تأليف : محمد بيومي آل غلاب
قوة النقيضين
في غابر الأزمان ولد التوأم **الغاشر والعاشز في إحدى عوالم الجن المنسية، وكان بينهما رابطة دم سحرية، إذا ابتعدا عن بعضهما أكثر من ميل واحد، يبدأ جسداهما بالذوبان.
صفة أحدهما وهو الغاشر أنه لا يطيق المكوث في مكان، والآخر العاشز مهنته تتطلب التخفي والسكون لشهور.
فالغاشر جني بدوي، ضخم المنكبين، يرتدي درعاً من جلد السقنقور، طبعه الغشر وهو الهجوم المباشر، يكره الانتظار، ويريد دائماً الترحال في الفيافي.
أما العاشز جني من العمّار من الذين يسكنون البيوت المهجورة، نحيل، عيونه لا ترمش، متخصص في العشوزة وهي فن التسلل لسرق أسرار البشر دون أن يشعروا به.
تلقى العاشز مهمة من حكيم القبيلة، فعليه أن يسكن في قبو مهجور لقصر تاجر بشري لمراقبته، فالتاجر يمتلك خريطة لمناجم الكبريت الأحمر،
- فعلى العاشز أخذ هذه الخريطة وإيجاد الكبريت الأحمر وإحضاره إلى ملك الجن الأقهب لإخفاءه عن السحرة من البشر لئلا يتسببوا في أذية الجن والسيطرة عليهم - ، وأساس مهمة العاشز المراقبة التي تتطلب سكوناً تاماً لمدة سبعة أيام.
لكن الغاشر مجبر على البقاء معه في نفس القبو الضيق بسبب رابطة التوأم.
وفي القبو المظلم، الرطب، المليء بالخفافيش، التصق العاشز بالسقف كأنه جزء من الخشب، والغاشر يتحرك بضيق يميناً ويساراً، وصوت أنفاسه يكاد يفضح المكان.
احتد غضب الغاشر من الوضع،
غاشر: سأجن يا عاشز! المكان يضيق عليّ كأنه قبر، دعني أخرج لأحطم صخرة واحدة خارج الأسوار وأعود.. رئتاي تحترقان!
العاشز دون أن يحرك عضلة: اثبت يا غاشر، لو خرجت سأذوب أنا هنا كالشمع، ولو تحركت أنت، سيعرف التاجر أن القبو مسكون، الغشر لا ينفع مع البشر، بل يحتاجون إلى المكر والعشوزة.
غاشر: مكرك هذا سيقتلنا مللاً! سأكسر عنق هذا التاجر وآخذ الخريطة في ثانية، وننتهي.
عاشز: وقتها سيحضر الرقاة والكهنة ويُطرد كل جن القبيلة من هذه المنطقة، اصبر، القوة ليست دائماً في القبضة.
بعد مرور أيام الأسبوع وفي آخر يوم لهما في القصر، والتوأم ما زالا في القبو، دخل لصوص من البشر لسرقة التاجر، والأصعب في الأمر أن اللصوص ليسوا لصوصاً عاديين، بل كان معهم بخور مغربي يطرد الجن العمّار.
أشعل اللصوص البخور، وبدأ الدخان يتسرب للقبو، والعاشز بدأ يضعف، فالبخور يحلل قواه السحرية القائمة على التخفي.
عاشز بصوت متقطع: غاشر.. الدخان.. سيسلبني القدرة على الاختفاء.. سأظهر أمامهم إن دخلوا للقبو للبحث عن الخريطة.. سيقتلونني بتمائمهم.
لمعت عينا غاشر ببريق الغشر،
غاشر: أخيراً! جاء وقتي، ابقَ أنت خلفي، سأريك كيف تكون حماية الأخ.
كسر غاشر حاجز الاختباء واستغل قدرته الجسدية الهائلة، فخرج من القبو في لمح البصر، وقام بالغشر الجسدي، فضرب الأرض بقدمه ضربة زلزلت أركان القصر، ثم جسّد نفسه كخيال أسود ضخم واندفع نحو اللصوص، مستخدماً الرعب المادي بدل السحر، فقلب الطاولات، وحطم الأثاث فوق رؤوسهم، وصرخ صرخة هزت أبدانهم، ففروا هاربين تاركين سلاحهم وبخورهم.
عاد الهدوء إلى القبو وتنفس عاشز الصعداء.
عاشز: لقد فضحتنا.. الآن سيعرف الجميع أن القصر مسكون بجن غاشر.
ضحك غاشر بملء فيه،
غاشر: فليعرفوا! على الأقل نحن أحياء، مكرك كاد أن يجعلنا رماداً تحت أقدام اللصوص، أحياناً يا أخي، تحتاج من يكسر الباب بدلاً من أن يحاول فتحه بمفتاح صدئ.
عاشز: ربما.. لكن لولا هدوئي طوال الأسبوع لما عرفنا أين يخبئ التاجر الخريطة، لقد رأيته يضعها في بطانة معطفه حين ظن أنه وحده.
غاشر: إذاً، تمت المهمة، أنت تأخذ المعلومة، وأنا أحميك، والآن.. يمكننا الخروج من هذا القبو اللعين.
بدأت الرحلة الحقيقية عندما غادر التوأم القصر المهجور، يحملان سر الكبريت الأحمر.
بينما كان التوأم يسيران في القفار، كان التوتر سيد الموقف، ضرب الغاشر الأرض بهراوته الحجرية، العاشز ينسلّ كظل الغاشر، وعيناه تجوبان الأفق.
غاشر: توقف عن هذا الالتواء يا عاشز! تمشي كأنك تخشى إيقاظ الأرض، نحن جن، والبرية لنا، ارفع رأسك واضرب بقديمك!
تنهد عاشز بصوت خافت،
عاشز: الأرض لها آذان يا غاشر، وهذا الطريق يحرسه خُطّاف الأنفاس، لو سمعوا جلبة هراوتك، سيطبقون علينا من تحت الرمل، العشوزة هي أن تمر دون أن تدري بك الريح.
ضحك غاشر بسخرية وقال:
خُطّاف الأنفاس؟ فليأتوا! سأجعل من عظامهم وقوداً لنارنا، القوة هي التي تفتح الطريق، وليس الهمس في أذن الرمل.
جلس التوأم عند نار صغيرة في وسط الصحراء التي اشعلاها بقدرتهما السحرية، فتح عاشز الخريطة أمام النار الصغيرة، بدأت الخطوط تتحرك كأنها عروق حية.
عاشز : انظر.. الخريطة تقول إن الكبريت الأحمر ليس معدناً يُحفر، لكنها دموع الجبل تقطر من سقف منجم الظلمات السبع مرة كل مئة عام، واليوم هي الليلة الموعودة.
غاشر: دموع؟ حسبته حجراً يمنحنا القدرة على تحويل النحاس لذهب، وسحق الأعداء.
عاشز: هو كذلك، لكنه سائل في بدايته، إذا لمسه هواء الفجر تجمد وأصبح ياقوتاً يغلي، علينا الوصول قبل الشروق.
وصل التوأم إلى فتحة المنجم؛ وهي فجوة سوداء ينبعث منها ريح كرائحة البارود، ومنطر جدران المنجم كأنها مرايا من الكريستال الأسود.
عاشز: هنا تبدأ لعبتي، المتاهة مصممة لتضليل من يعتمد على بصره، لا تلمس الجدران يا غاشر، فهي تمتص القوة الجسدية.
شعر غاشر بالاختناق،
غاشر: أكره هذه الأماكن.. أشعر أن الجدران تقترب مني، عاشز، لا تبتعد عني، رابطة التوأم بدأت تؤلمني.
وبينما كان الأخوة يتجولان في المنجم، فجأة! ظهر حراس المنجم، وهم من الغيلان الصخرية، ضخام بلا عيون، أجسادهم مغطاة بملح سام.
غاشر: أخيراً! شيء يمكنني ضربه!
اندفع غاشر بغشرته المعهودة، ووجّه ضربة هائلة لأول غول، لكن الملح السام تطاير وأصاب ذراع غاشر فبدأت تؤلمه.
صرخ عاشز : تراجع! هؤلاء يتغذون على الصدام، دعني أعميهم بالوهم!
استخدم عاشز عشوزته، وبدأ يدور حول الغيلان بسرعة تجعل الهواء يصفر بلحن معين، فبدأت الغيلان تضرب بعضها البعض ظناً منها أن العدو بينهم.
في تلك اللحظة، سحب عاشز أخاه غاشر من وسط المعمعة.
سار التوأم حتى وصلا إلى قاعة واسعة، في وسطها عمود من الكريستال يقطر منه سائل أحمر يتوهج بنور شيطاني، لكن المفاجأة لم تكن في الكبريت وحده.
تحت قطرات الكبريت، وجدا هياكل عظمية لملوك الجن القدامى، جالسين في حلقة، وكل واحد منهم يمسك بمرآة تعكس وجه الآخر.
غاشر: ما هذا؟ هل ماتوا وهم ينتظرون الكبريت؟
تفحص عاشز المكان بدقة وهو يقول: لا.. انظر إلى عيونهم، لقد تحولوا إلى حجر، الكبريت الأحمر ليس جائزة، إنه فخ، من يلمسه بمفرده دون أن يكون معه نقيضه، يتجمد مكانه للأبد.
غاشر: إذاً، لو جئتُ وحدي وحاولت أخذه بقوتي..
عاشز: لكنت الآن هيكلاً حجرياً يزين هذه القاعة، ولو جئتُ أنا بمكري، لما استطعت عبور بوابة الغيلان.
مد غاشر يده الضخمة: خذه أنت بمكرك يا عاشز، وأنا سأحمل الوعاء وأحميك بصدري حتى نخرج.
عندما لمس عاشز الكبريت، اهتز المنجم، وبدآ بالتوجه للخارج وهما يدركان أن قوتهما ليست في التفرد، بل في الرابطة التي كانت تضايقهما.
كان التوأم يظنان أن العودة للاحتفال، ولا يعلمان ما سيواجهانه من صراع للبقاء ضد السلطان.
حين وصلا إلى مشارف وادي الدخان، مقر ملك الجن الأقهب، كان الحرس بانتظارهما، الملك الأقهب ملك من ملوك الجن الذين يسكنون في الأودية، وعيونه ترى ما تحت الرمل.
جلس الأقهب على عرش من عاج الفيلة المسحور، وبجانبه سيافوه بوجوههم المغطاة بالنحاس.
الملك الأقهب: غاشر.. عاشز.. التوأم المنبوذ، جئتما بما عجزت عنه جيوشي، ضعوا الكبريت الأحمر في مبخرة الخلود وارحلا بسلام.
همس عاشز لغاشر وهو يرى غدر الملك في لمعة عينيه.
عاشز: لا تسلمه القارورة يا غاشر، فيده ترتجف طمعاً، وسيفه خلف ظهره ينتظر إشارة.
تقدم غاشر بخطوات تهز القاعة
غاشر: يا ملكنا، الكبريت الأحمر له ثمن، نحن خاطرنا بأرواحنا في منجم الظلمات، والآن تريد أخذه بكلمة؟
الملك لم يرد بالكلمات، بل أشار بإصبعه، فانطلقت رماح الظل من الجدران نحو التوأم.
صرخ عاشز: الغدر!.
في جزء من الثانية، استخدم عاشز عشوزته القصوى؛ فجعل جسده وجسد أخيه شفافين كالسراب، فمرت الرماح من خلالهما لتصيب حرس الملك الواقفين خلفهما!
غاشر وهو يشتعل غضباً: تريد دمنا؟ خذ غضبي إذاً!
هجم غاشر بغشر لم يره أحد من قبل، فضرب أعمدة العرش الرئيسية، فانهارت السقوف الرخامية فوق رؤوس الجنود، مما أحدث فوضى عارمة.
بينما كان الحطام يتساقط، كان عاشز ينسج خيوطاً من الوهم حول الملك، مما جعله يرى جيشاً كاملاً من التوائم يحيط به.
صرخ الملك الأقهب بجنون وهو يلوح بسيفه في الفراغ: أين أنتما؟ سأحرق الوادي بمن فيه!
تكلم عاشز بصوت يتردد من كل زاوية
عاشز: أنت ملك على الأجساد يا أقهب، لكنك لا تملك سلطاناً على الروح التي يمنحها الكبريت، طمعك هو من قتلك.
ظهر غاشر فجأة خلف الملك، وهو يمسك بياقته الضخمة: بضربة واحدة يمكنني سحق تاجك فوق رأسك، لكننا لسنا قتلة ملوك، نحن أحرار البرية.
بدلاً من قتل الملك، قام عاشز بحركة عاشزة عبقرية، فوضع قارورة في يد الملك، فظن الأقهب أنه استسلم.
غاشر: ماذا فعلت؟ هل سلمته الكنز؟
ابتسم عاشز وهو يجر أخاه للخارج: اركض يا أخي ولا تنظر خلفك!
حين فتح الملك القارورة ليغتسل بالكبريت الأحمر، انفجر في وجهه بخور الطرد المغربي الذي أخذه غاشر بعد أن تركه اللصوص البشر في قصر التاجر! صرخ الملك وهو يشعر بقواه السحرية تتبخر، بينما كان التوأم يختفيان في عمق الصحراء.
توقف التوأم فوق تلة عالية، وعاشز يخرج القارورة الحقيقية من طيات ثوبه.
غاشر: لقد خدعته بالبخور! مكرك هذا أخطر من هراوتي يا عاشز.
عاشز: وهراوتك هي من حطمت عرشه ومنحتني الوقت لأستبدل القوارير، الآن، ماذا سنفعل بهذا الكنز؟
غاشر ناظراً إلى الأفق: سندفنه في مكان لا يصل إليه ملك طماع ولا إنسي جشع، سنبقى نحن حراسه.. الغاشر الذي يحميه بدمه، والعاشز الذي يخفيه بمكره.
وهكذا، تحول التوأم من مجرد جنيين منبوذين إلى أسطورة الصحراء، الحارسان الخفيان لأعظم سر في عالم الجن.
****
ملاحظة :
تسمية الغاشر مأخوذة من قناة القصة الأخيرة من قصة فيها قط أسود أعمى اسمه غاشر.
أما تسمية العاشز مأخوذة من العواشز قبيلة من الجن يعيشون في صحراء الصمان وسط الجزيرة العربية والعوشز هو نبات العوسج الصحراوي تعيش قبيلة الجن في منابت هذا الشجر
هذا من الموروث الشعبي المتناقل شفهياً والله أعلم بصحته.





