السبت، 17 أكتوبر 2026

ثمن النجاة

تأليف : امل شانوحة 

المكالمة المصيريّة


غفت العروس سريعاً تلك الليلة ، بعد امضائها ساعاتٍ طويلة في تنظيف شقتها بعد سفر زوجها في رحلة عملٍ إلى الولايات المتحدة.. والذي لم يكن قلقاً من بقاء زوجته وحدها ، كون شقيقها يسكن في المبنى المقابل لعمارته 

اما هي ، فاستلسمت لنومٍ عميق بعد يومٍ مرهق.

^^^


في منتصف الليل ، شعرت بجسدها يهتزّ فوق السرير.. فظنت أن زوجها عاد من سفره ، محاولاً إيقاظها بمزاحه المعتاد.. 


وفجأة ! ارتفعت صرخات الجيران ، وهم ينزلون الأدراج برعبٍ واضح .. وتزايد اهتزاز الأرض بعنفٍ مخيف .. حينها ادركت أنها تواجه زلزالاً خطيراً !

وقبل مغادرتها السرير ، دوّى صوتٌ مرعب ! قبل انهيار السقف فوقها مع سقوط لوحٍ إسمنتيٍّ ضخم بزاويةٍ مائلة ، مُستقرّاً على بعد نصف مترٍ من جسدها .. بعدما اوقف ظهر سريرها الحديديّ هبوطه المفاجئ نحوها !


وخلال ثوانٍ قليلة ، تحوّلت شقتها إلى ركام.. وانحشرت في مساحةٍ ضيّقةٍ مظلمة ، مع هواءٍ مليء بالغبار يخنق الأنفاس


وأول شيءٍ تذكّرته ، هو جوالها اسفل وسادتها .. والذي اضاء دون اشارة الإنترنت ، بعد تحطّم جهازه مع ما تبقى من مفروشات شقتها 


فغيّرت إعدادات الهاتف إلى شبكة الجيل الرابع ، مُنتظرةً لحظاتٍ ثقيلة ..حتى ظهرت الإشارة أخيراً.. 

فاتصلت بشقيقها الذي تحدث بصوتٍ مرتبك : 

- اختي ! هل أنتِ بخير؟! 

- نعم ، مازلت حيّة .. وانت ، هل كل شيءٍ على ما يرام ؟

- لا تقلقي عليّ .. فقط حدّدي مكانك 

الأخت : 

- انا عالقة في سريري .. وهناك لوحٌ اسمنتيّ يبعد قليلاً عن جسدي .. لكن أطرافي بخير والحمد لله .. الا ان المكان ضيّق ، والأكسجين ينفذ من حولي .. رجاءً أخبر رجال الدفاع المدني عن وجودي حيّة تحت الأنقاض 

الأخ : إتصلنا بهم قبل قليل ، وأخبرونا ان المنطقة بأكملها منكوبة.. ولا ادري متى يصلون إلى عمارتك.


فحاولت عدم إشعاره بيأسها :

- وماذا عن عمارتك ، اخي ؟ 

- انهار جزءٌ منها .. لكن جميع السكّان نزلوا للشارع ، تماماً كجيرانك .. ليتك نزلتي معهم 

فمازحته بنبرةٍ حزينة :

- انت تعرف ثقل نوم اختك .. (ثم سمع انفاسها الثقيلة ، قبل ان تقول له) ..آسفة اخي ، سأضّطر لإغلاق المكالمة.. عليّ الإتصال بزوجي قبل نفاذ البطاريّة .. الوداع اخي


لتجد هاتفه مغلقاً ، فهو مازال على متن الطائرة في رحلته الطويلة.

فكتبت رسالة وداع بيديها المُرتجفتين ، ودموعها تنهمر فوق الشاشة: 

((أحبك... سامحني لتركك مُبكراً.. رجاءً تزوّج من امرأةٍ ثانية ، وانجبا الكثير من الأطفال .. وعشّ سعيداً هانئاً ، يا زوجيّ الحبيب))


بعد بعثها الرسالة ، إنتبهت على شحن جوالها الذي قرب على النفاذ! 

فأغلقته .. لاستعمال اضائته لاحقاً ، في حال اقترب رجال الإنقاذ منها 


ثم اغمضت عينيها ، وهي تدعو الله ان يمنحها فرصةً أخرى للحياة.

^^^


مرّت الدقائق عليها ، كالأعوام .. 

وفجأة ! سمعت صوتاً مألوفاً ، يأتي من خارج غرفتها 

- أختي !!! هل تسمعينني؟!

انتفض جسدها ، بعد تأكّدها انه صوت اخيها الوحيد !

حاولت الصراخ ، لكن الغبار خنق حنجرتها.


فأضاءت جوالها الذي لمحه اخوها ، من بين شقوق اللوح الإسمنتي الضخم فوق سريرها !

- وجدتك اختي !! انا قادمٌ لإنقاذك 

اخته باستغراب :

- كيف تمكّنت الوصول للطابق الثالث ، وصعدت على ادراج عمارتي المُتهالكة؟! 

- انخسف جزءٌ كبير من مبناكِ ، وباتت شقتك قريبة من مستوى الأرض .. فدخلت من شرفة صالتك ، الى ان وصلت لغرفتك ..لا تقلقي ، سأخرجك من هنا حيّة بإذن الله.. فصديقايّ وثلاثة جيران وافقوا على مساعدتي.. ذهبوا لإحضار المطارق من بيوتهم ، وسيعودون بعد قليل لتكسير اللوح الإسمنتي الذي يحاصرك.. كل ما عليكِ فعله : هو الحفاظ على هدوئك ، كيّ لا تستهلكي الأكسجين الموجود حولك.. سنخرجك من العمارة قريباً ، أعدك بذلك !!


فاغروّرقت عيناها بالدموع :

- اخي حبيبي ، رجاءً انتبه على نفسك ! اخاف ان ينهار الجزء المُتبقي من المبنى .. كنّ حذراً !! 

- لن اترك اختي الصغيرة تحت الركام .. وسأحاول اخراجك ولوّ كان هذا ، آخر شيءٍ أفعله بحياتي .. آه ! هآقد وصل الجيران .. سنبدأ فوراً بتكسير الجدار .. تحمّلي قليلاً 


فشعرت بوجود املٍ بالخروج من هذه الأزمة على خيرٍ وسلامة !

^^^


ساعةٌ كاملة من العمل الشاق ، والغبار المتصاعد ، والعرق الممزوج بالخوف .. أمضاها الرجال الستة ، حتى بدأت الفتحة تتسع شيئاً فشيئاً .. 

وواصلوا التكسير ، رغم الأصوات المُقلقة التي صدرت من الأعمدة المُتصدّعة للمبنى المنهار !


وبالنهاية تمكّن الرجال الشجعان من سحبها بحذر من الفتحة التي أحدثوها ، والتي بالكاد تناسب حجمها ! 

وما إن شعرت بهواء غرفتها ، حتى أخذت شهيقاً عميقاً.


ووصل المسعفون في تلك اللحظة ، وحملوها على النقّالة.. وبحذرٍ أنزلوها من الشرفة نحو سيارة الإسعاف.


بينما بقيّ الرجال الستة خلفها ، يتابعون خروجها بارتياح..

***


في صباح اليوم التالي ، استيقظت بغرفة المشفى .. لتجد زوجها يجلس بجوارها بوجهه الشاحب ، وعينيه المحمّرتين من البكاء.


قبل ان ينحني لاحتضانها ، وهو يحمد الله على سلامتها

فسألته باستغراب :

- كيف عدت؟ ألم تكن في طريقك إلى أميركا؟!

- وصلني خبر الزلزال خلال الرحلة.. فألغيت سفري ، وعدّت فوراً.. ودعوت ربي طوال الطريق ان لا يحرمني منك 

- لا تقلق ، انا بخير .. فأخي ورفاقه الخمسة الأبطال ، أنقذوني من تحت الركام.. (ثم تلفّتت حولها).. رجاءً اتصل بأخي ، اريد شكره على انقاذه لي


فأشاح بوجهه ، كي لا ترى دمعته .. فشعرت بانقباض قلبها ! وطلبت منه اخبارها بما حصل ؟

فأجابها بتردّد :  

- عندما أخرجوك رجال الإنقاذ من العمارة ، كنتِ فاقدة الوعيّ .. وفور ابتعاد سيارة الإسعاف عن المكان ، إنهار ما تبقى من عمارتنا .. فماتوا جميعاً ، بمن فيهم اخوك  


في تلك اللحظة ، شعرت كأن الركام عاد ليطبق فوق صدرها.. وصرخت صرخةً مدويّة ، سمعها كل المتواجدين في المشفى !  

وهي تلوم نفسها ، ببكاءٍ مرير :

- كان عليّ الموت وحدي !! بسببي قُتل ستة رجال !! ليت هاتفي تحطّم تحت الركام ! ليتني لم أتصل بأخي ، لكان حيّاً الآن .. اللعنة عليّ !!  


ولم يستطع زوجها تهدئتها ، لحين استدعائه الممرّضة التي حقنتها بإبرة المخدّر 

فنامت هذه المرة ليس راحةً ، بل هروباً مؤقتاً من حقيقةٍ مُرّة ستطاردها طويلاً !

***


بعد يومين ، غادرت المستشفى.. وأصرّت على تقديم التعازي لأهالي الرجال الخمسة ، في اليوم الأخير لعزائهم 


وفور دخولها الصالة .. وقفت زوجة احدهم ، وهي تلومها بصوتٍ عالي :

- لقد خرج رجالنا سُلماء من بيوتنا لإنقاذك ، فعادوا إلينا جثثاً مُمزّقة بالأنقاض ! بسببك ترمّلنا ، وتيتّم اولادنا .. ليتك مُتّ وحدك ، بدل اتصالك اللعين الذي كلّفهم حياتهم !! 


فلم تستطع الردّ عليها ، وهي تشعر بوجع قلوب الزوجات المُنكسرة .. فعادت الى شقتها الجديدة ، وهي منهارةٌ تماماً 


لتبدأ سلّسلة من الكوابيس التي ايقظتها مرتعبة كل ليلة : 

((صوت اخيها يناديها من بعيد .. ومساحةٌ ضيّقة مظلمة ، مُحاصرة داخلها .. وأنفاسها المُختنقة من رائحة الغبار .. وصرخات الناس الخائفة .. وشعورها الدائم باهتزاز المكان من حولها)) 

***


وبعد عام قضته بتأنيب الضمير ولوم الذات ، أدركت اخيراً بعد جلسات علاجٍ نفسيةٍ مُكثّفة : بأن نجاتها لم تكن جريمة.. وأن شقيقها خاطر بنفسه لمنحها حياةً ، يتوجب عليها عيشها بسعادةٍ ورضاء بالقدر 


وهذا ما حصل بعد إنجابها طفلها الأول الذي وافق زوجها على تسميته بإسم اخيها .. ليبقى اسمه حيّاً مع ابنها الذي ستربيه ليكون بطلاً شجاعاً ، كخاله المرحوم! 


الخميس، 15 أكتوبر 2026

ما وراء التاريخ

تأليف : امل شانوحة 

الحقيقة المفقودة


سنواتٌ طويلة أمضاها المؤرّخ العجوز في البحث والتنقيب بين آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق القديمة ، مُتنقلاً بين المكتبات والمتاحف والأرشيفات .. في محاولته لتدوين الحقائق التاريخية التي غيّرت وجه البشريّة 


وبعد مراجعته التواريخ والروايات القديمة ، والتدقيق بأسماء الملوك والقادة والمخترعين.. أنهى اخيراً مخطوطته الضخمة ، بكتابة مقدّمتها الإستثنائية:

((بكل فخرٍ وثقة أُقدّم كتابي هذا ، الخالي من الأخطاء والشوائب الموجودة في الكتب الأخرى ، بعد تدقيقي بكل معلومة مذكورة فيه.. لأكون بذلك قدّمت اهم الأحداث التاريخية بأمانة للأجيال القادمة))


ثم وضع المخطوطة بجوار سريره ، بنيّة أخذها صباحاً إلى المطبعة.. وهو يشعر بالراحة بعد انتهاء مهمّته الصعبة التي دامت سنوات طويلة !

^^^


وعندما غفى ، رأى مناماً غريباً !

((كان في ارض معركةٍ قديمة ، تعبق برائحة الدماء والبارود .. بينما الجثث والجنود المصابين بالأسهم وقذائف المنجنيق متناثرين في كل مكان ، بجوار قلعةٍ تاريخية مُهدّمة تتصاعد منها دخان حريقٍ قضى على معظم اجزائها ! 


وقبل فهمه ما حصل ! رأى من بعيد .. قائد المعركة المهيب يتقدّم نحوه ، وسهم عدوّه مازال مغروزاً في درعه الحديديّ.. 

ثم ترجّل عن حصانه ، مُقترباً من العجوز الخائف:

- أتدري من أنا؟ .. انا القائد الذي كتب التاريخ عن هزيمته امام أعدائه ! أنظر حولك !! هل يبدو انني خسرت المعركة ، بعد إحراق جنودي لقلعة الأعداء بمن فيها ؟!!


ثم ظهر خلفه عشرات القادة الآخرين : بعضهم يحمل السيوف ، والبعض يرتدي التيجان ، وآخرون يعرجون بآلامٍ مُبرحة من جروحٍ أنهكت أبدانهم 


أخبروه جميعاً بأن كتب التاريخ زوّرت الوقائع الحقيقية ! وتمّ ذكرهم كأشخاصٍ ضعفاء ، خسروا اهم المعارك بغبائهم واستهتارهم .. دون توضيح الخيانات والمكائد التي دبّرها الخبثاء خلف الكواليس !


فردّ المؤرّخ بصدمة :

- لكني دقّقت في عشرات المصادر والمراجع المُعتمدة!

فرد احدهم بسخرية :

- من كتب تلك المصادر هو نفسه من زوّر الوقائع ، لإرضاء المنتصرين الذين شوّهوا بطولاتنا ، وأظهرونا كوحوشٍ همجيين ! 


وفجأة ! اختفى القادة .. ليظهر رجالٌ يحملون ادواتٍ مُغايرة  :

احدهم حمل عدسته المُكبّرة ، والآخر حمل مخطّطاته الجلديّة .. والثالث بيده مجهره ، مع معطفٍ تلطّخ بمواد مختبره القديم 

قائلاً أحدهم:

- اما نحن !! فقد سرق التاريخ إنجازاتنا العلميّة ، بعد ان نسب الأثرياء وأصحاب السلطة إختراعاتنا اليهم !

وقال الآخر بحزن :

- ضاع شبابنا في المختبرات .. وبعنا ممتلكاتنا ، لشراء أدوات التجارب.. فشلنا مئات المرات ، وسخر الناس منا .. ومات معظمنا فقيراً مُعدماً ، ومنّا من انتحر مقهوراً بعد مسح اسمه من الوجود .. نحن العباقرة الذين لم يُنصفنا التاريخ قط !! 


ثم اختفوا ، لتظهر بعض النّسوة من اعمارٍ مختلفة : 

- أتدري من نحن ؟

العجوز : لا ، لم ارى صوركن من قبل ! ..من انتن ؟!

فردّت امرأةٌ عجوز : بالتأكيد لن تعرفنا .. فهم لم يكتبوا عنا ، كوننا عار على مجتمعنا ! لأن عقولهم التافهة لم تتقبّل إنجاز النساء لاختراعاتٍ عظيمة ، غيّرت مجرى التاريخ .. فنسبوا عبقريتنا لرجال حاشيتهم!


ثم قالت صبية منهن : 

- لم يعترفوا بأن المرأة قادرة على الإبداع وتطوير العلوم والفنون !


بدأ المؤرخ يشعر بالإرتباك : 

- لكني لم أكذب في كتابي!

فردّت احداهن عليه :

- انت لم تكذب ، لكنك صدّقت ما كتبوه قديماً ! .. فهل بإمكانك اصلاح الخطأ ، ولو بجملةٍ واحدة تعيد الحق لأصحابه؟

^^^


وهنا استيقظ مرتعباً من منامه .. 


وبعد ان هدأت انفاسه المتسارعة .. أمسك قلمه ، وهو يفتح الصفحة الأولى من مخطوطته .. ثم حذف مقدّمته القديمة ، واستبدلها بالتالي :

((ليس كل ما وصلنا من الماضي حقيقياً.. فهناك تاريخٌ حُذف ، وفترات زمنية أُلغيت ، وإنجازات نُسبت لغير أصحابها .. وحقائق شُوّهت ، تحت ضغط السياسة والدين والسلطة.. لكننا كمؤرخين لا نملك سوى توثيق ما وصل إلينا ، مع الإعتراف باحتمال وجود حقائق أُخفيت عمداً .. لكن يبقى الأمل بالله ان يُظهرها بقدرته وعظمته ، ولوّ بعد حين))


وأغلق كتابه وهو يقول :

- لا احد يملك الحق في ادّعاء كتابة الحقيقة كاملةً ، فجزءاً منها دُفن بذاكرة النفوس الخبيثة التي تعمّدت طمسها في غياهب التاريخ !


الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

ثمن الخيانة

تأليف : امل شانوحة 

الثقة المعدومة


مع غروب الشمس ، تحقّقت الإعجوبة الطبّية بعد استيقاظ جاك (الأربعيني) من غيبوبته في المستشفى.. 

ومع ذلك سارع بإغلاق عينيه ، فور رؤيته لأحد افراد العصابة (التي ينتمي اليها) داخل غرفته ، وهو يتحدّث بجواله بعصبية مع صديقه :

((على ماذا تحسدني ؟ على وظيفتي البغيضة ، بمراقبة عدوّ رئيسي بعد دخوله بغيبوبة من طلقتي النارية ؟ فلولا ان جاك الحقير لم يسرق المستندات البنكية الخاصة بالزعيم ، لأجهزت عليه.. لكن القائد ينتظر استيقاظه منذ ثلاثة اشهر ، لمعرفة اين اخفى حقيبة امواله.. (ثم تنهّد بضيق).. أشعر فعلاً بالمللّ .. سأخرج لتدخين سيجارة.. أكلّمك لاحقاً))


لكن قبل خروج المراقب من الغرفة ، فاجأ جاك باقترابه من سريره .. وفتح جفنه بأصبعيه ، لتأكّد انه مازال فاقد الوعيّ.. 

وبصعوبة جمّد جاك نظرته لدقيقةٍ كاملة دون ان يرمش.. ليسمعه يقول :

- مازالت في عالمٍ آخر ، ايها الوغد


ولم يفتح جاك عينيه الا بعد سماع خطوات الرجل تبتعد عن غرفته .. واول شيءٍ فعله ، هو ازالة المصل من ذراعه.. 

ثم نظر إلى الأنبوب الطبي المُثبّت اسفل جسده.. مُتمّتماً بقلق :

- هذا سيؤلمني حتماً .. لكني لا استطيع مناداة الممرّض ، وإلاّ سأخاطر بحياتي 

ثم سحبه بعنف ، كاتماً ألمه بصعوبة 


ومشى ناحية النافذة وهو يعرج .. 

وحين نظر من خلف الستار البلاستيكي ، عرف ان غرفته متواجدة في خلفيّة المشفى..

- ممتاز !! سأنزل على انبوب الصرف ، دون ان يراني حارس المشفى.. لكن عليّ اولاً لبس شيءٍ يستر جسدي


وفتح خزانة غرفته ، دون عثوره على ملابسه (لحظة اصابته برصاصة خرقت جزءاً من رأسه ، دون ان تقتله) 

- حتماً ملابسي الملطّخة بالدماء ، محفوظة بأرشيف الشرطة


لكنه وجد حقيبةً صغيرة فيها غيارات المراقب ، الذي يبدو انه مُجبر على المبيت في المشفى يومياً 

فلبس ثيابه على عجل ، رغم انها فضّفاضة على جسمه الذي فقد بعضاً من وزنه خلال الشهور الثلاثة لغيبوبته !

^^^


ثم نزل قرب كراج المشفى .. ليختبئ خلف الجدار ، فور دخول سيارة إسعاف .. خرج منها الممرّض وهو ينادي السائق ، لمساعدته بدفع عربة المريض نحو بوّابة المشفى.. 

لكن زميله اعتذر ، وهو يركض للداخل : 

- لا أستطيع !! معدتي تؤلمني جداً


فاستغلّ جاك دخولهما ، لسرقة سيارة الإسعاف التي وجد المفاتيح في مكانها.

وفوق المقعد الأمامي : ترك السائق معطفه ، المُعلّق فيه بطاقة عمله الإلكترونية التي تسمح بمروره من بوّابة المشفى بسلام 

^^^


ثم قادها بسرعة نحو الطريق العام .. لكنه شعر بالذعر بعد اقتراب سيارة الشرطة منه ، ظناً بانكشاف هروبه .. 

لكن عندما اقترب الشرطي ، سأله ان كانت لديه مهمّة نقل مريضٍ من خارج المنطقة ؟

فأجابه جاك هو يحاول اخفاء ارتباكه :

- نعم سيدي .. والحالة مُستعجلة

- اذاً أكمل سيرك .. سأفتح لك الطريق حتى اطراف المدينة.. فأنا مُكلّف بمراقبة الطرقات الداخلية لمنطقتنا فحسب


وبعد ابتعاد الشرطي عنه ، تنفّس جاك الصعداء .. 

لكن فرحته لم تدم طويلاً ، بعد اقتراب وقوده على النفاذ .. مما اجبره على التوجه لأقرب محطّة بنزين 

^^^


وهناك ، خاف أن تصوّره كاميرا المحطّة .. ففتح الدرج الأمامي ، على امل ايجاده كمّامة تخفي وجهه .. ليجد علبة كمّامات نظيفة ، بجانبها محفظة السائق وجواله ايضاً ! والذي اتصل عليه مراراً ، بعد اكتشافه اختفاء سيارته ..


ففضّل جاك الإتصال بسيارة اوبر التي وصلت اليه بعد نصف ساعة ، قضاها في تناول شطيرة من مطعم المحطّة الصغير 

^^^


وفي الطريق .. طلب من السائق إيصاله لمنطقةٍ صحراوية ، لا يوجد فيها سوى بيتٍ مهجور .. على ان ينتظره بالخارج بضعة دقائق ، قبل عودته اليه 


لكن عندما خرج من ذلك المنزل ، وبيده حقيبة الزعيم (التي اخفاها هناك ، قبل اصابته بالرصاصة) سمع السائق يتحدّث مع الشرطة حول شكوكه بالزبون (اي جاك) ! 


فسارع جاك باقتحام السيارة .. وضربه بالحقيبة الحديديّة بقوة على رأسه ، أفقدته الوعيّ ..

ثم جرّه الى داخل المنزل المهجور .. وبعدها أزال اللوحة الرقمية من سيارة الأجرة التي اسرع بها الى منطقةٍ قريبة من الحدود المكسيكيّة ، حيث يعيش صديقه الذي انشقّ عن العصابة ذاتها قبل عام 

^^^


وما ان طرق باب المنزل المُتنقل ، حتى خرج صديقه وهو منصدم من رؤيته امامه:

- هل جننت يا جاك ؟! أتريد للعصابة ان تقتلني ؟ 

جاك : لا تقلق ، لم يرني احد وانا قادمٌ اليك.


وفي الداخل .. سأله عن سبب نحافته ؟ 

فأخبره جاك عن غيبوبته ، وهو يفتح الحقيبة امامه ..

فسأله صديقه باستغراب : 

- هل هذه مستندات بنكيّة ؟! 

جاك : نعم ، مستندات مالية تحمل أسماء شركات وحسابات ، وأرقاماً مصرفية سرّية تخصّ الزعيم .. جميعها تُثبت وجود أموالٌ ضخمة ، مُخبّأة في حساباته الخارجية... كنت سرقتها من خزنته قبل ثلاثة اشهر .. ظننتها رُزماً مالية .. لكني لا استطيع الإستفادة منها ، الا بعد هروبنا معاً الى المكسيك.. وبحثنا عن شخصٍ مُختصّ بالسرقات البنكية الإلكترونية 

صديقه : هل تريد توريطنا ايضاً مع عصابةٍ مكسيكية ؟

- سعر هذه المستندات ملايين الدولارات.. فإن نجحنا بالحصول عليها ، لك ربعها

- بل ثلثها !!

فصافحه جاك :

- اتفقنا !! دعنا نرحل قبل وصول العصابة الينا


فنظر صديقه من نافذة منزله المُتنقل :

- لقد بزغ الفجر .. دعنا نشرب قهوةً داكنة ، لنستمرّ بالسهر حتى وصولنا الى المكسيك


وبعد شرب جاك للقهوة ، نام على الفور !

فخرج صديقه ، للإتصال بزعيم العصابة :

((جاك قدم اليّ ، ومعه حقيبة مستنداتك البنكية.. وقبل إخبارك بعنواني ، اريد منك طلبيّن .. اولاً : ان تخبر افراد عصابتك بالتوقف عن ملاحقتي بعد مرور عام على انشقاقي عنكم .. وثانياً : مليون دولار لفتح مشروعٍ صغير ، اعتاش منه.. فجوّ العصابات لم يناسبني.. ممتاز !! اذاً اتفقنا سيدي))


وبعد انهاء المكالمة .. عاد الى منزله ، وهو ينظر لجاك النائم :

- سامحني يا صديقي .. مُضّطر ان اخونك ، بعد غرقي بالديون..انت من نصحتني قديماً : بأن لا اثق بأحد .. كان عليك السفر للمكسيك وحدك.. (ثم تنهّد وهو يشعر بتأنيب الضمير) .. ايها المسكين ! الرصاصة التالية ، ستُنهي حياتك حتماً.. هذا إن لم يعذّبوك اولاً ! 

^^^


في سيارة الزعيم ، قال سائقه :

- سيدي .. يمكنك النوم ان اردّت ، فالمسافة مازالت طويلة للوصول للحدود

الزعيم : لا ، انا بخير.. إكمل القيادة

- ماذا لوّ استيقظ جاك من المنوّم قبل وصولنا ؟

- صديقه اخبرني انه قيّده جيداً .. وسيحرسه بالمسدس ، لحين وصولنا

- وهل فعلاً ستعطيه مليون دولار ؟

الزعيم معاتباً :

- عملت معي عشرين عاماً ، ومازلت تسألني هكذا سؤالٍ احمق !.. بالطبع لا ، سأقتلهما معاً .. كما فعلت مع الرجل الذي وكّلته بمراقبة جاك في المشفى.. فأنا لا اريد اغبياء في عصابتي .. لكن عليّ اولاً ، الحصول على حقيبة مستنداتي البنكية .. فأنا لليوم مازلت لا أصدّق جرأة جاك بسرقة خزنتي السرّية !

السائق : كان عليك الحذر منه ، كونه خبير بفتح الخزائن المُقفلة

الزعيم : كنت انوي جعله ذراعي الأيمن ، لكنه طمع بثرّوتي ! ولهذا اريد قتله بيدي هذه المرة ، فأنا اكره الخيانة.. وانت !! إكمل القيادة.. لأنك ان تابعت اسئلتك السخيفة ، ستلحق بمصير جاك وصديقه النذل


فبلع السائق ريقه بفزع.. بينما ابتسم الزعيم في مقعده الخلفي بمكر ، حتى بانت اسنانه الذهبية !


الاثنين، 12 أكتوبر 2026

نعيق الغراب (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

انذار الغابة


مع بداية فصل الربيع.. أعلنت الحمامة عن إقامة مسابقة للغناء وسط الغابة.


وفي اليوم المحدّد .. توافدت الطيور بألوانها الزاهية وأصواتها الجميلة.. 

وغنّى المتسابقون من العصافير والبلابل ألحاناً رائعة ، جعلت جمهور الطيور يصفّقون لهم بإعجاب.


وقبل انتهاء المسابقة ، صعد الغراب إلى المسرح .. 

فحاولت الحمامة إفهامه بلطف : 

- عذراً أيها الغراب ، فهذه المسابقة مُخصّصة للأصوات المميزة .. ولكيّ لا تُحرج امام الطيور ، من الأفضل ابتعادك عن المسرح 


لكن الغراب العنيد أصرّ على المشاركة.

وما ان اطلق نعيقه العالي .. حتى غطّت الطيور آذانها بأجنحتها ، وهم يطالبون بنزوله من المسرح فوراً 

- صوتك مزعجٌ جداً !! 

- عدّ إلى الخرابة التي اتيت منها!

- غني في الأماكن المهجورة التي تليق بك!

- انت نذير شؤم ، فلا تفسد علينا مسابقتنا الجميلة !!


فشعر الغراب باليأس والإحباط ، جعلته يطير بعيداً وهو يخفي دموعه !

***


بعد ايام ، وفي إحدى الليالي.. استفاق الغراب على رائحة دخانٍ مزعجة !

لينتبه على اشتعال مخيّم كشّافة ، نسيّ اصحابها اطفاء موقدهم .. وساهمت الرياح بنقل النيران للأشجار المحيطة !


وبينما كانت الطيور نائمة في أعشاشها ، دون شعورها بالخطر .. كان الغراب يُحلّق بعيداً عن الغابة ، وهو يقول بحنق :

((من الغباء انقاذهم بعد سخريتهم مني))


لكنه لم يستطع مواصلة الطيران بعد شعوره بتأنيب الضمير ، خوفاً على صغار العصافير .. مما جعله يعود الى هناك ، وهو ينعق بأعلى صوته !!!


وصوته المزعج ، ايقظ بعض العصافير 

وفي عشٍ داخل شجرة ..

استيقظت الأم العصفورة ، وهي تغطي اذنيها بضيق :

- انه الغراب... عاد ليزعجنا من جديد.

فقال صغيرها بنعاس :

- امي ، لا أستطيع النوم مع هذه الضوضاء 

الأم غاضبة : سأنتف ريشه ، حتى لا يتجرّأ على اصدار صوته القبيح بعد اليوم


وما إن خرجت من عشّها ، حتى انصدمت برؤية الغابة تشتعل !

وعلى الفور !! نادت بقية الطيور للهرب ، قبل وصول النار الى اعشاشها 


وأسرعت الأمهات بحمل فراخها بمناقيرها وأقدامها ، وبعضهن وضعتهم فوق أجنحتها .. وطاروا بعيداً عن الدخان الخانق 

أما الغراب ، فلم يتوقف عن النعيق الا بعد تأكّده من خروج آخر طائرٍ من الغابة.


وبعد ساعاتٍ طويلة ، أخمد فريق الإطفاء البشري الحريق اخيراً 

***


وفي الإسبوع التالي ، اجتمعت الطيور في الجزء الذي نجا من الغابة..

وقفت الحمامة أمام الجميع ، وهي تقول : 

- ايها الأصدقاء !! اجتمعنا اليوم لتكريم البطل الذي أنقذ حياتنا جميعاً .. 

ثم التفتت للغراب ، وهي توجه كلامها له : 

- لكن علينا اولاً الإعتذار منك .. فنبرة صوتك العالية التي ازعجتنا سابقاً ، هي نفسها التي انقذتنا من الموت .. وبسبب موهبتك المميزة ، قرّرنا تعينك : حارس الغابة ، وجرس انذارها 

***


ومنذ ذلك اليوم ، لم تعد الطيور تستهين بصوته .. بل العكس ، ما ان تسمع نعيقه حتى توقف اشغالها ، للبحث عن سبب إنذاره .. بعد ان صار صوته هو المصدر الوحيد لنجاتهم من اخطار الغابة 


السبت، 10 أكتوبر 2026

الشاهدة المتهمة

تأليف : امل شانوحة 

الفخّ الماكر


في تسعينات القرن الماضي .. وصلت مروى الى عمارتها بعد انتهاء عملها ، لتجد البوّاب منشغلاً مع عامل الصيانة في محاولة إصلاح المصعد المعطّل 

فتأفّفت بضيق ، وهي تُكمل صعودها الى شقتها المتواجدة بالطابق الرابع .


وحين وصلت للطابق الثالث .. فوجئت برجلٍ يخرج مسرعاً من الشقة ، وهو يحمل هاتفاً لاسلكياً (النوع القديم الضخم) ..والذي ارتبك حين رآها ! لكنه تماسك ، مُظهراً ابتسامةً غريبة ..وهو يقول ببرود :

- انهيت للتوّ تنظيف الشقة من الدماء

فسألته بصدمة : دماء من ؟!

فأجاب بلؤم : طليقتي الحقيرة

فحدّقت فيه ، بصدمة : 

- ماذا ؟! هل قتلتها؟

- لا ، كانت ميتة حين وصلت.. يبدو أنها انزلقت عن السلّم ، وصدمت رأسها على الأرضية بعنف.

- اذاً اتصل بالشرطة والإسعاف فوراً !!

- لن يصدّقوني ، فلديّ ماضي اسود .. 




وهنا رنّ اللاّسلكي الذي بيده .. فتأفّف الرجل بضيق :

- حماتي تُزعجني باتصالها بإبنتها للمرة الألف .. سأفتح المكبّر ، لتردّي عليها

مروى بقلق : وما دخلي انا ؟! 


لكنه ضغط زرّ الإجابة ، ليظهر صوت عجوزٍ مذعورة :

- ريم !! ابنتي !! ارجوك أجيبيني بالحال .. هل انت بخير ؟ هل دخل اللعين الى بيتك ؟ ..هل آذاكِ ؟ 


وقبل استيعاب مروى ما سمعته ! قذف الرجل الهاتف باتجاهها.. فالتقطته بكلتا يديها بخوف .. ليقول بخبث ، وهو ينزع قفّازاته الجلديّة :

- يمكنك إجابة الخرِفة ، طالما اصبحت بصماتك على سلاح الجريمة.. وشكراً على المساعدة ، ايتها الجارة الفضوليّة


وأطلق ضحكةً مستفزّة ، وهو ينزل الأدراج..

لتسارع مروى بإغلاق الجوال ، واللحاق به غاضبة بعد توريطها بالجريمة 


وقبل وصوله للطابق الأرضيّ ، قذفت الهاتف بكل قوتها نحوه ..فأصابت مؤخرة رأسه .. ليختلّ توازنه ، ويسقط فوق السلالم .. حتى ارتطمت جبهته بأرضيّة المدخل.

فتجمّد البوّاب وعامل الصيانة في مكانهما من هول المشهد ! قبل ظهور مروى وهي تلهث : 

- قتل طليقته بالطابق الثالث .. إتصلا بالشرطة حالاً !!

***


بعد نصف ساعة ، وصلت دوريّة الشرطة .. وبعد بحثهم بجميع الغرف ، لم يعثروا على صاحبة الشقة التي وجدوها نظيفة للغاية ، دون أثرٍ للدماء في ايّ مكان !


بهذه الأثناء ، أخبرت مروى المحقّق بما حصل .. 

فأجاب الرجل بعد اسعاف انفه المكسور : 

- غير صحيح ، سيدي ... فأنا لم ارى زوجتي السابقة منذ ايام .. ودخلت شقتي القديمة للبحث عن هويّتها ، لتوثيق طلاقنا رسمياً .. وحين خرجت ، رأيت جارتي امامي .. فسألتها : كيف حال الجميلة اليوم ؟

ثم اشار الى وجهه المشوّه : 

- ويبدو أن مجاملتي لم تعجبها !


المحقق : ولماذا اخذت جوال طليقتك من شقتها ؟ 

- لأني لم أشتري هاتفاً بعد ، وأنتظر اتصالاً مهماً من المحكمة لإتمام بقية الإجراءات.

مروى : سيدي ، هو يكذب عليك .. وإن كنت لا تصدّقني ، فاتصل على آخر رقمٍ محفوظ بالجوال .. فهو رقم حماته التي كانت تسأل عن ابنتها برعب 


فاتصل المحقق بالأم التي اخبرته بأن آخر اتصالٍ مع ابنتها كان البارحة مساءً ، حين اخبرتها : بأن طليقها يطرق الباب بعنف ، ويصرّ على الدخول .. ومن وقتها لم تردّ ابنتها على اتصالاتها المتكرّرة ، وتخاف ان يكون طليقها آذاها ! 


وبعد انتهاء المكالمة .. قالت مروى : 

- أرأيت !! حتى امها خائفة عليها منه.. وهو بنفسه اخبرني بأن ماضيه اسود .. لذا عليكم سيدي ، البحث عن اسمه في سجلّات السجناء القدامى

المحقق : سأفعل بعد ذهابنا للمركز ، وانت ستأتين معنا ايضاً  

مروى بقلق : ولماذا ؟!

المحقق : لأنك اعتديتِ عليه وتسببتِ بإصابته ، دون وجود دليل على ارتكابه جريمة قتل.

مروى بارتباك : لكنه اعترف بلسانه انه قتلها .. وجعلني امسك الجوال لكيّ تُطبع بصماتي عليه .. فهو حتماً استخدمه لتهشيم رأسها 

المحقق : سنمسح البصمات عن الجوال في المركز ، وسنفحص المكالمات المُسجّلة فيه .. لكن عليك القدوم معنا لإكمال التحقيقات 

فرضخت مروى لطلب المحقق

***


وجاءت النتائج مخيّبة للآمال ! فرجال الشرطة لم تعثر على أثرٍ للدماء داخل الشقة.

أما الجوال ، فكان نظيفاً تماماً بعد مسحه بالمطهّر.. ولم يظهر عليه سوى بصمات مروى (بعد تغطية الطليق يديه بالقفّازات)

أما سجل الرجل ، فكان خالياً من أيّ إدانة جنائية.. رغم وجود بلاغاتٍ قديمة ضده ، تتعلّق بالسرقة واقتحام بعض المحال التجارية .. لكن لم يُقبض عليه متلبساً ، ولم يُحجز في مراكز الشرطة من قبل!


ولم يكن بيد المحقق سوى نشر تعميم على المستشفيات والمطارات بإسم الفقيدة ..

والأغرب انهم اطلقوا سراح الرجل ، لعدم وجود دليلٍ عليه !

 

ورغم تأكيد ام الفقيدة بتغيير ابنتها مفتاح شقتها ، رعباً من طليقها الذي هدّدها بالقتل اكثر من مرة .. لكن المحقق لم يعتمد اقوالها ، لعدم وجود اثباتٍ على ذلك !

والأسوء ان الرجل رفع دعوى ضدّ مروى ، بتهمة الإعتداء عليه.

وانتهت القضية بسجنها شهرين ، مع إلزامها بدفع تعويضٍ له ! 

***


بعد خروجها من السجن .. تكلّمت مع البوّاب على انفراد ، فأجابها :

- لا يمكنني ادخالك منزلها ، فهو مُغلق بأمر الشرطة

مروى : مرّ شهران على الحادثة ، ولن يشعر احد بدخولنا الى هناك

فاشترط البوّاب دخولهما مساءً ، كيّ لا يشعر الجيران بذلك 

***


في المساء ، دخلا بحذر ..  ليجدا الشقة فارغة ، بعد أن باع الطليق أثاثه القديم. 

وعندما لم يعثرا على شيء .. طلب البوّاب منها الخروج ، لإعادة اقفاله الشقة .. لكنها لاحظت شيئاً غريباً


مروى : شقتي فوق هذه الشقة ، ومع ذلك لا يوجد هذا العامود الإضافيّ في صالتي !  

فنظر البوّاب اليه ، باستغراب :

- هو ليس من اساسيات البناء !

- أتقصد ان العامود غير موجود ببقية الشقق ؟ 

- ربما أضافه صاحب الشقة ، كديكور.

مروى : عندما كنت في مركز الشرطة ، علمت أن الرجل درس التصميم الداخلي.

- ماذا تقصدين ؟

- أعتقد أن جثة السيدة ريم محشورة داخل العامود!

- مستحيل !

مروى : احتاج مطرقة

- نحن في المساء ..وإن سمع الجيران .. 

مروى مقاطعة : اذاً غداً صباحاً نعود الى هنا ، ومعنا المطارق

- سيدة مروى ارجوك ، لا تورّطيني بهذا الموضوع 

- اذاً سأفعل ذلك وحدي ، أعطني المفتاح .. انا متأكدة انه اخفى جثتها داخل العامود.. 

- لا يوجد دليل على ذلك 

مروى : ألم تخبرني ان السيدة ريم طلبت من زوجتك عدم تنظيف شقتها في الشهر الأخير قبل اختفائها ؟

- نعم ، وقد لاحظت زوجتي خوفها واضّطرابها الشديدين قبل الحادثة! 

- لابد انها تلقت تهديداً من طليقها ، ولهذا غيّرت مفتاح شقتها 


ففكّر البوّاب قليلاً ، قبل ان يقول بتردّد : 

- حسناً .. نجتمع هنا صباحاً ، لمعرفة الحقيقة .. لكن في حال وجدنا العامود فارغاً من الداخل ، فعليك نسيان الأمر تماماً

مروى : اتفقنا !! 

*** 


وفي الصباح الباكر .. وبعد عدة طرقاتٍ عنيفة على العامود ، برزت يدٌ بشرية شبه مُتحلّلة داخله ! 

فتراجعت مروى والبوّاب للخلف برعب ، بعد اكتشافهما مكان الجثة 

^^^

وعلى الفور !! تجمّعت الشرطة في المكان .. 


ليُثبت تقرير الطبّ الشرعي لاحقاً : 

((أن ريم سمحت لطليقها بدخول المنزل .. او انه اقتحمه (رغم تغيرها القفل القديم) من مهارته الإجرامية بفتح اقفال المحال التجارية .. وحصل شجارٌ بينهما .. وعندما ادارت ظهرها .. تلقّت ضربتها الأولى ، بعد رميّه الّلاسلكي الثقيل على مؤخرة رأسها ، الذي ربما تسبّب بإسقاطها ارضا .. قبل إكمال القاتل تهشيم رأسها بتمثالٍ خشبيّ ، وُجد محطّماً داخل العامود بجوار جثتها.


ويبدو ان طليقها لم يُكمل قتلها بالجوال الثقيل ، رغبةً بالإحتفاظ به (كونه غالي الثمن) .. كما يبدو انه قضى ليلته كلها في شقة طليقته ، وهو يحاول إخفاء آثار الجريمة .. ومن سؤال صديقتها المقرّبة : عرفوا ان ريم هي من طلبت من زوجها (قبل الطلاق) بناء العامود المجوّف في الصالة ، ليكون خزانة لتحفها الزجاجية .. وهو استغلّ ذلك ، لحشرها فيه .. ثم شرائه كيس اسمنت ، لإغلاق العامود تماماً .. وبعد تنظيفه الصالة بالمطهّرات طوال الليل ، خرج منهكاً من الشقة بوقت الظهيرة .. ليتفاجأ بظهور مروى امامه ! مما جعله يقلق من شهادتها ، بوجوده داخل شقة طليقته بوقت اختفائها .. ولذلك قرّر التخلّص من أخطر دليلٍ لديه ، من خلال توريط مروى بجعل بصماتها على أداة الجريمة)) 


لكن الشرطة لم تتأكّد تماماً من تلك التفاصيل ، بعد هروب الطليق عن طريق البحر ، لعلمه بوجود اسمه في المطارات ومراكز الحافلات ..

***


لاحقاً .. حضرت مروى العزاء المقام من عائلة ريم ، الذين شكروها على اكتشافها مكان الجثة 

لكن الشيء الذي اخافها ، هو تنبيه الأم التي طلبت منها تغير شقتها .. لأن طليق ابنتها انسانٌ حقود ، ولن ينسى تشويهها لوجهه الوسيم الذي يستخدمه للإيقاع بضحاياه الساذجات 


الا ان احوال مروى المادية ، لم تكن تسمح لها بالإنتقال .. خاصة عيشها في منزل والديها المتوفيّن ، الذي فيه الكثير من ذكريات طفولتها ! 

***


بعد سنوات.. فتحت مروى باب شقتها ، للخروج الى عملها .. لتنصدم برؤية هاتفٍ لاسلكيّ قديم (مطابقاً للجوال الذي تورّطت فيه سابقاً) فوق عتبة بابها ، مع قصاصة ورقٍ مكتوباً فيها : 

((حان دورك ، يا جارتي الفضوليّة)) 


فعلمت ان القاتل عاد للإنتقام منها ! 

فوضعت بحذر الهاتف والرسالة في كيسٍ نظيف ، حفاظاً على البصمات.. بنيّة أخذ الدليليّن الى الشرطة.


وحين توقف المصعد ، وجدت داخله امرأةٌ عجوز مشغولة بجوالها .. فدخلت دون الإهتمام لها .. 

وما إن أُغلق الباب .. حتى رنّ جوال مروى ، باتصالٍ من مديرها يعاتبها على التأخير .. فردّت باستعجال:

- سيدي ، أكلّمك لاحقاً .. عليّ التوجه حالاً لمركز الشرطة ، فحياتي بخطر ..


وقبل ان تُكمل جملتها .. تفاجأت بالعجوز تسحب منها الجوال الذي وضعته بجيب فستانها ، بعد ايقافها المصعد ! 

ثم ازالت شعرها المستعار .. ليظهر القاتل وهو يضع سكينته الحادة حول رقبة مروى ، هامساً في اذنها : 

- هل اشتقتي اليّ ؟


فحاولت مروى الصراخ ، الا انه أطبق بيده على فمها.. قبل ضغطه زر الطابق الرابع وهو يقول : 

- سأصعد الى شقتك للإستمتاع بك قليلاً ، قبل تشويه وجهك .. ثم امضي اليوم كله ، ببناء العامود فوق جثتك 

وصعدا معاً ، نحو مصيرها المجهول !

^^^


بهذه الأثناء .. اتصل المدير القلق على مروى ، بعد اغلاقها المفاجئ للمكالمة .. 

ليظهر رنين جوالها مراراً وتكراراً داخل الشقة ، دون ان يُجيبه احد!


الخميس، 8 أكتوبر 2026

قصص الأرواح

تأليف : امل شانوحة 

 

مدوّنة الأحلام


- أين أنا ؟!

تساءلت بقلق وهي تتلفّت حولها في فضاءٍ واسع ، تتحرّك فيه ظلالٌ أثيريّة بهدوءٍ مريب !

لتسمع صوتاً انثوياً تجيبها من الخلف :

- انتِ في عالم الأرواح.

فالتفتت اليها .. لتجدها امرأة بثوبٍ مهترئ ، وملامح بائسة !

- هل يعني هذا انني متّ ؟!

المرأة : لا ، هنا تجتمع الأرواح أثناء نومها 

- تبدو لهجتك غريبة ! من ايّ بلدٍ قدمت ؟!

- من الهند.. لكن في هذا المكان ، نتحدث جميعنا اللغة العربية.

ثم سألتها :

- انتِ كاتبة ، أليس كذلك؟

فأجابت الفتاة :

- نعم ، لما تسألين؟

الهندية : لأن حلمي ان تعرف الناس قصتي الحزينة .. لكني أميّة ، ومنبوذة في مجتمعي الذي يرفض سماع تجربتي القاسية .. ولهذا اريدك ان ترويها عني 

- حسناً.. لكن أسرعي بإخباري أهم الأحداث التي حصلت معك ، قبل استيقاظي 

فابتسمت الهندية : لا حاجة للكلام ، فقط امسكي يدي 


وما ان فعلت الكاتبة .. حتى وجدت نفسها مُحاصرةً داخل جسد الهندية ، وهي تعيش تفاصيل حياتها القاسية : من فقرٍ ونبذٍ وإهانة وخوف ، وعملٍ شاق ووحدةٍ مؤلمة ..

فشعرت الكاتبة بألمها ودموعها ومخاوفها وشعورها بالظلم ، والقهر الذي عاشته معظم حياتها المريرة !

^^^


وفي لحظةٍ واحدة ، انتهى كل شيء ! 

لتستيقظ الكاتبة مذعورة في سريرها ..

وعلى الفور !! دوّنت ما رأته في دفترها ، خوفاً من نسيان تفاصيل منامها الغريب 

***


وبعد أيام ، نشرت التجربة على مدوّنتها..

فانهالت تعليقات القرّاء بعد تأثّرهم بحكاية المرأة الهندية التي تعاطفوا معها ، متساءلين عن مصيرها (بعد ان ذُكر بنهاية القصة : أنها وقائع حقيقية) 

فاكتفت الكاتبة بالإجابة : كان مجرّد حلمٌ غريب !

***


الى ان جاء المنام الثاني ، الذي اعادها للمكان ذاته !

ومن بين الأرواح النائمة ، رأت من بعيد المرأة الهندية تلوّح لها بسعادة ..


فحلّقت الكاتبة بجسدها الأثيري اليها ..

لتتفاجأ بالهندية تحضنها بامتنان ، وهي تشكرها على صدق روايتها


ثم نادت لأرواحٍ اخرى ، يبدو الإرهاق والحزن واضحاً على ملامحهم 

- تعالوا الى هنا !! هذه الكاتبة ستروي قصصكم للناس.


فتدافعت الأرواح التي اصطفّت في طابورٍ طويل ، لم تستطع الكاتبة رؤية نهايته ! 

فقال أحدهم:

- نعتذر منك.. سنثقل عليك بتجاربنا المريرة.

ابتسمت الكاتبة :

- بل العكس .. كنت مهمومة قبل اسبوع ، لعدم عثوري على افكارٍ جديدة لمدوّنتي.. والآن صار لديّ ما يكفي من القصص ، لكتابتها طوال حياتي.. ما يقلقني هو انتقاد القرّاء في حال أخبرتهم بسماعها من أصحابها الحقيقيين الذين يعيشون في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية ، فيظنوا بفقدان عقلي!


فرد احدهم :

- ليس ضرورياً أن تخبريهم الحقيقة كاملة.. يكفينا أن تُخلّدي حكاياتٍ نخشى أن تُنسى بعد مماتنا.

وقالت احداهن :

- دعي الناس تستفيد من أخطائنا.

وأضافت الفتاة الهندية:

- الله أعطاك موهبة الخيال الواسع ، وعليك استخدامها لإفادة المجتمع.

الكاتبة بضيق :

- ليتك تعرفين كم كان مشوار كتابتي طويلاً ومرهقاً 

فردّت الهندية بهدوء :

- الله يعطي أصعب المهام لأقوى جنوده.. لا تقلقي ، فهو لا يضيّع جهد عباده، وسيكافئك على صبرك ولوّ بعد حين.

ابتسمت الكاتبة : 

- ونِعم بالله.


ثم التفتت إلى الطابور ، فوقع نظرها على عجوزٍ أنهكه التعب .. فنادته :

- تعال يا عم !! اخبرني تجربتك قبل أن أستيقظ.


فتوقف أمامها ، وهو يقول بجدّية : 

- اذا أردتِ كتابة قصتي ، فعليك حفظ كل كلمة أقولها ..لأنك ستسمعين أغرب حكاية... وربما هي التي ستُشهر مدوّنتك 

فدعت الكاتبة في نفسها ، بقلق :

((يارب لا تجعلني أنسى كلامه بعد استيقاظي))

العجوز : هيا إمسكي يدي ، سآخذك الى عالمٍ ليس له مثيل


وما ان امسكت يده ، حتى بدأ الفضاء من حولهما يتلاشى تدريجياً ! 


الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

الرصاصة الفارغة

تأليف : امل شانوحة 

القاتل المأجور


في العاشرة صباحاً .. استيقظت الصبية وهي تشعر بالدوّار ، داخل كهفٍ بارد ! 

وحين رفعت رأسها ، رأت رجلاً غريباً يوجّه مسدسه نحوها !

فصرخت بعلوّ صوتها ، طالبةً النجدة .. وهي تركض باتجاه مدخل الكهف 


لتتجمّد عند الحافّة ، بعد اكتشافها بأنهما أعلى الجبل !

لتسمعه يقول :

- الى أين ستذهبين ؟ نحن في مكانٍ معزول .. ومهما صرختِ ، لن يسمعك أحد.

فبدأت تبكي وهي تتوسّل إليه:

- لا تقتلني رجاءً !! 

- كفّي عن البكاء.. أنا مجرّد قاتلٌ مأجور.. وعليّ إنهاء مهمّتي ، للحصول على بقيّة اجرتي من موكّلي 

فسألته بدهشة : موكّلك ! يعني هناك من دفع المال لقتلي ؟! 

فأمأ برأسه ايجاباً..

- ومن هو ؟ اريد معرفته قبل موتي 

- أخشى أن تُصابي بصدمة.

فصرخت بعصبية : 

- وهل تهمّك نفسيّتي ، وأنا على وشك الموت؟!

- معك حق.


واقترب من وجهها ، قائلاً ببرود :

- أخوك.

اتسعت عيناها بذهول : 

- ولماذا يستأجر أخي الوحيد رجلاً لقتلي؟!

- لأنك أقمتِ علاقةً مُحرّمة مع .. 

فقاطعته غاضبة :

- اسكت !!! أنا أشرف منك ومن أخي!! وأقسم أنني لم أتحدّث مع رجل ٍغريب طوال حياتي ! 

فاستفسر باستغراب : 

- ولماذا يعتقد أخوك أنك شوهتِ سمعة العائلة؟!

فتنهّدت بضيق :

- لأنه يطمع بالحصول على كل شيء! فهو لم يكفه نكران نصيبي من الشركة بعد وفاة اهلنا ، بل يحاول الإستيلاء على منزل والدايّ القديم الذي اعيش فيه ! بينما يمتلك فيلا بالمدينة ، ومنزلاً فخماً على الساحل

فالتزم القاتل الصمت .. بينما اكملت كلامها وهي تبكي :

- احلف أنني بريئة.. أمضيت حياتي في خدمة والديّ ، ولم أخرج من البيت الا لعملي التطوّعي في روضة الأطفال.. فهل تصدّقني ، ام مازلت تنوي قتلي ؟ 


وكان على وشك اجابتها ، قبل ان يرنّ جواله .. فأدار ظهره ، بعد انشغاله بالمكالمة 

فأسرعت بحمل حجرٍ كبير ، وضربه على مؤخرة رأسه .. أفقدته الوعيّ !


ثم خرجت من الكهف وهي تهبط الجبل بصعوبة ، حتى وصلت لأسفله.

وهناك رأت سيارته التي لم تتردّد في تحطيم نافذتها .. وبعدها حاولت تشغيلها بالأسلاك الموجودة اسفل المقود (كما شاهدت بالأفلام)...

لكنها فشلت دون مفتاح ، فخافت من استيقاظه ولحاقه بها من جديد .. فتابعت الركض باتجاه الطريق العام الذي رأته من بعيد !

^^^


بعد ساعة من المشي المتواصل ، والإنتظار بجانب شارعٍ طويل خالي من السيارات .. توقفت شاحنة امامها .. وأخرج السائق رأسه من النافذة ، وهو يسألها باستغراب : 

- ماذا تفعلين وحدك بهذه المنطقة المقطوعة؟!

- أرجوك أنقذني ، هناك رجلاً يلاحقني... أوصلني معك إلى المدينة

- اذاً اصعدي فوراً.

^^^


بعد أقل من نصف ساعة ، بدأ السائق يبتسم لها بطريقةٍ مريبة ! قبل تجرّئه على لمس فخذها.

فصفعته بقوة : 

- عيبٌ عليك ان تستغلّ وحدتي وخوفي ، ألا تملك ذرّة شهامة؟!!

فردّ الرجل بلؤم : 

- سأكون غبياً ان ضيّعت فرصة وجود فتاةٍ جميلة لوحدها ، دون من يحميها من اطماع الرجال 


وما ان أوقف شاحنته للهجوم عليها ، حتى قفزت برعب إلى الخارج.

لتنصدم باقتراب سيارة القاتل منهما (بنافذته المحطّمة) !

حيث رآها تصرخ ، وهي تشير للسائق الذي نزل من شاحنته : 

- ساعدني ارجوك !! لقد حاول التحرّش بي!


وعلى الفور !! انقضّ القاتل بلكماتٍ عنيفة على السائق ، أفقدته الوعيّ .. وبعدها جرّ جسده الثقيل ، وألقاه فوق رمال الصحراء.. 

ثم التفت إليها بحزم:

- إصعدي الى سيارتي فوراً !! 


فتراجعت للخلف مذعورة.

- لا ! انت ستقتلني 

- لوّ كنت أريد قتلك ، لما أنقذتك الآن.

- انا لا أثق بك.

فردّ بعصبية : إذاً ابقي هنا ، حتى يستيقظ البدين القذر .. او اوقفي شاحنةً اخرى ، يكون سائقها أنجس منه !! 

فسألته بتردّد :

- هل ستعيدني الى الكهف ؟

- بل الى مطعم المدينة 

- اذاً انت من وضعت المنوّم في قهوتي ، قبل ذهابي الى العمل ؟ 

القاتل : نعم ، تنكّرت كنادل .. ثم اسندتك بعد شعورك بالدوار .. وبعدها أخرجتك من الباب الخلفي للمطبخ.. والآن دعينا نعود للمدينة ، قبل استيقاظ الملعون (واشار للسائق المُغمى عليه)


فصعدت مُجبرة الى سيارته ، للإبتعاد عن المنطقة المقطوعة ..

^^^


في الطريق .. طلب منها تضميد جرح رأسه ، باستخدام حقيبة الإسعافات الصغيرة الموجودة بالدرج الأمامي لسيارته 


وبعد قيامها بلفّ الشاشّ حول رأسه المصاب ، بينما يتابع هو القيادة .. قال لها :

- اوشكتي على قتلي 

- لوّ كنت مكاني ، لفعلت الشيء ذاته .. هل مازلت تتألّم ؟

- اشعر ببعض الدوار .. المهم أجيبيني صدقاً ، الم يكن لديك حبيب طوال حياتك ؟! 

فنظرت إليه بحدّة : 

- كم مرة عليّ إخبارك ، بأنني لا اهتم بالأمور العاطفية.. 

مقاطعاً : حسناً فهمت ... اهدئي قليلاً ! 


وبعد دقائق من الصمت ، سألته : 

- ماذا ستفعل مع أخي؟ فهو حتماً سيطلب دليلاً على موتي.. كرأسي المقطوع مثلاً

فانفجر ضاحكاً :

- يبدو انك شاهدت الكثير من الأفلام التاريخية .. لا ، هو يريدني ان أصوّر جثتك فقط .. وسأحاول ارسال الفيديو له قريباً 


وما إن قال ذلك ! حتى فتحت باب السيارة .. ليسارع بمسك ذراعها بقوة ، قبل ثوانٍ من قفزها:

- أجننتِ ؟!! ستموتين على الأسفلت ، وأنا أقود بهذه السرعة!

- سيكون أفضل من مقتلي بمسدسك!

- يا غبية !! سأصوّر فيديو يوحي بقتلك ، ثم أرسله إلى أخيك.. مع تسجيل حواري الأخير معه ، ليكون دليلاً ضدّه .. فإن اكتشف يوماً نجاتك ، وفكّر بأذيّتك ثانيةً .. أهدّد بإرسال التسجيل للشرطة 


فسألته بقلق : الا تخاف خسارة بقية أجرتك ؟ 

- يبقى اهون من قتلي انسانةً بريئة 

- هذه اول مرة أرى قاتلاً مأجوراً لديه مبادئ !

- لا يمكنك وصفي بالقاتل ، خصوصاً بعد فشلي بمهمّتي الأولى  

- واضح فعلاً انها مهمّتك الأولى 

- ماذا تقصدين ؟

- لأنه كان بإمكانك التخلّص مني في زقاقٍ قريب من المطعم ، بدل حملي الى كهفٍ بأعلى الجبل !

- أمضيت الطريق كلّه ، وانا متردّد بقتلك.. فملامحك البريئة شكّكتني بالإتهام الباطل لأخيك.. لهذا استمرّيت بالقيادة شارداً ، الى ان وصلت لتلك المنطقة المقطوعة.. وزيادة في الحرص ، حملتك لداخل الكهف

- طالما لديك ضميرٌ حيّ ، فلما تورّطت بهذا العمل القذر ؟


فأخبرها عن عمه الذي تكفّل به ، بعد وفاة والديه .. والذي درّبه على عالم العصابات 

- كنت ارفض توسيخ يدايّ بالدماء .. لكن بعد ان أخبرني أخوك أنك جلبتِ العار لعائلته .. رأيت انه لا بأس من قتل سافلة ، وإراحة الدنيا من ذنوبها 

- يعني صدّقتني في الكهف ، حين اخبرتك ببراءتي ؟!

- بل شكّكت في الموضوع حتى قبل ان اراك .. فعندما كنت في مكتب أخيك ، نتناقش في تفاصيل الجريمة .. دخل الساعي العجوز لتقديم القهوة.. 

مقاطعة : نعم اعرفه ، هو رجلٌ طيبٌ جداً

- وبّخه أخوك بقسوة ، لتضيفي دون إذنه .. وهدّده بخصم ثمن القهوة من راتبه! 

- أخي بخيلٌ منذ طفولته.

- عندها فكّرت : رجلٌ يحاسب موظفاً مسنّاً على ثمن فنجان قهوة ، هل سيكون حريصاً لهذه الدرجة على سمعة عائلته؟

- للأسف .. دلال والدايّ ، أفسده تماماً

- اذاً ما رأيك لوّ أقتله ، ونتقاسم الشركة بيننا ؟ 

- لا !! مستحيل ان اؤذي اخي ، حتى لوّ خطّط هو لموتي .. فهذا ذنبه وليس ذنبي.

فابتسم لها :

- أتدرين ؟ .. بدأت أحب طريقة تفكيرك.


وقبل ان تجيبه ، إنفجر اطار سيارته !

^^^


واضّطرا للإنتظار طويلاً ، الى ان توقفت لهما إحدى الشاحنات 

فجلس القاتل بجانب السائق ، بينما جلست هي مُلاصقة للباب 


ومع طول الطريق ، غلبها النوم.. ودون وعيٍّ منها ، أسندت رأسها على صدره !

فلم يتحرّك القاتل ، خوفاً من استيقاظها .. واكتفى بمراقبة وجهها البريء ، وهو يلوم نفسه:

((كيف أقنعت نفسي بأن هذه الطفلة تستحق الموت ؟!))


وقطع افكاره ، صوت السائق العجوز :

- يبدو أنك تحب زوجتك كثيراً.. فأنت تراقبها دون ان ترمش عينيك ! كم مضى على زواجكما؟

فأجابه بابتسامة :

- مازلنا عرسان جدّد 

العجوز : واضحٌ جداً.. أتمنى أن يدوم حبكما طويلاً.


وقد أشعل دعاء العجوز مخيّلته ، وهو يتصوّرها بثوب الزفاف.. لكنه استعاد وعيه سريعاً : 

((بالطبع لن تقبل الإرتباط برجلٍ ، خطّط لإنهاء حياتها !))

^^^


عندما وصلا إلى المدينة مساءً ، أصرّ على بقائها في شقته.

- أن علم اخوك بعودتك سالمة الى بيتك ، قد يستأجر شخصاً آخر لقتلك.

فوافقت مُضّطرة.

^^^


وفي الشقة ، سألته:

- هل أنت متأكد أن عمك لا يعرف هذا المكان؟

- اشتريته من عملي السابق.. فأنا مصمّم جرافيك ، فهو تخصّصي الجامعي.

- إذاً لماذا لم تُكمل بعملك الذي تحبه ؟ 

- لأنه قلّ كثيراً بعد الذكاء الإصطناعي 

- يمكنك العمل في تصميم الألعاب مثلاً.

- لم يخطر ببالي هذا الموضوع من قبل ! هل لديكِ افكار بهذا الشأن ؟

فوضعت يدها على معدتها :

- نتحدّث عنه اثناء العشاء ، فأنا أتضوّر جوعاً 

- لديّ بعض المعلّبات 

- يبقى أفضل من لا شيء

***


في اليوم التالي ، اصطحبها إلى مستودعٍ مهجور.

وهناك أطلق عليها رصاصةً فارغة ، لتسقط ببركة من دمائها المزيفة التي صمّمها بواسطة خبرته في التصميم 

^^^


وبعد عودتها الى شقته .. شاهدت الفيديو ، وهي تقول بدهشة:

- يا الهي ! انه مقنعٌ جداً 

- يبدو كلامك صحيح ، يمكن للذكاء الإصطناعي ان يطوّر مستقبلي .. (ثم رفع جواله).. على فكرة ، اتصل أخوك قبل قليل .. ويريد مقابلتي الليلة. 

- رجاءً كن حذراً 

- وانت لا تخرجي من شقتي ، حتى اعود

***


ثم ذهب إلى مكتب أخيها ، وهو يضع كاميرا خفيّة صغيرة في قبعته ..وكما توقع ! ماطل بدفع بقية اجرته ، بحجّة مشاكل مالية في الشركة


فوافق القاتل على تأجيل الموضوع ، وقاد سيارته مبتعداً عن الشركة  

وبعدها ، ارسل للأخ حوارهما المُسجّل .. مع رسالة تهديد :

((التسجيل الذي سمعته ، هو دليل تورّطك بقتل اختك.. فإن لم تتنازل لي عن الشركة ، سأرسله الى الشرطة.. معك حتى صباح الغد ، لإعطائي الجواب النهائيّ))

***


في صباح اليوم التالي .. عُثر على الأخ منتحراً في مكتبه ، بعد جرعةٍ زائدة من المهدّئات !


وبعد العزاء ، استلمت شقيقته ادارة الشركة.. بينما غادر القاتل الى المدينة المجاورة ..لمتابعة عمله بتصميم الألعاب الإلكترونية ، بعد ان ساعدته بمكافئةٍ مالية ضخمة.

***


بعد خمس سنوات ، دخل مكتبها 

فسألته بصدمة :

- أهذا انت ؟! الا تخاف أن يعلم عمك بعودتك ؟


فأخبرها بأن الشرطة ألقت القبض على العصابة ، وعلى عمه (الذي ظن بموته بعد فشله بمهمّته الأولى)  


فردّت بارتياح : 

- الحمد الله على نجاتك من شروره .. ماذا عن عملك؟

ابتسم بفخر.

- أصبحت اهم مصمّم جرافيك في المدينة ، خاصة بعد اتقاني التعامل مع الذكاء الإصطناعي... ماذا عنك ؟ كم طفلاً أنجبتي ؟

- ممّن ؟ لم اتزوج بعد

فسألها باستغراب :

- الم يتقدّم احد ، بعد ان ورثت الشركة ؟!

- بل تقدّم الكثيرون لأجل مالي ، لكني لم أجد شخصاً يحبني بصدق .. ماذا عنك ؟

- لم اتزوج ايضاً .. فأنا لم أنسى يوماً ، الفتاة التي نامت على صدري طوال مشوار الشاحنة.

فقالت بابتسامةٍ حزينة :

- غريب أنني شعرت بالأمان مع رجلٍ كان ينوي قتلي ، أكثر مما شعرت به مع أخي الوحيد !


فسكتا لبعض الوقت ، قبل ان يقول لها :

- لن انسى ابداً فضلك عليّ .. فأنت أنقذتني من أن أصبح قاتلاً حقيقياً.. والأسوء انني اكتشفت الحقيقة منذ وقتٍ قريب .. فعمي هو من أمر بقتل والدايّ ، للإستيلاء على مال العائلة لتطوير عصابته ..وعندما علم بنجاتي ، اضّطر امام الشرطة للتكفّل بي .. ليس لتربيتي ، بل لصنع مجرماً يخدم مصالحه.

- أعرف صعوبة ما مررّت به .. لكن رجاءً ، عليك نسيان الماضي.

فردّ بحزن : انا أحاول كل يوم .. صدقاً 


ثم نظر إليها مطوّلاً ، قبل ان يقول بتردّد : 

- سيكون الأمر أسهل لوّ كنتِ بجانبي.

ابتسمت : 

- أهذا عرض زواج؟

- نعم ، وأعدك بالتزامي القوانين طوال حياتي .. وأن اكون زوجاً صالحاً .. وأن أربّي معك ابنائنا على القيّم الأخلاقية.. بعيداً عن عالم الجريمة الذي جمعنا بذلك اليوم 

***


وبالفعل تزوجا وأنجبا ثلاثة ابناء ، كلما سألوهما عن قصة حبهما .. يكتفيان بالقول :

- جمعنا القدر داخل كهفٍ بالجبل 

وأبقيا السرّ بينهما :

((بأن اليوم الذي خطفها فيه قاتلٌ مأجور ، كان اليوم الذي تغيّرت فيه حياتهما للأفضل !)) 


ثمن النجاة

تأليف : امل شانوحة  المكالمة المصيريّة غفت العروس سريعاً تلك الليلة ، بعد امضائها ساعاتٍ طويلة في تنظيف شقتها بعد سفر زوجها في رحلة عملٍ إلى...