الثلاثاء، 18 يونيو 2019

حُب إفتراضي

تأليف : امل شانوحة


وقعتُ في شباكه ! 

قام ابن سعاد بعمل صفحة لها على الفيسبوك في عيد ميلادها الخمسين , وضمّها الى جروب لعشّاق الأدب والشعر التي تهوى قراءته .. 

ومع الوقت .. إندمجت امه في المشاركة والتعليق على القصص والأشعار مع اصدقائها الجددّ , ممّا خفّف من قسوة حياتها مع زوجٍ جلِف الطباع 

وفي إحدى الأيام .. نشرت نثرٍ حزين قامت بتأليفه , آثار إعجاب المشتركين .. وبدورها شكرتهم على تعليقاتهم اللطيفة ودعمهم لها 
ومع استمرار نجاح أشعارها في موقعٍ مُتخصّص للكتّاب المبتدئين , إزداد عدد متابعيها على صفحتها الخاصة , ممّا قوّى ثقتها بالنفس التي كانت مهزوزة بعد ثلاثين سنة من زواجٍ خاليٍ من أيّةِ مشاعر!

وكان أكثر الداعمين لها : رجلٌ من جيلها لديه اهتمامات ادبيّة , والذي شجّعها على مواصلة الكتابة التي لم تُهمّ يوماً والد إبنيها الذي بات يعاتبها على قضاء وقتٍ طويل على جوّالها 
***

وفي إحدى الأيام .. تفاجأت سعاد برسالةٍ قصيرة من هذا المتابع يطلب محادثتها على صفحته على الفيسبوك , لأخذ رأيها بشعرٍ ألّفه قبل نشره في الموقع المشتركان به

فكلّمته على الخاص ..لتمتدّ المحادثة بينهما لساعتين , تطرّقا فيها لمواضيع الأدب , ومصاعب الحياة بشكلٍ عام 

وبعد إنهاء المكالمة .. شعرت سعاد بفرحةٍ ممزوجة بالمرارة , حيث قالت في نفسها بقهر:((كم هو جميل ان نجد شخصاً يشاركنا أحلامنا وطموحنا .. لكن حياتي لم تكن يوماً عادلة !)) 
*** 

مع الأيام .. تطوّرت الصداقة بينها , حيث شاركها الكاتب أحمد همومه مع زوجته النكدية التي يتحمّلها فقط من أجل ابنه !  
فنصحته سعاد بالصبر على مصابه , رغم إحساسها برغبةٍ دفينة لتشجيعه على قرار الطلاق المتردّد في اتخاذه ! 

ومع الوقت .. وجدت نفسها تشاركه تجاربها القاسية مع زوجها الذي  يعتبرها خادمة له ولأبنائه !
فصار أحمد يشجّعها على الإنفصال , بعد تزويجها ابنتها وسفر ابنها للخارج ..

لكنها برّرت رفضها خوفاً من كلام الناس , وخسارة ولديها بعد صبرٍ دام طويلاً ! 
***

في عيد الأم .. ارسل احمد بطاقة تهنئة الى سعاد التي شكرته لأنه تذكّرها , بعكس زوجها الذي لم يؤمن يوماً بفرحة الأعياد ! 
***

بعد أشهر من بدء صداقتهما .. إنقطعت اخبار سعاد فجأة ! 
وحين فتحت صفحتها من جديد , وجدت عشرات الرسائل من احمد يريد الإطمئنان عليها ! 

فأخبرته انها كانت في المستشفى بعد ان ضربها زوجها بعنف لأنها تأخّرت بتقديم العشاء له .. لكنها الآن بخير , ورضوضها بدأت تتشافى ! 

فغضب احمد غضباً شديداً , وطلب منها تطليقه على الفور !! 
فحاولت تهدأته بأنها ليست المرة الأولى , وأنها تعوّدت على مشاجراته العنيفة .. فالمجتمع بالنهاية لا يُحبّذ طلاق المرأة , خاصة في مثل عمرها  

ففاجأها أحمد قائلاً : اللعنة على الناس جميعاً !! الا تخافين ان يقتلك ذلك الحقير , او يصيبك بعاهة مستديمة في ثورة غضبه القادمة ؟.. طلقيه يا سعاد وانا سأتزوجك 

فارتبكت سعاد كثيراً بعد قراءتها جملته الأخيرة ! 
وبتردّدٍ شديد , كتبت له (على الجوال) : 
- أحقاً تنوي الزواج بي يا احمد ؟!
- بالتأكيد !! فقد وجدّت بك كل شيء أبحث عنه منذ مدةٍ طويلة 
- أخاف بعد ان أخرب بيتي , تتراجع عن كلامك
أحمد : سامحك الله يا سعاد ! نحن لسنا بمراهقيّن .. ولكيّ أثبت لك حسن نوايايّ , قرّرت تطليق زوجتي في نهاية هذا الأسبوع .. ثم أتزوجك فور انتهاء عدّتك , ما رأيك ؟  

سعاد باستغراب : وكيف أخذت هذا القرار المصيريّ دون رؤية صورتي؟! 
أحمد : حين رفضّتِ طلبي المرة الماضية , لم أردّ الضغط عليك ثانيةً .. ثم أنا رجلٌ عقلاني ولا تهمّه المظاهر ..وما أعجبني بك هو روحك الطيبة وذكاءك ..كما موهبتك الأدبية المميزة , وهذا يكفيني يا سعاد 

سعاد بارتياح : انت لا تدري كم كنت بحاجة لسماع ذلك .. شكراً لك .. لكني مازلت خائفة من ردّة فعل ابنائي بعد اتخاذي لهذه الخطوة الجريئة؟
أحمد : هما لم يعودا صغاراً يا سعاد , وانت ضحيّت الكثير لأجلهم ..وحان الوقت لتعيشي حياتك , فنحن لا نحيا في الدنيا سوى مرةً واحدة .. الا تريدين ان تكوني سعيدة ؟ .. وإن كنت قلقة بشأن المال , فأنا رجلٌ ميسور الحال واستطيع الإهتمام بك .. وربما نسافر سويّاً لرؤية العالم .. فما رأيك؟
- دعني أفكّر قليلاً , فالموضوع ليس سهلاً عليّ

أحمد : حسناً , خذي وقتك .. اساساً سأكون مشغولاً هذه الفترة بإجراءات الطلاق .. وبعد إنهاء علاقتي بتلك الشيطانة , أتصل بك لأعرف الجواب .. ولا اريدك ان تشعري بالذنب لقرار إنفصالي عن زوجتي , فنحن كنّا سنتطلّق عاجلاً ام آجلاً , فزواجي بها كان أكبر غلطة في حياتي , وأشكرك لأنك كنت السبب في اتخاذي القرار لإنهاء هذه المعاناة ... ألقاكِ قريباً عزيزتي

وأنهى المحادثة , تاركاً سعاد في قمّة الحيرة والإرتباك !

بهذه الأثناء .. دخل زوجها الغرفة غاضباً , بعد عودته من العمل :
- أمازلت على جوالك اللعين ؟!! قومي يا امرأة , وجهزي لي غدائي 
فأجابته سعاد بقوة : 
- إفتح البراد وكلّ ما شئت , فأنا لست خادمتك !!
الزوج بدهشة : ماذا قلتي ؟!

وقبل ان ينزع حزامه ليضربها كعادته , صرخت بغضب :
- أقسم بالله إن لمستني ثانيةً , أقطع يديك .. هل فهمت ؟!! 
فتراجع للخلف وهو لا يصدّق ما سمعه , فهي المرة الأولى التي تواجهه فيها منذ زواجهما ! 
- هل جننتِ يا امرأة ؟!
- نعم !! واريد الطلاق منك حالاً 
- أبهذا العمر ؟

سعاد بحزم : لم يعد يهمّني شيء !! فأنا لا اريد الإجتماع بك في الأخرة , يكفي حياتي التي دمّرتها لي .. والآن طلقني ودعني أخرج من هذا السجن اللعين !!
فقال لها باستهزاء : يبدو ان رأس البقرة الغبية نضج وصار يتخذّ القرارات المصيريّة ..
مقاطعة بغضبٍ شديد : لا تناديني هكذا !! أنا أذكى منك ومن كل عائلتك , ايها الجاهل المتخلّف !!

واشتدّ النزاع بينهما , الى ان قالت :
- ان كنت رجلاً , طلّقني .. انا أتحدّاك !!
وهنا لم يعد باستطاعته تحمّل وقاحتها , فقال لها : 
- أخرجي من بيتي !! ..أنت طالق يا سعاد

فأسرعت بتوضيب حقيبتها وهي تشعر براحةٍ لا مثيل لها .. 
ثم راقبها طليقها وهي توقف سيارة أجرة , وتبتعد عن منزله التي عاشت فيه معظم سنوات عمرها !
***

فتحت العجوز باب منزلها , لتتفاجىء بإبنتها تحضنها بفرح ! 
الأم بقلق : لما حقيبتك معك ؟! هل تشاجرتما من جديد ؟
فأجابتها سعاد بابتسامةٍ عريضة : 
- بل طلّقت الحقير يا امي , وانتهى أمره أخيراً !!
***

مع مرور الوقت .. حاولت الأم كثيراً إعادتها عن قرارها , لكن سعاد أصرّت على إكمال اوراق الطلاق التي ارسلتها لها المحكمة بعد ايام , دون الإكتراث بغضب ولديها من قرارها الذي أذى سمعة العائلة .. حيث قدِمَ ابنها من السفر على عجل , لزيارة امه برفقة اخته المتزوجة  

وفي بيت الجدة , عاتبتها ابنتها قائلة :
- لقد وضعتني يا امي في وضعٍ حرج امام زوجي وأهله !
فأجابتها سعاد بهدوء : وما دخلهم بالموضوع ؟ ...انا تحمّلت قساوة والدك من أجلك انت واخيك .. والآن بعد ان أطمأنيّت عليكما , إنتهى دوري .. وحان الوقت لأرى مستقبلي
ابنها بغضب : عن أيّ مستقبل تتكلمين يا امي بعد بلوغك سن الخمسين ؟!!

فأجابته بحزم : تأدّب يا ولد !! فأنا لم أمت بعد .. (ثم تنهّدت بضيق) .. لا داعي للقلق , فلن أطلب منكما مالاً واستطيع الإهتمام بنفسي جيداً  
ابنتها بقلق : ومن اين يا امي ؟ انت لا تعملين ولم تكملي دراستك
سعاد بغضب : لم أكمل الجامعة لأني حملت بكِ .. ولأن والدكِ الأحمق.. 
فقاطعها ابنها بعصبية : رجاءً لا تشتمي ابي !!

سعاد : لطالما كنت تشبه اباك .. لكن لا يهم , قريباً سيتحسّن وضعي.. ولا تسألاني كيف .. (ثم وقفت قائلة) .. يمكنكما الآن الذهاب الى بيتكما , فأنا متعبة واريد النوم 

فخرجا من منزل جدتهما غاضبين , وهما يظنان بأنها فقدت عقلها!
***

ولم تقبل سعاد بنصائح امها العجوز وصديقاتها القدامى , كما لم ترضى بتدخل أحد من الأقارب للصلح بينها وبين طليقها .. 
واستطاعت إيقافهم عند حدّهم بعد مناقشاتٍ حادّة دارت بينهم , أدّت الى مقاطعة الجميع لها ! 

وبعد هدوء العاصفة .. أرسلت ملخصاً بما حصل لحبيبها أحمد , تُبشّره بتنفيذها رغبته , على أمل ان يجتمعا معاً في القريب العاجل  
***

بعد يومين .. ظهر على صفحة سعاد بأن أحمد قرأ رسالتها أخيراً , بعد غيابه طوال الشهر الفائت .. وانتظرت ردّه بفارغ الصبر .. الا انها تفاجأت به يحظرها من صفحته , دون ان يقول شيئاً ! 

ورغم انه كان واضحاً تهرّبه منها , الا ان سعاد لم تستوعب الأمر ! وبدأت تختلق له الأعذار الوهميّة  
***

بعد إسبوع , بدأ اليأس يسري داخل روحها المُحطّمة ! 
وذهبت الى صديقتها لتخبرها بما حصل , والتي قالت مُعاتبة :
- لا أصدق يا سعاد انك إنخدعتِ بأحد ذئاب الإنترنت ! فالخبيث هدم بيتك وهرب 
- لا يا مروى , أحمد ليس رجلاً طائشاً .. وأعتقد ان زوجته قرأت كلامي , فقامت بحظري
- لا يعقل عزيزتي إنه لم يلاحظ ذلك طوال المدة الماضية  

فتنهّدت سعاد بضيق : أعرف ذلك .. لكن رجاءً يا مروى لا تضغطي عليّ انت ايضاً , يكفيني مقاطعة ابنائي واصحابي والأقرباء .. حتى ان امي وقفت ضدّي ! ..الأسوء ان مالي بدأ ينفذ , ومعاش ابي التقاعدي بالكاد يكفي والدتي 
- رجاءً لا تبكي .. (وقامت بإعطائها بعض المال)..

سعاد بغضب : كلّه من اللعين أحمد !! فبالرغم من مساوىء طليقي الا انه لم يقصّر يوماً بشأن المال , وهذا ما جعلني أتحمّل قساوته .. ولولا ان أحمد وعدني بالزواج , لما تجرّأت على طلب الطلاق منه.. (ثم تنهّدت بضيق) ..الأسوء ان ابنائي قاطعوني , وهذا يُجبرني على إيجاد وظيفة في أسرع وقتٍ ممكن ..(ثم تسكت قليلاً) .. أفكّر في تدريس الطلّاب اللغة العربية التي أتقنها , لكن أخشى أن لا يقبلوني لأني لا أحمل شهادةً جامعية

مروى : سأحاول حلّ مشكلتك بعد عودتي من زيارة اهلي
- هل ستسافرين قريباً ؟
- نعم , وسأبقى في القرية قرابة شهرين .. آه صحيح !! ما رأيك لوّ تبقين في بيتي الى حين عودتي .. فربما بُعدك عن الناس , يُحسّن من نفسيتك المُرهقة  
سعاد : والله لا تدرين كم انا محتاجة لذلك .. شكراً جزيلاً لك .. 
- اما عن صديقك احمد .. فعندي الحلّ لتأكّد من نواياه 
سعاد باهتمام : وكيف ؟

وأخبرتها مروى أنها ستفتح لها حساباً جديداً , تضع على غلافه : صورة فتاةٍ فاتنة بملامح شرقية , تختارها من النت .. ثم ترسل منه طلب صداقة تخبره فيها : إنها أُعجبت بوسامته الظاهرة في صورة صفحته ..
كما أطلعتها على الأسلوب الجديد التي يجب ان تحادثه فيه .. 

سعاد بعصبية : ما هذا الكلام يا مروى ؟! أبهذا العمر تريديني ان أغازله بكلامٍ لا يناسب أخلاقي وعمري ؟!! 
- ربما لن تضّطرين لذلك , لأني سأختار صورة لفتاة بثيابٍ فاضحة .. فإن كان محترماً كما تقولين , سيُلغي رسالتها على الفور .. ولنعتبره إمتحاناً لإخلاصه لك 

بعد تردّدٍ كبير , قبلت سعاد إرسال طلب صداقة له من صفحتها الجديدة 
ثم عادت الى بيتها وهي قلقة بأن يقوم أحمد بمغازلة الصبية التي انتحلت صفتها !
***  

في المساء .. أجاب احمد على الرسالة قائلاً :
- اهلاً آنسة ريم .. وانا ايضاً أعجبتني صورتك , تبدين كعارضة ازياء ..كم عمرك ؟
فأجابته سعاد بيدين مرتجفتين : 26 سنة
- ألست كبيراً عليك ؟
- أحب الرجال الناضجين .. هل يمكننا التعرّف ؟
- بالطبع عزيزتي ريم

فسقط الجوّال من يد سعاد , وقلبها يرتجف بسرعة .. فهو قبِلَ بسهولة التعرّف على فتاة تبدو من صورتها انها سيئة السمعة ! رغم انه في السابق أخبرها بأنها اول امرأة يكلّمها بالإنترنت بعد إعجابه بموهبتها الأدبية , وحُسن أخلاقها بالردّ على متابعيها 

ومرّت ساعات .. تابع فيها أحمد مغازلة ريم بكل أريحيّة , كأنه متعوّد على فعل ذلك !

بعد انتهاء المكالمة .. حاولت سعاد ان ترسل له رسالة من صفحتها القديمة , لكنه لم يزيل الحظر عنها بعد !
***

ومع مرور الأيام .. أخبر أحمد ريم إنه رجل مطلّق بلا اولاد ,  ومعلوماتٌ أخرى مُغايرة لما أخبرها به في الماضي ! 
***

وفي إحدى الليالي , كتب لها : 
- ما رأيك يا ريم لوّ نتزوج في الصيف القادم ؟ 

فانهارت أحلام سعاد بعد تأكّدها من خبث نواياه التي أدّت الى هدم بيتها , واحتقار الناس لها !
فكتبت بحزن (على لسان ريم) :
- اولاً أصدقني القول .. هل أحببت امرأة قبلي على الإنترنت؟ 
فأجاب : لم يكن حباً .. لكني حاولت مساعدة امرأة للهروب من حياتها البائسة .. وحين قامت بذلك , إنتهى دوري معها ..
فكتبت سعاد والدموع على وجنتيها : الم تكن مميزة بالنسبة لك ؟
- كانت امرأة عجوز , وأنا أحب الفاتنات امثالك عزيزتي

فرمت سعاد جوالها على الأرض , لتنهار باكية فوق سريرها بعد ان تحطّمت جميع آمالها !
***

بعد ايام من التفكير المطوّل , حادثته من جديد ..
فأجابها بلهفة : اين كنت يا ريم ؟ لما قطعت إتصالك بي فجأة ؟ الا تعلمين بأن النوم جافاني من شدة قلقي عليك ! 
فقالت سعاد بنفسها بغيظ : ((يالا قلبك المرهف , ايها الخائن اللعين !!)) 

ثم كتبت : كنت اريد التأكّد بأنك ستشتاق اليّ , في حال غبت عنك فجأة .. 
- ما هذا الكلام يا ريم , انا لا أطيق صبراً لرؤياك .. ولن أُنهي هذه المكالمة قبل ان تعطيني موعداً أقابلك فيه 

ففكّرت سعاد قليلاً .. ثم كتبت له عنوان مطعمٍ قريب , يلتقيان فيه غداً بعد الظهر .. 
فوافق بحماس !! بينما كتمت سعاد غيظها بصعوبة .. 

وأمضت ليلتها وهي تخطّط للإنتقام منه !
***

في اليوم التالي .. سبقته سعاد الى هناك , وجلست في آخر المطعم  

وبعد نصف ساعة , رأته يدخل وهو في قمّة أناقته ! ثم جلس وطلب كوب قهوة .. 

ومرّ الوقت بطيئاً على كلاهما .. حاول فيها احمد الإتصال مراراً على ريم , لكن خطها ظلّ مُقفلاً ! 

وبعد ساعة .. بدأ أحمد يتململّ وهو يلتفت يميناً ويسارا , ونحو الطريق الظاهر من واجهة المحل .. حتى ان عيناه إلتقتا اكثر من مرة مع سعاد (التي لا يعرف شكلها) التي حاولت عدم لفت انتباهه 

ثم رنّ جواله , وسمعته سعاد من بعيد وهو يحادث زوجته التي يبدو انها تريده ان يحضر ابنه من المدرسة لأنها ستتأخر في العمل .. فحاول التهرّب بحجّة إنشغاله بموعد عملٍ مهم .. لكنه أغلق المكالمة وهو يتأفّف بغضب , بعد موافقته مُرغماً على فعل ذلك .. 
***

وفور خروجه من المطعم , لحقته سعاد بسيارتها ..الى ان عرفت عنوان المدرسة .. وكانت تنوي اللحاق بهما الى المنزل , لكن الإشارة الحمراء حالت بينهما .. لتعود الى بيتها وهي تخطّط ليوم الغد
***

في ظهر اليوم التالي .. ذهبت سعاد باكراً الى مدرسة ابنه (10 سنوات) لتجده واقفاً في انتظار امه التي يبدو ان من عادتها التأخّر عليه .. 
فاقتربت منه وهي تقول :
- انت مروان ابن المهندس أحمد ؟ 
- نعم , من انت ؟
سعاد : انا معلمتك الجديدة , سأبدأ بتدريسكم غداً .. ولأني أعيش بجوار منزلكم , فقد طلبت مني امك إحضارك لإنشغالها في العمل .. لذلك اشتريت الكثير من الحلوى لنتسلّى بها في الطريق .. هيا بنا 

في بادىء الأمر تردّد الصبي في الذهاب معها , لكن بعد رؤيته الكيس المليء بالحلوى , ركب سيارتها ! 
وأخذته الى منزل صديقتها (التي تعيش فيه هذه الفترة) .. 

وهناك عرفت منه رقم جوال امه .. 
فاتصلت بها لتخبرها : بأنها معلمته الجديدة , وأنها اضطّرت لأخذه الى بيتها بعد ان أصيب بوعكةٍ صحيّة .. وأعطتها عنوان المنزل  
***

بعد ساعة .. وصل فيديو لأحمد من جوّال زوجته .. 
وحين فتحه : رأى زوجته وولده مقيدان بالكرسي , وهما مُكمّما الفم ! 

ثم رأى امرأة تلوّح بسكينٍ ضخم امامها , وهي تقول : 
- هل عرفتني يا أحمد ؟ انا سعاد .. قمت بخطف زوجتك وابنك .. وهما الآن في قبو منزلي .. وان أردّت رؤية ابنك من جديد , عليك ان ترسل على جوال زوجتك , صورة لورقة الطلاق .. سأمهلك يومين فقط للذهاب الى المحكمة وتطليقها .. من بعدها أطلق سراحهما .. وعلى فكرة !! جعلتها تقرأ جميع رسائلك القديمة لي , وكلامك المُسيء عنها , وكيف أوهمتني بالزواج لتخرب بيتي .. كما أريتها رسائلك الغرامية الفاضحة مع ريم , التي هي انا ايضاً .. وباتت تعرف انك رجل غير جدير بالثقة ..(ثم وجّهت الكاميرا اليها) .. أنظر الى المسكينة كيف تبكي بقهر ..

ثم ظهر بالفيديو سعاد وهي تسألها : الا تريدين الطلاق من هذا الخائن ؟
فأومات زوجته برأسها إيجاباً , وهي تبكي بخوف 

وتابعت سعاد كلامها : 
- ارأيت يا أحمد , هي لا تمانع ذلك .. لهذا لا أريد المماطلة في الموضوع .. إرسل صورة عن وثيقة الطلاق , لأدعهما وشأنهما ..لكن في حال اتصلت بالشرطة , سيصلك اول أصبع من ابنك الصغير.. 

وانتهى الفيديو , لينهار احمد من شدة خوفه على عائلته من تلك المجنونة ! 

وأسرع الى سيارته .. لكنه لم يصل للمحكمة في الوقت المناسب لتأخّر الوقت.. فحاول الإتصال على جوال زوجته , لكنه كان مغلقاً! 

وطوال تلك الليلة لم يستطع النوم وهو يفكّر بطريقة للخروج من هذا المأزق 
***  

في ظهر اليوم التالي .. وصلت سعاد صورة لورقة الطلاق (على جوال المخطوفة) والتي أرتها لزوجته التي ما زالت مقيدة مع ابنها في القبو 
حيث قالت سعاد بفرحٍ وارتياح : 
- هاهو طلّقك عزيزتي , وصار بإمكانكما الذهاب
ثم فكّت رباطهما ..

وقبل ان يسرعا بالخروج , نادتها قائلةً :
سعاد : على فكرة !! عليك ان تعلّمي ابنك أن لا يُحادث الغرباء , فهو أخبرني بإسم الشركة التي تعملين بها .. وعنوان اهلك .. ومحل خاله في وسط البلد .. لهذا ان حاولتي الإتصال بالشرطة , فلن يكون صعباً عليّ إختطافه من جديد , حتى لوّ غيّرتِ مدرسته .. وحينها لن أضمن عودته اليك حيّاً  

فردّت الأم وهي ترتجف :  لن أخبر أحداً بما حصل .. أحلف لك!! 
سعاد : أحسنتِ !! كما أريدك ان تنسي أحمد تماماً , فهو أصبح ملكاً لي .. ولا تقلقي عزيزتي , سأعاقبه على خيانته لنا .. الآن خذي ابنك , وإغربي عن وجهي !! 

فأسرعت مع ابنها للخارج , لتقود سيارتها مُبتعدة عن المكان
***

في هذا الوقت .. إتصلت سعاد بأحمد , لتطلب لقاءه في الحديقة العامة..
فصرخ عليها غاضباً (من الجوال) : 
- اين زوجتي وابني ؟ اريد ان أكلّمهما في الحال !!!
سعاد بحزم : هما في مكانٍ آمن ..لكن لن أخبرك بعنوانه , قبل ان نلتقي وجهاً لوجه .. سأكون في الحديقة بعد ساعة .. كُنّ على الموعد !!
***

ووصل الى هناك بأسرع ما يمكنه ..
وركبت سعاد معه بكل هدوء , وكأن شيئاً لم يكن ! وحين أصرّ أحمد على معرفة ما حصل لعائلته , شعر بنصل السكين في خاصرته بعد ان أخرجته من حقيبتها .. وهي تأمره بالذهاب مباشرةً الى المحكمة لعقد قرانهما ! 
فقاد سيارته الى هناك مُجبراً , خوفاً من تهوّرها 
***

وفي الطريق .. قالت له بعصبية , وهي تمسح دموعها : 
- تحمّلتُ عذاب زوجي الحقير ثلاثين سنة ! قبل ان تأتي وتقنعني بالطلاق الذي خسرت به اولادي وجميع معارفي .. لتعود انت الى حياتك مع زوجتك التي تخونها يومياً بمغازلة الأخريات ! .. فهل ظننت إنني لن أعاقبك على خذلانك لي ؟!! 
فأجابها بلؤم : أتدرين .. كان زوجك مُحقّاً بضربه لك , فأنت امرأةٌ مجنونة 

وقد استفزّها كثيراً بهذا الكلام , فقامت بجرح ذراعه بالسكين .. فنشب عراكٌ بينهما , إستطاع فيه أحمد أخذ السلاح بالقوة , ورميه في الشارع .. لتحاول بعدها السيطرة على المقود , رغم سرعة السيارة التي بدأت تترنّح يميناً ويسارا ..وهي تصرخ بهستيريا :
- ستتزوجني غصباً عنك يا أحمد !!!

وظلاً يتشاجران على المقود , الى ان صدمت السيارة بعنف عامود الكهرباء !
*** 

في تلك الليلة .. جلست طليقته وابنه بجوار سريره في المستشفى , وهما يستمعان للطبيب الذي طمّأنهما قائلاً :
- بعد قليل يستيقظ السيد أحمد من العملية .. وستتشافى رضوضه وكسوره خلال شهرين .. عافاه الله

وبعد خروجه , سأل الولد امه بقلق :
- امي .. هل سنعود الى بيتنا بعد شفاء ابي ؟
فأجابته بقهر : ربما .. وربما لا
***

بعد شهر .. عادت مع ابنها وزوجها أحمد (الذي يتوكّأ على عكازه) الى المنزل الذي كتبه بإسمها كشرط عودتها اليه .. وذلك بعد ان قدّم لها الكثير من الإعتذارات والوعود بعدم مغازلة الفتيات على الإنترنت من جديد 
*** 

وفي التُربة .. وقف طليق سعاد امام قبرها , وهو يقول بازدراء :
- ضيعتِ عِشرة 30 سنة , وخسرتِ ولديك وسمعتك امام الناس من اجل حب إنترنت , ايتها المُتصابية العجوز ! .. كم كنت محقاً حين لقّبتك بالبقرة الغبية 

وخرج من المقبرة , وهو يلعن اليوم الذي تزوّجها فيه ! 

الثلاثاء، 11 يونيو 2019

يأجوج ومأجوح

كتابة : امل شانوحة


 
سنلقّن العالم درساً لن ينسوه ابداً !!

بعد بلوغ أجاج سن المراهقة ذهب مع صديقه الى كهف الأجداد لمشاهدة الرسومات المحفورة عليه , والتي تصفّ الحياة الموجودة خلف السدّ الحديديّ الذي يمنعهم من رؤية العالم 

فقال صديقه : هذه المرة الخامسة التي تأتي بي الى هنا , ومازلت لا أفهم ما يعجبك بهذه الرسومات المُبهمة ؟!
أجاج : الا يهمّك ان تعرف مالذي ينتظرنا خلف هذا السدّ ؟
صديقه بيأس : وهل سننجح حقاً في حفره ؟ .. نحن عشنا في باطن الأرض آلاف السنين , وربما هذه الحيوانات التي رسمها أجدادنا لم يعد لها وجود .. هذا ان كانت اسطورة القائد ذوّ القرنين صحيحة .. لِذا دعّ عنك هذه الخيالات , فسدّنا اللعين لا ينفع صهره بالنار ولا الحفر .. (ثم مشى مُبتعداً وهو يقول).. ليس امامك يا أجاج الاّ أن ترضى بقدرنا الكئيب 
***

وفي إحدى الليالي .. طلب جدّ أجاج ان يراه قبل ان يموت , فجلس بجانبه حزيناً ..
الجد وهو يسعل بألم : الرجال لا تبكي يا أجاج .. وقد طلبتك لأخبرك بمنام رأيته قبيل ولادتك , ولم أشاركه مع أحد من ذريّتي التي زادت عن ألف رجل .. 
أجاج باهتمام : وماذا رأيت فيه ؟
- بأنك انت من سيفتح السدّ 

أجاج بدهشة : أحقاً ! وكيف ؟
- لا ادري , عليك ان تجد الطريقة لفعل ذلك .. (ثم تنهّد بضيق) ..كنت أتمنى أن أرى العالم معكم , لكن يبدو ان جيلكم هو من سينتقم لنا جميعاً .. وهذا ما أكّده لي المشعوذ الذي فسّر رؤيايّ 
- وهل تصدّق كلامه يا جدي ؟
- نعم .. لأنه حين كان يحفر جحره وهو شاب , ظهر له شيطان أخبره بالمستقبل بعد تنّصته على ما أُنزل على رسولٍ أسمه محمد والذي أخبر قومه : بأننا سنخرج من هذا الجحيم بآخر الزمان , بعد نزول نبيٍ آخر إسمه عيسى والذي سينجح بالقضاء على الدجّال الذي أخبرتك بقصته سابقاً

أجاج : كم أشفق على اهل الأرض , سيواجهون اولاً خطر الفناء بسبب الملحمة الكبرى (هرمجدون) .. ومن بعدها يعانون من مجاعة لثلاث سنوات , قبل ان يأتي الدجّال ويقضي على ما تبقى من المؤمنين .. ثم نخرج نحن اليهم , لنأكل الأخضر واليابس ! 
جده معاتباً : ماذا تقول يا ولد !! هذا حقنا , فذوّ القرنين ظلمنا حين حرمنا من الدنيا , فهي ملك للجميع وليست لهم فقط
- الم يفعل ذلك لأننا كنا مفسدين بالأرض ؟

الجد بغضب : كنّا ومازلنا !! بل سنخرج أسوء من السابق .. إسمعني جيداً يا أجاج .. إيّاك ان تضعف امامهم .. عليك انت واصحابك ان تعذّبوا صغيرهم قبل كبيرهم .. وتستمتعوا بنسائهم قبل قتلهنّ .. ولا تنسوا ان تدمّروا مدنهم وتحرقوا اراضيهم بالكامل , بعد ان تأكلوا وتشربوا كل ما تجدونه امامكم من نباتاتٍ وحيوانات وينابيعٍ وانهار , كيّ يموت الفارّون منهم جوعاً وعطشاً.. فهذا زمان يأجوج ومأجوج .. فلا تسمح لشيء ان يوقفكم عن احتلال العالم ..عدّني بذلك يا أجاج !!

فهزّ حفيده رأسه موافقاً , وهو يُخفي إستيائه من الوحشية الكامنة في نفوس قومه ضدّ البشر المسالمين ! 
***

بعد مرور سنوات .. أصبح أجاج شاباً قويّاً , وعُيّن مسؤولاً عن الحفريات 

وفي إحدى الليالي , فكّر في نفسه قائلاً :
((نحن كلما توقفنا عن العمل ليلاً يذهب تعبنا هباءً لعودة السدّ كما كان , فلابد من تغير طريقة الحفر المُتبعة لتكون شاملة لكل الوقت))

ومع ذلك فضّل الإحتفاظ بفكرته , خوفاً من ان يُقتل بسبب مخالفته لأوامر ملكهم الجائر 
***

وفي صباح اليوم التالي , أعدّ نفسه لتنفيذ الخطة .. فأظهر الوهن بجسده والرغبة في أخذ قسطاً من الراحة , كيّ يستعد للعمل ليلاً 

وفي المساء .. كان العامل الوحيد الذي ينقر بمعوله الصخر ..وحين تعب وقرّر العودة الى بيته .. وضع يده على الحفرة الصغيرة التي أحدثها في السدّ , قائلاً في نفسه :
((سأكمل عملي غداً من حيث توقفت ... بمشيئة خالق الكون))
ثم عاد مرهقاً الى حجرته تحت الأرض , وأطفأ نور شعلته لينام على الفور
***

وفي اليوم التالي .. إستيقظ أجاج على صوت تصفيق وصفير قومه وتهليلاتهم , ودقّ الطبول وزغاريد النساء ! 

فقفز مسرعاً للأعلى.. وكاد يسقط من هول الصدمة حين رأى حفرته مازالت كما هي ! وقبل ان يخبرهم بما حصل , أصدر ملكهم أمراً بتكسير الجدار بجوار الحفرة , ظنّاً بأنها نقطة ضعف السدّ الحديديّ .. 

وعلى الفور !! بدأ الرجال العمل على قدمٍ وساق , وطرقوا السدّ بمعاولهم بنشاطٍ وحماس , ليبدأ الجدار بالتصدّع ! وهلّلت النسوة مع سقوط الأحجار على التوالي .. 

وفجأة ! عمّ الصمت حين ظهر نور الشمس من خلال الثقب الصغير الذي يصلهم بالعالم الخارجي .. فتوقفوا عن العمل بانتظار ان يلقي ملكهم النظرة الأولى لما ينتظرهم خلف السدّ , والذي صرخ قائلاً بسعادة :
- هناك بحر خلف الجبل ! ..هيا إكملوا الحفر !! .. والليلة سنأكل مالذّ وطاب من الطعام والشراب .. فالأرض منذ اليوم أصبحت ملكٌ لنا وحدنا!!!!

وارتفعت الهتافات والتهليلات مُتزامناً مع طرقات المعاول , بعد ان دبّ النشاط والأمل في نفوس الجميع .. 
الى ان صرخ أحدهم قائلاً :
- السدّ سينهار !! تراجعوا للخلف فوراً 

وبالفعل انهار السدّ , ليقف الجميع مذهولاً امام منظر غروب الشمس في البحر ! 
وهنا صرخ ملكهم قائلاً :
- أوقدوا مشاعلكم , فالظلام سيحلّ قريباً .. وآمركم جميعاً !! ان تقتلوا كل من ترونه امامكم عقاباً لعدم إنقاذهم لنا من حبسنا , رغم اننا ذُكرنا في كتبهم السماوية , لذلك لن نرحم أحداً منهم .. وسنريهم بطش وجبروت يأجوج ومأجوج .. والآن !! إنطلقوا نحو الحرّية 

وهجموا كالجراد الى خارج السدّ , بنيّة تدمير الدنيا التي حرموا منها عدّة قرون !
***

وراقب أجاج قومه وهم يبيدون سكّان القرية الأولى التي وصلوا اليها , بعد ان أحرقوا منازلهم وقتلوا رجالهم واعتدوا على نسائهم واطفالهم , وأكلوا كل شيءٍ وجدوه امامهم !

ومع مرور الأسابيع .. لاحظ أجاج إختلاف اشكال سكّان الدول التي يجتاحونها مع تعدّد لغاتهم , لكن قومه لم يكن يهمّهم سوى القضاء على حضارات الشعوب وكل شيءٍ جميل يصادفهم !  
***

ومع مرور الوقت .. إنتشرت أخبار وحشيتهم وفظائعهم بين الناس , ودبّ الرعب والفزع بأهالي المدن المجاورة .. وفرّوا بعائلاتهم الى أعالي الجبال , تاركين أراضيهم الزراعيّة ودوابهم التي أُكلت نيئة من القبيلتين الهمجيتين التي لم يفهم أحد لغتهما المنقرضة ! وبدورهم استمتعوا بالطعام الجديد الذي يختلف مذاقه عن طعم الضبّ والثعابين والسحالي والدود التي عاشوا عليها طوال عمرهم اسفل الجبل .. وحتى الأنهار والبحيرات شربوها بالكامل بعد ان استلذّوا بطعمها العذب المختلف عن رواسب المطر التي كانت تصل لأسفل الجبل وهي مُحمّلة بالأتربة والأعشاب .. 

وكان نهمهم وجشعهم لا حدود له , لدرجة انه حين وصل أجاج مع مجموعته الى بحيرة طبريّة تفاجؤا بجفافها ! ولذلك طلب من اصدقائه الإسراع قدماً قبل ان ينهي من سبقوهم على مصادر الحياة  
***

وفي الجهة المقابلة , وتحديداً في بلاد الشام .. دخل رجل على والده العجوز في المسجد وهو يلهث مرتعباً :
- ابي تعال معي بسرعة !! 
العجوز : الى اين ؟
- لقد أخبرنا سيدنا عيسى قبل قليل : ان يأجوج ومأجوج خرجوا من السدّ , وهم في طريقهم الينا بعد ان دمّروا كل المدن التي مرّوا بها حتى أوشك العالم على الهلاك ! وقد طلب الله منه ان يأخذنا الى جبل الطور , لأنه ليس باستطاعتنا محاربتهم الاّ بالدعاء
العجوز : إذاً خذّ عائلتك وارحل معهم , فالطريق الى مصر صعبةٌ عليّ 

ابنه بقلق : وماذا ستفعل وحدك هنا ؟!
- سأظلّ أصلي وأدعي , الى ان يأخذ الله روحي .. أرجوك بنيّ ! توقف عن البكاء , واذهبوا سريعاً قبل ان يصلوا اليكم..  
فحضنه مودّعاً , وطلب منه الدعاء لهم بالنصر .. ثم تركه ليلحق بالنبي عيسى والمؤمنين القلائل الذين نجوا من الفتن والمصائب السابقة التي مرّت بشكلٍ متلاحق عليهم ! 
***

حين وصل يأجوج ومأجوج برائحتهم النتنة واسلحتهم البدائية الى الشام , انشغلوا بالبحث داخل البيوت الخاوية عن بقايا المؤن الغذائية .. 

في هذا الوقت , تفاجأ أجاج بالرجل العجوز يصلي وحده بالجامع بكل طمأنينة , رغم صرخات قومه المرعبة التي علت في كل زاوية من البلدة .. فوقف خلفه يراقبه باستغراب !

وقبل ان ينهي العجوز صلاته , وقع ميتاً فوق سجّادته بعدما أصابه أحد الجنود بسهمٍ في ظهره .. 
فعاتبه أجاج بغضب : 
- كنت دعه ينهي صلاته اولاً !! 
صديقه بحزم : إسمع يا أجاج !! إيّاك ان ترأف بهم .. الم تسمع اوامر ملِكنا بإبادتهم جميعاً , كيّ نحيا وحدنا على الأرض ؟ 
- وكيف سنفعل ذلك بعد ان أحرقتم الزرع وقتلتم الماشية ؟! فقد نموت من الجوع لاحقاً , لأننا لا نملك خبرة بالزراعة او برعاية .. 

صديقه مقاطعاً : الدنيا كبيرة ولن تخلوّ يوماً من مصادر الطعام , ومن عاش مثلنا بظروفٍ صعبة تحت الأرض كحياة النمل لن تصعُب عليه البقاء في هذه الدنيا الواسعة .. والآن تعال معي !! فهناك إشاعة بأن النبي المزعوم هرب مع بعض تابعيه الى بلدة لا تبعد كثيراً من هنا .. فهيا نلحق بهم ونقتلهم جميعاً , ومن بعدها ينتهي القتال لتبدأ حياتنا الهادئة 
***

بعد شهر , وصل قوم يأجوج ومأجوج الى أرضٍ واسعة .. فسأل الملك مشعوذه العجوز : 
- هل بقيّ أحدٌ من البشر ؟

وكان أجاج الوحيد الذي لاحظ إرتباك المشعوذ (الذي يخشى غضب الملك) والذي أجاب :
- لا ابداً .. قضينا عليهم جميعاً 

فنظر الملك الى السماء قائلاً :
- ليس بعد !! فمازالت هناك الملائكة التي أخبرك عنهم الشيطان , اليس كذلك ؟
المشعوذ باستغراب : نعم , لكنهم بالسماء !
فأمر الملك جنوده بحزم : يا رجال !! إرموا بسهامكم ونبالكم ورماحكم الى فوق , كيّ نقتلهم جميعاً .. هيا ماذا تنتظرون ؟!!!

فقاموا بتنفيذ طلبه .. ليتفاجأوا برجوع اسهمهم وعلى طرفها لونٌ أحمر كالدماء ! 
فارتفعت الصيحات قائلين بحماس :
- عاش ملِكنا .. قاتل الملائكة !!
فقال الملك بغرورٍ وجبروت : 
((قهرنا أهل الأرض !! وعلونا أهل السماء !!)

لتعمّ بعدها الإحتفالات بطهي ما تبقى من المواشي في مأدبةٍ عظيمة , إعلاناً بانتصارهم على العالم أجمع .. ورقصوا بسعادة حول شعلة النار 

وفي تلك الليلة .. همس أجاج لصديقه بقلق :
- انا لم أصدّق كلام المشعوذ حين ادّعى موت النبي عيسى وتابعيه جوعاً , فالأنبياء لا تموت هكذا ! 
- ماذا تقصد ؟
أجاج بقلق : أخاف ان يدعي علينا , فيهلكنا الربّ جميعاً 
- عن أيّ ربٍ تقصد ؟! نحن لا نعبد سوى ملكنا
أجاج : قصدّتُ إله الكون 
ثم أخبره بما حصل معه عند حفره السدّ ..
فقال صديقه معاتباً : إخفض صوتك يا أجاج , أتريدهم ان يقتلوك؟! 
- لكن..
صديقه مقاطعاً : دعنا ننام الآن , فغداً هو يومنا الأول الذي سنعيشه بسلام بعد ان خلت الدنيا من الأعداء والمنافسين

وبعد ساعة .. غطّ صديقه بنومٍ عميق كما بقيّة القوم , بينما ظّل أجاج يفكّر وهو خائف من العقاب الإلهي الذي شعر بأنه بات قريباً جداً !
***

إستيقظ أجاج في اليوم التالي على صوت تأوّهات وصرخات من حوله , وفزع حين رأى أنوفهم وآذانهم وعيونهم تنزف دماً ! 

ثم رأى صديقه يُخرج دودة من أنفه , وهو يقول متألّماً : 
- أحسّست بها تخرج من مؤخرة عنقي وتدخل أنفي !
ثم ضرب رأسه بالأرض بألمٍ شديد : يبدو انه يوجد غيرها في رأسي وهي تأكل دماغي الآن , فالصداع لا يطاق .. ساعدني ارجوك !! 

لكن أجاج وقف عاجزاً عن مساعدته او مساعدة الآخرين .. ولم يجد نفسه الا وهو يبتعد عنهم بعد ان سالت دمائهم على الأرض , وقد أصابهم بكاء هستيري من شدة الألم .. حتى ان ملكهم والمشعوذ لم يسلم من هذا البلاء المرعب !

فصعد الى تلّةٍ قريبة لمراقبة الوضع المخيف من فوق , والذي استمرّ طوال النهار .. 
***

ومع حلول المساء , بدأت اصواتهم تخفت بعد تساقطهم الواحد تلوّ الآخر دون حراك .. ولم يفهم أجاج ما الذي يحصل هناك ! لأن لا أحد منهم استطاع إشعال النار من شدة مصابه , فعمّ الظلام في الأسفل .. 
***

في الصباح الباكر .. إستيقظ أجاج بعد ان اشتمّ رائحةً عفنة ! وحين نظر الى قومه , تفاجأ بهم وقد أصبحوا جثثاً هامدة , بينما الدود وحشرات الأرض والطيور تنهش من لحمهم !
- يا للهول ! هل ماتوا جميعاً ؟.. هل انتهت الحياة على الأرض وبقيت وحدي ؟!.. لا لا اريد ذلك !! هذا مخيفٌ جداً
ثم نظر الى السماء قائلاً :
- يا إله الكون !! أعرف انك لم تعاقبني لأني آمنت بك .. وقد دعيتك سابقاً عند السدّ واستجبت لي .. فيا إلهي !! لا تجعلني آخر خلقك ! وإن كان موتي سيغفر ذنبي , فأنا راضٍ بحكمك

وما ان أنهى أجاج دعاءه , حتى رأى شيئاً أفزعه .. حيث بدأ نور السماء يختفي شيئاً فشيئا بعد ان حلّقت فيه آلاف الطيور العملاقة التي يشبه رأسها سنام البخت (الجمل) وهي تقترب نحو المكان ! 
ثم هبطوا على دفعات باتجاه الجثث العفنة , وبدأت كل واحدة منها بحمل أحدهم وأخذه نحو البحر ..

فقال أجاج وهو يرتجف رعباً : لابد ان هذه دعوة النبي عيسى ! كنت متأكّداً بأن الله لن ينصرنا عليه وعلى من معه من المؤمنين .. ما هذا ؟ لا لا تقتربي مني , فأنا لم أمت بعد !!

وإذّ بإحدى الطيور العملاقة تغرز مخالبها الحادّة في ظهره حين حاول الهرب منها , وارتفعت به الى السماء .. 

ومن فوق , شاهد الأعداد الهائلة لجثث قومه التي غطّت مسافات كبيرة من الأرض .. ثم ظهر له البحر من بعيد 
فصرخ بخوف , محاولاً التحرّر من أظافر الطائر : 
- لا ترميني هناك !! انا لا أعرف السباحة .. لاااااااا

وغرق أجاج بأعماق البحر مع غيره من الجثث .. لينهمر بعدها مطرٌ غزير غسلت دمائهم من فوق الأرض , وأخفت بذلك أثرهم من الوجود !
*** 

وعلى جبل الطور .. سجد المسلمون خلف النبي عيسى سجود الشكر , بعد ان أخبرهم بنهاية يأجوج ومأجوج 
فنزلوا من الجبل وهم يحمدون الله على انتهاء البلاء العظيم , عازمين البِدء بعمارة الأرض تحت قيادة النبي عيسى الذي سيملأ الدنيا عدلاً بعد ان مُلأت ظلماً وعدوانا !

الاثنين، 10 يونيو 2019

ما ذنبي انا ؟!

كتابة : أمل شانوحة


 
لن أسامحها ابداً !! 

وصل ماجد الى المطار عائداً من الغربة , بعد ان أخبرته قريبته بأن امه مريضةٌ للغاية .. وذهب الى المستشفى مباشرةً , ليجد امه تحتضر !

فأمسك يدها وهو يبكي بعد إحساسه بقرب أجلها , لشحوب وجهها ونظراتها التائهة .. 
وحاول تلقينها الشهادة , لكنها ظلّت تتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة وبصوتٍ أجشٍّ مرعب ..

وفجأة ! تحوّلت عيناها في ثوانيٍ الى عينيّ قطة , جعلته يتراجع للخلف حتى كاد يسقط عن كرسيه ..

في هذه اللحظات .. لفظت امه أنفاسها الأخيرة , مع إرتفاع رنين الماكينة الطبيّة التي تؤكّد توقف قلبها ! 

وحاول الطبيب إنقاذها بالصدمات الكهربائية .. وبعد عدّة محاولاتٍ يائسة , أعلن خبر موتها لإبنها الوحيد الذي انهار باكياً ..
***

في صباح اليوم التالي .. إنتظر ماجد خارج غرفة الموتى ..
وبعد وقتٍ قصير.. خرجت المرأة المسؤولة عن تغسيلها , والخوف بادٍ على وجهها !
فسألها : هل أنهيت عملك بهذه السرعة ؟!
فقالت بارتباك : نعم .. كفّنتها وانتهى الأمر  
وابتعدت عنه مُسرعة !

فدخل الى امه , ليجدها بكفنها الأبيض مُمدّة فوق حوض التغسيل .. فقال في نفسه وهو يقترب من جثمانها : 
((أليس المفترض ان تُكفّن خارج المغسلة ؟!))

وحين كشف الغطاء , تراجع للخلف بهلع بعد رؤية وجهها الذي تحوّل للون الأسود وكأنه محروق !
- ماذا حصل ؟!.. مالذي فعلته المرأة بأمي ؟

في هذه اللحظات .. ناداه الموظف من خارج المغسلة :
- أخّ ماجد !! هل انتهيت من تجهيز امك ؟ فالرجال يستأذنونك لوضعها بالنعش , وحملها الى الجامع للصلاة عليها 

فأسرع ماجد بتغطية وجه امه المرعب .. ومسح دموعه وهو مازال يرتجف من هول ما رأى ! 
ثم أجابه بصوتٍ متهدّج (من الداخل) :
- نعم !! دعهم يدخلون 

ثم حملوها الى المسجد .. يتقدّمهم ابنها بحمل النعش .. والناس والأقارب من خلفهم يذكرون الله ويترحمون عليها 
***

في الجامع .. وقبل ان يُنهي الأمام الصلاة عليها , شبّت نارٌ مفاجئة بالنعش!
فقطع الجميع صلاتهم , وحاولوا إطفاء الجثة .. بينما تجمّد ماجد في مكانه وهو لا يفهم مالذي يحصل مع امه !

وهنا فاجأ الإمام المعزّيين بقوله بضيق وبوجهٍ مُتجهّم : 
- خذوها الى المقبرة مباشرةً !! فلا حاجة للصلاة عليها
ثم خرج من الجامع ..

ولم يفهم الأقارب سبب غضبه ! فحملوا نعشها الى التربة وهم يلتفتون اليها من وقتٍ لآخر , خوفاً ان تشتعل فوقهم من جديد دون سببٍ منطقيّ !
***

وهناك إستقبلهم حفّار القبور قائلاً :
- حفرت قبرها هناك .. هيا بنا !!

وما ان اقتربوا من القبر , حتى كاد النعش يسقط من ايديهم بعد رؤيتهم لثعبان كبير اسود يقبع في الأسفل .. فتراجعوا للخلف ..
وعاتب ماجد العامل بعصبية :
- أتريدني ان أدفن امي فوق الثعبان ؟.. هل جننت ؟!!
فردّ الحفّار بدهشة : والله لم يكن موجوداً قبل دقيقتين , ولا ادري من اين أتى !
فطلب منه حفر قبرٍ جديد لأمه ..
ووضعوا النعش على الأرض في انتظار إنهاء الحفّار لعمله ..

وبعد ان أنتهى , ناداهم لدفنها فيه .. 
فحملوا الأقارب نعشها , واقتربوا من القبر الجديد ..
وقبل ان ينزلوها فيه , إشتعل القبر ناراً ! 
وبالكاد استطاع ماجد الهرب منه , قبل ان تمسك النيران بملابسه (بعد ان نزل اليه اولاً) .. 

بهذه الإثناء.. إقترب منهم امام الجامع الذي كان يراقبهم من بعيد , قائلاً لماجد :
- أفهمت الآن لماذا رفضت الصلاة على امك ؟
ماجد باستغراب ورعب : انا لا أفهم مالذي يحصل معنا !
الإمام بتردّد : يبدو ان القبر يرفض دفن امك بجوار الموتى المسلمين
ماجد باستنكارٍ وغضب : ماذا تقول ؟!! امي مسلمة يا شيخ 
الإمام : نعم ..لكن الذي حصل معها يدلّ على إنها تعاملت بالسحر , وهذا يعني كفرها بالله..

فانصدم الجميع ! .. وصاروا يردّدون : لا حول ولا قوة الا بالله !
ثم وضعوا نعشها على الأرض وبدأوا بالخروج من المقبرة , دون الإكتراث بنداءات ماجد لهم :
- رجاءً لا تذهبوا !! فأمي ليست ساحرة !

وبعد ذهابهم جميعاً , قال له الشيخ :
- لقد رأيت في حياتي امرأتين مثل حالتها , وللأسف هي أغضبت ربها بعمل السحر .. والأفضل ان تدفنها مع المشركين .. (ثم ربت على كتفه) ..كان الله في عونك ..

وتركه وذهب .. فوقف ماجد مذهولاً امام جثة امه ! وعيناه تذرفان الدمع وهو يقول في نفسه :
((أمعقول يا امي !.. هل خسرتي دينك ؟.. ومن أجل ماذا ؟ .. كنت ارسل لك المال دائماً وانا اعمل ليل نهار بالغربة , فلما ضلّيتِ الطريق وخسرتي الدنيا والآخرة ؟ ..لماذا يا أمي ؟!!!))

وبينما كان يبكي امامها , إقترب منه الحفّار وهو يقول :
- استاذ !! أحضرت لك سيارة الموتى لتأخذها الى المقبرة الموجودة في طرف المدينة .. وكما قال الشيخ : لا مكان لأمك بيننا .. أعتذر منك 

فرضخ ماجد للأمر الواقع , وقام بدفنها في قبر مخصّص للأجانب ومجهوليّ الهويّة ! 

وعاد حزيناً الى بيت امه .. ونام على سريره القديم بعد ان بلّل وسادته بالدموع , وهو يشعر بالخزيّ والعار امام اقاربه ومجتمعه المحافظ
***

في المساء , إستيقظ بعد سلسلة من الكوابيس المفزعة .. 
وبعد شربه الماء , أخذ يفكّر بماضيه محاولاً تذكّر اشياءً غريبة لاحظها على امه قبل سفره الى الخارج .. وهو على يقين إنها لم تنحرف قبل وفاة والده حين كان بالمرحلة الثانوية , فهما عاشا فترة من الضيق المالي بعد إنقطاع راتب والده المتوفي .. 

لكن بعدها بسنة , عاد الوضع أفضل من السابق ! واشترت له امه كل ما يتمناه , وأدخلته معهد للغة الأجنبية وناديٍ رياضيّ .. وأمّنت له مصاريف السفر والدراسة الجامعية في اوروبا .. كما واظبت على إرسال مصروفه الشهريّ , حتى يوم تخرّجه .. ومن بعدها أخبرها بأنه المسؤول عن مصروفها بعد توظيفه في شركةٍ اجنبية محترمة 

بعد عودته للواقع , تساءل في نفسه : ((لما لم اسألها يوماً عن مصدر تلك الأموال ؟ وهل كنتُ السبب في ضلالها ؟ .. عليّ التأكّد من شكوكي , قبل ان ينفجر رأسي من التفكير))
*** 

ثم دخل غرفة امه .. وأخذ يفتش كل ركنٍ فيه : داخل الخزانة وتحت السرير وفي الصناديق المغلقة .. لكنه لم يجد شيئاً من أغراض السحر !

فعاد الى غرفته , وهو يشتمّ الشيخ الذي فضح امه امام الجميع دون أيّ دليلٍ عليها !

وقبل ان ينام , تذكّر شيئاً غريباً حصل في فترة مراهقته :
(((في ذلك المساء , إستيقظ لدخول الحمام .. ومرّ بجانب غرفة امه التي يبدو انها سبقته الى دورة المياه .. 
وحين ألقى نظرة سريعة الى غرفتها , رأى كرتان حمراوتان تتحرّكان داخل الخزانة ! 
فاقترب ببطءٍ وخوف للتأكّد ممّا يراه , لكن امه أمسكته من الخلف.. قائلةً بارتباك :
- هآ انا خرجت , هيا أدخل الحمام..(بنبرةٍ حادّة) .. إذهب يا ماجد !!
وأخرجته من الغرفة , وأقفلت بابها بالمفتاح !)))

وهنا عاد للواقع ليتساءل : 
- ترى مالذي رأيته داخل خزانتها تلك الليلة ؟! فقد أخبرتني باليوم التالي انهما كانتا حشرتان مضيئتان , قامت بقتلهما .. مع اني أذكر إنهما بديا لي كعينين حمراوتين مخيفتين ! فهل كانتا عينا الشيطان الذي تتعامل معه ؟ .. يبدو عليّ تفتيش خزانتها مجدداً 
***

وعاد الى غرفتها .. وبدأ يطرق على ظهر الخزانة من الداخل .. الى ان ظهر صوت صدى خلف أحدِها , كأن فراغاً خلفه ! 
فأخرج كل الأغراض من هناك , ليجد باباً يصله بحجرةٍ صغيرة لا يزيد عرضها عن المترين أخفتها امه خلف الخزانة.. حينها تذكّر بأنها اشترت هذا البيت بعد وفاة والده .. ولم تخبره عنه الا بعد فرش غرفتها اولاً , والتي لم تسمح له يوماً بدخولها.. بل كانت لا تخرج من المنزل قبل التأكّد من إقفالها جيداً ! 

فأضاء جواله لرؤية ما بداخل الغرفة المجهولة : ليجد ما كان يخشاه من مرطبانات بمياهٍ ملوّنة , وعلبة فيها شعر لعدّة اشخاص .. وصندوق به ملابس داخلية : رجاليّة , وأطفال , لكن أكثرها لنساء بمقاساتٍ مختلفة !  
ثم وجد كتاباً كبيراً فيه طلاسم سحر , وحينها تأكّدت شكوكه السيئة حول امه !

وقبل خروجه من هناك حزيناً ومنكسراً , وجد دفتراً بغلافٍ جلديّ .. وحين فتحه , وجده مكتوباً بخطّ امه .. وفيه جداول بأسماء اشخاص مع تاريخ سِحرها لهم , وطريقة السحر , واين أخفت العمل ؟ ..معظمها تعود لأقارب والده مع بعض أقاربها وأصدقاء العائلة .. عدا عن اسماء غريبة صنّفتهم ضمن جدول العملاء , ممّا يؤكّد كلام الشيخ بأنها امتهنت هذا العمل الشائن!

لكن أكثر ما آلمه حين رأى اسم خطيبته الأولى التي تركته قبل ايام من العرس , مُتسببّة بصدمةٍ عاطفية له منعته من الزواج حتى يومه هذا 

فمسح دموعه وهو يقول بدهشة : أأمي التي أبعدتني عن حبيبة الطفولة , رغم معرفتها بعشقي الكبير لها ؟! .. يا الهي , لا أصدّق ما قرأته !  

والأسوء انها قامت برمي سحر تفريقهما في البحر (كما ذكرت في دفترها) وهذا يعني انه يستحيل عودتها اليه , بعكس أغلبية سحر الأقارب التي دفنت أعمالهم بمقبرةٍ قريبة .. وهي نفسها المقبرة التي رفضت بمعجزةٍ إلالهية ان تُدفن فيها !

ولم تشرق شمس اليوم التالي الاّ وقد أخذ ماجد قراره بفكّ اسحارهم جميعاً , مُستعيناً بالعناوين الموجودة بالدفتر 
***

وفي الصباح .. أخبر الشيخ بما وجده , وبدوره أثنى على فكرته .. حتى انه ذهب الى الحفّار لحثّه على مساعدة ماجد بإخراج الأسحار من القبور , ليقوم هو بفكّها بالطريقة الشرعية في وقتٍ لاحق..

فقام الحفّار بنبش القبور مساءً (كيّ لا يحدث بلبلة مع اهالي المتوفيين) وأخرج الأسحار المدسوسة في أفواه الهياكل العظمية وأدبارها ! 
***  

وفي اليوم التالي .. سلّم الحفار الأعمال السحريّة الى ماجد الذي قام بمكافأته مالياً على جهوده .. 

ثم أخذهم الى الشيخ الذي أمضى وقتاً طويلاً بفكّ العقد المربوطة بعد قراءته لآياتٍ معينة عليها .. ثم اتصل بماجد مساءً ليخبره بانهائه للمهمّة الصعبة 
***  

بعد ايام من التفكير والتردّد , قرّر ماجد الذهاب الى اقاربه واصدقائه لتبشيرهم بفكّ اسحارهم القديمة ..

لكنهم استقبلوا الخبر بغضبٍ شديد , وانهالوا بالشتائم على والدته المتوفاة التي عسّرت حياتهم لسنواتٍ طويلة , والذي أثّر سلباً على علاقاتهم الزوجيّة ورزقهم الماديّ .. حتى ان بعضهم طرده من بيته بعد ان منعه من زيارته مجدداً , مُلقباً إيّاه : بإبن الساحرة !
***

وعاد ماجد حزيناً ومهموماً الى بيت امه , وقد قرّر رمي جميع أغراضها التي تُذكّره بها .. 

بعد اسبوع , عرض البيت مع مفروشاته للبيع .. لكن السمسار أخبره : بأن لا يتوقع ان يشتريه أحد بعد انتشار خبر امه , فلا احد سيرغب بشراء منزل تسكنه الجن والشياطين ! 

ولم يكن هذا الكلام صادماً لماجد , لأنه عانى بنفسه من لياليٍ عصيبة بعد رؤيته للكوابيس كل ليلة منذ عودته للوطن , ويبدو ان الجن والشياطين غاضبةً منه بعد فكّه لأسحار امه !
***

في اليوم التالي .. إنتقل الى فندقٍ قريب , بعد ان ضاق صدره بتعليقات الجيران المسيئة لوالدته.. 

وهناك , إتصل به صديقه ليخبره : بأنه قام بالسؤال عن خطيبته السابقة بناءً على طلبه .. وعلم إنها تزوجت وتطلّقت , ولديها طفلاً منه .. وأعطاه عنوان بيتها.. 
وبعد تردّد وتفكيرٍ طويل , قرّر زيارتها ..
***

وقد تفاجأت ريما برؤيته بعد عشر سنوات من الفراق .. 
وبعد ان أدخلته الصالة , أخبرها بما حصل لعلاقتهما .. فاستقبلت الخبر بهدوءٍ غير متوقع !
ماجد بقلق : ريما .. قولي شيئاً
فأجابته بحزن : وماذا تريدني ان أقول ؟ امك سحرتنا وانتهى الأمر.. الأمر الذي يخيفني ان يكون سحرها مستمراً لي , فأنا لم أوفّق حتى اليوم بحياتي العاطفية , فطليقي لم يكن خيبة أملي الأولى .. أقصد الثانية .. فمن بعدك , انخطبت خمس مرات .. وفي كل مرة يتعسّر الموضوع قبل ايام من عقد القران لأسبابٍ مُبهمة!  

ماجد بحماس : اذاً ما رأيك لوّ نتزوج قريباً يا ريما ؟
فأجابته بتهكّم : الم تقلّ ان والدتك رمت سحر تفريقنا بالبحر ؟ فكيف نتزوج بعد ان استحال إبطاله ؟! 
- ربما بموتها إنفكّت جميع الأسحار
ريما بيأس : لا أظن ذلك , فقد قرأت الكثير عن هذا الموضوع .. ويُقال ان السحر الذي لم يُفكّ بشكلٍ نهائيّ , يُبقي حياة الشخص مُتعسّرة لحين وفاته 
- لا تتشائمي هكذا , دعينا نجرّب ان ..

فقاطعته بحزم وبلؤم : قلت لا يا ماجد !! .. اساساً لا استطيع النظر اليك بعد معرفتي بأن تعاستي كل السنوات الماضية كانت بسبب امك 
- ارجوك لا تقولي هذا انت ايضاً .. فقد خسرت جميع أقاربي واصدقائي , رغم انني قمت بفكّ اسحارهم !
- بصراحة لا أحد يستطيع غفران ما حصل
ماجد بضيق : لكنها غلطة امي , ولا ذنب لي فيها !
- نحن نعيش في مجتمع لا ينسى الإساءة ابداً .. والأفضل لك ان ..

ماجد : إكملي , لماذا توقفتي ؟
ريما بتردّد وهي تُخفي دموعها : 
- الأفضل ان تعود للغربة بعد ان خسرت ثقة الناس , ولا أظن أحد سيتعامل معك بعد اليوم .. لهذا سافر يا ماجد وتزوّج من امرأةٍ أجنبية .. لكن إيّاك ان تخبرها بما حصل .. ولا حتى اولادك في المستقبل .. إحفظ هذا السرّ للأبد .. وبدوري سأدعو لك ان تكون حياتك أفضل من حياتي التي دمّرتها والدتك .. (ثم وقفت وهي تمدّ له يدها).. الوداع يا ماجد .. يا صديق الطفولة

لكنه لم يسلّم عليها , وخرج غاضباً من بيتها.. لتنهار ريما بالبكاء وهي تحضن ابنها الصغير ..
*** 

بعد يومين .. أعطى ماجد الشيخ مفاتيح بيت امه , قائلاً :
- أعلم انه لن يشتريه أحد , لهذا تخلّيت عنه .. وقرّرت الهجرة للخارج , وعدم العودة الى هنا .. وبسبب مجهودك معي بفكّ الأسحار , وهبته لك ..فإمّا ان تسكنه او تعطيه لأحد الفقراء , القرار يعود اليك .. 

فشكره الشيخ وودّعه وهو يحثّه على الصبر على مصابه .. ليعود ماجد الى عمله وحياته في الغربة .. 

وكانت آخر أخباره التي وصلت أقاربه : إنه أنجب طفلاً من زوجته الأجنبية .. ومن بعدها إنقطعت أخباره عن الجميع ! 

الأربعاء، 5 يونيو 2019

عالم الحشرات المخيف

تأليف : امل شانوحة

 
مختبر لحشرات العالم

تمّ مع بداية السنة إفتتاح مختبر فريد من نوعه , يحوي بداخله حديقة إصطناعية جُمعت فيها انواع مختلفة من الحشرات حول العالم , لتعيش بحرّية في بيئةٍ تُشابه بيئتها الأصلية من نباتاتٍ وأعشاب ومياهٍ راكدة وشجيراتٍ رطبة مع درجات حرارة تناسب استمراريّة كل نوع , تحت مراقبة علماء مختبر متخصصين بدراسة نظام تغذيتها وسلوكها ودفاعها ضدّ الحشرات الأخرى , كما يدرسون آفاتها المرضية على الإنسان وعلى البيئة بشكلٍ عام .. مع حفظ الأنواع النادرة من الحشرات داخل أحواضٍ زجاجية في قسمٍ خاص من الحديقة .. 

المميز في هذا المختبر انه إفتتح ابوابه للزوّار والسوّاح سواءً من علماء الطبيعة , او عشّاق عالم الحشرات الغامض الذي يُثير حماسهم ! بشرط ان يلبسوا بذلات سميكة تُشبه بذلة مربيّ النحل لحمايتهم من لدغات العناكب ولسعات الدبابير وغيرهما .. حيث يوجد هناك العنكبوت الذئبيّ الذي يصل حجمه لحجم الكفّ , رغم انه بالحقيقة ليس من الحشرات بل من فصيلة العنكبيات , ومع ذلك ضُمّت انواع مختلفة منه الى الحديقة بناءً على رغبة الزوّار ! 
***

وفي خلال الشهور المتتالية لافتتاح الحديقة , نجح المختبر نجاحاً باهراً ! إستقطب فيه العديد من الزوّار المواطنين والأجانب الذين سعدوا بهذه التجربة الفريدة من نوعها .. الا ان بعضهم خرج وهو يشعر بالغثيان بعد تجربته المريرة مع الدود والنمل والجراد والبعوض وغيرها من الحشرات المقرفة الطفيليّة ..

اما الآخرون فقد أعجبوا بالقسم المظلم من الحديقة التي زيّنتها الحشرات المضيئة بأنوارها الفسفوريّة ..

وكان يتوجّب عند خروجهم من الحديقة ان يدخلوا غرفة التطهير : حيث يُرشّ بخّاخٌ قويّ يعمل على إزالة الحشرات العالقة على بذلاتهم البيضاء , ليعود الموظف هناك بجمعها وإعادتها الى المحميّة ..
***

وفي إحدى الأيام .. إتصل بهم رجل يسألهم إن كان بإمكانه إحضار ابنه (12 سنة) الى المختبر , كمفاجأة عيد ميلاده لأنه من عشّاق الحشرات .. فطلب المدير منه الإنتظار يومين لحين تحضير بذلة صغيرة تناسب طوله , لأن معظم زوّارهم من البالغين ..
***

وفي اليوم المحدّد .. دخل الولد الى الحديقة وهو في قمّة الحماس والسعادة , وأخذ يستكشف الحشرات التي لطالما آثارت اهتمامه , ويلمسها بقفاز بذلته التي خيطت خصيصاً له .. بينما إكتفى والداه بمشاهدته من كاميرات المراقبة في المختبر لاشمئزازهما من خوض التجربة معه 
***

وفي داخل غرفة الحشرات النادرة .. إستغلّ الولد إبتعاد كاميرا المراقبة عنه , ليقوم بسرقة جرادة ملوّنة بألوان قوس قزح ! بعد ان فتح سحّاب بذلته (مُخالفاً تحذيرات المسؤولين) ليضع الجرّادة في جيب بنطاله .. ثم خرج من الحديقة .. ولأن الحشرة في ملابسه , لم يؤثّر عليها البخّاخ المطهّر .. 
***

وفي بيته , وضع الصبي الحشرة النادرة في حوض زجاجيّ كان اشتراه سابقاً لعنكبوته الذي مات منذ فترة .. وطلب من اخته الصغيرة إخفاء الأمر عن والديه .. ثم وضع الحوض الصغير تحت سريره 
***

وفي أمسيّة إحدى الأيام .. بدأ عامل النظافة الجديد (القادم من بلدٍ أجنبي فقير) يومه الأول في المختبر .. ولأنه لا يتقن الإنجليزية كثيراً , لم يفهم بأن عليه تنظيف المختبر فقط .. لذلك قام بالضغط على الزرّ الذي فتح باب الحديقة الإصطناعية ليقوم بتنظيفها بثياب عمله العادية .. ولأن المختبر كان خالياً من الموظفين بمناسبة الأعياد , لم يلاحظ العامل (في ظلّ الإضاءة الخافتة) الحشرات التي كانت مختبئة في بيوتها .. 

وحين وصل الى منتصف الحديقة , شعر بحكّة في ساقه .. وفزع حين رأى دودة ام أربع وأربعين تقرصه بعد ان دخلت بنطاله ! 

فحاول إخراجها لكنه تعثّر بعصاه ووقع بالبركة الضحلة , لتقوم العلقات بمصّ دمه .. فخرج صارخاً .. وقبل وصوله للباب الرئيسي , لدغته إحدى العناكب السامّة .. فصار يُشير لكاميرات المراقبة بهستيريا لفتح باب الحديقة الذي انغلق تلقائياً عليه (رغم علمه بخلوّ المختبر من الموظفين) 

واثناء محاولته إبعاد النمل الأبيض الذي تجمّع حول قدميه , إنغرزت مكنسته بعشّ الدبابير الذي فوق رأسه , ليهجموا عليه بعنفٍ شديد .. 
فوقع على الأرض محاولاً إنقاذ وجهه من لدغاتها المؤلمة , وهو يصرخ بوجعٍ شديد بعد ان تورّم جسمه.. 

وعلى الفور !! تجمّعت الحشرات الجائعة حوله (بعد نسيان الموظف وضع طعامٌ إضافيّ لهم بمناسبة العطلة الرسميّة) ليعلق العامل المسكين تحت كومة من الحشرات المختلفة المخيفة التي هجمت عليه لنهش جسده ! 
***

بعد انتهاء ايام العطلة .. صُعق مدير المختبر بعد رؤيته (من كاميرا المراقبة) بقايا عامل النظافة التي بانت عظامه , والتي مازال النمل يعمل على إنهاء ما تبقّى من اعضائه الداخلية ! 

ودبّ الرعب بين الموظفين بعد معرفتهم للخبر .. فاضطرّ المدير إخبار رئيس البلدية (المسؤول عن المشروع) بما حصل , والذي طالبه بإخفاء الموضوع عن الصحافة والزوّار !

وبعد إنهاء المكالمة .. أمر المدير أحد الموظفين بلبس بذلته الواقية ودخول المحميّة لإزالة ما تبقّى من اشلاء عامل النظافة ..
والذي بعد خروجه من الحديقة , أخبر مديره وزملائه بضرورة تكثيف سماكة البذلات بعد ان لاحظ زيادة وحشيّة الحشرات , خاصة الطائرة منها والتي حاولت غرز أبرها فيه اثناء تنظيفه بقايا الجثة !
***

وبالفعل تمّ إيقاف الزيارات لحين تغير نوعيّة البذلات , بحجّة الإصلاحات الداخلية في المختبر .. 

وبعد اسبوعين .. أعادوا افتتاحه امام الزوّار المتشوقين لرؤية ودراسة الحشرات من جديد 
***

بعد عدة ايام  ..خرج آخر الزوّار بعد تضايقه من هجوم البعوض المكثّف عليه , رغم ان ذلك لم يحصل معه في زيارته السابقة للحديقة !  
وفي غرفة التطهير .. عاد البعوض الى المحميّة (المفتوح بابها) هروباً من دخان البخّاخ .. 

لكن ما لم يلاحظه الموظف (المسؤول في غرفة التطهير) إن إحدى البعوضات الخطيرة علقت إبرتها في بذلة الزائر السميكة .. كما لم يلاحظ هروب ذبابة (تسي تسي) من المحميّة والتي استطاعت دخول المختبر والوقوف على سقفها ! 

اما البعوضة فقد تحرّرت في غرفة تبديل الملابس بعد ان خلع الزائر بذلته هناك , ثم إقتحمت غرفة مراقبة المختبر دون ان يلاحظها أحد ! 
***

في المساء .. وبعد إقفال الحديقة وخروج الموظفين , بقيّ الموظف الجديد (الذي عيّنته الإدارة العليا للمراقبة المسائية , كيّ لا تتكرّر حادثة عامل النظافة من جديد) والذي إكتفى بالجلوس امام الكاميرات مُنشغلاً باللعب على جواله , لهذا لم يلاحظ سقوط الذبابة تسي تسي في قهوته , والذي ظلّ يرتشف منها .. بينما حلّقت البعوضة الخطيرة في المكان !
***

وفي صباح اليوم التالي .. لاحظ الزملاء التعب الشديد على وجه الموظف الليليّ , فأخذوه الى غرفة الإستراحة ..والذي نام فيها طوال النهار ! 

وقبل نهاية اليوم .. شعر بعضهم بحكّة في جلده , لكنهم أكملوا عملهم الروتينيّ ..
***

بعد اسبوع .. دخل بعضهم الى المختبر وهم يترنّحون من التعب بعد ان رفض مديرهم طلبات الإجازة بسبب حمّى أصابتهم , لأن رئيس البلدية (مموّل المشروع) يريد الإجتماع بهم لأمرٍ خطير ! والذي فاجأهم بخبر وفاة الموظف الليليّ بعد غيبوبة دامت لأيام , وبأن المستشفى التي قامت بتشريح الجثة أعلنت إن سبب الوفاة هو تعرّضه لسمّ ذبابة تسي تسي 

واثناء محاولة مدير المختبر تبرير الأمر لرئيسه الغاضب , تقيّأ أحد الموظفين المرضى فوق طاولة الإجتماعات .. فعاتبه المدير على سلوكه الشائن والمُخجل ! 

الا ان رئيس البلدية طلب منه (من خلال الكاميرا) ان يقوم طبيب المختبر بفحص الموظفين المرضى في الحال , لخوفه من تسرّب المزيد من الحشرات الضارة من المحميّة .. كما فاجأ المدير وبقيّة الموظفين بإغلاق ابواب الحديقة والمختبر عليهم (من زرّ تحكّم موجود في مكتبه) لحين ظهور نتائج الفحوصات المخبريّة !

وبعد ساعة .. ظهرت النتيجة التي يخشاها الجميع , حين علموا بأن  الموظفين الأربعة أصيبوا بالملاريا .. فاستُنفر الباقون للبحث عن حشراتٍ أخرى هاربة من المحميّة , بعد ان لبسوا بذلاتهم الواقية بناءً على طلب مديرهم

في هذه الأثناء .. دار حوار سرّي بين المدير ورئيس البلدية الذي أخبره (بالجوّال) بضرورة إقفال المشروع نهائياً , لخوفه ان يكون بقيّة الموظفين يحملون أعراض المرض القاتل .. 

فحاول المدير الإعتراض على قراره التعسّفي مُبرراً ذلك بنجاح المشروع وتزايد أعداد الزوّار كل يوم , بعد ان ذاع صيت حديقتهم الفريدة التي لا يوجد مثيلٌ لها في انحاء العالم

فردّ عليه رئيس البلدية غاضباً :  
- بسبب أخطاء إدارتك للمختبر , قُتل عامل نظافة ..واربعة من موظفيك يحتضرون الآن !! وانا بالتأكيد لن أُعرّض بلادي لخطر إنتشار وباءٍ خطير كالملاريا .. لهذا يجب التخلّص فوراً من هذه المحميّة اللعينة !!

المدير بقلق : لكن سيدي ! لقد جمعنا فيه أندر الحشرات حول العالم , بعد عملٍ مضني لعلمائنا الذين أمضوا سنواتٍ طويلة في البحث عنهم في غابات ومستنقعات البلاد النائية والجزر الخطيرة التي .. 
الرئيس مقاطعاً : بلادي اهم من أبحاثكم السخيفة !! اساساً لم أكن راضياً تماماً عن هذا المشروع منذ البداية
المدير وهو يمسك جواله مرتجفاً بخوف : ومالذي قرّرت فعله ؟!

فضغط رئيس البلدية على الزرّ الأحمر في مكتبه .. ليخرج دخانٌ مميت من سقف المختبر ومن جوانب المحميّة .. وأخذ يراقب من شاشة حاسوبه : المدير والموظفين وهم يحاولون إلتقاط انفاسهم بصعوبة مُحاولين فتح ابواب المختبر المقفلة عليهم بإحكام , الى ان وقعوا جميعاً على الأرض جثثٍ هامدة ! 

كما راقب الحشرات وهي تتناثر هنا وهناك , بعد انتشار الدخان السامّ في كل قسم من الحديقة , حتى انقلب معظمها على ظهره دون حراك .. 

من بعدها ..إتصل رئيس البلدية ببعض رجاله وأمرهم بدخول المختبر مساءً , لإخراج جثث الموظفين من هناك بسرّيةٍ تامة .. والذين قاموا لاحقاً بلبس أقنعة الأكسجين لدخول الحديقة وتكنيس الحشرات الميتة المتناثرة في كل مكان بإعدادها الهائلة !

وبعد تأكّدهم من تنظيف آثار الجريمة , أُعلن في اليوم التالي إغلاق المختبر نهائياً امام الزوّار الذي أحزنهم هذا القرار المُبهم !
***

لكن ما لا يعرفه رئيس البلدية : هو ان الجرادة الملوّنة النادرة التي سرقها الولد من هناك , إستطاعت الهرب من حوضه الزجاجيّ والقفز من نافذة غرفته المفتوحة مُتوجهة للشاطىء القريب من بيته .. حيث وضعت تحت الرمال آلاف البيوض التي ستُفقص قريباً , لتُخرج نوعاً غريباً من الجراد ليس له دواء مضاد سيُهاجم البلدة والعالم أجمع , مُنذراً بمجاعةٍ عالمية وكارثة إنسانيةٍ لم يرى أحدٌ مثلها من قبل !

الخميس، 2 مايو 2019

التخاطر الروحيّ

تأليف : امل شانوحة

الإتصال عن بعد !

في أواخر القرن 19م .. حاول فريدرك إقناع استاذه بدراسةٍ يُجريها عن إمكانية إنتقال الأفكار ، ومعرفة السبب وراء التزامن في التفكير بين شخصين , مُطلقاً عليه مصطلح : التخاطر الروحيّ 

لكنه لم يحصل على الدعم الكافي لمتابعة أبحاثه .. وكان على وشك التخلّي عن فكرته , قبل ان تقترح عليه زميلته جاكلين مشاركته في تطبيق نظريته وتجاربه .. 

فجلس معها في مكتبة الجامعة , وأخبرها بخطوات نجاح التخاطر بينهما .. قائلاً : 
- عليك اليوم مساءً وفي تمام الساعة الحادية عشر وقبيل نومك , ان تنظّمي تنفّسك بين شهيقٍ وزفير .. ثم تتخيلي شكلي وانا انتظر رسالتك ..وانت مقتنعة تماماً بأني أستقبلها , وكأنني واقفٌ امامك وجهاً لوجه
جاكلين : وما مضمون تلك الرسالة ؟

فريدرك : دعينا بالبداية نفكّر بشيءٍ بسيط , كنوع من الفاكهة مثلاً .. ولا تخبريني نوعها الآن .. فقط إرسلي الليلة صورتها , وانت تتخيلي طعمها وملمسها .. وسأحاول غداً إخبارك ماهي ..
جاكلين : يعني أرسل لك الكلمة مباشرةً , ثم أُنهي الرسالة ؟ 
- نعم , وتنامين بعدها دون التفكير بشيءٍ آخر .. هل تستطيعين فعل ذلك ؟
- سأحاول .. لكن ماذا ستفعل انت في المقابل ؟
فريدرك : سأكون مستلقي بفراشي باسترخاءٍ تام , محاولاً إستقبال رسالتك دون التفكير بشيءٍ آخر .. والآن لنعدّ الى بيوتنا , وغداً نلتقي في المكتبة بنفس الموعد
- إتفقنا
***  

في اليوم التالي .. وما ان دخلت جاكلين المكتبة , حتى وجدته يرفع كرّاسته نحوها , وقد رسم عليها صورة تفاحة .. 
فابتسمت له وهي تهزّ رأسها إيجاباً .. 
فتقدمّ نحوها وهو يسألها باهتمام :
- أحقاً هذا ما فكّرت به البارحة ؟!

جاكلين بسعادة : نعم !! أحلف لك .. حتى انا متفاجئة من نجاح نظريتك .. لكن مالذي أحسسّت به بالفعل ؟
- وكأنك أعطيتني تفاحةً حمراء لأتذوّقها 
جاكلين بدهشة : وهذا بالفعل ما تخيّلته ! 
فريدرك بحماس : ممتاز !!
- اذاً دعنا نخبر الأستاذ ..
فريدرك مقاطعاً : لا !! لن يصدّقني الآن .. دعينا أولاً نطوّر التخاطر بيننا .. وندوّن تجاربنا في بحثٍ مفصّل , نقدّمه لاحقاً لإدارة الجامعة 
- وانا معك يا صديقي 
*** 

وتطوّرت نوعيّة الرسائل التخاطريّة بينهما مع الأيام ..وأصبح بإمكانهما إرسال رسالةٍ خطّيةٍ ذهنيّة مكوّنة من سطرٍ واحد لبعضهما , في أيّ وقتٍ كان ! 

وأصبح الأمر سهلاً بعد شهورٍ من الممارسة اليوميّة , حيث صارا يتواصلان ذهنياً أثناء المحاضرات الجامعية , وحتى في منامهما.. 
***

وفي أحد الأيام .. إقترح فريدرك ان تتخيّل انها زارته في بيته مساءً .. ورغم تردّد جاكلين , الا انها وافقت على إتمام التجربة .. 
فقال لها :
- غداً قبل ان تنامي إشتمّي هذا العطر , فقد أحضرت لكلانا زجاجتين منه لنشتمّ الرائحة ذاتها , لربما يُساعد ذلك في إلتقاء أرواحنا !.. ثم تخيّلي انك تلبسين ثياب سهرة , سوداء اللون .. وتقتربين ببطء من غرفتي , حيث انتظرك هناك
فسألته بقلق : وماذا سيحصل بعدها ؟
فأجاب بابتسامةٍ حنونة : سنعرف الإجابة غداً 
*** 

وفي اليوم التالي .. لم تقابله جاكلين في المكتبة ! 
فبحث عنها طويلاً , الى ان وجدها تدرس وحدها في ساحة الجامعة .. 
وحين جلس بجانبها , حاولت تجاهله بالنظر الى كتابها .. 
فقال ممازحاً :
- مابك جاكلين ؟ كان مجرّد حلمٍ جميل
فأجابته بضيقٍ وتوتر : لا اريد إكمال التجارب بعد اليوم 
وحاولت الإبتعاد عنه , لكنه أمسك يدها قائلاً :
- البارحة لم تكوني خجولةً هكذا ! 
فقالت بغضب : أترك يدي يا فريدرك !! 
- حسناً إهدأي .. (ثم سكت قليلاً) .. ما رأيك لوّ نحوّل حلمنا الى حقيقة ؟

فسألته بقلق وارتباك : ماذا تقصد ؟!
- أعني ان نتزوج بعد تخرّجنا مباشرةً 
- بعد شهر ؟! 
فريدرك : نعم , فأنا أعيش وحدي في شقة أهلي بعد وفاتهم بحادثة القطار , وهي مفروشة بالكامل .. ويمكننا الزواج فيها , لنكرّر تجربة البارحة مراراً 
فابتعدت عنه , بعد ان احمرّ وجهها خجلاً .. فعرف انها وافقت عليه 
***

وبعد الزواج .. صارا ماهران في التخاطر , حيث كانت ترسل له طلبات المنزل ذهنيّاً أثناء عمله .. وهو بالمقابل يُخبرها بنوع الطبخة التي يريدها قبل قدومه الى بيته .. 

وعاشا سعيدان لسنوات مع طفلهما , الى ان بدأت الحرب !
وتمّ تجنيد فريدرك برتبة ضابط , قبل تمكّنه من نشر أبحاثه عن التخاطر بعد إنهائه مسودّة كتابه  .. 

فودّع زوجته وابنه قبل سفره , قائلاً لجاكلين :
- أتدرين انك ستكونين أكثر حظاً من بقيّة النساء اللآتي ستنقطع أخبار أزواجهنّ مع اشتداد المعارك , فأنتِ يمكنك مراسلتي ذهنيّاً متى تشائين , وكأننا لم نبتعد يوماً عن بعض 
جاكلين : أفكّر ان أعلّم طريقة التخاطر لبقيّة النسوة 
- لن تنفع , لأن على الطرفين إتقانها .. وانت تعلمين رجال بلدتنا لا يؤمنون بهذه الخرافات , مع الأسف .. المهم , لا تنسي ان تطلعيني على أخبارك انت وابني على الدوام
- سأفعل كل يوم ..وانت ايضاً لا تنساني 
- سأحاول عزيزتي

وقبّلها هي وأبنه .. ثم أسرع للمحطة , للحاق بفرقته العسكريّة المسافرة الى المنطقة المتحاربة ..
***

إمتدّت المعارك لشهورٍ طويلة , نجحت جاكلين فيها أكثر من مرة بالتواصل مع زوجها تخاطريّاً , لكن بعض محاولاتها فشلت لانشغال فريدرك بمهمّاته العسكريّة 

وفي نهاية فصل الشتاء من ذلك العام .. وصلتها رسالة من الجيش يخبرونها بمقتل زوجها مع أفراد كتيبته , بعد وقوعهم بكمين للإعداء .. 
وانهارت جاكلين , كما بقيّة الزوجات لسماعهم الخبر .. 
وأُقيم في مدينتهم قدّاس كبير عن روح الشهداء 
***

وبعد اسبوعين من انتهاء العزاء .. إقترب منها إبنها (6 سنوات) أثناء انشغالها بسلق البطاطا للغداء , بعد قلّة الموارد الغذائية بسبب الحرب .. قائلاً :
- امي !! رأيت ابي البارحة في المنام , وكان غاضباً منك لأنك لم تعودي تكلّميه 
جاكلين بدهشة : ماذا قلت ؟! أمتأكّد انك رأيته ؟
ابنها بحزن : نعم .. كان في مكانٍ يُشبه السجن , وكان وجهه ينزف كثيراً 
- لا تبكي يا صغيري , أظن والدك مازال حيّاً .. (ثم تنهّدت بضيق) .. يا الهي ! كيف نسيت موضوع التخاطر 
- هل هو فعلاً بخير يا امي .. ام ميت , كما قال لي ابن الجيران ؟ 
جاكلين بقلق : سأعرف الإجابة الليلة , بنيّ
***

في المساء وبعد نوم ابنها .. حضّرت جاكلين نفسها لبدء عملية التخاطر , بعد ان قرأت مسودّة كتاب زوجها (التي تحتفظ بها) لإتقان الطريقة من جديد ..

وفي منامها : ((شاهدت نفسها تسير في أرضهم المحتلّة من الأعداء , دون ان يروها ! ثم دخلت ثكّنتهم .. ونزلت الأدراج نحو مكانٍ إضاءته خافته , يتردّد فيه صرخات المساجين بسبب الضرب والتعذيب .. ومشت في الممرّات , الى ان وصلت الى سجنٍ إنفرادي مُعتم.. وجدت فيه فريدرك جريحاً وآثار التعذيب واضحة على جسمه , وكان يأنّ بألم في زاوية زنزانته القذرة .. وما ان رآها تقف بقربه , حتى مدّ يده اليها وهو يقول بعينين دامعتين :
- جاكلين ! أخيراً أتيتِ .. الم تعديني ان تستمري بالكلام معي؟
فأجابته وهي تمسك بيده , وتبكي : آسفة حبيبي .. ظننتك ميتاً ! 
- سأموت حتماً ان بقيت هنا .. ارجوك ساعديني))

واستفاقت جاكلين فزعة من نومها ! لكنها شعرت براحة بعد تأكّدها من بقاء زوجها على قيد الحياة
*** 

وما ان أشرقت شمس اليوم التالي , حتى أسرعت جاكلين الى مركز بلدتها العسكريّ (المسؤول عن تجنيد الشباب وإرسالهم لأرض المعركة) وأصرّت على التكلّم مع القائد .. 
وحين دخلت مكتبه .. أخبرته بأن زوجها بخير , بعد ان شرحت موجزاً عن مفهوم التخاطر الذهنيّ 

القائد بلؤم : ما هذه الخرافات ؟! أتريديني أن أُرسل جيشاً الى ثكنة  الإعداء , فقط لأن حدسكِ يخبركِ بأن زوجك مسجوناً هناك ؟!
جاكلين : سيدي .. هو ليس وحده , بل معه بعض افراد كتيبته الذين نجوا من الكمين .. وإن كنت لا تصدّقني , أستطيع ان أرسم لك أماكن بوّابات الثكنة ومعتقل التعذيب , فأنا رأيت جميع التفاصيل في ..
مقاطعاً وبسخرية : في منامك .. عزيزتي , انت رأيت كابوساً وانتهى الأمر .. فأعدائنا ليس من عادتهم إبقاء الأسرى احياء , لذا تقبّلي موته كالأخريات , واكملي حياتك دونه .. (ثم قال بابتسامةٍ خبيثة) .. أمّا إن كنت أتيتِ اليّ بعد ان فاضت بكِ الأشواق والمشاعر , فيمكنني حلّ هذه المشكلة 

فخرجت من عنده وهي تكتم غضبها , وتلعن وقاحته (في قلبها) ..
***

وعلى مدى اسبوعين .. حاولت جاكلين كثيراً إيصال فكرتها للقادة العسكرين لإنقاذ زوجها , لكن دون جدوى ! 
فاستعانت بإستاذهما الجامعيّ القديم , لكنه مازال لا يصدّق بأبحاث فريدرك بعلم النفس .. رغم إطلاعه على مسودّة كتابه , الذي أعاده لها بعد يومين وهو يقول : 
- كانت خيالاته قوية ! رحمهُ الربّ

جاكلين بعصبية : لم تكن خيالات !! بل جميع التجارب المكتوبة في الكتاب نجحت بيني وبين زوجي 
الأستاذ باستخفاف : هذا لأن هناك عشقٌ بينكما , ولا دخل للتخاطر بالموضوع .. اما عن فريدرك , فمن رأيّ ان تصدّقي كلام قادتنا العسكريين , فهم أعلم بمصير جنودهم 
جاكلين بغضب : زوجي لم يمت !! وسأثبت ذلك للجميع  

وخرجت من مكتبه وهي تشعر بيأسٍ كبير !
***

ولم يتبقّى امامها سوى السفر مع ابنها الى قرية زوجها .. 
وفور وصولها الى هناك , توجّهت الى بيت جده الذي قام بجمع أعمام فريدرك واولادهم , بعد ان أطلعته جاكلين على كل شيء.. 
ورغم انهم جميعاً لم يصدّقوا منامها , الا ان الجد فاجأهم قائلاً بحزم :
- حفيدي فريدرك بخير !! وزوجته تعرف اين هو .. فماذا تنتظرون لإنقاذه؟ 
فأجابه أكبر ابنائه : لكن ابي ! نحن سنخاطر بحياتنا لشيءٍ غير مؤكّد , وربما نُقتل جميعنا

الجد بعصبية : وهل تفضلّون البقاء في بيوتكم الى ان يصلنا جثمان حفيدي , ام تستشهدون في محاولة إنقاذه ؟ .. فريدرك لم يمت !! وإحساسي يُوافق منام زوجته , وحدسي لم يخطئ يوماً .. لذا دعوا جاكلين تدلّكم جيداً على مكانه .. ومن ثم تتسلّحون جيداً , بعد ان تلبسوا بذلات العدو التي نزعناها من جثثهم في معاركهم السابقة معنا , ستجدونها في مخزن رئيس البلدية .. وانت يا جون !! ستتكفّل بالكلام مع حرس الثكنة , لأنك تتقن لغتهم .. وبعد إنهائكم مهمّة هذه الليلة بنجاح , تعيدون حفيدي الى هنا حيّاً .. هل كلامي مفهوم ؟!!

فقبل خمسة منهم إقتراح والدهم , وعاد الباقون الى بيوتهم ..
ثم استمع المتطوّعون بتركيزٍ واهتمام الى شرح جاكلين لخريطة الثكنة التي رسمتها لهم , كما رأتها في تخاطراتها الأخيرة مع زوجها المعتقلّ .. 

ومن بعدها , ذهب الرجال الى بيوتهم لتجهّز لتنفيذ الخطة 
***

في المساء .. وبعد ذهابهم للمهمّة , أتتّ زوجاتهم غاضبات الى بيت الجد لمعاتبة جاكلين على مخاطرتها برجالهنّ من أجل منامها السخيف .. لكن الجد دافع عنها وأمرهم بالعودة الى بيوتهنّ .. كما طلب من جاكلين البقاء في بيته لحين عودة الرجال مع زوجها .. وبدورها حاولت (في غرفة الضيوف) القيام بالتخاطر لإخبار فريدرك بما حصل .. لكنها فشلت بالإتصال معه , ممّا جعلها متوترة للغاية !
***

في ثكنة الأعداء .. واثناء نوم الجنود , وبقاء حارسين للحراسة .. تسلّل الرجال الخمسة من البوّابة الخلفية التي وجدوها في المكان ذاته الذي حدّدته جاكلين في خريطتها !

ثم نزلوا سريعاً نحو المعتقل , بعد ان قال جون للحرس بلغتهم : إنهم يريدون تفتيش السجن بأوامر عليا .. 

وقد حاولوا كتمان سعادتهم حين رأوا ابن عمهم حيّاً في زنزانته , لكنه كان فاقداً الوعيّ من شدة التعذيب ! 

واستغلّوا وجود حارسٍ واحد على بابه , ليقوم أحدهم بخنقه حتى الموت.. ثم بدلّوا ملابسه مع ملابس فريدرك , وحبسوه مكانه .. 
ثم أسندوا قريبهم وأخذوه للأعلى .. 

وقبل خروجهم من البوّابة الخلفية , ناداهم حارس المراقبة من فوق السور 
- هاى انتم ؟!! ماذا تفعلون ؟
فأجابه جون بارتباك : زميلنا يعاني من تسممٍ حادّ , سنعالجه في المستشفى القريب من هنا 
فقال الحارس : ذلك المستشفى لأهل المدينة , وقد يقتلوكم جميعاً .. الأفضل ان تأخذوه الى عيادتنا داخل الثكنة 
فأجابه جون : لا تقلق , سنبدّل ملابسنا قبل وصولنا الى هناك .. كما انني أتقن لغة البلد
الحارس : إذاً خذه وحدك , وليعود الجنود الأربعة الى ثكنتهم حالاً!!

ففكّر جون سريعاً , قبل ان يقول : جميعنا ذاهبون في مهماتٍ خارج المعسكر .. وان كنت لا تصدّقنا , يمكنك سؤال القائد
الحارس بتردّد : لا طبعاً !! قائدنا عصبيٌّ جداً , ولن أيقظه بشأن أمرٍ تافهٍ كهذا .. هيا أخرجوا !! وعودي الى هنا فور انتهاء مهمّاتكم 
ولم يصدّق الشباب نجاح خطتهم بهذه السهولة ! 

وفور خروجهم من الثكنة , قام أقواهم بحمل فريدرك الجريح .. ثم تعمّقوا في الأدغال متوجهين لقريتهم , مستعينين بقناديل أخفوها هناك
***

وفي بيت الجد .. إحتضنت جاكلين زوجها بعد استيقاظه .. لكنه مازال يهلوّس من ألمه , غير مُدركاً بما حصل !

فأسرع أحدهم بجلب طبيب القرية اليه , والذي عالج كسوره وقطّب له جروحه العديدة 
ثم رجع أقاربه الخمسة الى بيوتهم بعد الإطمئنان عليه .. 

وقد غفت جاكلين على الكرسي امام سريره من شدة التعب , بعد ان غيّرت طوال الليل الكمّادات الباردة فوق جبينه للتخفيف من حرارته المرتفعة .. كما دهنت المرهمٍ طبّي فوق أورام الرضوض المنتشرة بكافة انحاء جسمه الذي تعرّض للكثير من التعذيب الوحشيّ !  
*** 

في صباح اليوم التالي .. إستعاد فريدرك وعيه بعد تناوله الفطور الذي أعدّته زوجات أقاربه اللآتي قدمنّ للإعتذار من جاكلين .. 
وحين استيقظ ابنه ورأى والده حيّاً ! إرتمى فوق صدره وهو يبكي من الفرح.. وكان والده فخوراً به لاستقباله إشارات التخاطر الذي ارسلها له , بعد فشله بالتخاطر مع زوجته حين صدّقت بوفاته (في بادىء الأمر)
***  

في عصر ذلك اليوم .. وصلت رسالة خطيّة من فريدرك الى قائده يخبره فيها : عن وقوع بعض افراد كتيبته بالأسر , وبأنهم على وشك الموت اذا لم يتمّ إنقاذهم سريعاً , خاصة بعد هربه من المعتقل ! 

وبعد تأكّد القائد من هذه المعلومات , قام بإعطاء اوامر فوريّة بغزوّ ثكنة الأعداء الذين هربوا بالأدغال فور رؤيتهم لكتيبتين عسكريتين ضخمتين متوجهة نحوهم , تاركين الأسرى بالسجون ..والذي تمّ علاجهم , قبل تسريحهم الى بيوتهم , لتستقبلهم عائلاتهم بالدموع بعد ان أعتقدوا لشهورٍ طويلة بوفاتهم !
***

بعد اسابيع في بيت الجد , التأمت أخيراً جروح فريدرك الذي أصرّ على العودة مع عائلته الى المدينة , ليتمّ تكريمه هناك بنيشان الشجاعة بعد تقهقر العدو عن محيط منطقتهم .. كما أهدوا زوجته درع الوفاء لإنقاذها زوجها وجنود كتيبته من موتٍ محقّق 

وقد تمّت طُباعة كتاب فريدرك للتخاطر على نفقة الدولة , ليتمّ تعليمها لاحقاً لأفراد الجيش والمخابرات السرّية .. ومن بعدها أُدرج ضمن نظريات علم النفس التي دُرّست في الجامعات حول العالم ! 

وبالرغم من التفاصيل المذكورة بدقّة لخطوات التخاطر في كتابه الا ان القليلين أجادوها , كما فعل فريدرك في تواصله البيّن مع زوجته جاكلين التي أنقذت حياته  

ومازال علم التخاطر موضع جدال علميّ الى يومنا الحالي !
*********

ملاحظة :
التخاطر (بالإنجليزية : Telepathy) هو مصطلح صاغه فريدرك مايرز عام 1882م , وساعده زملائه في إثبات نظريته التي تعتمد على الحاسّة السادسة والإدراك فوق الحسّي , او ما يسمّى بالإستبصار .. 

وقد تمّ إستخدام هذه النظرية كثيراً في افلام الخيال العلميّ !
- اما موضوع الحرب في القصة , فهي من تأليفي ..أتمنى ان تعجبكم

حُب إفتراضي

تأليف : امل شانوحة وقعتُ في شباكه !  قام ابن سعاد بعمل صفحة لها على الفيسبوك في عيد ميلادها الخمسين , وضمّها الى جروب لعشّاق الأدب ...