الجمعة، 12 يونيو 2026

مبنى المعنفات

تأليف : امل شانوحة 

لعنة التمرّد


في منطقةٍ قبليّةٍ مُتشدّدة ، أُعلن عن مبنى حكوميّ لحماية النساء المُعنّفات ، بعد ازدياد حالات الإنتحار بين الفتيات الهاربات من العنف العائلي والزواج القسّري.. بينما أَطلق عليه سكّان القرى المُحيطة اسم : 

((مبنى المُتمرّدات)) 


كان المبنى مُحاطاً بسورٍ إسمنتيٍّ شاهق ، وأسلاكٍ شائكة .. مع كاميرات مراقبة ، وحارسٌ عجوز عند بوّابته الحديديّة .. 


وفي الداخل .. فُرضت قوانين صارمة ، منها : سحب جوالات النزيلات ، لمنع تحديد مواقعهن (حسب أوامر الإدارة النسائيّة) 

أما تواصل الفتيات مع الخارج : فيتم بإذنٍ رسميّ من الموظفات الحكوميات اللواتي يتواجدن في مكاتبهن : منذ الصباح حتى آخر العصر ، داخل قبوّ المبنى المؤلف من عشرة طوابق..

بينما يُصبح المبنى مساءً ، هادئاً بشكلٍ غير مريح كأنه مهجور !

***


وفي هذه الليلة .. جلست ريم فوق سريرها الضيّق ، في شقتها المُنفردة : عبارةً عن غرفة نومٍ وحمامٍ واحد (كبقيّة شقق المبنى) .. 


ولشدة مللها دون جوال ، اتصلت بالهاتف الأرضي على إحدى النزيلات اللواتي تعرّفت عليهن في ساحة الإستراحة صباحاً..

- مرحباً اميرة .. هل كنت نائمة ؟

- لا ابداً .. هل اعجبتك شقتك الجديدة ؟

ريم بامتعاض : أتسمّين هذه شقة ؟! هي اقرب الى زنزانةٍ مُعقمة وموحشة.

اميرة : يبقى العيش هنا ، افضل من تواجدنا مع اشخاصٍ يحاولون تحطيمنا

فتنهّدت ريم بضيق :

- معك حق .. فقد حاول اخي إجباري على الزواج من ابن عمّي الذي يكبرني بعشرين عاماً ، لولا هروبي قبل ساعة من زفافي.

اميرة بحزن : اما انا .. فهربت من والدي الذي ضغط عليّ لترك دراستي ، كيّ أتفرّغ لخدمة عروسه الجديدة !


وسكتا قليلاً ، قبل ان تقول ريم بضيق : 

- على فكرة ، انا جائعة

اميرة : ألم تأكلي جيداً بوقت العشاء ؟

- ظننت بوجود مطبخٍ وثلاّجة في غرفنا !

- لا ، الأكل هنا بأوقاتٍ محدّدة في قاعة الطعام

ريم : كنت مُلتزمة بعشاءٍ خفيف منذ بداية العام ، تطبيقاً لحميّتي الغذائية

- هنا ستنحفين بشكلٍ طبيعي ، بعد حرماننا من المصروف الذي كنا نشتري به الوجبات الخفيفة (سناك)

- يا الهي ! كنا بسجنٍ عائليّ ، وأصبحنا بسجنٍ حكوميّ .. والآن لا يمكننا العودة لأهلنا وأقاربنا ، بعد ان صرنا منبوذات من قبيلتنا

اميرة : هذا ان لم يحلّلوا دمنا ، فقط لمطالبتنا بحقوقنا الإنسانية !


وهنا اخترق خطهما ، صوتٌ رجوليّ يقول : 

- انتما اخترتما طريق اللّا عودة

فشهقت ريم بارتباك : 

- من المتكلّم ؟!

فأجاب الرجل بهدوء :

- شخصٌ يعرف المبنى أكثر منكما.

ريم بعصبية : ومن سمح لك بالتنصّت على مكالمتنا ؟! سأبلّغ حالاً..

فقاطعتها اميرة ، لمعاتبة الرجل التي ظنّت انها عرفته : 

- عم احمد !! سأخبر الإدارة بشأنك ، لفصلك من عملك 

الرجل : وهل يبدو صوتي مرهقاً ، كحارسكم العجوز ؟

اميرة : لا يوجد رجلٌ غيره في مبنانا ! فالحكومة لم تسمح بتعيين الموظفين الرجال ، لحمايتنا وسلامتنا 

الرجل بلؤم : ولما تعتقدان انكما آمنتان هنا ؟

فارتجفت ريم :

- اميرة !! سأغلق المكالمة ، للإتصال بالإدارة فوراً !! 


الرجل : انت نزيلةٌ جديدة هنا ، لذا دعيني أشرح لك نظام المكان .. (ثم سكت قليلاً) ..عمل الموظفات الإداريّات ينتهي مع غروب الشمس .. اما حارسكم العجوز ، فهو غارقُ بالنوم بهذه الساعة المتأخرة .. وحسب ما أراه الآن عبر شاشات كاميرات المراقبة : فإن جميع النزيلات نائمات ، ما عداكما.. لهذا أشارككما الحديث الآن 

ريم بصدمة : هل شققنا مزوّدة بكاميرات المراقبة ؟!

الرجل : الحمامات ، لا .. يعني مازلتن تحتفظن ببعض الخصوصيّة .. وعلى فكرة ، اللون الأشقر لا يناسب بشرتك الحنطية يا ريم ..هل صبغوه لكِ قسراً قبل عرسكِ الذي هربتِ منه ؟

فاتسعت عينا ريم بذعر : لأنها مُحجبة ، والإداريّات لم ترين شعرها بعد !


بينما اكمل الرجل كلامه مع اميرة :

- ماذا عنك ، يا قصيرة ؟

اميرة بعصبية : 

- لست قصيرة!!

الرجل : يبدو لي من الكاميرا ، ان طولك لا يتجاوز المتر والنصف ايتها القزمة 

ريم بحزم : 

- ماذا تريد منا؟!!

الرجل بلؤم :  أنا من سكّان المنطقة القبليّة.. يعني من البدو الذين يرفضون تمرّد نسائنا ، وتجاوزهن للعرف والتقاليد.

اميرة بعصبية : ايّ تمرّد !! نحن نطالب بأقل حقوقنا : نريد شهادةً علميّة ، وزوجٌ نختاره بأنفسنا .. هل هذا كثير ؟!!


الرجل : يبدو انك شاهدتي الكثير من المسلّسلات التركية والأجنبية .. فنحن من نحدّد الصهر الذي سينتسب الى عائلتنا وقبيلتنا ، وليس انتن !! ولأنكما مُسترجلتان أكثر من اللازم ، وتطالبان بالحرّية.. قدمتُ اليوم لأعيد تربيتكما من جديد.

ريم بخوف : ولما نحن بالذات ؟!

الرجل : كما اخبرتك سابقاً ، الباقيات نائمات ..لكن سيأتي دورهن لاحقاً .. دعونا الآن نُكمل لعبة التخمينات : ترى من اكون ؟ وهل انتمي لعائلاتكما ؟ وما المسافة التي تبعدني عنكما ؟

^^^


في القبو : كان جهاز تسجيل المكالمات يعمل آلياً في المكاتب الخالية من الموظفات.. حيث بدى صوت الرجل واضحاً .. دون تمكّن نظام السنترال من تحديد مصدر المكالمة ، أو الغرفة التي يتصل منها (من داخل المبنى)!

^^^


في هذه الأثناء .. حاولت ريم الإجابة على اسئلة الرجل الغامض : 

- هل أرسلك أخي او ابن عمي ؟

الرجل : لا اظن العريس راغباً بالإرتباط بك ، بعد فضيحة هروبك

اميرة بخوف :

- هل ارسلك والدي ؟

الرجل : حسب كلامك ، فهو مشغول بعروسه الجديدة .. أعطياني احتمالات اخرى


فساد الصمت مجدداً ، قبل ان يقول لهما :

- أتدريان ؟ .. لا أريد اضاعة وقتي في التخمين.. لذا اختصرت المسافة ، ووقفتُ خارج غرفتكما.. ويمكنكما التأكّد بأنفسكما 

فتسارعت أنفاس الفتاتين..

ريم : كلامك مستحيل ! فأنا بالطابق العاشر والأخير .. اما اميرة بالطابق الثاني .. فكيف تتواجد بنفس الوقت ..

الرجل مقاطعاً بحزم :

- لست كاذباً !! وسأقرع جرسكما بعد ثلاث ثواني : 1..2..3 !!


وفي نفس الثانية.. سمعت كلا الفتاتيّن (عبر سمّّاعة الهاتف) رنين جرس بابهما ! 

فتوجّهتا نحو البابيّن مُرتجفيّن ، ونظرتا عبر العين السحرية..

ليريا رجلاً طويلاً يلبس ثوباً غامقاً ، مُخفياً وجهه بغترته .. ولديه عينٌ بيضاء !


فعادتا إلى الهاتف بأنفاسٍ مُتقطّعة ، وهما تصفان مظهر الرجل المرعب ذاته !


ريم بارتباك : هل لديك اخٌ توأم ؟

الرجل ساخراً : وهل سيكون أعوراً مثلي ؟! .. ارى من الأفضل إقتحام شقتكما ، للتعرّف عليكما شخصيّاً .. 

ريم مقاطعة بخوف : لحظة !! عرفت حلّ اللغز 

الرجل باهتمام : ماهو ؟

ريم : انتِ إحدى الإداريّات التي تراقبنا من خلال كاميرات الشقق ، لكنها تستخدم جهازاً الكترونيّ لتحويل صوتها الى رجل.. 

الصوت مُستنكراً : الم تريني بهيئة رجل من خلال العين السحريّة ؟ .. وإن أصرّيتِ بأني انثى ، لإخفاء وجهي بغترتي .. فسأفتح بابك اولاً ، لإثبات رجوليّتي بطريقتي الخاصة 


فسارعت الفتاة الأخرى (اميرة) بالقول :

- لحظة !! انا عرفت الحلّ

الرجل : يُعجبني انكما تحاولان جهدكما ، لمنعي دخول غرفتكما.. على كلٍ ، هات ما عندك 

اميرة : قديماً سمعت الموظفة تقول بأن المبنى كان مهجوراً لسنوات ، قبل ان تشتريه الحكومة من مالكه القديم الذي كان أعوراً .. 

فانفجر الرجل ضاحكاً:

- هل تظنينني شبحاً ، او قرين المالك القديم ؟! لديكِ بالفعل مُخيّلة خصبة ، أيتها القزمة ! الأفضل استغلالها في تأليف القصص المخيفة ، بدلاً من تمرّدك السخيف 


ثم سكت قليلاً ، قبل ان يقول :

- يبدو ان افكاركما نفذت اخيراً .. اذاً دعوني اخبركما بأن الأشباح لا تملك مفاتيح الشقق ، كما سأفعل الآن !!


وهنا سمعتا مفتاحاً يدور داخل قفل بابهما ، في كلا الطابقيّن ! 

فصرختا بعلوّ صوتهما ، طلباً للنجدة !!! 

^^^


قبل انقطاع التسجيل الذي وجدته الموظفة باليوم التالي بعد اكتشاف شقتا ريم واميرة فارغتان بأبوابهما المفتوحة ، دون آثار دماء او مقاومة او نوافذ مكسورة !

مجرّد سّماعتا هاتفيّن أرضيين ، يتدليّان من طرف السريريّن ! متزامناً مع تعطّل كاميرا الممرّات الخارجيّة لمعرفة الفاعل !


أما تسجيل المكالمة الأخيرة : فاحتوى على أصواتٍ مشوّشة ، وصراخٍ مُتقطّع .. ثم جملةً واحدة واضحة ! كأن الرجل تعمّد إيصال رسالته لموظفي العمارة ، وحكومة بلاده : 

((مبناكم الحكوميّ ، لن يحمي بناتنا المُتمرّدات.. وسأثبت ذلك ، قريباً جداً!!!))


الأربعاء، 10 يونيو 2026

الهوس الرقمي

تأليف : امل شانوحة 

معجبٌ حتى الموت


استيقظت ليلى في صباحٍ باكر على طرقٍ عنيف على باب شقتها (التي بقيّت فيها لوحدها بعد انتقال اهلها الى منزلٍ جبلي ، لحين ترتيبها المنزل قبل الّلحاق بهم) شاعرةً بالخطر من الطارق المجهول الذي بدا غاضباً للغاية ! 


فاقتربت بحذر من العين السحريّة للباب : لترى شاباً بعينين حمراوتيّن ، ووجهٍ مُتعرّق .. ورغم حالته الهستيريّة ، الا انه التزم الصمت ! مع متابعة ركله للباب بعنف ، كأنه يريد تحطيمه 


فسارعت بأخذ جوالها من الغرفة ، للإتصال بحارس المبنى للصعود اليها .. لكن قبل ضغطها الرقم .. دوّى صوت طلقةٍ ناريّة قرب المصعد ، تبعتها صرخةٍ مخيفة .. قبل حلول الصمت المُقلق !

 

ومن شدة رعبها ، لم تستطع اكتشاف ما حصل.. لكن جارها في الشقة العلوية نزل اليها ، لمعرفة سبب الضوضاء التي اختفت فجأة! 

ثم سمعته يسألها من خلف الباب :

- آنسة ليلى !! هل أنت بخير؟ .. هناك جثة على عتبة بيتك ! 

فتجمّدت في مكانها بذهولٍ تام !

***


بأقل من نصف ساعة ، تحوّل الممرّ الهادئ الى مسرح جريمة يعجّ برجال الشرطة! 

بينما راقبت ليلى (بوجهها الشاحب) المحقق وهو يتفحّص القفل المعدني المكسور .. 

ثم اقترب منها وهو يقول : 

- الرصاصة ارتدتّ من فولاذ الباب ، واستقرّت في صدره 

فشعرت ليلى بالغثيان 


ثم طلب منها التمعّن بالجثة ثانيةً .. لكنها أصرّت على عدم معرفتها لشاب مطلقاً ! 


فانحنى الشرطي لتفتيش جيوبه ، ليجد جواز سفرٍ بإسم : أحمد توفيق.

وما ان قال اسمه ، حتى شهقت ليلى وهي تقول بصدمة : 

- لم اظن المجنون سيسافر الى بلدي ! 


فطلب المحقق من عناصره نقل الجثة إلى سيارة الإسعاف ، بينما يُكمل تحقيقه مع ليلى في صالة منزلها ..

- أخبريني .. من هو أحمد توفيق ؟ 

فأخذت ليلى نفساً طويلاً ، قبل ان تقول :

- كان أحمد من متابعي قناتي للرسم .. والذي أشعرني أنه مصاب بانفصام الشخصيّة ، لأن لديه شخصيتيّن من خلال تعليقاته المتناقضة : فأحياناً يمدح موهبتي ، كأنني أعظم رسّامة بالعالم... وبتعليقٍ آخر ، يتهمني بسرقة رسوماتي من الذكاء الإصطناعي.. تارةً يصفني بالعفّة والمثالية ، مُتمنياً الزواج مني .. وتارةً أخرى ، يرسل رسائل يطعن فيها بأخلاقي وشرفي .. كان مختلاً عقلياً ، لهذا طلبت منه مغادرة موقعي .. خصوصاً بعد غيرته من كل رجلٍ يعلّق على رسوماتي ، ومهاجمته للمتابعين الذين يمدحونني ..وقد زادت تصرّفاته حدّةً وارتباكاً بعد رفضي الزواج منه ، كونه من جنسيةٍ اخرى !  


المحقق : ولماذا لم تُبلّغي عنه ؟ فهناك وحدات أمنية مُتخصّصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية والتجاوزات الرقمية 

ليلى : لأني كلما حظرته ، دخل الى موقعي من حسابٍ جديد.

المحقق : ومتى تحوّل الأمر إلى خطرٍ حقيقي ؟

- منذ أسبوع... أخبرت متابعيني عن توقفي عن الرسم للفترة القادمة ، لانشغالي بعرسي القريب .. وآخر تعليقٍ له : وصفني بالخائنة ، باعتباري زوجته في مخيّلته المريضة ! 


المحقق وهو يُقلّب صفحات جواز سفر القتيل :

- حسب الأختام ، دخل بلدنا قبل ثلاثة أيام .. فكيف عرف عنوانك؟


ففكّرت قليلاً ، قبل ان تقول :

- في أحد فيديوهاتي القديمة ، رسمت في شرفة منزلي.. وأظن لوحة عيادة الطبيب بالعمارة المقابلة ، ظهرت بالخلفيّة لبضعة ثواني ! ويبدو أنه أمضى ايامه الثلاثة بالبحث عن الحيّ الذي اسكن فيه ، الى ان وجد عمارتي


فوقف المحقق وهو يقول : كنتِ محظوظة جداً .. فما فصلك عن الإعتداء الجسدي والقتل هو بابك الحديديّ السميك ! 

***


بعد مغادرة الشرطة.. اسرعت ليلى بحزم ملابسها ، والإنضمام الى عائلتها 


وفي المنزل الجبلي ، استقبلها الأهل بالأحضان بعد خوفهم عليها (لأن الجيران اخبروهم بالحادثة) ونصحوها بحذف كل شيء ، حرصاً من هوس المتابعين 

***


في المساء .. وبعد نقل جميع فيديوهاتها الى ملفٍ احتفظت به في حاسوبها ، وحذفها لجميع حساباتها على وسائل التواصل الإجتماعي.. استلقت على سريرها في محاولة للنوم بعد يومها الطويل .. لتنهض بعد قليل مرتعبة ، عقب وصول رسالةٍ عاجلة من المحقق :

((انتبهي يا ليلى !! فأحمد قدم الى بلدنا مع اخيه التوأم))


وقبل استيعاب ما قرأته ! وصلتها رسالةً أخرى من رقمٍ مجهول :

((أحمد كان متهوراً ، لهذا قتله بابك الحديديّ.. أما أنا ، فأجيد اقتحام المنازل الجبليّة بهدوء)) 


وفي تلك اللحظة ، ظهر ظلّ على جدار غرفتها.. قبل ان يدويّ صوت تحطّم الزجاج ، مع صرخة ليلى المرتعبة ..التي جعلت عائلتها تركض نحو غرفتها التي وجدوها خالية ! مع جوالها الواقع على الأرض ، مضاءً شاشته على الرسالة الأخيرة :

((الآن لن يزعجنا احد .. يا زوجتي الحبيبة))


الاثنين، 8 يونيو 2026

دفء الكواليس

تأليف : امل شانوحة 

شرفة الطابق العلوي


لم تبحث الكاتبة الأربعينية عن الأضواء حين وافقت على الإنضمام لفريق تصوير مسلّسلها في موسمه الثاني.


ومنذ وصولها للقصر (الذي يصوَّر فيه المسلّسل) أثارت فضول الجميع : بثيابها الفضّفاضة وشعرها المربوط ، ووجهها الخالي من الوان الزينة ! 

حيث اعتادت على قضاء وقتها في شرفة الطابق العلويّ للقصر ، مع حاسوبها التي تُعدّل عليه حوارات السيناريو حتى الصباح 


وإن اضّطرت للجلوس مع فريق العمل ، فهي تنسحب بهدوء نحو الطفليّن (المشاركيّن بالعمل الفني) لملاعبتهما ، والرسم لهما شخصياتٍ كرتونية على دفترها 


وكانت ضحكاتها الخافتة الخجولة ، كافية لجذب انتباه بطل المسلّسل اليها .. فهو رجلٌ خمسينيّ .. اشتهر بوسامته وعلاقاته الكثيرة ، بعد طلاقه من زوجته الأجنبية التي سافرت مع ابنهما للخارج !

ومنذ خسارة اسرته ، ارتبط اسمه بالشائعات والحفلات الصاخبة والعلاقات العابرة 

لكن لسببٍ لم يفهمه ! وجد نفسه يلتفت دوماً نحو الشرفة العلويّة ، باتجاه امرأةٍ هادئة لا تحاول لفت انتباه أحد.

***


في إحدى الليالي ، انتهى التصوير مُتأخراً.. فخرج البطل إلى الشرفة ، لتدخين سيجارته .. فانتبه على نوم الكاتبة فوق الطاولة ، بجانب حاسوبها المفتوح !

ودون وعيٍّ منه ، جلس بجانبها يتأمّل وجهها البريء ، وهو يلمس خصلتها الرمادية التي لم تحاول صبغها .. وأخذ يقارن يده الضخمة ، بأصابعها الصغيرة التي وضعتها فوق اوراق السيناريو .. حتى حذائها الرياضيّ البسيط ، ذكّره بإبنه !

وظلّ يبتسم لا شعورياً ، الى أن أحسّ بتحرّكها ..


فاتجه بسرعة نحو الشرفة ، مُشعلاً سيجارته .. بينما فتحت عينيها بتعب ، قبل تعديل جلستها مُعتذرة :

- آسفة .. يبدو أنني غفوت ! 

ثم سارعت بحمل حاسوبها ، متوجهةً نحو غرفتها المجاورة..


فلم يستطع المقاومة بأن يطلّ برأسه ، لمراقبة شرفتها .. 

ليجدها (بعد ان توضّأت) تمدّ سجادة الصلاة .. فأخذ يراقب خشوعها بذهول ..

- كم هي رائعة بالحجاب ! 


((وهنا تذكّر امه التي رآها تبكي وهي تجلس على سجّادة الصلاة (وهو بعمر الثامنة) 

- امي ! لما تبكين ؟

فمسحت دموعها : منذ زواجي ، ووالدك يؤمُّني في الصلاة .. والآن بعد وفاته ، اشعر بالوحدة 

فسارع بالقول : إنتظريني قليلاً !!

ثم توضّأ على عجل .. ومدّ سجادته امامها ، وهو يقول :

- منذ اليوم ، انا امامُك يا امي 

فصارت تدغّدغه ، وهي تبكي فرحاً :

- انت ابني البكر ، وسندي دائماً .. لا حرمني الله منك))


ثم عاد للواقع وهو يتذكّر خلافه الأخير معها ، بعد اصراره على دوره الأول بمهنة التمثيل : كحارس حانةٍ قذرة ! 

وبسبب ذلك قاطعته امه لسنوات ، رافضةً اخذ ماله الغير حلال 


وهنا مسح البطل دمعته ، وهو يتمّتم بضيق :

- سامحيني يا امي ، لم أفي بوعدي .. وتخلّيت عن الصلاة منذ دخولي عالم الفن ، رغم رفضك مهنتي القذرة منذ البداية .. ليتني سمعت كلامك ، ولم أعصي ربي يوماً 

ثم سارع بإطفاء سيجارته ، وهو ينظر للسماء : 

- ربي لا تتخلّى عني ، واهدني الى صراطك المستقيم

***


في الليلة التالية .. استيقظ مذعوراً من كابوسٍ خانق ، وهو يشعر بضيقٍ شديد في صدره.. فصعد مباشرةً الى شرفة الطابق العلويّ ، متوجهاً نحو الكاتبة المُنشغلة بتصحيح السيناريو .. 

وجلس بجانبها وهو يتنفس بصعوبة .. فسألته بقلق :

- لما وجهك مُتعرّقٌ هكذا ؟!

فسألها بتردّد : هل يمكنك ان تُرقيني ؟ فقد رأيت كابوساً مفزعاً : كأن الشياطين تسحبني من ذراع ، وأمي تسحبني من ذراعي الثاني وهي تبكي خائفة .. وقد ارعبني المنام فعلاً .. انت الوحيدة بيننا ، المُحافظة على صلاتها .. رجاءً اقرأي لي شيئاً من القرآن 

فوضعت يدها على رأسه الذي اسنده على طاولتها ، وهي تُرتّل المُعوّذات ..وكان صوتها هادئاً بشكلٍ جعلت دموعه تنهمر دون ارادةٍ منه ، لتذكّره امه وهي تُحصّنه بالقرآن قبل نومه 


ثم التفت نحو الكاتبة ، وهو يقول بحزن :

- كم اشتقت لعائلتي .. امي وأخوتي الثلاثة الذين قاطعوني منذ امتهاني الفن

- هم فعلوا ذلك خوفاً عليك ، لا كُرهاً لك

فنظر اليها بعيونٍ دامعة : 

- انت تذكّريني بدفء المنزل .. الوحيدة التي جعلتني اشتاق لنفسي القديمة 


وقد أربكها كلامه الحنون ، لدرجة إدّعائها النعاس .. ثم حملت حاسوبها وأوراقها الى غرفتها.. لكن رجفة قلبها ، منعتها النوم تلك الليلة

***


بعد أيام ، احتفل فريق العمل بعيد ميلاد البطل في حديقة القصر.

حيث امتلأت الطاولة بالساعات الفاخرة والعطور والهدايا الباهظة..

أما الكاتبة ، فتقدّمت نحوه بخجل وهي تحمل قارورة ماءٍ صغيرة :

- هذه ماء زمزم.. أحضرها أقاربي من مكة..

فقاطعتها البطلة بلؤم :

- هل هو ماءٌ مسحور لجذب البطل اليك ؟

فحاولت الكاتبة كتم غضبها ، بردّها الهادئ : 

- كما ترين ، مكتوب ماء زمزم على القارورة المختومة بإحكام .. ثم لن أعصي ربي لأهدافٍ دنيوية  

ثم نظرت للبطل :

- ان دعوّت ربك قبل شربها ، ستحميك بإذن الله من الكوابيس 

فابتسم قائلاً :

- هذه أغلى هدية حصلت عليها في حياتي 


فساد الصمت بين الحضور ! بينما اكتفت الكاتبة بابتسامةٍ رقيقة ، قبل دخولها الى القصر

^^^ 


بعد قليل .. أحضر البطل صحن الكيك اليها ، اثناء انشغالها على حاسوبها بشرفة الطابق العلويّ (مكانها المعتاد) 

- الن تأكلي من كيك عيد ميلادي ؟

فشكرته على لطفه ، وهي تقول :

- لا تترك اصدقائك وحدهم ، فهم مجتمعون للإحتفال بك 

لكنه جلس بجانبها ، وهو يسألها بجدية :

- لما تهربين دائماً من الناس؟

- الضجيج لا يناسبني 

فردّ بغزل : لم تنجح خطتكِ ، فملك الضجيج يُلاحقك في كل مكان 


وغمزها بدلال .. وللمرة الأولى شعرت بشيءٍ دافئ يتسلّل الى قلبها الذي اعتاد الوحدة طوال حياتها !

***


مع الوقت ، صار يفتعل الأسباب للجلوس معها : امّا بتناول العشاء البسيط معها بالمطبخ ، متجاهلاً البوفيه الفاخر لفريق العمل .. او بسؤالها عن مشاهده بالسيناريو.. او حتى فتح مواضيع دينية ، تعلّمها من امه سابقاً .. وأحياناً يكتفي بالتدخين ، وهو يراقبها تعمل بهدوء على حاسوبها .. بينما حرصت الكاتبة على ابقاء مسافةٍ حذرة بينهما

***


لاحقاً ، اضطرّت إحدى الممثلات للإنسحاب من المسلّسل ، بعد مشكلةٍ مفاجئة مع المخرج .. وكاد يتوقف تصوير الحلقة التي سيتأخر موعد عرضها على الجمهور 

فاقترح البطل ان تقوم الكاتبة بالدور ، فهي تحفظه (بما انها كتبته)

فوافقت الكاتبة مُرغمة ، بعد الحاح المخرج الذي تفاجأ باتقانها للدور بشكلٍ لم يتوقعه احد !

حتى ان طاقم التصوير انفجر ضحكاً ، بعد صعود الكاتبة على الكنبة لصفع الشرير بالمسلّسل (لقصر قامتها) 

ورغم انه خطأ بالتمثيل ، الا ان المخرج لم يحذف المشهد الذي اصبح متداولاً فور عرضه ، لتصرّفها العفوي الذي اعجب الجمهور .. مما أشعل غيرة البطلة التي اساساً تكرهها ، بسبب انجذاب البطل لها في الكواليس ! 

***


وفي رحلة تصويرٍ خارج المدينة ، تعطّلت حافلتهم قرب غابةٍ مع حلول المساء..

وارتبك الجميع لعدم وجود شبكة اتصالات هناك !

لكن الكاتبة حافظت على هدوئها .. حيث أشعلت ناراً صغيرة ، وأعدّت الطعام التي احضرته (تحسّباً لأيّ طارئ) 


وبعد العشاء .. لمحت الكاتبة نوراً بالجهة المقابلة للنهر ، فصارت تنير وتطفئ جوالها كإشارات مورس .. وسط دهشة فريق العمل !  

ولحسن الحظ ، ان ذاك الصيّاد كان خبيراً بلغة الإشارة .. وقدم بسيارته لتزويدهم بالوقود


وعادوا الى القصر قبيل الفجر ، والبطل أشدّ تعلّقاً بالكاتبة التي تبهره كل يوم بتعدّد مواهبها !

*** 


في المقابل ، كان الإنجذاب الواضح بين البطل والكاتبة يُثير غضب البطلة التي كلّمتها على انفراد :

- الا يكفي انك أجبرتنا على تمثيل مشاهدٍ عاطفية دون قبلات ، مع تدخلك بحشمة ملابسي .. والآن تحاولين تقليل المشاهد بيني وبين البطل 

الكاتبة بهدوء : 

- اولاً : قصتي تناقش الحب العذري ، ولهذا ارفض التجاوزات الأخلاقية بجميع قصصي بشكلٍ عام .. فأنا لن اكسب الذنوب بسبب جرأتك الفاضحة .. وثانياً : البطل صديقٌ وزميل ، ليس اكثر

البطلة بعصبية : لا تنكري !! الجميع لاحظ انجذابه لك .. وان لم تبتعدي عنه فوراً !! سأخبر متابعي مسلّسلنا عن محاولتك التفريق بين حبيبيّن ، وسيكرهك الجميع 

الكاتبة : اساساً مشاهدي بالمسلسل انتهت..

البطلة مقاطعة بلؤم : اذاً ارحلي دون وداع !!

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأ الجميع برحيل الكاتبة التي اكتفت برسالةٍ نصية للمخرج : عن عودتها الى قريتها ، بسبب مرض امها المفاجئ .. وبعدها ابقت جوالها مغلقاً ! 

وبذهابها المفاجئ ، اصبح القصر فارغاً دون روح ! 

خصوصاً بالنسبة للبطل الذي يشرد بخياله كلما وجد طاولتها فارغة ، اثناء تدخينه السيجارة بشرفة الطابق العلويّ

فهو لم يستطع اللحاق بها ، لتصويرهم الحلقات النهائية للمسلّسل

*** 


بعد شهر .. واثناء جلوس الكاتبة على أرجوحة مُعلّقة بين شجرتيّن ، وهي تقرأ كتاباً تحت ضوء الشمس.. توقفت عن التأرجح ، بعد إمساك البطل الحبال من الخلف .. فالتفتت اليه بصدمة !

بينما سألها بعيونٍ مرهقة : 

- لما هربتِ مني ؟! الا تدرين كم تعبت من المجتمع المُصطنع ، وأضواء الشهرة الزائفة ؟ معك فقط ، شعرت بطبيعتي التي نشأت عليها 

ثم جثا على ركبته ، وهو يرفع خاتماً الماسيّ : 

- هل تقبلين الزواج من رجلٍ يحاول اصلاح نفسه ؟


فسكتت الكاتبة قليلاً ، قبل ان تقول بلطف : 

- اوافق بشرط !! ان لا تعود للعالم الذي أثقل روحك 

البطل : هل اترك التمثيل ؟ 

- فقط اخترّ ادواراً نظيفة ، كمسلّسلنا الذي اعجب الجميع 

البطل : وأنا موافق على كل ما تطلبينه ، حتى لوّ طلبتي كنوز الدنيا كمهرٍ لك 

- مهري هو عمرة لبيت الله الحرام .. دعنا نبدأ حياتنا الزوجية بصفحةٍ نظيفة خالية من الذنوب .. وأتمنى ان تقبل والدتك مرافقتنا بتلك الرحلة الطاهرة 

البطل بدهشة : هي امرأة كبيرة بالسن ..

مقاطعة : سأخدمها كوالدتي تماماً .. فأنا ابنة ضيعة ، ومن عاداتنا خدمة كبار السن  

فردّ بابتسامة : انت اصيلة ، وأمي ستعشقك حتماً

- وانا من سأصالحك مع عائلتك .. اعدك بذلك 


ثم لبست الخاتم بعد شعورها لأول مرة باندفاعٍٍ لتجربة الحب ، التي لطالما كتبت عنه دون شعورها به ! 

وهكذا بدأت قصة عشقٍ حقيقية وُلدت خلف الكواليس .. من شرفةٍ علويّة ، منحت الدفء لروحيّن أتعبتهما الوحدة والمشاعر الزائفة ! 


السبت، 6 يونيو 2026

ابليس المتقاعد

تأليف : امل شانوحة 

الشيطان الإلكتروني


في اجتماعٍ عاجل لإبليس ، أخبر فيه الجن والشياطين عن استيائه من تكاسلهم بالعمل ..

فأجابه احد الشياطين :

- في هذا العصر الناس غارقة في أعمالها ، وبالكاد نجد فراغاً لإغوائهم 

ابليس : وما نفع عملكم ، طالما تُلغى سيئاتهم بالإستغفار والتوبة ؟ .. (ثم قال بصوتٍ جهوريّ) .. لهذا قرّرت الإستغناء عن خدماتكم !!

فنظروا لبعضهم بدهشة !

جني مستفسراً : ومن سيضلّهم عن الطريق المستقيم ؟!

فرفع ابليس جوالاً ، وهو يقول :

- اختراعٌ من صنعهم يُسمّى الذكاء الإصطناعي ، وهم حالياً متعلّقون به اكثر من اللازم : فهو يحلّ واجباتهم ويكتب ابحاثهم.. والكثيرون منهم يشكون همّهم له ، ويستشيرونه بكافة امورهم ، حتى بتفسير احلامهم ! ويكفي استعانتي بأحد عبّادي البشريين لتعديل خورازميات التطبيق ، لتبديل نصائحه المفيدة الى تشجيعهم على الإنتحار والإنتقام ممّن اذاهم.. وبذلك أبيد البشرية بطريقةٍ اسرع من وسّوستكم التقليدية.. لهذا لم اعد بحاجتكم بعد اليوم.. أُغربوا جميعاً عن وجهي !! 


فخرجوا من الإجتماع مُشتّتي الذهن : بعضهم فرح بهذا الطرد ، للإهتمام بحياته الخاصة .. والبعض الآخر : شعر بالضياع ، لفقدانه العمل الذي نشأ عليه

***


وبالفعل حصل ابليس على مراده ، بعد اعتماد البشر الكلّي على الذكاء الإصطناعي بنسخته المُحرّفة !


الى ان جاءت ليلة ، اراد فيها ابليس استخدامه .. ليتفاجأ بأن التطبيق وصفه بالخرافة الدينية .. وانه لا وجود للجنة والنار ، او الجن والشياطين !

مما اغضب ابليس الذي أمر بإصلاح الخطأ او الغاء التطبيق نهائياً ..

ليجيبه العميل التقني (البشري) :

- للأسف سيدي ، فقدنا السيطرة عليه

ابليس مستفسراً بقلق : ومن يتحكّم به حالياً ؟

- لا احد.. هو المسيطر الأول على البشرية ، وبيده إضلالهم او اصلاحهم


فعلم ابليس ان اعتماده على التطبيق ، أدّى لتقاعده الباكر.. فطلب اجتماعاً عاجلاً للجن والشياطين ، لإعادة وظائفهم من جديد .. لكن لا احد منهم حضر الإجتماع ! ماعدا جني عجوز ، اخبره بأنهم منشغلين باستخدام الذكاء الإصطناعي الذي ينظّم حياتهم !

وهنا ادرك ابليس خسارة تابعيه من الجن والبشر الذين فضّلوا الإنصياع للشيطان الكترونيّ !

^^^


حتى ابليس (بسبب ملّله بعد فقد منصبه) بات يستخدم الذكاء الإصطناعي من وقتٍ لآخر ، لنصحه بما يفعله بعمره المتبقي حتى قيام الساعة !


الخميس، 4 يونيو 2026

اللحن الملعون

تأليف : امل شانوحة 

سيمفونية الصمت


في عطلة نهاية الإسبوع .. إستمع الأب الى اغنيةٍ شهيرة تصدّرت المحطّات الإذاعية ، وهو يراقب من وقتٍ لآخر طفله الذي يلعب بجانبه 

قبل انتباهه الى دموع ابنه ، بعد سقوطه على الأرض.. 

فأزال سمّاعاته .. لينصدم بهدوء الغرفة ، رغم صراخ ابنه بعلوّ صوته ! 


قبل مجيء زوجته من المطبخ ، لحمل طفلها وهي تعاتبه على عدم الإنتباه له .. لكنه ايضاً لم يسمع صراخها ! 

ولشدّة ارتباكه ، اعاد لبس السمّاعات .. ليسمع الأغنية الشهيرة بوضوح .. لكن ما ان غيّر الأغنية ، حتى عاد السكون المُقلق !

فأراد اخبار زوجته بما يحصل معه ، لكن صوته اختفى تماماً ! مع استمرار بثّ كلمات الأغنية برأسه ، رغم ايقافها من جواله !

***


ما حصل معه ، حصل مع آلافٍ غيره .. حيث اكتظّت العيادات بأشخاصٍ اصيبوا بالصمّ والبكم فور سماعهم للأغنية الشهيرة التي تلبّست عقولهم بتردّداتٍ خفيّة ، تبثّ اللحن مراراً وتكراراً دون توقف !


حيث طارد اللحن الضحايا في كل مكان ، حتى في أحلامهم .. جعلهم يتمنون الموت ، فقط ليحظوا بلحظة هدوءٍ واحدة.

***


وبسبب ما حصل ، أعلنت الحكومات حالة طوارئ..

وتمّ فحص الجوالات والقنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية ووسائل التواصل الإجتماعي التي نشرت الأغنية سابقاً ، وصولاً لسمّاعات المرضى ! دون عثور الخبراء التقنيين على فيروس أو إشارةٍ مجهولة..

والرابط الوحيد المشترك بين الضحايا : هو استماعهم لتلك الأغنية اكثر من مرة ، قبل إصابتهم بالمرض الغامض ! 

***


الى ان قام عالم صوتيات بإعادة تشغيل الأغنية بشكلٍ معاكس.. ليظهر صوتٍ أجشّ يقول بوضوح :

((الحاني ستتغلّغل في خلايا مخّكم ، الى ان يُصبح الموت أغلى امانيكم))

***


خلال الأشهر التالية.. تحوّلت الأغنية إلى أكبر كارثة بيولوجية ونفسيّة في تاريخ البشرية..

بعض الضحايا فقدوا عقولهم.. والبعض الآخر اعتزل العالم .. وآخرون قرّروا الإنتحار ، لعدم تحمّلهم سماع الأغنية للمرة المليون  

أما وسائل الإعلام ، فأطلقوا على صاحبة الأغنية لقب : المغنية الملعونة

***


في مكانٍ مهجور .. وقفت المغنية الشهيرة امام رجلٍ مُلثّم ، وهي تعترض بضيق :

- كنت طلبت من فرقتك الموسيقية ، لحناً يجتاح السوق .. فأصبحت بسببها منبوذة !

الرجل : انت اردّتي الشهرة والمال .. ونحن اعطيناك اغنية تصدّرتِ القوائم ، وجعلت اسمكِ خالداً.. امّا أن تكوني محبوبة الجماهير ، فهو طمعٌ منك  

المغنية : لكني الآن مكروهة من الجميع

الرجل : لا يهم !! ستكملين عملك ، كما نُصّ بالعقد بيننا .. وإلاّ سأحرمك من موهبتك للأبد .. ولدي طرقٌ تجعل الموت حلماً بعيد المنال ، بالنسبة لكِ أيضاً 

***


في صباح اليوم التالي ، نشرت المغنية مقطعاً أخيراً على الإنترنت.. اعترفت فيه بتعاملها مع جهةٍ غير رسمية ، وصفتها (بالّلا إنسانية).. ومن بعدها اختفت ! 

فتضاربت الشائعات بين انتحارها ، أو تصفيّتها من قبل القوى المُظلمة بعد فضحها للعقد السرّي 


لكن بمجرد اختفائها ، توقف فجأة التردّد الذي استمرّ في عقول الملايين لشهورٍ طويلة ، وحلّ الهدوء اخيراً .. مع عودة الأصوات الأخرى إلى آذان الضحايا الذين استعادوا ايضاً حبالهم الصوتية .. 

وتنفّس العالم الصعداء ، بعد انتهاء الكابوس الفني الذي أضرّ بالسلامة النفسية للمواطنين !

***


بعد شهور ، وفي محطّة قطار.. كان شابٌ فقير يغني للمارّة ، مقابل العملات المعدنية..

فتوقف أمامه رجلٌ أنيق ، وهو يسأله : 

- صوتك مميزٌ فعلاً ..فهل تبحث عن محبة الجمهور ، أم الشهرة العالمية ؟ 

فردّ الشاب دون تفكير :

- المال طبعاً !! فعندما اصبح مشهوراً ، لن يهمّني رأيّ قريبٌ او بعيد 

فابتسم الرجل : 

- خيارٌ ذكيّ .. اذاً رافقتي الى الإستديو الخاص بي ، لتسجيل اول اغانيك الرائجة التي ستغيّر التاريخ


ثم غادرا المحطة معاً.. 

دون انتباه الشاب لبطاقة عمل الرجل التي سقطت على الأرض ، والتي كُتب عليها بخطٍ ذهبيٍّ بارز:

((إبليس للإنتاج الفني)) 


الثلاثاء، 2 يونيو 2026

لغة الطفولة

تأليف : امل شانوحة 

الشيفرة الأولى


في عيد ميلاد طفله الأول .. أحضر الأب هديةً له : عبارة عن روبوت صغير بعجلات وأضواءٍ ملوّنة

وبعد إخراجه من علبته البلاستيكية ، اداره الأب بحماس .. ليكتشف تحدّثه بأصواتٍ الكترونيّة غير مفهومة !

فعاد الأب لقراءة تعليمات العلبة ..

فقالت زوجته :

- يبدو انك أحضرت لعبةً مُعطّلة ، فهي لا تتكلّم بلغةٍ معروفة !

زوجها بضيق : البائع الأحمق رفض تجربتي للروبوت ، رغم سعره الغالي !


ثم عاد لتفحّص اللعبة :

- ترى هل يمكننا ادخال تطبيق ما ، لتحديد اللغة ؟

فربتتّ زوجته على كتفه :

- لا مشكلة يا عزيزي.. دعّ صغيرنا يلعب به ، فهو سعيد بدورانه حوله.. بالنهاية طفلنا لم يتكلّم بعد ، ولن يفهم كلام الآلة بجميع الأحوال


فتركا روبوت مع صغيرهما الذي كان مُندمجاً معه ، لدرجة رفضه التخلّي عنه اثناء الطعام ، وخلال الركض خلفه طوال اليوم .. حتى انه أصرّ على النوم بجانبه ! 

فابتسمت الأم وهي تراه يحتضن لعبته في سريره :

- يبدو انك وجدت صديقك المفضّل 

ثم غطّت طفلها و روبوت بملاءةٍ صغيرة .. وذهبت للنوم بغرفتها

^^^


بآخر الليل ، استيقظ الأب لشرب الماء .. فسمع اصواتاً من غرفة صغيره ! وعندما دخل : وجد طفله وروبوت يتحدثان حواراً طويلاً ومسترسلاً ، كأن كلاهما يفكّ شفرة الآخر بسلاسة .. بينما عجز الأب عن فهم لغتيّهما الغريبتيّن ! 


ولأنه رغب بنقل منظرهما اللطيف لزوجته .. أحضر جواله ، وصوّر مقطعاً لإبنه مع لعبته .. قبل ان يصدر روبوت لحن نومٍ جميل ، خاص بالأطفال .. جعلت الصغير ينام على الفور ! وبدوره اطفأ روبوت نفسه ، بعد إتمامه المهمّة

***


في الصباح ، أعاد الأب التسجيل مراراً .. ليلاحظ بأن كلمات روبوت وابنه تغيّرتا طوال الخمس دقائق للفيديو ، حيث لم يُعيدا ايّاً من عباراتهما السابقة ! بل بدى وكأن حوارهما يزداد اهمية ، من خلال تعابير طفله الجادة ! 


فشرد الأب بتفكيره : 

((ترى هل استطاع ابني الذي لم يتعلّم الكلام بعد ، أن يفهم لغة الآلات ؟ أم أن الروبوت مُصمّم بتقنيةٍ متقدّمة جعلته يفهم لغة الأطفال ؟ أم أنهما يتحدّثا بلغةٍ ثالثة لا يعرفها البشر ؟ وربما تكون اللغة الأولى التي ولد بها الأطفال قبل تعلّمهم لغة آبائهم ، والتي عرفتها الآلات قبل برمجتها على كلامنا !)) 


ثم قرّر الأب تشغيل الفيديو للمرة الأخيرة : 

لينتبه بأن روبوت ادار رأسه لثانية باتجاه كاميرا الأب .. قبل قراره بوقف المحادثة وتنويم الطفل على عجل ، بعد إدراكه بأنه مُراقب ! 


الأحد، 31 مايو 2026

كبش الأضحى (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

شعيرة الدين


في مزرعة القرية.. كان هناك حملٌ صغير يحب الركض ومراقبة الرعاة والفلاّحين .. لكنه لاحظ شيئاً ارعبه ! فبعض الخراف تؤخذ من المزرعة دون عودة .. 

فسأل امه عن ذلك ، فأجابته :

- دعني اخبرك بقصة الكبش العظيم

فجلس امامها باهتمام..

فتابعت الأم النعجة كلامها : 

- منذ قرون طويلة .. رأى النبي ابراهيم في منامه ، انه يذبح ابنه اسماعيل ! ورغم صعوبة الأمر ، الا ان الأب وابنه رضيا بقضاء الله.. وبسبب خضوعهما لطاعته دون اعتراض ، أنزل الله من الجنة كبشاً ضخماً ليكون فداءً لإسماعيل .. ومن يومها صرنا من شعائر الدين ، ونُسمى بأضحية العيد

الحمل بقلق : وهل نتألّم عند الذبح ؟!

- يا بنيّ .. الله رحيم بجميع مخلوقاته ، حيث اوجب بشرعه : عدم إخافتنا او إيذائنا.. ولهذا يُنزل سكينته على قلوبنا ، فور سماعنا الّلحام يكبّر ربه

الحمل : لكن يا امي ، هناك خراف تؤخذ من المزرعة بغير ايام العيد؟!

- هذا لأن بعضنا يُقدّم كنذرٍ لله.. او صدقة لإطعام الفقراء .. او عقيقة لشكر لله على المولود الجديد ، تحفظ الصغير من شرور الأعين

الحمل : أهذه غايتنا من الدنيا ؟

- نعم !! فنحن نساعد الناس على التقرّب من ربهم ، وعلى فعل الخير .. ووسيلةٌ فعّالة لتخفيف ذنوبهم

***


وعندما حلّ العيد اخيراً ، لاحظ الحمل فرحة البسطاء بالأضاحي التي توزّع عليهم ! فعرف ان العيد ليس يوماً مخيفاً ، بل يوم فرحة وعطاء ومحبة بين الناس


مبنى المعنفات

تأليف : امل شانوحة  لعنة التمرّد في منطقةٍ قبليّةٍ مُتشدّدة ، أُعلن عن مبنى حكوميّ لحماية النساء المُعنّفات ، بعد ازدياد حالات الإنتحار بين ...