تأليف : امل شانوحة
حلم النجم
انتفض الصبي من فراشه .. وركض حافي القدمين نحو الصالة مذعوراً .. ولم يهدأ روعه ، الا بعد رؤية والده يجلس أمام تلفازه القديم .. لكنه شعر بالغيظ بعد رؤية كأس الخمر بيده الذي ادمن عليه منذ سنوات !
فتقدم الصبي بخطى حازمة ، ضاغطاً زرّ اطفاء التلفاز ..
فعاتبه الأب بعصبية :
- مابك ؟ كنت اشاهد الفيلم !
فارتمى الصبي عند ركبتيّ والده ، ممسكاً بيده الخشنة .. والدموع تملأ عينيه :
- أرجوك يا أبي.. لا تمت قبل أن تراني بطل العالم بكرة القدم
فردّ الأب ببرود :
- لا تخف يا بني ، لن أموت قريباً
ليتفاجأ بإبنه يسحب الكأس بعنف من يده ، قبل ارتشافه الخمر مجدداً .. قائلاً الصبي بحزم :
- أبي !! عاهدني على ترك هذا السم.. وفي المقابل ، أعدك بالتدرّب على كرة القدم ليلاً نهاراً .. الى ان اسكنك بقصرٍ فخم ، بعد تحقيق جميع احلامك
نظر الأب إلى إصرار ابنه بذهول :
- لما كل هذا الخوف ؟! كأسٌ واحدة لن تضرّني كثيراً
- بل ستقتلك !!
قالها والدموع تسيل على وجنتيه :
- ستقتلك قبل أوانك ! .. ألا تفهم ؟!! أريدك معي .. اريد ان اراك في المدرّجات وانت تراقب تتويجي بطل العالم.. أنت وأمي الدافعان لإكمال مسيرتي وطموحي .. وموتك المبكّر سيؤلم قلبي طوال حياتي
ثم انهار الصبي باكياً على صدر والده.. جعلت والده يمسح رأسه بحنان :
- هل حقاً ستحقّق كل أحلامي ، يا بنيّ ؟
فمسح الصبي دموعه ، قائلاً بثقة :
- اعدك بذلك .. بشرط !! أن تغلق هذه الزجاجة للأبد.. أريدك حياً لترى انجازاتي الكروية .. ولكيّ ترى احفادك ايضاً
أمسك الأب سدّادة الزجاجة ، وأغلقها بقوة .. قائلاً بحزم :
- إذاًً.. ليلتزم كل منا بوعده
فمدّ الفتى يده الصغيرة ، مصافحاً والده بثقةٍ جبّارة :
- اتفقنا يا أبي !!
***
منذ ذلك الإتفاق ، التزم الصبي بتدريب نفسه .. مستيقظاً فجراً ، للركض وحده بزقاق حيّهم الفقير .. متجاهلاً النسمات الباردة التي تخترق ثيابه الممزقة ..
وفي الملعب الترابي .. كان يركل الكرة لساعات ، الى ان تتورّم قدماه داخل حذائه المهترئ
ولا يعود الا مساءً ، منهكاً وجائعاً .. وهو يدخل منزله بخطواتٍ متثاقلة ، خوفاً من رؤية ابيه يعود لإدمانه القديم .. لكن والده ، كان رجلاً عند وعده .. واكتفى بكأسٍ واحدة بعد الغداء ، دون وصوله لحدّ السكر ..
وكان يراقب ابنه من بعيد ، وهو يسددّ ركلاته الطويلة التي تصيب أهدافها بدقةٍ متناهية..
حينها تولّد لديه يقين : بأن ابنه لن يحقّق حلمه فحسب ، بل حلم أمةٍ بأكملها!
***
وبمرور السنوات ، لمع فيها اسم الفتى بالملاعب .. حتى اختير ضمن فريق المنتخب الوطني..
وتوالت انتصاراته.. وامتلأت غرفته الصغيرة بالكؤوس وميداليات الناشئين..
ومع أول عقدٍ احترافيّ .. ألحّت عليه والدته لشراء منزلٍ فاخر .. لكنه فضّل اصطحاب والده إلى أرقى مركز لمكافحة الإدمان ، وهو يصرّ على تطهير جسده من تلك السموم ..
ولأن الأب يعرف عناد ابنه الذي يشقّ طريقه نحو العالمية ، خضع للعلاج كاملاً.. مُحققاً رغبة ابنه ، بالحفاظ على صحته وعمره.
***
ومع الأيام ، كبرت ثرّوة الشاب بعد تقديمه عدّة إعلانات تجارية .. فاشترى لوالديه قصراً فخماً ، رافضاً الزواج لحين تحقيق احلامهما أولاً..
وعندما زادت شهرته ، خشيّ والده عليه من إغراءات النساء اللواتي يطاردن ثروته .. فأصرّ على تزويجه من امرأة عاشت ظروفاً مشابهة لحياتهم الماضية ..
فاختار ابنه فتاةً بسيطة تعمل في محل ملابس ، تملك جمالاً ساحراً يواكب نجوميته.. وفي المقابل ، وافقت على تحقيق حلمه بإنجاب العديد من الأطفال
وبالفعل ! ضجّ قصره بضحكات اولاده الرائعين ، الذي حرص على تعليمهم فنون الكرة منذ صغرهم.
***
وفي اليوم المنشود.. إهتزّ الملعب الدولي بهتافات المشجّعين بإسمه ، بعد ان صار أيقونة عالمية يُضرب بها المثل في الإنضباط والمهارة الكروية
وكانت هذه مباراته الأخيرة ، قبل اعتزاله في سن الأربعين.
لكنه لم يرى بين آلاف المشجّعين سوى والده العجوز الذي يجلس مع عائلته ، وهو يصفّق له بفخرٍ واعتزاز
وكان ذلك كافياً ، لجعله يطلق قذيفة من وسط الملعب .. اخترقت الشباك في الدقائق الأخيرة من المباراة ، مُعلنةً فوز بلاده ببطولة العالم لأول مرة !
وعندما تسلّم اللاعب الموهوب الكأس الذهبية ، رفعها عالياً وسط الألعاب النارية الصاخبة .. حينها التقت عيناه بعينيّ والده الذي كان يقفز فرحاً ، كصبيّ صغير متناسياً كبر سنه !
فتساقطت دمعةٌ حارة من عين النجم ، وهو يقول بنفسه :
((شكراً يا ملاك الموت.. على تحقيق حلمي الأخير))
^^^
وفجأة ! تلاشت اضواء الكاميرات ، واختفى صخب الجماهير ..
واستيقظ كريستيانو رونالدو عجوزاً بعمر الثمانين فوق سريره بقصره الفخم .. وبجانب فراشه ، وقف ملاك الموت وهو يقول :
- وهآ أنا حقّقت أمنيتك الأخيرة.. وأعدّتك إلى طفولتك ، لمنع والدك من إدمانه الخمر.. وبذلك امتدّ عمره ، الى ان رأى مجدك الكروي الذي حُرم منه في واقعك الحقيقي.. والآن !! هل أنت مستعد لتسليمي روحك ؟
فنزلت دمعة على خدّ رونالدو المُجعد .. والتفت لآخر مرة الى خزانته المليئة بالميداليات الذهبية والجوائز العالمية .. يتوسّطها كأس العالم الذي أهداه له الشعب البرتغالي ، تكريماً له عن تاريخه المشرّف
فقال رونالدو بابتسامةٍ متعبة :
- لقد عشت الحلم الذي تمنّيته طوال عمري.. وأنا مستعدٌ الآن للإنضمام إلى والدايّ
ثم أطلق أنفاسه الأخيرة بسلام.. بينما كان العالم الخارجي يُجهّز نفسه لتشييع أكبر وأضخم جنازة في تاريخ الرياضة الوطنية والعالمية






