الأربعاء، 26 أغسطس 2026

امرأة بلا ماضي

تأليف : امل شانوحة 

الذاكرة المنسية


بعد إدخال الزوجة الضيافة إلى غرفة الجلوس ، طلب منها زوجها إحضار بلاي ستيشن للعب مع صديقه

 فسألته باستغراب : 

- الم تطلب مني إخفاء الجهاز ، بعد ان اصبحت مهووساً به ؟!

- لا يهم .. إذهبي واحضريه


فعادت لغرفتها ، وهي تتمّتم بضيق :

- هو يعلم ان صحتي ليست بخير اليوم .. ومع ذلك يريدني ان احضر اللعبة من فوق الخزانة ، رغم شعوري بالدوار ! 


ثم وضعت السلّم الخشبي ، في محاولة لإنزال الصندوق الكرتوني الذي بداخله بلاي ستيشن .. لكنها لم تنتبه لعكّاز زوجها الحديديّ الذي فوقه (استخدمه قبل شهرين ، عندما أصيبت ساقه) الذي سقط بقوّة على رأسها ، مُتسبباً بجرحه 


في صالة المنزل .. سمع الزوج وصديقه صوت وقوعٍٍ عنيف للسلم ، فهرعا مذعوريّن للداخل.. 

ليجداها ممدّدة على الأرض ، والسلم فوقها .. والدماء تسيل من رأسها ! 

فحاول الزوج إيقاظها ، بهزّ جسمها بعنف .. لولا إصرار صديقه بأخذها فوراً للمستشفى

^^^


في الطريق ..

جلست المرأة في المقعد الخلفي ، مُسندةً رأسها على فخذ زوجها الذي يحاول ايقاف دمائها بالمناديل .. بينما صديقه يقود السيارة ، وهو يسأله بقلق : 

- هل تتنفس ؟

فوضع الزوج يده أمام أنفها ، قبل ان يجيبه برعب : 

- لا... لا تتنفس!

فصرخ صديقه:

- ماذا تنتظر؟ أنقذها بالحال !!

فأحنى الزوج رأسه ، لإجراء التنفس الإصطناعي.. 

وإذّ بها تنتفض فجأة ، وهي تبعده عنها بفزع :

- ماذا تفعل ؟!! 

ثم نظرت حولها بدهشةٍ مفزعة : 

- أين أنا؟!

وهنا رأت الدماء على المناديل ! فوضعت يدها على رأسها ، وهي تشعر بالألم :

- ماذا فعلتما بي؟!

فردّ الزوج بانزعاج :

- كفّي عن هذه السخافات !! فأنت جرحت رأسك ، بعد سقوطك من السلم..

فجلست بعيدةً عنه ، وهي تسأله بخوف : 

- ومن انت يا رجل ؟ ولما حاولت تقبيلي قبل قليل ؟ 

فساد الصمت بالسيارة ! 


فأجاب صديقه بقلق :

- هذا زوجك ، وكان يحاول إنعاشك .. الا تتذكرينه ؟!

فردّت بدهشة :

- وهل انا متزوجة ؟!

ثم انتبهت على خاتم اصبعها :

- يبدو ذلك ! 

فقال الزوج لصديقه ببرود:

- إنها تبالغ.

فردّ صديقه بعتاب :

- لقد سقطت من علوّ مترين ، ووقع السلّم على رأسها.. لابد ان الإصابة أضرّت بذاكرتها .. وكلّه بسببي ! ليتني لم أصرّ على لعب بلاي ستيشن معك

فسألت المرأة باستغراب:

- وما علاقة الجهاز بجرح رأسي ؟!

فأجاب زوجها : 

- اللعبة كانت في صندوقٍ فوق الخزانة ..هل تذكرتي الحادثة الآن؟

المرأة بقلق :

- لا .. لا اتذكر شيئاً 

فقال الصديق:

- لا تقلقي ، سنصل الى المشفى بعد قليل .. وهناك سيتبين كل شيء.

^^^


بعد الفحوصات.. خرج الطبيب من غرفة الأشعة ، وهو يقول للزوج: 

- مجرّد ارتجاجٌ بسيط .. لكنه يبدو اصاب جزء الذاكرة في دماغها! 

الزوج بقلق :

- ومتى ستتذكّرني؟

الطبيب : الأمر بيدك .. عليك تذكيرها بالماضي الجميل.. يعني المواقف العاطفية بينكما ايام الخطوبة وشهر العسل ، فهي وحدها ما يعلق بذهن المرأة.

^^^


فعادت الى المنزل مع زوجها المحتار بطريقة تصرّفه معها .. خصوصاً بعد إصرارها على البقاء وحدها بغرفتها التي أقفلتها بإحكام .. فهو بالنسبة لها ، رجلٌ غريبٌ عنها!

***


في الأيام التالية ، إضّطر لتغير معاملته معها .. فهو لم يعد يرفع صوته ، او يعطيها اوامر صارمة .. بل صار يستشيرها ويأخذ اذنها ، قبل فعله شيء..


ومع مرور الأيام .. حدث شيءٌ لم يتوقعه ، حين بدأ يكتشفها من جديد .. فهي لم تعد زوجته الباهتة الصامتة التي اعتاد عليها .. بل صارت تناقشه وتعارضه بجرأة .. وتخبره النكات وهي تضحك من قلبها .. وتطلعه على أحلامها .. وتشاركه طموحها ومواهبها التي لم يعلم عنها سابقاً ! كما صارت تهتم بمظهرها ، وتختار ملابسها بنفسها.. وتمازحه بروحها الطفولية وعفويتها الجميلة !


مما جعله يستذكر سنواتهما الماضية ، بعد إجبارها على التصرّف كزوجةٍ هادئة ومطيعة .. بعد ان نصحه الأقارب والأصدقاء قبل الزواج : بطمس شخصيتها تماماً ، وتحقير آرائها وأحلامها .. ومنعها من الخروج والإختلاط بالناس .. وجعل كلمته دائماً هي الأولى والأخيرة 


وبعد تنفيذ نصائحهم ، تحوّلت زوجته إلى امرأة تخاف اعتراضه وإغضابه .. خصوصاً بعد اجبارها على الإستقالة من عملها الذي تحبه .. وإبعادها عن اهلها واصدقائها .. كما كان ينصحها باستعلاء ، بالتفكير بكلامها الف مرة قبل التحدث اليه وإضاعة وقته بآرائها التافهة .. كل ذلك ، رغبةً بخلق زواجٍ بلا مشاكل .. لكنه بالحقيقة صنع بيتاً بلا روحٍ او حياة !  


اما بعد الحادثة ، فصارت تفاجئه بطباعها الجميلة كل يوم.. والأغرب أنه بدأ يعشق هذه المرأة الجديدة.. او بالأصح ، يكتشف حقيقتها بعد خمس سنوات من الحياة الرتيبة المملة ! 

***


ذات مساء ، وهما يشاهدان التلفاز .. سألته بجرأة : 

- هل لديك مشكلة صحية تمنعنا من الإنجاب ؟

فنظر اليها بصدمة :

- ماذا قلت ؟!

- هذا الصباح ، وجدت ملفي الصحي بخزانتي .. وكانت نتائجي جيدة ، لكني لم اجد فحوصاتك ضمن الملف ..

فقاطعها بعصبية :

- هذا يعارض رجولتي !!


ورفع صوت التلفاز لقطع محادثتها .. لكنها أطفأت الجهاز ، وهي تسأله بحزم : 

- نحن متزوجان منذ خمس سنوات ..الا تريد أن تصبح أباً ؟

- كيف وانت تمنعيني الإقتراب منك ؟

- لا تغير الموضوع .. غداً نذهب معاً إلى الطبيب لإجراء .. 

مقاطعاً بعصبية :

- ارفض ان اصبح موضع سخرية أمام الناس.

فأمسكت يده بحنان : 

- لن يعرف أحد.. وإن كان هناك شيء يحتاج إلى علاج ، فسأقف إلى جانبك.. فكلانا اقترب من سن الأربعين ، ولا أريد تضيع المزيد من الوقت.

ففكّر مطولاً ، قبل ان يوافق بتردّد

^^^


وجاءت النتائج مطمئنة..

فهو لم يكن لديه مرضٌ خطير ، بل مجرد عارضٌ بسيط يتطلّب علاجاً بسيطاً

ولأنه وافق على الفحوصات والعلاج ، سمحت بعودته الى غرفتها ..

***


وبعد شهرين ، علم بحملها.. فاحتضنها سعيداً ، وهو يعدها بحفلةٍ عائلية 


وفي الحفل ، لاحظ الجميع تغير طباع الزوجة .. فهي لم تعد صامتة ومنزوية بالمناسبات .. بل ظهرت متألقة بثوبها الفخم ، وهي تضحك بطلاقة وتشارك احاديث الجميع بثقةٍ واعتزاز 

اما زوجها ، فلم يعد يقاطعها أو يأمرها بإذلال امام الغرباء .. بل ينظر إليها باحترام وبابتسامةٍ حنونة ، كأنهما عروسان جدد !

^^^


بعد انتهاء الحفل ، وفي غرفة النوم..

قال الزوج بنبرةٍ نادمة :

- اريد الإعتذار عن سنوات قسوتي معك .. كنت أظن أنه بجعلك مطيعة لكل أوامري ، سأعيش حياةً هادئة.. لكني كنت مخطئاً.. فعندما فقدتِ ذاكرتك ، ظهرت أمامي امرأة لم أعرفها من قبل ! امرأة قوية ومرحة ، لها أحلام وطموح وآراءً سديدة ... واكتشفت أنني أحب هذه المرأة ، أكثر من زوجتي التي أطاعتني بكل شيء ! ليتني عرفت جوهرك الحقيقي منذ البداية.

فأسندت رأسها على كتفه بدلال : 

- المهم أنك عرفتني الآن.. وطالما اصبحت لطيفاً معي ، وتحترمني امام الناس .. فهذا يكفيني..


فحضنها بحنان ، دون علمه بما تخفيه عنه :

((فهو يظنها فاقدة الذاكرة .. لكنها بالحقيقة قبل الحادثة بيوم ، التقت بصديقتها من أيام الجامعة..وجلستا في أحد المطاعم..

لتتفاجأ بصديقتها تسألها بأسى :

- ما الذي جرى لكِ ؟ لما تحولتِ إلى امرأةٍ كئيبة وذابلة ، مقارنةً بأيام الجامعة؟!

ثم أرتها مقاطع فيديو قديمة لهما : وهما تضحكان وتمرحان بحرّية 

متسائلةً بحرقة:

- أين ذهبت تلك الروح الجميلة ؟! 

ثم نصحتها بوضع حدٍ لزوجها النرجسي ، او الطلاق منه

 

فعادت الزوجة الى منزلها مهمومة ، بعد تأكّدها بأنها بعلاقةٍ غير صحية ..


وبعد ان وقع العكّاز من فوق الخزانة ، جارحاً رأسها .. خطرت ببالها ، إسقاط السلم بقوة .. ثم الإستلقاء تحته .. لإيهام زوجها بوقوعها من ارتفاعٍ كبير ، متسبباً بفقدان ذاكرتها ..


ثم بدأت خطتها بعد استيقاظها بسيارة صديق زوجها ، مُدعيةً نسيان الماضي .. او بالأصح ، ناكرةً للوحش الذي صنعته بيدها طوال الخمس سنوات الماضية .. فهي من جعلته نرجسياً ، بطاعتها العمياء له .. وإغداق المديح عليه ، رغم عدم استحقاقه ذلك .. ولهذا ارادت إصلاح خطأها اولاً ، بالعودة لشخصيتها القديمة 


في البداية عاملها زوجها بحذر ، خوفاً من خسارتها .. ثم باحترام ، بدافع الفضول..ثم بدافع الإعجاب.. وأخيراً... بدافع الحب.


فهي بالنهاية لم تفقد ذاكرتها .. بل استعادت نفسها الحقيقية بذكاءٍ أنثويٍّ ناعم)) 


وفي هذا المساء ، وبينما تراقب زوجها النائم .. وضعت يدها على بطنها ، وهي تتمنى أن يرسّخ الطفل الحب بينهما .. عاقدةً العزم على الإحتفاظ بسرّ حيلتها للأبد .. فهي لم تفعل ذلك هدماً لمنزلها .. بل لترسيخ قواعد الحب والإحترام والمساواة ، لبناء زواجٍ سعيد يدوم العمر كلّه !


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

لغز اختفاء المليونير

تأليف : امل شانوحة 

المغامر الجريء


ورث جاك ثروةً طائلة عن والده .. وبدل صرف ماله بالطرق التي يستخدمها معظم الأثرياء ، قرّر ان ينفقها بحل الغازٍ تهم البشريّة !

 

وكانت وجهته الأولى الى جزيرة نورث سنتينل التي يعيش سكّانها الأصليون منعزلين عن العالم الخارجي ، ويقاتلون كل غريب يحاول الإقتراب من جزيرتهم 


لكن لجاك رأيٌّ آخر .. حيث استأجر قارباً أبقاه على مسافةٍ آمنة بعيداً عن شاطئهم ، لا تصل اليه أسهمهم .. 

ووضع فوق قاربه شاشةً ضخمة ، عرض عليها إعلاناً متكرّراً لأحد انواع الشوكولا.. مما اثار اهتمام اطفال القبيلة الذين شاهدوا الإعلان باهتمام .. 

وبعدها ارسل جاك قارباً صغيراً يتحكّم به عن بعد ، مُحمّلاً بنفس نوع الشوكولا.. جعلت الأطفال يفتحون الصناديق بحذر .. وما ان تذوّقوا اول لقمة ، حتى سارعوا بحمل الواح الشوكولا الى اهاليهم   


كرّر جاك الموضوع اكثر من مرة ، حتى تعوّدت القبيلة على مذاق الشوكولا الحلو .. بعدها انقطع عنهم لفترة .. قبل ظهور جاك بقاربه المُحمّل بصناديق الشوكولا ، وهو يجذف ببطء نحو شاطئهم الذي امتلأ بأفراد القبيلة .. 

لكن هذه المرة لم يوجهوا اسلحتهم عليه ، بل استقبلوه بالإبتسامات والتهليلات المرحّبة.. بينما صغارهم يقفزون حماساً ، بانتظار وصوله اليهم!

وحينما وصل ، سارع بتوزيع الشوكولا عليهم .. قبل ان يحظى بيومٍ كاملٍ معهم ، وهم يحتفلون به على طريقتهم .. كل هذا تم تصويره من خلال كاميرا صغيرة مثبّتة بقبعة جاك .. 


وفي الصباح التالي ، ودّعوه جميعاً وهو متوجه بقاربه الى السفينة الكبيرة التي تنتظره بعرض البحر .. وبذلك اثبت للعالم ان احترامه لحدود القبيلة ، هو ما جعلهم ودودوين معه.. وبذلك حلّ اللغز الأول بسلام

*** 


بعد ذلك توجه إلى تركمانستان ، تحديداً بوّابة الجحيم : الحفرة الغازية المشتعلة منذ سنواتٍ طويلة.

كانت خطته بسيطة ، وهي تطبيق اجراءات السلامة المستخدمة عند احتراق طنجرة الزيت في المطبخ .. 

قائلاً للمسؤول هناك :

- اذا غطينا قدراً مشتعلاً بقماشةٍ مبلولة ، نقطع عنها الأكسجين ، فينطفئ اللهب.. لما لا نقوم بالشيء ذاته مع الفوهة ، على ان نختار قماشاً مضاداً للحريق ؟ 

فوافق المسؤول بعد ان وعده جاك بالتكفّل بمصاريف التجربة كاملةً 


وبالفعل ، نجح الغطاء المبلول بإخماد الحريق ، بعد تصاعد الدخان من جوانب الفوهة .. مما سمح لدولتهم الإستفادة من الغاز الطبيعي اخيراً ، كمصدر للطاقة.

***


ثم انتقل جاك الى جبال الهيمالايا التي تحوي جثث متسلقيها الذين لقوا حتفهم قبل سنوات .. وتم تركهم هناك ، لأن انتشالهم عمليةً بالغة الخطورة مع تكلفة مادية ضخمة

 

ففكّر بحلّ المشكلة بطريقةٍ سهلة : وهو إنشاء مسارات إنزلاقية آمنة من البلاستيك ، تشبه زحاليق ملاعب الصغار .. لمساعدة فرق الإنقاذ على إنزال الجثامين للإسفل .. وهو سيتكفّل بمصاريف المهمّة ، بالإضافة لدفع اجرة متسلقين محترفين وفرق إنقاذ مدرّبة..

وقد ساعد فصل الصيف بإنجاح العملية ، وإنزال اكثرية الجثامين بعد اسابيع من وصول المتسلقين المحترفين للقمة .. بينما تعسّر الوصول لبعض الجثث المُنحشرة بين شقوق الجبل الشاهق 


وبنهاية المهمة .. اقترح جاك إقامة جنازة جماعية رمزية ، تُبث عبر التلفاز.. تكريماً للأبطال الذين دفنوا بشكلٍ لائق ، وسط دموع اهاليهم الذين انتظروا هذه اللحظة منذ سنواتٍ طويلة 

***


في المهمة التالية : اشترى طائرة درون احترافية ، مزوّدة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار..أطلقها في ممرّات الكهوف الضيقة ، وفوق مدينة تشيرنوبل المهجورة ، وغابات الأمازون ليلاً ، وجزيرة الأفاعي البرازيلية التي يصعب على الإنسان الإقتراب منها .. ناشراً عشرات الفيديوهات المثيرة للإهتمام عبر وسائل تواصله الإجتماعي ، التي استقطبت ملايين المشاهدين

***


بعدها اشترى غواصة صغيرة ، مجهزة بكاميرات محترفة لتفسير اسطورة مثلث برمودا .. استطاعت كشف جزءاً من الحقيقة الغامضة ، قبل غرقها 

***


وفي مشروعٍ آخر.. طلب من تقني محترف ، صنع كرةً فولاذية مضيئة غير مجوّفة تتحمّل ضغط المحيط .. مجهزة بكاميرات حرارية ، يمكن تحريكها بواسطة الأقمار الصناعية .. يتم إرسالها لأعمق نقطة بالمحيط .. والتي نجحت بالفعل بتصوير مخلوقاتٍ بحريةٍ غريبة ، لم يسبق للعلماء اكتشافها من قبل ! 

***


حتى الأعاصير : صمّم لها بالوناً مرناً شديد التحمّل ، فيه كاميرات وأجهزة قياس.. لتصوير ما يحدث داخل الأعاصير ، بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.

***


لاحقاً ، انتقل فضوله للفضاء.. مقترحاً على علماء الناسا : صنع كرةً مطاطية مرنة تتحمّل أقسى الضغوطات دون انفجارها.. بداخلها كاميرات وأجهزة استشعار ، يتم ارسالها قرب الثقب الأسود .. لعلّها تصوّر الجهة المقابلة من ذلك الثقب ! 


فسألوه عن سبب صرفه ملايين الدولارات على تجربة ، نسبة فشلها اكبر من نجاحها بكثير :

- وماذا ستكسب في المقابل ، استاذ جاك ؟

جاك : المعرفة ، وكشف الغاز الكوكب الذي نعيش فيه 

فوعدوه بدراسة اقتراحه بجديّة ، طالما سيتكفّل بكافة المصاريف 

***


في هذه الأثناء ، انتقل فضوله لحلّ اكبر لغزٍ بشري : 

((ماذا يوجد خلف جبال أنتاركتيكا ؟))


مستأجراً طائرةً شراعية مجهزة بكاميرات تتحمّل اقسى درجات البرودة ، في مهمّة انتحارية لتجاوز سلسلةٍ جبليةٍ نائية ، وتصويرها من الجو.


لكن قبل انطلاق رحلته ، اوقفته السلطات التي صادرت معدّاته..

ولم يكتفوا بذلك ، بل وجّهوا له تهمةً خطيرة : بخرقه القيود المفروضة على المنطقة وزعزعة الأمن القومي.


من بعدها اختفى الشاب الثريّ جاك دون محاكمة او مقابلاتٍ اعلامية ، حتى اهله واصدقائه لم يعرفوا مصيره !

وبذلك اصبح لغز اختفائه ، اكبر مما اكتشفه بماله وجرأته النادرة..

*** 


وفي إحدى المقالات عن انجازاته ، خُتمت بعبارة : 

((كان بإمكان السيد جاك عيش حياة الأثرياء المريحة ، لكنه فضّل انفاق ثروته في مطاردة المجهول..

فهل مازال حياً بأحد السجون الدولية ؟ ام تمّ اعدامه ، بعد اكتشافه شيئاً عظيماً لا تسمح الحكومات بإظهاره للعلن ؟!))


الاثنين، 24 أغسطس 2026

وكر الهضبة المهجورة

تأليف : امل شانوحة 

الطفولة المختطفة


على الطريق العام .. تتواجد هضبة صخرية ، مبنياً عليها بيوتاً شعبية فقيرة .. قبل قرار الحكومة بإغلاق جميع مداخلها بسواتر الألمنيوم والحواجز الإسمنتية ، مُجبرةً سكّانها على الرحيل إلى المدينتين المجاورتين ، بحجّة وجود غازٍ طبيعي اسفل الهضبة المكوّنة من شارعين رئيسيّن : علويّ وسفلي .. تحقيقاً لرغبة الدولة ببناء مصنعٍ للإستفادة من موردها الطبيعي .. 

***


وبعد عشر سنوات ، وفي عصر هذا اليوم .. اوقف الشاب سيارته خارج المنطقة المهجورة ، مكملاً طريقه مع صديقه سيراً على الأقدام .. حتى وصلا إلى الشارع العلوي.


وهناك وجدا المكان صامتاً بشكلٍ مخيف : المنازل محطّمة ومتهالكة ، والأعشاب البرّية غطّت الأرصفة والطرقات 


فسأل صديقه بفضول :

- لما أصرّيت على رؤية منطقتنا القديمة ، التي تبدو معدمة مقارنةً بالمدينة الحديثة التي نقلونا اليها ؟!

- اشتقت لذكريات طفولتنا .. فأنا مازلت لليوم مغتاظاً على طردنا منها ، دون سببٍ واضح 

- الا ترى منازلها القديمة الآيلة للسقوط ؟ ..كما ارادت حكومتنا بناء مصنعٍ للغاز..  

مقاطعاً بعصبية : واين هو مصنع الغاز ؟!! لما لم يبنوه حتى الآن ؟

- ربما نقص بميزانية الدولة ، لما تهتم لهذه الأمور ؟

 

فسكت الشاب مطوّلاً ، قبل ان يسأل صديقه :

- هل تذكر ملعبنا الرملي الذي كسبنا عليه الكثير من المباريات التنافسية؟

- بالطبع اذكر ، كان بالشارع السفلي .. لكن سيارتي لم تستطع الوصول اليه ، بعد إقفال مدخله بالبوّابة الحديدية الضخمة ، كما رأيت.. (ثم اشار بيده) .. إن أردت ، يمكنك النظر لملعبنا من خلال شقّ الحاجز الألمونيوم الذي هناك 


فأحنى الشاب الثاني ظهره ، وهو ينظر من الشقّ نحو الشارع السفلي .. ليفاجأ بمنظرٍ غريب ! 

((ثلاثة رجال مسلّحين .. وبجانبهم فتاتان صغيرتان لم تتجاوز اعمارهن الثامنة ، ترتديان فساتين بيضاء..وتجلسان بهدوء على حافة الملعب الرملي المهجور)) 


فشعر الشاب بالقلق ، وأخرج جواله لتصوير ما يحدث ..وهو يطلب من صديقه التزام الصمت ! 

ليصوّر بعد قليل : ((ترجّل رجل من سيارته الفارهة ، لمعاينة الفتاتين .. قبل اختيار احداهما.. بينما يقوم حارسه الشخصي بدفع النقود لأحد الرجال المسلّحين ..ثم سحب الفتاة من ذراعها نحو السيارة التي انطلقت مبتعدة عن المكان))


وما حصل ارعب الشابان اللذان ركضا باتجاه سيارتهما المتوقفة عند مدخل الشارع العلوي.. وهما يحاولان الإبتعاد عن الهضبة التي تحوّلت لوكر عصابة الإتجار بالأطفال المخطوفين 


لكن المنطقة لم تكن سهلة الخروج منها ، بسبب تلال الرمال والحواجز عند المفارق... فاضّطرا إلى سلوك طريقٍ مُلتف ، يحتاج نصف ساعة لعودتهما إلى الطريق العام.


في هذه الأثناء ، ارسل الشاب المقطع لأقرب مركز شرطة التي لم تردّ على رسالته رغم رؤيتهم للفيديو ! 


فالتفت لصديقه وهو يقول بقلق :

- اظنني اخطأت بإرسال المقطع للشرطة 

- ولماذا ؟

- طالما هذه الأمور تحدث في وضح النهار ، فربما كانوا متورّطين مع العصابة التي تعطيهم نسبة من الأرباح .. ولهذا سأنشر المقطع فوراً بوسائل التواصل الإجتماعي  


ورغم قلق صديقه من فعل ذلك ، الا انه تمكّن من نشره قبل دقائق من ملاحقتهما من دوريّة شرطة .. اوقفتهما بالأصفاد بعد توجيه الأسلحة نحوهما !

الشاب بفزع : نحن من ارسلنا فيديو العصابة اليكم !!

^^^


لكن الشرطة اقتادتهما الى داخل المنطقة المهجورة ، بعد فتحهم البوّابة الحديدية الموصلة للشارع السفليّ ! 

متوقفين قرب مستودعٍ مهجور ، خرج منه زعيم العصابة الأعور وهو يعاتب رجال الشرطة الثلاثة على تقاعسهم بمراقبة مداخل وكرهم السرّي! 

فاعتذروا منه ، قبل عودتهم الى عملهم !  


بينما تكفلت العصابة بكسر جواليّ الشابين الذين انهالوا عليهما صفعاً وضرباً دون رحمة !


وبذلك فهم الشابان متأخراً بتورّط الشرطة الفاسدة بجريمة اختطاف الأطفال الذين رأوا العديد منهم هناك ، كأنهم عبيد مكسوري الإرادة بانتظار بيعهم للأثرياء ، كما حصل مع غيرهم ! 


وهنا صرخ احد الشابيّن بألم :

- لحظة توقف !! قبل ان تقتلني ، اريد معرفة ما يحصل هنا 

قائد العصابة : ولما يهمك الأمر ، طالما ستموت بجميع الأحوال ؟

- هذا آخر طلب بحياتي ، اريد معرفة كل شيء قبل موتي.. هل ما اطلبه كثير؟

فردّ قائد العصابة : لا بأس ، طالما الحقيقة ستُدفن معكما .. (وأخذ نفساً طويلاً) ..الخطة كانت بإيجاد مكانٍ يصلح وكراً لنا ، دون لفت الأنظار الينا .. فاخترعنا فكرة الغاز الطبيعي ، لإخلاء المنطقة الشعبية .. 

الشاب مقاطعاً : ولما كل هذا ؟! 


الزعيم : لأن الأثرياء يعشقون نعومة اجساد الأطفال ، سواءً فتيات يافعات او صبيان صغار الذين يقوم رجالي باختطافهم من الشوارع ، او بعد خروجهم من المدارس ، او من المولات اثناء انشغال اهاليهم عنهم .. ثم يحضروهم الى هذا المستودع المهجور 

الشاب باهتمام : وكم طفلاً خطفتم حتى الآن ؟

القائد : طفل او طفلين كل اسبوع على مدى عشر سنوات ، إحسبها انت !! فبعضهم يُباع فوراً ، لوسامته .. وبعضهم يُستغلّ ، ثم يعاد إلينا .. والبعض الآخر يختفي إلى الأبد... وعندما يصبحون مراهقين وبعمرٍ قانوني ، نرسلهم الى المنتجعات والفنادق الفخمة مع نسبة من الإرباح ..


فنظر الشاب للأولاد الذين كانوا يتناولون طعامهم بهدوء ، وهو يسأل بقلق: 

- وكيف تخضعوهم بهذا الشكل ؟! 

الزعيم : الأمر بسيط .. كلما حاول أحدهم الهرب ، نعاقبه بقسوة أمام زملائه ..(ثم اشار للأولاد) .. لكننا بالنهاية لسنا وحوشاً .. فكما ترى ، نوفّر لهم الطعام والملابس الجميلة .. كما لدينا طبيباً يتابع صحتهم ، قبل وبعد انتهاء مهامهم الخاصة .. وهو من يقوم بإجهاض الحوامل منهن..

الشاب مقاطعاً بصدمة : كيف ، وجميعهن صغيرات بالسن ؟!

القائد : لدينا بعض المراهقات .. وأصغر من قمن بإجهاضها ، كانت بسن التاسعة .. لكنها توفيت اثناء العملية

الشاب بقهر : لا اصدق ان كل هذا الجرائم ، لم يعاقبكم عليها احد حتى الآن ؟!


القائد : ومن سيعاقبنا ان كان بعض الوزراء والنوّاب متورّطين معنا ؟ فأولئك الأطفال نخطفهم من جميع انحاء الدولة ، ونحضرهم الى هذه الهضبة التي لم يفكّر احد بدخولها بعد رحيل سكّانها .. فيما عداكما ، ايها الفضوليّن !! لكن بغبائكما ، ارسلتما الدليل للشرطة المتعاونة معنا .. والذين قاموا شاكرين بالقبض عليكما ، وإحضاركما الينا.. وبعد تعذيبكما ، سنقوم بقتلكما دون ان يعلم احد بمصيركما

فرد الشاب بحزم : 

- اخطأت !! الجميع سيعلم عن جرائمكم ، بعد نشري المقطع بجميع وسائل التواصل الإجتماعي قبل قبض الشرطة علينا

القائد بقلق : انت تكذب ..

الشاب مقاطعاً بثقة : ابداً !! ويمكنك التأكّد بنفسك .. إفتح جوالك وابحث عن المقطع الذي صوّرته عنكم 


فانتاب الزعيم الرعب وهو يبحث بالإنترنت .. ليفاجأ بانتشار المقطع بشكلٍ مهول بين الناس ! خصوصاً اهالي الأطفال المفقودين الذين لم ينتظروا الشرطة لإعادة اولادهم ، بل صوّروا انفسهم وهو يتحضّرون لاقتحام المنطقة المهجورة وهم مُدجّجين بالأسلحة البدائية : كالسواطير والسكاكين والعصيّ الحديدية والخشبية 


وقبل ان يستوعب القائد ما يحصل ! دخل احد رجاله فزعاً :

- يا زعيم !! هناك عشرات السيارات تتوجه الينا 

فأعطى الأوامر لرجاله بالهرب من المكان ، وترك الأطفال المخطوفين في المستودع المهجور 


لكن الحواجز التي وضعوها على المفارق ، أصبحت فخاً لهم بعد تأخيرها هروبهم ..وما ان وصلت سياراتهم للطريق العام ، حتى تفاجأوا بالأهالي يحاصروهم هناك.. قبل اقتيادهم ، عائدين الى المستودع المهجور 

حيث قيّدوا افراد العصابة على الأعمدة الصدئة للمستودع ، والذين لم يتجاوز عددهم الثلاثين رجلاً .. بينما الأمهات يحتضن اطفالهن الذين تجمدوا في اماكنهم : فبعضهم نسي شكل اهله ، لاختطافه قبل سنوات .. وبعض المراهقين شعروا بالخزيّ ، للإعتداء المتكرّر عليهم ! 

اما الآباء : فلم ينتظروا قدوم الشرطة ، بعد ان اخبرهم الشاب (الذي نشر المقطع) بتورّطهم مع العصابة .. وهجموا جميعاً بأسلحتهم على الخاطفين وهم يضربوهم بالعصيّ ، ويطعنوهم بالسكاكين حتى الموت .. 


ورغم قساوة المنظر ، الا ان الأطفال صفقوا فرحين بعد مقتل الوحوش الذين تلاعبوا بأجسادهم لسنواتٍ طويلة 

***


ووصل الخبر لأعلى سلطة بالدولة التي اجرت تحقيقاً شاملاً لكل مراكز الشرطة في الدولة ، قابضين على العديد من الشرطة الفاسدة .. كما تم اعتقال الكثير من المسؤولين ورجال الأعمال والشخصيات النافذة ، بأكبر فضيحة هزّت الشأن العام  


وكل هذا بسبب شابيّن اشتاقا لرؤية ملعب طفولتهما ، ليكتشفا مستودعاً دُفن فيه براءة مئات الأطفال .. فاضحان بجرأتهما ، أقذر شبكة إتجار بالبشر في عصرنا الحديث ! 


الأحد، 23 أغسطس 2026

خروف السجن

تأليف : امل شانوحة 

القلوب الرحيمة


في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام المساجين الذين نادراً ما يُسمح لهم بتناول اللحم ، مما جعلهم متحمّسين لوجبة العيد.. 

لكن بغفلة من الطبّاخ ، هرب الخروف الى ساحة السجن.. 


بالبداية حاول السجناء والحرّاس إمساكه ، وإعادته للطبّاخ الذي كان يلاحقه ايضاً .. لكن الخروف ارتمى خائفاً بحضن سجينٍ ضخم ، عُرف بقوته وعصبيّته المخيفة ، خصوصاً مع اقتراب موعد اعدامه .. فتوقعوا ان يدفع الخروف بعيداً بعنف .. لكنه فاجأهم بمسح صوفه برفق ، الى ان هدأ روع الخروف .. وسط صدمة الجميع ! 


ثم طلب من الطبّاخ تأجيل ذبحه لليوم الرابع من العيد .. فوافق مرغماً ، لضخامته وهيبته بين السجناء 

***


وبغضون ثلاثة ايام .. تعلّق الجميع بالخروف ، وهم يدلّلونه ويطعمونه جزءاً من سلطاتهم وخبزهم.. حتى الحرّاس يبتسمون ، كلما رأوا الخروف يتجوّل بحرّية بين العنابر .. 


وحينما ذُبح اخيراً .. اكل الجميع وجبة الأرز باللحم بصمتٍ ثقيل ، كأنهم فقدوا صديقاً عزيزاً ! 

اما مدير السجن الذي كان يتجول بقاعة الطعام ، فقد لاحظ دمعة السجين المرعب التي مسحها سريعاً.. 

فطلب من الطبيب النفسي المحاولة معه من جديد 

*** 


في عيادة السجن .. توقع الطبيب رفض السجين العنيد البوح بمشاعره ، كما يفعل دائماً.. لكن سؤالٌ واحد ، جعل جدار الثلج ينهار اخيراً

الدكتور : إخبرني صدقاً .. هل احزنك اكل لحم صديقك الخروف ؟


فإذّ بالسجين يأخذ نفساً طويلاً ، كأنه يحاول بصعوبة كبت دموعه .. ثم بدأ بسرد الأحداث لأول مرة ، منذ اعتقاله قبل خمس سنوات


حيث اخبره عن اجبار والده القاسي على ذبح خروف العيد ، بعمر الخامسة ! ممسكاً بيده الصغيرة بقوة اثناء النحر ، رغبةً بجعله شاباً قوياً.. لكن رؤيته الدماء دمّرت نفسيّته تماماً ، وقتلت مشاعر الرحمة لديه.. ولهذا فرّ مذعوراً بعد دهسه بالخطأ رجلاً في طريقه إلى صلاة الفجر.. وتركه ينزف وحده حتى الموت ، خوفاً من مواجهة الدماء مرةً أخرى ! ولهذا ينتظر بلوغ اصغر ابناء القتيل سن ١٨ ، لمعرفة ان كان سيسامحه او يُنفّذ فيه قصاص السيف ، والذي سيحدث بعد ثلاثة اسابيع فقط.. ولهذا تعلّق بالخروف ، كمحاولة لاسترداد براءة طفولته التي ضاعت بتربية والده الخاطئة  

^^^


ورغم ان هذا السجين تم اعدامه بالفعل.. الا ان حواره مع الطبيب ، أثّر على مدير السجن الذي عقد اتفاقاً مع مؤسسة ترعى قطط الشوارع .. مُحضراً عشرات القطط إلى السجن ، للسماح للسجناء بتربيتها !

***


في البداية استغرب الجميع قراره ! 

لكن بعد شهور على اعتنائهم بها.. اختفت معظم شجاراتهم ، بعد تبادلهم الطعام لأجل قططهم التي تناقشوا طرق علاجها .. وصنع العاباً لها .. بل وتساعدوا معاً على تنظيف أماكنها ، والعناية بصغارها..


حتى ان الطبيب النفسي لاحظ انخفاض نوبات الغضب والعنف ، وازدياد روح التعاون بين السجناء ! ويبدوا ان ايجادهم لكائنٍ ضعيف يحتاجهم ، أيقظ فيهم مشاعر الرحمة التي حرموا منها ، لظروف حياتهم القاسية

***


وفي أحد الأيام.. وقف مدير السجن أمام نافذة مكتبه ، وهو يراقب عشرات السجناء وهم يطعمون القطط في الساحة..

قائلاً بفخر :

- كل هذا التطوّر الإيجابي حصل يوم هروب الخروف من المطبخ ، مغيراً مصير 200 سجين نحو الأفضل !


الجمعة، 21 أغسطس 2026

الدخيل الطيب

تأليف : امل شانوحة 

الحب المؤجّل


- أين علبة السكر؟

وقفت المرأة السبعينية أمام خزانة المطبخ ، وهي تبحث بين الأغراض بعصبية..

فهي متأكدة من وضعه بمكانها المعتاد ، لكنها لم تعثر على المرطبان.


وبعد دقائق من البحث ، وجدته داخل البراد!

فتساءلت باستغراب :

- من وضعه هنا ؟!


فهي طوال حياتها بهذا المنزل ، لم تغيّر مكان السكر في الخزانة .. كما ان ابنها الوحيد غائباً منذ أسبوع ، بسبب امتحاناته النهائية في الجامعة .. 


فقالت وهي تعيد السكر إلى مكانه:

- ربما نسيت...

***


لكن الأمر تكرّر في الأيام التالية ، بعد تغيّر مكان كرسيها الهزّاز .. وإيجادها جهاز التحكّم فوق التلفاز ، بدل الطاولة ! 

وكوب الماء الفارغ بجانب سريرها ، رغم عدم تذكّرها شربه ! 


كل هذا جعلها تتصل بسكن الطلّاب ، وهي تطلب من ابنها مذعورة:

- إتصل بالشرطة فوراً !! فهناك شخص يدخل منزلي أثناء نومي ، ويُحرّك أغراضي من أماكنها 

- هل انت متأكدة يا امي ؟ ربما نسيتي ..

مقاطعة بعصبية : 

- لم أضع السكر في البراد طوال حياتي !!

فحاول تهدأتها ، وهو يخبرها بأنه سيعيد الإتصال بها بعد قليل ..


فهي لم تعلم بوضعه كاميرات صغيرة في أنحاء منزلها قبل ذهابه للجامعة ، للإطمئنان عليها لحين انتهاء امتحاناته.

وبعد مراجعته التسجيلات ، إنصدم برؤية امه تقوم بتلك التغيرات بنفسها !

^^^


لكنه لم يخبرها بشكوكه ، لحين عودته .. وإصراره على اجراء فحوصاتٍ طبية .. والتي أكّدت بوادر مرض الزهايمر.

فبكى الشاب ..ليس فقط حزناً على مرضها ، بل لحصوله على منحةٍ دراسية لإكمال الماجستير في الخارج.. لكنه سيضطّر لتخلّي عن هذه الفرصة ، للإهتمام بأمه المريضة.. كردّ الجميل عن تربيته وحدها ، عقب وفاة والده وهو طفل صغير !

كما انها أنجبته بعد سنواتٍ طويلة من العقم ، لذلك يوجد فارق عمري كبير بينهما .. جعل الناس يظنونها جدته ، لا أمه.

***


وفي إحدى الأمسيات.. شكى الشاب همّه لجاره الأرمل ، الذي فاجأه بالقول:

- اذاً عليك تصويري داخل منزلها ، اثناء نومها .. خلال قيامي بكل التغيرات التي لاحظتها سابقاً .. ثم تخبرها بأنها تسجيلاتٍ قديمة  

الشاب بدهشة : 

- ولما تُعرّض نفسك للمحاسبة عن ذنبٍ لم تفعله ؟! 

العجوز بحزن : 

- لأني معجبٌ بوالدتك منذ سنواتٍ طويلة .. لكنها منعتني الإقتراب منها ، بعد قرارها بتكريس حياتها لتربيتك..

الشاب بقهر : 

- ليتك تزوجتها يا عمي.. فأنت بمقام والدي.. ولطالما شكوّت لك همومي ، وساعدتني في حل مشاكلي.

العجوز :

- ولهذا لا اريدك ان تخبرها بمرضها ، دعها تظن بأن الدخيل هو شخص لن يؤذيها ابداً  

***


وبعد ايام .. شاهدت امه التسجيلات التي صوّرها لجاره ، الذي قام بتبديل ملابسه مع كل لقطة .. لإيهامها باقتحام منزلها اكثر من مرة 


فاستشاطت غضباً : 

- بأيّ حق يدخل منزلي دون إذني؟! ماذا لوّ كان معي مسدس ، وقتلته من شدة رعبي؟! إذهب وناده حالاً ، اريد معاتبته على تصرّفاته الخرقاء !!

^^^


وبالفعل ، انهالت عليه باللوم والشتائم..

وبدوره ، تحمّل غضبها بصمت..

ثم سألته عن سبب فعله ذلك ؟ 

فأجابها بهدوء :

- لشعوري بالوحدة .. فمنذ وفاة زوجتي وأنا بسن الخمسين ، أعيش وحدي في منزلي الكئيب .. ولهذا أردت الشعور بوجود امرأة في حياتي ، حتى لوّ كانت نائمة في الغرفة الثانية 


ورغم معرفتها بأن تصرّفه خاطئاً ، لكنها تفهمّته .. فهي ايضاً شعرت بالوحدة ، كلما انتقل ابنها للسكن الجامعي بفترة امتحاناته 

***


ومنذ تلك الحادثة ، تغيّرت علاقة الجاريّن اللذين صارا يتحدّثان مطوّلاً .. حتى انها دعته للغداء اكثر من مرة 


ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية ، أخبر الإبن والدته عن قراره بالتخلّي عن منحته الدراسية لأجلها.. لكنها أصرّت على عدم تفويته الفرصة الذهبية 

- وكيف يا امي سأتركك وحدك ؟!


وهنا ، أخرج الجار خاتماً ذهبياً من جيبه..

ثم التفت إلى جارته ، وهو يقول :

- سامحيني ، فصحتي لا تسمح بالجثو على ركبتي .. فهذا الخاتم اشتريته قبل 15 عاماً ، بعد انتهاء عزاء زوجك.. لكنك لم تسمحي لي يوماً بالإقتراب منك..فهل توافقين الآن على إكمال حياتنا معاً؟ .. يعني .. إن لم يكن لأجلي ، فمن اجل راحة بال ابنك .. دعيه يسافر ويكمل تعليمه ، وهو مطمئن على اهتمامنا ببعضنا لآخر عمرنا .. ما رأيك عزيزتي ؟


فتردّدت العجوز بالإجابة ، قبل ان تقول :

- الأيام الماضية التي قضيتها وحدي في المنزل ، اثناء امتحانات ابني.. جعلتني أدرك بأن الوحدة اصعب من كلام الناس ولومهم المحرج 

ثم ابتسمت له :

- انت جاري منذ سنواتٍ طويلة ، ولم تعد غريباً عني.. ولهذا اوافق على طلبك

***


بعد عقد زواجهما في المحكمة .. ودّعهما الإبن قبل ذهابه للمطار ، لإكمال دراسته بالخارج 

***


بعد شهور ، وصلته رسالة من جاره .. مُرفقة بتقريرٍ طبي عن والدته : تؤكّد تحسّن صحتها بشكلٍ ملحوظ بعد انتظامها على ادويتها ، واهتمام زوجها بها .. والذي نجح بإخراجها من سنوات الوحدة الطويلة ، مما انعكس إيجاباً على حالتها النفسية والجسدية..


ففهم الشاب ان ابتعاده عنها ، كان خيراً لها .. وأن الدخيل الطيب لم يكن الرجل الذي بعثر اغراضها دون اذنها ، بل هو من اعاد لها الحياة ! 


الأربعاء، 19 أغسطس 2026

كتيبة الضباب

تأليف : امل شانوحة 

حرّاس البشرية


بعد انغلاق مضيق هرمز في الحرب الحالية بين ايران واميركا التي ادّت لتكدّس السفن التجارية بالخليج العربي ، تلقّت بارجةٌ حربية أمريكية رسالة مورس من سفينةٍ صغيرة مجهولة الهوية : 

((هنا فرقةٌ عسكرية بريطانية مستقلّة... لدينا القدرة على إزالة الألغام ، وتأمين الممرّ البحري... نطلب الإذن بالتقدّم))


ومع رفضهم الإطلاع على مزيد من المعلومات حول كتيبتهم ، اضّطر الضابط الأمريكي للإتصال بالقيادة العسكرية البريطانية التي نفت معرفتها بتلك السفينة !

وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تتفاقم يومياً ، صدر قرارٌ استثنائي بالسماح لأولئك الجنود بالمجازفة بأرواحهم !


بعد ساعتيّن .. بدأت أجهزة الرادار ترصد انفجاراتٍ متتالية للألغام داخل المضيق ! وكأن تلك الكتيبة حصلت على الخريطة البحرية التي تحدّد مواقعها بدقةٍ متناهية ! 

***


وفي صباح اليوم التالي ، وصلتهم رسالةً جديدة : 

((أصبح الممرّ آمناً... يمكن للسفن التجارية العبور الآن... ونحن سنرافقها حتى خروجها من منطقة الخطر))


فرفض جميع القباطنة الإبحار الى هناك .. ما عدا سفينة هندية استنفدت معظم مؤونتها ، لوجودها بالخليج العربي مع بداية الحرب 

فاضطّر قبطانها للمخاطرة ، بينما راقبته بقية السفن وهو يعبر المضيق الخطر .. ليشاهدوا انفجار صاروخ ايراني بالسماء حاول اعتراضها ، من قبل راجمة بدائية الصنع ، أُطلقت من السفينة الخشبية البريطانية للكتيبة المجهولة !


وفور إعلان القبطان الهندي وصوله سالماً إلى وجهته ، حتى بدأت بقية السفن التجارية بالعبور تباعاً.. تحت حماية السفينة البريطانية الصغيرة ، بجنودها الشجعان الذين تمكنوا خلال ايامٍ معدودة بإنهاء الأزمة الراهنة ، وإعادة الملاحة البحرية إلى طبيعتها ! 


وقبل الإتصال بقائدها الإنجليزيّ ، لتكريمه مع كتيبته على تنفيذهم المهمة الصعبة .. اختفت السفينة البريطانية من البحر دون وصولها لميناءٍ ما ، او عبورها حدوداً بحرية .. كما لم ترصدها الرادارات مجدداً ! 

***


في اميركا .. فُتح تحقيقٌ مشترك مع بريطانيا ، لكشف اللغز .. 

ليصلهم تقريرٌ صادم : بعد تمكّن إحدى السفن من تصويرها ، خلال المرور بجانبها .. لتظهر سفينتهم الصغيرة ، مصنوعةً بالكامل من الخشب..

اما جنودها الذين ظهروا بالصورة : فكانوا يرتدون زياً عسكرياً يعود للقرن الماضي ! 


وبالتواصل مع الأرشيف العسكري البريطاني..

اخرج المسؤول الإنجليزي صورةً صفراءً باهتة ، وهو يقول : 

- أنظروا جيداً ، انه نفس القائد القديم 

الضابط الأمريكي بدهشة : 

- ومن يكون ؟!

- قائد الكتيبة الخامسة من فوج نورفولك البريطاني.. ففي عام 1915 ، وأثناء معاركنا في شبه جزيرة جاليبولي .. تلقّت الكتيبة أمراً بالتقدّم نحو هضبة كوشوك أنفارتا أوفا التركية .. فاقتحم الجنود ضباباً كثيفاً ، دون خروجهم منها .. حيث لم يعثر على قتيلٍ أو جريحٍ أو أسير .. ومازالوا لليوم لغزاً عسكرياً غامضاً !


فساد الصمت غرفة الإجتماع.. قبل ان يسأله الرئيس الأمريكي:

- أتقصد أنهم اشباح ، عادوا إلى زماننا الحاليّ كفرقةٍ عسكرية لا تموت .. ولهذا جازفوا ببسالة لدخول المضيق المليء بالألغام البحرية دون خوف؟


ففتح المسؤول البريطاني ملفاً آخر ، مُخرجاً عدة مستندات قديمة :

- ليست المرة الأولى ، فهم ظهروا في عدة حروب بالسنوات الماضية .. وهم مستعدون دائماً لتنفيذ مهمّات مستحيلة ، عجزّ الجميع عن حلّها .. لكن قبل تكريم جهودهم ، يختفون من الوجود ! 

- ولماذا لم تعلنوا الأمر للعالم ؟

- لأن الأمور الغامضة يفضّل كتمانها 

فقال أحد الحاضرين:

- ان كانوا خالدين ، فلابد أن حياتهم مثالية.

فأجاب المسؤول البريطاني بشفقة : 

- بل المساكين عالقون بلعنةٍ ابدية .. تخيّل أن تبقى شاباً دون امراض ، ورغم ذلك لا تستطيع الزواج أو تأسيس عائلة ... بل وتضّطر لتغيير هويتك باستمرار ، كي لا يكتشف أحد سرّك ..حتى لا تُحجز في متحفٍ ما ، او تُعامل كفأر تجارب بالمعامل الكيميائية 

الرئيس الأمريكي :

- ترى ماذا فعل بهم ذلك الضباب؟

المسؤول البريطاني :

- يبدو انه حكم عليهم بالخدمة العسكرية الأبدية.


ضابط امريكي : 

- وهل برأيك تتقابل الأشباح فيما بينها ؟ أقصد هل تجتمع تلك الكتيبة البريطانية مع جيش قمبيز الفارسي المكون من 50 ألف مقاتل ..الذي اختفى بالكامل في الصحراء الغربية عام 524 قبل الميلاد.. حيث يُرجّح ان عاصفة رملية (رياح الخماسين) ابتلعت الجيش بأكمله ؟

المسؤول البريطاني : لا ادري ، ربما يكونون هم انفسهم .. فقط يغيّرون زيّهم عبر العصور.. وربما يعيشون بيننا الآن ، كأشخاصٍ عاديين .. وعندما تظهر مهمة عسكرية صعبة .. يجتمعون معاً لتنفيذها ، لنشر السلام بالعالم 

الرئيس الأمريكي : 

- انا لا تهمني تلك الخرافات .. ما يقلقني الآن ، هو ما سنخبره لوسائل الإعلام عن منفّذ المهمة البحرية الباسلة في مضيق هرمز؟

فحمل المسؤول البريطاني حقيبته ، وهو يقول : 

- إنسبوا الفضل لمن تشاؤون ، لكن لا تذكروا أسماءهم.. فنحن لا نريد إغضاب اشباحٍ يخوضون اصعب المعارك منذ اكثر من مئة عام 


وفي نهاية الإجتماع.. أُغلقت الملفات تحت بند السريّة التامة.

***


وفي مكانٍ آخر بعرض المحيط .. كانت السفينة الخشبية البريطانية تُبحر وسط الضباب.. وعلى متنها 250 جندياً بزيّ الحرب العالمية الأولى ، وهم على أتمّ استعداد لحماية البشريّة من حروبهم الهوجاء التي ستستمرّ الى نهاية العالم ! 


الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

قطرة العسل (قصة للأطفال)

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

النملة والذبابة


في أحد الأيام المشمسة، سقطت قطرة عسل ذهبية ولذيذة من أحد أطفال البشر على صخرة نظيفة في وسط الحديقة.  


وقفت نملة مجتهدة بجانب قطرة العسل، وبينما كانت تستعد لنقلها إلى بيتها، جاءت ذبابة سريعة ومدت لسانها لتأكل من نفس القطرة. 


صرخت النملة بانزعاج 

النملة: ابتعدي أيتها الذبابة المزعجة! هذه القطرة لي، وأنتِ لا تفعلين شيئاً سوى نقل الأوساخ والجلوس في الأماكن غير نظيفة! 


غضبت الذبابة وهزت جناحيها الشفافين بقوة وقالت 

 الذبابة: أنا مزعجة؟! على الأقل أنا لستُ مثلكِ أيتها النملة، أنتم تهجمون على طعام البشر وتخربون بيوتهم، وتلدغون كل من يقترب من قريتكم.  


تراجعت النملة قليلاً وهي غاضبة.  

النملة: أنا أدافع عن نفسي. نحن النمل جنود الطبيعة المجهولون! نحن ننظف الأرض من الحشرات الميتة، ونحفر الأنفاق التي تدخل الهواء إلى التربة لتنمو النباتات، وننقل البذور لمسافات بعيدة فتزهر الحديقة. فما هي فوائدكِ أنتِ سوى الطيران وإزعاج النائمين؟ 


ضحكت الذبابة بسخرية وقالت  

الذبابة: أنتِ ترين نصف الصورة فقط أيتها النملة! صحيح أن مظهري لا يعجب البعض، لكن هل تعلمين أننا نحن الذباب نقوم بدور عظيم؟ نحن نعمل كعمال نظافة للطبيعة، نتغذى على المواد المتحللة فنخلص الأرض من النفايات والأوبئة قبل أن تتكاثر، والأهم من ذلك، أننا نساهم في تلقيح بعض النباتات والأزهار التي لا تزورها النحل، كما أننا طعام مهم للطيور والضفادع لكي تستمر الحياة! 


صمتت النملة مندهشة، وفكرت في كلام الذبابة ثم اعترفت بصدق 

النملة: حقاً؟ لم أكن أعرف أن لكِ كل هذه الفوائد.. كنتُ أظنكِ بلا فائدة تماماً. 


أجابت الذبابة بلطف، وقد هدأ غضبها 

 الذبابة: وأنا أيضاً أيتها النملة، ظننتُ أنكم مجرد حشرات متعبة تحملون ما لا تطيقون. لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى، وما خلق شيئاً في الكون إلا لحكمة عظيمة. 


النملة: نعم.. لكل منا دوره في الطبيعة التي خلقها الله لتستمر الحياة في نظام وانسجام  


ابتسمت النملة وقالت  

النملة: إذن، هذه قطرة العسل واسعة وكبيرة بما يكفي لنا نحن الاثنين. 


تقاسمت النملة والذبابة قطرة العسل بسعادة، وتعلمتا أن لكل مخلوق في هذا الكون دوره الأساسي الذي لا غنى عنه، وأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئاً عبثاً، بل جعل لكل منا مهام وفوائد تكمل نظام الحياة والطبيعة.


امرأة بلا ماضي

تأليف : امل شانوحة  الذاكرة المنسية بعد إدخال الزوجة الضيافة إلى غرفة الجلوس ، طلب منها زوجها إحضار بلاي ستيشن للعب مع صديقه  فسألته باستغرا...