تأليف : امل شانوحة
حمّى الذهب
نظرت ماري حولها بذهول ! بعد تعرّض قافلتها ، لسهام الهنود الحمر الذين ظهروا من العدم.. حيث شهدت مقتل زوجها امام عينيها .. بينما بقية الرجال يحاولون التصدّي لسكاكين ورماح الهنود ..
ورغم الفوضى والخوف ، استعاد عقلها سريعاً مقتطفات من رحلتهم التي استمرّت اربعة شهور : عانوا فيها من الجفاف بإحدى المناطق ، والسيول الجارفة بمنطقةٍ اخرى .. عدا عن تعرّض بعضهم للدغ الثعابين والعقارب اثناء تخيمهم بالبراري..
والأسوء من ذلك ، هو موت طفلها الذي لم يتم عامه الأول بالحمّى مع بداية الرحلة.. وقبره الصغير المتروك في الصحراء ، الذي ربما لن تزوره ثانيةً.. بالإضافة لإجهاض جنينها قبل شهر.. وكل هذا بسبب طمع زوجها بالثراء السريع ، بعد انتشار حمّى الذهب في كاليفورنيا عام 1848..
وهاهي تراقب سقوط المدافعين الرجال ، لكيّ تلقى حتفها كبقية نساء الرحلة.. فالتفتت لعربتها المليئة بالمؤونة ، بعد ان أقنعها زوجها بتحقيق حلمها بفتح مطعمٍ للمنقبين عن الذهب فور وصولهم الى كاليفورنيا التي تبعد مسيرة اسبوع ، حسب توقعات قائد القافلة قبل مقتله
وهنا شعرت بأن لا شيء آخر تخسره بعد موت زوجها وولديّها.. فاستقلّت عربتها ، مجازفةً باختراق صفوف الهنود المحاربين .. ومنطلقة بعربتها نحو الجبال ، متجاهلةً الأسهم التي تتطاير من حولها ..وهي تشجّع نفسها :
((لن اخسر حلم المطعم ايضاً))
وقبل وصول رجلان من المهاجمين اليها ، دوّت طلقاتٍ نارية من الجبل بعد نزول عصابة قطّاع طرقٍ امريكان نحوهم.. وما ان لمحوهم الهنود الحمر ، حتى فرّوا من المكان ، بسبب الصدامات العنيفة بين الطرفين سابقاً
وبعد رحيلهم .. تجمّع الرجال حول ماري المذعورة ، وهي تتوسّل اليهم بأن لا يؤذوها..
فاقترب منها زعيمهم وهو يشير لقافلتها التي تناثرت جثث المسافرين حول عرباتهم التي احرقها الهنود قبل رحيلهم عن المنطقة !
- لقد مات الجميع ، ونجوت وحدك .. لكن لا تخافي ، انت بأمانٍ معنا
فنظرت للسهم المغروز في كتف الزعيم :
- انت مصاب !
- لا بأس ، اصابةٌ بسيطة.. سأعالجها بعد قليل
- اسمح لي بذلك
فنظر لداخل عربتها التي تبدو كمطعمٍ متنقّل :
- لا تبدين كممرّضة
- اخي طبيبٌ مشهور في نيويورك التي قدمت منها.. وقد علّمني الإسعافات الضرورية.. إذهب واسترحّ ، وسأحضر المُعقّم والإبرة والخيط
وبالفعل اسند زعيم قطّاع الطرق ظهره على الشجرة .. بينما تقوم ماري بخياطة جرحه ، عقب إزالتها السهم بحذرٍ من كتفه
- هل آلمتك ؟
الزعيم بتعب : بالعكس ، يدك خفيفة جداً.. كان عليك العمل كممرّضة
- حلمي هو فتح مطعمٍ بكالفيورنيا
- وهل تجيدين الطبخ ؟
- يبدو انكم جائعين
الزعيم : بل نتضوّر جوعاً.. فنحن لم نعثر على جاموسٍ او ارنبٍ نشويه منذ يومين
- اذاً سأحضّر لكم الفاصولياء باللحم المجفّف
^^^
وبحلول المساء .. تناولوا عشائهم حول شعلة النار ، وهم سعداء بطعمه اللذيذ
الزعيم : ذكّرتني بطعام زوجتي المرحومة
ماري : لديّ الكثير من وصفات الطعام التي ستعجبكم حتماً
الزعيم : من الجيد انك معنا ، سيدة ماري
- اذاً دعني اصنع لكم شراب الكاكاو الساخن .. فجارتي الهندية علّمتني الطريقة
- هل تصاحبون الهنود بالشرق ؟!
ماري : لديهم مستوطنات هناك
- وايضاً بكالفيورنيا بنوا لهم مستوطنات ، لكن الملاعين يرفضون البقاء بها
- لا تنسى انها بلادهم ، ونحن الدخلاء عليهم
الزعيم : ان سمعك رجال الحكومة ، فسيرسلونك للسجن
- هذا ان لم يعدمونني ، لتمرّدي على القانون .. المهم ، دعني أسخّن الحليب اولاً .. وسنشرب كاكاو ساخن ، يُدفئنا جميعاً بهذا المساء البارد
^^^
قبيل الفجر.. استيقظ الزعيم مذعوراً :
- ماذا تفعلين ؟!
ماري : كنت تهلّوس اثناء نومك .. ووجدت حرارتك مرتفعة.. لهذا وضعت ضمّادة مبلولة على رأسك.
- هل التهب جرحي ؟
- لا هو بخير ، كشفت عليه قبل قليل.. وارتفاع الحرارة ، شيءٌ طبيعي بعد الإصابة
الزعيم : اعلم ذلك .. فجسمي مليء بآثار الحروب مع اولئك الملاعين ، ومع جيش بلادنا ايضاً
- ولماذا تحارب رجال القانون ؟
- أتري كل هؤلاء الرجال ..جميعنا فارّون من سجونٍ متفرقة بدولتنا.. والتقينا جميعاً بالجبل
ماري : ولما لا تكملون طريقكم الى كاليفورنيا ؟
- مازالت بلدة حديثة البنيان
- الا يغريكم الذهب الموجود فيها ؟!
الزعيم باهتمام : عن ايّ ذهبٍ تتكلّمين ؟
- أمعقول ان اخبار حمّى الذهب وصلت الى شرق امريكا ، ولم تصل اليكم..وانتم تبعدون جبلاً واحداً عن نهر الذهب ؟
- نحن منفصلين عن العالم ، كما ترين.. رجاءً إخبريني المزيد عن هذا الموضوع ؟
وبعد ان أكّدت ماري الخبر له .. قرّر الزعيم مع افراد عصابته متابعة الرحلة معها ، للوصول الى هناك .. بعد ان وعدتهم بالطبخ لهم ، من عربة المؤونة التي تملكها ، بشرط عدم ايذائهم احداً في الطريق .. فوعدها الزعيم بذلك
***
وقد احتاجوا اسبوعاً لتجاوز الجبل الشاهق وصولاً لكاليفورنيا ، مما زوّد رابطة صداقتها مع زعيم العصابة الذي لاحظ رجاله حنانه واهتمامه بها ، على غير طباعه الخشنة قديماً !
وفور وصولهم الى وجهتهم المنشودة .. تفاجأ رجال العصابة بأن ضفاف النهر تعجّ بآلاف الرجال الذين يغسلون الرمال ، بحثاً عن ذرّات الذهب !
فاعتراهم الحماس .. تاركين أسلحتهم مؤقتاً ، لشراء أدوات التنقيب.
بينما انشغلت ماري بتحويل المتجر التي استأجرته الى مطعم للوجبات المشهورة بشرق اميركا.. سرعان ما اكتظّ بالزبائن ، للذّة اطباقها
لكنها مع الوقت ، لاحظت قلّة النساء بتلك المنطقة .. فمعظمهم رجال قدموا من اماكن بعيدة ، بحثاً عن الثراء السريع
فصارت اثناء تقديمها الطعام لهم (مقابل بودرة الذهب التي يجدونها هناك) تسألهم عن فتاة احلامهم ؟ وتدوّن مواصفاتهنّ المطلوبة في دفترها
وهي تخبر الرجال : بأنه خلال الحرب الأهلية الأمريكية ، شهد الساحل الشرقي فائضاً من الأرامل والنساء غير المتزوجات ذوات الفرص الإقتصادية المحدودة .. وبأنها ستعود الى هناك لإقناعهن بالقدوم معها الى الغرب الأمريكي ، للزواج بالشباب المغامرين الذين تحمّسوا كثيراً للفكرة .. لدرجة دفعهم تكاليف رحلتها للغرب مع قافلةٍ اخرى ..
***
واثناء تغليفها المؤونة في مطعمها التي تنوي إغلاقه مؤقتاً ، اقتحم زعيم العصابة المكان غاضباً :
- علمت انك سترحلين بالقافلة التالية دون اذني ؟
- اذنك !
الزعيم بارتياك : أقصد دون علمي.. لماذا تتركيني ؟ ..أعني ، تتركين المكان الذي حلمت الوصول اليه ؟!
- اساساً لم اردّ يوماً ترك نيويورك .. وقدومي الى هنا ، كان تحقيقاً لرغبة زوجي الطمّاع.. لكن لا تقلق ، سأعود الى هنا قريباً
- الرحلة الى الشرق تستغرق خمسة شهور ، والشتاء قادم
ماري بابتسامة : وهل انت خائفٌ عليّ ؟
- يعني .. تعوّدنا على طعامك
- فقط طعامي ؟
الزعيم بارتباك : وجودك اضاف دفئاً وحناناً على المكان الموحش
- وانا سأسافر لأجلكم جميعاً
- لم افهم !
فأخبرته عن حديثها مع رجال التنقيب ..
الزعيم بدهشة : اذاً انت ذاهبة لإحضار العرائس لنا ؟!
ماري : نعم ، فليس صحياً بقاء الرجال عزّاب لفترةٍ طويلة .. ثم انا اقوم بخدمة لنساء الغرب ايضاً
- اذاً ساذهب معك !!
- لا مكان بالقافلة ، سوى المقعد الذي بجانبي بالعربة
- وما المانع من مرافقتك الرحلة ؟
ماري بإصرار : لا اقبل !! فأنت غريبٌ عني
- وانا لا اريد ان اكون غريباً بعد اليوم
فسكتت بذهول !
فقال بتردّد : اعلم انني خارج عن القانون ، لكني ارغب بإصلاح نفسي والعمل بوظيفةٍ ثابتة
ماري : أستترك زعامة العصابة ؟
- ايّة عصابة ! فجميعهم اصبحوا منقبي ذهب ، وبالكاد اراهم
ففكّرت قليلاً ، قبل ان تقول :
- بجميع الأحوال ، القافلة ستتحرّك غداً صباحاً .. والراهب الوحيد هنا ، سيغلق الكنيسة بعد ساعة
فأمسك يدها :
- اذاً نتزوج بالحال !! فأنا أريد قضاء بقية حياتي في بناء عائلة مع المرأة التي أعادتني إلى الطريق الصحيح.
فصمتت بخجل ، بينما عرف جوابها من ابتسامتها الخجولة
***
وبعد وصول ماري مع زوجها الى الشرق .. وجدت صعوبة بإقناع النساء اللآتي خفن من مخاطر السفر البرّي ، وقلقهن من توحّش رجال الغرب ..
لكن بعضهن وافقن على مرافقة ماري ، بعد ان أكّدت لهن حسن طبائع واخلاق المنقبين الشباب الراغبين بالزواج الرسمي ، وبناء العائلات السعيدة
***
وحين وصلت القافلة المليئة بالعرائس إلى كاليفورنيا ، لم يصدقن ما رأينه ! فالأكواخ الخشبية ، تحوّلت إلى منازل دافئة ..
اما المنقبون : فاستقبلوهم بأفضل ملابسهم بعد حلق شعورهم ولحاهم الطويلة ، استعداداً لزوجات المستقبل
***
لاحقاً نظّمت ماري لقاءات مفتوحة في ساحة البلدة ، تسمح بتعارف الرجال والنساء الذين تبادلوا الأحاديث فيما بينهم ، بأكثر من مناسبة
***
ولم يمضي أسابيع .. حتى أقيم عرسٌ جماعيّ لعشرات الأزواج .. بإشراف ماري وزوجها الزعيم الذي قرّر مساعدتها بالمطعم .. وهو فخور بأفراد عصابته التائبين ، بعد قرارهم العمل بمجتمعهم حديث الإعمار ..
***
وخلال السنوات التالية .. تحوّل مخيم الباحثين عن الذهب إلى بلدةٍ تعيش فيها العائلات ، حيث يعلو فيها ضحكات الأطفال على صوت المعاول
وبذلك تمكّنت ماري بحكمتها الرشيدة ، من بناء اول مجتمعٍ بالغرب الأمريكيّ !
*******
ملاحظة :
هذه القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية ، حصلت في ستينيات القرن التاسع عشر..حين لاحظ (آسا ميرسر) أن مدن الساحل الغربي الأمريكي تعجّ بالرجال الذين قدموا للعمل والتعدين ، بينما تعاني المدينة من نقصٍ شديد في عدد النساء !
فسافر إلى الساحل الشرقي ، محاولاً إقناع عشرات النساء غير المتزوجات بالإنتقال إلى الغرب ، وهو يعدهنّ بفرص عملٍ وحياةٍ أفضل.
ووصلت النساء إلى مدينة سياتل .. حيث تزوّجت معظمهن من رجال المستوطنة .. وبذلك ساهمن في تحويلها من مجتمعٍ يغلب عليه العزّاب إلى مدينةٍ أكثر استقراراً.. حتى أصبحت رحلتهن تُعرف تاريخياً بإسم : فتيات ميرسر






