السبت، 24 أكتوبر 2020

لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

جمعنا القدر


في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجوز الذي تزوجها باتفاقٍ مع اخيها المدمن !

وظلّت تركض دون وجهةٍ معينة ، الى ان برقت السماء .. لتلمح كوخاً صغيراً في عمق الغابة .. 

فتوجهت اليه .. ودخلته بعد دفع بابه بقوة ، للإحتماء من غزارة المطر 


ووجدت في صالته : مدفأة مع مجموعة من الأخشاب المكدّسة ، بجانبهم ولاّعة حديثة الصنع .. 

وبعد اضاءتها وشعورها بالدفء .. إستلقت على الكنبة لإراحة قدميها بعد سيرها لمسافاتٍ طويلة  


بهذه الحظات .. أحسّ الشاب المتواجد في القبو باقتحام غريب لكوخه ! فشهر مسدسه وهو يصعد الدرجات .. 

وكان باب القبو مخفياً اسفل سجّادة الصالة.. ففتحه بحذر ، ليشاهد عروساً تتقلّب فوق الكنبة وهي تنهج بالبكاء !  


فتساءل في نفسه : ((لما تركت الصبية عرسها للإختباء في كوخي الذي يبعد كثيراً عن القرية ؟!))

وظلّ يتلصّص عليها ، الى ان غفت بعد ان أنهكها البكاء .. 

فعاد لقبوه السرّي لإنهاء عمله ، وباله مشغولاً بها 

*** 


في الصباح .. إستيقظت سلمى باكراً ، وبدأت باكتشاف المكان .. فوجدت ان الكوخ يحوي غرفة نوم واحدة ومطبخ ، وصالته الصغيرة 


وتفاجأت برؤية الثلاجة مليئة بالمعلّبات والمشروبات الغازية ، كأن أحدهم يسكن المنزل رغم الغبار المتراكم فيه !  

فتناولت علبة فاصوليا وتونة مع عصيرٍ بارد 

ثم غلت القهوة لتخفيف صداعها .. 


من بعدها دخلت غرفة النوم .. لترمي فستان عرسها جانباً ، وتلبس بنطالاً وقميصاً رجالياً من الخزانة

وقبل خروجها من الكوخ .. رأت جوالاً فوق الطاولة قرب الكنبة 

- غريب ! لم اره حين استيقظت  

 

وبعد تردّد شديد ، إتصلت بأخيها .. ليعلو صراخها الغاضب :

((نعم بخير .. لا !! لن اعود لذلك العجوز ، ولن اكون زوجته مهما فعلت .. الا يكفي انك تركتني وحيدة عند زوجة ابي التي أذاقتني الأمرّين .. والآن تبيعني يا سعيد !! ولأجل ماذا ؟ أقيمتي عندك تساوي غرامين من الهيروين ؟ .. ماذا قلت ؟!! .. بالطبع لن اخبرك بمكاني .. ولن اعود قبل حصولك على ورقة طلاقي من ذلك الخرِف .. هل سمعت ؟ سلام))


وأغلقت الجوال وهي تكاد تنفجر من الغضب .. وخرجت من الكوخ لتنشّق الهواء بعد توقف المطر اخيراً


في القبو .. فهم الشاب ما حصل بعد تنصّته على مكالمتها ... وخرج من الباب الخارجيّ للقبو للإجتماع برجاله (تاركاً جواله القديم معها لتستخدمه متى تشاء)

***


في المساء .. هجم مجموعة شباب مقنّعين على سعيد اثناء عودته لبيته مُخدّراً ، وضربوه ضرباً مبرحاً في إحدى الأزقة المظلمة

سعيد بخوف وألم : ماذا تريدون مني ؟!! 

فقال احدهم :

- أترك اختك وشأنها

سعيد : هل ارسلكم العريس ؟

- بل قمنا باقتحام منزله قبل قليل .. وهدّدناه بقتل اولاد زوجته الأولى إن لم يطلّق اختك صباح الغد  


سعيد باستغراب : وما شأنكم بسلمى ؟!

- هي تهمّ رئيس عصابتنا ، وإن حاولت إيذائها ثانيةً سنرمي جثتك في النهر 

سعيد : انا لا اعرف اين هربت يوم عرسها ، احلف لكم !!

- اردنا فقط إفهامك ان تتركها وشأنها ، والا سنأمر كل موزعيّ المخدرات في القرية بحرمانك من البضاعة ، حتى لوّ دفعت ضعف المبلغ 

سعيد : حسناً أعدكم ان لا أتدخّل بها بعد اليوم 


وما ان تركوه ، حتى ركض بطاقته المتبقية نحو منزله..

*** 


في صباح اليوم التالي ، في الكوخ .. استيقظت سلمى بعد نومها على السرير المريح في غرفة النوم .. 

وحين خرجت للصالة ، وجدت سفرةً شهية في انتظارها ! 

فأسرعت بنزع سلاح الصيد المُعلّق على الجدار ، صارخةً بفزع :

- من هناك ؟!! أخرج حالاً ، والا سأحرق الكوخ بمن فيه !!


فإذّ بالسجادة الصغيرة ترتفع وسط الصالة (المُلصقة على الباب السرّي للقبو) .. ليخرج شاب وسيم ، رافعاً يديه باستسلام : 

- سلمى ، اهدأي رجاءً 

- كيف تعرف اسمي ؟!

الشاب : من اخيك الذي وعدني ان لا يتدخل بحياتك ثانية 

سلمى : هل انت صديقه ؟

- انا لا أصاحب المدمنين .. اردت فقط إخبارك إنك مُرحّبة بالبقاء في منزلي قدر ما تشائين 


فقالت بارتباك : آسفة لدخول بيتك دون اذنك

- لا يهم .. (ثم نظر الى ملابسها) .. تبدو ثيابي فضفاضة عليك .. لكن لا تقلقي ، سأذهب للسوق بعد قليل لإحضار حاجياتك الناقصة 

- لا ادري ماذا اقول لك ؟ 

- انتظريني ، لن اتأخر .. إجلسي وتناولي فطورك  

سلمى : شكراً سيد .. 

- ينادونني مروان

- ينادوك ! اليس هذا اسمك الحقيقي ؟

- بل اسمي المهني .. واعذريني ، فأنا لا احب مشاركة اسراري مع الغرباء 

- آسفة لم أقصد مضايقتك

مروان : اراكِ قريباً  

وخرج من الكوخ ..

***


قبل ركوب سيارته (المتوقفة في الغابة) تذكّر انه لم يقفل باب القبو ! فأسرع عائداً الى هناك ..


وحين دخل ، وجد بابه السرّي مفتوحاً .. فنزل الى القبو ، ليتفاجأ بسلمى تقف مذهولة امام بضاعته ! 

وحين رأته ، سألته غاضبة : 

- أأنت تاجر مخدرات ؟!!

مروان بارتباك : لحظة ، دعيني أفهمك

- وبماذا ستبرّر وانا ارى اكياس الهيروين مُكدّسة في قبوك ؟.. لا أصدّق انني وجدت مخزن الممنوعات الذي تبحث عنه الشرطة منذ سنوات 


مروان بنبرةٍ قاسية : إيّاك إخبار أحد بما اكتشفته 

- أتهدّدني !! يامن دمّرت شباب قريتنا ، بمن فيهم اخي الذي حوّلته من شخصٍ حنون لمتوحش ، باعني لأجل بضاعتك الحقيرة

- إخفضي صوتك

- لا تسكتني !!

مروان بقلق : الا تسمعين ؟ هناك سيارة تقترب من الكوخ


وأسرع بإقفال باب القبو عليهما ، قبل إضاءته شاشة الكمبيوتر .. ليشاهدا من خلال كاميرات الكوخ الخارجية : رجالٌ مقنّعين ومدجّجين بالسلاح يقتحمون المنزل ! 

فهمست سلمى بخوف : من هؤلاء ؟!

مروان وهو يُخفي خوفه : عصابةٌ منافسة 


وظلاّ يشاهدان عبر الشاشة : الرجال وهم يفتشون المنزل بحثاً عن البضاعة المُحرّمة .. 

حتى انهم داسوا مراراً على السجادة التي تخفي تحتها القبو السرّي ، دون شعورهم بشيء ! 


وظلّوا يعملون بصمت ، الى ان قال أحدهم : 

- لا يوجد أحدٌ هنا ، ايها الزعيم !!  

القائد : البيض والشايّ مازالا ساخنين ، إبحثوا في كل مكان عن صاحب الكوخ

- سنبحث في الخارج ، لربما كان يُحطّب لأجل مدفأته 

وخرجوا للبحث في الغابة بمحيط الكوخ..


في هذه الأثناء بالقبو : 

سلمى بصوتٍ مرتجف : اريد الهرب من هنا

مروان : ليس الآن ، فهم سيبقون في الجوار لحين قبضهم على صاحب الكوخ 

- ماذا يعني هذا ؟

- سنبقى هنا الى ان يملّ الملاعيين ويتركونا وشأننا ، وهذا لن يحصل قبل ايام

سلمى بقلق : وماذا عن الطعام ؟

مروان : ثلاجتي مليئة بالمعلّبات ، ولديّ جالون ماء يكفينا لأسبوع.. وفي الزاوية : حمام صغير بنيته قبل شهور .. هكذا لن نحتاج للخروج قبل انتهاء الأزمة 

- اللعنة عليّ ، انا فتاةٌ منحوسة بالفعل ! 

- لما تقولين ذلك ؟ 


سلمى بحزن ويأس : 

- حياتي كانت سيئة بما فيه الكفاية ، وظننت ان الدنيا ابتسمت لي اخيراً بعد إيجاد كوخك .. وهآ انا عالقة بين عصابتيّ مخدرات قد تقتلني في أيّةِ لحظة ، إن لم يتسلّوا بي اولاً 

مروان : بإمكاني الإتصال برجالي لتعارك معهم .. لكني أخشى ان تسمع الشرطة صوت الرصاص ويكتشفوا مخزني السرّي

- أهذا كل ما يهمّك ؟

- لا ، خوفي الأكبر ان تصابي اثناء المعركة 

وهنا رعدت السماء بقوة ، جعلتها تصرخ لا شعورياً بخوف .. 


في هذا الوقت .. كان قائد العصابة يقف امام الباب الخارجيّ الذي سأل مساعده : 

- هل سمعت هذا ؟!

- تقصد صوت الرعد ؟

القائد : لا يا غبي !! بل صرخة امرأة من داخل الكوخ !

- بصراحة لم اسمع شيئاً يا زعيم

- حسناً لا يهم .. إذهب واخبر الرجال ان يسبقونا للمقرّ ، وسنبقى انا وانت في انتظار صاحب الكوخ الذي سيعود حتماً بعد اشتداد المطر 


في القبو ..

شاهد مروان وسلمى (من الشاشة) رجال العصابة وهم يقودون سياراتهم الى خارج الغابة .. بينما جلس القائد ومساعده في صالة الكوخ 


مروان : جيد ، لم يبقى سوى اثنين منهم 

سلمى بقلق : إيّاك ان تخرج ، فهما مسلحان .. دعنا ننتظر للغد ، لربما ذهبا دون مشاكل


وهنا عادت ورعدت السماء بقوة ، فأسرعت سلمى بإغلاق فمها كيّ لا تصرخ ثانيةً ..  

مروان : هل تخافين من الرعد ؟! 

سلمى : كل عقدي النفسية من زوجة ابي اللعينة 

- إخبريني عنها


فأخبرته ان بعد وفاة والدها ، عاش اخوها الأكبر في منزل عمها بعد ان تركاها تخدم زوجة ابيها في سن السابعة .. والتي كانت تعاقبها بحبسها ساعاتٍ طويلة في خزانةٍ مرمية بساحة منزلها .. وفي ايام الشتاء كان يتردّد هدير الرعد بشكلٍ مضاعف داخل جدران الخزانة الحديدية ، كأنه انفجارٌ مروّع ..


مروان : أفهم شعورك ، فوالدي كان قاسياً معي ..وهو من أجبرني على ترك تعليمي لاستلام عمله في تجارة الممنوعات ، بعد مقتل اخي الكبير في اشتباكٍ مسلّح مع العصابة المنافسة 

- وماذا كنت تدرس ؟

- الحقوق

سلمى بدهشة : وكيف سمح ابوك بدراستك المحاماة رغم تجارته المخالفة للقانون ؟!

- وافق بعد إقناعه بأنني سأدافع عن رجالنا في حال قبضت الشرطة عليهم .. لكن خطتي فشلت في آخر سنة ، عقب مقتل اخي

- يمكنك إكمال علمك متى شئت 


مروان : لا ، تأخرت كثيراً ..وأصبحت مشغولاً بمشاكل عصابتي التي لا تنتهي ابداً .. وكما ترين ، حياتي مهدّدة طوال الوقت .. لهذا أخزّن البضاعة في منازل سرّية ، كهذا الكوخ الذي يبدو انني سأغيّره بعد إنكشافه للعصابة المنافسة

سلمى : برأيّ هناك خائن بين رجالك ، هو من أطلعهم على هذا السرّ

- هذه شكوكي ايضاً .. وفي حال خرجنا من هنا احياء ، سأجده وأعاقبه بشدة 


وظلاّ يتحدثان طوال اليوم عن ماضيهما واحلامها الضائعة بعد تناولهما بعض المعلّبات .. ولاحقاً تسلّيا بألعاب الحاسوب لتمضية الوقت  

*** 


ظلّت سلمى ومروان ثلاثة ايام في القبو ..

الى ان حلّ الصباح الذي كان فيه مروان يسلق البيض فوق موقده الصغير ، لتجهيز الفطور قبل استيقاظ سلمى ..

وما ان رشّ الفلفل فوق الطعام ، حتى عطست لا ارادياً بصوتٍ مرتفع 

فهمس مروان بقلق : إخفضي صوتك رجاءً

سلمى بصوتٍ منخفض : آسفة ، لديّ حساسيّة من البهار


في هذا الأثناء .. كان زعيم العصابة ومساعده على وشك الخروج من الكوخ بعد أن ملاّ الإنتظار .. وهنا قال القائد :

- هل سمعت هذا ؟!

مساعده باستغراب : كأن العطسة قادمة من اسفل الكوخ ! 

- هناك بابٌ سرّي .. لنبحث عنه فوراً


وشاهد مروان وسلمى من خلال الشاشة : الرجلان وهما يُبعدان المفروشات والسجّاد للكشف عن أرضيّة الكوخ الخشبية !

مروان بفزع : علينا الهرب فوراً !!  

سلمى : ماذا عن بضاعتك ؟

- سيكتشفان مكانها قريباً ، هيا بنا !!

- ومن اين نذهب ؟ والى اين ؟

- إتبعيني فقط 


وأزال اللوحة الضخمة عن الجدار خلف الحاسوب ، ليظهر دهليز طويل .. ركضا فيه الى ان وصلا لبابٍ خارجي في وسط الغابة ، حيث كانت سيارته متوقفة هناك 


وبعد ان وصلا أخيراً للطريق العام .. سألته بغضب :

- لما لم تخبرني عن وجود مخرجٍ سرّي ، كان بوسعنا الهرب منه بدل بقائنا أياماً خائفين في القبو ؟!

- بصراحة أردّت البقاء معك لبعض الوقت 

سلمى بعصبية : قرارك متهوّر !! .. كنت انام بشكلٍ متقطّع ، بعد رؤيتي لعدة كوابيس عن اكتشافهما القبو اثناء نومنا

- آسف ، لم أفكّر جيداً 

فتنهّدت بضيق ، قبل ان تسأله :

- والى اين سنذهب الآن ؟

مروان : الى محطة الحافلات لإيصالك للمدينة  

- تقصد منزل خالتي ؟ 

- نعم ، فبقائك معي سيصيبك بالأذى 

- وماذا ستفعل انت ؟

مروان : سأجتمع برجالي لحلّ الأزمة  

- الم تخبرني انك تفكّر جدّياً بالتوبة ؟

- صحيح ، وقريباً جداً ستسمعين خبراً يسرّك في نشرة الأخبار ..ورجاءً لا تسأليني ماهو ؟ 


وأكملا طريقهما للمحطة ، في الوقت الذي كان فيه قائد العصابة يهللّ فرحاً بعد إيجاده المخزن السرّي المليء بالمخدرات الثمينة

***


قبل خروجها من سيارته باتجاه الحافلة ، قال لها بحزن :  

- كنت أتمنى نهاية أخرى لقصتنا ؟ 

- وماهي ؟

- الزواج مثلاً 

فسكتت بارتباك..

مروان : أعرف انك ترفضين الإرتباط بزعيم عصابة ، حياته مُهدّدة طوال الوقت .. لكن ماذا لوّ سافرنا للخارج وأكملت دراستي ، وأصبحتي زوجة محامي محترم ؟

سلمى : وهل ستدعك العصابة الأخرى ترحل بسلام ؟ وهل تجرأ على تسليم بقية بضاعتك للشرطة ؟ وماذا بشأن رجالك ؟ 

فسكت مروان بامتعاض..

سلمى : ليتنا تقابلنا بظروفٍ أفضل .. لكن حياتي سيئة بما فيه الكفاية ، ولا اريد المزيد من المشاكل

مروان بحزن : فهمت !! 


ثم وضع رزمة من المال في يدها (كان أخرجها من درج سيارته)

سلمى : لا استطيع قبولها ، فهي مال..

فأكمل كلامها : 

- حرام ، أعرف .. لكن اعتبريها ديّن او هدية .. فأنت بحاجة لنقود لحين استقرارك في المدينة .. 

- لكن مروان..

- رجاءً سلمى ، لا تزيدي همومي ..

سلمى : سأعتبرهم ديّن لحين إيجادي وظيفة لائقة .. والآن عليّ الذهاب ، فالحافلة على وشك التحرّك ..

- حسناً إنتبهي على نفسك 

- وانت ايضاً .. الوداع يا مروان


ثم تحرّكت الحافلة ، ومروان يراقبها وهي تبتعد والدموع في عينيه .. قبل إستجماع قواه للعودة الى مقرّ عصابته  

***


وصلت سلمى اخيراً الى منزل خالتها التي استقبلتها بالدموع ، بعد ان أخبرها سعيد (اخو سلمى) بأنها ضائعة منذ ايام .. 

لكن سلمى ترجّتها ان لا تخبره بشيء ، والا ستضّطر لتغير سكنها 

فوعدتها خالتها بكتمان السرّ ، وطلبت منها مساعدتها في مشغل الخياطة .. فوافقت سلمى برحابة صدر ..

***


بعد اسبوع ، وبينما كانت تتغدى مع خالتها .. شاهدت بنشرة الإخبار : تسليم مروان نفسه للسلطات بعد فضح اماكن مخازنه السرّية وافراد عصابته ، بالإضافة لموقع العصابة المنافسة .. لتقوم الشرطة بالقبض عليهم متلبّسين ، وحيازة طنّ من الممنوعات لكلا العصابتين ! 


فقالت سلمى بفزع : 

- يا الهي ! ماذا فعلت يا مروان ؟! 

خالتها : لقد قام بعملٍ جنوني ! 

- هو وعدني بالتوبة ، لكن لم أتصوّر ان يخاطر بالعصابتين ! 

- لن يتركوه حياً بعد خيانته لهم .. والأفضل ان لا تنتظريه


وهنا سمعتا طرقاً على الباب .. وحين فتحت سلمى ، وجدت رسالة على عتبة المنزل .. كان فيها :

((عزيزتي سلمى .. وعدتك ان أنظّف حياتي لأجلك .. وهذا لم يكن سهلاً .. فأنا الآن في زنزانة منفردة ، بعد تلقيّ العديد من تهديدات العصابتين المسجونين معي في سجن القرية ! .. ولا ادري ان كنت سألتقي بك مجدداً .. لكني أردّت إخبارك انك سبب توبتي .. وأشكر الله على الصدفة التي جمعتني بك .. ستبقين دائماً حبي الأول والوحيد .. لا تنسيني ابداً من دعائك .. حبيبك المخلص مروان))


فنزلت دموعها لإحساسها بكلمات الوداع في رسالته ، التي كانت بالفعل رسالته الأخيرة ! 


الاثنين، 19 أكتوبر 2020

مُختطف الأطفال المجهول

تأليف : امل شانوحة 

 

جريمة النوم !


في عصر ذلك اليوم .. شرد العجوز جيمي وهو يراقب الشاطئ من نافذة المقهى ، قائلاً في نفسه : 

((لما تقاعدت باكراً وتركت ابنتي وحفيدي في العاصمة لأعيش غريباً هنا ؟ وكيف لا أذكر سبب قدومي واختياري لهذه المنطقة النائية ، هل هي أعراض الزهايمر ؟!))


وهنا إقترب منه جاره وهو يقول :

- هل تسمح لي بالجلوس ؟

- تفضّل

- انا جارك في الشارع المقابل لمنزلك 

- اهلاً وسهلاً 

- سمعت انك محقّق جنائي ؟

جيمي : كنت كذلك ، قبل تقاعدي منذ شهرين .. فلماذا تسأل ؟


فأخبره عن اختطاف طفلة عمرها 5 سنوات مساءً من منزلها الذي لا يبعد كثيراً عن الحيّ الذي يعيشان فيه .. 

فقال جيمي باستغراب :

- ولما لم تقم شرطتكم المحلّية باستجواب الجيران ؟

الجار : أظن رئيس بلدتنا لم يرغب بإثارة الهلع بيننا.. فكما تعلم مدينتنا جبلية ، والشاطىء هو منفذها الوحيد 

جيمي باهتمام : ماذا تقصد ؟ 


الجار : أقصد ان السوّاح يأتون عادةً في فصل الصيف .. وطالما إننا في فصل الربيع ، فهذا يعني ان الخاطف هو أحد سكّان المنطقة .. وربما لهذا أراد رئيسنا المحافظة على السرّية للقبض عليه بالجرم المشهود .. وأتيت لأسألك إن كان بإمكانك مساعدة شرطتنا بخبرتك الجنائية لإعادة الطفلة سريعاً الى ذويها ، فوالديها في حالة يرثى لها 

جيمي : سأرى ما يمكنني فعله 

***


في ذلك المساء .. تحدّث جيمي مع رئيس البلدية ورئيس الشرطة مطولاً ، واللذان وافقا على إجرائه التحقيقات اللازمة دون إرعاب السكّان 

***


منذ الصباح الباكر .. بدأ جيمي تحقيقاته مع الجيران القريبين من منزل الطفلة المُختطفة ، لكن لا أحد منهم شعر بشيءٍ مريب ليلة الجريمة .. ويبدو إن المجرم قام بتخدير الطفلة اثناء نقلها لمكانٍ مجهول ..

***


ظلّ جيمي طوال الليل يراجع اقوال الجيران بتمعّن ، فهو يشكّ أن أحدهم مرتكب الجريمة ، لأن سجلّات الميناء تؤكّد ان لا غرباء دخلوا مدينتهم منذ شهور 

***


لم يمضي اسبوع على بدء التحقيقات ، حتى فُجعت مدينتهم الصغيرة بجريمةٍ أخرى ، لطفلٍ في شهره الثالث خُطف من مهده مساءً ..

وانتشرت الشائعات المرعبة بين الأهالي ، جعلتهم يتجنّبون الإختلاط بجيرانهم واصدقائهم وحتى أقاربهم لحين حلّ القضية

بينما عمل المحقق جيمي جاهداً مع الشرطة المحلّية (بإشراف رئيس البلدية) لإيجاد الطفلين المختطفين بأسرع وقتٍ ممكن ..

***


مرّ شهرٌ آخر دون تطوّراتٍ جديدة ، ويبدو إن الخاطف مجرماً محترفاً لعدم تركه أثراً يمكن للشرطة تتبّعه من خلاله ! 

وكان جيمي يشعر بالإحباط كلما سألته العائلتين عن معلوماتٍ جديدة تُرشدهم لمكان طفليهما المفقودين ، وهل بقيا على قيد الحياة ام لا ؟

***


في ذلك المساء .. غفى جيمي فوق ملفّات القضية المُبعثرة فوق مكتبه .. 

ليستيقظ آخر الليل في غابةٍ مظلمة ، وهو مازال يلبس بيجامته التي وجد جواله في جيبها .. فأضاءه لرؤية طريقه ، دون تذكّره ما حصل بالضبط ! وتساءل إن كان الخاطف خدّره ورماه هنا ؟ .. وفي حال فعل ذلك لإيقاف التحقيقات ، فلما لم يقتله ؟! 


ومشى جيمي بصعوبة بقدميه العاريتين اللتين أصيبتا بالكثير من الخدوش والجروح بسبب الأغصان اليابسة والأحجار المُدبّبة فوق الأرض .. 

ورغم ان حدسه يدفعه للخروج سريعاً من الغابة ، الا انه وجد نفسه يتعمّق أكثر فيها ! الى ان وقف قرب شجرتين متعاكستين بشكلٍ ملفت 


فقال في نفسه : 

((الشرطة فتّشت الغابة جيداً ، لكنها لم تحفر فيها للبحث عن مقابر الطفلين ؟ .. ولوّ فكّرت بعقليّة المجرم ، فهاتين الشجرتين تصلحان ان تكونا علامة واضحة لإخفاء الجثة .. (ثم سلّط نور جواله أسفل الشجرتين ، قائلاً) .. تبدو الأرض وكأنها نُبشت من قبل !))


فحفر بيديه الى ان وجد ما كان يخشاه ، فهناك جثة صغيرة متفحّمة بالكامل 

ولخوفه ان يكون الخاطف قريباً منه ، أسرع بالخروج من الغابة .. ليتفاجأ بسيارته متوقفة عند مدخل الغابة ، ببابها المفتوح وإنارتها المضاءة .. فركبها مسرعاً الى بيته 


وبعد تغير ملابسه ، ذهب الى مركز الشرطة التي أرسلت معه فريقاً للغابة عند شروق الشمس .. 

فدّلهم على مكان الشجرتين المتعاكستين لإخراج الجثة ونقلها للمشرحة 

***


في المركز .. سأله رئيس الشرطة عن كيفية إكتشافه القبر ؟! 

لكن جيمي فضّل إخفاء الحقيقة ، لأنه لا يملك دليلاً إن الخاطف تركه هناك .. واكتفى بالقول انه شعر بالضيق لعدم حلّه القضية .. فقاد سيارته باتجاه الغابة ، ليلاحظ تميّز الشجرتين .. فتتبّع حدسه ، ليفاجىء بالنتيجة 

ورغم غرابة أقواله ! الا ان الرئيس شكره لإيجاده طرف الخيط الذي سيوصلهم للجاني قريباً 

***  


في عصر اليوم التالي .. أخبر رئيس البلدية عائلة الطفل (3 اشهر) بنتائج المختبر ، فانهار الوالدان حزناً لمصير طفلهما .. واشتعل الغضب بين الأهالي لفظاعة جُرمِ حرق الصغير .. 

بينما أصرّت عائلة الفتاة المفقودة على تفتيش الشرطة لكل شبرٍ في الغابة لإيجاد قبر ابنتهم ، بعد إيقانهم أنها لاقت ذات مصير الطفل الذي خُطف بعدها 


وبالفعل تطوّع شباب المنطقة لتمشيط الغابة مع الشرطة ..

الى ان اكتشفوا بعد ايام جثة الطفلة المحترقة التي أثارت مظاهرات شعبية غاضبة مطالبة بإيجاد الخاطف وإعدامه فوراً ، خاصة بعد اكتشاف الشرطة لإشاراتٍ محفورة على الأشجار برموزٍ شيطانية تدلّ ان مرتكب الجريمتين من عبّاد الشياطين .. ولهذا حقّقت الشرطة مع العديد من شباب المنطقة المنحرفين الذين ظهرت براءتهم لاحقاً ..

*** 


مرّت سنة على القضية دون حصول عمليات خطفٍ جديدة .. ومع ذلك ظلّ الأهالي حريصون على اولادهم اثناء ذهابهم وعودتهم من المدرسة ، آملين ان يكون المجرم غادر مدينتهم للأبد

***


في إحدى الأمسيات .. إتصلت ابنة المحقق وهي تصرخ بهستيريا :

- ابي !! لما جوّالك مقفلاً ؟!! أحاول الإتصال بك منذ الصباح 

جيمي بقلق : آسف ! نسيت تشغيله .. لماذا تبكين ؟ 

- الملاعيين خطفوا ابني !!  

جيمي مرتعباً : كيف هذا ؟! البارحة حضرت عيد ميلاده ، فماذا حصل ؟


فأجابته باكية : لا ادري .. وضعه زوجي في سريره بعد انتهاء الحفل ، وذهبنا معك للميناء لتوديعك .. بعد عودتنا للمنزل ، نمنا على الفور ..وفي الصباح لم نجده في غرفته ، وبحثنا عنه في كل مكان .. ولا ادري إن كان خُطف مساءً او فجراً .. وأخاف يا ابي أنه.. 

جيمي مقاطعاً : هل اتصلتم بالشرطة ؟

- طبعاً !! لكنهم لم يجدوه حتى الآن  

- إنتظريني ، سآتي اليكم حالاً 


ودخل غرفته لأخذ حقيبته التي لم يفرغها بعد .. وركب سيارته متوجهاً للميناء ، وهو يأمل إيجاد سفينة تأخذه للعاصمة في هذا الوقت المتأخر..

وعند مروره بجانب الغابة شعر بدوارٍ شديد ، إضّطره لإيقاف سيارته جانباً 

***


إستيقظ جيمي بعد قليل جاثياً على ركبتيه وسط الغابة !

فأخرج جواله من جيبه وأضاءه .. ليصعق برؤية يد طفلٍ متفحّمة خارج كومة من أوراق الخريف المتكدّسة امامه ! والمرسوم حولها رموزاً وتعويذات شيطانية 


وقبل ان يستوعب ما حصل ! سمع شرطياً يصرخ خلفه :

- إرفع يديك عالياً !!

فالتفت اليه وهو يقول :

- هذا انا !! المحقق جيمي 

- انت مُعتقل بجرم إختطاف الأطفال

- لا !! هذه الجثة وجدتها الآن ، ولا أعرف من تكون !

وفوراً تجمّع افراد الشرطة حوله ، وهم يوجّهون سلاحهم نحوه

جيمي بعصبية : ماذا حصل لكم ؟! انا المحقق ، الا تروني جيداً !!


وهنا وصل رئيس البلدية مع رئيس الشرطة الذي قال له :

- قبل قليل وصلنا إتصال من المحقق الجنائي في العاصمة الذي أخبرنا انك ظهرت في كاميرا مينائهم وانت تحمل طفلاً لداخل السفينة التي قدمت بها الى هنا

جيمي بدهشة : ماذا ! عن أيّ طفلٍ تتحدثون ؟

- حفيدك 

جيمي بدهشة : حفيدي ! انتم مخطئون .. لقد زرتهم بالفعل البارحة لحضور عيد ميلاده ، لكني ركبت السفينة وحدي .. إسألوا ابنتي فهي ودّعتني مع زوجها في الميناء  


رئيس البلدية : محقق العاصمة أرسل لنا الفيديو الذي يُظهر إن سفينتك ابتعدت قليلاً عن المرسى ، قبل عودتها ثانيةً .. لتختفي بعض الوقت ، قبل عودتك بعد ساعة وانت تحمل حفيدك النائم ، الذي يبدو إنك أحرقته البارحة ودفنته هنا

صرخ بصدمة : أحرقته !!


والتفت الى الجثة ، ليلاحظ السوار الفضي في معصم يد الطفل المحترقة

جيمي وهو يرتجف مرتعباً : يا الهي ! هذا سواره بالفعل .. لكني لم أحرق حفيدي حبيب قلبي ، هذا مستحيل !! 

رئيس البلدية : ستُحاكم قريباً عن جرم خطف وقتل وإحراق الأطفال الثلاثة الأبرياء

- لكني لم ارى الطفلين أحياءً .. أحلف لكم !!


رئيس الشرطة باشمئزاز : كان عليّ الشكّ بك في اليوم الذي دلّلتنا فيه على قبر الطفل الرضيع ، وإيجادك لجثة الطفلة خلال الحملة الشعبية لتمشيط الغابة  

- وجدّتهما صدفةً ، صدّقوني !!

- خذوه الى السجن 

 

وظلّ يصرخ ببراءته اثناء اقتياده للمركز الذي نُقل منه لاحقاً الى سجن العاصمة لمحاكمته ، وسط ضجةٍ اعلامية ضخمة ومظاهراتٍ شعبية غاضبة

***


جلست ابنته وصهره يراقبانه مذهولين في جلسة محاكمته ، وهما لا يصدقان انه قتل حفيده الوحيد الذي كان متعلّقاً به جداً ! 

بينما ظلّ جيمي يصرّ طوال المرافعة أنه ليس الفاعل ، رغم الأدلّة المصوّرة في كاميرا ميناء العاصمة ، والكاميرا الخارجية للبنك في المدينة الساحلية التي صوّرت سيارته تدخل الغابة مساءً في اوقات إختفاء الطفلين الآخرين

  

وفي ختام الجلسة .. أصيب جيمي بانهيارٍ عصبي بعد حصوله على حكم المؤبد .. ليُقتاد الى سجن العاصمة ، وهو مازال يصرخ ويُطالب باستئناف حكمه الظالم  

***


بعد اسبوع من بقائه وحيداً في زنزانته .. 

عاد يوماً من قاعة الطعام ، ليُفاجىء برسوماتٍ شيطانية تملاً جدران زنزانته ! 

وحين التفت خلفه ، وجد سجيناً ضخماً يقول له :

- أتريد حلّ اللغز ؟

- ماذا !

- لقد قمت بإحراق الأطفال الثلاثة بالفعل ، لتقديمهم قرابين للشيطان .. لهذا استطعت اكتشاف قبورهم قبل الشرطة ، بعد ان دلّك عقلك على أماكن دفنك لهم .. 

جيمي بغضب : انا لم اقتل أحداً !! 

- بل فعلت !! لكن دون وعيٍّ منك ، كونك تسير أثناء نومك .. 

- لم أفهم !


السجين : الم تُجري تحقيقاً مع زعيم عبّاد الشياطين قبل تقاعدك ؟

جيمي : نعم ..أذكر ذلك العجوز العنيد جيداً ، فهو رفض الإعتراف بأعداد القرابين الأطفال الذي أحرقها أتباعه بناءً على اوامره 

- وقمت انت بتعذيبه عن طريق حرمانه من النوم لأيامٍ متتالية ، الى ان أصيب بنوبةٍ قلبية

جيمي باستغراب : كيف عرفت ذلك ؟! فهذه اسرار مهنتي

- انا أحد اتباعه ، وهو مات بين يديّ بعد عودته من تعذيبك المتواصل  .. لكن قبل توقف قلبه أخبرني : انه ألقى عليك تعويذة تجعلك ترتكب الفظائع اثناء سيرك وانت نائم  


جيمي بصدمة : يا الهي ! ألهذا لم أذكر يوم انتقالي للمدينة الساحلية ، وسبب توغلي في الغابة مساءً ؟!

السجين : نعم ، فروح قائدي تلبّست بك لتنفيذ أوامر ابليس .. لكني حقاً لم أتصوّر ان تضحّي بحفيدك الوحيد ! فبهذه الوحشيّة تستحق ان تكون قائدنا الجديد

وضحك ساخراً وهو يقول مُبتعداً :

- سأتركك الآن لتراجع الأحداث في عقلك ، وتستعيد مراراً صرخات حفيدك وانت تشويه على نارٍ خفيفة .. أحلامٌ سعيدة


وترك جيمي مذهولاً ! ليبدأ عقله باسترداد بعض المقاطع المحذوفة من ذاكرته ، لتكتمل قطع الأحجية المفقودة التي منها : إقتحامه لمنزل جاريه لخطف اطفالهما ، وعودته لمنزل ابنته لسرقة حفيده النائم ، وتلاوته التعويذات حول الأطفال المُخدّرين قبل إحراقهم .. 


فانهار باكياً ، لدرجة ان السجناء لم يستطيعوا النوم تلك الليلة من شدّة بكائه ونحيبه المتواصل الأليم  

***


في الصباح .. صرخ الحارس بعلوّ صوته :

- إنتحار في زنزانة 122 !!!!


وتجمّع الحرس والمساجين لرؤية جيمي مشنوقاً بشرشف سريره في سقف سجنه بعد ان دمّره تأنيب الضمير !

******

ملاحظة :

هكذا يبدو شكل الشخص الذي يسير وهو نائم :


وهذه أغرب حالات المشي أثناء النوم :



اذاً الموضوع خطير ومخيف ، لهذا خطرت ببالي هذه الفكرة ..أتمنى ان تعجبكم


الخميس، 15 أكتوبر 2020

آلة الزمن

 فكرة : اختي أسمى
كتابة : امل شانوحة


العبث بالتاريخ


في إحدى المدن الإسبانية ، وبعد عودة إيلينا من قدّاس الأحد .. أنهت أخيراً قراءة الجزء الأخير من كتابها التاريخي المفضّل الذي يتحدّث عن بطولات الملك ألفونسو السادس الذي بدأ الحملات الصليبة ضدّ المسلمين ، قبل قيام أخيه بالإنقلاب عليه .. لتخسر دولة قشتالة ملكاً عادلاً ، وتفقد عائلته زوجاً واباً رحيماً .. 


وأخذت إيلينا تتأمّل الرسمة القديمة للملك الشاب الذي عُرف بوسامته وذكائه العسكريّ ، قائلةً بحزن :

- ليت باستطاعتي العودة للماضي وتحذيره من أخيه الخائن 

ثم خرجت الى الشرفة ، لتجد الشمس ساطعة ..

- وأخيراً توقف المطر ، سأتنزّه قليلاً ..

***


وفي سوقٍ شعبيّ ، وجدت كشكاً صغيراً يبيع أغراضاً قديمة أثريّة .. فسألت البائعة التي أجابتها :

- جميعها أغراض وتذكارات جدي المرحوم 

إيلينا : وماهذا السوار الغريب ؟!

فأجاب اخو البائعة الصغير : انه سوارٌ إلكترونيّ صنعها جدي لإنتقال للزمن الماضي والمستقبل  

- تقصد آلة الزمن ؟!

البائعة : لا تكترثي بكلام اخي ، فجدي أُصيب بمرض الزهايمر آخر عمره.. 

أيلينا : وهل كان خبيراً بالإلكترونيات ؟

البائعة : كان استاذٌاً جامعيّ ، لكن فقد رشده بعد وفاة جدتي ..على كلٍ ، لون السوار جميل وسعره رخيص ايضاً  

- حسناً سأشتريه 


ووضعته إيلينا في حقيبتها ، ثم توجّهت لكشكٍ آخر يبيع الطعام .. وبعد إنهاء شطيرتها ، عادت الى شقتها .. 

***


في المساء وقبل نومها ، أخذت تتصفّح كتابها التاريخي من جديد .. وحين رأت رسمة الملك الوسيم ، تذكّرت السوار ..

فأخرجته من حقيبتها ووضعته حول معصمها ، مُحاولةً إيجاد زرّ لتشغيله .. لكنه كان سوار أملساً شفّافاً ، في داخله رقاقة إلكترونية مضيئة.. ولا وسيلة للوصول اليها ، إلاّ بكسر السوار .. 


وهنا رنّ جوالها .. فأخذت تتكلّم مع صديقتها ، الى أن شعرت بالنعاس .. فانهت المكالمة لتغفو سريعاً ، والسوار مازال في يدها 

***


دهليزٌ طويلٌ مظلم ، يليه ممرٌّ مضيء بأنوارٍ ساطعة .. ثم هبط جسمها ببطء ، لتلامس أقدامها الحافية سجاداً ناعماً .. 

حين فتحت عيناها ، وجدت نفسها في غرفة بتصميم معماريّ قديم ! وامامها عشرات الفساتين المُعلّقة بموضة تعود لمئات السنين .. 


فأسرعت ناحية النافذة الصغيرة ، لتجد نفسها في قصرٍ مهيب يطلّ على مزارع الفقراء بأكواخهم القديمة .. والناس تتنقّل في الشوارع الطينية مستخدمين البغال والحمير ، بينما العساكر يعتلون الأحصنة والعربات

إيلينا بدهشة : هل عُدتُّ للماضي فعلاً ؟! ام مجرّد حلم ؟


وهنا سمعت ضحكات نسوة خارج الغرفة .. ثم صوت طرقٍ على بابها الخشبيّ الضخم ، وصوت امرأة عجوز تسألها :

- هل انتهيت ؟!! فالملك ألفونسو على وشك الوصول

فتمّتمت إيلينا بدهشة : الملك ألفونسو !

واعتراها الحماس شوّقاً لرؤية بطلها المفضّل ..


وأسرعت بلبس فستانٍ أحمر منفوش ، للفت انتباهه .. وهي تتساءل في نفسها :

- ترى هل هو وسيم كما يظهر في رسمته ؟


فإذّ بكبيرة الجواري تدخل عليها وهي تقول :

- هيا الحقيني !! فالجواري يتحضرنّ لدخول صالة الملك 

- لماذا ؟!

- ليختار إحداكنّ لهذه الليلة ، فالشمس على وشك المغيب 

إيلينا : لحظة ! ألا يعشق زوجته ؟

- من اين قدمتِ يا فتاة ؟

- من مكانٍ بعيد 

- يبدو لا خبرة لك بالملوك ، فالجواري جزء من نظام حياتهم .. والآن تعالي ورائي

***


إصطفت إيلينا مع عشرات الجواري من مختلف الجنسيات : منهنّ الأفريقية والصينية والأوروبية والهندية وغيرهنّ من الحسناوات في وسط صالةٍ ضخمة ببلاطها الرخاميّ وأعمدتها المُذهّبة .. 

وعمّ الصمت بعد سماعهنّ اصوات الأبواق تُعلن قدوم الملك ..

فخفق قلب إيلينا حماساً لرؤية القائد التي لطالما حلمت بلقياه 


حين دخل الملك الصالة مُتوجهاً لعرشه : كان مُفعماً بالرجولة والصلابة ، وليس مُرهف الحسّ كما بدى في رسمته التاريخية .. 

وقد حاولت التماسك بعد تلاقي عيناهما ، وهو ينظر لها بنظرةٍ حادّة لأنها الوحيدة لم تخفض رأسها له ! بل تمعّنت فيه بجرأة ، على غير عادة النساء في تلك الآونة الزمنية ..

فأشار لها بالإقتراب منه ..


فوقفت امامه وهي مازالت تنظر اليه ، دون خضوعٍ وذلّ الجواري المعهود!

الملك : من انت ؟ ومن اين أتيت ؟

إيلينا : أتريدني ان أجيبك بصدق ؟

- طبعاً 

- أتيت من زمن المستقبل لأطلعك على أمرٍ خطير


وهنا اقتربت رئيسة الجواري (مُخفضة رأسها للملك) :

- أعتذر مولايّ .. فهي جارية جديدة ولا تعرف الأصول.. هل تريد ان آخذها لأعلّمها الأدب ..

الملك مقاطعاً : لا !! أعجبتني وقاحتها .. ما اسمك ؟ 

- إيلينا 

الملك : أيلينا ، اسمٌ غريب ! .. تعالي معي 

ومشى باتجاه غرفته الخاصة وهي خلفه ..

***


حين أقفل باب غرفته ، قالت له :

- معي شيءٌ سيعجبك 

- وانا متشوّق لرؤيته

فأخرجت جوالها وهي تقول :

- إبتسم !! 

- ماذا !

وصوّرته ، ثم أرته الصورة ..

الملك بدهشة : كيف هذا ! ولما وجهي لا يتحرّك في مرآتك ؟!


أيلينا : هذا جوّال ، إختراعٌ في زمن المستقبل .. ولوّ كان لديكم إنترنت  لأريتك ما سيفعله اخوك الخائن

الملك بغضب : كيف تجرأين على شتم اخي ، ايتها الجارية ؟!! 

- هات يدك  

- ماذا تريدين ؟!

إيلينا : أترى سواري المضيء ، سآخذك بواسطته الى المستقبل

وقبل ان يفهم ما تقصده ! أمسكت يده ، ليجد نفسه في اسبانيا الجديدة

*** 


وكان اول ما لاحظه هو اختفاء سيفه ، فصرخ غاضباً :

- أعيدي سيفي ايتها السارقة !!

- اهدأ ألفونسو

الملك بغضب : قولي مولايّ يا جارية وإلاّ قطعت رأسك !! 

- لا ملوك هنا .. تعال وانظر بنفسك


وأخرجته الى الشرفة ، ليرى شوارع اسبانيا مليئة بالسيارات ..

ألفونسو بدهشة : ماهذه الأشياء ؟! وكيف تتحرّك دون ان تجرّها خيول وبغال ؟

- انت الآن في القرن الواحد والعشرين

- مستحيل !

- أتريد رؤية إسبانيا

ألفونسو : تظلّي تردّدين كلمة اسبانيا ، وانا ملك قشتالة ..فعن أيّ دولة تتحدثين ؟!

إيلينا : دولة الأندلس قديماً أصبحت اليوم تُعرف بأسبانيا والبرتغال ، وهما دولتان أوروبيتان تعتنقان المسيحية


ألفونسو بارتياح : أهذا يعني انني فزت على المسلمين بالحروب الصليبية؟! .. فأنا بدأت الحملة ضدّهم ، وكدّتُ أربح لولا تدخل دولة المُرابطين بالمغرب الأقصى لِنُصرة الأندلس والتي قامت بصدّ جميع هجمات الإفرنجة والقضاء على إستقلال دُويلات الطوائف ، لتصبح الأندلس ولايةً من ولايات الدولة المُرابطيَّة ، التي ورثتها لاحقاً الدولة المُوحديَّة.. وكنت قبل رؤيتكِ بأسبوع ، أحكمتُ سيطرتي على مدينة طُليطلة  

إيلينا : نعم سنة 1085م .. أحفظ هذا التاريخ جيداً ، لأن من بعده أخذت المُدن الإسلاميَّة تتساقط بيد الإفرنج الواحدة تلوّ الأُخرى


ألفونسو بسعادة : أحقاً !! اذاً تابعتُ إنتصاراتي ؟ 

- بصراحة لم تكن انت القائد ، بل اخيك 

- تقصدين بعد تولّيه الحكم عقب وفاتي ؟ ..هل مُتّ في إحدى المعارك كما يموت الفرسان الشجعان ؟


إيلينا : سأجيبك عن اسئلتك بعد أخذك بجولة حول مدينتك المستقبلية .. لكن عليك اولاً تغير ملابسك .. (وأخذت تبحث في خزانتها) .. أعتقد ان صديقي القديم ترك بعض ملابسه هنا

- هل كنت متزوجة ؟

- لا ، مجرّد اصدقاء  

- أكنت جارية في زمانك ايضاً ؟

أيلينا : هناك قوانين وعادات كثيرة تغيّرت عبر العصور .. سأخبرك كل شيء اثناء نزهتنا

***


ورغم اعتراضه على الملابس الضيقة ، الا انه لبس أخيراً البنطال الجينز والتيشيرت الأحمر .. 

وذهب معها الى المول ، الذي ظلّ يمشي فيه بذهول وهو يرى البضائع الحديثة المتنوعة داخل المحلات التجارية ! 

ورغم ضيقه من إنعدام الأخلاقيات بين اليافعين .. الا ان لذّة الطعام أعجبته كثيراً ، خاصة الحلويات 

***


بعد حلول الظلام ، أعادته إيلينا الى شقتها ..

- هل أعجبتك اسبانيا ؟

ألفونسو : تغيّرت كثيراً ! حتى اني لم أرى رعاع القوم

- بالطبع هناك فقراء ، لكن ليسوا مُعدمين كما في زمانك 

- انا لم أكن يوماً ملكاً ظالماً 

- أعرف هذا ، فقد قرأت سيرتك بكتاب التاريخ

ألفونسو باستغراب : أحقاً ! وماذا قالوا عني ؟ 

- سأريك حياتك كاملة بالإنترنت


وجلس امام حاسوبها المحمول ، اثناء تشغيلها فيديو باليوتيوب عن أهم الأحداث في حياته ..

وفي البداية أسعده إنجازاته الكثيرة داخل بلدته وخارجها ، خاصة فوزه بالعديد من المعارك ضدّ مسلميّ الأندلس .. 

لكنه ذُهل بعد معرفته بانقلاب اخيه واستلامه الحكم ! 


ألفونسو : بصراحة لم أصدّق جميع الأحداث التي أريتني إيّاها  

- لماذا ؟

- لأنه ذُكر انني قتلت زوجتي الحبيبة وابني البكر ، وهذا أمرٌ مستحيل 

إيلينا : أمرت بذلك بعد تشكيك أخوك في إخلاصهما لك .. حيث استطاع إقناعك بأن ابنك البكر يُحضّر لإنقلابٍ ضدّك ، وأن زوجتك تخونك مع الوزير .. فأمرت بقتلهم جميعاً ، لتُصاب بعدها باكتئابٍ شديد

- ماذا يعني إكتئاب ؟!


إيلينا : حزنٌ شديد لفقدانهم .. مما قلّل حماسك وتركيزك في المعارك ، لتنال هزيمتين متتاليتين ضدّ مسلميّ الأندلس : وذلك في معركة الزلاقة ، ومعركة أقليش التي قُتل فيها ابنك الثاني سانشو 

- ابني المفضّل سانشو !

- نعم واستغلّ اخوك انهيارك للإنقلاب عليك وعزلك عن الملك 

ألفونسو بغضب : إن كان هذا ما يخطّط لفعله ، فسأجعله عبرةً لمن يعتبر!! 

- أعتقد بتخلّصك منه ، ستستولي على الأندلس سريعاً .. 

- الم تقولي إن اخي انتصر عليهم بالفعل ؟ 


إيلينا : نعم لكنه استغرق وقتاً طويلاً ، فهو لا يملك خبرتك العسكرية .. وأظن لوّ بقيت مدةً أطول في الملك ، لزدّت مساحة دولتنا الحالية بعد احتلالك بلاد العرب ايضاً

ألفونسو بحزم : سأفعل ذلك حتماً !! .. والآن أعيديني الى زماني ، فعليّ إصدار العديد من القرارات المصيرية التي ستغيّر التاريخ بأكمله


فوضعت إيلينا سوراها الألكتروني حول معصمه وهي تقول :

- لا ادري كيف يعمل بالضبط .. لكن إبقيه في يدك أثناء نومك ، وهو سيعيدك الى عالمك

- واين سأنام ؟ 

إيلينا : على سريري ، وانا سأنام في الصالة

***


حين استيقظت صباحاً.. أسرعت الى غرفتها لتجده اختفى مع السوار ، فعلمت انها فقدت آلة الزمن

- غبية !! كيف لم انتبه لذلك ! كنت أودّ رؤية المستقبل ايضاً ..

وبحثت عن حاسوبها مُطوّلاً ، لكنها لم تجده ..

- هل أخذه معه ؟!


ثم أخذت تتصفّح كتابها التاريخيّ ، لتجد ان سيرة ألفونسو تغيرت تماماً ! 

فهو أعدم اخاه لحماية زوجته وابنه البكر الذي خطّط لاحقاً مع الوزير (الذي كان فعلاً عشيق امه) لتسميم والده (ألفونسو) واستلام الحكم ، بعد قتل أخيه الثاني سانشو (الإبن المفضل لوالده).. 

ولأنه كان ولداً فاسداً ، فقد أوقف الحملات الصليبة ضدّ المسلمين بعد صرف أموال دولته على الجواري والخمور وحفلاته الماجنة 


إيلينا بدهشة : لا حملات صليبة ! ماذا يعني هذا ؟!

وهنا سمعت صوت الآذان في الخارج !

- ما هذا الصوت ؟! سمعته في اليوتيوب من قبل 


وخرجت الى شرفتها ، لتُفاجىء بالمساجد في كل حيٍّ ببلادها .. والنسّوة محجبات بالشوارع ، والرجال يلبسون الزيّ الإسلامي بلحاهم الطويلة

- لا ! مستحيل


ونزلت مُسرعة الى الشارع ، لتجد سيدة مُنقبة تقول لها :

- عودي الى بيتك والبسي الزيّ الرسمي ، والا ستعاقبين

- ممّن ؟!

- من ولاة أمرنا

إيلينا باستغراب : ولاة أمرنا ! تقصدين رئيس اسبانيا ؟

- لا توجد دولة اسمها اسبانيا ! 

- ماذا ! وبأيّ دولة نحن ؟

- الأندلس

إيلينا بصدمة : الأندلس ! وبأيّ زمان ؟

- 2020

- هل بقيت الأندلس حتى عصرنا الحاليّ ؟! 

- طبعاً !! دولتنا مزدهرة منذ قرون


وهنا اقترب منها العسكري ، وهو يقول بعد رؤية الصليب في عنقها: 

- هاى انت !! اين بطاقة بيت المال ؟

فسألت إيلينا السيدة المنقبة : ماذا يقصد ؟!

المرأة : يقصد هل دفعتي الجزية لهذا العام ؟ 

إيلينا بصدمة : الجزية !

العسكري : نعم !! على المسيحيين دفع ضريبة لدولتنا كل سنة ، والا ستحجزين


فجلست إيلينا على الرصيف وهي تبكي بندم :

- ليتني لم أعبث بالتاريخ .. أفسدتُ كل شيء !!!!

وظلّت تبكي بمرارة .. والمارّة المسلمين يراقبونها باستغراب ! 

******


ملاحظة :

المعلومات المذكورة عن ألفونسو السادس في قصتي صحيحة ، فيما عدا  ما ذُكر عن أخيه (فهي من تأليفي) .. ففي الحقيقة مات ألفونسو حزناً على ابنه سانشو الذي قُتل في معركة أقليش ضدّ المرابطين المسلمين ، وإبنته أوراكا هي من خلّفته في الحكم .


السبت، 10 أكتوبر 2020

البراءة المُحتجزة

 تأليف : امل شانوحة


مراهق في سجن البالغين !


تلفّت جيمي بخوف لرؤية المحلّفين والحضور ، وهو يأمل ان تؤثّر المظاهرات خارج المحكمة (المُطالبة ببراءته) على القرار النهائيّ للقاضي 


في هذا الوقت كان محاميه يحاول إقناع القاضي بالحكم عليه كقاصر وسجنه مع الأحداث .. بينما المحامي الآخر يصرّ على محاكمته كشخصٍ بالغ ، مقدّماً أدلّته للقاضي :

- سيدي .. أعرف ان جيمي يبدو كمراهق يبلغ 13 عام ، لكن تقرير الطبيب وتاريخ ميلاده يؤكّدان أن عمره تجاوز 25 سنة ، بعد إصابته بمرض قصور الغدة النخامية ((hypo-pituitarism وهو خللٌ هرمونيّ نادر يوقف نمو الأطفال .. وهو ليس بريئاً كما يبدو لنا ، فهو ارتكب عدة جرائم : حيث طعن والده بالتبني حتى الموت ، وساهم في خطف عشرات الفتيات ، وباع المخدرات لزملائه في المدرسة .. وفعل ذلك وهو مُدركٌ جيداً لسوء افعاله .. لهذا أطالب المحكمة بالحكم عليه بناءً على عمره وجرائمه الشنيعة ، وليس على هيئته الخارجية  


فاعترض محامي جيمي : كل تلك الجرائم إرتكبها تحت تهديد والده برميه في الشارع بعد وفاة امه ..


واحتدم النقاش بين المحاميين بتفاصيل القضية .. في الوقت الذي استذكر جيمي ماضيه ، تحديداً في اليوم الذي أخذته امه لطبيب الغدد لمعرفة سبب توقف نموه .. 


وبعد خروجهما من العيادة ، أطلعته على مرضه النادر  

فسألها بقلق : يعني لن أكبر كرفاقي ، ولن أتزوج وأنجب الأطفال ؟!

امه بحزن : آسفة جيمي ، ستبقى طفلاً صغيراً .. لكن لا تحزن ستكون ولداً قوياً ، فقد قرّرت تسجيلك في نادي الكاراتيه لحماية نفسك من الملاعين الذين سيحاولون إستغلال مرضك 


ولم يفهم جيمي سبب قلقها الا بعد وفاتها ، حين أخبره والده بالتبني :

- امك التي تحميك وتدلّلك ماتت الآن .. ولكي لا أعيدك الى دار الأيتام ، عليك العمل لحسابي

- لم افهم !

فأجابه بابتسامةٍ ماكرة : سأستفيد من إعاقتك 


وكان اول جرم إشترك فيه : هو وقوفه قرب مدرسة ثانوية للبنات ، حيث طلب منه والده البكاء فور خروجهنّ .. وحين تقترب إحداهنّ لمساعدته ، يأخذها لبيته بحجّة ضياعه ، ليقوم والده بالإعتداء عليها ! والتخلّص من جثتها لاحقاً .. 

وقد حاول جيمي الهرب بعد ارتكابه اول جريمة خطف ، لكن والده قبض عليه وربطه بالسلاسل في سريره .. كما انه ضربه كثيراً لإجباره على دفن ضحاياه .. 


وتكرّرت عمليات الخطف الى ان بدأت الشرطة تحوم حول منطقتهم ، فاضطر الأب للسفر مع جيمي الى منطقةٍ بعيدة ، ليبدأ نوع آخر من الجرائم ! عقب تسجيله في مدرسةٍ متوسطة ، وإجباره على بيع المخدرات لأصدقائه 

وحين أوشك المدير على كشف أمره ، إنتقل مع والده لولايةٍ أخرى 


وفي إحدى الليالي .. وبعد انتهاء حفلة سكرٍ ومخدرات لوالده مع اصحابه .. تفاجأ جيمي بصديق والده يقتحم غرفته ، للإعتداء عليه! 

لكنه تمكّن الهرب باستخدام مهارته بالكاراتيه لإبعاد الرجل عنه ، ليُسرع الى والده الذي أخبره أنه باعه لصديقه القوّاد للعمل في مهنة الرذيلة طوال حياته ! 


فجنّ جنون جيمي.. وأخذ سكيناً حاداً من المطبخ ، وظلّ يطعن بها والده السكران الى ان قتله .. فهرب القوّاد فزعاً ، واتصل بالشرطة التي قبضت عليه وأرسلته للمحاكمة .. 

وبعد نشر قصته بالصحف ، تظاهرت الناس خارج المحكمة مُطالبين ببراءته ..


وهنا عاد جيمي الى الواقع على صوت القاضي وهو يطالبهم بالوقوف للنطق بالحكم ، والذي كان صادماً للجميع بعد ان حكم عليه 20 سنة في سجن البالغين ! 

فحاول محاميه الإعتراض : بأن وجوده مع السجناء الكبار خطراً على حياته 


لكن القاضي لم يهتم لسلامته وأنهى المحاكمة سريعاً ، مع رفضه الطعن بالحكم .. 

ليقوم الحرس باقتياده الى هناك ، وسط غضبٍ عارم للناس على الحكم الظالم

***


في السجن .. حاول جيمي التماسك خلال الإجراءات الطويلة : من أخذ بصماته وحلق رأسه ولبس ملابس المساجين الذي اضطر المسؤول لقصّ اطرافه لتناسب حجمه الصغير .. 


ثم حمل وسادته ولحافه النتنين الى داخل السجن عقب إنتشار الخبر بينهم ، والذين استقبلوه بطرق أكوابهم الحديدية على القضبان ، وصراخ بعضهم بحماس :

- هذا الصغير لي !!

- لا لي انا !!


وكان الجميع مُحتجزاً في زنزانته ، ماعدا زعيمهم الذي اقترب من الصغير وهو يقول :

- ستكون دميتي ، ايتها الصغيرة الفاتنة

ليُفاجأ بضربة كاراتيه من الولد ، أسقطته ارضاً وسط دهشة الجميع ! ويصرخ جيمي بعلوّ صوته :

- قتلت والدي حين باعني لشواذّ ، ولن أتوانى عن قتل من يحاول منكم إيذائي ..هل سمعتم !!


وهنا أسرع الحارس بأخذه الى سجنٍ منفرد .. وقبل إقفال الزنزانة ، قال له:

- أمر المدير بحبسك منفرداً ، لحمايتك من الأشرار .. حيث ستتناول طعامك هنا .. وتستحمّ في وقت عشاء المساجين  .. كما سنُخرجك ساعتين في آخر الليل ، لتجوّل وحدك بالساحة 

جيمي بشجاعة : لست خائفاً منهم !!

الحارس : هل تظن زعيمهم سيسكت عن إهانتك له امام الجميع ؟ .. أنصحك يا ولد ان تبقى هادئاً ، والا ستُقتل قبل إكمال محكوميتك

جيمي بغضب : لست ولداً !!!


لكن الحارس لم يكترث لصراخه ، وأقفل الزنزانة .. لتبدأ اول ليلة صعبة على جيمي الذي حاول التماسك قدر الإمكان ، قبل ان يغفو والدموع على وجنتيه 

***


إستمرّ هذا الوضع شهراً كاملاً ! حيث بقيّ وحده ساعات طويلة في زنزانةٍ لا تتجاوز المترين ، لا يفعل شيئاً سوى تناول طعامه فوق السرير .. والمشي وحيداً في الساحة كل ليلة .. 


وفي إحدى الليالي ، ومن شدّة ملّله .. وجد كرة في آخر الساحة .. فأخذ يلعب بها بمهارة ، ويركلها بقوة لترتطم ببوّابة السجن الحديدية ، مما أيقظ بعض المساجين الذين صرخوا عليه من نوافذهم :

- توقف يا صغير !! نريد ان ننام

- إسمي جيمي !! واتحداكم ان تفوزي عليّ بمبارة كرة قدم


فأطلّ زعيمهم ليقول : الحرس لا يسمحون لنا بالإجتماع معك ، والا لكنا استمتعنا كثيراً  

جيمي : انت كبير السجناء ، إطلب من الحرس إخراجك مع ستة من البارعين في الكرة لتكوين فريقين : كل فريق يحوي اربعة لاعبين .. وفي حال أدخلت اهدافاً في مرماكم ، أحصل على وعدٍ منك بأن لا يؤذيني احد .. فهل تراهن ؟


وبالفعل تكلّم زعيمهم مع رئيس الحرس الذي قبل بإقامة مباراة بين الفريقين .. ليقوم بقية السجناء (الذين استيقظوا لاحقاً) بمتابعة المباراة من نوافذ سجونهم ، والتي استمرّت لساعةٍ كاملة .. إستطاع فيها الصغير إدخال هدفين في مرماهم .. وحصل على تصفيقٍ حار من الحرس والمساجين ..


وبعد انتهاء المبارة ، قال زعيم المساجين بصوتٍ عالي : 

- جيمي الآن في حمايتي !! وممنوع على أحدٍ أذيته .. هل كلامي مفهوم !!

السجناء : مفهوم سيدي !!


ورغم ذلك أصرّ مدير السجن على بقاء جيمي في زنزانةٍ منفردة ، والتي عاد اليها سعيداً بعد حصوله على حماية زعيم أكبر العصابات المتواجدة في السجن  

***


في اليوم التالي .. رفض جيمي تناول الغداء في زنزانته ، وطلب من الحارس إنزاله لقاعة الطعام .. 

وبالفعل وقف بالطابور مع السجناء .. ثم أخذ صينيته وجلس وحيداً على الطاولة ، فاعترض سجينٌ بدين على حصّته من الطعام :

- لما حصل على نفس كميتنا ؟ هو معدته صغيرة مُقارنة بمعدتي


وتوجّه اليه لأخذ بعض أطباقه ، لكن جيمي أمسك يده بقوة وهو يقول مهدّداً:

- معي حزامٌ أسود بالكاراتيه ، وأستطيع كسر يدك بسهولة ايها البدين

فاقترب منهما الزعيم ليقول : 

- معه حق يا جيمي ، فأنت لن تستطيع إنهاء اطباقك ..فلما لا تتبادلا؟ 

جيمي : ماذا تقصد ؟

الزعيم : أعرف انك شابٌ بالغ ، لكن جسدك الصغير يحرق السكريات أسرع منا .. (ثم قال للبدين) : انت !! إعطه الدونات .. وانت يا جيمي !! إعطه طبق اللحمة ، فهو بدين ويحتاج للمزيد من الطعام 

وبالفعل قاما بالتسوية بينهما ، وأكملا طعامهما دون مشاكل

***


في اليوم التالي .. ضجّت قاعة الطعام بعد رفضهم تناول الأكل المحترق ، بإهمالٍ من الطباخ العجوز ..

لكن مدير السجن أمرهم بأكله دون اعتراض ..

ليتفاجؤا بالصغير يرمي طعامه امام المدير ويقول :

- لسنا حيوانات لنأكل هذا الطعام الرديء 

فوقف الزعيم : الصبي معه حق

ورمى صحنه ايضاً ، ليقوم جميع السجناء برمي طعامهم ..


فأمر مدير السجن بجلد جيمي لإثارته المشاكل .. وقام بضربه بالحزام امامهم 50 جلدة ، لكنه ظلّ متماسكاً ولم يبكي دمعة واحدة 

 

الى ان يأس المدير منه .. وخرج من القاعة مع حرسه ، بعد إعطائه الأوامر لعمّال المطبخ بتقديم علبتيّ سردين لكل سجين بدل طعامهم المحترق ..فصفّق الجميع للبطل الصغير الذي شعر بالسعادة والفخر 

***


بعد ايام .. تكرّر الوضع ثانية ، وكانت العصيدة سيئة للغاية .. فقال جيمي للسجناء :

- سأضرب عن الطعام لحين استقالة الطباخ العجوز ، من معي؟!!

لكن الجميع أكمل طعامه بصمت 

جيمي غاضباً : اذاً سأقوم بالإضراب وحدي ، ايها الجبناء .. 

وعاد الى زنزانته دون ان يأكل شيئاً

***


في اليومين التالين .. ظلّ جيمي مُعرضاً عن الطعام ، وانتشر الخبر بين المساجين .. ليعلن الزعيم إضرابه عن الطعام ايضاً .. ولم تمضي ايام حتى امتنع الجميع عن النزول لقاعة الطعام ..


وكان المدير في وضعٍ صعب : لأن لجنة حقوق الإنسان ستصل خلال ايام لتعين النظام في سجنه .. لهذا اضطر لقبول طلبهم وإقالة العجوز وإحضار طباخين مختصّين .. فأكلوا السجناء طعامهم بنهمٍ وشهية لأول مرة منذ سنوات .. وبعد إنهائهم أطباقهم اللذيذة ، حملوا جيمي فوق اكتافهم وهم يهتفون :

- يحيا بطلنا الصغير !! يحيا جيمي الشجاع !!


وهكذا بدأ جيمي بتكوين صداقات ، بعد ان أصبح محبوباً لدى الجميع .. حتى ان بعضهم شارك في صفه لتعليم الكاراتيه ..

***


بعد شهور .. تفاجأ جيمي بسجينين يقتحمان زنزانته ! ويخطفانه بعد تكميم فمه .. وإنزاله جبراً الى القبو (المكان المخصّص لغسل ملابسهم) .. 

وهناك وجد زعيم السجناء في انتظاره ، فقال له غاضباً :

- الم تعدني ان لا يؤذيني أحد ؟!!

الزعيم : لا تقلق ، اريدك بموضوع أهم


ثم قام السجينان بإبعاد الغسالة عن الحائط ، لتظهر فتحة صغيرة خلفها 

الزعيم : إسمع يا جيمي .. حفرنا هنا ، لأن المواسير الخلفية توصل لخارج السجن 

جيمي بدهشة : هل ستهربون ؟!


الزعيم : ليتنا نستطيع ..لكن الحفرة صغيرة كما ترى ، واريدك ان تهرب اولاً .. ستجد خلف الفتحة مواسير صحية تصبّ في جدولٍ صغير خارج أسوار السجن .. إسبح بداخلها الى ان يُوصلك الجدول الى غابةٍ صغيرة .. توغّل فيها باتجاه الشمال .. ستجد بنهايتها ، شارعاً يوصلك لمحطة بنزين .. (ثم أعطاه نقوداً معدنية).. هناك هاتفاً عمومياً ، إتصل على هذا الرقم .. واخبرهم انني سأكون في ساحة السجن : غداً الساعة الرابعة عصراً .. وهم سيخرجوني من هنا 


جيمي بقلق : وماذا عني ؟ 

- إبقى في المحطة لحين قدوم سيارة سوداء تأخذك الى مقرّي ، فأنا أحتاجك في عملي الجديد 

- أخاف ان تؤذيني جماعتك

- لا تقلق ، أخبرتهم انك بحمايتي .. والآن إسرع الى داخل الحفرة قبل تبديل العساكر .. 

وبالفعل مرّ من خلالها ، ليقوم بتنفيذ الخطة بإتقانٍ وشجاعة .. 


وفي اليوم التالي .. ضجّت الأخبار عن تحليق طائرة هليكوبتر فوق ساحة السجن ، وتعلّق الزعيم بسلّمها الطويل وهروبه من السجن الى جهةٍ مجهولة ! 

***


بعد سنوات .. تمّ القبض مجدداً على جيمي في ولايةٍ أخرى ..

ليرافع محاميه قائلاً : سيدي ، ما ذنب هذا الصغير اليتيم الذي خطفته عصابة مخدرات شرسة ، وأجبرته على تنفيذ اوامرها ؟ لهذا أطالب عدالتكم بفرض أدنى العقوبات على مايكل الصغير 


في هذا الوقت كان جيمي يُخفي سعادته لعدم إكتشافهم هويّته المزورة (بإسم مايكل ، 13 عام) التي على أساسها حصل على حكمٍ مخففّ بالحبس عامين في سجن الأحداث الذي خطّط لدخوله مُسبقاً : بغرض تجنيد السجناء الصغار في خدمته بعد إطلاق سراحهم ، دون علمهم بأن رئيسهم مايكل : هو نفسه جيمي بعد تجاوزه سن الأربعين ! الذي أصبح الزعيم الجديد لأخطر عصابة مهمّتها : توزيع المخدرات في المدارس لتدمير المراهقين بكل أنحاء البلاد !  


الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

سحرٌ وراثيّ

فكرة : محمد بيومي آل غلاب
كتابة : امل شانوحة 

سحر الأجيال


جبينٌ مُتعرّق .. رعشةٌ لا ارادية .. أنفاسٌ متقطّعة .. إستيقظت ريم من كابوسها الذي تكرّر يومياً على مدار اسبوع ..

وتساءلت بضيق : 

- لما تلاحقني العروس المشلولة في منامي كأنها تريد الإنتقام مني ؟!

***


وعلى مائدة الفطور .. لاحظت امها وجدتها نعاسها وإرهاقها الجسدي .. فسألتها امها :  

- أمازال متنمّروا المدرسة يضايقونك ؟

ريم بيأس : لا ، تعوّدت عليهم

الجدة : اذاً مابك متعبة هكذا ؟

ريم : كابوسٌ لعين لا يفارقني

الأم : قلتِ ذلك مراراً ، لكنك لم تخبرينا بما ترينه 

ابنتها : 

- نفس المشاهد تتكرّر كل مرة : رجلٌ يضرب ابنته بعنف .. عروسٌ على كرسي متحرّك .. وحبلٌ ناريّ يربطني بكما  

الأم والجدة باستغراب : نحن ايضاً ؟!

ريم : نعم .. وأكثر ما يخيفني : نظرات العجوز وهو يراقبني طيلة المنام  

الجدة : أيّ عجوز ؟

وهنا سمعت بوق حافلة مدرستها.. فوقفت ريم وهي تقول :

- عليّ الذهاب ، نُكمل كلامنا لاحقاً 

***


مرّ الوقت ببطء في مدرستها ، فالمعلمون لا يسمحون لها المشاركة في الحصص ، كأنهم لا يرونها ! 

كما عانت ايضاً من الوحدة ، فلا احد يريد مصاحبتها بعد تلقيبها بالفتاة المنحوسة لكثرة تعثّراتها ، وضياع اغراضها وسقوط طعامها دون سبب ، وتلوّث ملابسها من مطرٍ وطين وغيرهما ، كأن هناك شيءٌ خفيّ يريد جعلها محطّ سخرية الآخرين !

***


في نهاية المدرسة ، توجهت للحافلة .. وقبل صعود درجاته ، لمحت عجوزاً يختبأ بين الأشجار ويشير لها بالقدوم اليه ! 

المخيف في الموضوع انه نفس العجوز الأعور الذي تراه في كوابيسها المتكرّرة ! 

فأسرعت بركوب الحافلة وقلبها ينبض بقوة .. وحين نظرت من النافذة كان اختفى تماماً ! رغم كبر سنه وعرجته الواضحة  

***


حين وصلت المنزل .. وجدت جدتها نائمة وامها في عملها الوظيفي ، ولا غذاء كالعادة .. فأكلت شطيرة جبن على عجل ، ودخلت غرفتها .. وما ان استلقت على سريرها ، حتى غفت من إرهاقها النفسي والجسدي 


لترى ذات الكابوس ، لكن هذه المرة عاتبها العجوز لأنها لم تلحقه !

ولأول مرة لم تهرب منه ، بل تجرّأت على سؤاله عمّا يريده منها .. فأجابها :

- فكّي رباطي لأعود لعائلتي

لتنتبه بأن الحبل الناريّ الذي يجمعها بجدتها وامها مُقيدٌ ايضاً بقدم العجوز الذي أراد الشرح لها طريقة فكّ الرباط ، لكنه التزم الصمت بعد رؤيته العروس المشلولة تراقبهما من بعيد ! 

واستيقظت ريم من نومها وهي تتصبّب عرقاً..

***


في المساء .. سألتها امها :

- لما لا تأكلين ؟

ريم بنبرةٍ حزينة : شبعت

الجدة : وضعك يزداد سوءاً كل يوم ، ما السبب ؟ 

ريم : أرهقني الكابوس اللعين  

الأم : آه صحيح ، لم تكمليه لنا .. فماذا ترين بالضبط ؟ 

فأخبرتهم عن عجوز الكابوس الذي رأته يراقبها خارج المدرسة .. 

الجدة : صفيه لنا ؟


ريم : عجوزٌ أعور ، بلحيةٍ بيضاء خفيفة ..ومسكة عكازه على شكل أفعى

الأم بدهشة : أهو أعرج وأسمر اللون ؟

ريم باستغراب : نعم ! 

الجدة : وأصلع ايضاً ؟ 

ريم : هل رأيتماه في منطقتنا من قبل ؟

فسألت الأم الجدة : لحظة ! هل شاهدته انت ايضاً ؟ 

الجدة : نعم بعد ترمّلي بشهر ، صار يلاحقني كلما ذهبت للسوق .. ثم اختفى فجأة  

الأم : يعني رأيته بعد وفاة والدي ؟ أيّ بعد انتقالنا للمدينة 

الجدة : نعم .. ماذا عنك ؟

الأم : رأيته بعد ايام من طلاقي ، وكنت حاملاً بريم 

ريم : تقصدان انه بدأ اولاً بمراقبة جدتي قبل ثلاثين سنة ؟!

الجدة : نعم ، وكان عجوزاً ايضاً 

ريم باستغراب : وكيف لم يمت بعد ؟!


الجدة بتردّد : أظنه جني تربّص بعائلتنا جيلاً بعد جيل ، كسحرٍ متوارث أصابنا جميعاً بسوء الطالع 

ريم بخوف : جني !

الأم : امي !! لا تخيفيها رجاءً 

ريم : وهل كنتما منحوستان مثلي ؟

الأم : أذكر ان مصائبنا زادت بعد انتقالنا للمدينة .. فجدتك ترمّلت .. وانا تطلّقت بعد أشهر من زواجي .. كما عانيت من التنمّر طوال مرحلتي الدراسية والوظيفية ايضاً

الجدة : وانا تأذّيت كثيراً من الجيران ، لهذا تنقّلنا بين العديد من المنازل


ريم : اذاً لما لا نعود للقرية ، فربما تتحسّن احوالنا

الجدة بفزع : لا !! فالساحرة تعيش هناك

ريم : هل تقصدين العروس المشلولة ؟

الجدة : بل خالتها 

ريم : اذاً انت تعرفين الصبية جيداً ! من تكون ؟ وهل فعلاً تقدّم أحد للزواج منها وهي مشلولة ؟!

الجدة بحزم : ريم !! إذهبي الى غرفتك واكملي دراستك ، فالقصة قديمة ولا اريد التحدّث فيها ..

ريم : لكن جدتي ..

وهنا فضّلت الأم والجدة دخول غرفتهما دون الإجابة عن اسئلتها ! فعرفت ريم انهما يخفيان سراً عنها ، ولن تهدأ قبل ان تعرفه ..

***


في ظهر اليوم التالي .. وقبل صعودها الحافلة للعودة الى منزلها ، تلفتّت في جميع الإتجاهات بحثاً عن العجوز .. لكنها لم تره ..

فصرخ عليها السائق : هل ستركبين ام ماذا ؟!!

فصعدت لتجلس على كرسي بجانب النافذة .. وقبل تحرّك الحافلة ، لمحت العجوز يشير لها من بعيد ..


فأوقفت الحافلة وأسرعت باتجاهه .. لكنها تجمّدت حين رأت نظراته الحادّة ، وسألته بارتباكٍ وخوف :

- هل انت جني بالفعل ؟!

وتمنت ان يجيبها بالنفي او يضحك ساخراً من سؤالها ، لكنه اكتفى بالإشارة لها أن تلحقه دون التفوه بكلمةٍ واحدة مما زاد من رهبة الموقف


وظلّت تمشي خلفه قرابة ساعة دون ان يلتفت لها او يحدّثها ، الى ان ابتعدا كثيراً عن المناطق التي تعرفها .. فسألته بخوف :

- الى اين تأخذني ؟! 

لكنه لم يجيبها ، وتابع سيره ببطء (بسبب عرجته) .. الى ان صعد تلّة مرتفعة ، فلحقته .. وتوقف عند الحافة وهو يشير الى قريةٍ بعيدة 


ثم التفت اليها بعد تحوّل عينيه لحمراواتين مضيئتين ، أوقفت الدم في عروقها .. قائلاً بنبرةٍ حانقة : 

- سحركم مدفون هناك !!

واختفى فجأة ! لتُصاب بنوبة فزعٍ جعلتها تركض بأقصى سرعتها في نفس الإتجاه الذي أتت منه ، لكنها تاهت في الطرقات ..ولساعاتٍ طويلة


الى ان وصلت عصراً قرب منزلٍ قديم ، تصطفّ النسوة امامه ..

وحين اقتربت منهنّ ، سمعت إحداهنّ تقول للأخرى : 

- لا تقلقي ، الشيخ أحمد يفكّ جميع الأسحار 

فلم تجد ريم نفسها الا وهي تمرّ بين الجموع ، حتى وصلت الى ساحة المنزل .. وحين رآها حارس الشيخ ، أدخلها اليه اولاً ! رغم وجود نساءٌ كثيرات يقفن بالدور قبلها 


فوجدت نفسها في غرفةٍ صغيرة ، وشيخٌ هرم يفترش الأرض .. فجلست امامه ، ليبادر هو بسؤالها :

- لماذا ترتجفين يا ابنتي ؟

- رأيت جني قبل قليل 

- أحقاً ! إخبريني القصة منذ البداية

فأخبرته بشأن الكابوس والعجوز الأعرج ..


الشيخ باهتمام : هل أشار الى القرية المجاورة ؟

ريم : نعم ، يبدو ان سحرنا مدفون هناك 

- سحر الأجيال هو أخطر الأسحار ، ينتقل من فردٍ لآخر ..ومن الصعب فكّه ..

ثم أخذ يتمّتم جانباً ، وكأنه يتحدث مع الجني الذي يخاويه .. 


وبعد دقائق ، قال لها :

- اسألي جدتك عن ذنبها مع العروس المشلولة 

- ذنبها ؟!

الشيخ : نعم .. إحضريها غداً مع امك بنفس الموعد ، وسأحاول مساعدتكن .. الآن عودي الى منزلك

- لا أعرف كيف ! فالعجوز توّهني في الطرقات

- اذاً أوصفي الشارع الذي تعيشين فيه لحارسي فهو يعرف المنطقة جيداً ، وسيوصلك سالمة الى بيتك .. اراكِ غداً مع عائلتك

***


وبالفعل أعادها الحارس الى بيتها ، لتجد امها وجدتها تنتظرانها بقلقٍ شديد بعد تأخر موعد عودتها من المدرسة .. فأخبرتهما بما حصل

الأم معاتبة بعصبية : هل جننت ؟! كيف لحقتي الجني ؟

- لأني تعبت من النحس الذي رافقني طوال حياتي ، واريد فكّ سحرنا .. ولن أتوقف عن سؤالكما حتى تخبراني بقصة الفتاة المشلولة ، فماذا فعلتي بها يا جدتي ؟ 


فتنهدت الجدة بضيق ، قبل ان تخبرهما القصة التي كانت ابنتها تجهل بعض تفاصيلها .. حيث بدأت الحكاية بعودة رجلٍ من اهل القرية ثرياً من غربته ، طالباً عروساً لإبنه الشاب .. فعرضت الأمهات بناتهنّ من عمر 12 حتى اواخر العشرينات .. وبعد عدة لقاءات بين الوالد والأهالي ، إحتار ابنه بين عروستين : منال (ام ريم) وهي بعمر 13 .. والصبية جواهر بعمر 25 ، أجمل بنات القرية .. 


ولرغبة الجدة أن تحظى ابنتها بعريسٍ مثالي قامت بنشر إشاعةٍ عن علاقة محرّمة تجمع جواهر بشابٍ مزارع يعمل في ارض والدها.. وانتشرت الإشاعة بين اهالي القرية كالنار في الهشيم ، الى ان وصلت لأسماع والدها الذي انهال ضرباً عليها دون رحمة .. واثناء محاولتها الهرب منه ، دفعها بغضب وهي تنزل الأدراج .. لتسقط بعنف على ظهرها ، وتُصاب بشلل قدميها ... وبعد ايام سافر والدها للخارج نادماً ، بعد ان أخبرته طبيبة المشفى ان ابنته شريفة .. وهربت الجدة للمدينة خوفاً من غضب عائلتها ، خاصة ان خالتها تمتهن الشعوذة والتي يبدو انها انتقمت لشرف (ابنة اختها) بسحر الجدة وابنتها ، لينتقل السحر لريم بالتوارث  


الأم بصدمة : لا أصدق يا امي انك انت من نشرتِ تلك الإشاعة القذرة ؟!

الجدة بندم : أردّت فقط ان يختارك العريس بدلاً منها

الأم بعصبية : وبالنهاية تزوج العريس أجنبية ، وجواهر المسكينة شُلّت للأبد ..وانا وابنتي سُحرنا بذنبك ، هل أنت سعيدة الآن ؟!!

ريم : رغم صدمتي بجدتي ، الا ان علينا الذهاب غداً للشيخ لفكّ سحرنا .. فجدتي ترمّلت .. وانت يا امي تطلّقتي .. وأخاف ان يكون نصيبي من السحر ان أصبح عانساً ، فالناس لا تراني ولا تنتبه لوجودي .. لذا رجاءً فكّا السحر لأجلي

فوافقتا مرغمتين 

***


في عصر اليوم التالي .. إجتمعنّ في بيت الشيخ الذي دلّهم على منزلٍ مهجور بالقرية ، حيث سحرهم مدفون اسفل شجرة مزروعة في ساحته .. 

فتطوّعت الأم بالذهاب وحدها الى هناك ، لأنها تركت القرية بسن المراهقة ولن يتذكّرها احد 

***


بعد يومين .. توجّهت الأم للقرية التي تغيرت كثيراً عن ايام طفولتها .. وفي طريقها للمكان المنشود ، حاولت جاهداً عدم لفت انظار السكّان اليها ، وتجاهلت شوقها لزيارة بيتها القديم .. وظلّت تمشي بجانب الأراضي الزراعية ، الى ان وصلت لبيتٍ مهجور ببابٍ صدئٍ مكسور ، تماماً كما وصفه الشيخ .. 

ودخلت ساحته من بابه المخلوع ، ووقفت قرب الشجرة المُعمّرة .. وظلّت تحفر اسفلها الى ان أخرجت صندوقاً نحاسياً صغيراً ، إكتفت بوضعه داخل حقيبتها دون فتحه ..

ثم خرجت من هناك ، مُتوجهة لمكان تجمّع الحافلات للعودة الى مدينتها بأسرع وقتٍ ممكن ..


ولأنها كانت تمشي مُخفضة الرأس (كي لا ينتبه اليها احد) لم تلاحظ مرورها بجانب منزل جواهر التي رأتها من نافذة غرفتها ، لتناديها بعلوّ صوتها : 

- هاى انت !! انا أتكلّم معك

فالتفتت منال الى مصدر الصوت ! لترى جواهر وقد كبرت في العمر ، وهي تجلس على كرسيها المتحرّك وتسألها :

- انت منال ابنة اللعينة هند ، اليس كذلك ؟ عرفتك من وحمة وجهك القبيح .. كنت متأكدة انك ستعودين الى هنا .. أمازالت امك ذات اللسان الطويل حيّة ؟!!


فهربت منال بسرعة ، قبل سماع المارّة إتهامات جواهر التي ظلّت تصرخ بغضبٍ شديد :

- أتمنى ان تُشلّي انت وجميع عائلتك .. يا ظلمة !! يا فسقة !!!

وتنفّست منال الصعداء بعد تحرّك الحافلة مُبتعدةً عن قريتها القديمة 

***


وصلت منال الى بيتها بحلول المساء .. لتستقبلها ابنتها بلهفة :

- أخيراً عُدّتِ !! خفنا عليك 

وخرجت الجدة من غرفتها لتسألها : هل استخرجت السحر ؟

منال وهي تريهما الصندوق النحاسيّ : نعم ، غداً نوصله للشيخ احمد

ريم بارتياح : ممتاز !! سنتخلّص من نحسنا أخيراً


وهنا لاحظت الجدة ضيق ابنتها ، فسألتها بقلق :

- هل قابلتِ أحداً من اهل قريتنا ؟

- فقط العزيزة جواهر

الجدة بقلق : ماذا ! هل قالت شيئاً ؟

الأم : لولا لطف الله لتجمّع الأهالي حولنا وهي تشتمنا وتدعي علينا ، لكني تمكّنت الهرب قبل سماعهم إتهاماتها وصراخها الغاضب .. وبصراحة يا امي لا ألومها ، فأنت أضعتِ شبابها وشرفها بإشاعتك الظالمة .. وبرأيّ خالتها لم تظلمنا بسحرها لنا

ريم بحزن : وما ذنبي انا يا امي ؟

فربتّت امها على ظهرها وهي تقول : نعم لا ذنب لك ، لهذا سنذهب غداً للشيخ لإنهاء شقائك

***


في اليوم التالي .. إجتمعنّ عند الشيخ الذي استطاع بصعوبة فكّ العقد الأربعة للحبل الصغير الموجود في الصندوق النحاسيّ

الشيخ : مبروك !! أخيراً تحرّرتم من نحسكم 

ريم : كانت هناك اربعة عقد في الحبل ، ونحن ثلاثة فقط ؟!

الشيخ : لوّ أنجبت طفلة ، لانتحست هي الأخرى .. فالسحر معمول لأربعة اجيال من الإناث 

فتنهدت امها بارتياح : اذاً الحمد الله انك فكّكت السحر قبل زواج ابنتي..


الجدة : بماذا تنصحنا يا شيخ ؟

الشيخ : لوّ كنت مكانك لاعتذرت من جواهر ، فأنت ظلمتها بقسوة

الجدة : أخاف العودة للقرية فتراني خالتها وتسحرنا من جديد 

الشيخ : اذاً تصدّقي دائماً للفقراء ، عسى ربك ان يسامحك عن ذنبك الكبير 

وبعد دفع أجرته ، عدنّ الى بيتهن وهن يشعرن بارتياح على انتهاء أزمتهن

***


في تلك الليلة .. حلمت ريم بالرجل العجوز وهو يفكّ الحبل الناريّ عنها وعن جدتها وامها .. ليعود فرحاً الى عائلته الجنية الذين استقبلوه بشوقٍ كبير ، بعد ان قُيّد معهنّ لسنواتٍ عديدة 


ومنامها هذا أسعد امها وجدتها ، لتأكّدهما من انتهاء مرحلة العذاب والقهر الذي رافق عائلتهم لأعوامٍ طويلة 

***


في ظهر اليوم التالي .. خرجت ريم سعيدة من مدرستها بعد قضائها يوماً رائعاً : شاركت فيه بجميع الحصص ، ومدح المعلمون ذكائها ونشاطها لأول مرة طيلة سنوات دراستها .. وحظيت بالعديد من الأصدقاء دفعةً واحدة ، شاركوها الأحاديث والطعام في فرصة الغداء .. كما تغاضى المتنمرون عن مضايقتها على غير عادتهم ! 


وقبل صعودها درجات الحافلة .. لمحت العجوز الأعور من بعيد وهو يُجرّ كرسياً متحرّك ، ويشير لها بالجلوس عليه .. 

وقبل ان تستوعب ما تراه ! سمعت صرخات صديقاتها اللآتي أشرنّ لها فزعين بالإبتعاد عن الحافلة ، لتتفاجىء بسيارةٍ مُسرعة تصطدم بها بعنف ، وتفقدها الوعيّ

***


إستيقظت ريم مساءً في المشفى على بكاء امها وجدتها ، بعد ان أخبرهما الطبيب بشللها الرباعيّ ..

في هذه اللحظات تذكّرت انها داست شيئاً لزجاً وكريه الرائحة عند عتبة منزلها قبل ذهابها الى المدرسة ، لكنها لم تستطع النطق بشيء لأنها لا تستطع تحريك سوى عينيها اللتين لمحتا سيدة مشلولة تبتسم بشماتة عند باب غرفتها بالمشفى ، قبل ان تجرّ كرسيها مُبتعدة .. 

فعلمت ان خالة جواهر عرفت من الجن : إنهن فكّكن عقد الحبل .. لذا قامت بسحرٍ أقوى ، أصاب ريم بشللٍ دائم كعقوبة لذنبٍ لا يد لها فيه .. ليكون في انتظارها حياةٍ بائسة كئيبة ، ومملّة للغاية !


لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة جمعنا القدر في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجو...