تأليف : امل شانوحة
الحرّية المشروطة
استيقظ من نومه بعد شعوره ببردٍ مفاجئ ، ليجد نفسه في زنزانةٍ حجريّة !
فتساءل بخوف :
- كيف وصلت الى هنا ، بعد ان كنت نائماً في بيتي الدافىء ؟!
وحاول مراراً تذكّر جريمته التي اوصلته للسجن ، دون جدوى ! فلا يوجد بعقله سوى ذكريات طفولةٍ عادية ، وسنوات من الدراسة المتواصلة ، وبحثه المتواصل عن وظيفةٍ لائقة !
واثناء استغراقه بالتفكير ، سمع مفتاحاً يُدار في قفل بابه الحديديّ ...
لينصدم برؤية الحارس الذي يشبهه تماماً ، كأنه اخوه التوأم !
فسأله برعب : من انت ؟!
فأجابه الحارس وهو يشير لزيّه الرسمي :
- الا ترى بأني سجّانك ؟
فخاف الرجل ان يسأله عن سرّ التشابه بينهما :
- ولما أحضرتموني الى هنا ؟ فأنا لم ارتكب ايّ ذنبٍ يستحق السجن عليه !
الحارس : انت الوحيد الذي يعرف الإجابة
- لكني لا اتذكّر شيئاً !
فوضع الحارس بين يديّ السجين ، ملفاً ورقياً وهو يقول :
- هذا سيجعلك تتذكّر ماضيك
وقبل خروجه من الزنزانة ، التفت للسجين قائلاً :
- على فكرة !! يمكنك الخروج من هنا متى تشاء ، فأنت وحدك تملك مفتاح حرّيتك .. لكن عليك اولاً ، تمزيق جميع الأوراق التي دوّنتها بنفسك
فنظر السجين لداخل الملف ، ليجد ان اوراقها مكتوبة بخطّ يده !
فقال بدهشة :
- لا اذكر انني كتبتها من قبل ! فما هي بالضبط ؟
السجّان : مذكّرات حياتك .. ولا تظن انه سيكون سهلاً التخلّص منها .. والآن سأدعك بمفردك ، لتقرأها بعناية .. وسأراك مجدّداً ، بعد انهاء مهمّتك
وبعد خروج الحارس ..
فتح السجين الملف على الصفحة الأولى .. ليجد مكتوباً فيها :
((كنت بعمر الخامسة حين ضربت امي يدي بقوة ، بعد كسري مزهريّة الجيران))
فقال السجين :
- طبيعي ان تضربني امي ، كنوع من اعتذارها للجيران بعد تحطيمي مزهريّتهم الفاخرة .. حتى لوّ آلمت يدي ، تبقى ذكرى سخيفة .. ولهذا لا داعي للإحتفاظ بها ، داخل ملف مذكّراتي
لكن عندما حاول تمزيق الورقة ، شعر بوخزٍ في قلبه !
وإذّ بعقله يستذكر ما حصل معه قبل عام ، عندما اوقع فنجان القهوة بإحدى مقابلات العمل.. فسارع لمسح القهوة من الأرض ، وهو يعتذر مراراً من المدير الذي طمأنه بأن عامل النظافة سيهتم بالأمر ..مما جعله يبدو مرتبكاً وضعيف الشخصية ، أدّت لخسارته فرصة العمل !
وهنا فهم السجين ان الملف يحوي ذكريات من ماضيه ، أثّرت سلباً على مستقبله بعد تسبّبها بعقدةٍ نفسيةٍ دائمة !
فهو لليوم يحرص على عدم ارتكاب الأخطاء ، خوفاً من العقاب ! تماماً كما كان في صغره يرفض اللعب خارج منزله .. خوفاً من كسره لشيءٍ جديد ، يُعرّضه لتوبيخ امه التي احرجته امام الغرباء !
فأخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول :
- يمكننا التعلّم من اخطائنا التي نرتكبها من وقتٍ لآخر .. ولهذا اسامح نفسي ، وأسامح امي ايضاً
وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة بسهولة .. ليشعر على الفور بارتياحٍ نفسيّ ، بعد اختفاء عقدة الذنب اخيراً
ثم قرأ الورقة الثانية التي حصلت له بسن السابعة ، حين تعرّض لمتنمّري مدرسته الذين رموا طعامه فوق الملعب .. وأمروه بتناولها ، رغم تلوّثها بالتراب !
فأغاظته تلك الذكرى التي حاول كثيراً نسيانها .. لكنه ايضاً لم يستطع تمزيق الورقة .. وهنا تذكّر كيف عاش بعدها مهووساً بالنظافة ، يرفض تناول الطعام في أيّ مطعمٍ قبل رؤية مطبخه .. ووسّوسته هذه ، جعلته يُطرد أكثر من مرة ، بسبب إصراره على طلبه الغريب !
فتنهّد قائلاً :
- صحيح انني مرضت بعد حادثة المدرسة ، لكنني بخيرٌ الآن.. ويمكن لمناعتي تحمّل بعض الطعام الغير نظيف
وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة..
ثم قرأ الورقة التالية التي تتحدّث عن حبه الأول بسن المراهقة ، حين قدّم وردة لزميلته التي دهستها بقدمها باستحقار .. وهي تسخر منه امام الطلاّب:
- لست وسيماً او ذكياً ، لتتجرّأ على الإقتراب مني.. إخترّ فتاةً تناسب مستواك الوضيع ، ايها التافه !!
فضحك الجميع ، ساخرين منه
فأسرع السجين لتمزيق الورقة ، لكنه لم يستطعّ ايضاً !
وهنا تذكّر جارته التي تحبه منذ مدةٍ طويلة .. ورغم انه يبادلها المشاعر ، الا انه لم يجرأ يوماً على اخبارها بذلك
فقال مبتسماً : حتماً جارتي المرحة لن تجرحني كتلك المتغطرسة.. وفي حال خرجت من هذا المأزق .. سأستجمع قوايّ لخطبتها .. وأتمنى فعلاً ان تكون من نصيبي
وبعد قراره الجريء ، استطاع تمزيق الورقة بسهولة
ومع كل ورقة قرأها : تذكّر حادثاً سيئاً حصل له في الماضي ، أثّر على تصرّفاته المستقبلية.. ولم يستطع تمزيقها الا بعد الغفران لنفسه ، ولقسّوة والديه ولسوء فهم الناس من حوله..
الى ان بقيّ داخل الملف ، قصاصاتٍ ورقيةٍ صغيرة
وبهذه اللحظة ، دخل الحارس لاستلام الملف.. وما ان رأى محتواه الجديد ، حتى قال للسجين بفخر :
- احسنت !! الآن يمكنك الخروج
السجين بتردّد : عفواً ، سؤالٌ اخير.. لما تشبهني بهذا القدر ؟!
الحارس بابتسامة : لأنني انت
- لم افهم !
الحارس : أنت من سجنت نفسك داخل ذكريات ماضيك ، حتى أصبحت عقدك النفسية قضباناً تحرمك من لذّة الحياة .. لكن طالما عالجت مشاكلك بنفسك ، صار بإمكانك الإنطلاق نحو مستقبلٍ افضل
وقبل أن يسأله عن شيءٍ آخر ، اختفى كل شيء !
^^^
واستفاق الرجل على صوت منبه جواله ، وهو مستلقي فوق سرير غرفته !
- أكان مجرّد حلم ؟!
ثم نظر للساعة ..
- يا الهي ! لديّ مقابلة عمل
وأسرع بتجهيز نفسه لوظيفة العمر التي استطاع لأول مرة الإجابة على اسئلة المدير بطلاقةٍ وثقة ، جعلته ينال الوظيفة بجدارة !
^^^
فعاد الى منطقته ، للإحتفال مع جارته التي ما ان انهت قطعة الكعكة التي أحضرها معه .. حتى فاجأها بجثوه على ركبته ، رافعاً اليها خاتم الخطوبة .. وهو يقول بابتسامةٍ حنونة :
- اعرف انني توظفت اليوم ، لكني اريد اكمال حياتي معك .. فأنت الوحيدة التي أحبّتني دون شروط.. وأنت من دعمتني..
وقبل ان يكمل كلامه ، سحبت الخاتم من العلبة ووضعته بإصبعها.. وهي تجيبه بحماس :
- بالطبع موافقة !! فأنا انتظر هذه اللحظة منذ سنوات
فسارع باحتضانها ، بعد انتهاء عقدته من النساء اخيراَ
***
وبالفعل حياته اصبحت اسهل ، بعد علاج نفسه من كل المعوّقات النفسية التي عطّلت حياته لسنوات .. والفضل يعود لمنامٍ غريب ، كان أشبه بعلاجٍ روحي !
ومنذ ذلك اليوم.. لم يعد الماضي زنزانة يعيش فيها ، بل درساً يدفعه للمضيّ قدماً نحو مستقبلٍ واعد بالإنجازات العظيمة !






