهي تفتح قلادتها : ربما رخيصة الثمن لكنها غالية كثيراً عليّ , أنظر ما بداخلها 
وكان بها صورة لطفلة مع رجلٍ عجوز..
جون : هل هذه صورتك وانت صغيرة ؟
- نعم 
- لكن العجوز لا يشبه والدك !

فقالت ديانا متأثرة وهي تستذكر الماضي : 
- هذا جاري في بيتنا القديم قبل ان يُطلّق ابي امي وينتقل للعيش في ذلك السجن المهجور .. حيث صرت بعدها أقضي جلّ وقتي في بيت الجار حينما تكون امي بالعمل .. وهكذا أمضيت طفولتي معه الى ان توفيت امي بحادث سير وانا بعمر 13 .. ومن ثم أخذني ابي الى عالمه الإجرامي ليقضي على طفولتي البريئة بعد ان علّمني كل شيء عن الأسلحة والمخدرات , حتى انني شاهدته أول مرة يقتل شخصاً امامي وانا لم أتمّ بعد سن 15
جون بصدمة : يا الهي ! كم والدك قاسي

ديانا بحزن : نعم للأسف .. لكن هذا الرجل كان بمثابة والدي الحنون , وهو من أهداني القلادة في يوم جنازة امي , وقد علمت بوفاته بالسرطان قبل سنتين .. (ثم تنهدت بحزن) .. أليس هذا غريباً ؟! لقد تركت كل شيء يهمّني في المكسيك وليس عندي صورة لأمي او ابي , وكل ما حملته معي كان هذه القلادة التي بها صورة أغلى انسان على قلبي ! 
فربت جون على ظهرها بحنان ..

ديانا : انا بخير لا تقلق , المهم الآن .. متى سنذهب الى المطعم كما وعدّتني 
جون وهو ينظر الى ساعته : 
- بحلول المساء , تقريباً بعد ساعة من الآن ..هل جهزت أغراض الطفل ؟ 
- نعم ووضعت كل شيء في السيارة 

وفجأة ! أحسّ جون بسيارةٍ تقف خارج اسوار منزله , قبل ان تتحرّك مُبتعدة عن المكان .. فقال لزوجته بقلق :
- هل سمعتي شيئاً ؟!
زوجته : ربما تكون سيارة أضاعت الطريق , فتوقفت قليلاً ثم أكملت سيرها 
- لا , أظنه توقف قرب صندوق بريدنا ! سأخرج وأرى

وبعد قليل .. عاد جون حاملاً بيده لعبة دب من الصوف , وأخذ يلوّح بها لزوجته مبتسماً :
- أظن صديقنا الطبيب أرسل لعبة لجيمس الصغير , فلا أحد غيره يعرف عنواننا

فحاولت ديانا إخفاء قلقها , فهي لم تعلمه بعد بأنها أخبرت والدها بعنوان منزلهما  
وبهذه اللحظات .. ضغط جون على زرّ في صدر اللعبة , ليصدر منها صوتٌ أجشّ يقول بنبرة تهديد :
- أهلاً بصهري العزيز !!
وما ان سمع جون صوت رئيس عصابة العقرب , حتى رمى باللعبة باتجاه الغابة بكل ما أوتيّ من القوة , ليصدر منها صوت إنفجارٍ مدويّ !!!!

وبعد ثوانيٍ من الصدمة والجمود ! قام جون من على الأرض وهو يرتعش من هول ما حدث :
- اللعنة عليه !
بينما كانت ديانا تحتضن ابنها بخوف , وهي لا تصدّق ما حصل للتوّ !
فأسرع جون اليهما وهو يقول بقلقٍ شديد :
- هل انتما بخير ؟!!
ديانا وهي ترتجف , محاولةً تهدأة ابنها الذي كان يبكي من الخوف:  
- نعم نحن بخير , وانت ؟

لكنه فاجأها حين أمسك ذراعيها بقوة , وهو يحاول كبت غضبه :
- هل اتصلتي بوالدك ؟!!
فحاولت إنكار ذلك , بارتباك : 
- لا !! انا لم ..
مقاطعاً بعصبية : والدك أرسل متفجرة داخل لعبة لإبننا !
بصدمة : مستحيل ! إنها ليست منه , فأبي لن يقتل حفيده الوحيد
فعاد وشدّ ذراعها لينبّهها بخطورة الموقف :
- والدك مجرم يا ديانا !! هو لا يهمّه ابنك ولا حتى انت ..متى ستفهمين ذلك ؟!!
- جون .. انا آسفة حقاً .. أردّت فقط الإطمئنان عليه.. كنت خائفة ان يقتلوه بالسجن , وأردّت توديعه لأن..
مقاطعاً : وكيف اتصلتي به ؟
- على رقم جواله القديم

فقال بعصبية : هذا يعني انه يعيش ملكاً في السجن , والاّ كيف سمحوا له الإحتفاظ بجواله .. 
- جون انا .. 
مقاطعاً بغضب : هو كذب عليك , وانت صدقته وأعطيته عنوان بيتنا.. وبسبب خطأك هذا , أصبحت حياتنا في خطر !!
وهنا انتبه جون الى صوت سيارتين تقتربان من المكان .. 
فهمس لزوجته بقلق :
- ألحقي بي بسرعة قبل ان يصلوا الينا 

فأسرعت معه الى خلف المنزل , حيث فاجأها بفتحه لبابٍ سرّي في أرضيّة الغابة .. ثم طلب منها نزول الأدراج مع الطفل الذي هدأ بعد ان وضعت المصّاصة في فمه .. ونزل هو بعدهما , وأقفل الباب خلفه
*** 

وكان في داخل هذا المخبأ السرّي : شاشات مراقبة لكل غرف المنزل وحديقته 
فسألته زوجته باستغراب : لما لم تخبرني بهذا المكان من قبل ؟!
فأجابها بلؤم , وهو يُضيء جميع الشاشات : 
- جيد انني لم أفعل , والا لكنت أخبرتي والدك عنه ايضاً 
ديانا بعصبية : كفى يا جون !! ما كان يدريني بأن والدي سيفعل ذلك ؟
- لا وقت الآن للعتاب .. كل ما أريده منك هو ان تُبقي الصغير هادئاً , فنحن لا نريدهم ان يسمعوا صراخه ويقتلونا جميعاً
فأومأت برأسها موافقة , وهي تشاهد معه اللصوص الخمسة وهم يقتحمون منزلهم بعد غياب الشمس ..

وبدأ الرجال المُلثمّين بالبحث عن عائلة جون في جميع الغرف .. 
وقد شاهد جون وزوجته أحدهم يقول لرئيسه : لا يوجد أحد في المنزل !! 
وقال الآخر : سيدي !! لا يوجد أحد في الحديقة , لكني وجدت آثار إنفجار اللعبة التي أرسلها القائد , لكن لا أثر لأيّة دماء !
رئيسهم : هذا يعني ان جون إكتشف الأمر , وهرب مع عائلته من هنا
أحدهم : لا اظن ذلك , فسيارته مازالت خارج المنزل ..وقد وجدت فيها حقيبة السيدة ديانا وأغراض لإبنه 
رئيسهم : جيد , إعطني حقيبتها ..

بهذه اللحظات .. كانت ديانا تشاهد رئيس اللصوص (من شاشة المراقبة) وهو يبعثر أغراض حقيبتها , فهمست لزوجها بقلق :
- اللعنة ! هويتي الجديدة فيها 
جون بضيق : ليتك لم تضعي حقيبتك في السيارة !
- بيتنا بعيد عن كل منازل المنطقة , فما يدريني ان أحد سيقتحم سيارتنا ومنزلنا ؟! 
جون بقلق : هاهو وجدها , ومنها سيعرفون اسم عائلتنا الجديد .. وبات ذهابنا الآن الى الفنادق مخاطرةً كبيرة !

ثم سمعا رئيس العصابة يقول لرجاله : 
- إبحثوا في الغابة المجاورة , فلا أظنهم ابتعدوا كثيراً عن المكان 
فاختار كل واحداً منهم جهة لتمشيطها , ولم يعدّ يظهرون على شاشات المراقبة ..

في هذه الأثناء .. سألت ديانا زوجها : 
- لم تخبرني بعد .. هل انت من صنع هذا الملجأ السرّي , ام انك وجدته صدفة حين اشتريت المنزل ؟
جون : انا قبل ان أتقدّم لخطبتك , بحثت مطوّلاً في الإنترنت عن مكان بعيد عن الناس وفيه سرداب او ملجأً سرّي 
ديانا باستغراب : ولماذا ؟!
جون معاتباً بعصبية : أتسألينني يا ديانا ! .. لأجل هكذا يوم بالطبع 
فأحسّ بأنها استاءت من عتابه , فقال لها بابتسامةٍ حنونة :
- اشتريته لأنني أعرف ان قلبك الطيب لن يرتاح قبل الإطمئنان عليه , فهو والدك بالنهاية
فقالت بحزن وغضب : كنت طوال الوقت مخدوعةً فيه ! لطالما أوهمت نفسي بأنه يحبني .. لكن أن يرسل قنبلة لأبني , فهذا يعني فراقٌ بيني وبينه للأبد !! فأنا لن أسمح لأحد بأذيّة عائلتي  
- إهدئي عزيزتي , فهو كان يريد فقط التخلّص مني 

لكنه شعر بحزنها , فأراد تغير الأجواء :
- لم تسأليني من صاحب البيت ؟
- ولمن يكون ؟
- كان بيت رجلٍ يعمل جاسوساً في المخابرات ايام الحرب الباردة بين روسيا واميركا .. وحين هرب من روسيا وعاد الى هنا , خاف ان يقتلوه بعد ان أفشى اسرارهم المهمة للولايات المتحدة .. لهذا زوّد غرف بيته بكاميرات مراقبة , بالرغم انها قديمة الصنع لكنها مازالت فعّالة .. كما صنع هذا المخبأ السرّي المزوّد بحمام ومطبخٍ صغير ..
- وانت وجدت إعلاناً عنه بالإنترنت ؟
- لا , بل صديقنا الطبيب المكسيكي أخبرني عنه حين طلبت منه ان يكون شاهداً على زواجنا .. وقمت انا بشرائه من ابن ذلك الجاسوس الذي اراد بيع منزل والده بعد وفاته 

وفجأة ! صرخ ابنهما الصغير الذي غفى قبل قليل ! 
جون بقلق : بسرعة إسكتيه قبل ان يسمعه أحد فوقنا !!
ديانا بخوف : لا ادري ما حصل له ! فهو لا يريد السكوت .. ارجوك ابني اهدأ قليلاً .. أظنه جائع , وطعامه في السيارة 
- ليتك لم تفطميه باكراً .. لحظة ! ما هذا الصوت ؟!

وهنا سمعا حفراً فوق رأسيهما , كما سمعا شخصاً يكلّم نفسه بصوتٍ مسموع :
- سأقتلهم دون ان أخبر أحداً , لأحصل على الجائزة لوحدي 

فأسرع جون بإخراج مسدسٍ قديم من درج المكتب , وبدأ يضع فيه الرصاصات الصدئة ..
ديانا بقلق : هل تظنه مازال يعمل , فهو مصنوع من نصف قرن تقريباً ؟! 
جون بخوف : لا ادري , هذا الموجود هنا .. وسأدافع به عنكما

لكن فجأة ! سمعوا جميعاً صوت وابلٍ من الرصاص يُطلق في أرجاء المكان , فركض الرجل الذي كان فوقهم باتجاه المنزل ..
وشاهد جون وزوجته من شاشات المراقبة عصابةً أخرى من الأفارقة الأمريكان تقتحم المنزل طمعاً في الجائزة ..
وهنا كشفت العصابة الأولى الأقنعة عن وجهها وهي ترفع مسدساتها بمواجهة العصابة الثانية , ليظهر من اشكالهم انهم مكسيكيون
وقال رئيسهم للرئيس الأفارقة وأفراد عصابته مهدّداً : 
- من الأفضل ان تنسحبوا , فنحن وصلنا قبلكم
فضحك الرئيس الأفريقي باستهزاء قائلاً : 
- ما أراه هو اننا سبعة بمقابل خمسة فقط , وأظن انه يمكننا بسهولة القضاء عليكم , فأسلحتنا أقوى من تلك التي معكم  
فتسرّع الرئيس المكسيكي بالقول : لنرى إذاً !!

وعلى الفور !! إنطلقت النيران من الجهتين المعاكستين بعد ان اختبأ كل واحداً منهم خلف حائط او كنبة او مكتب .. وقد شاهد جون وديانا كيف قضت العصابة الأفريقية بسهولة على المكسيكية .. لكن أصيب اثنين منهم بجراح , كانت إصابة رئيسهم هي الأخطر ..

فقال رئيس الأفارقة وهو يحتضر : دعكم مني , وفتشوا المنطقة للقبض على عائلة جون
أحد أعضاء عصابته رافضاً : لا !! لن نتركك تموت هنا .. هيا يا رجال لنأخذهما الى طبيبنا 
وانسحبوا فوراً من المكان , تاركين خلفهم جثث الخمسة من عصابة المكسيكية مضرجين بدمائهم في صالة المنزل

وما ان شاهد جون رحيلهم عبر شاشة المراقبة , حتى أسرع مع زوجته وابنه بالخروج من الملجأ وركوب سيارته الرياضية السريعة لينطلقوا مغادرين المكان ..
*** 

ووصلوا مع تباشير الصباح الى فيلا صديقهم الطبيب المكسيكي الذي استقبلهم بحفاوة .. لكنه حزن كثيراً بعد معرفته بما حصل لهم 
جون : لا اريد توريطك بالموضوع يا صاحبي , لكن لا يوجد مكانٌ آخر نذهب عليه بعد ان شاهدنا رئيس العصابة المكسيكية قبل مقتله يتصل بأحدهم ويخبره بأسمائنا الجديدة .. 
الطبيب : وحسناً فعلت !! فهنا أأمن مكانٌ لكم , ويمكنكم البقاء فيه كما تشاؤون ..فبالنهاية يا جون , انت من أنقذتني من ذلك الجحيم , وساعدتني بالحصول على وظيفةٍ محترمة بمختبرات الأدوية الأمريكية كما كنت أحلم دائماً ..لهذا انا مدينٌ لك بالكثير يا صديقي 
جون : لا تقل هذا , فما وصلت اليه اليوم كان بسبب ذكائك المهني .. كل ما يقلقني هو ان يصلوا اليك انت ايضاً , فهم بالتأكيد يريدون إستعادتك لمختبراتهم القذرة .. فكما علمت منذ ايام , ان والد ديانا مازال يدير اعماله الوسخة من داخل سجنه ! 

لكن الطبيب أسرع بالقول لديانا : عزيزتي , لما لا تأخذين ابنك الجميل وترتاحين بغرفة الضيوف 
ديانا بقلق : كنت اريد ان اعرف ما سنفعله للهروب من هذه الأزمة 
الطبيب : لا عليك , سأحلّها مع زوجك .. إرتاحي انت 
ديانا وهي تمسح دموعها : سأذهب .. لكن ارجو ان لا تتورّطا بالأمر , فأنا عشت مع تلك العصابة طوال عمري , وهم لا يرحمون ابداً 
جون مربتاً على كتف زوجته : لا تقلقي عزيزتي , لن نفعل شيئاً مخالفاً للقانون .. خذي الصبي وارتاحي ..
***

وبعد ذهابها , جلسا في المكتب لمناقشة المشكلة.. 
الطبيب : لم أردّ التكلّم امامها , لكن الوضع خطير يا جون
جون بقلق وضيق : أعرف هذا , فاللعين لن يرتاح قبل القضاء عليّ 
الطبيب بابتسامةٍ خبيثة : او نقضي عليه اولاً 
جون باهتمام : ماذا تقصد ؟
- عرفت منذ شهر , ان ابن عمي إنسجن في نفس سجن والد ديانا بسبب سرقته للسيارات .. 
- وهل تظن انه من السهل الوصول الى شخصٍ يحيط نفسه برجاله الأقوياء كعمي العزيز ؟  
- يمكننا ذلك , في حال رشونا الحرس .. فرواتب حرّاس سجن الحكومة المكسيكية زهيدةٌ للغاية
جون : الأمر يحتاج الى تخطيطٍ مركّز 
- لا تقلق , فقد خطّطت لذلك سابقاً

جون باستغراب : وكيف عرفت بالذي سيحصل لعائلتي ؟!
الطبيب : كنت أخطّط للقضاء عليه إنتقاماً لأهلي , فرجاله قتلوا عائلتي امام عينيّ .. أظنني أخبرتك بقصتي سابقاً 
جون : وهل ابن عمك جديرٌ بهذه العملية الخطيرة ؟
- نعم , فهو مجرمٌ منذ صغره .. كما لديه ثأرٌ قديم مع عصابة العقرب , فهم اعتدوا قبل سنوات على ابنته المراهقة التي انتحرت لاحقاً 
- يا الهي ! كم ظلمت هذه العصابة أناساً ابرياء  
الطبيب : بالفعل .. المهم الآن , سأخبرك بخطتي للقضاء على رئيسهم , لكن إيّاك ان تعرف زوجتك بالأمر , فربما تحذّر والدها وتورّطنا بالموضوع , فهي بالنهاية ابنته
جون : لا تقلق , لن تعرف شيء .. والآن ما هي الخطة ؟
***

ولم يستطع ابن عم الطبيب تنفيذ الخطة المتفق عليها الا بعد شهرين , حيث أخذه الشرطي المرتشي الى حمام السجن ليلاً في الوقت الذي كان يستحم رئيس عصابة العقرب لوحده فهو لا يحب مشاركة المكان مع أحد.. وهناك دخل عليه الرجل .. فمسح العجوز الأعور الصابون عن وجهه , وهو يقول له غاضباً :
- هاى انت !! من سمح لك بدخول حمامي ؟!!

لكنه تفاجأ بالرجل المكسيكي ينطلق ناحيته مُشهراً سكينه الذي غرزه بقوة في قلب الرئيس الذي حاول ببسالة مقاومته , لكن الرجل قال بغضب وهو يعاجله بالطعنات القاتلة :
- هذا من اجل ابنتي !! وهذا من اجل عائلة قريبي الطبيب !! وهذا من أجل جون !! صهرك ايها اللعين !!
فقال الرئيس وهو يلفظ انفاسه الأخيرة : وأخيراً يا جون نجحت بتحويلك الى مجرمٍ حقيرٍ مثلي .. 

وسقط على أرض الحمام مُدرّجاً بدمائه , بينما أسرع الشرطي المرتشي بإخراج الرجل من هناك وإعادته الى زنزانة وكأن شيئاً لم يحصل !
***

وقد سبّب مقتل الزعيم , صدمةً كبيرة بين عصابات المكسيك ! وتناقلت الصحف خبر وفاته الذي وصل أصدائه الى ابنته في اميركا .. وكما توقّع جون , فقد أصابها الحزن الشديد لنهايته المأساوية فهي كانت تتأمّل أن يتوب يوماً ويصبح والداً حنوناً , كما كانت تتخيّله دائماً ..

وقد ساندها جون في هذه الفترة فهو بالنهاية والدها , لكنه لم يخبرها ابداً عن هويّة القاتل الذي لم يعرفه أحد , فقد عاهد صديقه الطبيب بأن يبقى السرّ بينهما للأبد .. كما تعاهدا بأن لا يلتقيا ثانيةً وان يُكمل كل واحداً منهما حياته مُتناسياً الماضي , خاصة بعد ان غيّر جون للمرة الثانية اسمه واسم زوجته وابنه خوفاً من انتقام افراد العصابة منه
***

وفي أحد الأيام .. عاد جون الى منزله ليجد ديانا تعلّق صورتها الصغيرة مع جارها العجوز في الصالة , وحين رأت علامات الدهشة على زوجها قالت له :
- قمت بتكبير الصورة التي في قلادتي , كيّ يراها ابننا حين يكبر وسأخبره بأنها صورة جده , لأنني لا اريد لإبني أيّ علاقة تربطه بتاريخ عائلتي القذر
جون : ألهذا قمت بتغير اسم عائلتك هذه المرة للإسم عائلة جارك؟  
ديانا وهي تمسح دموعها : نعم , على الأقل يبقى سجلّه نظيفاً بعكس والدي 
- ارجوك لا تبكي عزيزتي , فقد انتهت ايامنا الصعبة ولم يبقى امامنا الا حياةً مليئة بالحب والسعادة
- أتمنى ذلك حقاً .. (ثم تنهدت بقلق) ..عدّني يا جون بأن نُربّي ابننا جيداً , ونحميه من الأشرار في المستقبل
- لا تقلقي , سنكون عائلةً صالحة له 

ثم حضنها ليخفّف من حزنها , فهي بالرغم انها لم تتجاوز الثلاثين من عمرها الا انها مرّت بالكثير من الحوادث التي لا يتحمّلها أقوى الرجال ! لكن قدرها جمعها بجون الشجاع الذي استطاع إنتشالها من ذلك المستنقع ليهبّ لها حياةً نظيفة ومليئة بالأمل كما كانت تحلم دائماً .. فكما يقولون : ((لا يأس مع الحياة )) !

الجمعة، 11 مايو 2018

الإختيار الصعب

تأليف : امل شانوحة

 
اين سأعيش بقيّة عمري ؟!

أمضيت العشر سنوات الأخيرة من عمري بين الواقع والخيال ! فآخر ما أتذكّره هو رحلتي وحدي بطائرتي الشراعية , ثم سماعي لصوت الإنذار  يؤكّد حدوث خللٍ خطير في المحرّك , ثم سقوطٍ خطر ناحية البحر .. لكني لا أذكر ما حصل لي بعدها ؟! 

- هل غفوت مجدّداً يا جيم ؟
صوت امرأة أيقظني من النوم !
فسألتها بتعب : اين انا ؟!

وفتحت عينايّ لأجدها بقربي .. آه الآن تذكّرت .. هذه زوجتي بابتسامتها الرقيقة تحاول ان تُخفي آلام حملها الأول , فهي بشهرها الأخير 
- ديانا ! كيف حالك اليوم ؟
- بخير , مع ان ابنك يتعبني كثيراً
- هانت عزيزتي , كلّها ايام وتلدين بالسلامة 
- نعم , أكاد لا اطيق الإنتظار لحمله بين ذراعيّ .. (ثم مشت ناحية باب الغرفة) .. ما رأيك لوّ نتجوّل قليلاً في الحقول ؟ فالمشي جيدٌ لي لتسهيل الولادة .. هيا قمّ يا كسول ..
***

في الخارج .. 
جيم بدهشة : لحظة ! ما هذا ؟! لما حقول الذرة زرقاء اللون ؟!
ديانا : يا الهي ! أكلّ مرة تسألني السؤال ذاته ؟
ثم صرخ برعب حين شاهد شيئاً اسوداً يطير في السماء ..
- وما ذلك الشيء هناك ؟!!
فتنهّدت زوجته بضيق : يبدو انه عليّ تذكيرك كل مرة بما حصل لك ! ..تعال لنجلس على هذه الأحجار ..

وبدأت تخبره بقصته منذ بداية تعارفهما ..
ديانا : وهاهي كل القصة 
فانتفض جيم فزعاً , مُبتعداً عنها : 
- يا سلام ! أتريدينني أن أصدّق بهذه الخزعبلات ؟!!
- انا لا أكذب عليك , فأنت تسكن هنا منذ مدة طويلة .. ماذا حصل لعقلك اليوم ؟!
جيم بعصبية : يعني حسب كلامك الغير منطقي ! أنا شاب سقط من طائرته الى عالمكم الموجود أسفل البحر ..
زوجته مُقاطعة : عالمهم همّ !! فهم احتجزوني قبلك في عالم الجن .. لكني بشريّةٌ مثلك 
- وهل المفترض ان يُريحني كلامك ؟!!
- كانوا يريدون تزويجك لفتاةٍ منهم لتحسين نسلهم , لأن الجني من والدٍ بشريّ يمتلك طاقاتٍ إضافية .. لكنك رفضت بقوّة , ولهذا زوجوني لك

جيم مستفسراً : ولما انت هنا من الأساس ؟!
ديانا : تقريباً نفس قصتك .. كنت يوماً أمارس هوايتي بالغطس حين وجدت بالصدفة كهفاً في أعماق البحر .. وحين دخلته , إنتقلت الى هنا !
فسكت وهو يتلفّت حوله بقلق , فقالت له :
- إسمع جيم .. دعني آخذك في جولة سريعة فعالمهم ليس مخيفاً كما تظن , بل هم يشبهوننا بنواحيٍ كثيرة وسأثبت لك ذلك .. تعال اولاً لنذهب الى سوقهم الكبير

وبتردّد قبل جيم الذهاب معها , وركب العربة التي يجرّها حصانٌ له قرنين  ثور , وكانت سرعته أشبه بسيارةٍ رياضية ! 
وفي طريقهما , مرّا بجوار بحرٍ أحمر كلون الدماء .. 
ثم وصلا أخيراً الى السوق الذي اكتظ بأنواعٍ مختلفة من الجن : فمنهم من يطير بجناحين او يزحف كالثعابين .. بعضهم أقزاماً والبعض الآخر عمالقة بطول العمارات الطويلة .. منهم من كان يملك عيناً واحدة كبيرة تتوسّط وجهه , بينما امتلأ وجه الآخر بعشرات العيون الصغيرة .. لكن جميع اطفالهم يتشابهون بلونهم الأخضر , قبل ان يكبروا ليصبحوا شفّافين او سوداً كالظلال ! 
وقد التفت الجن بمختلف أصنافهم لجيم حين قدومه , وكأنهم متحمّسون لرؤيته ! فهو وزوجته البشريّان الوحيدان في عالمهما , لهذا كان الجميع متلهّفاً لموعد ولادة طفلهما.. 

وقضى جيم الوقت مندهشاً وهو يمرّ على محلاّت سوقهم التي امتلأت بالفواكه والخضراوات المشابهة لطعام الإنسان , لكن لم يكن هناك أيّةِ لحوم لأنهم نباتيون ! 
***

وفي عصر ذلك اليوم .. عاد مع زوجته الى بيتهما المبني من الطين , وكان الطعام مجهّزاً على الطاولة 
جيم باستغراب : من أعدّ الطعام ؟!
ديانا مُبتسمة : هناك جنيّة عجوزة تنتبه عليّ منذ دخولي الى عالمهم , وهي بالعادة من تحضّر لي الطعام 
- وهل معها مفتاح بيتنا ؟!
- أيّ مفتاح يا رجل ! هم جنّ ويستطيعون خرق الحواجز 
جيم بقلق وضيق : يا سلام ! وكيف سأهنأ بالنوم الآن , ان كان باستطاعتهم الدخول الى غرفتنا بأيّةِ لحظة 
- لا تقلق , فالجن تحترم الخصوصيّة ..

جيم مُقاطعاً : عن أيّة خصوصية تتكلّمين ؟! اليس هناك بشراً يعانون بسببهم من المسّ الشيطاني ؟!
ديانا : ومن قال لك ان الجن تحب ذلك , بل السحرة البشريين هم من يرغمونهم على هذا العمل , تماماً كالرّقيق .. وعادة الجني الذي يُفَكّ قيده (من البشريّ الذي استطاع إنهاء سحره) يُعامل بعد عودته الى قومه كبطلٍّ شجاع , لتخلّصه من ذلّ العبوديّة للساحر 
جيم باستغراب : هذه معلومةً جديدة ! (ثم سكت قليلاً).. عندي سؤال .. كم عشت في هذا العالم ؟
- سنة
جيم بدهشة : سنةٌ واحدة ؟!
ديانا : نعم , لكن سنة الجن تساوي عشر سنوات عندنا كبشر , فزمانهم بطيءٌ جداً .. المهم .. دعنا نأكل الآن قبل ان يبرد الطعام

وبعد ان أنهى صحنه ..
جيم : طعامهم لذيذ , لكن ليس فيه ملح !
- هم يكرهون الملح لأنه من البحر , مسكن الشياطين الذين يعتبرونهم اعدائهم 
- وهل تأتي الشياطين الى هذه القرية ؟
ديانا : أخبرتني الجنيّة العجوز بأنه قديماً كانت هناك حروباً شديدة بين الطرفين .. لكن بعد تزوج ابليس من أميرتهم وأنجابها للجنّ المتشيّطنة , قلّت المشاكل بين الطرفين 
جيم وهو يمسك رأسه بتعب : يا الهي ! عقلي لا يستوعب كل هذا الكلام
فتبتسم ديانا قائلة : وانا حصل معي الشيء ذاته في بادىء الأمر , لكن غداً تتعوّد على حياتهم .. إذهب الآن الى غرفتك وارتحّ قليلاً 
***

حين نام جيم ذلك المساء , شاهد حلماً غريباً : حيث كان ينام في سرير المستشفى مُوصّلاً بأجهزة التنفّس , وهو لا يقوى على الحراك ! .. ثم سمع صوت طبيب بجانبه يكلّم الممرّضة :
- لا أمل من نجاته ! فله سنوات طويلة على هذه الحالة , لذلك علينا الإستفادة من أعضائه الغير متضرّرة 
الممرضة : وهل تنوي فعلها هذا المساء ؟ 
الطبيب : نعم , لكن إيّاكِ ان يعرف أحد بخطتنا 
- بالطبع لا , والاّ سنسجن معاً .. ولا تقلق , سأقوم بتحضير غرفة العمليات دون ان يلاحظني أحد كما كل مرة .. لكن ماذا تنوي الأخذ منه ؟
- انا لا اريد قتله , لهذا سأستأصل إحدى كليتيه وجزءاً من كبده ونسحب بعضاً من دمائه لأنها من فصيلةٍ نادرة , ثم نبيعها لثلاثة مرضى من الأغنياء
الممرضة : وهل لي نصيب من هذه العملية ؟
- طبعاً , فنحن شركاء بهذا الموضوع .. لكن لنتظر إنتهاء موعد الزيارات , ثم نقوم بهذه العملية السرّية في آخر الليل 
الممرضة : إتفقنا دكتور
***

استيقظ جيم في اليوم التالي وهو يعاني من آلامٍ مبرحة ..
زوجته بعد ان أيقظها صراخه : جيم ! ماذا يحصل لك ؟!
جيم وهو يضع يده أسفل ظهره : أشعر بألمٍ شديد في كليتي !! ارجوك ساعديني

فأسرعت زوجته الى طبيب الجن الذي حضر بسرعة (فهو من الجن الطيّار) وكشف عليه , ليقول لزوجته على انفراد :
- الملاعيين !! لقد أخذوا كليته واشياءٍ أخرى من جسمه !  
ديانا بدهشة وقهر : اللعنة ! وهل ستضرّر صحته ؟
طبيب الجن : في عالمنا لن يشعر باختلافٍ كبير , لكن ان عاد الى عالمه فحياته ستزداد بؤساً بشكلٍ ملحوظ
- لا تقلق , لن اسمح له بالعودة الى هناك مجدداً
*** 

ومرّ شهرٌ آخر.. كان فيه جيم يساعد زوجته بأعمال المنزل بعد ان ثقل حملها .. كما تعرّف على صديقٍ جديد من الجن الطيّار سمح له بركوب ظهره ليحلّق به في سمائهم , لكيّ يمارس هوايته بالطيران
ومع مرور الأيام بدأ يعتاد على حياته الجديدة , الى ان حان موعد الولادة 
***

وقف جيم خارج بيت القابلة , في انتظار رؤية طفله بفارغ الصبر 
..وفُتح الباب بعد ساعاتٍ طويلة من صراخ زوجته المتتابع .. وخرجت الجنية العجوز بأعينها الثلاثة الصفراء وقرنها الصغير الذي توسّط جبينها , وهي تحمل رضيعه داخل ملاءةٍ بيضاء .. 
وكانت المفاجأة ! فطفله أخضر اللون 
صرخ جيم بغضب (من الخارج) : 
- ديانا !! أخنتيني مع جنيّ حقير ؟!

لكن العجوز لم تسمح له بدخول منزلها لمعاتبة زوجته بعد ان سمعها تبكي من الداخل , فعاد غاضباً الى بيته !!! رافضاً الإعتراف بولدٍ ليس من نسله 
***

وفي اليوم التالي .. استيقظ جيم ليجد زوجته في غرفة نومه , فانتفض بعصبية : 
- ألديكِ الجرأة لتعودي الي بيتي , ايتها الخائنة !!

وفجأة ! تحوّلت ديانا الى جنيّة بقرنين حمراوين ! 
فارتعب من منظرها الذي كان أبشع بكثير من الجنيّات ! فقالت له وهي تحمل رضيعه :
- انا لم أخنك يا جيم , فهذا ابنك بالفعل
جيم وهو يرتعش بخوف : من انت ؟!
- حين قدمت الى عالمنا , صدر حكماً عليك من قائد الجن باستنساخك او بالأصح الحصول على نسلك كما أخبرتك سابقاً .. وحين رفضت بقوّة الزواج من جنيّة , طلبوا مساعدتي .. فأنا جنية من والدةٍ شيطانية , لذلك لديّ القدرة على التحوّل الى أيّ شكلٍ أريده , فاخترت ان أكون بشريّة جميلة ..وألّفت قصة الغوص والكهف لتقبل الزواج مني .. اما طفلك هذا فسيكون سيد قومنا , لأنه سيمتلك بالمستقبل قدراتٍ خارقة تجعل في مقدوره التنقّل بين عالمك وعالمنا بكل سهولة 

جيم : وماذا تتوقعين ان أردّ عليك بعد ان كذبتي عليّ ؟
ديانا : اريدك أن تبقى مع عائلتك , فأنا سأكون زوجة مثاليّة ... 
مقاطعاً بغضب : مستحيل !! أريد العودة الى عالمي
- لكن يا جيم , انت لا تعرف ما حصل لك بالضبط .. وإن عدّت الى هناك , ستتألم كثيراً
صارخاً بغضب : لا دخل لك بي بعد اليوم !! الم تكونوا تريدون ولداً مني ؟ وهآقد حصلتم عليه .. فهيا أعيدوني الى عالمي !!!
ديانا وهي تبكي بقهر : لكني أحببتك حقاً !
جيم بحزم وقسوة : ديانا توقفي !! أريدك ان تعيديني حالاً الى حياتي السابقة .. قلت الآن !!!
***

وفجأة ! استيقظ جيم ليجد نفسه في ذات الغرفة بالمستشفى الذي كان يشاهدها دائماً في كوابيسه منذ سنين طويلة ! 
وما ان أزال بصعوبة قناع الأوكسجين عن وجهه , حتى انطلق صوت الإنذار من الجهاز الطبّي الموصول بقلبه .. 

وعلى الفور !! حصلت ضجة داخل المستشفى , حيث أسرعت الممرضات والأطبة لرؤية المعجزة بعد إستيقاظه من غيبوبةٍ دامت عشر سنوات !
***  

وبعد ان زاره الأصحاب والأقارب ليهنؤنه على السلامة , لاحظ 
ألماً شديداً كلما تحرّك في سريره , وكأنه فجأة هرِمَ في العمر ! 
وبعد ان أصرّ على القيام بالمزيد من الفحوصات , إكتشف طبيبٌ آخر ان هناك أعضاء مهمة أُزيلت من جسمه , دون موافقة مدير المستشفى او عائلته على ذلك ! 

وحصل بعدها تحقيقٌ شامل مع موظفيّ المستشفى , ليتمّ لاحقاً القبض على الطبيب والممرضة اللذان قاما بعملياتٍ سرّية لسرقة أعضاء سبعة مرضى خلال عشرين سنة من عملهما , كان من ضمنهم جيم ! 
***

وعاد جيم الى فيلا اخيه الأكبر ليعيش في القبو , بغرفةٍ طبيّة جهزها له اخوه , فيها ماكينة غسيل الكلى بعد تعطّل كليته الأخرى عن العمل ! 

ومضت سنةٌ أليمة على جيم , عانى فيها من شتّى أنواع الألم .. وبدأت عائلة أخيه تنزعج من صوت أنينه المتواصل , ومن مرضه الذي إزداد مع الأيام , حتى بات التنفّس صعباً عليه دون جهاز الأوكسجين ! وقد شعر من نظراتهم له , وكأن لسان حالهم يقول:  
((ليتك مُتّ , وأرحتنا من همّك))

وبدأ يُصاب جيم بالإكتئاب يوماً بعد يوم , ويتمنّى الموت ليرتاح من عذابه.. لكن الشيء الوحيد الذي يمنعه من إنهاء حياته هو تذكّره لحياته السعيدة التي أمضاها في عالم الجن , حيث كان يشعر هناك بالنشاط الدائم طوال الوقت .. كما رغب بالطيران مجدداً برفقة صديقه الجني في سماء الجن الملونة بألوان قوس قزح
لكن أكثر ما كان يشتاق اليه هو حنان زوجته .. فبدأ يتساءل في نفسه : 
((يا ترى , كم أصبح عمر ابني الآن ؟!))

وفجأة ! سمع صوتاً من تحت غرفته , يقول : 
- بدأ يمشي خطواته الأولى .. هيا يا جيم الصغير !! إذهب الى والدك
وهنا ! خرج جني صغير أخضر اللون من فتحةٍ مُضيئة في أرضيّة القبو , وبدأ يمشي مُتعثّراً باتجاه سرير والده
جيم بدهشة : إبني !

ثم خرجت زوجته من فتحة الأرض وهي تقول بعينين دامعتين :
- إشتقت اليك يا زوجي العزيز
لكنه فاجأها بردّة فعله , حين غطّى وجه بالملاءة ! قائلاً لها بجفاء: 
- خذي الولد وعودي الى عالمك يا ديانا !! فأنا لا اريد رؤيتكما
فقالت وهي تحمل ابنها :
- ارجوك إسمعني يا جيم .. كنت أراقبك من بعيد طوال الفترة الماضية , وأشعر بالأسى كلما رأيتك تتألّم ..وأريدك ان تعود معي , فعالمنا ليس فيه امراض او تعب .. 
فصرخ مقاطعاً , وهو مازال يُغطي وجهه بالملاءة : قلت اذهبي من هنا !!

فقالت ديانا بعصبية : 
- على فكرة !! سمعت أخاك قبل قليل وهو يتكلّم بالهاتف مع دار للرعاية الصحيّة , فهو لا يريد رعايتك بعد اليوم 
فأزال الملاءة عن وجهه , مُخفياً قلقه : ولما عليّ تصديقيك ؟ فأنت كذبتي عليّ سابقاً
فقالت بغضب : حسناً , كما تريد يا جيم .. لكن هذه آخر مرة تراني فيها

ونزلت مع ابنها في الفتحة , وكأنها تنزل الأدراج ..
وقبل ان تقفل البوّابة من جديد , تفاجأت بيدٍ تلمس شعرها .. لتنظر الى فوق وتراه , بعد ان زحف باتجاهها .. قائلاً لها وهو يلهث بتعب :
جيم : لا اريد ان أتألّم بعد اليوم .. خذيني معك , فأنا لا أتخيّل حياتي من دونكما .. 

فابتسمت له , مُمسكةً يده .. 
وما ان نزل جيم معهما حتى إنغلقت البوّابة السحريّة , تاركاً خلفه أدويته المبعثرة وجهاز غسل الكلاوي وقناع الأوكسجين !  
******  

ملاحظة :
هذه القصة كنت إستوحيتها سابقاً من كلمات أغنية (إحتمال وارد) لسميرة سعيد , وقمت الآن بتعديلها وتحسينها ..
فأشكر أستاذي الذي علّمني طريقة إستخراج أفكار للقصص من كلمات الأغاني والصور والفيديوهات القصيرة  
تحياتي له وللجميع

الأحد، 6 مايو 2018

كيف أهرب من هذا الجحيم ؟! الجزء 2



لابد من حلٍ سريع 

الجزء الأول :
فكرة : محمد بيومي آل غلّاب
كتابة : امل شانوحة
رابط القصة :
https://kabbos.com/index.php?darck=4618

الجزء الثاني : 
تأليف : امل شانوحة

استيقظ جون ليجد نفسه في نفس الزنزانة التي سُجن بها لشهورٍ طويلة , فبدأ يلعن حظه الذي أعاده الى هذا الجحيم من جديد !
- يا الهي ! ليس ثانيةً .. (ثم تنهّد بحزن) .. وهآقد عدنا من حيث بدأنا ! مالعمل الآن ؟ كيف أتخلّص من تلك المهمّة اللعينة !! 

وهنا دخلت عليه ابنة رئيس العصابة , وهي تقول :
- وأخيراً استيقظت , لقد نمت طوال النهار .. كيف حال جرحك ؟
ففاجأها قائلاً : شكراً جزيلاً لك
فسألته بدهشة : وعلى ماذا تشكرني ؟!
جون : على بقائي حيّاً , الست انتِ السبب ؟
فسكتت باستغراب !
فتابع قائلاً : هيا لا تنكري .. فلوّ كان شخصاً آخراً حاول الهرب مثلي , لكنتم عذّبتوه حتى الموت .. اليس كذلك ؟

الصبيّة بعصبية : إسمع يا هذا !! انا دافعت عنك لأني وجدتك أذكى من بقيّة المساجين , ونحن بحاجة الى ذكائك في هذه العملية بالذات
فقال بابتسامةٍ حنونة : الهذا فقط , يا ديانا ؟
الفتاة بغضب : جون !! لا أسمح لأحد ان يتكلّم معي بهذا الأسلوب , او ان يناديني بأسمي ..فلا تظن للحظة بأنك قادرٌ على إمالة قلبي ..أسمعت ؟!!

فنظر اليها مطولاً بنظرةٍ أربكتها , ثم قال : 
- لقد مال قلبك وانتهى الأمر
فتلعّثمت قائلة : انت تحلم !
وحين همّت بالخروج , أوقفها قائلاً : 
- جمالك لا يليق بهذا المكان  

فنظرت اليه بلؤم , ثم نادت الحارس ليفتح لها باب الزنزانة ..
لكنها خرجت من عنده وهي تشعر بشيءٍ لم تحسّ به من قبل ! فجون هو أول شخص يُغازلها في حياتها كلها , لأن جميع الرجال من حولها يخافون الإقتراب منها بسبب مركز والدها .. 
لكنها أنكرت مشاعرها , قائلةً في نفسها بغيظ :
- لوّلم تكن وسيماً لقتلتك بيديّ ايها الماكر !!
***

وبعد اسبوعين .. دخلت اليه مجدداً بعد خروج الطبيب من عنده..  
ديانا : أخبرني الطبيب بأن جرح معدتك بدأ يلتئم أخيراً .. من حسن حظك انه لم يتجرثم
جون : أعرف انك تطمأنين على صحتي دائماً 
ديانا مُستنكرة : لا غير صحيح !
- بلى .. وقد كنت أنتظر زيارتك كل يوم , فلما غبتي عني كل هذا الوقت , يا ديانا ؟

لكن هذه المرة لم تضايق منه حين ناداها بإسمها ! بل قالت مبرّرة:  
- كنت مشغولة ببعض الأعمال ..
جون مقاطعاً : إشتقت اليك
فانتفضت بارتباك بسبب جرأته الغير متوقعة : 
- إيّاك ان تكلّمني بهذه الطريقة مجدّداً .. أسمعت ؟!!
جون : من المستحيل أحياناً السيطرة على مشاعرنا 
فقالت مهدّدة : انت تجاوزت حدودك كثيراً يا جون .. وان كنت تظن بأنك ستخرج من هنا بسيطرتك عليّ !! فأنت مُخطأٌ تماماً , لأن قلبي أقسى من الحجر
جون : لست مُلزمة أن تكوني قاسية لترضي والدك , فأنت بذلك تتخلّين عن أنوثتك البريئة
ديانا بغضب : انا لست فتاةً بريئة !!
- بلى , وربما أكون الوحيد الذي تجرّأ على التغزّل بعينيك الجميلتين

فصفعته بقوة .. لكنه فاجأها بابتسامةٍ حنونة قائلاً :
- يدك ترتجف .. ومتعرّقة ايضاً !
- الجوّ حار
- بالعكس , الجوّ لطيف .. لكن تعرّق اليدين هي إحدى علامات الوقوع بالحب 
ديانا صارخة في وجهه : انت كاذب !!
- إبحثي بالإنترنت , وستجدين كلامي صحيحاً

فأغلقت باب الزنزانة خلفها بعصبية , وقلبها يرتجفّ بقوّة ..
وهي تقول في نفسها بقلق : ((مالذي يحصل لي ؟! هذا اللعين يحاول السيطرة على المشاعري , لكني لن أسمح له بذلك !!))
***  

وفي المساء .. لم تستطع ديانا النوم , فقامت من سريرها لتنظر الى نفسها بالمرآة :
- عينايّ جميلتان فعلاً ! فلما لم يتغزّل بهما أحد من قبل ؟!
ثم فتحت الإنترنت وبحثت عن : التغيرات الكيميائية التي تحصل في أجساد العاشقين .. فوجدت ان تعرّق اليدين هو دليل على الوقوع في الحب 
- مصيبة ان كان هذا صحيحاً ! فآخر شيءٌ أريده هو أن أعشق مهرّب مخدرات .. آه ماذا أقول ؟! وكأني لست إبنة تاجر مخدرات .. فمن تظنين سيتزوجك يا ديانا ؟ سفير ام مهندس ؟ على الأقل جون يعمل في تجارةٍ شريفة , كما انه لم ينقل المخدرات بعد
ثم فكّرت قليلاً : ولن أسمح لأبي أن يغرقه في هذا المستنقع !!
*** 

في اليوم التالي .. دخلت ديانا الى زنزانته , قائلةً بحزم :
- إسمع يا جون !! لن نقبل ان تبقى عالةً علينا , لذلك عليك ان تجدّ عملاً داخل السجن الى ان تشفى تماماً , فهذا ليس فندقاً او مستشفى
فقال لها : أستطيع الطبخ 
ودون ان تجادله , قالت للحارس الذي معها : 
- خذه الى المطبخ , ولنرى ان كان صادقاً
وقبل ان يخرج جون من زنزانته , قال لها بصوتٍ منخفض : 
- شكراً لكِ
ديانا باستغراب : على ماذا ؟!
- لأنك تحاولين إبعادي عن تهريب المخدرات
- لا لم أفعل !
- بلى , انت تحمينني ..وأتمنى ان يأتي يوم وأردّ لك الجميل

ثم ذهب مع الحارس , تاركاً إيّاها في حيرة وهي تقول في نفسها : 
- ما هذا الرجل ؟! كيف يستطيع قراءة أفكاري ؟!
***

وبعد مرور شهرين .. كانت إصابة جون قد شُفيت تماماً , لكن يبدو ان طعامه اللذيذ أنسى رؤساء العصابة موضوع مهمّته ! خاصة ان معظم وصفات الطعام الأمريكية تعتمد على اللحوم التي يعشقها الرجال 
***

وفي أحد الأيام .. وبينما هو يحمل الطعام لرئيس العصابة , سمع ديانا تجادل أباها من خلف الباب :
- لما لا تختار غيره يا ابي ؟! 
صوت والدها : الست انتِ من إقترحت جون لهذه المهمّة منذ البداية ؟!
- لكنه طباخٌ جيد
- انا لا اريد طباخين !! بل مهربين كفوئين .. لذا عليك إخبار الطبيب بأن يعدّه للجراحة , فالموزعون ينتظرون الدفعة الثانية من مخدرات الفلاكا (الزومبي) بعد فشل الأغبياء الأربعة الذين أرسلناهم سابقاً لهذه المهمّة 
ديانا بقلق : وهل قتلوا جميعاً ؟!
والدها : ثلاثة منهم , اما الرابع فقد ألقوا القبض عليه .. لكن لا تقلقي , فهو لن يعترف علينا طالما مصير عائلته في أيدينا .. المهم الآن , ان نُرسل شخصاً ذكياً كجون لتنفيذ هذه المهمّة الصعبة 
- لكن ابي ..
مقاطعاً بعصبية : لا تعانديني يا فتاة !! إذهبي ونفّذي الأوامر 
وهي تخفي حزنها : حاضر 

فأسرع جون مُبتعداً عن المكان , بعد معرفته بأن عليه إيجاد حلاً سريعاً للخروج من هذه الأزمة  
***

وفي منتصف تلك الليلة .. إستغلّ جون نوم حارس المخزن الذي وضع له المنوّم في قهوته (كان أعطاه إيّاه الطبيب كمسكّن للألم , قبل شهر) 
ثم دخل الى المخزن الذي إمتلأ بصناديق المخدرات ..
وبعد معاينتها , قال جون بيأس : 
- اللعنة ! لا إستطيع المخاطرة بفتح أيٍّ من هذه الصناديق , فجميعها مُرقّمة ومختومة جيداً .. مالعمل الآن ؟!

وقبل ان يخرج من هناك , سحق شيئاً بقدمه ! وكانت بقايا لحبة مخدّر .. فنظر أسفل الخزائن الحديدية التي إصطفّت عليها الصناديق , فوجد بعض حبوب المخدرات المتناثرة هنا وهناك بألوانها وانواعها المختلفة التي تناثرت بسبب إهمال العمّال .. 
فأختار فقط الحبوب الزرقاء من بينها , وهو يقول بارتياح :
- هذا هو النوع القويّ الذي يريدونني ان أنقله لأميركا ! 

وبعد ان جمعها , قال في نفسه : 
- أظن ان هذه الكميّة تكفي لخطة هروبي من هنا
ثم خرج بهدوء من المخزن , عائداً الى زنزانته وهو يفكّر بخطة الغدّ 
***

في ظهر اليوم التالي .. دخلت ديانا حزينة الى المطبخ , بينما كان جون مشغولاً بتحضير الشوربة ..واقتربت منه , لتقول بتردّد :
- لا ادري ماذا أقول لك !
فقال لها , دون ان ينظر اليها : إعطني المملحة لوّ سمحتي
بدهشة : ماذا !
- المملحة التي بجانبك
فأعطته المملحة وهي تقول دون وعيّ منها : تفضّل يا جون
فابتسم لها : شكراً لك .. انا أحضّر الشوربة التي يحبها والدك
- إسمعني قليلاً , فأنا اريد إخبارك بشيءٍ مهم

ففاجأها قائلاً : متى موعد المهمّة ؟
ديانا بدهشة : وكيف عرفت ؟!
- لأن الخوف واضحٌ عليكِ
- الن تكفّ عن قراءة عينايّ يا جون ؟!
- هذا مستحيل , فهما كالبحر يخفيان مشاعراً لا حدود لها
- دعك من هذا الآن , ولنتكلّم عن المهمّة
- سنتكلم لاحقاً عزيزتي
ديانا بعصبية : لا تقلّ لي كلاماً لطيفاً , فأنا لا أقبل ..
جون مقاطعاً , وهو يقرّب من فمها ملعقة الحساء : 
- ذوقي الشوربة
فانصدمت من جرأته !

جون : هيا ذوقي يا ديانا .. نعم , تمام .. والآن ما رأيك ؟
ديانا : لذيذة , كان عليك ان تصبح طباخاً بدلاً من تاجر
جون بضيق : والله أقبل بأيّةِ وظيفة , عدا مهرّب مخدراتٍ قذر !!
- أعتذر منك يا جون , لكن هذا المساء سيقوم الطبيب..
مقاطعاً بقلق : الجراحة الليلة ؟!
وهي تُخفي حزنها : نعم ولهذا لا تتعب نفسك كثيراً بالمطبخ , فأنت محتاجٌ الى الراحة
فيتنّهد بحزن , ثم يقول لها : الشوربة انتهت , دعيني أسكبها للجميع ..ومن ثم أذهب لأرتاح في زنزانتي 

فربتتّ على كتفه بحزن , ثم أسرعت بالذهاب من المطبخ قبل ان يرى دموعها التي تحاول إمساكها بصعوبة 
فقال جون في نفسه : ((لا تقلقي عزيزتي , فأنا لن أدعك هنا بين المجرمين .. وسأحاول إنقاذكِ انتِ ايضاً)) 

ثم وضع جون الحبوب الزرقاء الخطيرة في صحون الحرّاس ورؤساء العصابة , بينما لم يضعها في صحن ديانا والطبيب (الذي أراده معه بخطة الهروب) وقد أصرّ على أخذ الطعام اليهما بنفسه .. بينما قام الحارس بتوزيع الطعام للبقيّة , باستثناء المساجين الذين لا يأكلون سوى العصيدة الرديئة التي يطبخها لهم طباخ السجن العجوز
***

وما حصل بعدها كان أرعب بكثير ممّا توقعه جون ! حيث عَلَت صرخات الحرّاس المرعبة في أرجاء السجن المهجور , وكانت حركاتهم غير منطقية وأشبه بالزومبي ! فمنهم من مزّق ثيابه بسبب ارتفاع درجة حرارته , ومنهم من هجم على الآخر ليعضّه وينهش من لحمه وهو حيّ ! بينما قام البعض بطرق رؤوسهم بالجدار بقوّة حتى نزفت أنوفهم وجبهتهم , وصاروا يكرّرون هذه الأفعال الغريبة دون توقف ! 
بينما كانت تشنّجاتهم مؤلمة بحقّ , حيث كان يتلوّون بحركاتٍ ستؤذي حتماً عظامهم وعضلاتهم !  

اما الأسوء فهو ما حصل لوالدها (رئيس العصابة) حيث وضع له جون ثلاث حبات زرقاء في صحنه .. 
وقد شاهد جون وديانا والطبيب , الرئيس وهو يقتلع إحدى عينيه بيديه .. لتسقط ابنته مغشياً عليها من هول الموقف !
ولم يستطع الطبيب فعل شيء لإيقاف هذه المأساة , لأنه لم يكتشف بعد علاجاً لهذه الحبة التي يستمر مفعولها لساعاتٍ طويلة

وفي خُضم الأحداث والصرخات المرعبة , تفاجأ الطبيب بفوهة المسدس موجهاً الى رأسه , بعد ان سحبه جون من إحدى الحرس الذي كان ينتفض على الأرض بألم ..
الطبيب بقلق : هل ستقتلني يا جون ؟!
- لوّ كنت أريد التخلّص منك لوضعت لك المخدّر بطعامك , لكني اريدك ان تذهب حالاً لإطلاق سراح المسجونين , ثم تلحق بنا الى القارب 
- أستأخذ ديانا معك ؟
- نعم , وان كنت لا تريد ان تبقى وحدك بين الزومبيز المرعبين , فافعل ما طلبته منه , ثم الحقنا الى الشاطىء ..فأنا لن أذهب بدونك.. هيا تحرّك !!
***

وبالفعل !! قام الطبيب بإطلاق سراح المساجين الذين استقلّوا قاربين مطاطيّن وبدأوا بالتجذيف بعيداً عن جزيرة السجن .. بينما ركب الطبيب مع جون وديانا (الغائبة عم الوعيّ) في زورقٍ سريع..
***

وفي منتصف البحر .. سأله الطبيب :
- لما لم تضع لي المخدّر ؟!
جون : لأنك طبيبٌ عبقري
- ماذا تقصد ؟!
- الست انت من اخترعت علاجاً فعّالاً للصداع ؟ 
فأجاب الطبيب بحزن : نعم , فقد كنت طالباً مميزاً بالجامعة ..الأول على دفعتي ..وذات يوم هجموا علينا رجال عصابة العقرب , وقتلوا والدايّ وأخوتي ! ثم خطفوني للعمل في مختبراتهم السريّة الموجودة في قبو ذلك السجن , فقبلت مُجبراً تنفيذ اوامرهم

جون : وهل انت من اخترعت مخدّر الزومبي ؟
الطبيب : مخدّر الفلاكا معروف سابقاً بالصين وباكستان وهي حبوب بيضاء كريهة الرائحة .. لكني قمت بصباغته باللون الأزرق لتميزه عن غيره في السوق السوداء .. كما انني ضاعفت قوته , ليزيد النزعة الحيوانية لدى الإنسان  
جون معاتباً : وهل انت فخورٌ بنفسك لتدميرك حياة آلاف الشباب؟  

الطبيب بندم : صدقني , كنت مُجبراً على ذلك ! فأنت لا تعرف بما مرّرت به في سنوات إحتجازي هناك , حيث أجبروني على القيام بالكثير من العمليات الجراحية كإزالة الرصاص من اجسام المصابين منهم , او دسّ المخدرات داخل أجساد المروجين .. رغم ان تخصّصي الجامعي ليس الجراحة بل التراكيب الكيميائية للأدوية , فأنا كنت آمل دائماً ان أكتشف علاجاً للأمراض المستعصية .. وانظر الى حالتي الآن ! لقد قضوا على جميع احلامي 
- لا , ليس بعد 
- ماذا تقصد ؟!

جون : سأقوم بالترويج عن دوائك السحريّ لعلاج الصداع بكافة المختبرات الطبيّة , الى ان تحصل على براءة الإختراع .. ومن ثم نعمل سويّاً على تسويقه في جميع أنحاء العالم , وبذلك نصبح أغنياء 
الطبيب بيأس : تتكلّم وكأن الموضوع سهل
جون : سيكون سهلاً في اميركا
- وهل نحن ذاهبون الى هناك ؟
- نعم .. فحين خدّرت حارس المخزن البارحة , أخذت جواله واتصلت بصديقي الذي يعمل في شرطة المطار , وهو من سيدخلنا الى البلاد بموافقة من المخابرات الأمريكية الذين يأملون بالحدّ من عمليات تهريب المخدرات الى اميركا من قِبل أفراد عصابة العقرب المكسيكية 
الطبيب بارتياح : يعني أخيراً سأعمل عملاً قانونياً ؟!  

وهنا استفاقت ديانا بعد ان سمعتهما , قائلةً : 
- هذا ان لم يقتلنا والدي قبل ان نصل الى الحدود !
جون : سنصل سالمين الى اميركا , لا تقلقي .. كل ما اريده منك ان تبقي في صفّنا 
الطبيب مُحذّراً : انا مكانك لا أضمنها , فهي بالنهاية ابنة والدها
جون بثقة : بل ستفعل ذلك لحماية زوجها
ديانا بدهشة : ماذا قلت ؟!
جون بابتسامة : ولما استغربتِ ؟ انا أعرض عليك الزواج
فضحك الطبيب بعد ان لاحظ ارتباكها : أظنها لم تتخيّل هذه اللحظة ابداً .. مبروك يا عروس
فقالت له بعصبية : وعلى ماذا تبارك ؟! فأنا لم أوافق بعد !!
فاقترب جون منها قائلاً : لوّلم يكن الطبيب معنا , لأجبرتك على الموافقة 
الطبيب مُمازحاً : حسناً سأغمض عينايّ , وأنت قبّلها براحتك
ديانا صارخة بقلق : لا !! إيّاك ان تفعل يا جون ..والله أقتلك !!!
فضحك الشابان .. 

جون مغازلاً : هذه اول مرة أرى خدودك حمراءً هكذا !
ديانا باستنكار : لا , انت تكذب ! 
الطبيب : لا عليك منها فهي ستقبل عرضك بالتأكيد , فقد كانت تدافع عنك بشراسة 
فتنظر الى الطبيب مُعاتبة ..
الطبيب بابتسامة : ماذا .. أتنكرين ؟ 
ديانا مهدّدة : غيّرا الموضوع حالاً لأجل سلامتكما !!
جون : حسناً إهدئي , سنتكلم في هذا الموضوع بعد وصولنا بالسلامة الى اميركا

لكن فجأة ! ظهرت من بعيد سفينة تتحرّك باتجاههم بسرعةٍ فائقة ! 
ديانا : اللعنة ! هذا زورق ابي الخاص 
جون بقلق : ماذا تقصدين ؟!
ديانا بخوف : محرّكها ضعف قوّة قاربنا , وأظنه سيصل الينا قريباً ليقتلنا جميعاً !
جون وهو يُخفي قلقه : حسناً , سأضاعف السرعة للوصول الى البحر الإقليمي لأميركا
***

وكان والدها يراقبهم بمنظاره في قاربه السريع , بعد ان غطّى عينه الأخرى المصابة بالشاشّ .. صارخاً لقبطان سفينته بعصبية:  
- إسرع اكثر !! أريد اللحاق بهم 

لكنه تفاجأ حين رأى سفن خفر السواحل الأمريكية تقترب من قارب ابنته من الجهة المعاكسة , وكانوا على وشك الوصول قبله الى سفينة جون  
***

وبعد قليل .. شاهد والد ديانا بمنظاره وصول الشرطة اليهم , فصرخ لقبطانه قائلاً : 
- توقف حالاً !!
فاقترب منه حارسه : لما توقفنا سيدي , فقد كنّا على وشك اللحاق بهم ؟!
الرئيس بغيظ : يا غبي !! ان اقتربنا أكثر فسيقبضون علينا بتهمة عبور المياه الإقليمية دون إذنٍ من السلطات الأمريكية .. فهيا نعود الى جزيرتنا , ولنفكّر هناك بطريقةٍ أخرى لتحرير ابنتي من أيدي ذلك اللعين !!

وبينما كانت سفينته تعود أدراجها , قال الرئيس في نفسه بغضب :
((ستندم على تحدّيك لي , ايها التافه !!))
***

وما حصل بعدها كان أغرب من الخيال ! حيث استطاعت المخابرات الأمريكية القبض على الكثير من الشحنات المهرّبة , بعد قيام جون بإطلاعهم على هويّة الأشخاص الذين قاموا بمهمّات التهريب قبله , لكن بشرط : ان لا يعاقبونهم , فهم كانوا مُختطفين مثله في ذلك السجن , ومُجبرين على تنفيذ اوامر عصابة العقرب خوفاً على عائلاتهم .. 
لهذا رضيت السلطات الأمريكية بتطبيق قانون حماية الشهود عليهم , في حال تضامنوا معهم للإطاحة بهيبة عصابة العقرب والتقليل من سيطرتها على السوق السوداء ..
***

اما جون فقد توجّه برفقة الطبيب المكسيكي الى أهم المختبرات الطبيّة الأمريكية ليعرض عليهم إكتشافه الطبّي المذهل في علاج الصداع النصفي .. ليقبلوا بعد شهورٍ طويلة , شراء الإختراع منه (بعد ان أجروا العديد من التجارب على الحيوانات اولاً , ومن ثم المرضى) .. 

وبعد النجاح الكبير الذي حقّقه الطبيب المكسيكي في اميركا , التقى بجون كيّ يعطيه نصيبه من الأرباح بعد طرح دوائه في الأسواق 
جون وهو يستلم الشيك من الطبيب , يقول بدهشة : لكن هذا مبلغٌ ضخم !
الطبيب : هذا أقل ما يمكنني فعله لأجلك بعد ان أخرجتني من ذلك الجحيم

جون : وهل ستبقى في اميركا ؟
- أساساً ليس لديّ أحد بالمكسيك بعد قتلهم لأهلي
- لا تحزن يا صديقي 
- لا عليك , تعوّدت على الأسى .. والآن إخبرني , ماذا تنوي فعله بهذا المال ؟ 
- سأتابع به تجارة الخردوات , لكن بعد ان أتزوج من حبيبتي
الطبيب بدهشة : حبيبتك ! أهذا يعني ان قلب ديانا مال إليك أخيراً ؟!
- بصعوبة يا صاحبي ! فهي تظنّ بأنني تقرّبت منها كيّ أستغلّ عطفها في الخروج من ذلك السجن 

الطبيب : الم تكن تلك نيتك بالفعل ؟
جون : في البداية نعم .. أردّت السيطرة على مشاعرها كيّ تحميني من بطش والدها .. لكن حين تخلّت عن قسوتها , بدأت أرى فيها أنوثة أعجبتني , وجعلتني أرغب بإخراجها من ذلك المستنقع الذي لا يليق بها .. المهم إنها بالنهاية أقتنعت بحسن نوايايّ , واعترفت لي بحبها.. ولذلك أريدك ان تكون شاهداً على زواجنا
الطبيب مُحذّراً : من الأفضل ان يكون عرسكما سرّياً , فربما يكون رجال عصابة العقرب منتشرون بالجوار ! 

جون : وهذا رأيّ ديانا ايضاً .. لكن لا تقلق , فهم لن يصلوا الينا بعد تغير أسمائنا 
الطبيب بقلق : الحرص واجب يا جون .. فربما يستطيعون الوصول الى عنوانكم الجديد عن طريق رشوة بعض الفاسدين من رجال الشرطة الأمريكية .. فالأموال تغيّر النفوس يا صاحبي .. كنّ حذراً
***

وحصل العرس بمكانٍ سرّي , وبحضور أعدادٍ قليلة من الأصدقاء المقرّبين .. وعاش جون وديانا بسعادة دون حدوث أيّ شيءٍ يقلق راحتهما من قبل أفراد عصابة والدها , الذين بدأوا بالإنسحاب تدريجياً من عصابته والإنضمام لعصاباتٍ أخرى بعد ان ضعف نفوذ عصابة العقرب كثيراً ! بعد قبض السلطات الأمريكية على الكثير من مروّجيها داخل اميركا..
*** 

جون بعد قراءته للصحيفة , قال لزوجته : 
- يبدو ان مملكة والدك الى زوال !
فنظرت اليه ديانا بحزن , فقال لها باستغراب :
- ولما انت حزينة ؟! هل تريدنه ان يتابع عمله في أذيّة الشباب ؟!
- لا طبعاً , لكني خائفة أن يؤذيك ويؤذي طفلنا 
- لا تقلقي , فهو مشغولاً الآن بحلّ مشاكله المالية .. كما ان الحكومة الأمريكية تضغط على الحكومة المكسيكية للقبض عليه
ديانا بقلق : أخاف ان يقتلوه بالسجن , فهو لديه الكثير من الأعداء هناك
- لا تغضبي مني يا ديانا , لكنه يستحق العقاب
فسكتت ديانا بحزن , وهي تحتضن وليدها 
***

وحصل ما كان متوقعاً , حيث استطاعت شرطة مكافحة المخدرات المكسيكية إقتحام السجن المهجور الذي بقيّ قلعةً شامخة لعشرين سنة .. وتم ضبط البضاعة المتراكمة هناك , ونقلوا المجرمين الى سجنٍ حقيقي هذه المرة .. 
لكن الغريب ان والد ديانا عُومل كملك في سجن الدولة , بعكس ما توقعه الجميع ! ذلك لأنه أحاط نفسه برجاله الأقوياء الذين إنضموا اليه , وفرضوا سيطرتهم على بقيّة المساجين .. وكأنه نقل مركزه الى سجنٍ جديد ! بعد رشوته للحرس الفقراء من الشرطة الذين بدورهم وفّروا له جميع متطلباته , ومن ضمنها جوّاله الخاص 
***

وفي أحد الأيام , وبينما كان رئيس عصابة العقرب يتمشّى في ساحة السجن .. وصلته مكالمة من امريكا ! 
فردّ عليها , ليتفاجأ بصوت ابنته التي لم يسمعه منذ سنة , والتي اتصلت به دون علم زوجها جون..
رئيس العصابة بدهشة : ديانا ! أهذا انت ؟!
- نعم ابي
- واين انت الآن ؟
ديانا : لا يهم اين انا ..أردّت فقط الإطمئنان عليك بعد معرفتي بسجنك

فبدأ الأب يعاتبها على خيانتها , بينما كانت هي تحاول التبرير له  
وأثناء صراخه عليها , سمع بكاء طفلٍ بجوارها !
فسألها بدهشة : ما هذا الصوت ؟! هل أصبح لديك طفل ؟!
- نعم , أصبحت جدّاً لولدٍ جميل
ابوها بغضب : ولدٌ من ذلك السافل !!
- ابي .. هو يعاملني جيداً
بعصبية : وهل يعاملك كأميرة كما كنت أفعل دائماً ؟!!
- ابي رجاءً , لا تضعني بينك وبين زوجي .. فأنا اتصلت بك للإطمئنان عليك .. وقد فعلت .. والآن عليّ إغلاق المكالمة قبل عودة زوجي من العمل..
- لحظة يا ديانا !! قبل ان تذهبي , إرسلي لي صورة حفيدي
ديانا بدهشة : أحقاً ابي ؟!
- نعم , اريد ان أرى ان كان جميلاً كوالدته

فأرسلت له صورته , وبدءا يتحدثان عن الصغير .. 
ثم قال لها :
- اريد ان أبعث هدية لحفيدي , فارسلي لي عنوان منزاك
- لكن ابي ..
ابوها مُقاطعاً وبصوتٍ منكسر : ديانا .. انا مسجونٌ الآن , ومحطّمٌ تماماً يا صغيرتي .. وأُهان كل يوم من بقيّة السجناء 
ديانا بقلق : أحقاً !
- لا تقلقي فالوضع ليس خطيراً لهذه الدرجة , لكني أريدك ان تعرفي بأنني تغيرت كثيراً بالشهور التي قضيتها في السجن .. وأعتذر لك لأنني أفسدت حياتك , وحياة آلاف الشباب .. لهذا اريد تصحيح بعضاً من أخطائي .. فرجاءً حبيبتي , دعيني أرسل لحفيدي شيئاً يتذكّرني به .. فمن يدري ؟ ربما أقتل هنا في أيّةِ لحظة

وظلّ يؤثّر على مشاعرها ويُذكّرها بذكرياتهما سويّاً , حتى أبكاها  وأرسلت له عنوانها في اميركا..
ديانا : لكن ارجوك ابي , لا تؤذي زوجي فهو حبيّ الوحيد
- وما دخلي انا به !! فكلّ من يهمّني هو انت وحفيدي فقط 

وبعد انتهاء المكالمة .. قال بصوتٍ عالي امام جميع السجناء : من المكسيكيين والأفارقة واللاتينين والأيطاليين المتواجدين داخل السجن المكسيكي ..
- مئة مليون دولار !!! لمن يحضر لي رأس صهري العزيز
فصرخت كل فرقة بحماس : نحن نفعلها !!! 
- بل نحن نقوم بالمهمّة , سيدي !! 

وحصل هرج ومرج إستدعى تدخل رجال الشرطة , بينما اكتفى رئيس عصابة العقرب بابتسامةٍ خبيثة , وهو يقول في نفسه :
((سأجعلك تندم كثيراً يا جون على حرماني من عملي ومن ابنتي .. ولن يُشفى غليلي الاّ بأخذ روحك وروح ابنك , ايها التافه اللعين !!))

ثم ضحك بهستريا !! لأنه يعلم بأنه فتح باب جهنم على جون الذي يحتاج الى معجزة إلآهية للخروج من هذا المأزق الخطير ! 

فهل برأيكم يستطيع جون إنقاذ عائلته من وحشيّة والد زوجته ؟

سنعرف الإجابة قريباً في الجزء الأخير للقصة ..
****

ملاحظة :
1- شاهد ما يفعله مخدّر الفلاكا (او ما يُعرف بمخدّر الزومبي) بمتعاطيه :
https://www.youtube.com/watch?v=xc5uY_25-Jw

2- فتاة تقتلع عينيها بنفسها بسبب المخدرات :
https://www.youtube.com/watch?v=FyEm7XcGcbk

الثلاثاء، 1 مايو 2018

الطريق الوعر

تأليف : امل شانوحة


يالها من ضحيّةٍ سهلة !

- أهربي يا إيميلي !!
قالتها الأم المرتعبة لإبنتها المراهقة (13عام) لكيّ تهرب من البيت بعد عودة زوجها مخموراً كعادته , لكن هذه المرة كان يحمل سلاحاً بعد رفض ابنتها إطاعته بمواعدة رجلٌ غنيّ أعطاه ثمنها مقدّماً

وركضت إيميلي بأسرع ما يمكنها بين الأحراش الى ان وصلت للطريق العام , وكان الوقت تعدّى منتصف الليل .. وظلّت تمشي على الرصيف بثياب نومها الطفوليّة التي لم تدُفئها بهذا الجوّ البارد 

وفجأة ! توقفت بجانبها شاحنة نقل , كان سائقها رجلاً عجوزاً في السبعينات من عمره , ناداها قائلاً :
- يا بنت !! مالذي تفعلينه في الشارع بهذا الوقت المتأخر من الليل ؟!
فنظرت اليه بعيونها الدامعة وهي ترتعش من البرد :
- يا عمّ , هل تأخذني الى المدينة المجاورة ؟ ففيها منزل والدي 
- هيا اصعدي , انا ذاهبٌ الى هناك في جميع الأحوال

وصعدت لتجد الشاحنة دافئة من الداخل , وأخبرها العجوز بأنه سيتوقف عند المحطة ليحضر لها شيئاً ساخناً تشربه 
وقد فعل .. كما أحضر معه السندويش والحلوى .. 

ايميلي : شكراً لك يا عم , والله انك أحنّ من زوج امي الذي أراد بيعي لصديقه
- الهذا هربتي من المنزل ؟
- نعم
- جيد انك فعلتي .. لكن عليك إخبار والدك عن أفعال ذلك الملعون , كيّ تنتقلي للعيش معه
فأومأت برأسها موافقة .. 

ثم تنهّدت بحزن قائلةً : امي وابي إنفصلا حينما كنت في السابعة , وبذلك أبعداني عن اخي الكبير
- هل يعيش مع والدك ؟
- هو اخي من ابي , كان عمره عشر سنوات حين تزوج ابوه من امي .. وكم كان أخاً حنوناً 
- لا تبكي يا صغيرة , سأوصلك لعائلتك .. حاولي ان تنامي قليلاً , فالمسافة مازالت بعيدة
- هل سنصل الى هناك في الصباح ؟
- يعني , قبيل الظهر .. نامي عزيزتي
***

وبعد ساعتين .. إستفاقت ايميلي بعد إحساسها بتوقف الشاحنة , لتجدها بالقرب من كوخٍ متهالك في أحضان غابةٍ موحشة ! 
وانتبه العجوز لها وهي تنظر للجوار من نافذة الشاحنة , حينما كان يفتح باب الكوخ .. فناداها :
- ايميلي !! تعالي الى هنا
فسألته بقلق : اين نحن ؟!
- إنزلي وسأخبرك 
فنزلت بتردّد , وهي تشعر ببعض الخوف !
***

وبعد ان دخلا الكوخ الذي بدا مهجوراً من الداخل .. سألته من جديد: 
- لمن هذا الكوخ ؟
- هذا بيتي
- ولما توقفنا ؟ الن نُكمل طريقنا نحو المدينة ؟!
- بلى , لكني رجلٌ عجوز ولي عشر ساعات أقود السيارة وقد آلمني ظهري , سأنام قليلاً وفي الصباح نُكمل الرحلة .. هيا تعالي معي لأريك غرفتك

وأخذها الى قبوٍ تفوح منه رائحة الرطوبة العفنة .. وحين فتح قفل بابه شاهدت بالداخل مالم يكن بالحسبان ! حيث رأت أدواتاً يستخدمها عادةً الرجال السادييّن .. 
وحين نظرت اليه , شاهدت بريق عيناه كأنهما لشيطانٍ بهيئة بشريّ ! فعرفت على الفور بأنها وقعت بفخّ مجرمٌ شهوانيّ  
فلم تجد نفسها الا وهي تطلق ضحكاتٍ عالية بسعادةٍ غامرة , فاجأت العجوز وأربكته !
- ما بكِ ؟! هل جننت ؟

ايميلي بفرح : يا الهي !!!! كم انا سعيدة الآن .. الا تدري بأنك حقّقت حلم حياتي ؟
- لم أفهم ما تقصدين ؟!
- هل صدّقت ايها العجوز بأنني هاربة من المنزل ؟
- اذاً لماذا كنت تسيرين كالتائهة في الطرقات ؟!
- حسناً , سأخبرك بقصتي منذ البداية .. حين بلغت 13 من عمري , أُصبت بمرض .. 

وتساءلت في نفسها بقلق : ماذا كان اسم ذلك المرض بفيلم اليتيمة (Orphan) .. آه تذكرته !!
العجوز : لما سكتي ؟ ماهو مرضك ؟
- اسمه (hypopituitarism).. أتعرف ماهو ؟

العجوز : أظنني سمعت به ..اليس هو المرض الذي يوقف نمو الأطفال ؟
- بالضبط !! لهذا تجد مظهري وكأنني مراهقة صغيرة , لكني بالحقيقية بلغت سن الأربعين قبل شهرين 
العجوز بدهشة : ماذا ؟!
- نعم , فجسمي توقف نموه منذ سنواتٍ طويلة .. لكن لا تخفّ , فعقلي عقل امرأةٍ ناضجة .. لهذا كنت أسير في الشوارع بثياب النوم كيّ أجذب الزبائن الذين يعشقون الأطفال أمثالك , فهذا هو عملي 
العجوز بغضب وهو يشعر بخيبة امل : اللعنة !! وانا ظننت بأنني إصّطدتُ فتاةٌ بكر
- لا تحزن عزيزي , سأمثّل بأنني كذلك .. لكن عندي فكرة أفضل
- ماذا ؟

إيميلي : أعرف فتاةٌ مراهقة وهي أجمل مني , وترغب مثلي برجلٍ ساديّ يعاملها بعنف .. وبحسب الأدوات والألعاب الغريبة التي تمتلكها , يبدو انك خبيرٌ بالموضوع
العجوز : نعم , وبسبب ذلك إنسجنتُ عشرين سنة
- يا ه ! انها مدةٌ طويلة 
- هذا لأن ضحيتي رقم 33 كانت الوحيدة بينهنّ التي ماتت بين يديّ  
- ومنذ خروجك من السجن , الم تُكمل مسيرتك الإجرامية ؟
العجوز : لا , كنت أعلنت توبتي وبدأت العمل كإنسانٍ شريف .. لكن حينما رأيتك ...
فأكملت ايميلي كلامه : قلت انها فرصة لا تفوت , اليس كذلك ؟ 

العجوز : صحيح , والآن ماذا عن صديقتك ؟
- إعطني جوالك ودعني أعطيها عنوان كوخك , فهي تملك سيارة .. وبذلك تحصل علينا نحن الأثنين , وستتفاجأ كم نحن خبيرات بهذا المجال , حتى أكثر منك

ففكّر قليلاً قبل ان يعطيها الجوال بتردّد ! لكنه لم يُدرك بأنها قامت بهذه الحيلة الذكية كيّ تتصل بالشرطة , حيث ردّ عليها شابٌ يعمل في خدمة الطوارىء :
- هنا الشرطة , كيف بإمكاني مساعدتكم ؟
فقالت ايميلي بحماس : هاى حبيبتي ليزي !! عندي لك خبرٌ مفرح
الشرطي باستغراب : آسف يا صغيرة , يبدو انك إتصلتي بالخطأ على مركز الشرطة !
فقالت له : أتدرين .. لم تكوني مخطئة حين قلتِ لي : بأننا يوماً ما سنعثر على رجلٍ ساديّ يُشبع رغباتنا العنيفة 

وهنا انتبه الشرطي لخطورة الوضع , فسألها قائلاً :
- لحظة ! هل انت في ورطة ايتها الفتاة ؟!
وهنا تنفّست الصعداء بعد فهمه لكلامها المبطّن : نعم نعم !! كما أقول لك
الشرطي : هل هو بجانبك الآن ؟
ايميلي : بالتأكيد !! .. المهم , إسمعيني جيداً 

فأنصت الشرطي اليها باهتمام بعد ان عرف بأنها طفلة واقعة في ورطةٍ كبيرة , وسمعها تقول : 
- ليزي .. هو زبونٌ خبير في هذا المجال , لكنه عجوز بعض الشيء .. لكن الجميل في الموضوع انه يملك جميع ادوات التعذيب التي تحبينها في قبو كوخه المهجور في الغابة , ويريدك ان تنضمّي الينا هذا المساء .. سأعطيك العنوان لتحضري فوراً , فهو يجهّز المعدات الآن .. لحظة ..

ثم سمعها وهي تسأل رجلاً امامها عن العنوان .. ثم قالت للشرطي:  
- إكتبي عندك حبيبتي.. 

وأعطته العنوان .. ليُسرع هو بإرساله الى فرق الشرطة , قائلاً لهم من هاتفه الثاني :
الشرطي : إذهبوا فوراً الى العنوان , فيبدو ان هناك فتاةً عالقة مع متحرشٍ خطير .. ولا تنسوا ان تطفئوا صفّارات الإنذار كيّ لا يأخذها رهينة

ثم عاد وتكلّم الشرطي مع الفتاة : 
- حاولي ان تماطليه الى حين وصول سيارات الإنقاذ اليك
ايميلي بارتياح : حسناً نحن في انتظارك عزيزتي , لا تتأخري علينا
وأغلقت الهاتف ..
***

ومضت ثلث ساعة كأنها الدهر .. فقال العجوز غاضباً :
- اين صديقتك الغبية ؟!! الم تصل بعد ؟
ايميلي : ستصل لا تقلق , فهي لن تفوت هذه الفرصة .. إهدأ قليلاً
العجوز متضايقاً : كيف أهدأ ؟!! لقد ابتلعت حبة الفياغرا منذ قليل , ولا اريد ان يذهب مفعول الدواء
ايميلي وهي تتدلّع عليه : يا عزيزي , انت تحتاج معنا الى علبةٍ كاملة
- معي علبة , اشتريتها حين توقفنا لشراء السندويش من المحطة
فقالت في نفسها بغيظ : 
- الملعون !! كان يخطّط لذلك منذ البداية , لكنك ستندم كثيراً على إختيارك لي
***

واقتربت سيارات الشرطة من المكان .. لكن أحدهم أخطأ حين لم يُطفئ انوار سيارته , ليلاحظها العجوز على الفور وهي تسطع من بين الأحراش القريبة من كوخه ..
ليهجم عليها كالمجنون ويصفعها بقوّة , صارخاً في وجهها :
- هل اتصلت بالشرطة يا ملعونة ؟!!

وحاول إمساكها , لكنها هربت منه الى العليّة .. فلحقها على السلالم وهو يلهث بصعوبة .. 
وحين وصل الى فوق .. فاجأته ايميلي بضربةٍ قويّة على وجهه من إنبوبٍ حديدي صدأ وجدته هناك , ليسقط من فوق الدرجات ويستقرّ جسده بأسفل الدرج دون حراك !

وعلى الفور !! نزلت الدرجات محاولةً الخروج من الكوخ , لكنه أمسك بقدمها بقوة ! فركلته برجلها الثانية على إنفه الذي بدأ ينزف بغزارة ..
وما ان فتحت الباب , حتى أُصيبت في خاصرتها برصاصةٍ إنطلقت من مسدسه (الذي أخرجه من درج الطاولة الموجودة في الصالة) 

وما ان سقطت خارج الكوخ صارخةً بألم !!! حتى هجم عليه رجال الشرطة الستة , لكنه قاومهم بشراسة رغم كبر سنه ! وحاول إطلاق الرصاص عليهم , فأردوه قتيلاً
***

وبعد تلقّي الفتاة العلاج بالمستشفى من اصابتها التي لم تكن خطيرة , خرجت في صباح اليوم التالي الى منزل والدها برفقة الشرطي الذي أخبره عمّا عانته ابنته في الليلة الفائتة .. فحمد ربه على بقائها حيّة وسليمة من هذه التجربة المؤلمة 

ثم إتصل بطليقته معاتباً لها لما عاشته ابنته بسبب زوجها السكّير , وأخبرها بأنها لن تعود الى هناك مجدداً وبأنها ستعيش منذ اليوم في بيته .. فقبلت امها مُرغمة لخوفها عليها من زوجها ..
***

في عصر ذلك اليوم .. أتى اخوها لزيارة والده , ليتفاجأ بأخته هناك والتي لم يرها منذ سنوات ! وهي ايضاً تفاجأت به بزيّ الشرطي ..
- أأصبحت تعمل في سلك الشرطة ؟!
والدها : البارحة كان اول يوم عملٍ له في خدمة الطوارىء 
اخوها : نعم وتلقيّت أرعب مكالمة من فتاةٍ ذكيّة تكلّمت معي على اساس انني صديقتها , لكني فهمت من أنفاسها الثقيلة بأنها واقعة في ورطة , لهذا قمت.. 

وقبل ان يكمل كلامه , حضنته بقوة وهي تبكي..
اخوها بدهشة : ماذا هناك ؟!
- لقد أنقذت حياتي اخي 
- ماذا ! أكانت انتِ ؟! 

فأومأت برأسها وهي مازالت تحضنه , فشاركها الدموع وهو يقول:  
- الحمد الله على سلامتك حبيبتي , لقد أحسسّت بخوفك من نبرة صوتك ! لكن كيف استطعت القيام بتلك الحيلة الذكية ؟! فقد أخبروني أصدقائي عمّا فعلته !
ايميلي : الا تذكر اننا كنّا نشاهد سويّاً برنامج الشرطة (911) قبل طلاق والدينا ؟ وكانت هناك حلقة مشابهة لما حصل معي البارحة , فقمت بتقليد ما فعلته الضحية  
اخوها بدهشة : كنت صغيرة حين كنّا نتابع ذلك البرنامج ! لكن جيد انه نفعك

وهنا فهم والدهما كل ما حصل , وحضنهما قائلاً :
- يا الهي ! لقد شعرتما ببعضكما عن بعد , وهذه هي نعمة الأخوّة !
ايميلي : ربما لوّ لم يتلقّى هو مكالمتي , لمتّ الآن بأسوء الظروف ! .. كم أحبك يا اخي
اخوها وهو يحضنها : انت اختي الصغيرة , وسأحميك دائماً

وعاشوا جميعاً كعائلةٍ مترابطة من جديد ..
وبالرغم من إنها كانت تجربة قاسية لإيميلي الاّ انها أظهرت مدى ذكائها وسرعة بديهة أخوها الذي أنقذها من أيدي معتدٍ خطير !  
******

ملاحظة :
هذه قصة مستوحاة من أحداثٍ حقيقية حصلت لفتاةٍ عربية بعد خروجها من المدرسة , حيث إقنعت بذكائها خاطفيها الأربعة إنتظار قدوم صديقتها , لتقوم بالإتصال بشرطي إستطاع بسرعة بديهته إنقاذها من ذلك الموقف المرعب ! 
فحمانا الله جميعاً من شِرار البشر

إنهيار مبنى

تأليف : امل شانوحة اين سنعيش الآن ؟! في حيٍّ شعبيٍّ فقير , وفي منتصف الليل .. إستيقظ سكّان العمارة على صوت البوّاب وهو يطرق بهستيريا...