الأحد، 23 أغسطس 2026

خروف السجن

تأليف : امل شانوحة 

القلوب الرحيمة


في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام المساجين الذين نادراً ما يُسمح لهم بتناول اللحم ، مما جعلهم متحمّسين لوجبة العيد.. 

لكن بغفلة من الطبّاخ ، هرب الخروف الى ساحة السجن.. 


بالبداية حاول السجناء والحرّاس إمساكه ، وإعادته للطبّاخ الذي كان يلاحقه ايضاً .. لكن الخروف ارتمى خائفاً بحضن سجينٍ ضخم ، عُرف بقوته وعصبيّته المخيفة ، خصوصاً مع اقتراب موعد اعدامه .. فتوقعوا ان يدفع الخروف بعيداً بعنف .. لكنه فاجأهم بمسح صوفه برفق ، الى ان هدأ روع الخروف .. وسط صدمة الجميع ! 


ثم طلب من الطبّاخ تأجيل ذبحه لليوم الرابع من العيد .. فوافق مرغماً ، لضخامته وهيبته بين السجناء 

***


وبغضون ثلاثة ايام .. تعلّق الجميع بالخروف ، وهم يدلّلونه ويطعمونه جزءاً من سلطاتهم وخبزهم.. حتى الحرّاس يبتسمون ، كلما رأوا الخروف يتجوّل بحرّية بين العنابر .. 


وحينما ذُبح اخيراً .. اكل الجميع وجبة الأرز باللحم بصمتٍ ثقيل ، كأنهم فقدوا صديقاً عزيزاً ! 

اما مدير السجن الذي كان يتجول بقاعة الطعام ، فقد لاحظ دمعة السجين المرعب التي مسحها سريعاً.. 

فطلب من الطبيب النفسي المحاولة معه من جديد 

*** 


في عيادة السجن .. توقع الطبيب رفض السجين العنيد البوح بمشاعره ، كما يفعل دائماً.. لكن سؤالٌ واحد ، جعل جدار الثلج ينهار اخيراً

الدكتور : إخبرني صدقاً .. هل احزنك اكل لحم صديقك الخروف ؟


فإذّ بالسجين يأخذ نفساً طويلاً ، كأنه يحاول بصعوبة كبت دموعه .. ثم بدأ بسرد الأحداث لأول مرة ، منذ اعتقاله قبل خمس سنوات


حيث اخبره عن اجبار والده القاسي على ذبح خروف العيد ، بعمر الخامسة ! ممسكاً بيده الصغيرة بقوة اثناء النحر ، رغبةً بجعله شاباً قوياً.. لكن رؤيته الدماء دمّرت نفسيّته تماماً ، وقتلت مشاعر الرحمة لديه.. ولهذا فرّ مذعوراً بعد دهسه بالخطأ رجلاً في طريقه إلى صلاة الفجر.. وتركه ينزف وحده حتى الموت ، خوفاً من مواجهة الدماء مرةً أخرى ! ولهذا ينتظر بلوغ اصغر ابناء القتيل سن ١٨ ، لمعرفة ان كان سيسامحه او يُنفّذ فيه قصاص السيف ، والذي سيحدث بعد ثلاثة اسابيع فقط.. ولهذا تعلّق بالخروف ، كمحاولة لاسترداد براءة طفولته التي ضاعت بتربية والده الخاطئة  

^^^


ورغم ان هذا السجين تم اعدامه بالفعل.. الا ان حواره مع الطبيب ، أثّر على مدير السجن الذي عقد اتفاقاً مع مؤسسة ترعى قطط الشوارع .. مُحضراً عشرات القطط إلى السجن ، للسماح للسجناء بتربيتها !

***


في البداية استغرب الجميع قراره ! 

لكن بعد شهور على اعتنائهم بها.. اختفت معظم شجاراتهم ، بعد تبادلهم الطعام لأجل قططهم التي تناقشوا طرق علاجها .. وصنع العاباً لها .. بل وتساعدوا معاً على تنظيف أماكنها ، والعناية بصغارها..


حتى ان الطبيب النفسي لاحظ انخفاض نوبات الغضب والعنف ، وازدياد روح التعاون بين السجناء ! ويبدوا ان ايجادهم لكائنٍ ضعيف يحتاجهم ، أيقظ فيهم مشاعر الرحمة التي حرموا منها ، لظروف حياتهم القاسية

***


وفي أحد الأيام.. وقف مدير السجن أمام نافذة مكتبه ، وهو يراقب عشرات السجناء وهم يطعمون القطط في الساحة..

قائلاً بفخر :

- كل هذا التطوّر الإيجابي حصل يوم هروب الخروف من المطبخ ، مغيراً مصير 200 سجين نحو الأفضل !


الجمعة، 21 أغسطس 2026

الدخيل الطيب

تأليف : امل شانوحة 

الحب المؤجّل


- أين علبة السكر؟

وقفت المرأة السبعينية أمام خزانة المطبخ ، وهي تبحث بين الأغراض بعصبية..

فهي متأكدة من وضعه بمكانها المعتاد ، لكنها لم تعثر على المرطبان.


وبعد دقائق من البحث ، وجدته داخل البراد!

فتساءلت باستغراب :

- من وضعه هنا ؟!


فهي طوال حياتها بهذا المنزل ، لم تغيّر مكان السكر في الخزانة .. كما ان ابنها الوحيد غائباً منذ أسبوع ، بسبب امتحاناته النهائية في الجامعة .. 


فقالت وهي تعيد السكر إلى مكانه:

- ربما نسيت...

***


لكن الأمر تكرّر في الأيام التالية ، بعد تغيّر مكان كرسيها الهزّاز .. وإيجادها جهاز التحكّم فوق التلفاز ، بدل الطاولة ! 

وكوب الماء الفارغ بجانب سريرها ، رغم عدم تذكّرها شربه ! 


كل هذا جعلها تتصل بسكن الطلّاب ، وهي تطلب من ابنها مذعورة:

- إتصل بالشرطة فوراً !! فهناك شخص يدخل منزلي أثناء نومي ، ويُحرّك أغراضي من أماكنها 

- هل انت متأكدة يا امي ؟ ربما نسيتي ..

مقاطعة بعصبية : 

- لم أضع السكر في البراد طوال حياتي !!

فحاول تهدأتها ، وهو يخبرها بأنه سيعيد الإتصال بها بعد قليل ..


فهي لم تعلم بوضعه كاميرات صغيرة في أنحاء منزلها قبل ذهابه للجامعة ، للإطمئنان عليها لحين انتهاء امتحاناته.

وبعد مراجعته التسجيلات ، إنصدم برؤية امه تقوم بتلك التغيرات بنفسها !

^^^


لكنه لم يخبرها بشكوكه ، لحين عودته .. وإصراره على اجراء فحوصاتٍ طبية .. والتي أكّدت بوادر مرض الزهايمر.

فبكى الشاب ..ليس فقط حزناً على مرضها ، بل لحصوله على منحةٍ دراسية لإكمال الماجستير في الخارج.. لكنه سيضطّر لتخلّي عن هذه الفرصة ، للإهتمام بأمه المريضة.. كردّ الجميل عن تربيته وحدها ، عقب وفاة والده وهو طفل صغير !

كما انها أنجبته بعد سنواتٍ طويلة من العقم ، لذلك يوجد فارق عمري كبير بينهما .. جعل الناس يظنونها جدته ، لا أمه.

***


وفي إحدى الأمسيات.. شكى الشاب همّه لجاره الأرمل ، الذي فاجأه بالقول:

- اذاً عليك تصويري داخل منزلها ، اثناء نومها .. خلال قيامي بكل التغيرات التي لاحظتها سابقاً .. ثم تخبرها بأنها تسجيلاتٍ قديمة  

الشاب بدهشة : 

- ولما تُعرّض نفسك للمحاسبة عن ذنبٍ لم تفعله ؟! 

العجوز بحزن : 

- لأني معجبٌ بوالدتك منذ سنواتٍ طويلة .. لكنها منعتني الإقتراب منها ، بعد قرارها بتكريس حياتها لتربيتك..

الشاب بقهر : 

- ليتك تزوجتها يا عمي.. فأنت بمقام والدي.. ولطالما شكوّت لك همومي ، وساعدتني في حل مشاكلي.

العجوز :

- ولهذا لا اريدك ان تخبرها بمرضها ، دعها تظن بأن الدخيل هو شخص لن يؤذيها ابداً  

***


وبعد ايام .. شاهدت امه التسجيلات التي صوّرها لجاره ، الذي قام بتبديل ملابسه مع كل لقطة .. لإيهامها باقتحام منزلها اكثر من مرة 


فاستشاطت غضباً : 

- بأيّ حق يدخل منزلي دون إذني؟! ماذا لوّ كان معي مسدس ، وقتلته من شدة رعبي؟! إذهب وناده حالاً ، اريد معاتبته على تصرّفاته الخرقاء !!

^^^


وبالفعل ، انهالت عليه باللوم والشتائم..

وبدوره ، تحمّل غضبها بصمت..

ثم سألته عن سبب فعله ذلك ؟ 

فأجابها بهدوء :

- لشعوري بالوحدة .. فمنذ وفاة زوجتي وأنا بسن الخمسين ، أعيش وحدي في منزلي الكئيب .. ولهذا أردت الشعور بوجود امرأة في حياتي ، حتى لوّ كانت نائمة في الغرفة الثانية 


ورغم معرفتها بأن تصرّفه خاطئاً ، لكنها تفهمّته .. فهي ايضاً شعرت بالوحدة ، كلما انتقل ابنها للسكن الجامعي بفترة امتحاناته 

***


ومنذ تلك الحادثة ، تغيّرت علاقة الجاريّن اللذين صارا يتحدّثان مطوّلاً .. حتى انها دعته للغداء اكثر من مرة 


ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية ، أخبر الإبن والدته عن قراره بالتخلّي عن منحته الدراسية لأجلها.. لكنها أصرّت على عدم تفويته الفرصة الذهبية 

- وكيف يا امي سأتركك وحدك ؟!


وهنا ، أخرج الجار خاتماً ذهبياً من جيبه..

ثم التفت إلى جارته ، وهو يقول :

- سامحيني ، فصحتي لا تسمح بالجثو على ركبتي .. فهذا الخاتم اشتريته قبل 15 عاماً ، بعد انتهاء عزاء زوجك.. لكنك لم تسمحي لي يوماً بالإقتراب منك..فهل توافقين الآن على إكمال حياتنا معاً؟ .. يعني .. إن لم يكن لأجلي ، فمن اجل راحة بال ابنك .. دعيه يسافر ويكمل تعليمه ، وهو مطمئن على اهتمامنا ببعضنا لآخر عمرنا .. ما رأيك عزيزتي ؟


فتردّدت العجوز بالإجابة ، قبل ان تقول :

- الأيام الماضية التي قضيتها وحدي في المنزل ، اثناء امتحانات ابني.. جعلتني أدرك بأن الوحدة اصعب من كلام الناس ولومهم المحرج 

ثم ابتسمت له :

- انت جاري منذ سنواتٍ طويلة ، ولم تعد غريباً عني.. ولهذا اوافق على طلبك

***


بعد عقد زواجهما في المحكمة .. ودّعهما الإبن قبل ذهابه للمطار ، لإكمال دراسته بالخارج 

***


بعد شهور ، وصلته رسالة من جاره .. مُرفقة بتقريرٍ طبي عن والدته : تؤكّد تحسّن صحتها بشكلٍ ملحوظ بعد انتظامها على ادويتها ، واهتمام زوجها بها .. والذي نجح بإخراجها من سنوات الوحدة الطويلة ، مما انعكس إيجاباً على حالتها النفسية والجسدية..


ففهم الشاب ان ابتعاده عنها ، كان خيراً لها .. وأن الدخيل الطيب لم يكن الرجل الذي بعثر اغراضها دون اذنها ، بل هو من اعاد لها الحياة ! 


الأربعاء، 19 أغسطس 2026

كتيبة الضباب

تأليف : امل شانوحة 

حرّاس البشرية


بعد انغلاق مضيق هرمز في الحرب الحالية بين ايران واميركا التي ادّت لتكدّس السفن التجارية بالخليج العربي ، تلقّت بارجةٌ حربية أمريكية رسالة مورس من سفينةٍ صغيرة مجهولة الهوية : 

((هنا فرقةٌ عسكرية بريطانية مستقلّة... لدينا القدرة على إزالة الألغام ، وتأمين الممرّ البحري... نطلب الإذن بالتقدّم))


ومع رفضهم الإطلاع على مزيد من المعلومات حول كتيبتهم ، اضّطر الضابط الأمريكي للإتصال بالقيادة العسكرية البريطانية التي نفت معرفتها بتلك السفينة !

وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تتفاقم يومياً ، صدر قرارٌ استثنائي بالسماح لأولئك الجنود بالمجازفة بأرواحهم !


بعد ساعتيّن .. بدأت أجهزة الرادار ترصد انفجاراتٍ متتالية للألغام داخل المضيق ! وكأن تلك الكتيبة حصلت على الخريطة البحرية التي تحدّد مواقعها بدقةٍ متناهية ! 

***


وفي صباح اليوم التالي ، وصلتهم رسالةً جديدة : 

((أصبح الممرّ آمناً... يمكن للسفن التجارية العبور الآن... ونحن سنرافقها حتى خروجها من منطقة الخطر))


فرفض جميع القباطنة الإبحار الى هناك .. ما عدا سفينة هندية استنفدت معظم مؤونتها ، لوجودها بالخليج العربي مع بداية الحرب 

فاضطّر قبطانها للمخاطرة ، بينما راقبته بقية السفن وهو يعبر المضيق الخطر .. ليشاهدوا انفجار صاروخ ايراني بالسماء حاول اعتراضها ، من قبل راجمة بدائية الصنع ، أُطلقت من السفينة الخشبية البريطانية للكتيبة المجهولة !


وفور إعلان القبطان الهندي وصوله سالماً إلى وجهته ، حتى بدأت بقية السفن التجارية بالعبور تباعاً.. تحت حماية السفينة البريطانية الصغيرة ، بجنودها الشجعان الذين تمكنوا خلال ايامٍ معدودة بإنهاء الأزمة الراهنة ، وإعادة الملاحة البحرية إلى طبيعتها ! 


وقبل الإتصال بقائدها الإنجليزيّ ، لتكريمه مع كتيبته على تنفيذهم المهمة الصعبة .. اختفت السفينة البريطانية من البحر دون وصولها لميناءٍ ما ، او عبورها حدوداً بحرية .. كما لم ترصدها الرادارات مجدداً ! 

***


في اميركا .. فُتح تحقيقٌ مشترك مع بريطانيا ، لكشف اللغز .. 

ليصلهم تقريرٌ صادم : بعد تمكّن إحدى السفن من تصويرها ، خلال المرور بجانبها .. لتظهر سفينتهم الصغيرة ، مصنوعةً بالكامل من الخشب..

اما جنودها الذين ظهروا بالصورة : فكانوا يرتدون زياً عسكرياً يعود للقرن الماضي ! 


وبالتواصل مع الأرشيف العسكري البريطاني..

اخرج المسؤول الإنجليزي صورةً صفراءً باهتة ، وهو يقول : 

- أنظروا جيداً ، انه نفس القائد القديم 

الضابط الأمريكي بدهشة : 

- ومن يكون ؟!

- قائد الكتيبة الخامسة من فوج نورفولك البريطاني.. ففي عام 1915 ، وأثناء معاركنا في شبه جزيرة جاليبولي .. تلقّت الكتيبة أمراً بالتقدّم نحو هضبة كوشوك أنفارتا أوفا التركية .. فاقتحم الجنود ضباباً كثيفاً ، دون خروجهم منها .. حيث لم يعثر على قتيلٍ أو جريحٍ أو أسير .. ومازالوا لليوم لغزاً عسكرياً غامضاً !


فساد الصمت غرفة الإجتماع.. قبل ان يسأله الرئيس الأمريكي:

- أتقصد أنهم اشباح ، عادوا إلى زماننا الحاليّ كفرقةٍ عسكرية لا تموت .. ولهذا جازفوا ببسالة لدخول المضيق المليء بالألغام البحرية دون خوف؟


ففتح المسؤول البريطاني ملفاً آخر ، مُخرجاً عدة مستندات قديمة :

- ليست المرة الأولى ، فهم ظهروا في عدة حروب بالسنوات الماضية .. وهم مستعدون دائماً لتنفيذ مهمّات مستحيلة ، عجزّ الجميع عن حلّها .. لكن قبل تكريم جهودهم ، يختفون من الوجود ! 

- ولماذا لم تعلنوا الأمر للعالم ؟

- لأن الأمور الغامضة يفضّل كتمانها 

فقال أحد الحاضرين:

- ان كانوا خالدين ، فلابد أن حياتهم مثالية.

فأجاب المسؤول البريطاني بشفقة : 

- بل المساكين عالقون بلعنةٍ ابدية .. تخيّل أن تبقى شاباً دون امراض ، ورغم ذلك لا تستطيع الزواج أو تأسيس عائلة ... بل وتضّطر لتغيير هويتك باستمرار ، كي لا يكتشف أحد سرّك ..حتى لا تُحجز في متحفٍ ما ، او تُعامل كفأر تجارب بالمعامل الكيميائية 

الرئيس الأمريكي :

- ترى ماذا فعل بهم ذلك الضباب؟

المسؤول البريطاني :

- يبدو انه حكم عليهم بالخدمة العسكرية الأبدية.


ضابط امريكي : 

- وهل برأيك تتقابل الأشباح فيما بينها ؟ أقصد هل تجتمع تلك الكتيبة البريطانية مع جيش قمبيز الفارسي المكون من 50 ألف مقاتل ..الذي اختفى بالكامل في الصحراء الغربية عام 524 قبل الميلاد.. حيث يُرجّح ان عاصفة رملية (رياح الخماسين) ابتلعت الجيش بأكمله ؟

المسؤول البريطاني : لا ادري ، ربما يكونون هم انفسهم .. فقط يغيّرون زيّهم عبر العصور.. وربما يعيشون بيننا الآن ، كأشخاصٍ عاديين .. وعندما تظهر مهمة عسكرية صعبة .. يجتمعون معاً لتنفيذها ، لنشر السلام بالعالم 

الرئيس الأمريكي : 

- انا لا تهمني تلك الخرافات .. ما يقلقني الآن ، هو ما سنخبره لوسائل الإعلام عن منفّذ المهمة البحرية الباسلة في مضيق هرمز؟

فحمل المسؤول البريطاني حقيبته ، وهو يقول : 

- إنسبوا الفضل لمن تشاؤون ، لكن لا تذكروا أسماءهم.. فنحن لا نريد إغضاب اشباحٍ يخوضون اصعب المعارك منذ اكثر من مئة عام 


وفي نهاية الإجتماع.. أُغلقت الملفات تحت بند السريّة التامة.

***


وفي مكانٍ آخر بعرض المحيط .. كانت السفينة الخشبية البريطانية تُبحر وسط الضباب.. وعلى متنها 250 جندياً بزيّ الحرب العالمية الأولى ، وهم على أتمّ استعداد لحماية البشريّة من حروبهم الهوجاء التي ستستمرّ الى نهاية العالم ! 


الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

قطرة العسل (قصة للأطفال)

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

النملة والذبابة


في أحد الأيام المشمسة، سقطت قطرة عسل ذهبية ولذيذة من أحد أطفال البشر على صخرة نظيفة في وسط الحديقة.  


وقفت نملة مجتهدة بجانب قطرة العسل، وبينما كانت تستعد لنقلها إلى بيتها، جاءت ذبابة سريعة ومدت لسانها لتأكل من نفس القطرة. 


صرخت النملة بانزعاج 

النملة: ابتعدي أيتها الذبابة المزعجة! هذه القطرة لي، وأنتِ لا تفعلين شيئاً سوى نقل الأوساخ والجلوس في الأماكن غير نظيفة! 


غضبت الذبابة وهزت جناحيها الشفافين بقوة وقالت 

 الذبابة: أنا مزعجة؟! على الأقل أنا لستُ مثلكِ أيتها النملة، أنتم تهجمون على طعام البشر وتخربون بيوتهم، وتلدغون كل من يقترب من قريتكم.  


تراجعت النملة قليلاً وهي غاضبة.  

النملة: أنا أدافع عن نفسي. نحن النمل جنود الطبيعة المجهولون! نحن ننظف الأرض من الحشرات الميتة، ونحفر الأنفاق التي تدخل الهواء إلى التربة لتنمو النباتات، وننقل البذور لمسافات بعيدة فتزهر الحديقة. فما هي فوائدكِ أنتِ سوى الطيران وإزعاج النائمين؟ 


ضحكت الذبابة بسخرية وقالت  

الذبابة: أنتِ ترين نصف الصورة فقط أيتها النملة! صحيح أن مظهري لا يعجب البعض، لكن هل تعلمين أننا نحن الذباب نقوم بدور عظيم؟ نحن نعمل كعمال نظافة للطبيعة، نتغذى على المواد المتحللة فنخلص الأرض من النفايات والأوبئة قبل أن تتكاثر، والأهم من ذلك، أننا نساهم في تلقيح بعض النباتات والأزهار التي لا تزورها النحل، كما أننا طعام مهم للطيور والضفادع لكي تستمر الحياة! 


صمتت النملة مندهشة، وفكرت في كلام الذبابة ثم اعترفت بصدق 

النملة: حقاً؟ لم أكن أعرف أن لكِ كل هذه الفوائد.. كنتُ أظنكِ بلا فائدة تماماً. 


أجابت الذبابة بلطف، وقد هدأ غضبها 

 الذبابة: وأنا أيضاً أيتها النملة، ظننتُ أنكم مجرد حشرات متعبة تحملون ما لا تطيقون. لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى، وما خلق شيئاً في الكون إلا لحكمة عظيمة. 


النملة: نعم.. لكل منا دوره في الطبيعة التي خلقها الله لتستمر الحياة في نظام وانسجام  


ابتسمت النملة وقالت  

النملة: إذن، هذه قطرة العسل واسعة وكبيرة بما يكفي لنا نحن الاثنين. 


تقاسمت النملة والذبابة قطرة العسل بسعادة، وتعلمتا أن لكل مخلوق في هذا الكون دوره الأساسي الذي لا غنى عنه، وأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئاً عبثاً، بل جعل لكل منا مهام وفوائد تكمل نظام الحياة والطبيعة.


الاثنين، 17 أغسطس 2026

الخدعة الفلكية

تأليف : امل شانوحة 

 

الملكية الفكرية 


في المستقبل القريب.. ضجّت وسائل التواصل الإجتماعي بخبر الإنفجار الشمسي الذي سيحدث خلال شهرٍ واحد ، والذي سيدمّر الإنترنت بما فيه من بياناتٍ رقمية .. فارتعب صنّاع المحتوى من اختفاء مقالاتهم وفيديوهاتهم التي نشروها لسنواتٍ طويلة ..


وفجأة ! ظهر عرض ملياردير غامض ، اعلن رغبته بشراء المدوّنات والقنوات الشهيرة ، بأسعارٍ لا تناسب جهود اصحابها .. لكنها أفضل من خسارة كل شيء ، إن حصلت الكارثة الفلكية 

***


وخلال أيامٍ قليلة.. وقّع آلاف المبدعين عقوداً ، لنقل حقوق أعمالهم الأدبية والفنية لذلك الثريّ ..


فيما عدا كاتبة لديها ارشيفٌ ضخم من القصص المتنوعة ، رفضت بيع اسمها .. رغم ضغط الأهل والأصحاب عليها .. لكنها اخبرتهم بأنها تفضّل تحويلهم إلى كتبٍ ورقيّة ، على ان ينسبهم ذلك الثريّ اليه .. مُتمسكةً بحقها الأدبيّ 

***


وبعد انتهاء الشهر المتوتّر .. عقدت وكالة الفضاء (الناسا) مؤتمراً صحفياً صادماً ، معلنةً زيف خبر الإنفجار الشمسي .. وطردهم للموظف الذي نشر المعلومات الكاذبة ، بعد أخذه رشوة من الثريّ الغامض ! والذي بسببه انتشرت الإشاعة ، بقوة جائحة كورونا ..


ورغم انتهاء الأزمة ، الا ان آثارها لم تنتهي .. والرابح الوحيد من تلك البلّبلة هو الثريّ الذي امتلك آلاف الحسابات الناجحة .. مع تقاضيه أرباح المشاهدات والإعلانات والعوائد المالية من أعمالٍ لم يكتبها او يصوّرها .. بينما أصحابها الحقيقيون : يعانون من مشاهدة تعب سنواتٍ طويلة يُسرق امام اعينهم ، دون ان يكون لهم حق استردادها ! 

فلم يحتمل بعضهم الصدمة ، واعتزلوا الإبداع.. بينما انهار الآخرون نفسياً .. ووصل اليأس ببعضهم إلى الإنتحار .. وبذلك خسر العالم مواهب نادرة كان بإمكانها تقديم المزيد ، لولا الخدعة الفلكيّة التي دمّرت احلامهم !


أما الكاتبة ، فقد فتحت مدوّنتها من جديد .. 

وفور نشرها لقصةٍ جديدة ، لاحظت تضاعف اعداد قرّائها ! بعد ان عدّوها من القلائل الذين رفضوا بيع تاريخهم الإبداعي.

وصار عنادها ورفضها لعرض الثريّ المغري ، درساً مهماً للمجتمع!


اما هي ، فعبّرت عمّا حصل بقولها : 

((ربما استطاع ذلك المحتال شراء الحقوق الأدبية ، لكنه سيعجز عن نشر المزيد من المقالات والفيديوهات التي صنعها المشاهير بأفكارهم ومواهبهم المبدعة .. والذين انصحهم بالبدء من جديد .. لأن الله ميّزهم بقدراتٍ ، لا يستطيع اصحاب النفوذ امتلاكها ولوّ بكنوز الدنيا.. فلا تدعوا ذلك الفاشل يُطفئ شعلتكم النورانية بشكلٍ نهائيّ)) 

وبسبب نصيحتها ، عاد بعضهم الى نقطة البداية بعد تعلّمهم درساً قاسياً بالحياة .. اما الآخرون ، فاختفى أثرهم الإبداعي للأبد !


السبت، 15 أغسطس 2026

حبر الشيطان

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

مغامرة امل شانوحة


كان الضباب اللزج يلف نافذة غرفة الكاتبة أمل شانوحة كأنه خيوط عنكبوت خفية تعزل بيتها عن العالم الخارجي. كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل تماماً، وشاشة حاسوبها المحمول تبث توهجاً أزرق باهتاً ينعكس على جدران الغرفة الممتلئة بكتب الرعب والألغاز.

وفجأة، ومضت شاشتها معلنة عن وصول بريد إلكتروني** جديد من مجهول. 

العنوان كان مقتضباً ويثير القشعريرة في العظام : دعوة إلى قرية الظلال.. حيث تُكتب النهايات بالدماء لا بالحبر.


فتحت أمل الرسالة بفضول ممزوج بالوجل، لتتوسع عيناها وهي تقرأ الكلمات المرتعشة:

(إلى الكاتبة التي تجرأت على سبر أغوار الظلمات وجعلت من أسياد الجحيم أضحوكة.. نتحداكِ أن تزوري قرية الظلال الواقعة خلف التلال المنسية لتكتبي قصتك القادمة من قلب الواقع المرير. العزلة هنا مطلقة، والحقيقة أغرب من الخيال، إن تجرأتِ!) 

نادت أمل بصوت مرتفع يخترق سكون البيت: أمي! هل تنظرين إلى هذا البريد الغريب الذي وصلني للتو؟


خرجت والدة أمل السيدة آمنة من المطبخ بخطوات هادئة وهي تمسح يديها بمنديل، وخرجت خلفها أختها سلمى وهي تحمل كوباً من القهوة الدافئة. 

اقتربت الوالدة آمنة وتفحصت الشاشة بعينين يملؤهما القلق الدفين وقالت بحذر.. 

الوالدة آمنة: يا ابنتي، هذا ليس سوى مقلب سخيف من أحد المتابعين الفضوليين، أظن أنه زميلك محمد آل غلاب، فهو يعتبرك أخته وأستاذته في كتابة القصص القصيرة، لا تكبري الأمور ولا تنقادي خلف خيالاتك المظلمة التي تتغذى على رعب القصص.

لكن سلمى خالفت والدتها الرأي، وابتسمت بتهكم خفيف قائلة. 

سلمى: أنا أرى العكس تماماً يا أمي! أمل تعشق المغامرة والألغاز، ولعلها تجد هناك الإلهام الحقيقي لقصتها القادمة.. لكن يا أمل، كوني حذرة، ولا تنسي شحن حاسوبك بالكامل، فربما ينفد منكِ الحبر الإلكتروني هناك حيث لا كهرباء ولا شبكات اتصال!


قبل أن تخرج أمل، اقتربت منها سلمى وهي تهمس بحيلة تقنية. 

سلمى: لقد ثبتّ للتو برنامج تتبع سري ومباشر على هاتفك وحاسوبك.. إذا لم ترسلي لي إشارة تطمئني بحلول شروق الشمس، فسأعرف إحداثيات موقعك وأتي إليكِ بنفسي.

ابتسمت أمل بثقة، ودفعتها روح المغامرة وحب الاستطلاع للذهاب. 


ركبت سيارتها بعد منتصف الليل، وقادتها نحو التلال المنسية، مسترشدة بإحداثيات غامضة ومظلمة ظهرت في نهاية الرسالة.


بعد ساعتين من القيادة في طرقات وعرة وموحشة، وسط أشجار ميتة تشبه الأيدي العارية التي تحجب ضوء القمر الباهت، ظهرت أمامها قرية تبدو كأنها نزلت من كابوس قديم لا علاقة له بعالم البشر. البيوت حجرية سوداء ومتهالكة، والنوافذ مظلمة تماماً، والسكينة القاتلة تملأ المكان كأنها تمتص الأنفاس.

لم يكن هناك أي أثر للحياة سوى كوخ خشبي مهترئ ينبعث منه بصيص ضوء برتقالي ضعيف ومرتجف.


أوقفت أمل سيارتها وترجلت بخطوات مترددة. وما إن ابتعدت عن باب السيارة بخطوات قليلة، حتى سمعت صوت محرك السيارة الذاتي، لتتحرك سيارتها للخلف بمفردها بقوة وتصطدم بقسوة بشجرة ضخمة وتتعطل تماماً، محطمة زجاجها الخلفي ومنذرة بإغلاق باب العودة تماماً.

سرت ومضة من الرعب في قلب أمل، وحين همّت بالالتفات، بدأت تسمع أصوات همسات غريبة تناديها باسمها من خلف الأشجار الميتة: (أهلاً بكِ يا أمل.. لقد طال انتظاركِ..)، أدركت أمل حينها أنها أصوات ضحايا سابقين استدرجهم هذا الكيان وأفناهم.

تجاهلت رعبها، واقتربت من الكوخ الخشبي، وما إن مست يدها الخشب البالي حتى انفتح الباب من تلقاء نفسه بصرير مزعج يخترق سكون الليل المرعب.


داخل الكوخ، كانت الجدران مغطاة بكتب جلدية قديمة ملطخة بآثار غريبة، ورفوف تعلوها الجماجم البشرية والشموع الذائبة التي تنشر رائحة الكبريت. وفي المنتصف، كان يجلس رجل طاعن في السن، ذو لحية سوداء طويلة وعينين تقدحان بشرر أحمر مخيف، ووجه تحفره تجاعيد عميقة تنبض بالخبث المطلق.

ابتسم العجوز بابتسامة صفراء باردة، وقال بصوت أجش يشبه حفيف الأوراق الميتة في مقبرة منسية،

العجوز: أهلاً بكِ يا كاتبتنا المغرورة.. يا من كتبتِ عن الشياطين كأنهم أطفال صغار، وجعلتِ إبليس يظهر بصورة الكائن المهزوم الضعيف الذي يُهزم بكلمة عابرة على صفحات الإنترنت الرخيصة!


تجمدت أمل في مكانها، وشعرت ببرودة ثلجية تسري في أطرافها وهي تتراجع للخلف قائلة بصوت مرتعش أمل: من... من أنت؟ وكيف عرفت اسمي وما أكتبه في مسوداتي الخاصة؟

وقف العجوز وطالت قامته بشكل مفاجئ ومرعب حتى لامس سقف الكوخ الخشبي، واهتزت الشموع حوله وانطفأت دفعة واحدة، ليبقى ضوء أحمر قانٍ ينبعث من عينيه وحدهما. قال بصوت عميق يهز الجدران من أساساتها: أنا من سخرتِ منه في صفحات قصصك! أنا إبليس.. سيد الظلال الذي صورتِه عاجزاً ومهرجاً يثير الشفقة! جئت اليوم لألقنكِ درساً لا يُنسى، ولأجعلكِ تصرخين طلباً للموت فلا تجدينه!


حاولت أمل الركض نحو الباب المفتوح، لكن الأرض تحت قدميها تحولت فجأة إلى لزوجة سوداء شبيهة بالقطران الحارق، جذبت قدميها إلى الأسفل. 

ظهرت حولها أيدٍ سوداء غير مرئية تمتد من الأرض لتكبيل معصميها.

اقترب منها إبليس ببطء، وضحكاته القاسية تملأ المكان صخباً، وقال باستهزاء لا يطاق، 

إبليس: إلى أين يا كاتبتي العزيزة؟ أين تلك القوة والجرأة التي تملئين بها صفحاتك؟ الآن، ستكونين أول ضحية تُطبع قصتها بدماء حقيقية، ولن تنفعكِ أمكِ آمنة ولا سخريات أختكِ سلمى!


كانت أمل تكافح لتلتقط أنفاسها، وشعرت أن الهواء ينفد تماماً من صدرها. لكن عقلها ككاتبة ومبدعة لم يتوقف عن العمل تحت أقصى درجات الضغط والخطر. تذكرت حقيبة ظهرها التي كانت تحمل فيها حاسوبها المحمول باستمرار، وتذكرت نصيحة أختها سلمى الساخرة: (لا تنسي شحن حاسوبك، فربما ينفد منكِ الحبر الإلكتروني!).

جمعت أمل كل ما تبقى لها من طاقة روحية وبدنية، ومدت يدها اليمنى بصعوبة بالغة نحو حقيبتها الملقاة قرب القطران. 

فتحت سحاب الحقيبة بقوة، وأخرجت حاسوبها المحمول الذي كان مضاءً ببطارية كاملة.


اقترب إبليس منها أكثر، ممدداً أصابعه الطويلة الحادة ليخترق بها رقبتها مباشرة، وهو يصرخ بغضب جنوني 

إبليس: لا فائدة من آلاتك البشرية الوضيعة أمام طاقة الجحيم!

لكن أمل ضغطت على زر التشغيل بسرعة كببرة، وفتح ملفاً برمجياً سرياً خاصاً كانت قد صممته كفكرة خيالية لقصة مستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي المشفر والتعويذات الرقمية المتطورة التي أسمتها (مشروع حبر الشيطان).

ظهرت على الشاشة رموز برمجية وحروف عربية وعالمية غريبة ومتحركة تضيء بلون أبيض ناصع ومبهر وسط الظلام الدامس للكوخ. وجهت أمل الشاشة ساطع النور مباشرة نحو وجه إبليس وهي تهتف بصوت ثابت وقوي يعكس إرادة لا تُكسر،

أمل: أنت لست سوى وهم بشري غبي، وفكرة شيطانية تستمد قوتها المطلقة من خوف البشر وجهلهم! وبما أنني أنا من رسمك وابتكر تفاصيل ضعفك، فأنا وحدي من سيحذفك نهائياً من الوجود!


في تلك اللحظة الحرجة، حاول إبليس استخدام سلاحه الأخير؛ فتردد صدى صوت أختها سلمى من خارج الكوخ المظلم وهي تنادي بذعر مصطنع: 

صوت سلمى: أمل! أمل.. افتحي الباب، لقد أتيت لأنقذك بنفسي!

لكن أمل أدركت أن سلمى ستأتي في الصباح بعد شروق الشمس إن لم ترسل لها رسالة وأن الليل مازال حالكاً، فعرفت أن الصوت ليس سوى خدعة شيطانية صوتية، فتجاهلته تماماً دون أن تلتفت للخلف، وضغطت بكل قوة على مفتاح الإدخال الأخير (Enter) لإطلاق الفيروس الرقمي النفسي الذي يعتمد على تفكيك الكيانات الوهمية عبر طاقة الإشعاع الضوئي المبرمج.


مع دوي صوت أشبه بانفجار طاقة رقمية كهرومغناطيسية هائلة، انطلقت موجة من الضوء الأبيض الساطع من شاشة الحاسوب كأنها ألف شمس مصغرة انفجرت في آنٍ واحد. ملأت النور زوايا الكوخ المظلم، واختلطت صرخات إبليس المدوية والمفزوعة بصوت تكسر الزجاج وتبخر الدخان الأسود الكثيف.

بدأ جسد إبليس يتفكك ببطء شديد، ويتحول إلى مكعبات وبكسلات رقمية سوداء صغيرة تتطاير في الهواء كالغبار المحترق، ثم أخذ يتقلص وينكمش حتى تبكسل تماماً وتحول إلى كيس بلاستيكي صغير وفارغ يتطاير بلا حياة على أرضية الكوخ الخاوية، قبل أن يختفي تماماً كأن لم يكن، وتعود قرية الظلال إلى صمتها وسكونها الطبيعي الأبدي.

سقطت أمل على ركبتيها وهي تلهث بشدة، وقد غرق وجهها بالعرق، لكن ابتسامة النصر العارمة تزين محياها. التقطت حاسوبها وأغلقته بهدوء وثبات.


بعد ساعات وفي أواخر الليل، عادت أدراجها سيراً على الأقدام حتى وصلت إلى بيتها الآمن مع ساعات الفجر الأولى. فتحت الباب لتجد أمها السيدة آمنة وأختها سلمى تقفان في الصالون بقلق هستيري لا يهدأ. ما إن رأوها حتى ركضتا نحوها بلهفة.

قالت الوالدة آمنة بدموع الفرح وهي تحتضنها بقوة،

السيدة آمنة: الحمد لله على سلامتك يا ابنتي! لقد عشت ليلة سوداء مرعبة وأنا أدعو لكِ بلا انقطاع!

بينما نظرت إليها سلمى بابتسامة خبيثة وعينين تلمعان بالفضول، وسألتها مازحة، 

سلمى: إذن يا أمل.. هل انتهيتِ من كتابة قصة (حبر الشيطان) الموعودة؟ أم أن الشيطان هو من كُتبت نهايته الحتمية على يدكِ هذه المرة؟

رفعت أمل حاسوبها المحمول بابتسامة غامضة وهادئة وقالت: لقد تم الحذف النهائي بنجاح تام.. ولا أظن أن شبحه سيعود للظهور قريباً!


بعد عودتها واطمئنان السيدة آمنة وسلمى، تفتح أمل حاسوبها في وقت لاحق لتكتب قصة جديدة، لتفاجأ بأن السطر الأول قد كُتب تلقائياً دون أن تدخل حرفاً واحداً:

(شكراً لأنكِ أعدتِ تثبيتي.. اللعبة لم تنتهِ بعد). 


الجمعة، 14 أغسطس 2026

الخادمة الذكية (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

انقلاب الأدوار


في العصر الماضي.. دخلت الخادمة لمسح غبار الغرفة الموسيقى في قصر الملك.. فانتابها الفضول للعزف على البيانو الفخم بمهارة ، وهي تغني بصوتٍ عذب.. قبل توقفها بارتباك بعد سماعها تصفيق الأمير الذي دخل الصالة دون انتباهها ، وهو يقول :

- عزفٌ رائع وصوتٌ جميل .. الغريب انك أبدعتي بأغنيةٍ اجنبية ! فأين تعلّمتها ؟ وكيف تتقنين العزف على البيانو ، رغم عدم تواجد الآلات الموسيقية الا بقصور الأثرياء ؟!

الخادمة : لا اعلم سيدي .. حفظت الأغنية بصغري ، قبل تعيني خادمة بقصر جلالتك 

- الا تذكرين حياتك في مدينتك السابقة ؟


وقبل اجابته .. نادتها رئيسة الخدم التي سحبتها لخارج الصالة ، وهي تعاتبها : 

- ممنوع على الخدم التحدّث مع الأمراء والطبقة المخمليّة بالقصر.. هيا انزلي للمطبخ ، لمساعدة الطبّاخ بإعداد الغداء

***


وبمرور الأيام .. ورغم انشغال الخادمة بعملها الشاق ، الا انها راقبت الأمير الوسيم من بعيد وهو يتعلّم من والده اصول القيادة ، لاستلام الحكم منه قريباً ..

لكن عمه الحقود لم يعجبه ذلك .. وقام بانقلابٍ عسكريّ مفاجئ على اخيه ، ادّت لمقتله !

ولم يكتفي بتسلّم الحكم ، بل قام بحبس الأمير في علّية القصر دون تحديد مدة لإطلاق سراحه !


حيث وُكّلت الخادمة بتوصيل الطعام اليه من اسفل الباب .. ولأنها لم تعد تحتمل صمته ووحدته ، أدخلت اليه سرّاً بضعة اوراقٍ وريشة وحبر .. واقترحت عليه محادثة الجنود الذين ظلّوا أوفياء لوالده الراحل


ورغم يأس الأمير ، الا انه وافق على اقتراحها .. خصوصاً لاحتفاظه بختمه الملكيّ الذي علّقه بعقدٍ في رقبته اخفاه تحت قميصه ، دون ملاحظة عمه ذلك ..


وكان وجود ذلك الختم اسفل بنود الأمير التي وزّعتها الخادمة على رؤساء القرى ، كفيلاً بتصديقهم خبر اعتقاله .. بعد ان اوهمهم العم بانتقاله لمدينةٍ أخرى ! 


كما أطلعهم الأمير على مخزن الذخيرة المخبّأ بالغابة ، الذي استخدموه لاحقاً للقيام بثورةٍ شعبيّة ضدّ العم الظالم الذين عاقبوه بالنفيّ خارج بلادهم ، بعد وضعه هو وحاشيته بقاربٍ ارسلوه بعيداً بالبحر

***


بعدها تمّ تتويج الأمير ملكاً للبلاد .. والذي اعلن زواجه من الخادمة التي اكتشف بأنها مخطوفة بعمر السادسة من البلاد المجاورة التي تنتمي الى طبقتهم المخمليّة ، قبل بيعها كخادمة في بلاده ! وقد أكّد مكانتها الإجتماعية الراقية ، وجود وشم الأميرات بكتفها .. ولهذا تحفظ لغةً اجنبية ، كما اتقانها للعزف والغناء


وقد أصرّ الملك الجديد على الإحتفال بعرسه مع المزارعين الثوّار الذي عيّن رؤسائهم ، قادة على المدن الرئيسية في مملكته .. بعد طرده المسؤولين الخونة الذين لم يحموه من عمه الظالم طوال السنتين الماضيتين  

وبذلك حظيت الدولة بملكٍ وزوجته اللذيّن حكما البلاد بالمساواة والعدل والرحمة

***


وفي احدى الليالي .. اخبر زوجته الملكة ، ممازحاً :

- قصتنا تشبه افلام والت ديزني

فردّت بابتسامة :

- لكن هذه المرة ، الأميرة هي من انقذت الأمير

فحضنها بامتنانٍ وحنان


خروف السجن

تأليف : امل شانوحة  القلوب الرحيمة في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام ...