الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

الجار الخفي

تأليف : امل شانوحة 

المتطفّل الحنون


انتقلت ديانا إلى مدينةٍ ساحلية ، برفقة ابنها الوحيد آدم (8 سنوات) بعد طلاقها من زوجها السكّير العنيف.. ولعدم امتلاكها الكثير من المال ، استأجرت منزلاً خسر مالكه رهانه للبنك 

من بعدها وجدت عملاً في مطعم للوجبات السريعة ، بدوامٍ ليليّ .. مما اجبرها على ترك آدم وحيداً في المنزل الذي تعوّد مع الأيام على السهر أمام التلفاز حتى يغلبه النوم.

***


وفي إحدى الليالي ، استيقظ آدم لدخول الحمام.. 

وبعد خروجه ، مرّ بجانب الصالة .. ليلمح رجلاً يراقبه من النافذة ، وهو يناديه :

- إفتح الباب ايها الصغير !! أعرف أنك لوحدك.


فركض آدم للإختباء بخزانة ملابسه بالغرفة ، متصلاً على جوال والدته الذي كان مغلقاً (بقانون العمل).. 

فأرسل رسالةً بصوته المرتجف : 

((أمي... تعالي بسرعة... هناك لصّ يحاول دخول المنزل... أنا خائفٌ جداً))


وهنا سمع صرير نافذة المطبخ تفتح ، بعد ان نسيت امه اغلاقها جيداً ..فضاقت انفاسه من شدة الرعب ، لمعاناته من الربو 


وفجأة ! خرج عجوز من خلف ملابسه ، حاملاً مسدسه .. وهو يشير بأصبعه على فمه ، كيّ يلتزم آدم الصمت 


وآخر ما سمعه الولد قبل إغمائه ، هو صوت الدخيل الخائف :

- ارجوك سيدي... لا تقتلني ! سأخرج فوراً

صوت العجوز مُهدّداً : إن عدّت الى هنا ثانيةً ، سأقتلك دون تحذير!!

***


في اليوم التالي ، استيقظ آدم على عتاب والدته بعد تبليل فراشه .. 

فحضنها خائفاً :

- هل امسكت الشرطة باللص ؟

ولم تفهم ما قصده ، الا بعد سماع رسالته الصوتية .. فأسرعت الى المطبخ ، لتجد النافذة العلوية مغلقة من الداخل !

فحاولت إقناع ابنها بأنه مجرّد كابوس .. 

كما لم تصدّق قصة العجوز الذي يعيش في خزانته !

***  


منذ تلك الليلة .. رفض آدم البقاء وحده ، وأصرّ ان تأخذه امه معها للعمل .. لكن رئيسها رفض طلبها .. فوعدت ابنها بتركيب قضبانٍ حديدية على النوافذ ، فور حصولها على راتبها.. مما هدّأه قليلاً 

***


وفي إحدى الليالي ، حاول زبون معاكسة ديانا بطريقةٍ وقحة.

وحين تجاهلته ، شدّها من ذراعها بقوة..

ليسمعا عجوزاً يقول من الخلف ، بنبرةٍ آمرة :

- خذ طعامك ، وارحل فوراً !!

استدار الرجل غاضباً : :

- ومن انت ايها الخرف ، لتأمرني ؟


فأزاح العجوز طرف معطفه ، مُظهراً مسدسه عند خصره.

ليسرع الرجل بأخذ طعامه ، والخروج من المطعم ..


ثم نصحها العجوز بانتظار شروق الشمس قبل عودتها لمنزلها ، خوفاً ان ينتظرها المتحرّش في الخارج ..

فشكرته على دفاعه عنها .. فقال على عجل :

- فعلت ذلك لأجل آدم

وخرج من المطعم .. دون ان تعرف كيف عرف اسم ابنها ، وهي لم تقابله من قبل!

***


بعد أسبوع .. تشاجرت ديانا مع آدم في طريق عودتهما من السوق بعد رفضها شراء الحلويات له ، لحاجتها توفير المال لإصلاح منزلهما القديم .. فنام باكياً تلك الليلة

^^^


في الصباح ، استيقظ ..ليجد كيساً كبيراً من الحلويات بجانب سريره!

فأراد شكر والدته ، التي وجدها نائمة .. فعاد الى غرفته ، لتناول الحلوى بجانب التلفاز..


وبعد ساعة .. دخلت اليه ، لترى أغلفة الحلوى حوله ! فظنّت انه سرقها من السوق دون علمها ، لكنه أكّد بعدم خروجه من المنزل دون اذنها .. 

فحاولت تجاهل الموضوع ، رغم غرابته ! 

***


لكن الأمر لم يتوقف هنا ، فقد صُدمت بعد ايام بوجود لعبة جنود من النوعية الغالية اسفل سريره !

وعندما استجوبته بحزم .. 

أخبرها ان صديقه جورج العجوز الذي يعيش في خزانته ، هو من احضرها له

امه بعصبية : 

- آدم !! لقد كبرت على الصديق الخيالي.. إخبرني الحقيقة ؟ 


لكنه أصرّ على روايته ! فخافت ان يكون طليقها عرف عنوان منزلها .. مما جعلها تترك كاميرا حاسوبها مضاءة اثناء نوم ابنها ، قبل ذهابها لدوامها المسائي ..

***


في الصباح .. عادت منهكة ، وذهبت مباشرةً للنوم.


وبعد ساعات.. استيقظت على ضحكات آدم.

فدخلت غرفته وهي تعاتبه على رفع صوت التلفاز 

آدم : لم يكن التلفاز .. بل ضحكت على نكات صديقي جورج


وقبل ان تعاقبه على كذبه ، رن جوال ابنها .. ليظهر رقم والده !

فأطفأت جواله على الفور !

ديانا برعب : الم تعدني بعدم الإتصال به ؟ أتريده ان يعرف عنواننا ، ويأتي ليضربني من جديد ؟!

آدم : لم اقل عنواننا .. اخبرته فقط ، ان منزلنا قريب من البحر 


وهنا تذكّرت كاميرا حاسوبها ، فأسرعت الى غرفتها لرؤية التسجيل الليليّ 

لتنصدم بخروج عجوز من خزانة ابنها ، وهو يهمس له :

- لنذهب للمطبخ لإعداد العشاء 


لم يكن وجه العجوز واضحاً بالفيديو ، لهذا أرادت الإتصال بالشرطة .. لكنها تذكّرت ان ابنها اخبرها بامتلاكه مسدس .. فطلبت منه اللعب بحديقة المنزل .. 


وبعد خروج الصغير ، امسكت سكين مطبخ وهي تبحث بخزانة ابنها .. الى ان اكتشفت باباً سريّاً ، خلفه يوجد ادراج تصل لقبوٍّ مظلم !

فنادت بعلو صوتها ، وهي ترتجف رعباً :

- اعرف انك تعيش اسفل منزلي !! اخرج قبل اتصالي بالشرطة 


وإذّ بها تسمع خطوات تصعد الدرج..

الى ان ظهر وجه العجوز على نور جوالها .. 

ديانا بصدمة : الست انت من حميتني من متحرّش المطعم ؟!

العجوز وهو يرفع يديه مستسلماً :

- نعم انا .. رجاءً إبعدي السكين عني

ديانا بعصبية :

- هذا منزلي !! أنا أدفع إيجاره ! ليس من حقك العيش هنا!

- وانا صاحب المنزل الذي خسرته ، لدفع علاج زوجتي المرحومة .. هل يمكننا التكلّم بهدوء ؟ فأنا لست لصاً ، بل ضابط محترم


وعندما عرفت أنه حارب بالفيتنام ، نادت ابنها .. ليجتمعوا معاً بالصالة ، لسماع قصة العجوز الذي أخبرهم انه تم اعتقاله بالحرب ، وأوشك على الموت من التعذيب .. الى ان خاطرت مراهقة فيتنامية لإنقاذه .. وبدوره هرّبها معه الى اميركا .. لكن اهله رفضوا استقبالها .. فعاش معها بهذا البيت بعد ان بنى لها غرفةً سرّية ، خوفاً من ان يقتلها مواطنٌ عنصريّ.. وقدّ زوّد القبو بأجهزة مراقبة ، من كاميرات مخفية بأرجاء البيت وخارجه .. وهذا ما سمح له بحماية آدم من الدخيل تلك الليلة .. كما استفاد من الكاميرات لمعرفة موعد خروجه واختبائه ، قبل عودة ديانا من عملها ..


العجوز : اعتذر منك ، لم استطع التخلّي عن بيتي الذي فيه الكثير من الذكريات مع زوجتي التي ماتت من السرطان بعد تحمّلها عقمي  

ديانا : رحمها الله .. لكن متى بدأت علاقتك بآدم ؟

فأجاب آدم : عدّت يوماً باكراً من المدرسة ، فوجدته بالمطبخ .. 

العجوز : كنت أعدّل على طبخاتك .. يعني ، أضيف بعض البهارات الآسيوية

ديانا : الآن فهمت لما كان طبخي اطيب في اليوم التالي !

آدم : ولا تنسي يا امي انه انقذني من اللصّ .. وبدوري وعدته بكتمان الأمر


العجوز وهو يمسح رأس الصغير :

- مقابل الحلويات والألعاب ، ايها المخادع الذكي

ثم قال لها :

- لديّ اقتراح ، سيدة ديانا ..ما رأيك ان ادفع نصف الإيجار مقابل استردادي غرفة ابنك ، فهي كانت غرفتي انا وزوجتي ..

ديانا : وهل لديك مدخولاً مادياً ؟

العجوز : كانوا طلبوا مني تدريب المجنّدين الجدد ، فرفضت الوظيفة بسبب احتضار زوجتي .. لكني أفكّر حالياً بقبول عرضهم 


وقبل ان تجيبه ، سمعا طرقاً عنيفاً على بابهم 

- افتحي الباب يا ديانا !! اريد رؤية ابني !!

ديانا برعب : هذا طليقي ، وهو سكران كعادته 

فأراد العجوز البقاء معها ، لكنها أصرّت على عودته لغرفته السرّية .. وطلبت من ابنها البقاء في غرفته ..


وما ان فتحت الباب ، حتى انهال عليها بالضرب والشتائم .. مما جعل ابنها يستنجد بالعجوز الذي احضر مسدسه ، مهدّداً طليقها بالطرد من بيته

الطليق باستهزاء :

- أتخلّيتي عني للزواج بهذا الخرف ؟!

لينصدم الجميع بآدم يقول وهو يحتضن العجوز :

- هذا جدي ، يا ابي 

الطليق بدهشة :

- ديانا ! الم تخبريني بوفاته وانت طفلة ؟

فسارع العجوز بالقول :

- امها ادّعت ذلك ، بعد اكتشافها علاقتي بأمرأةٍ اخرى .. لكن بعد طلاق ابنتي منك ، راسلتها وطلبت منها القدوم مع ابنها للعيش معي .. هل لديك مانع ؟


الطليق بعصبية : إبعد مسدسك عن وجهي !! فأنا باستطاعتي مقاومتك بسهولة 

ديانا : لا انصحك ، فوالدي كان ضابطاً عسكرياً .. وهو محترف باستخدام الأسلحة

العجوز : ارحل فوراً ، ولا تعدّ ثانيةً الى هنا 

الطليق : ليس من حقكما حرماني من ابني 

العجوز : إن تعالجت من ادمانك على الخمور ، لن أمنعك من رؤية حفيدي .. والآن اخرج ، فلست بمزاج لدفن جثتك الكريهة


فخرج الرجل مُجبراً من بيت طليقته.. 

بينما حضنت ديانا العجوز ، وهي تشكره على موقفه النبيل 


العجوز : هل غضبتي مني ، لادّعائي بأني والدك ؟

ديانا وهي تمسح دموعها :

- انا لم اقابل والدي ابداً .. ولوّ تخيّلته ، لتمنيته ان يكون قوياً وحنوناً مثلك

العجوز : وانا كان حلم حياتي ، ان يكون لديّ ابنة تتحمّل المسؤولية مثلك 

آدم : وماذا عني انا ؟!

فمسح العجوز على رأسه بحنان : 

- وكان حلمي ايضاً ، ان يكون لديّ حفيد مشاغبٌ مثلك 

***


مرّت الأشهر ، حصل فيها جورج على عمله بتدريب المجنّدين.. وتغيّرت حياة ديانا التي نقلت عملها للدوام النهاريّ ، بعد مساعدة العجوز بمصاريف المنزل .. حتى انها اخبرت زملائها بالعمل ان جورج هو والدها الحقيقي ..

أما آدم ، فأصبح يقضي معظم وقته مع جده الجديد الذي يعلّمه الصيد برحلاتهم البحرية.. بينما تراقب ديانا بسعادة ، تطوّر العلاقة بين العجوز وآدم بشكلٍ لطيف .. وهي تحمد الله على ظهور جارها الخفيّ الذي حرس ابنها ، وحمى بيتها ، وأنقذها من ماضيها العنيف .. ليصبح لديها بالنهاية ، العائلة المثالية التي تمنّتها طوال حياتها !


الاثنين، 7 سبتمبر 2026

نبضات متأخرة

تأليف : امل شانوحة 

دار المسنين


في عزاء جدتها .. جلست سميرة بعيداً عن المُعزّين ، وهي تنظر لصورة جدتها بعينين دامعتين 


فاقتربت منها صديقتها ، في محاولة لتخفيف عنها:

- لما أنت حزينة يا سميرة ؟ فجدتك ارتاحت أخيراً من عذاب مرضها الطويل.. وانت الآن بعمر الثلاثين ، وحان الوقت لتلتفتي إلى حياتك.

فمسحت سميرة دموعها :

- ومن قال إن جدتي اعاقت حياتي؟

- لم أقصد ذلك... لكنك تخصّصتي في التمريض ، للإعتناء بها .. وقضيت عشر سنوات في خدمتها .. والآن يمكنك الإستمتاع بالحياة 

سميرة بحزن :

- هي ربّتني بعد طلاق والدايّ اللذيّن أكملا حياتهما دوني ، وحمتني من الضياع.. ولم اردّ سوى القليل من فضلها عليّ 

- وبدورها اورثتك كل مالها..

سميرة مقاطعة :  

- مستعدة للتخلّي عن اموال الدنيا ، إن كان هذا سيعيدها الى حياتي 


بهذه الأثناء .. سمعتها إحدى المُعزّيات ، فاقتربت من سميرة وهي تقول :

- آسفة على تدخلي... لكن لديّ اقتراح يغيّر حياتك.


وأخبرتها بأنها موظفة في دار مسنين ، يعيش نزلائها العجائز حياةً قاسية 

..واقترحت على سميرة (كونها درست التمريض) ان تتطوّع للعمل هناك ، لتحقيق آخر آمانيهم بالحياة 

فأخذت سميرة منها رقم الدار ، وهي تعدّها التفكير بالأمر

***


في تلك الليلة ، شاهدت سميرة جدتها في المنام ..وهي تقول :

((هم بحاجة اليك .. عامليهم ، كما عاملتني يا صغيرتي))


وبسبب المنام ، تقدّمت مع بداية الشهر للعمل في دار المسنين.

فرفضت الإدارة طلبها ، بحجة عدم وجود وظيفة شاغرة.. 

لكن تبرّعها بجزء من ثرّوة جدتها للدار ، جعل المديرة تعيينها مُشرفة على بقيّة الممرّضات.. وهذا اعطاها حرّية التعامل مع النزلاء 

***


في البداية ، اكتفت سميرة بمراقبة الوضع من بعيد ..

وما رأته أحزنها جداً : 

فهناك خمسون مسناً يعيشون في غرفٍ منفردة ، يأكلون طعاماً بلا نكهة او طعم ، ويقضون معظم ساعاتهم في أسرّتهم بانتظار موتهم !

بينما تُنفّذ الممرّضات مهامهنّ على عجالة ، دون حديث أو تواصل إنساني.


فكان على سميرة اولاً ، قراءة ملفات النزلاء .. 

ومن بعدها ، خصّصت وقتاً لكل واحداً منهم .. الى ان عرفت قصصهم جميعاً 


فإحدى العجائز : عملت طبّاخة ماهرة ، قبل أن يؤول مطعمها الشعبي إلى حفيدها الذي نسِيها.

اما زميلتها : فعملت طوال حياتها بصنع الحلويات مع عائلتها التي تخلّت عنها بعد كبرها بالسن  !

والأخرى : بارعة في حياكة الصوف ، رغم آلام مفاصلها.

والرابعة : نشأت في مزرعة .. جعلتها خبيرة بالحيوانات ، خصوصاً المواشي


وهناك ايضاً رجلٌ عجوز موهوب بالرسم .. لكن منذ دخوله الدار لم يُسمح له بمسك الفرشاة ، منعاً للفوضى ! 

والآخر : كان ضابطاً صارماً بالحرب الأهلية.. وعصبيته الزائدة جعلت ابنائه يتخلّون عنه ، ونادراً ما يزورونه ! الشيء الوحيد الذي كان يهدّئه هو الشيشة ولعب الطاولة ، لكن الإدارة منعتهما عليه .. فصار نزيلاً لا يطاق ، لدرجة ان الممرّضات يحرصن على الإبتعاد عنه قدر الإمكان


اما اصغر النزيلات : فكانت بسن الستين ، كرّست حياتها لرعاية امها التي ماتت بعمر المئة.. ولعدم وجود من يعتني بها بعد إصابتها بالسكّري ، قدمت للدار طواعيّة ، بعكس النزلاء الآخرين.. 

اما اكبرهن سناً : فتجاوزت التسعين ، وحلمها الوحيد هو رؤية اصغر احفادها المتعلّقة به جداً.. 


بينما هناك نزيلة ، نادراً ما تتحدث مع الآخرين .. لتكتشف سميرة بانها موهوبة بتأليف القصص المتنوعة .. ولديها عشرات المؤلّفات التي احضرتها معها الى الدار ، دون ان تجرؤ يوماً على نشرها 

***


وذات صباح .. اعلنت المديرة للموظفين عن اجازتها لمدة شهر ، للإعتناء بوالدتها المريضة في القرية .. وهذا ما اعطى الفرصة لسميرة لتنفيذ خطتها .. فجمعت بقيّة الممرّضات ، وهي تقول لهن :  

- اعرف أن بعضكن يظن أنني حصلت على منصبي بعد تبرّعي للدار ، وربما معكن حق.. لكني لا أريد السيطرة على هذا المكان ، بل أريد ان تساعدونني بتغيره نحو الأفضل .. طلبي الوحيد هو السرّية التامة ، لحين عودة المديرة من اجازتها


ورغم ان معظمهن لا يحبونها .. لكن طالما ستتحمّل المسؤولية وحدها ، فلا مشكلة من مساعدتها

***


في صباح اليوم التالي .. دخلت سميرة الى غرفة الطبّاخة العجوز ، وهي تسألها عن رأيها بطعام الدار ؟ 

فأجابتها بامتعاض : 

- أتسمين تلك القذارة طعاماً؟

سميرة : اذاً ما رأيك ان تطعمي زملائك من وصفاتك اللذيذة ؟

العجوز : إقترحت ذلك مراراً على المديرة .. لكنها رفضت ، خوفاً من اذية نفسي بالسكين والنار ، كأني طفلةً بلهاء ! 

سميرة : هي بإجازةٍ الآن ، وانا المسؤولة عن الدار .. وسأساعدك مع بعض الممرّضات في المطبخ .. لكن عليك اولاً ان تخبريني بالأغراض التي تحتاجينها لقائمة الغداء ، على ان تحسبي الموظفين الثمانية ايضاً .. فنحن سنشارككم الطعام هذا اليوم .. كل ما عليك فعله هو اعطائنا تعليمات الطبخ ، وانا وزميلاتي ننفّذ طلباتك بالحرف الواحد 


فابتسمت العجوز لأول مرة منذ سنوات ، وهي تقول بحماس : 

- اذاً استعدوا لأشهى وليمة أكلتموها في حياتكم.. بشرط !! ان تساعدني زميلتي بإعداد صينية الكنافة ، فهي خبيرة بالحلويات

سميرة : موافقة ، وسأحرص ان تكون كمية السكر مناسبة لصحة الجميع

^^^


في وجبة الغداء.. ضجّت القاعة بالضحك والأحاديث الدافئة ، وسط أجواءٍ منزلية أبهجت الجميع.

لكن فرحتهم لم تدمّ طويلاً ، بعد دخول الطبيب الى القاعة.. والذي تفاجأ بالأكل الدسم والحلويات ! جعله يستدعي سميرة الى مكتبه غاضباً 

***


في مكتبه .. وبخها على تهوّرها : 

- تغيّبت ليومين فقط .. لتقومي بإطعام مرضى السكّري والضغط أطعمةً غير صحية ، مُعرّضةً حياتهم للخطر !!

سميرة : اليأس هو ما يقتلهم حقاً .. وتلك السعادة التي رأيتها على وجوههم ، هي التي ستحسّن نفسيّاتهم وصحتهم.. وإن كنت لا تصدّقني ، يمكنك فحصهم 

الطبيب : سأفعل بعد قليل .. وان ساءت حالتهم ، ستعاقبين على غلطتك المُستهترة

^^^


وبالفعل قام الطبيب بفحص ضغطهم وسكرهم ومؤشراتهم الصحيّة ، ليتفاجأ بتحسّنهم عن الفحص الماضي ! 

سميرة : قلت لك !! السعادة هي علاجهم

فتنهد الطبيب : 

- لكن هذا لا يعني أن نعطيهم السكر والملح بلا حساب.

سميرة : لا تقلق بهذا الشأن ، فصحتهم تهمّني .. لكني بالمقابل لن أقتل أرواحهم بحجّة حماية أجسادهم.

الطبيب : بجميع الأحوال ستتحمّلين وحدك المسؤولية امام الإدارة واهالي النزلاء

سميرة بتحدّي :

- أقبل بكل سرور !! 

***


في الأيام التالية .. حرصت سميرة على تحقيق أمنيات النزلاء الواحدة تلوّ الأخرى: 

حيث جمعت كبيرتهن مع حفيدها المفضّل ، بعد دفعها رشوة لأمه العنيدة (دون علم الجدة)

اما النزيلة الأخرى ، فاشترت لها قطة صغيرة ، لعشقها للحيوانات .. وهذا ما اعاد ضحكتها من جديد 

اما العجوز الأخرى : فاحتضنت سميرة شاكرةً على هديتها ، بعد ان اعطتها سنّارة وسلّة مليئة بالأصواف الملونة ، لمهارتها في الحياكة .. وبدورها وعدت سميرة بكنزةٍ وردية ، تناسب رقتها وطيبة قلبها 

اما العجوز الرسّام ، فأهدته لوحات وألواناً..فوعدها أن تكون اول رسماته .. حيث انشغل بالتلوين في غرفته وهو يدّندن فرحاً ، كطفلٍ سعيد بلعبته !


اما العانس الستينية ، فقد حققت حلمها بلبس فستان العرس .. 

حيث أقام النزلاء عرساً رمزياً لها .. بينما العروس تتراقص بخفة على انغام الموسيقى  

اما النزيلة الإنطوائية : فوعدتها بالتكلّف مادياً بنشر جميع قصصها ، ضمن كتبٍ تباع في المكتبات .. فطلبت العجوز ان تمهلها بعض الوقت ، لمراجعة القصص قبل تسليمها لدار النشر.. وبذلك امضت وقتها في غرفتها ، بتصحيح المسودّات التي كتبتها منذ وقتٍ طويل 

اما الضابط القاسي : فأهدته طاولة الزهر وشيشة ، بعد ان سمح له الطبيب بساعةٍ واحدة لتدخين يومياً .. والتي حسّنت مزاجه بشكلٍ ملحوظ ، جعلته يندمج في منافساتٍ مسلّية مع زملائه


وبذلك تحوّل الدار الى بيتٍ كبير مليء بضحكات العجائز الذين زادت روابط الصداقة بينهم بالأيام التالية

*** 


وذات يوم ، دخلت سميرة الى مكتب الطبيب ..لتجده ينهي المكالمة غاضباً 

سميرة : آسفة ! سآتي لاحقاً 

الطبيب وهو يحاول تهدئة نفسه : لا بأس ، ماذا تريدين ؟

- أريدك ان تمنع الممرّضات من إجبار النزلاء على ارتداء الحفاضات ، ما داموا قادرين على استخدام الحمام..

- إقتراحك ممكن نهاراً ، لكن ماذا عن الليل؟

سميرة : طلبت شراشف خاصة للحالات الطارئة.

- هذه الطلبيات مُكلفة مادياً  

- لا تقلق ، كلّه على حساب شركة جدتي 

- لا اريدك ان تنفقي ثروتك على هذا المكان.

سميرة : طالما سيسعد النزلاء ، فلا مشكلة عندي 

فتنهد بقهر : ليت كل النساء مثلك.

- اراك حزيناً .. هل تعاني مشكلة مع طليقتك ؟

الطبيب بضيق : هي تمنعني من رؤية ولدايّ ، بحجة عملي المرهق 

سميرة : اذاً إحضرهما إلى هنا ، فالعجائز يحبون الأطفال.. وبذلك تراهما دون ان يشغلانك عن عملك

طبيب : ابني في العاشرة وابنتي في السابعة ، ولا ادري ان كانا..

مقاطعة : صدّقني ، وجودهما سيفرح الجميع..  

***


في اليوم التالي ، جاء الولدان .. وسرعان ما اندمج الصبي مع اصعب النزلاء ، خصوصاً بعد إحضاره لعبة الجنود .. حيث بدأ الضابط بترتيبها بدقة على طاولته .. بينما يستمع الولد باهتمام لتفاصيل المعركة التي يرويها العجوز بحماس وهو يشرح خططه العسكرية.

أما الصغيرة : فجلست امام الكاتبة التي سردت لها اجمل قصة خيالية من تأليفها .. جعلت الطفلة تشجّعها على تحويلها الى كتاب مليء بالرسومات ، لتريها لزميلاتها بالمدرسة !


ورغم امضاء الطفلان ثلاث ساعات بالدار ، الا انهما لم يشعرا بالوقت وهما يتنقلان من نزيلٍ لآخر .. مما اسعد والدهما ، لسرعة اندماجهما مع العجائز الذين عدّوهما حفيداهما  

***


قبل نهاية الشهر .. حقّقت سميرة أمنية أخرى بعد نشرها قصص العجوزة ، مُوزعةً نسخاً منها على الموظفين والنزلاء .. مما ابكى النزيلة فرحاً ، بعد تحقيقها حلماً طال انتظاره 

***


وبعد ايام ، نفّذت سميرة آخر مفاجآتها.

بعد طلبها من العجائز التوجّه لحديقة الدار .. ليجدوا هناك ، لعبة تشبه الأفعوانية تدور ببطء حول المكان .. فتسابقوا على الركوب فيها .. 

وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم يتنزهون داخلها ، وضحكاتهم تملأ المكان


بينما الطبيب يراقبهم من نافذة مكتبه ، وهو يشعر بالفخر من إنجازات سميرة التي تكبر بعينه كل يوم 

***


وقبل عودة المديرة بيومٍ واحد ، أخذتهم سميرة في نزهةٍ قصيرة.

أكلوا فيها المثلّجات ، والتقطوا الصور ، وغنوا بحماس داخل الحافلة.

***


لكن في صباح اليوم التالي .. تعرّضت الكاتبة العجوز لوعكةٍ صحيةٍ طارئة ، نُقلت على إثرها إلى المستشفى.. حيث وافتها المنية ، قبل وصول المديرة بساعة ! ليعمّ الحزن الدار.


وقد حاول الطبيب مواساة سميرة التي لامت نفسها على النزهة التي أرهقت الكاتبة الراحلة ، قائلاً لها :

- هي ماتت سعيدة ، بعد تحقيقك اغلى امانيها.. ثم قصصها ستجعل اسمها خالداً في عقول الأجيال الجديدة 


لكن هذا لم يكن رأيّ المديرة التي غضبت كثيراً من التغيرات التي حصلت بالدار في غيابها !

صارخةً على سميرة في مكتبها :

- انت خالفتِ أنظمة الدار ، وأدخلتِ أطعمة ممنوعة ، وأحضرتِ الحيوانات ، وأقمتِ الحفلات ، وأحضرت العمّال لتركيب لعبة سخيفة بالحديقة ! وأخذت العجائز بنزهة لساعاتٍ طويلة ، أدّت لموت احدهم من شدة الإرهاق .. 

سميرة والدموع في عينها :

- معك حق .. لقد اخطأت فعلاً ..


وفضّلت عدم الدفاع عن نفسها ، بل نزعت بطاقة عملها بهدوء .. وقدّمت استقالتها ، لتخرج من المكتب دامعة العينين.

^^^


ثم توجهت سميرة الى غرفتها لترتيب اغراضها ، بينما وصل خبر إستقالتها للجميع 


وقبل خروجها من الدار .. تجمّع العجائز حولها ، وهم يطالبونها بعدم تركهم وحدهم 

قائلةً احدى النزيلات :

- انت من جعلتني ارى احفادي من جديد

الرسّام : وانا استعدّت موهبتي التي اوشكت على نسيانها

الضابط : وانا خفّت عصبيتي بسببك 

الطبّاخة : وانا جعلتني اطبخ من جديد.. كما حققتي حلم زميلتي بطباعة قصصها .. رجاءً لا تتخلي عنا .. فالحياة بالدار مملّة من غيرك 


فردّت سميرة بحزن : سامحوني جميعاً .. يبدو ان دوري معكم ، انتهى هذا اليوم 

ثم نظرت للطبيب :

- سلّم لي على اولادك 

وحملت حقيبة ملابسها ، وخرجت من الدار حزينة

***  


بعد رحيلها ، عادت الكآبة تُخيّم على الدار بعد إلغاء المديرة جميع الأنشطة ، وإعادة الأوضاع الصارمة والوجبات الغير لذيذة ! 

***


وخلال أسابيع قليلة ، تدهوّرت الحالة الصحية والنفسية للنزلاء بشكلٍ ملحوظ ! مما ازعج الطبيب الذي واجه المديرة بجرأة:

- هل كنتِ تفضلين عيش امك تجربة نزلاء الدار ؟ سميرة من أعادت لهم إنسانيتهم ، واستفادت من خبراتهم وتجاربهم ، دون إشعارهم بأنهم اشخاص منتهي الصلاحية .. أرجوكِ أعيديها ، فالجميع هنا بحاجة إليها

فطلبت المديرة وقتاً لتفكير بالموضوع 

***


وفي اليوم التالي ، جاء أطفال الطبيب إلى الدار..

وعندما علما برحيل سميرة ، عاتبا والدهما :

- لما لم تصرّ على بقائها هنا ؟

الطبيب : لم يكن بيدي فعل شيء 

لتفاجئه ابنته : هي امي الثانية ، لم تركتها تذهب 

الطبيب بدهشة : كنت اريدها فعلاً ان تصبح امكما ، لكني خفت ان يغضبكما ذلك !

ابنه : لا ابي ، نحن نحب الآنسة سميرة كثيراً .. إتصل بها ، لكيّ تعود الى هنا .. فنحن لم نرها منذ مدةٍ طويلة !

ابنته : نعم ابي ، اشتقنا اليها كثيراً 

الطبيب بابتسامة : اذاً سأتصل بها الآن

***


في وقت العصر .. وافقت سميرة على مقابلة الطبيب في الحديقة العامة 

وهناك سألته عن احوال الدار ؟

الطبيب : للأسف ، عاد كل شيء كما كان

سميرة بضيق : اذاً ضاع كل تعبي.

- لا اظن .. فالمديرة تفكّر جدّياً باعتماد طريقتك 

سميرة بدهشة : أحقاً؟

- نعم .. وعلى فكرة ، جميع النزلاء يوصلون سلامهم اليك .. حتى اولادي اشتاقوا اليك 

فسألته بابتسامةٍ ماكرة : فقط اولادك ؟

فأجاب بتردّد : وأنا أيضاً.. رجاءً عودي.

سميرة : الأمر متوقف على قرار المديرة 

- لا تقلقي ، سنجبرها على الموافقة 

ثم وقف وهو يقول : 

- وعندما تعودين... لديّ أمرٌ آخر أريد محادثتك بشأنه.

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأت المديرة بتجمّع النزلاء في الحديقة ، وهم يعلنون إضرابهم عن الطعام والدواء ، لحين عودة سميرة الى الدار ! 

وكان الطبيب واولاده معه .. 

حتى الممرّضات اللواتي عارضنها في البداية ، وقفن الآن في صفها!


فرضخت المديرة لمطالبهم بعد تضامنهم القوي ، خصوصاً ان موظفة التفتيش ستأتي للدار بعد ايام 

فتعالت تهليلات النزلاء وتصفيقهم ، فرحاً بقرارها .. ومع ذلك لم يقبلوا تناول الغداء الا من يد زميلتهم الطبّاخة ..


حيث شاركتهم المديرة لأول مرة الطعام في القاعة .. وقد أعجبتها الوجبة كثيراً ، لتشابه المذاق مع طبخ والدتها المرحومة.. 

وبسبب ذلك وكّلت العجوز بالمطبخ رسمياً ، بعد ان وعدتها بتعيين مساعدات لها .. بشرط الإلتزام بكميات السكر والملح المناسبة لكل مريض.

***

وفي يوم عودة سميرة ، تفاجأت بمكاتب وغرف الدار فارغة ! 

وعندما خرجت للحديقة ، وجدتهم مجتمعين هناك بملابسهم الأنيقة.

مع وجود كيكة كبيرة على الطاولة !


وأحد العجائز بزيّ الشيخ وهو يحمل دفتراً كبيراً ، ويقول :

- كنت كاتباً بالمحكمة الشرعية قبل تقاعدي .. وقد حصلت على اذنهم اليوم ، لعقد الزواج 

سميرة بارتباك :

- زواج من ، يا عم؟!



فتقدّم الطبيب منها ببذلته الرسمية .. ثم جثا على ركبته، مخرجاً خاتماً ذهبياً: 

((سميرة.. زميلتي الرائعة التي أنفقت ثرّوتها وقلبها لإسعاد الآخرين ، وحنانك الذي غمر طفلايّ.. هل تقبلين الزواج مني؟))


وقبل ان تجيبه ، صرخ ولداه وهما يقفزان بحماس : 

- رجاءً وافقي!!

فضحك الجميع.


إحمرّت وجنتا سميرة .. ثم ابتسمت بوجه الطبيب :

- نعم .. موافقة 

فصفّق الجميع لهما بسعادة 


بينما فتح الشيخ دفتره ، وهو يناديهما للجلوس بجانب الشاهدين : ((الضابط ، والرسّام)) :

- اذاً لنكتب الكتاب في الحال 


وبعد دقائق ، قال الشيخ بصوتٍ عالي : 

- أعلنكما زوجاً وزوجة !! 

فتعالت الزغاريد والتصفيق.


وهنا قال الطبيب لزوجته :

- كنتِ طوال الشهر الفائت تحققين اماني الجميع ، فهل تحققت امنيتك اليوم ؟

سميرة بابتسامة : نعم ، فقد اصبحت لديّ عائلة كبيرة

وهنا تذكّرت كلام جدتها : 

((لكلٍ منا رسالة بالحياة .. فحاولي ان تجدي مكاناً تنثرين فيه لطفك وحبك))


وهاهي اليوم وجدت مُهمّتها الحقيقية التي خُلقت لأجلها ، مُحققةً أمنية جدتها الراحلة على أحسن وجه.


الأحد، 6 سبتمبر 2026

عصر الصواعق

تأليف : امل شانوحة 

الموت المفاجئ


في المستقبل القريب .. وفي ليلةٍ باردة ، تردّد هزيم الرعد فوق المدن المهجورة بعد تفضيل الناس السكن بالخنادق والكهوف ، هرباً من الصواعق المميتة  


وفي احدى المنازل المحفورة بالجبال ، علت صرخات امرأة على وشك ولادة .. فجازف زوجها بالخروج ليلة العاصفة ، لمناداة القابلة 

فنصحته زوجته بلبس الزيّ الخشبي ، حتى لا يتعرّض للصعق .. فأجابها على عجل:

- هو غير مريح ، ويصعب التحرّك فيه .. (ثم امسك يدها).. حبيبتي ، لا تقلقي بشأني ، سأنتبه جيداً.. فكما يقال : لا يضرب البرق المكان نفسه مرتين .. الآن عليّ الركض بسرعة ، لإحضار القابلة  

ورغم قلقها عليه ، الا انه سارع الخروج من المنزل 

^^^


وبعد ساعة .. دخلت العجوز بثيابها المُبلّلة ، وهي تحمل حقيبة التوليد.. 

فسألتها الحامل بخوف عن زوجها ؟ 

فأجابت القابلة وهي تُعقّم يديها قبل الولادة :

- لا ادري اين ذهب .. اعطاني عنوانك ، قبل ذهابه لشراء الحاجيات الأساسية للطفل .. حتى انه رفض الإنتظار ، لحين انتهاء العاصفة !

^^^


وبعد توليدها ، ونوم الأم من شدة تعبها .. قالت القابلة للطفل بشفقة : 

- يا مسكين ، بأيّ عصرٍ ولدت ؟! ستعيش طفولتك مختبئاً مع أهلك ، خلف الأبواب الموصدة.. لن تعرف اللعب في الحقول تحت نور الشمس .. ولا الركض تحت المطر ، كما عرفناه نحن.. أتمنى أن تنتهي هذه المحنة عندما تصبح يافعاً 


ثم تركته نائماً بحضن والدته .. وخرجت من منزل الكهف ، بعد هدوء العاصفة اخيراً 

***


مرّت سنوات ، الى ان بلغ الطفل عامه 13 .. حينها فقط سمحت له امه برؤية ما يوجد خلف باب منزلهما الذي بقيّ مقفلاً طوال طفولته ، وهي تقول بارتياح :

- اخيراً اعلن مسؤولوا الأرصاد الجوية عن نهاية عصر الصواعق

ابنها : أتقصدين صوت الرعد الذي كان يرعبني بطفولتي ؟

- الخوف لم يكن من الرعد ، يا بنيّ .. بل البرق الذي لم تره يوماً ، لأن منزلنا (المحفور داخل كهف) خالي من النوافذ .. والآن لنخرج معاً ، لرؤية الشمس التي اشتقت اليها كثيراً .. لكن الأفضل لبس نظّاراتنا السوداء ، فأعيننا لم ترى النور الساطع منذ أعوام .. وهذا ما حذّرت منه الحكومة بصحيفة البارحة

^^^


وبعد جلوسهما بجانب الشجرة الكبيرة ، مستمتعان بالهواء العليل ..

سألها ابنها بقهر :

- هل صحيح ان ابي مات يوم ولادتي ؟

امه بحزن : للأسف ، لم يعد للمنزل بعد الليلة العاصفة .. ولم نعلم اين جثته التي من المُرجّح تفحّمها بالبرق ! فالصواعق بذلك الزمان ، احرقت العديد من البشر كل يوم .. حتى أصبح الموت بالصواعق أمراً مألوفاً ، لدرجة ان الصحف اليومية خصّصت صفحتها الأولى لعدد ضحايا البرق ..أما الذين نجوا من الصاعقة التي تركت علامات وحروقاً مميزة على اجسادهم .. فقد تباهوا بها ، معتبرين أنفسهم أصحاب قوةٍ خارقة !


ابنها : رجاءً اخبريني المزيد عن احداث الدول التي حصلت بطفولتي ؟

الأم : لا ادري يا بنيّ .. فقد انعزلنا عن العالم بعد تعطّل التلفاز والإنترنت والكهرباء بشكلٍ عام ، عقب تقطّع معظم الأسلاك الكهربائية بفعل البرق المتواصل .. مع رفض العمّال تصليحها ، لاعتبارها مُهمةً انتحارية .. لكن احداث منطقتتنا عرفناها من صحفنا المحلّية الورقية ، بعد عودة المطابع القديمة للعمل من جديد

- اذاً اذكري يا امي باختصار ، ما حصل بزمن الصواعق ؟

الأم : المقابر على سبيل المثال.. اصبحت خالية من الزوّار ، بعدما حطّمت الصواعق معظم شواهد القبور.. ومن أصرّ على زيارة قريبه أو حبيبه المدفون حديثاً .. عادةً ما انتهى مصيره ، مدفوناً بجواره.. خاصة في فصل الشتاء الذي صار يمتدّ معظم شهور السنة.


ابنها : ما تقولونيه يا امي مرعبٌ حقاً ! الم يكتشف العلماء سبب تلك الصواعق ؟ 

- كلام مسؤولي الأرصاد جاء متناقضاً .. بعضهم رشّح ان تكون سبب الكارثة : هي قنبلة مغناطيسية ألقيت قبل عقود .. والبعض الآخر : رجّح فكرة اتساع ثقب طبقة الأوزون ، أو انفجارٌ شمسيّ هائل .. أو ربما كان أثراً للحرب النووية الثالثة التي حصلت في مراهقتي .. او مشروعٌ عسكريّ ، نفّذته الجمعية السرّية لتقليل عدد البشر.. او علامة على قرب نهاية العالم

- لم افهم يا امي ، معظم ما قلته ! 

- لا الومك ، فقد حُرمت من المدارس التي ستفتح ابوابها قريباً .. وسيكون هناك صفوف مخصّصة لجيلك الذي لم يتلقى العلوم بطفولته


ابنها : المهم يا امي ، إكملي وصف ذلك الزمن .. ولما كنا نعيش في الكهف ؟

- لأن الناس تركت بيوتها وناطحات السحاب .. وسكنوا الكهوف والخنادق ، بعد أن التهمت الحرائق آلاف المنازل..كما اختفت رياضة تسلّق الجبال.. وهجر الناس المناطق المُمطرة .. ونزحوا نحو الصحاري الجافة ، حيث تقل فرص العواصف..أما الكمأ الذي كان يوماً من أغلى الأطعمة ، فقد صار رخيصاً كالبطاطا ، لكثرته بعد الزيادة المهولة في عدد الصواعق.

الإبن : وهل أثّرت الصواعق على الصحة العامة ؟

الأم : بالطبع !! وزادت حالات العمى والصرع.. وكثرت أمراض الأعصاب ، لتأثير الشحنات الكهربائية على أجساد الناس وأدمغتهم .. كما انتشر الصممّ وطنين الأذن.. بعدما أصبح هزيم الرعد أعنف ، مما عرفته البشريّة عبر التاريخ ! وبدل ان تُعيد تلك الكارثة البيئية الناس الى ربها ، ظهرت ديانة جديدة لعبادة البرق .. حيث آمن أتباعها بأن الصواعق هي غضبٌ إلهيّ ، تسبّب فيه ظلم البشر وكثرة جرائمهم! 


ابنها : وماذا عن مظاهر الحياة بشكلٍ عام بذلك الزمن ؟

الأم : اذكر انه اختفى المشرّدون والمتسوّلون والحيوانات الضالة من الشوارع ، بعدما أصبحت الحياة في العراء شبه مستحيلة.. أما الطيور والمواشي : فصار أصحابها يربّونها داخل زرائب مغلقة ، بعيداً عن المراعي المفتوحة.. وتحوّلت الزراعة إلى مشاتل صناعية داخل أبنية مُحصّنة ، أفقدت الخضراوات والفواكه كثيراً من جودتها ونكهتها الطبيعية.

ابنها : حينها فرضت الحكومة علينا لبس النظّارات السوداء السميكة ، اليس كذلك؟ 

- نعم ، صارت إلزامية.. تماماً كما كانت الكمّامات في زمن الأوبئة .. وكان من يخرج دونها ، يدفع غرامة كبيرة.. لأن الجوّ يتبدّل فجأة من سماءٍ صافية إلى عاصفةٍ هوجاء خلال دقائق معدودة !


ابنها : وهل تضرّر الجانب المائي من الكرة الأرضية بالصواعق ؟

الأم : اكيد !! وتجنّب الناس البِرك والبحيرات الراكدة ، خوفاً من احتفاظها بشحناتٍ كهربائية من صواعقٍ سابقة .. كما ان ضرب البرق المتكرّر للبحار والأنهار ، جعلت ملايين الأسماك الميتة تطفو على سطح المياه .. لتتوقف معها الملاحة البحرية ، ونقل البضائع عبر السفن.

ابنها : كنت رأيت ملابس خشبية في خزانة والدي المرحوم ، فهل كانت نافعة ؟

الأم : هي صمّمت لمواجهة الخطر ، مثل دروع فرسان العصور الوسطى..لكنها ثقيلة وغير مريحة ، وتُبطئ الحركة .. ولهذا رفض والدك لبسها ، قبل ذهابه لمناداة القابلة لتوليدك 

ابنها بقهر : يعني جازف بحياته لإنقاذي.. رحمه الله .. أتدرين يا امي ؟ ذلك العصر أشبه بالأسطورة الخرافية ! وأشكرك على منع خروجي من المنزل ، لحين انتهاء الكارثة البيئية 


ثم اشار للحديقة العامة التي امتلأت بالأطفال الذين يلعبون بسعادة : 

- وهاهي الحياة عادت طبيعية .. وقريباً ستفتح المدارس ويعود الموظفون لأعمالهم ، لبناء مجتمعنا من جديد

الأم : الحمد الله على كل شيء ، ورحم الله موتى العصر الصاعق


وهنا أحسّا بقطرات الماء تبللّ شعرهما..

فشعرت الأم برجفة ابنها وهو ينظر للسماء بفزع ! فأمسكت يده :

- لا تقلق بنيّ .. فقد عاد المطر نعمة ، ولم يعد بلاءً مميتاً .. هذا ما أكّده التقرير الأخير للأرصاد الجوية 


وظلّاً يراقبان الأولاد وهم يلعبون تحت المطر الذي كان مُنعشاً في نهاية عصر الصواعق المرعب الذي قتل ملايين البشر حول العالم !

******


ملاحظة :

روى الإمام أحمد في مسنده عن الصحابي أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة ؟ فيقولون: صعق فلان وفلان».

 

ومن هذا الحديث ، استوحيت هذه القصة.. 

اتمنى ان تعجبكم 


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

غربة الروح

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

خيبة الأمل

 

سُحبت الحقيبة الأخيرة بإحكام، وخرج صوت سحّابها كأنه إعلانُ هدنةٍ بعد حربٍ استمرت عشرين عاماً.  


خلع أحمد نظارته، ومسح وجهه بكفيه وهو ينظر إلى شقته الفارغة في أطراف عاصمة بلاد الغربة.  


كانت العودة نهائية هذه المرة؛ بلا تأشيرة خروج وعودة، وبلا حلمٍ جديد. كل ما يحمله هو مكافأة نهاية الخدمة، مدخرات تآكلت مع أزمات الحياة، ورأس اشتعل شيباً. 


عند بوابة الوصول في مطار عاصمة البلد الأم لأحمد، كانت الحرارة تلفح وجهه كعناق قديم، احتضنه أخوه الأصغر محمود بقوة، ثم ألقى نظرة سريعة وفاحصة على حزام الحقائب، وقال بابتسامة مشوبة بالقلق: 

حمداً لله على سلامتك يا أخي،... لكن أين بقية الشحن؟ توقعت أن ترسل أجهزة ومستلزمات للبيت قبل حضورك!. 


ابتلع أحمد غصّته وقال بصوتٍ هادئ: سلمك الله يا محمود. أغلقت كل شيء وهربت بعمري... المهم أنني بينكم الآن. 


في الطريق إلى منزل العائلة، كانت السيارة تخضّ الشوارع المتهالكة.  


ساد صمتٌ قصير قبل أن يقطعه محمود، لا بالسؤال عن صحة أحمد ولا عن ليالي غربته، بل بحديث متصل عن الغلاء.  


محمود: الحياة هنا أصبحت جحيماً يا أحمد. كنا نقول في أنفسنا: الحمد لله أنك هناك تسندنا، لكن عودتك هذه المفاجئة أربكت حساباتي... كيف سنواجه هذا الواقع دون غطائك المالي؟. 


التفت أحمد نحو النافذة وقال وهو يتأمل الظلام المخيم على المدينة: 

عشرون سنة يا محمود... هل تساءلت يوماً كيف كنت أعيش؟ هل سألتني مرة واحدة إن كنت مريضاً، أو إن كانت تلك الحوالة الشهرية تخرج من دم قلبي؟. 


رد محمود بمرارة: 

أنت لا تفهم يا أحمد، كنتَ تعيش في النعيم، تتقاضى بالعملة الأجنبية القابلة للتحويل، بينما نحن طُحنّا هنا طحناً. نحن لم نطلب منك رفاهية، نحن كنا نصرخ كي لا نموت!.  


قال أحمد بنبرة فلسفية حزينة: 

وهل النعيم يا أخي هو أن تملك المال وتفقد إنسانيتك؟ النعيم ألا تجلس في غرفة فارغة عشرين عاماً تسأل نفسك: هل يحبونني أنا، أم يحبون ما أرسله لهم؟ الغربة ليست مسافة بالبدن، الغربة أن تصبح في عيون أقرب الناس إليك مجرد وظيفة، لا إنساناً يشعر ويتعب!. 


في المساء، اجتمعت العائلة في فناء المنزل، أخرجت أم أحمد كيس أدويتها الفارغ ووضعته أمامه: 

يا أحمد يا بني، هذا الدواء انقطع، واعتدت أن ترسله لي من الخارج... كيف سنصبر الآن؟. 


انحنى أحمد وقال بصوت متهدج: 

يا أمي... أنا عدت نهائياً، أكلت الغربة جسدي وصحتي، ولم أعد أحتمل، كل ما أملكه سأضعه في مشروع صغير نقتات منه جميعاً. 


تدخلت أخته فاطمة بعتب قاسي: 

تركت العمل وابنتي في سنتها الجامعية الأخيرة؟ من أين سنكمل مصاريفها؟ كنا نعتمد عليك بعد وفاة والدها! هل بعتنا في منتصف الطريق؟. 


نظر أحمد إلى وجوههم، كان يبحث عن يدٍ تربت على كتفه وتقول له استرح فقد تعبت، لكنه لم يجد سوى نظرات اتهام بالتقصير وكأنه صرّافٌ آلي تعطل فجأة. 


فقال بأسى عتيق: 

أنا لم أبعكم، بل اشتريت قربكم بأعز ما أملك! الفاجعة أنكم ترون المغترب كائناً بلا ألم؛ تظنون أن العملة الأجنبية تطمس الوحشة، وأن الحوالات تداوي الجراح. خذوا مدخراتي كلها إن أردتم... لكن اتركوا لي حقاً واحداً: أن أنام ليلاً دون أن أتساءل إن كنت بالنسبة لكم أبناً وأخاً، أم مجرد رقم حساب بنكي ترقبون تحويلاته كل شهر!. 


لم يدركوا أن الأهل أنفسهم طحنتم الظروف، وأن طلباتهم لم تكن جشعاً بقدر ما كانت صرخة استغاثة من واقع يضغط على الجميع، لكنهم غفلوا عن أن المغترب يرجع بجسد أنهكته السنون ونفسية ثقبتها الوحشة.  


ساد صمت مطبق قبل أن يقول أحمد: سوف أخرج قليلاً للتنفس ورؤية البلد بعد هذه السنين الطويلة، لعلي أعود في ساعة متأخرة فلا تقلقوا فقد اشتقت إلى النهر.  


خرج أحمد في تلك الليلة، وجلس على شاطئ النهر. نظر إلى المياه الجارية تحت ضوء القمر، متسائلاً إن كان الغريب يبقى غريباً حتى في وطنه، وأن أصعب أنواع الاغتراب ليس بعدك عن الأرض، بل أن تعود لتجد أن الحب الذي هاجرت لأجله قد تحول إلى شيكٍ ينتظر الصرف. 


قال أحمد في نفسه: يا لها من فجيعة... تخاف من الغربة فتفر منها إلى وطنك، لتكتشف أن الأهل الذين اغتربت لأجلهم، قد جعلتك حاجتهم لرميك في غربةٍ أشد قسوة... غربة الروح داخل بيتك. 


ليست مأساة أحمد في قسوة الكلمات التي سمعها، بقدر ما كانت في الجدار الذي انهار داخل صدره.  


تركهم أحمد في الفناء وأصوات العتاب لا تزال تتردد في أذنيه كطنينٍ مكتوم. 


عاد أحمد إلى حيه، يجر قدمين ثقيلتين كأنهما تحملان أوزار العشرين عاماً كلها مرة واحدة. كانت بقع الضوء الخافتة من مصابيح الشارع تسقط على وجهه المنهك، فيما كان صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، مضغوطة بحسرةٍ لا قاع لها. 


توقف عند زاوية الحي، أحسّ بركبتيه تلتويان، وبثقلٍ مفاجئ في رأسه، وكأن السقف السامي الذي ظل يرفعه فوق أهله لعقدين من الزمان قد انهار فوقه وحده. سند ظهره إلى جدارٍ طيني عتيق، وتدحرج بجسده إلى الأسفل حتى استقر متكئاً على الحائط، ضاماً كفيه المرتجفتين إلى صدره. 


في تلك اللحظات، كانت تمر في ذهنه صور الماضي كشريطٍ سينمائي دامي القطعات.. طعام العلب البارد الذي كان يأكله وحيداً ليغطي مصاريف دراسة أبناء أخته، الأعياد التي قضاها خلف شاشة الهاتف يبتسم لهم والدمع محبوس في عينيه، والمرض الذي كتمه عنهم كي لا يشغلهم. كل تلك التضحيات، تبخرت في لحظة عودة؛ فالمغترب في نظرهم لا يكبر، ولا يمرض، ولا يتعب... المغترب شريانُ مالٍ يجب ألا يتوقف عن النبض. 


مرت ساعات الليل ببطءٍ قاتل. كانت برودة الأسفلت تتسلل إلى جسده، لكن الخذلان كان أبرد. رفع بصره إلى السماء المنتفخة بالسواد، وهَمَس بصوتٍ شاحب لم يتجاوز شفتيه: 

يا رب... تعبتُ من أن أكون مظلةً للجميع، ولا أجد من يظللني.... 


ومع اقتراب الصباح، بدأ أذان الفجر يتردد في أرجاء الحي، ينسابُ هادئاً: {الصلاة خيرٌ من النوم...}. 


كان عمّ إبراهيم، جار وصديق والد أحمد القديم وهو رجلٌ صالح ناهز السبعين، يمشي بهوينة في زقاق الحي ممسكاً بعصاه، متجهاً نحو المسجد. لمعت عيناه على خيال شخصٍ يجلس مستنداً إلى الجدار في هذا البرد. اقترب بخطواتٍ متأنية، ودقق النظر حتى ميز الملامح القريبة إلى قلبه. 


أحمد؟ يا أحمد! ما الذي يجلسك هنا في هذا الوقت يا بني؟ هل أنت بخير؟


لم يأته رد.. كان أحمد يجلس بجلسةٍ شبه متصلبة، ورأسه يميل قليلاً نحو الكتف الأيسر، وعيناه مسبلتان بنصف إغماضة، كأنه يستريح من عبءٍ ثقيل. 


ظن عم إبراهيم أن النعاس غلبه من شدة الإرهاق والسفر، فابتسم برأفة وخطا خطوة إضافية.  


مدّ يده الكبيرة الدافئة، وربت برفقٍ شديد على كتف أحمد: 

قم يا بني... قم صلّ الفجر، الفراش في البيت أدفأ لك من هذا الحائط.... 


ومع أول لمسةٍ لكتفه، مال جسد أحمد بسكونٍ تام، وسقط جانباً على الأرض دون أن يصدر منه رمشٌ أو حراك. 


تسمر عم إبراهيم في مكانه، وجثا على ركبتيه بسرعة وهو يصرخ بصوتٍ يهشمه الفزع: أحمد! يا أحمد!.  


وضع يده على رقبة الفتى الذي طالما انتظر العودة، فلم يجد نبضاً. كانت بشرته قد بردت، ووجهه ساكناً يستقر عليه بؤسٌ قديم انطفأ أخيراً. 


فارق أحمد الحياة... لم يستطع قلبه، الذي احتمل غربة الأجساد عشرين عاماً، أن يحتمل غربة الروح لدقيقة واحدة داخل وطنه وبين أهله. مات متكئاً على طين الأرض التي شقي لأجلها، تاركاً وراءه حقائبه، ومدخراته، وعتابهم الذي لم يمهله حتى مطلع الفجر.


الخميس، 3 سبتمبر 2026

صفقة الوفاء

تأليف : امل شانوحة


تاجر الصين

في مطار الصين .. راقب العجوز بضيق سير الحقائب ، اثناء مغادرة بقية المسافرون المكان.

وإذّ بشابٍ يحمل حقيبةً كبيرة يقترب منه ، وهو يقول : 
- استاذ .. حقيبتك معي 
فلم يتعرّف العجوز عليه ! وحين تأكّد أن الحقيبة له ، إنتزعها من يده .. معاتباً : 
- هذه حقيبتي ! لما أخذتها ، طالما ليست ملكك ؟
الشاب : 
- انت نسيتها على طاولة التفتيش في مطار اميركا ، ثم دخلت الى صالة المسافرين ، فلم استطع اللحاق بك .. لهذا ادّعيت انني قريبك لتسهيل الأمور ، فوضعوها على رقم مقعدي .. ولأنني سافرت على الدرجة السياحية ، وأنت على درجة رجال الأعمال ، لم أتمكّن الوصول إليك طوال رحلة الطيران. 

فشكره العجوز على عجل ، وهمّ بالخروج من المطار .. فلحقه الشاب :
- استاذ !! هل تسمح لي بمرافقتك إلى الفندق ؟
العجوز بضيق : 
- لست بحاجة الى جليس اطفال
- لم أقصد ذلك.. لكنها المرة الأولى التي أزور فيها الصين ، ولا أعرف لغتهم .. وكنت سمعتك تتحدث بطلاقة مع المضيفة الصينية ، وأظنك معتاداً على السفر إلى هنا..

فردّ العجوز بثقة:
- أنا رجل أعمال.. أزور الصين أكثر من مرة في السنة ، وأتعامل مع مصانعها منذ سنوات.
الشاب بحماس :
- ولهذا أريد مرافقتك ، لأني أخشى الضياع وحدي.
العجوز : ولما جئت إلى بلدٍ لا تعرف عنه شيئاً ؟
- لأني اريد البدء بتجارة ألعاب الأطفال..
العجوز بدهشة : 
- هذا مجالي أيضاً 
الشاب بسعادة :
- ممتاز !! اذاً اسمح لي بمرافقتك إلى المصانع التي تتعامل معها .. لربما أجد بعض الألعاب التي تناسب متجري الصغير.
العجوز بابتسامة :
- يعجبني طموحك.. حسناً يمكنك مرافقتي ، لكن بشرط !! عليك التعلّم مني دون التدخل في عملي  
الشاب : 
- اعدك ان أكون طالبك النجيب.

ثم حجز الشاب غرفة ، في الفندق نفسه الذي نزل فيه العجوز..
***

منذ صباح اليوم التالي ، بدأت رحلتهما التجارية .. 
حيث اخذه العجوز إلى المصانع الموثوقة ، وهو يشرح له كيفية فحصه جودة الألعاب .. وكيف يفاوضهم على السعر .. ومتى ينسحب من الصفقة.
بينما كان الشاب يدوّن الملاحظات في دفتره باهتمام ..
***

ومع الأيام ، لاحظ العجوز تعلّم الشاب بسرعةٍ مذهلة ! خاصة عندما يتناقشان امور التجارة اثناء عشائهم معاً في مطاعم الصين..

ولم ينتهي الشهر ، حتى نشأت علاقة صداقة جيدة بينهما .. عدا عن تعلّم الشاب الكثير من مهارة التجارة بالألعاب ، وفهمه لبعض الكلمات الصينية .. واعداً معلمه بالتسجيل في دوراتٍ مكثّفة فور عودته إلى أميركا ، لإتقان اللغة بطلاقة .
***

حين وصلا الى المطار الأميركي .. إستقبلهما وريث العجوز الذي طلب من سائقه الخاص إيصال والده إلى القصر .. بينما ذهب مع الشاب إلى مكتبه بالشركة.

وهناك سلّمه ظرفاً فيه مكافئة مالية عن مرافقته والده طوال وجوده بالصين

((فهذا الشاب كان بالحقيقة سائق العجوز الذي تم تعينه حديثاً ، والذي اوصل سيده للمطار حسب طلبه .. لكن قبل ابتعاده عن هناك ، اتصل به الوريث وهو يلومه على توصيل والده دون اذنه .. فقد ظهرت نتائج فحوصات ابيه الطبية التي تؤكّد بوادر مرض الزهايمر  
وبسبب ذلك ، عاد الشاب راكضاً الى المطار .. ليخبره الشرطي بنسيان العجوز حقيبته .. مما اجبر السائق على سحب كل ماله من بطاقته ، للحجز بنفس الطائرة .. بغرض ملازمة العجوز طوال الرحلة ، مدّعياً انه تاجرٌ صغير)) 

الوريث : ما فعلته مع ابي ، شهامةً منك .. وفي هذا الظرف ما يغطي كافة تكاليف رحلتك وزيادة.. لكني مضّطر لطردك من عملك كسائق ، كيّ لا ينتبه ابي لما حصل .. فمعرفته بمرضه سيدمّر نفسيته تماماً ، لعشقه للسفر والتجارة 

فرضخ الشاب لقرار الوريث ، وعاد الى منزله وهو ينوي البحث عن عملٍ جديد
***

بعد شهر .. إتصل به العجوز وهو يطلب منه القدوم الى قصره 
ليجد هناك المحامي ومعه اوراقاً رسمية ، بعد قرار العجوز بتعينه مُمثلاً لشركته في الصين ، ومنحه صلاحية التفاوض مع المصانع ..وإحضار البضائع والتعاقد مع الموردّين..
الشاب بارتباك : هذه وظيفة اكبر مني بكثير !

العجوز : لقد تعلمتَ في شهرٍ واحد ، ما يتعلّمه الآخرون في سنوات.. ولا داعي لأن تشرح لي شيئاً ، فإبني أخبرني بحقيقة ما جرى 
الشاب : غريب ! مع انه طلب مني ابقاء الأمر سرّاً
العجوز : هو أخبرني بمرضي ، بعد إصراري على تعينك .. فأنا لم اصبح من اهم تجّار البلد ، إلاّ لامتلاكي نظرة ثاقبة بالأشخاص .. ولهذا كسبت ثقتي لحظة مخاطرتك بمالك للحاق بي ، خوفاً من ضياعي بالصين بعد فقدان ذاكرتي .. وهذا الموقف يؤكّد استحقاقك للوظيفة بجدارة .. ولا تقلق ، سأرسل معك مساعدي ببداية سفرياتك ، الى ان تتقن العمل تماماً 
***

وبالفعل !! اثبت الشاب ذكائه التجاري ، مع سرعة تعلّمه ودقّة حساباته .. والأهم من ذلك ، أمانته النادرة 
عدا عن إتقانه اللغة الصينية بأقل من سنة .. حتى بات محترفاً بالتفاوض على الأسعار ، وجودة المنتجات مع اصحاب المصانع .. الى ان اصبح من اهم مورديّ شركة العجوز لألعاب الأطفال 

حتى ان الوريث الذي عارض تعيينه في البداية ، أصبح يعتمد عليه في الصفقات الآسيوية
^^^

وهكذا تبدّلت حياة الشاب من سائقٍ بسيط إلى تاجرٍ محترف ، بفضل قراره الإنساني الجريء : بعدم تركه مسناً مريضاً ، وحيداً في بلاد الغربة 


ورغم أن ذاكرة العجوز كانت تتلاشى كل يوم ، إلا أنه لم ينسى أبداً الشاب النبيل الذي عدّه ابناً ثانياً ، يمكن الإعتماد عليه حتى آخر عمره

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

ثمن التنمر

تأليف : امل شانوحة 

الفرصة الثانية


تصدّر اسم المراهق (جاك) نشرات الأخبار بعد دخوله مسلّحاً الى مدرسته الثانوية ، وقتله بعضاً من زملاء فصله ، قبل تسليم نفسه للشرطة ! 

وكانت ديانا إحدى ضحايا مجزّرته ..


ومنذ اللحظة التي سمعت فيها امها الخبر ، تحوّلت الى وجهٍ بارز في مظاهرات الأهالي أمام محكمة الجنايات كل يوم .. مطالبين بمحاكمته كبالغ ، رغم عدم تجاوزه 17 عاماً ، لإنزال أقصى العقوبات عليه !

***


وفي أحد الأيام .. اقتربت منها طالبة (بنفس مدرسة ابنتها القتيلة) وطلبت محادثتها بعيداً عن المظاهرة 

- سيدتي .. ابنتك لم تكن ضحية بريئة ، كما تظنين.. فهي من تزعّمت مجموعة من الطلاّب ، لتنمّر على جاك منذ التحاقه بمدرستنا قبل شهور 

الأم باستنكار : مستحيل !! ابنتي لا ترتكب هذه الحماقات

الطالبة : جاك كان طالباً هادئاً للغاية ، وعلاماته جيدة بمعظم المواد .. لكن كونه طالباً جديداً ، لم يكن لديه اصدقاء .. واستغلّت ابنتك بعض المعلومات : عن عيشه مع جدته ، بعد زواج والديه المطلّقين وتخلّيهما عنه .. كما فقر حالته المادية ، لتعذيبه يومياً .. وإن كنت لا تصدقيني ، ستجدين فيديوهات تنمّراتها بجوالها الذي يبدو انه نسته يوم الحادثة 

^^^


فعادت الأم إلى منزلها وهي لا تصدّق ما سمعته ! وبحثت بأدراج مكتب ابنتها الى ان وجدت جوالها .. وبدأت بمشاهدة التسجيلات .. لتظهر عدة مقاطع بصوت ابنتها وهي تشجّع مجموعة من زملائها على مناداة جاك بأسوء الألقاب .. بينما يكتب واجبه بهدوء محاولاً تجاهلهم ، رغم علامات الإنزعاج الواضحة على وجهه


وفي مقاطع أخرى ، تهين ملابسه وحقيبته القديمة .. حيث ظهر صوتها الساخر وهي تشير له باستحقار :

- لا أحد يريد مصاحبتك .. حتى والداك تخلّيا عنك!

ثم ضحكت مع زملائها الذين يحاولون منعه الوصول الى الفصل 


كانت الأم بصدمة وهي تتابع التسجيلات الواحدة تلوّ الآخرى التي تؤكّد بأن أبنتها هي رئيسة المتنمّرين !

 

وفي آخر تسجيلٍ لها ، قبل يومٍ واحد من المجزّرة .. ظهرت ابنتها في ملعب المدرسة وهي تشجّع بقية الطلّاب على رميّ طعامهم وعصائرهم على رأس جاك اثناء تناوله شطيرته بعيداً عنهم .. والذي اكتفى بالوقوف صامتاً وثيابه مبلّلة ببقايا طعامهم ، وهو يحدّق فيهم مطوّلاً بنظرةٍ غاضبة ، قبل خروجه باكراً من مدرسته.. وكأنه اتخذ قراراً نهائياً بالإنتقام من المتنمّرين جميعاً


وفي غرفة ابنتها .. انهارت الأم على سريرها ، بعد تأكّدها بأن قاتل ابنتها كان ضحيةً لها !

***


وفي اليوم التالي ، لم تتواجد الأم بمظاهرات الأهالي امام القضاء على غير عادتها ! بل توجهت مباشرةً للبنك لسحب كل مدّخراتها التي جمعتهم لسنواتٍ طويلة ، كتكاليف تعليم ابنتها الجامعيّ .. ثم توجهت نحو منزل اهم مشعوذة بالمدينة لإيجاد حلّ للمشكلة


فردّت المشعوذة : 

- لا يمكنني تغير القدر .. لكن باستطاعتي اعادتك للماضي ، شريطة تجسّدك شخصية ابنتك فقط

الأم باهتمام : 

- ان كنت سأعود للماضي ، فهل باستطاعتي منع الجريمة ؟

المشعوذة : انت وحدك باستطاعتك الإجابة على هذا السؤال .. هيا اشربي المحلول السحري في الحال

***


حين فتحت الأم عينيها .. وجدت نفسها تجلس في صف ابنتها ، بجسد مراهقة رشيقة .. وقبل استيعابها ما يحصل ! رأت جاك يدخل الى الصف ، قبل تجمّع زميلاتها حولها ، وهن يشجّعنها على التنمّر عليه قبل وصول المعلمة


فنظرت الأم (التي تسكن جسد ابنتها) إلى جاك .. لتجده يحاول الإنشغال بالكتابة ، كأنه يدعو ربه ان يمرّ اليوم بسلام ..


فوقفت الأم امام زملاء ابنتها ، وهي تقول بحزم :

- لا تنمّر بعد اليوم !! لن اسمح لأحد بإيذاء زميلنا جاك.. ألا يكفيه قسوة الظروف التي يعيشها ، لكيّ نزيد حياته جحيماً ؟ من نحن لنحاسبه ؟ هو طالبٌ مجتهد ، ويفوقنا ذكاءً .. وبدل ان نتفاخر به ، نضحك ساخرين منه .. فسلوكنا البغيض هذا ، سيدفعه لكره نفسه والعالم أجمع


فحدّق الطلاّب بها في ذهولٍ تام ! عاجزين عن فهم الإنقلاب الجذري في شخصيتها.

لكنها لم تهتم لآرائهم .. بل أصرّت على تناول الغداء مع جاك ، والتعرّف عليه 

 

حتى عندما عادوا للصف .. سحبت طاولتها للجلوس بجانبه .. بل وشجعته على المشاركة بإجابة اسئلة المعلمة ، والتخلّي عن خجله وتردّده ..

^^^


ومع مرور الأيام .. بدأ جاك يبتسم ، ويشارك المعلمين .. ويهتم بملابسه ونظافته بعد ان اصبح لديه صديقة لأول مرة بحياته .. 

ورغم نجاحها في تحويل مسار حياته داخل فصلهما ، إلا أنها لم تستطع التحكّم بجميع الطلاب في الفسحة أو الحصص الأخرى التي تغيب فيها.

***


وفي أحد الأيام ، خرج جاك من المدرسة غاضباً .. فلحقته ، في محاولة لتهدئته .. فنظر اليها ، قائلاً :

- لا تخافي يا ديانا ، لستِ ضمن اللائحة 

ثم غادر وهو يتمّتم غاضباً ..

فعلمت ام ديانا ان كل محاولاتها لتحسين نفسيّته ، باءت بالفشل .. وان المجزّرة ستقام في موعدها !

^^^


لهذا استيقظت باكراً في اليوم التالي ، وهي تنتظر قدومه عند باب المدرسة لإقناعه بالتخلّي عن فكرة الإنتقام .. 

لكن مغصاً مفاجئاً ، جعلها تسارع الى الحمام .. 


وقبل خروجها .. سمعت صراخ الطلّاب ، متزامناً مع صوت الطلقات النارية .. فسارعت باتجاه فصلها ، لترى المشهد المرعب :

((جميع المتنمّرين جثثاً هامدة على الأرض)) 

^^^


عندما فتحت عيناها .. وجدت الأم نفسها نائمة على سرير ابنتها في زمن الحاضر ! فظنت ان كل ما حصل ، مجرّد منام .. 

لكن قبل نهوضها ، تفاجأت بإبنتها ديانا تدخل الغرفة وهي تسألها : 

- الم تلبسي بعد ؟ نريد التظاهر بجانب المحكمة ، لإعدام اللعين جاك 


وما ان رأتها حيّةً ترزق ، حتى قفزت من السرير .. وهي تحتضن ابنتها بقوة وتبكي بحرقة وتحمد الله على سلامتها.. بينما وقفت ديانا مذهولة من حنان امها غير المبرّر !


وبعد ان هدأت ، اجلست ابنتها بجانبها وهي تنصحها بصوتٍ مرتجف : عن عواقب التنمّر الذي دمّر مستقبل فتى ذكيّ ، وأنهى حياة أصدقائها.


الأم وهي تمسح دموعها : 

- هذا خطأي .. دلّلتك كثيراً ، خوفاً من تعرّضك للتنمّر مثلي .. اردّت ان أقوي شخصيتك اكثر مني .. لكني لم اعلم انني جعلتك متكبرة على الآخرين .. ولهذا منذ اليوم ، سأعيد تربيتك من جديد ..وسأعاقبك ان عرفت باحتقارك لشخصٍ آخر 

البنت : امي ! عن ماذا تتكلّمين ؟!

- هذه المرة ، أصدقاؤك دفعوا ثمن تنمّرك .. وكنت ستموتين معهم ، لولا المغص الذي جعلك تخرجين من الصف.

فتغيّر وجه ابنتها : 

- امي ! كيف عرفتي بأنني كنت بالحمام لحظة اطلاق النار ؟ فأنا لم اخبر احداً بذلك ، حتى المحقق بالقضية 

- رأيت ذلك بالمنام.. والآن دعينا نذهب للمحكمة 

*** 


في الطريق .. توقفت الأم أمام جهاز الصرّاف الآلي.. لتتفاجأ بخلوّ رصيدها من المال ! 

وهنا تذكّرت طقوس المشعوذة ، والمحلول السحري .. فعلمت انه لم يكن مناماً .. بل تعويذة اعادتها للماضي ، دفعت ثمنها كل المدخرات الجامعية التي كانت ثمناً لإنقاذ روح ابنتها وتعديل مسار تربيتها.


فاكتفت الأم بابتسامة الرضا ، وأكملت قيادة سيارتها بصمت باتجاه المحكمة .. هذه المرة : لا لتصرخ غاضبة ، مطالبة بإعدام جاك .. بل لتشهد بقلب امٍ موجوعة على مصير فتى مظلوم ، دفع ثمن قسّوة المجتمع لوحده.


الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

الزوبعة النورانية

تأليف : امل شانوحة 

المهمّة الغامضة


في مساءٍ هادئ .. كانت العائلة في طريقها إلى منزلها ، قبل أن تبدأ مصابيح الطريق بالإنطفاء الواحدة تلوّ الأخرى ، إلى أن تزاحمت السيارات بالشارع المظلم. 

وفجأة ! ظهرت دوّامة نورانية في السماء ، أشبه بزوبعةٍ مضيئة ! تبعتها رياحٌ عاصفة هزّت الأشجار واللّافتات.. 

لتتعالى معها صيحات الناس ، بعد قيام الزوبعة بسحب الأطفال من بين أذرع أهاليهم من الشوارع ونوافذ السيارات وأبواب المنازل المجاورة.. حيث شاهد الجميع صغارهم يُسحبون بسرعةٍ مهولة نحو السماء ! 


وعندما اقتربت العاصفة فوق سيارة العائلة ، قفزت الأم للمقاعد الخلفية حاضنةً طفلتها الصغيرة (5 سنوات) التي ارتفعت عن مقعدها .. بينما كان ابنها المراهق (14 سنة) يتشبّث مرعوباً بحزام الأمان.. 

هذا المشهد المرعب أجبر والدهما على الإستدارة بسيارته التي قادها فوق الرصيف ، محاولاً الإبتعاد عن مركز العاصفة.. 

ومع ذلك ظلّت قوةٌ خفيّة تحاول إنزال النوافذ المقفلة أوتوماتيكياً ، وسحب الطفلة من بين ذراعيّ والدتها ! دون معرفة الأب إن كان ما يحدث ظاهرةً طبيعية ، أم تجربة علمية خرجت عن السيطرة ، أم سلاحاً جديداً أطلقه عدوّ مجهول ! 

لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً للجميع : العاصفة تترصّد الأطفال فقط!


بقيادةٍ متسرّعة ومليئة بالذعر ، وصل الأب أخيراً إلى منزل والديه.. 

وهناك طلب من أختيّه إغلاق جميع النوافذ والأبواب التي أسندوها بالمفروشات ، بعد أن أخبر الجدّين بدوافع العاصفة المريبة.


وفي الخارج ، تحوّلت المدينة إلى جحيم.. فالآباء يصرخون بأسماء أطفالهم المختطفين من قبل ظاهرةٍ غامضة ! تاركين سياراتهم في الشوارع ، مع انعدامٍ تام للكهرباء وشبكة الإتصالات عن كل المنطقة..

^^^


وفي أقل من ساعة ، وصلت الدوّامة فوق منزل العائلة الأرضيّ.. واهتزّت معها النوافذ والأبواب بعنف .. بعد ان حوّلت العاصفة الزرقاء ليلهم إلى نهار ، رغم تعدّيهم منتصف الليل! 


ومع ذلك ظن الجميع أن العاصفة ستنتهي مع تباشير الصباح .. لكنها استمرّت لعدة أيامٍ متتالية ، دون تمكّن فرق الإنقاذ من اقتحام المنطقة الموبوءة.. 


ورغم خروج بقية السكّان من منازلهم بأمان .. إلا أن هذه العائلة تحديداً ، حوصرت داخل بيتها ! وكأن العاصفة تنتظر ابنتهم لإنهاء مهمّتها ، بعد اختطاف بقية أطفال المنطقة.


في الداخل.. حاول سبعة أشخاص تقليل طعامهم وشرابهم ، وحساب كل لقمة وقطرة ماء يشربونها في اليوم ، وهم يتعهّدون بحماية الطفلة حتى الرمق الأخير.. بعد ان تناوبوا على حراستها ، ماسكين بقبضتهم الحبل الذي ربطوه فيها ، بعد ان طفى جسدها عن الأرض طوال هذه الفترة ! 

وما اخافهم اكثر ، هو صراخ الطفلة وهي تشير للنافذة :

- إفتحوها بالحال !! اريد الإلتحاق بأصدقائي الصغار  

^^^


لكن في اليوم السابع ، لم يبقى شيء في المنزل يمكن تناوله.. 

واجتمعت العائلتان في ممرٍّ ضيق ليس فيه نوافذ .. وجلسوا صامتين في الظلام، يستمعون إلى هدير العاصفة العنيدة التي لا تبارح مكانها.


وبعد نومهم جوعى .. إستيقظ المراهق في منتصف الليل من شدّة جوعه ، وهو ينظر بحنق لأخته النائمة .. فهي منذ ولادتها نالت النصيب الأكبر من اهتمام والديه ورعايتهما ، حتى إن جميع الألعاب والحلويات والملابس الجديدة كانت لها وحدها. فقال لنفسه بضيق: 

((لن أموت جوعاً بسببها))


واقترب بحذر ، لفكّ الحبال عنها .. ثم حملها بهدوء ، متوجهاً نحو الشرفة.. 

وبعد وضعها في الخارج ، وهي مازالت نائمة .. أغلق الباب ، وجرّ الكنبة خلفه .. 

بعدها استلقى بجانب عائلته (التي تغطّ في سباتٍ عميق من شدة تعبهم) كأنه لم يفعل شيئاً!

^^^


في الصباح ، استيقظ الجميع بعد عودة الكهرباء إلى منزلهم.. 

وأول ما لاحظوه هو الهدوء التام ، فلا صوت لرياحٍ عاصفة بالخارج !

وأوشكوا على الهتاف بسعادة بعد انتهاء الأزمة ، لولا انتباه الأم على اختفاء ابنتها!


وعلى الفور !! بدأوا البحث عن الطفلة في جميع الغرف وتحت السرائر وخلف الأبواب .. والمراهق يبحث معهم ، مُدّعياً خوفه على مصير أخته.. قبل أن يتأكّدوا من اختطافها من قبل العاصفة التي اختفت تماماً. 


فخرجوا مصدومين من المنزل .. للإجتماع ببقية الأهالي في الشارع ، بوجوههم المتعبة والحزينة بعد خسارة أبنائهم .. عقب اعلان رئيس بلديتهم : عن اختفاء جميع اطفال منطقتهم دون أثرٍ لهم ، كأنهم تبخروا بالسماء ! 

 

وفجأة ! صرخ أحدهم وهو يشير إلى الغيوم التي تشكّلت على هيئة عبارة:

((اطفالكم معنا بمهمّةٍ خاصة))


فساد الصمت بينهم .. دون أن يعرف أحد من كتبها ، أو ماهو مصير أطفالهم ، أو ماهيّة المهمّة الموكولة لصغار السن الذين لا يفقهون شيئا !


في تلك اللحظة .. شعر المراهق بعظم ذنبه ، عقب تخلّيه عن أخته بعد ان اعترته مشاعر الغيرة والغضب.. 

وبينما الجميع ينتظرون قدوم شرطة المدينة للتحقيق بالأمر ، عاد المراهق إلى منزل جده.. ثم خرج إلى الشرفة التي وضع فيها أخته ، ليجد حذاءها واقعاً هناك.


وأثناء انهياره بالبكاء ، انتبه على أثر قدمٍ صغيرة مطبوعة بالطين على حافّة الشرفة.. كانت بنفس مقاس أخته ، لكنها أشبه بحوافرٍ غير بشريّة!


الجار الخفي

تأليف : امل شانوحة  المتطفّل الحنون انتقلت ديانا إلى مدينةٍ ساحلية ، برفقة ابنها الوحيد آدم (8 سنوات) بعد طلاقها من زوجها السكّير العنيف.. و...