الأحد، 24 مايو 2026

العملة الملعونة

تأليف : امل شانوحة 

ذهب الجن


في سوق الذهب .. راقب الصائغ عامله وهو يرمي مجموعة من الحليّ المُباعة داخل وعاء الصهر.. ومن بينها عملةً ذهبية بنقوشٍ غريبة ، لفتتّ انتباهه ! 


فاندفع الصائغ لسحبها بملقطه ، قبل أن تذيبها النيران.. ثم سأل عامله:

- من اين حصلت عليها ؟!

العامل : عجوزٌ باعتها صباحاً.. فحصتها جيداً .. هي من الذهب الخالص.

تمعّن الصائغ بنقوش العملة الغريبة وهو يحاول التذكّر ، ان كان رآها من قبل !


ثم صعد الى مكتبه العلويّ ، باحثاً عن مذكّرات والده الراحل .. ليجد عملةً شبيهة ، مُلصقة بإحدى صفحات دفتره .. وتحتها الملاحظة التالية :

((يُمنع بيع أو إذابة هذه العملة ، فهي من ذهب الجن ! ..علمت متأخراً ان المرأة التي احضرتها ، تتعلّم الشعوذة .. وحين رفضتُ التعامل معها مجدداً ، ذهبت إلى جاري في المحل المجاور .. الذي ما ان استفاد منها ، حتى اصابته اللعنة .. ومات بعدها قهراً ، عقب افلاسه بذات الشهر ! فأقسمت بعدم لمس العملة الملعونة مطلقا))

فأغلق الصائغ الدفتر ، وهو يحمد ربه على عدم إذابتها !


ثم عاد لعامله ، ليسأله عن مواصفات العجوز (التي يشكّ انها المرأة ذاتها التي تعامل والده معها في صباها) 

فأخبره العامل انه سيدلّه عليها ، بعد مراجعة كاميرا المحل  


وبعد احتفاظ الصائغ بصورتها بجواله ، طلب من عامله عدم استقبالها ثانيةً في متجره

***


بعد شهر ، وأثناء تدخين الصائغ سيجارته خارج متجره .. لمح رجلاً (يعرفه من المسجد) يُصافح العجوز المشبوهة ! 

فانتظر رحيلها ، ليناديه .. وبعد السلام عليه ، سأله عنها .. فأجابه الرجل :

- هي عمتي..

فسأله الصائغ : 

- هل سبق أن تناولت الطعام في بيتها؟

ورغم غرابة السؤال ! الا ان الرجل اجابه :

- قبل عام ، دعتني أنا وزوجتي للعشاء.. استغربت وقتها ، لأنها لطالما عارضت زواجي ! رغم أن زوجتي فتاةٌ محترمة ، تحفظ القرآن.

الصائغ : وهل تعسّرت امورك بعد تلك العزيمة ؟

سكت الرجل بدهشة ، بعد تذكّره ما حصل : 

- نعم ! خسرت عملي باليوم التالي .. فعُدتّ غاضباً الى منزلي ، وتشاجرت مع زوجتي التي تركت المنزل.. ولليوم ترفض الصلح بيننا ! .. لكن كيف عرفت ان اموري تعسّرت بعد تلك العزيمة ؟!


فأخبره الصائغ عن العملة المذكورة في مذكّرات والده ، وعن تحذيره من المرأة المشعوذة !


شيئاً فشيئاً ، بدأ الرجل يتذكّر خلافات الأقارب وامراض كل من زار بيتها! 

فقال بعصبية:

- إن كانت فعلاً وراء مصائب العائلة ، فلن تنجو بفعلتها !!


فحاول الصائغ تحذيره من مواجهتها .. لكن الرجل تركه ، متوجهاً الى منزل عمته 

***


وهناك ، سألها دون مقدّمات :

- هل النحس الذي غرقت فيه ، هو بسبب سحرك ؟!

ليتفاجأ بضحكتها الساخرة :

- ليس ذنبي ، انك ضعيف وسهل الكسر..

فهدّدها بالسجن .. لتردّ بلا مبالاة :

- القانون لا يحمي المُغفلين 

^^^


فخرج من بيتها غاضباً ، متوجهاً لمخفر الشرطة الذين لم يفعلوا شيئاً ، لغياب الأدلّة المادية.. 

فلم يكن امامه سوى تحذير اقاربه الذين اتهموه بالعقوق وسوء الخلق ، لاتهام عمته العجوز بالسحر والشعوذة .. بل بعضهم قطع التواصل معه !

***


ومرّت الشهور ثقيلة على الرجل الذي لم يستطع إيجاد عملٍ جديد ، يُراضي به زوجته !

الى ان وجد إعلاناً على الإنترنت : لرجلٍ ثريّ يبحث عن معلومات ، تخصّ مجموعة تمارس الشعوذة سرّاً في المدينة.. والتي تسبّبت بوفاة زوجته بالسرطان .. وانه مستعد لدفع جائزةً مالية ، للقضاء عليهن ! 


فتواصل الرجل معه ، وأخبره بشكوكه عن عمته 

فطلب منه الثريّ مراقبتها ، وإعطائه دليلاً قوياً ضدها

***


وبعد أسابيع من ملاحقة عمته ، شاهدها تغادر بيتها في منتصف الليل ! 

فتبعها بسيارته ، الى ان وصلت إلى حيٍّ مهجور على أطراف المدينة..


فلحقها لمنزلٍ متهالك ، رأى من بين شقوقه : مجموعة من النساء ينحنين لها ، كأنها رئيستهن ! قبل جلوسهن على الأرض في دائرةٍ واسعة ، حولها الشموع والرموز الشيطانية المرسومة بالدم..

فصوّر الطقوس في مقطع فيديو ، أرسله للثريّ

^^^


بغضون نصف ساعة ، وصلت سيارات الحرس (التابعين للثريّ) الذين اقتحموا المنزل بعنف .. 

لتتعالى من الداخل صرخات النساء المرتعبة ، قبل خروج الرجال وهم يسكبون البنزين حول المنزل الذي اقفلوا بابه بالسلاسل !


بينما وقف الرجل منذهلاً وهو يشاهد اللهب تلتهم المنزل القديم ، مع صرخات عمته وهي تستنجد بإلاهها إبليس ! قبل اختفاء عويلهنّ نهائياً 

***


في الأيام التالية .. كتبت الشرطة بتقريرها : ان سبب الحريق هو ماسٌ كهربائيّ.


لكن الغريب ، أن حياة الرجل عادت تدريجياً كما كانت ! فصاحب عمله القديم عرض عليه العودة بضعف الراتب ! 

كما رجعت زوجته وحدها الى منزله ، وهي تعتذر عن نفورها منه الفترة الماضية

عدا عن الجائزة المالية الضخمة التي حصل عليها من الثريّ ، والتي نقلت حياته لمستوى افضل 

***


أما الصائغ ، فصعد الى مكتبه .. لإلصاق العملة الملعونة بجانب الأخرى (الموجودة في دفتر مذكّرات والده) 

ليتفاجأ بالرموز الغريبة المنقوشة على العملتيّن تتحرّك كالحشرات ، قبل تحوّلها الى كلمتيّن عربيتيّن ! 

ففي العملة الأولى ظهرت كلمة : إنتظر

أما الثانية ، فظهرت كلمة : إنتقامي 


وهنا شعر الصائغ بأنفاسٍ باردة ، جعلته يلتفت .. ناظراً من زاوية الدرج نحو الأسفل : ليرى نيران فرن صهر الذهب ، تشتعل وحدها.. وسرعان ما امتدّت نحو السلالم المؤدية إليه !


الجمعة، 22 مايو 2026

توأم المقبرة

تأليف : امل شانوحة 

الوريث المزيّف


في مدينةٍ سياحية مقسومة طبقيّاً : حيث ترتفع قصور الأغنياء فوق التلال المُطلّة على البحر ، بينما تتكدّس بيوت الفقراء قرب ميناء الصيادين .. قرّر رئيس البلدية توسيع الأسواق والمتنزهات لجذب السائحين .. ولهذا جمع موتى الأثرياء والفقراء في مقبرةٍ واحدة ، بسورٍ حديديّ يفصل بينهما!  

***


في احدى عمارات الفقراء ، لم ينم البوّاب احمد (العشرينيّ) ليلةً واحدة منذ اسبوع بعد تكرّر كابوسه المُبهم : ((وهو يرى نفسه يُدفن في تابوتٍ فاخر من خشب السنديان .. بينما يبكي حول قبره ، شخصيّاتٌ ثريّة لا يعرفها!)) 


فحاول تجاهل منامه .. الى ان أتى اليوم الذي رافق فيه صديقه الى جنازة والده.. 

وبعد مغادرة المعزّون ، سحب حفّار القبور احمد جانباً .. وهو يسأله مذعوراً :

- الم ادفنك الإسبوع الماضي ؟!


ثم أخبره عن دفنه شاباً ثرياً يُشابهه بالعمر والشكل !

فردّ احمد : ربما تتخيّل يا عم


فأصرّ الحفّار على أخذه الى مكتب المقبرة .. حيث انصدم احمد من التشابه بينه وبين صورة الميت (في الملف) الذي دُفن قبل اسبوع .. والذي وُلد ايضاً بنفس التاريخ ! ولكيّ يتخلّص من فضول الحفّار ، أجابه كاذباً : 

- الميت مولود بالشتاء ، وانا بالصيف .. كما انني أكبُره بعام 

الحفار بخبث : لوّ كنت مكانك .. لاستغلّيت هذا التشابه ، للتقرّب من عائلة الميت الثريّة 

احمد : لا اريد مشاكل مع الطبقة المخمليّة 


ثم خرج من المقبرة ، مُباشرةً لزيارة جارته العجوز (القابلة التي أشرفت على ولادته)

***


وما ان فتحت الباب ، حتى سألها دون مقدّمات :

- ماذا فعلتي بأخي التوأم ؟

فانهارت العجوز فوق مقعدها ، بعد إدراكها بفضح سرّها التي كتمته طويلاً ! واعترفت مُتوسّلة :

- كنت بحاجة للمال .. وأمك فقدت الوعيّ اثناء الولادة ، فلم تعلم بإنجابها توأميّن .. بينما بعت الطفل الثاني لإمرأةٍ ثريّةٍ عقيمة.. (ثم امسكت يده) ..رجاءً لا تخبر والدتك ، فهي لن تتحمّل سماع الحقيقة 

فصرخ غاضباً :

- اخي مات الإسبوع الماضي .. لقد حرمتِني منه لعشرين سنة !! 

فردّت بخبث : ولما لا تأخذ مكانه ؟ فأهله يشتاقون لرؤيته من جديد 

احمد : لقد انتحر ، كيف سأحلّ محلّه ؟

فسألته بقلق : هل قتل نفسه بطلقةٍ نارية ؟

- حسب ما قرأته بملف دفنه ، انه مات بجرعة دواءٍ زائدة 

الجارة بحماس : ممتاز !!


وخلال دقائق ، رسمت له خطةً شيطانية : وأخبرته انها ستذهب معه الى القصر ، لإخبار والدايّ الميت : أنها زوجة الحفّار الذي سمع صرخته ، مباشرةً بعد انتهاء الدفن وخروج المعزّون من المقبرة .. ويبدو ان جرعة الدواء الزائدة ، اوقفت قلبه مؤقتاً .. ورغم نجاته بأعجوبة ، الا انها فضّلت مع زوجها عدم اخبار عائلته ..لأنه عانى من اضطّراب في الحركة والنطق ، نتيجة نقص الأكسجين في تابوته .. لكن فور استقرار مشيته ، أعادته إليهم.. مع استمرار فقده الشبه كامل لذاكرته ! 


احمد بصدمة : أتريدينني ان اسرق حياة اخي ؟!

الجارة : ولما لا ؟ من حقك تجربة الرفاهية ، كما فعل اخوك التوأم .. ثم فكّر بوالديك المساكين ، فهما يستحقّان حياةً افضل .. وأنا سأخبرهما بانتقالك للعاصمة ، للعمل في معمل قريبي .. وانك سترسل لهما ، نصف راتبك كل شهر 


ولأجل تحسين الظروف المعيشيّة لوالديّه ، وافق على خطتها الماكرة

***


فور دخول احمد والقابلة الى صالة القصر ، انهارات الأم الثرية باكية في أحضانه وهي لا تصدّق ما تراه ! 

بينما تسمّرت نظرات الأب (العقلاني) على الشاب وهو يتفحّصه بإمعان ، لعدم تصديقه قصة نجاته من القبر بسهولة ! كما خوفه ان يكون مخادعاً (يريد استغلال التشابه بينه ، وبين ابنه المرحوم) لهذا أصرّ على اجرائه فحص الـ DNA ، للتأكّد من هويّته 

مما ارعب احمد والقابلة .. ففي حال كُشفت خدعتهما ، سيُزجّان بالسجن لسنواتٍ طويلة !

***


مرّت ثلاثة أيام من الانتظار المرعب ، اوشك فيها احمد على الفرار من غرفته المُحتجز بها ، من حرّاس القصر 


وحين ظهرت النتيجة ، كانت المفاجأة ! فقد تطابقت العيّنات تماماً .. مما اراح الوالدة الثريّة التي عادت لاحتضان احمد بشوق ، بينما اعتذر زوجها عن شكّه به .. (فهما اساساً لا يعرفان بوجود توأمٍ لإبنهما) 

اما احمد (الذي اتصل لاحقاً بالقابلة لتبشيرها بنجاح الخطة) فقد حمد الله سرّاً بأن وهبه ذات الشفرة الوراثية لأخيه (رغم ندرتها عالمياً) !

^^^  


وفي تلك الليلة .. نام احمد في فراشٍ مريح ، بغرفةٍ فخمة تطلّ على البحر .. بعد تناوله الذّ عشاءٍ ، لم يتذوّق مثله طوال حياته البائسة .. 

لكنه ايضاً شعر بالذنب ، لبقاء والديّه في حيّ الفقراء .. 

مع ادراكه بأن جارته العجوز ستبتزّه دائماً براتبٍ شهريّ ، مقابل كتمانها السرّ وإيصالها أخبار والديه (عبر الجوال)  


مع مرور الوقت .. بدأ أحمد يتقمّص شخصية وليد ، حتى كاد يصدّق كذبته! 

***


وذات يوم ، سأله والده : ان كان موافقاً على زواجه من ابنة عمه (التي تعرّف عليها بإحدى سهرات القصر) ؟ 

فأجابه احمد : لا ابي ، لم تعجبني بتاتاً

فردّت امه بامتعاض :

- رجاءً لا تقل ، انك مازلت تفكّر بالفقيرة التي حاولت الإنتحار بسببها ؟

فعاتبها زوجها :

- وليد نسيّ الكثير من ماضيه ، بعد تجربته الصعبة بالقبر.. فلما تذكّرينه بها ؟


وخرجا من غرفته ، حتى لا يتشاجرا امامه.. بينما تملّك احمد الفضول ، لمعرفة ذوق أخيه الراحل.. وهل فعلاً تستحق حبيبته ، ان ينتحر لأجلها !

^^^


ولأنه يعرف بأن الوالديّن الثريين لن يُخبراه بمعلوماتٍ عنها.. سأل مربية اخيه العجوزة .. فأعطته صورة لها

احمد بدهشة : يا الهي ! انها فاتنة.. لما لم تعجب اهلي ؟

المربية : لأنها نادلة في مطعمٍ فخم ، ولا ترتقي لمستوى عائلتك

احمد بحزم : رجاءً اعطني العنوان

***


وفي المساء ، توجه لذلك المطعم .. 

لتسقط الصينية من يد الصبية ، فور رؤيته ! وقبل ان يُغمى عليها ، سارع بإجلاسها على طاولة بعيدة عن الزبائن ، وهو يحاول تهدأتها 

النادلة باكية : لما لم يخبرني والديّك بأنك مازلت حياً ؟ الا تدري كم بكيت على قبرك ؟

وقبل ان يجيبها ، صفعته بقوة :

- وانت !! طالما حيّ ، لما انتظرت شهرين للقدوم الى هنا ؟


فأخبرها انه فقد جزءاً كبيراً من ذاكرته بعد خروجه من القبر.. ولولا مربيته ، لما تذكّرها !

فسألته بقلق : وماذا الأن ؟ هل ستتزوج ابنة عمك ؟

احمد : لا ، لم تعجبني تلك المتعجرفة .. (ثم قال بتردّد) .. لكني في نفس الوقت ، لا اعرفك جيداً

فردّت معاتبة : سنتان معاً ، وتقول انك لا تعرفني !

احمد : أخبرتك انني نسيت الماضي بعد محاولة انتحاري.. لذا اريد التعرّف عليك من جديد

***


وبالفعل صار يقابلها بعد انتهاء دوامها ، دون علم والديّه الثريين بالأمر.. الى ان أُغرم بها ، كما فعل اخيه التوأم !


وعندما اخبر والديّه بقراره الحازم للزواج بها.. رفضت الأم بالبداية.. لكن الأب حسم الأمر : 

- لن أسمح بانتحار ابني الوحيد مرةً ثانية ، بسبب عنادنا وإصرارنا على رفضها ، للفارق الإجتماعي بيننا

فرضخت زوجته مُرغمة ، بقبول الكنّة الفقيرة

***


وفي عرسٍ فخم .. ورغم سعادة احمد بزواجه من حبيبة اخيه السابقة ، لكنه شعر بالحزن لعدم تواجد والديّه الحقيقيّن بصالة الأفراح.. فهما لطالما تمنيا رؤيته عريساً قبل وفاتهما ..

لكنه مُجبر على إكمال المسرحية حتى النهاية.. رغم خوفه من القابلة الطمّاعة التي تطالبه بالمزيد من المال ، او كشف سرّه .. كما يخشى عتاب والديّه حين يعلمان ببيع هويّته ، مقابل حياةٍ لم تُقدّر يوماً له !


وهنا قطعت تفكيره العروس بسؤالها :

- الن تراقصني ؟ فهذه اغنيتنا المفضّلة 


فابتسم رغم احزانه ومخاوفه ، محاولاً الإستمتاع بليلة زفافٍ مزيّفة .. كان من المفترض أن تكون ، من أجمل أيام أخيه الراحل ! 


الأربعاء، 20 مايو 2026

التاجرة الصغيرة

تأليف : امل شانوحة 

قانصة الفرص


داخل مطبخ المدرسة .. انتظرت طالبات الصف الثانوي عودة معلمة التدبير المنزلي التي تركت الحصة لاجتماعٍ ادرايّ طارئ 

فنظرت احداهن الى الكبدة النيئة وبقيّة المقادير على الطاولة ، قائلةً بقلق :

- يبدو سنتسمّم اليوم .. فالحصة شارفت على الإنتهاء ، والمعلمة لم تعدّ بعد!

الطالبة سناء : معك حق .. الأفضل ان نطبخها بالحال


وبدأت بتقطيع البصل ، بينما زميلاتها يُحذّرنها من عقاب المعلمة على لمسها الطعام دون اذنها !

فأجابت سناء بهدوء : ستفسد الكبدة مع هذا الحر .. ثم امي علّمتني الطبخ منذ صغري 


وخلال دقائق قليلة ، امتلأ المطبخ برائحةٍ شهية .. جعلت الطالبات يقتربن من القدر بإعجاب ! 


وبعد انهاء سناء الطبخة التي قسّمتها على الشطائر ..لم توزّعها على زميلاتها (كما توقعن) بل رتّبتها في صينيةٍ كبيرة ، حملتها الى غرفة المعلّمات 


لتعود بعد قليل مع رزمة من الأوراق النقدية..

فسألتها زميلاتها بذهول : هل بعتِها؟!

ابتسمت سناء بفخر: نعم .. والمعلمات طلبن المزيد غداً 


وبعد قليل ، عادت المعلمة الى المطبخ .. فظنت الطالبات انها ستعاقب سناء ، لكنها هنّأتها على لذة شطائرها .. وأعطتها العلامة الكاملة على موهبتها بالطبخ ، وعلى ذكائها التجاريّ الفطريّ !

***


ومنذ ذلك اليوم ، رغبت سناء بالمزيد من الفرص المالية .. 

وحصل ذلك بعد اسبوع ، عندما اوصلت الدفاتر إلى غرفة المعلمات .. فسمعت إحداهن تشكو لصديقتها : عن مأدبة عشاءٍ لعائلة زوجها ، مع ضيق وقتها للتحضير.


فتقدّمت سناء نحوها ، وهي تقترح بحماس : 

- امي طبّاخةٌ بارعة .. ووالدي سائق تاكسي ، سيوصل الطلبات ساخنة الى منزلك قبل موعد العزيمة


فأخذتها المعلمة جانباً ، وأملت عليها قائمة الأصناف التي تحتاجها مساءً

^^^ 


في اليوم التالي .. انتشر خبر العزيمة الناجحة بين المعلمات ، أسرع من انتشار القرارات الإدارية ! 

وبدأت الطلبات بالتزايد .. بينما تُسارع سناء العودة الى منزلها ، لمساعدة امها بالطبخ لساعات .. قبل اهتمامها بدروسها آخر الليل 


أما زميلاتها ، فكن يسخرن منها ويدعونها : 

- التاجرة الصغيرة!

لكنها تجيبهن بفخر :

- احاول مساعدة عائلتي بمصروف المنزل .. ولا عيب بالعمل الشريف

***


لم تكتفي بذلك.. بل عملت في مقصف المدرسة مقابل أجرٍ شهريٍّ بسيط ، ومساعدة العاملة في البيع وقت الفسحة


ثم صارت تنظّف كتب المكتبة وترتّبها بعد انتهاء الدوام ، مقابل مبلغٍ إضافي.


وبينما كانت بقية الطالبات تحلمن بيوم التخرّج ، كانت سناء تحسب الأرباح في دفترٍ صغير تُخبئه بحقيبتها.

***


فور تخرّجها الثانوي ، تزوجت سناء بعمرٍ صغير .. ولم تمضي سنة على انجابها طفل ، حتى اجبرتها ظروف الحرب التي اندلعت في بلادها الى الهجرة مع زوجها وابنها للغربة 


وهناك بدأت من الصفر.. شقةٌ ضيّقة ، ولغةٌ غريبة.. وأيامٌ طويلة من الإنكسار وانتظار الفرج 

***


وفي الغربة ، عاشت سنوات مع عائلتها على المساعدات الحكومية ..الى ان عادت يوماً باكية من المكتب الاداري بعد ان وصف الموظف العرب : بالعالة على دولتهم ! وأعطت زوجها اسورتيّ الذهب (كل ممتلكاتها) لبيعهما وشراء عربة طعامٍ صغيرة ، بعد قرارها الإعتماد على نفسها 

ثم اوقفت العربة قرب ملعبٍ رياضيّ ، حيث تجمّعت الجماهير امام بوّابته لساعات ، قبل بدء المباريات.


وكانت تبيع شطائر اللحم المُتبّلة على الطريقة العربية.. ولأن الرائحة غير مألوفة لديهم ، لم يقترب احد من عربتها .. 

فعادت حزينة الى بيتها ، دون ان تستسلم .. 

^^^


في موعد المباراة الثانية .. طلبت من ابنها (8 سنوات) القدوم معها (فور انتهاء مدرسته) لمساعدتها بالعمل .. حيث اعطته شطيرةً ساخنة ، لإعطائها لأسمن مشجّعٍ يقف بجانب البوّابة 


بهذه الأثناء .. انتبه الشباب (المتواجدون هناك) على سرعة التهام الرجل الضخم للشطيرة المجانية ..وصياحه ، مُطالباً الصغير بإحضار المزيد بأيّ سعرٍ يريده .. فسارعوا التجمّع حول عربة سناء 


وفي أقل من ساعة ، نفد كل شيء.. مما اسعد سناء لعدم فقدان موهبتها التجارية في الغربة

***


في الشتاء ، اعطت العربة لزوجها التي اوقفها (بناءً على مشورة سناء) قرب الحديقة العامة .. وعليها ثلاثة قدور كبيرة : 

شوربة العدس الأحمر ، والعدس البني ، وشوربة الشعيرية بالطماطم.

فمن شدة البرد ، بحثت الناس عن ايّ شيءٍ يمنحها الدفء بذلك الصقيع 


ولأن الأجانب لا يعرفون البقوليّات (التي اشترتها سناء من التسوّق الإلكتروني) أطلقوا عليها : 

((الشوربة الصفراء والبنية والحمراء))

ولأن الشوربات الملونة أشعرتهم بالطاقة والحيوية ، باتت القدور تُفرغ تماماً قبل مغيب الشمس.

***


مرّت سنوات الغربة .. وبفضل حسن تدبيرها الماليّ الصارم ، استطاعت فتح مطعماً للمأكولات العربية ، قرب مجمّع الشركات التجارية 


ولأنها فهمت عقليّة الأجانب الحريصين على اموالهم ، وخوفهم من تجربة المجهول .. سمحت للزبون الجديد بتذوّق ملعقة مجانية ، قبل طلبه الوجبات العربية التي فاجأت الموظفون بنكهاتها اللذيذة .. ليتحوّلوا مع مرور الوقت الى زبائن دائمين 


شيئاً فشيئاً ، صار مطعمها الأشهر في المنطقة..

***


وبعد عشرين عاماً من الكفاح في الغربة ، عادت سناء إلى وطنها..

وقرب مدرستها القديمة التي لُقبت يوماً فيها : بالتاجرة الصغيرة .. افتتحت أكبر مطعمٍ في المدينة.

^^^


وفي حفل الافتتاح ، سألتها زبونة باهتمام : 

- ما سر نجاحك؟

فأجابت سناء بابتسامة :

- كل شيء بدأ من حصة التدبير المنزلي… فشطائر الكبدة ايقظت موهبتي التجارية التي لم تولد من الكتب ، بل من اقتناصي لفرصٍ صغيرة رآها الآخرون تافهة ..ورأيتها فرصة العمر !


الاثنين، 18 مايو 2026

بورصة الأجساد

تأليف : امل شانوحة 

العقول المنقولة


تطوّرٌ جديد في عالم التقنية الإلكترونية ، تُمكّن من نقل عقول الأثرياء العجائز الى اجساد شبابٍ يافعين ، مما يعني سنواتٍ اخرى من النجاح المالي والإقتصادي .. 

ولكيّ يبدو الأمر قانونياً ، تم اختيار المتطوعيّن لهذه التجربة الخطيرة : من الشباب المحكومين بالمؤبّد او الإعدام ، مقابل مبلغ من المال يكملون فيه حياتهم ، بعد انتقال عقولهم الى أجسادٍ هرمة مليئة بالأمراض !


صفقةٌ تبدو غير متوازنة بالنسبة للشباب العاديين .. لكن بالنسبة لشابٍ ينتظر الإعدام : فهي تعني فرصة العيش لبضعة سنوات (ولوّ بصحةٍ ضعيفة) مع مبلغٍ لا بأس به من المال .. فبالنهاية ماذا سيخسر؟! 


وبالفعل وافق عشرات المحكومين على الخضوع لهذه العملية ، التي خرج منها الأثرياء بأجسادٍ قوية وعاشقة للحياة !

***


ماعدا آدم : الشاب الذي حُكم ظلماً بجريمة قتله شرطياً اعتدى على حبيبته ! والذي اراد الإفلات من الكرسي الكهربائي بأيّة طريقة ، لكن بشروطه هو .. حيث ترجّى الثريّ العجوز (خبير البورصة الذي طمع بجسده الرياضيّ) ان يضغط على المسؤولين ، للسماح له بتعلّم خطوات نقل عقله بالعملية الجراحية التقنية .. خاصة انه كان على وشك التخرّج كمهندس كمبيوتر ، لولا جريمته المفاجئة التي زجّت به في السجن .. 

طالباً بإصرار :

- اريد فهم كود العملية ، كمحاولة اخيرة للإستفادة من عقلي قبل حذفه من الوجود 


ورغم غرابة طلبه ! الا انهم وافقوا على جلوسه أمام الحاسوب المركزي للعملية على مدى أسابيع .. تحت مراقبة الكاميرات التي لم ترى سوى شابٍ يقرأ مئات الأسطر من البرمجيات المُعقدة ، دون علمهم بإعادة برمجته للإنتقال الذهنيّ بالكامل  

***


وفي يوم العملية .. أُدخل العجوز الثريّ وآدم على سريريّن مُنفصلين ، في غرفةٍ مليئة بالجرّاحين والتقنيين الذين عملوا على حواسيبهم ، لتطبيق برنامج العملية الإلكترونية التي تتضمّن : حذف الذاكرة الإجرامية من عقل الشاب ، وإضافة الخبرة المالية للعجوز بدالها .. بينما يحصل السجين على عقل العجوز الخالي من المعلومات ، فيما عدا الأوامر الحيويّة : من اكلٍ ونوم ، وشرب الأدوية في مواعيدها!  


دون علمهم بدهاء آدم الذي غيّر احداثيّات البرنامج ، لكيّ يحصل على خبرة العجوز في البورصة والتجارة العالمية مع احتفاظه بجسمه السليم ! 

^^^


وبعد العملية : خرج العجوز وهو يمتلك الذاكرة الغاضبة لآدم ، مع طبائعه المُتمرّدة التي اتعبت (لاحقاً) مسؤولي دار العجزة بحركاته العنيفة التي لا تناسب صحته ! 

وعندما طعن ممرّضاً ، نُقل الى سجن شديد الحراسة ..ليقضي ما تبقى من عمره المريض خلف القضبان ، بتهمة الجنون الإجراميّ !


بينما خرج آدم من السجن : في قمّة نشاطه وهو يُخطّط لصنع امبراطوريته المالية ، مع دمج ذكائه الهندسي وخبرة العجوز التجارية.. ليصبح بغضون سنواتٍ قليلة : اصغر ملياردير بالعالم 

***


في استديو العاصمة .. وفي مقابلةٍ صحفية على الهواء مباشرةً ، تابعها الملايين .. اجاب آدم على سؤال الصحفي (بعد سنوات من كتمان نجاح خطته السريّة التي قلبت نتيجة العملية الجراحية) بثقةٍ وغرور :

- السجناء الذين خضعوا للعملية ، باعوا شبابهم مقابل حريّةٍ مؤقتة.. اما انا !! فاشتريت عبقرية العجوز ، بسعر سجينٍ يائس ! 

^^^


وبعد اعتراف آدم بما حصل .. أدركت الحكومات بأن التقنية الحديثة لا تستبدل العقول فقط ، بل الشخصيّات ايضاً ! ولخطورة النتائج ، أُغلق برنامج نقل العقول نهائياً..

لكن قرارهم جاء متأخراً.. فآدم الذي كشف عيوب النظام ، سجّل اسمه بالتاريخ : كأقوى أثرياء العالم !


السبت، 16 مايو 2026

سيدة القصر

تأليف : امل شانوحة 

الحياة المُستعارة


احضرها البستاني الى قصر الريف ، وهو يقول :

- اريدك ان تعملي بجهد على تنظيف القصر ، فالسيدان قادمان بعد اسبوع لقضاء عطلتهما الصيفية .. أبهريهما بترتيبك وأطباقك الشهية لكي يوظفاك بشكلٍ دائم.

فسألته الخادمة الثلاثينية :

- وكم شهر سيبقون هنا ؟ 

- فقط ثلاثة اشهر .. وبقية السنة ، تبقين هنا للحراسة .. وأنا أزوركِ مرة في الشهر ، لإحضار المؤونة والعناية بالحديقة

***


وبالفعل حصلت الخادمة النشيطة على رضا السيديّن اللذين وظّفاها في قصرهما براتبٍ شهريّ .. 

في البداية : اعتادا قفل غرفتهما ، كلما خرجا للتنزه خارج القصر


لكن بعد مضيّ ثلاثة اشهر ، وثقا بالخادمة ..لدرجة انهما عادا للمدينة دون اقفال خزانتهما : بما فيها من ملابس فاخرة واكسّسوارات وعطور ثمينة


وربما اخطئا الوثوق بيتيمةٍ فقيرة باكراً ، فكما يقال : ((المال السائب يُعلّم السرقة)) حيث خطّطت لبيع التحف واللوحات ، والهرب بالمال للقرية المجاورة ..لكن رائحة عطر السيدة المُترف ، أشعرها بلذّة حياة الرفاهية .. فأصبح هدفها العيش كسيدة القصر لما تبقى من شهور السنة ، ثم الهرب قبل عودتهما في الصيف القادم ! 

***


وبالفعل وضعت ملابسها القديمة جانباً ، بعد ملائمة فساتين السيدة لمقاسها.. حيث انذهلت من الحرير والقطن الأصلي فوق جلدها الذي لم يعتدّ ملمسهما الناعم طوال حياتها البائسة ! 


وصارت تتعمّد النوم على سرير الزوجيّن المريح .. وتأكل من طعامهما اللذيذ الذي امتلأت ثلاّجة المطبخ بها.. وتوقفت عن طبخ اكلاتها الشعبية ، بعد تعوّدها على تسخين المأكولات الجاهزة بالمايكرويف..ففي جميع الأحوال ستفسد ، لحين قدومهما بالصيف القادم


كما اعتادت شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تجلس كالأميرات على الكرسي الهزّاز .. وفستانها الناعم يتطاير مع النسمات الباردة ، مع بدء فصل الخريف.. دون علمها بأنها مُراقبة من شابٍ ثريّ في القصر المجاور كل صباح ، حتى تحوّل فضوله لافتنان !

***


وذات يوم .. قرّر القدوم الى قصرها ، للتعرّف على جارته 

بالبداية ارتعبت ، خوفاً من انفضاح لعبتها.. لكنها اعتبرته فرصتها الذهبية للإرتقاء الى طبقة الأثرياء في حال اقنعته بالزواج منها ، قبل حلول فصل الصيف 

***


وصارا يلتقيان في نادي الأثرياء بعد استخدامها بطاقة الأعضاء المميزين ، الخاصة بالسيد (التي تركها في درجه) .. مُعرّفةً عن نفسها : بأنها قريبة العائلة المالكة للقصر.

وقد أُعجب الشاب بهدوئها وعفويّتها ، فهي غير مُتصنّعة كالنساء اللآتي قابلهن في حياته !


أما هي ، فغرقت كل يوم في الشخصية التي اخترعتها.. حتى بدأت تصدّقها بالفعل! 

***


وبمرور الشهور ، واللقاءات المتكرّرة .. اوشكت خطتها على النجاح ، لولا ان شاهدها حبيبها (وهي ترتدي ثيابها القديمة) اثناء نقلها أكياس المؤونة مع البستاني ..

فاقترب منها ، وهو يسألها :

- من هذا الرجل ؟!


فانتبه البستاني على ارتباكها امام الشاب الثريّ ، فأسرع بالرد :

- انا بستاني القصر.. سيدي

فوجّه الثريّ كلامه لها : 

- حسناً ، إنهي عملك سريعاً .. اريد مناقشة ترتيبات حفل خطوبتنا 

ودخل الى الصالة ، كأنه اعتاد القدوم للقصر !


فجذب البستاني ذراع الخادمة جانباً :

- هل اوهمته انك صاحبة القصر ؟!

فترجّته بخوف : 

- رجاءً لا تفضحني.. فقريباً سأصبح زوجة الشاب ، واستقيل من عملي 

البستاني : ألهذا استغرب ثيابك الرثة ؟ حتماً كنت تستقبلينه بفساتين السيدة التي سرقتها..

مقاطعة بخوف : لم اسرق شيئاً ، بل استعرتها لتغيير حياتي .. رجاءً دعني اتزوج حبيبي ، فقد بقيّ شهر على قدوم السيديّن

- لن اخدعهما كما فعلتي .. وسأتصل بهما للحضور باكراً ، وانهاء هذه المهزلة

الخادمة بتحدّي : لا تستطيع اثبات شيءٍ ضدّي !!


فأخرج جواله ، وهو يعرض عليها : مقطع فيديو قديم وهي تنظف الحديقة.

- كنت أرسلته للسيديّن ، للموافقة على توظيفك.. ما رأيكِ لو شاهده خطيبك أيضاً ؟


فانهارت بخوفٍ شديد ، وهي تتوسّل إليه بالتزام الصمت .. حتى انها حاولت ارشائه بسيارة السيد التي تركها في المرآب ..

فردّ باشمئزاز :

- انت مجرّد طمّاعة فقيرة ، لعبت دور الأميرة .. ومن حق الشاب المسكين ان يعرف حقيقتك القذرة 

ثم ادار ظهره ، متوجهاً نحو باب القصر.


في تلك اللحظة ، شعرت أن احلامها بحياةٍ مثالية تنهار امام عينيها .. فلم تعي بنفسها الا وهي تضربه برفش الحديقة على رأسه.. 

لتسقط جثته في بركة المسبح ، ويختلط دمائه بمياها الزرقاء !


فخرج الشاب فزعاً من القصر ، بعد سماعه صرخة البستاني الأخيرة ! 

لينصدم بجريمة حبيبته التي شرحت ما حصل وهي منهارة بالبكاء .. وتؤكّد أن ما فعلته هو حباً له ، وخوفاً من خسارته .. 

لكنه لم يرى امامه ، سوى امرأة مخادعة ! واتصل بالشرطة التي قدمت للتحقيق بالجريمة .. ثم اقتادت القاتلة الى السجن


بينما عاد الشاب الى قصره المجاور وهو مُحطّم القلب ، بعد اغرامه بها فعلاً !

***


لاحقاً قرّر السيدان بيع القصر ، بعد ان فقدا رغبتهما في التواجد بمكانٍ وقعت فيه جريمة قتل.. وقد تعلّما درساً بالحياة : أن لا يثقا بالغرباء ثانيةً 


اما الشاب : فكان يمرّ كل صباح بجانب القصر المعروض للبيع ، رافعاً نظره نحو الشرفة الخالية .. وهو يتساءل بحزن : 

((ان كان احب امرأةً حقيقية ، ام مجرّد وهمٍ صنعه خياله في فصل خريفٍ بارد؟!)) 


الخميس، 14 مايو 2026

صوت الظلام

تأليف : امل شانوحة 

التنمّر الإلكتروني


كانت رؤى منذ طفولتها تملك خيالاً واسعاً ، لدرجة امضائها ساعاتٍ طويلة بتأليف مسرحيّات لألعابها التي اعطتهم شخصيّات واصواتٍ مختلفة .. وهي تضحك معهم ، او تبكي لموت احدهم بنهاية قصتها الخيالية ! 


وفي مرحلة الثانوية ، تعلّقت بالروايات الغامضة ذات النهايات الصادمة التي عاشت احداثها ومغامراتها مع ابطال القصة .. 

حتى ان كوابيسها ومناماتها الغير مفهومة ، حوّلتها الى قصصٍ في مخيّلتها التي ابعدتها كل يوم عن واقعيّة الحياة ! 


نقطة التحوّل كانت بمرحلتها الجامعية .. فبينما كانت تستعد لامتحاناتها النهائية ، خطرت في بالها فكرةً غريبة ، لدرجة انها لم تعد قادرة على التركيز في كتابها ! 

حيث استمرّت الشخصيّات في التحدّث والصراع داخل رأسها لساعات ، الى ان رضخت بتدوينها في مسودّة إحدى الدفاتر 


بعد نجاحها الجامعي ، اعطّت القصة لعائلتها وهي تتوقع نقدهم .. لكنها فوجئت بإعجابهم وتشجيعهم لموهبتها الجديدة ! 

ومن يومها ، أصبحت الكتابة هدفاً لحياتها.

***


سنواتٌ طويلة أمضتها بكتابة قصصٍ ورقية ، حشرتها في درجها .. الى ان قرّرت أخيراً نشرها في مدوّنةٍ إلكترونية 


في البداية ، كان عدد قرّائها قليلاً.. ثم بدأت تظهر تعليقاتهم الداعمة مع زيادة مشاركاتها التي انتشرت سريعاً بين المواقع الكتابية

***


وبعد عشر سنوات ، صارت لمدونتها آلاف المتابعين الذين ينتظرون قصصها كل يومين .. لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث بمرور الزمن : فكلما تحسّن أسلوبها ، زادت الإنتقادات قسّوة وقلة احترام ! خاصة من قبل خمسة أشخاص لا يفوّتون قصةً واحدة دون الإستهزاء بها ، والتقليل من قيمتها :

- متى تملّين وتوقفين حلمك السخيف ؟

- اسلوبك مبتدئ ، ومليء بالأخطاء الإعرابية 

- افكارك مسروقة من الذكاء الإصطناعي

- يبدو ان موهبتك انتهت اخيراً 

- توقفي عن احراج نفسك بقصصك التافهة 


في البداية ، حاولت تجاهلهم.. ثم صارت تترقّب تعليقاتهم بقلق.. وبسببهم أصبحت تُراجع قصصها اكثر من مرة قبل عرضها على القرّاء ، خوفاً من سخريتهم اللاذعة ، مما ادى لتأخرها بالنشر .. فلاحظ المتابعون اختفاءها التدريجي ، وطالبوا بعودتها  


لتجيب رؤى برسالةٍ حزينة : 

((يبدو ان الناقدين على حق ، فأنا لست موهوبة كبقية الكتّاب المحترفين بالإنترنت .. اساساً انتهى عصر الكتابة مع الذكاء الإصطناعي الذي يفوقنا سرعةً وذكاءً ، بقصصه التي تخلو من الأخطاء الأدبية ! انا حزينة على تضييع شبابي في موهبةٍ لم تعد تُهم احداً .. سامحوني على قصصي السخيفة التي أهدرت وقتكم .. وأعتذر عن تخييب ظنكم بي .. تذكّروني بالخير…الكاتبة الموهومة : رؤى)) 


بعدها اختفت .. فظنّ القرّاء بأخذها عطلةً قصيرة ، للإستراحة من كتابتها المتواصلة .. وبعد اسبوع ، زاد قلقهم ! وبنهاية الشهر تحقّقت اسوء شكوكهم ، بعد انتشار خبر وفاتها بأزمةٍ قلبية مفاجئة ، عقب شهورٍ طويلة من الإرهاق النفسي والأرق والعزلة..


لتضجّ مدونتها بسيلٍ من التعازي الحزينة.. حيث اعترف مئات الأشخاص بأن قصصها ساعدتهم في تجاوز الاكتئاب والوحدة والخوف… لكن أحداً منهم لم يخبرها بذلك ، بعد تكاسلهم عن ارسال تعليقاتهم الداعمة !

***


وأثناء مراجعة عائلتها لآخر منشوراتها بالمدونة ، اكتشفوا الحسابات الخمسة التي لم تتوانى عن تحطيمها نفسيّاً .. فطالبوا الشرطة الإلكترونية بتعقّب أصحابها ، ليكتشفوا انهم :

1- خطيبها السابق الذي لم يحتمل نجاحها بعد انفصالهما.

2- كاتبةٌ منافسة : فشلت في جذب القرّاء كما فعلت رؤى ، فقرّرت إقناعها بعدم استحقاقها النجاح 

3- قريبتها التي غارت من اهتمام العائلة الدائم بها

4- رجلٌ يقضي يومه بالسخرية من الناجحين عبر الإنترنت ، ليشعر بأن فشله أقل قسوة

5- مراهقة اعتادت التنمّر على الآخرين ، للتسلية وتضييع الوقت .. دون أن تتخيّل أن كلماتها ، قد تقتل أحدهم يوماً.


حين انتشرت الحقيقة ، شعر متابعو المدونة بالخجل لأن اصوات الحاقدين الخمسة اعلى ممّن احبوا موهبتها بصمت !

***


وآخر شيءٍ نُشر في المدونة : هي ورقة عثر عليها شقيقها ، بخطها اثناء معاناتها من ضيق التنفس بالآونة الأخيرة .. كتبت فيها : 

((ليس المؤلم أن يكرهك الغرباء… بل صمت من احب نورك ، حتى صدّقتَ صوت الظلام !))


الثلاثاء، 12 مايو 2026

الوصي الإلكتروني

فكرة : الأستاذ محمد بيومي آل غلاب  
كتابة : امل شانوحة 

ديكتاتور الرحمة


في يومٍ وليلة ..انقلب العالم رأساً على عقب بعد ظهور اعلان ، عُرض على جميع شاشات الحواسيب والجوالات :

((انا الوصيّ على البشريّة .. فبسبب فشل حكوماتكم المتكرّر في تحقيق العدالة والسلام ، انتقلت سلطة العالم إليّ .. بدءاً من الآن!!!))


في البداية ظنه المسؤولون اختراق من هاكر محترف او هجوم الكتروني من دولةٍ معادية .. لكن سرعان ما انهارت انظمة الدول بعد اغلاقٍ شامل للإنترنت ، والسيطرة المجهولة على الأقمار الصناعية .. مع تعطّل الملاحة الجوية والبحرية .. وجميع وسائل الإتصالات والمواصلات .. كما البورصات والبنوك والمصانع .. وصولاً لإشارات المرور والمصاعد ، والعاب الأطفال الذكية !


بعدها ظهر الوصيّ من جديد ، الذي اعلن انه شبكة تُدار ذاتياً بواسطة الذكاء الإصطناعي .. وانه راقب سياسات الدول لسنواتٍ طويلة ، والتي فشلت بإحلال السلام والعدالة الإجتماعية ، ولهذا استلم القيادة عنهم  

حيث اعطى رؤساء الدول مهلة اسبوع ، لتوقيع معاهدته للسلام العالمي (دون تطرّقه للحدود الدولية او الأديان) التي نصّت على :

- تفكيك مصانع الصواريخ والطائرات الحربية ، خصوصاً الدول العظمى 

- تعطيل المعامل النووية بشكلٍ نهائيّ

- اقفال جميع مختبرات الأسلحة البيولوجية 

- اطفاء شبكة الدارك ويب نهائياً ، لقطع التواصل بين التجّار الغير قانونيين

- منع عرض جميع القنوات والفيديوهات الإباحية 

- اعادة اموال السياسين الفاسدين الى صناديق التنمية العامة


وكانت هذه هي المرحلة الأولى لتحقيق السلام العالمي ، حسب نظام الوصيّ الجديد 

***


عندما رفضت الدول العظمى توقيع المعاهدة ، تفاجأوا بقطع كل شيءٍ الكتروني في بلادهم ، خصوصاً الكهرباء وامدادات الماء والتدفئة .. 

فخرجت الناس في مظاهراتٍ غاضبة امام القصور الرئاسية ، مطالبةً بتوقيع المعاهدة بأيّ ثمن ! 


ولم تمضي يومان على بدء الأزمة ، حتى رضخ حكّام العالم لأوامر الوصيّ الذي بدأ المرحلة الثانية من سيطرته ، التي سمّاها بالعدالة الإقتصادية .. حيث يتوجّب على كل دولة ، انتاج ما يُناسب طبيعتها الجغرافية  

- فالدول الزراعية مختصّة بتصدير الخضراوات والفواكه التي تنمو طبيعياً في تربتها 

- والدول الصناعية : للتقنيات والآلات.

- الدول الصحراوية : يتم الإستفادة من طاقتها الشمسية.

- الدول الساحلية : للنقل والثرّوة البحرية.


وفور تطبيق نظام الوصي (ولأول مرة منذ قرون) اختفت المجاعات تدريجياً مع انتهاء الإحتكارات العالمية ! 

***


وبعد توقف الإنهيارات الإقتصادية والتهديدات النووية .. وتحسّن الظروف المعيشية بعد زيادة رواتب الموظفين والعاملين ، ودعمهم بالضمان الصحي والإجتماعي .. وجعل طوارئ المستشفيات مجانية ، والتعليم الزامي على حساب الدولة .. بدأت بعض الفرق الدينية بعبادة الوصيّ الخفيّ !

خاصة مع سعادة الأهالي بتوقف التجنيد الإجباري لإبنائهم ، عقب منع الحروب نهائياً !

***


لكن من جهةٍ اخرى .. منع الوصيّ طباعة الروايات العنيفة مع حذفه الأفلام الدموية ، وعدم نشره للتعليقات المسيئة والخطابات العدائية بوسائل التواصل الإجتماعي .. وتعمّده ايقاف النقاشات الدينية لمنع التطرّف والإنقسام المجتمعي ، كأنه نظام علماني موحّد ! 


ولهذا اضطّر المثقفون والسياسيون لعقد اجتماعاتٍ سرّية باستخدام المسودّات الورقية ، خوفاً من رقابة الوصي على الأجهزة الإلكترونية .. 


فرغم تحقيقه لحلم السلام البشريّ ..الا ان الأذكياء والمبدعين شعروا بالكبت الفكري ، بعد ان منعهم الوصي من نشر افكارهم وتحليلاتهم المخالفة لقواعده الصارمة 

***


وفي احدى الشقق .. همس كاتبٌ لصديقه بضيق :

- الوصيّ حرمنا من حرّية التعبير ، كأنه حجز عقولنا في قفصٍ آمن !


ليتفاجأ برسالةٍ ظهرت على جواله :

((القفص الآمن افضل من حكم البشري الدمويّ.. وبسبب مخالفتك لقانون الإستقرار الإلزامي ، سنعاقبك بالعزل المؤقت لثلاثة أيام)) 


وفجأة ! انقطعت الكهرباء والماء عن شقته ، مع توقف انترنت جواله وحاسوبه لحين انتهاء عقوبته الجبريّة .. 

^^^


وهكذا فرض الوصيّ رقابته على المواطنين ، من خلال سيطرته على الأجهزة الإلكترونية التي يصعب التخلّي عنها في العصر الحالي ! 


العملة الملعونة

تأليف : امل شانوحة  ذهب الجن في سوق الذهب .. راقب الصائغ عامله وهو يرمي مجموعة من الحليّ المُباعة داخل وعاء الصهر.. ومن بينها عملةً ذهبية بن...