تأليف : امل شانوحة
الوريث المزيّف
في مدينةٍ سياحية مقسومة طبقيّاً : حيث ترتفع قصور الأغنياء فوق التلال المُطلّة على البحر ، بينما تتكدّس بيوت الفقراء قرب ميناء الصيادين .. قرّر رئيس البلدية توسيع الأسواق والمتنزهات لجذب السائحين .. ولهذا جمع موتى الأثرياء والفقراء في مقبرةٍ واحدة ، بسورٍ حديديّ يفصل بينهما!
***
في احدى عمارات الفقراء ، لم ينم البوّاب احمد (العشرينيّ) ليلةً واحدة منذ اسبوع بعد تكرّر كابوسه المُبهم : ((وهو يرى نفسه يُدفن في تابوتٍ فاخر من خشب السنديان .. بينما يبكي حول قبره ، شخصيّاتٌ ثريّة لا يعرفها!))
فحاول تجاهل منامه .. الى ان أتى اليوم الذي رافق فيه صديقه الى جنازة والده..
وبعد مغادرة المعزّون ، سحب حفّار القبور احمد جانباً .. وهو يسأله مذعوراً :
- الم ادفنك الإسبوع الماضي ؟!
ثم أخبره عن دفنه شاباً ثرياً يُشابهه بالعمر والشكل !
فردّ احمد : ربما تتخيّل يا عم
فأصرّ الحفّار على أخذه الى مكتب المقبرة .. حيث انصدم احمد من التشابه بينه وبين صورة الميت (في الملف) الذي دُفن قبل اسبوع .. والذي وُلد ايضاً بنفس التاريخ ! ولكيّ يتخلّص من فضول الحفّار ، أجابه كاذباً :
- الميت مولود بالشتاء ، وانا بالصيف .. كما انني أكبُره بعام
الحفار بخبث : لوّ كنت مكانك .. لاستغلّيت هذا التشابه ، للتقرّب من عائلة الميت الثريّة
احمد : لا اريد مشاكل مع الطبقة المخمليّة
ثم خرج من المقبرة ، مُباشرةً لزيارة جارته العجوز (القابلة التي أشرفت على ولادته)
***
وما ان فتحت الباب ، حتى سألها دون مقدّمات :
- ماذا فعلتي بأخي التوأم ؟
فانهارت العجوز فوق مقعدها ، بعد إدراكها بفضح سرّها التي كتمته طويلاً ! واعترفت مُتوسّلة :
- كنت بحاجة للمال .. وأمك فقدت الوعيّ اثناء الولادة ، فلم تعلم بإنجابها توأميّن .. بينما بعت الطفل الثاني لإمرأةٍ ثريّةٍ عقيمة.. (ثم امسكت يده) ..رجاءً لا تخبر والدتك ، فهي لن تتحمّل سماع الحقيقة
فصرخ غاضباً :
- اخي مات الإسبوع الماضي .. لقد حرمتِني منه لعشرين سنة !!
فردّت بخبث : ولما لا تأخذ مكانه ؟ فأهله يشتاقون لرؤيته من جديد
احمد : لقد انتحر ، كيف سأحلّ محلّه ؟
فسألته بقلق : هل قتل نفسه بطلقةٍ نارية ؟
- حسب ما قرأته بملف دفنه ، انه مات بجرعة دواءٍ زائدة
الجارة بحماس : ممتاز !!
وخلال دقائق ، رسمت له خطةً شيطانية : وأخبرته انها ستذهب معه الى القصر ، لإخبار والدايّ الميت : أنها زوجة الحفّار الذي سمع صرخته ، مباشرةً بعد انتهاء الدفن وخروج المعزّون من المقبرة .. ويبدو ان جرعة الدواء الزائدة ، اوقفت قلبه مؤقتاً .. ورغم نجاته بأعجوبة ، الا انها فضّلت مع زوجها عدم اخبار عائلته ..لأنه عانى من اضطّراب في الحركة والنطق ، نتيجة نقص الأكسجين في تابوته .. لكن فور استقرار مشيته ، أعادته إليهم.. مع استمرار فقده الشبه كامل لذاكرته !
احمد بصدمة : أتريدينني ان اسرق حياة اخي ؟!
الجارة : ولما لا ؟ من حقك تجربة الرفاهية ، كما فعل اخوك التوأم .. ثم فكّر بوالديك المساكين ، فهما يستحقّان حياةً افضل .. وأنا سأخبرهما بانتقالك للعاصمة ، للعمل في معمل قريبي .. وانك سترسل لهما ، نصف راتبك كل شهر
ولأجل تحسين الظروف المعيشيّة لوالديّه ، وافق على خطتها الماكرة
***
فور دخول احمد والقابلة الى صالة القصر ، انهارات الأم الثرية باكية في أحضانه وهي لا تصدّق ما تراه !
بينما تسمّرت نظرات الأب (العقلاني) على الشاب وهو يتفحّصه بإمعان ، لعدم تصديقه قصة نجاته من القبر بسهولة ! كما خوفه ان يكون مخادعاً (يريد استغلال التشابه بينه ، وبين ابنه المرحوم) لهذا أصرّ على اجرائه فحص الـ DNA ، للتأكّد من هويّته
مما ارعب احمد والقابلة .. ففي حال كُشفت خدعتهما ، سيُزجّان بالسجن لسنواتٍ طويلة !
***
مرّت ثلاثة أيام من الانتظار المرعب ، اوشك فيها احمد على الفرار من غرفته المُحتجز بها ، من حرّاس القصر
وحين ظهرت النتيجة ، كانت المفاجأة ! فقد تطابقت العيّنات تماماً .. مما اراح الوالدة الثريّة التي عادت لاحتضان احمد بشوق ، بينما اعتذر زوجها عن شكّه به .. (فهما اساساً لا يعرفان بوجود توأمٍ لإبنهما)
اما احمد (الذي اتصل لاحقاً بالقابلة لتبشيرها بنجاح الخطة) فقد حمد الله سرّاً بأن وهبه ذات الشفرة الوراثية لأخيه (رغم ندرتها عالمياً) !
^^^
وفي تلك الليلة .. نام احمد في فراشٍ مريح ، بغرفةٍ فخمة تطلّ على البحر .. بعد تناوله الذّ عشاءٍ ، لم يتذوّق مثله طوال حياته البائسة ..
لكنه ايضاً شعر بالذنب ، لبقاء والديّه في حيّ الفقراء ..
مع ادراكه بأن جارته العجوز ستبتزّه دائماً براتبٍ شهريّ ، مقابل كتمانها السرّ وإيصالها أخبار والديه (عبر الجوال)
مع مرور الوقت .. بدأ أحمد يتقمّص شخصية وليد ، حتى كاد يصدّق كذبته!
***
وذات يوم ، سأله والده : ان كان موافقاً على زواجه من ابنة عمه (التي تعرّف عليها بإحدى سهرات القصر) ؟
فأجابه احمد : لا ابي ، لم تعجبني بتاتاً
فردّت امه بامتعاض :
- رجاءً لا تقل ، انك مازلت تفكّر بالفقيرة التي حاولت الإنتحار بسببها ؟
فعاتبها زوجها :
- وليد نسيّ الكثير من ماضيه ، بعد تجربته الصعبة بالقبر.. فلما تذكّرينه بها ؟
وخرجا من غرفته ، حتى لا يتشاجرا امامه.. بينما تملّك احمد الفضول ، لمعرفة ذوق أخيه الراحل.. وهل فعلاً تستحق حبيبته ، ان ينتحر لأجلها !
^^^
ولأنه يعرف بأن الوالديّن الثريين لن يُخبراه بمعلوماتٍ عنها.. سأل مربية اخيه العجوزة .. فأعطته صورة لها
احمد بدهشة : يا الهي ! انها فاتنة.. لما لم تعجب اهلي ؟
المربية : لأنها نادلة في مطعمٍ فخم ، ولا ترتقي لمستوى عائلتك
احمد بحزم : رجاءً اعطني العنوان
***
وفي المساء ، توجه لذلك المطعم ..
لتسقط الصينية من يد الصبية ، فور رؤيته ! وقبل ان يُغمى عليها ، سارع بإجلاسها على طاولة بعيدة عن الزبائن ، وهو يحاول تهدأتها
النادلة باكية : لما لم يخبرني والديّك بأنك مازلت حياً ؟ الا تدري كم بكيت على قبرك ؟
وقبل ان يجيبها ، صفعته بقوة :
- وانت !! طالما حيّ ، لما انتظرت شهرين للقدوم الى هنا ؟
فأخبرها انه فقد جزءاً كبيراً من ذاكرته بعد خروجه من القبر.. ولولا مربيته ، لما تذكّرها !
فسألته بقلق : وماذا الأن ؟ هل ستتزوج ابنة عمك ؟
احمد : لا ، لم تعجبني تلك المتعجرفة .. (ثم قال بتردّد) .. لكني في نفس الوقت ، لا اعرفك جيداً
فردّت معاتبة : سنتان معاً ، وتقول انك لا تعرفني !
احمد : أخبرتك انني نسيت الماضي بعد محاولة انتحاري.. لذا اريد التعرّف عليك من جديد
***
وبالفعل صار يقابلها بعد انتهاء دوامها ، دون علم والديّه الثريين بالأمر.. الى ان أُغرم بها ، كما فعل اخيه التوأم !
وعندما اخبر والديّه بقراره الحازم للزواج بها.. رفضت الأم بالبداية.. لكن الأب حسم الأمر :
- لن أسمح بانتحار ابني الوحيد مرةً ثانية ، بسبب عنادنا وإصرارنا على رفضها ، للفارق الإجتماعي بيننا
فرضخت زوجته مُرغمة ، بقبول الكنّة الفقيرة
***
وفي عرسٍ فخم .. ورغم سعادة احمد بزواجه من حبيبة اخيه السابقة ، لكنه شعر بالحزن لعدم تواجد والديّه الحقيقيّن بصالة الأفراح.. فهما لطالما تمنيا رؤيته عريساً قبل وفاتهما ..
لكنه مُجبر على إكمال المسرحية حتى النهاية.. رغم خوفه من القابلة الطمّاعة التي تطالبه بالمزيد من المال ، او كشف سرّه .. كما يخشى عتاب والديّه حين يعلمان ببيع هويّته ، مقابل حياةٍ لم تُقدّر يوماً له !
وهنا قطعت تفكيره العروس بسؤالها :
- الن تراقصني ؟ فهذه اغنيتنا المفضّلة
فابتسم رغم احزانه ومخاوفه ، محاولاً الإستمتاع بليلة زفافٍ مزيّفة .. كان من المفترض أن تكون ، من أجمل أيام أخيه الراحل !






