الثلاثاء، 19 فبراير 2019

للراغبين بالإنتحار

تأليف : امل شانوحة

إستفدّ مادياً من موتك !

((للراغبين بالإنتحار ..هل تريد كسب ثروة بموتك ؟.. إتصل بنا))

إعلان غريب وجده بيتر بالإنترنت ! والأسوء انه رآه بأسوء يومٍ في حياته , بعد فشله بإيجاد عملٍ آخر طوال الشهرين الماضيين عقب إعلان شركته إفلاسها , ممّا أجبر خطيبته على تركه هذا الصباح  

فحاول لبقية اليوم البحث عن أيّ عملٍ متواضع في المحال التجارية والمطاعم القريبة من بيته , علّه يستعيد ثقة حبيبته .. لكن جميع محاولاته باءت بالفشل .. وعاد في المساء محبطاً الى شقته الصغيرة المتواجدة في مدينة شتُوتغارت الإلمانية , ليجد إيميلاً مرسلاً من أخيه الأصغر يخبره عن مرض امهما المفاجىء , وبأنها بحاجة الى مبلغٍ كبير لإجراء عمليةٍ ضرورية , ويحتاجون مساعدته .. فأهله لا يعلمون بضائقته المالية وتراكم الديون عليه ! فقام بيتر على الفور بالإتصال بأصدقائه لتديّن مبلغ العملية , لكنهم اعتذروا منه بحججٍ مختلفة .. ليغلق جواله وهو في قمّة الأحباط , ثم ينهار باكياً وهو يلعن حظه العاثر وحياته الكئيبة 

بهذه اللحظات .. ظهر ذلك الإعلان الغريب على جانب شاشة حاسوبه , وقد لفت إنتباهه لدرجة انه ارسل الى موقعهم هذا السؤال: 
- ماذا تقصدون بحصولي على ثروة بعد إنتحاري ؟ فكلامكم غير منطقي !.. هل بإمكانكم التوضيح أكثر ؟ ..وشكراً

وقبل إطفاء حاسوبه , وصلته الإجابة وكأنهم ينتظرونه !
وجاء ردّهم :
- نحن شركة أدوية محترمة , قمنا بالكثير من الأبحاث والتجارب الى ان وجدنا دواءً جديداً لعلاج بعض الأمراض المستعصية التي نجح مفعولها على الحيوانات , لكننا بحاجة الى متطوعين لتجربته قبل طرحه في الأسواق 

فسأله بيتر : ولما تطرّقتم لموضوع الإنتحار في إعلانكم ؟ فهذه التجارب بالعادة ليست خطيرة لهذه الدرجة !
- بالحقيقة هناك نسبة من الخطورة , لهذا نحتاج الى متطوعين لديهم رغبة دفينة بالإنتحار كيّ نُخلي مسؤليتنا .. 
بيتر : وماذا يستفيد المتطوّع ان قتله دوائكم ؟! 
- بدايةً نكتب معه عقداً رسمياً بتعويض مالي يُرسل الى عائلته في حال وفاته , او ان يحتفظ به في حال نجح العلاج دون اضرارٍ تُذكر .. لكن أريد ان أنبّه بأننا لا نقبل سوى الشباب الذين يتمتّعون بكامل صحتهم لنرى نتيجة الأدوية عليهم .. فكم عمرك ؟ وهل تعاني من أمراضٍ مزمنة ؟
- عمري 33 , وصحّتي جيدة
- ممتاز.. سيد ؟  
- بيتر .. وعندي سؤال آخر 
- ما هو ؟ 

بيتر : كم شخص مات لديكم حتى الآن ؟
- نحن لم نبدأ بعد , فمازلنا نجمع المتطوعين .. وبقيّ لدينا القليل من الأماكن الشاغرة , فهل يهمّك الأمر ؟ 
- سأجيبك بعد ان تخبرني بالمبلغ الذي ستدفعوه لي او لأهلي؟ 
- المبلغ يختلف على حسب نوع التجربة
بيتر : تقصد الآثار الجانبية ومضاعفات كل دواء ؟! 
- نعم نعم .. فماهو قرارك النهائي ؟

فتردّد بيتر قليلاً , قبل ان يكتب :
- موافق .. إرسل لي عنوان مصنعكم الدوائيّ ؟
- بل إرسل انت رقم جوالك , ونحن نتصل بك في اليوم المحدّد .. وسنتكفّل بإيصالك الينا 

فشعر بيتر بأحاسيس متناقضة : بين رغبته في إنقاذ امه من الموت , وبين خوفه من نتائج التجربة على صحّته في المستقبل 
وبيدين مرتجفتين وقلبٌ ينبض بسرعة وشعورٌ كبير بعدم الإرتياح , أرسل لهم رقم جواله .. ليجيب الموظف عليه :
- أحسنت يا بطل .. ربما بشجاعتك تنقذ الملايين من المرضى حول العالم .. نلقاك قريباً

وانتهى الأتصال .. ليُصاب بيتر بالأرق الذي أبقاه ساهراً طوال الليل وهو يفكّر في مصيره المجهول !
***

وبعد ايام .. وصله أتصال منهم بعد منتصف الليل :
- الو سيد بيتر .. معك أقل من ساعة لتتجهّز , فسائقنا في طريقه اليك 
بيتر بنعاس وباستغراب : أفي هذا الوقت ؟! كنت على وشك النوم 
- كنّا نجمع المتطوعين منذ الصباح , ومن كافة مناطق المانيا ..والآن جاء دورك ..
- فهمت , واين انتظر السائق ؟
- تحت منزلك 
بيتر : لا أذكر انني أعطيتكم العنوان !
- نحن نعرف كل شيء , رجاءً تجهّز حالاً

وعلى الفور !! قام بيتر بلبس ملابسه والإنتظار أسفل عمارته .. 
***

بعد ربع ساعة .. إقتربت منه سيارةً فارهة بنوافذ سوداء , وفتح السائق النافذة الجانبية ليسأله : 
- السيد بيتر , اليس كذلك ؟
- نعم
- تفضّل بالركوب 

وكان يجلس بجانبه في المقاعد الخلفية حارسٌ ضخم العضلات .. فسأله بيتر : 
- عفواً .. لما ظلّلتم النوافذ الجانبية ؟ فأنا لا أرى الشارع !
فأجابه الحارس بجفاء : اولاً إعطني جوالك 
بيتر بدهشة : ولماذا ؟!
- انها الأوامر 
ولم يستطع بيتر معارضة الحارس الضخم الذي يبدو عليه العدائية!

من بعدها , قال الحارس للسائق :
- إرفع الزجاج 
ليرتفع زجاجٌ اسود يفصلهم عن المقاعد الأمامية , لمنع بيتر من رؤية الطريق الذي يسلكونه !  
وبرّر الحارس ذلك قائلاً : 
- ما لا تعرفه , إن مصنعنا سرّي ولا تعلم الحكومة بأمره , لهذا نحترس قدر المستطاع  
بيتر وهو يُخفي قلقه : فهمت ! سؤال أخير , متى نصل الى هناك؟ 
- بحدود الساعة , إسترح قليلاً  
***

ومن شدّة نعاس بيتر , غفى قليلاً .. قبل ان يوقظه الحارس :
- لقد وصلنا
ونزل من السيارة , ليتفاجأ بأنهم وسط الغابة السوداء المعروفة بقصص الأشباح المخيفة ! 
بيتر بخوف : هنا لا يوجد شركة او مصنع , فهل إختطفتماني ؟!
الحارس بقسوة : هيا تحرّك , ولا تكن جباناً هكذا 

ثم مشى الحارس امامه بضعة خطوات وهو يحمل الكشّاف , قبل ان يفتح باباً سرّيّاً حديدياً في أرضيّة الغابة , المُغطاة بأوراق الشجر ! 
الحارس : هيا إنزل , فالجميع في انتظارك

ونزل بيتر الدرجات وهو نادم على اشتراكه في هذه المجازفة المخيفة التي يبدو ان عصابةً خطيرة تُديرها ! ولولا خوفه من مسدس الحارس لكان ركض هارباً في الأدغال , لكن ليس امامه سوى الإنصياع للأوامر ..
***

وهناك في الأسفل .. وقف بيتر امام سردابٍ طويلٍ مضيء , بأرضيةٍ من الرخام , ورائحة تشبه مطهّر المستشفيات ! 
ومشى خلفه الحارس , الى ان وصلا الى ساحةٍ كبيرة بها قرابة الأربعين شخصاً معظمهم من الشباب , وعدداً قليلاً من الصبايا .. جميعهم وقفوا في طوابيرٍ منظّمة , بوجوهٍ مُبهمة بانتظار بدء التجارب ..

وبعد ان أوقفه الحارس في مكانه بالطابور , ظهر صوت من الميكروفون يقول :
- الآن إكتمل العدد !! اهلاً بكم في مصنعنا الطبّي .. معكم البروفيسور الدكتور ألبرت .. وبعد قليل , نُدخل كل واحداً منكم الى إحدى الغرف لبدء التجارب  
فقال شاب يبدو من ملابسه انه مشرّد : واين الشيكات التي وعدّتمونا بها ؟
فردّ الصوت : ستجدون العقود الرسمية في تلك الغرف , فلا تستعجل يا بنيّ .. 

ثم طلب البروفيسور من حرّاسه (الذين كانوا ضعف عدد المشتركين) : بإدخال كل مشترك الى غرفةٍ صغيرة لا يتجاوز عرضها المترين : فيها طاولة وكرسي , وشاشة كبيرة معلّقة على الحائط 
وبعد تفرّقهم بالغرف , أقفلوا الحرّاس عليهم الأبواب من الخارج!  
فقال بيتر معترضاً : نحن هنا لإختبارات طبّية , فلما تقفلون الباب علينا وكأنّا مجرمين ؟!
فأجابه البروفيسور(من مكبّرات الصوت المتواجدة في كل الغرف) بحزم :
- إجلس سيد بيتر ولا تتعبنا , ستجد على طاولتك عدّة اوراق .. ابدأ اولاً بتعبئة الإستمارة كبقية المشتركين 

وبعد انتهائهم من الإستمارة .. طلب منهم الدكتور التوقيع على ورقة رسمية تؤكّد موافقتهم على إجراء تلك التجارب .. كما كان من ضمن الأوراق : نسخة عن الشيك الذي سيتم إرساله لعائلاتهم في حال وفاتهم , بمبلغ : مئة الف يورو !

فارتسمت الإبتسامة على وجوه المشتركين الذي كان معظمهم من الفقراء و المشرّدين والمديونين 
ثم دخل الحرّاس وأخذوا الأوراق الموقّعة منهم ..
  
وبعد قفل الأبواب من جديد .. ظهر على الشاشة عدّة إختيارات , على شكل رموز صغيرة :
(مظلّة طيران - ألغام – منشار كهربائي – صورة طبيب مُصغّرة – محاليل مخبريّة – أدوية – غازٌ سام – مسدس – نار – أفعى - عقرب).. ورموز أخرى لم يفهمها بيتر ومعظم المشتركين 
فسأل بيتر البروفيسور : عفواً دكتور .. الم تقولوا انها تجارب طبّية , فلما توجد في اختياراتكم اشياء أخرى لا علاقة لها بالطبّ؟! 

فسمع الجميع إجابة البروفيسور وهو يقول لبيتر :
- كذبنا عليكم .. نحن شركة تقوم بتجربة المنتجات الجديدة للمصانع , منها طبّية ومنها أدوات نجارة او بِذلات جديدة للشرطة والإطفائيين وغيرها .. ونحتاج متطوعين لتجربتها .. وبالنهاية نحن لم نخدعكم , فقد كتبنا في إعلاننا عن رغبتنا بمتطوعين لديهم ميول إنتحارية , وأرسلناها عبر الحواسيب والأوراق المطبوعة التي وزّعت في الشوارع وأزقّة المناطق الفقيرة .. كما انكم وقّعتم قبل قليل عن إخلاء مسؤوليتنا في حال فشل الإختبارات .. وفي جميع الأحوال , تعويضاتكم ستصل الى اسماء وعناوين الأشخاص الذين كتبتموهم في عقودنا الرسمية .. لذا لا اريد أسئلة من جديد !! .. والآن ليقمّ كل واحداً منكم باختيار تجربته الخاصة , عن طريق الضغط على الرمز الموجود في الشاشة الذكيّة .. 

وبدأ المتطوعون بتنفيذ أوامره .. وكلما قام أحدهم بالإختيار , انطفأت الصورة على الباقيين .. ماعدا رمز مظلّة الطيران التي كانت لا تعمل اصلاً , وكأن أحداً إختارها قبل هذه الليلة !
وبسبب يأس بيتر من الحياة , ضغط على أرعب رمز : وهو الغاز السامّ , لرغبته في الموت السريع دون عذاب .. 
لكن يبدو ان شاشته معطّلة , حيث لم تقبل من إختياراته المتعددة سوى صورة الطبيب فقط !
فضغط عليها وهو يتمّتم بضيق : يبدو انهم سيرسلون لي طبيباً مجنوناً يُجرّب عليّ أرعب طرق الطبابة .. كان الله في عوني
***

ثم علا صوت الجرس معلناً بدء التجارب ..
وقسّمت الشاشة الى عدّة أقسام , لتظهر غرف المشتركين الآخرين .. بحيث يمكنهم رؤية تجربة كل شخص حسب دوره , بالرقم الموجود على باب غرفته  

وكان اول تجربة : هي لرجلٍ بدين إختار مظلّة الطيران .. ويبدو انه اول الواصلين للشركة , حيث يبدو من الفيديو ان تجربته حصلت صباحاً ,  وظهر فيها وهو يقف داخل طائرةٍ شراعية ..وهناك مدرّب مظلّي مسلّح خلفه يأمره بالقفز من الطائرة , بعد ان ألبسه مظلّة جديدة الصنع .. ولعلم البدين بإن المظلّة لم تُجرّب من قبل , فقد أصيب بالرعب وصار يرتجف عند الحافة , ويترجّى المدرّب أن يلغي التجربة .. 
- لا اريد مال شركتكم اللعينة !! فقط أعيدوني الى بيتي سالماً
فأجابه المدرّب (التابع للبروفيسور) بلؤم : الم تكن تنوي الإنتحار ؟
- غيّرت رأيّ , اريد ان أعيش  
- مع من ؟ فأنت يتيم وعاطل عن العمل .. هيا أقفز ولا تتعبنا
الرجل البدين : لا اريد .. لاااااا
وصرخ بعلوّ صوته , بعد ان دفعه المدرّب عنّوةً الى خارج الطائرة ..

وكانت هناك كاميرا ثانية مُثبّته فوق أرضٍ مُقفرّة عشبية , لتصوير هبوطه من السماء .. حيث تابع المتطوعون نتيجة تجربته بقلق .. ورغم ان البدين إستطاع فتح مظلّته لكنها لم تخفّف من سرعة هبوطه , ليترطمّ بالأرض بقوة وتتناثر أشلاؤه بأرجاء الفلاة !
فارتعب المتطوعون الشباب , وبكت الفتيات بخوف بعد فشل تجربته 

ثم سمعوا البروفيسور يقول لهم : التجربة رقم واحد فشلت فشلاً ذريعاً , سنخبر المصنع بأن يعيدوا تصميم مظلّتم .. والآن دور التجربة رقم 2
فصرخ بيتر بغضب : هل انت طبيب ام سفّاح ؟!! اليس لديك ضمير ؟!! الرجل مات بسببك , وانت تتصرّف وكأن شيئاً لم يكن!!
فأجابه البروفيسور : التجربة رقم واحد التي رأيتموها حصلت هذا الصباح , وجمعنا اشلاءه ودفنّاها بالغابة .. بالنهاية هو مشرّدٌ حقير .. وانت يا بيتر , هذه آخر مرّة أسمح لك بأن تقاطع عملي .. هل فهمت ؟!!

قالها بنبرةٍ غاضبة , أربكت بيتر ..فهو كما الباقيين عالقٌ تحت سلطة رجلٍ مجنونٍ ساديّ ! 
ثم قال البروفيسور (الذي لم يرى وجهه أحد , فقط صوته الذي يظهر من ميكروفونات الغرف) للجميع : 
- لنبدأ الآن بالتجربة رقم 2 

وكانت تجربة المنشار الكهربائي الذي اختارها أحد الشباب بالغرفة المقابلة لبيتر ..
فقام البروفيسور بشرح التجربة لهم :
- أنتجت شركة حديثة منشاراً يمكنه قطع الأخشاب دون تعريض أصابع النجارين للخطر .. وتريد الشركات المنافسة التأكّد من هذا الإختراع .. وسنرسل لهم النتيجة بعد الإنتهاء من تصوير التجربة 

ثم شاهد المتطوعون عبر شاشاتهم : غرفة الشاب صاحب التجربة الثانية وقد دخل عليه حارسان قويان , وهما يجرّان الماكينة الجديدة نحوه .. وكانت عبارة عن طاولة حديدية عليها قطعة خشب , معلقاً فوقها المنشار الجديد الذي يعمل على الليزر 

وأجبروا الشاب على الإستلقاء فوق قطعة الخشب .. لكنه قاومهما وحاول الهروب من الغرفة .. الا ان أحدهما لكمه على وجهه , ليقع أرضاً .. ثم حملاه وثبّتا يديه وقدميه بالأغلال فوق الطاولة .. وهو يبكي ويترجّاهم بوجهه المُدمّى .. لكنهما لم يأبها له , وأدارا المنشار الذي بدأ بقطع اللوحة الخشبية التي تحت رجليه .. الى ان وصل الليزر الى جسمه .. 

وهنا سمع الجميع صرخاته المتألّمة عند مرور الليزر ببطء فوق بطنه وصولاً الى رأسه .. ورغم صراخ المتطوعون لإيقاف التجربة حالاً !!! لكن الليزر ظلّ يعمل , حتى قُسم جسم الشاب الى شطرين !

فوقعت فتاة مغشياً عليها في غرفتها , امّا الأخريات فانهرنّ بالبكاء .. بينما طرق الشباب ابواب غرفهم بكلتا يديهم ورجليهم كالمجانين , مُطالبين بالخروج فوراً من هذه الشركة المخصّصة للتعذيب اللاّ إنساني !
وهنا ظهر صوت البروفيسور يقول لهم :
- لا تتعبوا أنفسكم ..فلا أحد سيخرج من هنا قبل إنهاء التجربة التي اختارها بنفسه 
ثم قال بلا مبالاة : التجربة رقم 2 فشلت ايضاً , وسنعلم المصنع بأن منشارهم مازال خطراً على النجّارين , كما لاحظتم .. والآن لنبدأ بالتجربة رقم 3

وظهر على شاشاتهم : الشاب صاحب التجربة الثالثة , ويبدو انهم اقتادوه الى الخارج حيث الظلام الدامس .. 
وظهر من خلال أنوار كشّافات الحرّاس الثلاثة وهو يلبس بذلة تفجير الألغام , ويمشي في الغابة المظلمة بخطواتٍ مُتعثّرة .. بعد ان أخبروه بوجود لغمٍ مدفون امامه .. وعليه ان يدوسه بقدمه , ليعرفوا ان كانت البذلة الجديدة تحميه من الإنفجار ام لا 
لكنه تجمّد في مكانه , قائلاً وهو يرتجف للحرّاس : 
- ارجوكم لا اريد المال .. دعوني أذهب من هنا , ولن أخبر أحداً عن شركتكم .. أتوسّل اليكم 

فقال الحارس موجّهاً سلاحه نحوه : إفعل ما أمرناك به , والاّ قتلناك
فصرخ الشاب قائلاً : اذاً أقتلوني !! فأنا ميتٌ بجميع الأحوال
فأجاب الحارس الآخر بلؤم : ومن قال اننا سنقتلك على الفور .. بل سنتناوب على إصابة أطرافك , ثم معدتك وعينيك .. ونتركك في مكانك تحتضر الى ان يتصفّى دمك وتموت .. 
وقال الحارس الثالث له : أنصحك بإكمال التجربة , لأنه في حال لم يصبك شيء من الأنفجار , تعود الى بيتك ومعك مبلغاً كبيراً من المال تدفع بها ديونك .. 
الحارس الأول : هيا يا رجل !! تقدمّ خطوتين للأمام , الى البقعة التي دفنّا بها اللغم الأرضيّ 

فتوجّه الشاب مرغماً ببذلة الجيش المنتفخة الغريبة نحو اللغم الذي داسه دون ان يراه , لتطير قدمه التي بُترت في الهواء بعد الإنفجار ..فوقع صارخاً وهو يتلوّى على الأرض , ممسكاً بإمعائه التي خرجت من بطنه 

فاتصل الحارس بالبروفيسور يسأله : 
- لقد فشل المنتج , ماذا نفعل الآن ؟ 
وسمع الجميع إجابة الدكتور وهو يأمره بالقتل 
لتنهال الأعيرة النارية من رشّاشات الحرّاس الثلاثة التي أنهت حياة الشاب المصاب !
بينما تجمّد المتطوعون بعد رؤيتهم لما حصل عبر شاشاتهم ..

ثم قال لهم البروفيسور : لننتقل الآن الى التجارب رقم 4 5 6 7 8 ..فجميعكم اختار رمز الدواء .. وسنرسل لكم حبوباً وشراباً وحقن , لنرى تأثيرها عليكم .. وعلى فكرة , انتم محظوظون لأن المتطوعين السابقين إختاروا المحاليل المخبريّة التي هي بالأساس بكتيريا وامراض وسموم غذائية كالفطر السام وعفن البطاطا وغيرها.. وقد توفيّ نصفهم الأسبوع الماضي.. وسنريكم ما حصل للباقين الذي يحتضرون حالياً  

وظهر على الشاشة التي انقسمت الى اربعة : شابان وصبيتان يتلوّون من الألم في غرفهم , بعد ان شحبت وجوههم وظهرت أعراض المحاليل السامّة على اجسادهم ..حيث امتلأ وجه الصبيّة بالبثور الحمراء التي تصيبها بالحكّ والهرش المستمرّ التي أدمت وجهها .. بينما كان الشاب في الغرفة الثانية يسعل بقوة , محاولاً إلتقاط أنفاسه بصعوبة .. اما الفتاة الثانية فكانت تتقيأ باستمرار ..والشاب الرابع يعاني الإسهال من مدةٍ طويلة جعلته هزيلاً جداً .. 
وقد رآه المتطوعون الجدّد وهو يسقط دون حراك على أرض الحمام ! ليدخل غرفته حارسان مع طبيب (يضع كمّامة على فمه لإخفاء هويته) والذي أشار لكاميرا الغرفة (بعد فحصه) بإنزال إبهامه للأسفل ..

وهنا قال البروفسيور للباقين :
- يبدو انه مات .. وهذا يعني ان التجربة نجحت
فسأله بيتر بعصبية : الشاب مات ! فكيف نجح محلولك اللعين ؟!!
فأجابه البروفسيور : هذا المحلول أُكتشف حديثاً لأغراض عسكرية سرّية .. وموت المتطوع يؤكّد نجاح منتجهم .. هل فهمت الآن ؟

فتهالك بيتر على الكرسي وهو يلعن حظه لأنه علِمَ بأنه ميتٌ لا محالة , السؤال الأصعب : بأيّةِ وسيلة سيقتلونه ؟! فهو اختار صورة الطبيب من الشاشة , فما نوعية التجربة اللعينة التي تنتظره؟!

وقطع تفكيره صوت البروفيسور وهو يقول لهم :
- لن نشاهد نتائج الآخرين لأن موتهم حتميّ , لكنه سيتأخّر لساعات او لأيام وربما لأسابيع .. لننتقل الآن كما قلنا , الى تجارب الأدوية التي من المفترض ان تعالجكم لا ان تقتلكم .. فلنبدأ !!

ودخل الحرّاس بالأدوية الى المتطوعين الخمسة في غرفهم , بينما تابع بيتر والباقين مصيرهم عبر الشاشات ..ليشاهدوهم وهم يتناولون الحبوب والشراب والحقن دون مقاومة , بعد ان استسلموا لمصيرهم المشؤوم !

ثم انطفأت كاميرات غرفهم , مع صوت البروفسيور يقول للباقين :
- لن نتابعهم ايضاً , لأن نتائج الأدوية لن تظهر الا بعد ساعاتٍ طويلة .. وحتى لوّ نجح العقار , فسنقتلهم بطريقةٍ أخرى .. لأنه لن يخرج أحداً منكم حياً من هنا 
فصرخ بيتر مُعترضاً : الم تقل انه في حال نجحت التجربة سنخرج من هنا ومعنا الشيك المالي ؟!!
فردّ عليه بلؤم : أرى انك الوحيد الذي تعترض دائماً , وقد أعجبتني جرأتك .. لكن لم يعجبني غبائك .. فأنا حتماً لن أجازف بشركتي لأجلكم ايها الحثالة , وبالتأكيد لن أقضي بقية حياتي في السجن .. لهذا تقبّل مصيرك بهدوء يا بيتر , فنحن بالنهاية ننفّذ حلمكم بالإنتحار لكن بطريقتنا نحن .. هل فهمت الآن , او أُفهمك بطريقتي ؟!!
فسكت بيتر بحزن , بعد ان استسلم كالآخرين لقدره المشؤوم ..
البروفيسور : جيد .. الآن لنرى التجربة التي بعدها .. وهي تجربة الأفعى

ثم شاهد الجميع كيف أجبروا الصبية على وضع يدها في الصندوق الذي به أفعى سامة .. وبعد ان صرخت متألمة من اللدغة , أعطوها المصل المضاد لسمّ الثعبان (المُركّب حديثاً) .. وتركوها مستلقية على الأرض في انتظار النتيجة .. 

ونفس التجربة حصلت مع الشاب الذي اختار صورة العقرب ..
فقال البروفسيور : سننتظر لحين ظهور نتيجة العقار الجديد , ونُخبر لاحقاً شركات الأدوية بالنتيجة .. اما الآن فسننتقل لتجربة البذلتين الجديدتين : ضدّ الرصاص والحريق , التابعة لمركزيّ الشرطة والإطفاء

وشاهد بقية المتطوعين : أحد الشباب وهو يتلقّى الرصاص بصدره بعد ان ألبسوه الواقي الجديد .. بينما الثاني رموه في قبرٍ بالغابة أشعلوه بالنار , بعد ان لبس بذلة الإطفائي الجديدة .. 
وكانت النتيجة : نجاح المنتجين ! لكن فرحة الشابين لم تكتمل , بعد ان أمر البروفيسور حرّاسه بإطلاق النار عليهما للقضاء على الشهود ..

ثم بدأت التجربة الأكثر رعباً لرجلٍ مشرّد إختار الغاز السام .. وشاهده الجميع وهو يحترق من الداخل ببطء , الى ان تفسّخ جلده عن لحمه وتحوّل امامهم الى هيكلٍ عظمي مُتفحّمٌ تماماً 

فقال البروفيسور بسعادة : واو ! لقد نجح الغاز البيولوجي أكثر ممّا توقعت .. أظن ان قائد الجيش سيسعد كثيراً بهذا الفيديو الرائع .. ارأيتم كيف تساقط لحمه عن جلده ؟ الا تدرون بأن المانيا يمكنها السيطرة على العالم من جديد بهذه القنابل الرائعة .. يا الهي كم كانت التجربة حماسية , هل توافقوني الرأيّ ؟

فالتزم ما تبقّى من المتطوعين الصمت , بعد ان مسحوا دموعهم بأيديهم التي كانت ترتجف بقوة من هول ما شاهدوه ! 

وجاء دور بيتر لتجربة السيطرة العقلية ..ودخل الى غرفته طبيبٌ نفسيّ (ملثّم ايضاً بكمامة طبّية , كيّ لا يظهر على الشاشات) ..ويبدو انه يريد تطبيق نظرية جديدة للسيطرة على المخّ .. 
وجلس في الإتجاه المقابل لبيتر على الطاولة , وأمسك بمعصمه وهو ينظر في عينيه نظرةً ثاقبة .. وبدأ يسأله عدة اسئلة ..وبيتر يجيبه بطواعية , حتى انه أجاب على اسوء وأحرج المواقف التي حصلت له ! ورفاقه يتابعونه باهتمامٍ وقلق  

ثم ظهر صوت البروفيسور يقول : أحسنت يا دكتور .. يبدو انك استطعت بالفعل السيطرة على عقل هذا المشاغب .. لكن اريدك ان تبيّن لي قدراتك الساديّة كيّ أرسل الفيديو لأصدقائي من المخابرات الإلمانية لتوظيفك ضمن فرقة التحقيقات مع المعتقلين الإرهابين .. فهيا أرني براعتك !!

فصار الطبيب النفسي يطلب من بيتر (المنوّم مغناطيساً) القيام بأعمالٍ غريبة ومؤذية .. وكان بيتر ينفّذها دون مقاومة ! كأن يطرق رأسه بقوة في الحائط , او يتبوّل على نفسه ..او يكسر يده بالمطرقة .. وقد فعل ذلك دون صراخ او ألم ! 

وبالنهاية طلب البروفيسور منه انهاء التجربة التي أظهرت كفاءته كطبيب نفسيّ بارع .. فقام الدكتور بإعطاء بيتر حبةٍ حمراء وهو يقول :
- بيتر , هذا ليس دواءً .. بل سمٌ قاتل يُميتك خلال دقيقتين ..وانا آمرك ببلعه حالاً 

وهنا شاهد بقية المتطوعين بيتر وهو ينتفض على الأرض (بعد بلعه للحبة الحمراء) قبل ان تتوقف حركته نهائياً ! 
فقال البروفيسور : 
- أحسنت يا دكتور !! لقد ضمنت عملك في المخابرات .. وسنرسل جثة الشاب الى اهله ليدفنوه بشكلٍ لائق .. 

وانطفات شاشة بيتر , بعد ان قام الحارسان بسحب جثته من قدميه الى خارج الغرفة !

بينما أكمل الباقين تجاربهم المرعبة , التي كانت عبارة عن ادوات تعذيب جديدة سيتم إستخدامها مستقبلاً على المعتقلين السياسيين لسحب إعترافاتهم بالقوة ! 
حتى الصبية والثلاثة شباب الذين نجوا من بين الأربعين تجربة تمّ تصفيتهم لاحقاً , حفاظاً على سرّية الشركة الغير قانونية ! 
***

في الريف الإلماني.. وبعد انتهاء مراسم العزاء في منزل والد بيتر.. تقدّم رجلٌ بطقمه الرسميّ ناحية الأب والأخ .. 
وبعد تقديمه التعازي , سلّم شيكاً بملغ مئة الف يورو للوالد وهو يقول :
- بيتر أوصانا أن نعطيك الشيك لعلاج امه , عافاها الربّ 
الأب بدهشة : ومن أين لإبني هذا المبلغ الكبير ؟!
- انه تعويض من شركتنا .. فالذي لا تعلمونه انه لم يُقدم على الإنتحار , بل قام بتجربة دواءٍ جديد من معملنا الطبّي .. وللأسف , كان الوحيد الذي توفي من بين المتطوعين
الأب بحزن : ولماذا ؟!
الرجل : لحساسيته النادرة اتجاه الدواء , وبسببه سنقوم بتحسين تأثيراته الجانبية قبل طرحه في الأسواق 
الأخ باستغراب : لم أكن أعلم ان أخي تطوّع بهكذا تجارب !
الرجل : يبدو انه يحب امه كثيراً .. على كلٍ , نعتذر لما حصل .. وأتمنى ان يكون هذا المبلغ تعويضاً بسيطاً لكم .. الى اللقاء

بعد خروجه من المنزل , وقبل ركوب سيارته الفارهة .. لحقه أخ بيتر قائلا :
- يا سيد !! رجاءً اريد مكالمتك بموضوعٍ هام
***

بعد ساعتين .. وفي مكتب البروفيسور في شركته تحت الأرض , إقترب ذات الرجل (الذي كان سكرتيره) ليجده وهو يشاهد فيديوهات عن تجارب النازية على الأسرى في الحرب العالمية الثانية
- أمازلت تشاهد فيديوهات جدك السرّية ؟

البروفيسور بقهر : كان جدي طبيباً عظيماً , وبسبب أبحاثه إخترعوا الكثير من القنابل البيولوجية التي استخدمت لاحقاً في الحروب .. لكن الملاعيين حاكموه على تجاربه اللاّ إنسانية , وعُوقب كمجرم حرب ! لكني أنوي إعادة أمجاده .. 
السكرتير : وانا معك , لأن حلمي ان تعود المانيا دولةً عظمى كالسابق .. إعتراضي فقط على دفعك التعويضات لأهالي اولئك الحثالة , فشركتنا أولى بها
- ان لاحظت جيداً ..فأنا لا أدفع لأهالي المشردين ومجهولي النسب , فقط لمن لديهم عائلات كيّ لا يثيروا لنا المشاكل عن أسباب وفاة ابنائهم , فمال التعويض يُعمي بصيرتهم ..خاصة بعد ان يروا توقيع ابنائهم على اوراقنا الرسمية بقبولهم التطوعيّ لتجربة أدويتنا المزعومة
- الآن فهمت لما تتلاعب باختيارات التجارب من الشاشة الذكيّة

البروفيسور : طبعاً , فمثلاً بيتر لو اختار الغاز او الألغام .. لكان والده رفع علينا قضيةً بعد إرسالنا أشلائه.. وحتى لوّ دفنّاه بالغابة , ما كان سيهدأ حتى يبلّغ الشرطة عن إختفاء ابنه .. اما المشرّدون الباقون , فدفنّاهم بالغابة وانتهى أمرهم 
السكرتير : تفكيرٌ نازيّ بامتياز
- طبعاً فأنا من العرق الآري الجرماني .. (ثم سكت قليلاً) .. بالنهاية لا تقلق , فأموال شركتي بازدياد بعد بيعي للمنتجات الغير قانونية في السوق السوداء ..خاصة الصواريخ البيولوجية للدول الإرهابية .. لذا لا بأس أن أعطيت اهالي المتطوعين بعض الفتات الذي يقي شركتي من شرّ فضولهم ..المهم الآن .. ما أخبار عائلة بيتر , هل صدّقوا كذبتنا ؟

السكرتير بحماس : بل أفضل من ذلك .. فأخوه يريد التطوّع ايضاً , لأنه يحلم بالسفر حول العالم وتجربة كل جديد .. ويريد ذات المبلغ الذي أعطيناه لبيتر .. لذا أخذت رقم جواله , ووعدّته بالإتصال به لاحقاً
البروفيسور ساخراً : كم أشفق على الوالد الذي أنجب إبنين أحمقين! 

وضحكا بمكرٍ وخبث ..

الاثنين، 18 فبراير 2019

عالم الأشرار

تأليف : امل شانوحة

اين اختفت أخلاقيات المجتمع ؟!

عاشت الإعلامية ديانا في المدينة الصغيرة غلينديل في ولاية كاليفورنيا الأمريكية بعدد سكّان لا يزيدون عن 200 الف نسمة , معظمهم من المزارعين وأصحاب المحال الصغيرة .. وكان تعمل في الشركة التلفازية الرسمية المتواجدة بوسط المدينة الهادئة التي بها أقل نسبة من مجرميّ اميركا 

لكن كل هذا تغيّر في صباح يومٍ بارد من بداية السنة الجديدة .. حين استيقظت ديانا مبكراً على صراخ جارتها وهي توقظ اولادها للذهاب الى المدرسة .. وهي المرة الأولى التي تسمع فيها شتائهما القاسية , رغم حنانها وتدليلها الزائد لهم !
ولم تهتم ديانا للأمر كثيراً , لأنها ظنّت بأن جارتها تعاني من إنهيارٍ عصبي بعد ولادة طفلها الجديد قبل اسبوعين .. 

وفي طريقها الى العمل , لاحظت الإعلامية بعض الأحداث الغريبة في الشارع , حيث ازدادت عصبية أصحاب المحال التجارية على عمّالهم .. كما انها رأت صاحب مطعمٍ شعبي يطرد زبوناً ويلعنه , دون ان تعرف السبب !

وحين توقفت عند الإشارة الحمراء , سمعت صاحب السيارة المجاورة وهو يشتم نظام مدينته المتخلّفة بمواطنيها الحمقى , وكل هذا بسبب تأخّر الضوء الأخضر !
فتمّتمت بنفسها بضيق :
((جميعنا مستعجلون للوصول الى أعمالنا , فلما هو غاضبٌ هكذا؟!))

وحين عبرت الجسر , تفاجأت بزحامٍ شديد بسبب سيارتين متصادمتين امامهم  
وعلت اصوات الأبواق الغاضبة , بعد تأخّر شرطي المرور بإعطاء المخالفة للشخص المتسبّب بالحادث

وبعد إنهائه التحقيق مع المتصادمين , فتح الشارع لمرور بقيّة السيارات .. وحينها سمعت ديانا سائق الشاحنة يقول بلؤم للشاب الذي حصل على المخالفة : 
- ليتك متّ بالحادث , بدل تأخيرنا عن أعمالنا ايها المتهوّر !! 

والأغرب كانت ردّة فعل الشرطي الذي وجّه مسدسه اتجاه سائق الشاحنة , وهو يهدّده قائلاً :
- تحرّك فوراً والا مُتّ انت , يا عديم الأخلاق !!
فابتعد سريعاً , لتقول الإعلامية بنفسها :
((لا يحقّ له رفع سلاحه دون مبرّر ! .. ليتني صوّرت الحدث وأريته للمسؤولين لمحاسبة الشرطي على عصبيته الزائدة)) 
***

حين وصلت أخيراً الى عملها , أعطت مفاتيحها لعامل الموقف لركن سيارتها , لكنه رفض استلامهم قائلاً بغضب :
- أركني سيارتك بنفسك , أنا لست بخادمك !!
وقد صدمها ردّة فعله ! فهي المرة الأولى التي يرفض القيام بذلك منذ  سنواتٍ طويلة , وتمّتمت قائلة :
- يا الهي ! لما الجميع متوتراً هكذا ؟! (ونظرت الى ساعتها) ..اللعنة !! تأخّرت على عملي 

وما ان وصلت مكتبها , حتى عاتبها المدير على تأخّرها .. فأخبرته عن السبب .. فردّ ساخراً :
- طبعاً !! الجميع يتحجّج بزحمة السير او بحادثٍ في الطريق , او مرض أحد افراد عائلته
ديانا بامتعاض : انا لا أدّعي شيئاً ! هل تريدني ان أتصل بشرطة المرور ليأكّدوا لك حدوث تصادم سيارتين على الجسر قبل نصف ساعة ؟ 
فأجابها بلؤم : لا تتذاكي عليّ .. ما يهمّني هو التقرير الذي طلبته منك , فهل أنهيته ؟
- نعم , لكن سأقوم بمراجعته للمرة الأخيرة قبل تقديم النشرة
- ولما لم تقومي بذلك مُسبقاً ؟ 
ديانا : لأن البارحة كان دوري في النشرة المسائية , ووصلت متأخّرة ومرهقة الى بيتي.. وبالكاد كتبت المسودّة 
- لا اريد حججاً أخرى ..إذهبي فوراً الى مكتبك وانهي المراجعة , فالنشرة الصباحية ستبدأ بعد ساعة

وخرجت من مكتبه متضايقة .. فهي المرة الأولى التي يحاسبها بشدة ,  رغم انها الأكثر تفانياً بالعمل بين موظفيه !

وبعد تقديمها النشرة ببراعة كعادتها , استأذنت للخروج للمطعم المجاور في فرصة الغداء , لتهدئة أعصابها المتوترة بسبب المشاجرات والمحادثات المشحونة التي حصلت بين موظفيّ القناة منذ الصباح , ولأسبابٍ تافهة !
***

وفي المطعم .. نادت على النادل أكثر من مرة , فتقدّم نحوها غاضباً :
- نعم نعم !!! لما تزعجيني بنداءاتك المتكرّرة , الا تريني أسجّل طلبات الطاولة الثانية , أم تظنني أخطبوطاً باستطاعتي كتابة الطلبين في الوقت ذاته ؟
ديانا بدهشة : آسفة ! كنت فقط أستعجلك لأن معي ساعة قبل العودة الى عملي
- جميع من ترينهم بالمطعم موظفين مثلك , فالأفضل ان تنتظري دورك , او تذهبي الى مطعمٍ آخر !!
وكتمت غيظها وهي تقول : كنت اريد ان اطلب..
النادل مقاطعاً : أعرف أعرف .. ذات الطلب ككل مرة
- لا !! كنت اريد تغير الصنف السابق الى ..
لكنه ابتعد عنها دون الإكتراث بطلبها الجديد ! 

وبعد دقائق .. وضع طبقها المعتاد امامها بعصبية , وهو ينظر اليها باشمزاز قبل عودته الى المطبخ .. 
فقالت بنفسها بغضب :
((والله لوّ لم أكن مستعجلة , لشكيته لصاحب المطعم .. (ثم نظرت الى ساعتها ) .. الأفضل ان أسرع بتناول غدائي , فأعصابي لن تتحمّل نقد مديري الهدّام)) 

لكنها لم تهنأ بتناول طبقها , بسبب صراخ أمٌ (تجلس في الطاولة المقابلة) على ابنها الصغير بعد رفضه تناول الغداء ..
***

وعادت ديانا متضايقة الى مكتبها ..لتطلب من الحاجب ان يحضّر لها قهوتها المعتادة ..
وإذّ به يأتي بعد قليل ويضع القهوة بقوة امامها , حتى كادت ان تُسكب فوق أوراقها ..قائلاً بلؤم : 
- هاهي قهوتك اللعينة , إشربيها !! عسى ان تصابي بشرقة تخلّصني من طلباتك التي لا تنتهي ابداً 
ديانا بصدمة : ماذا قلت ؟!
لكن الحاجب خرج بعد ان صفق بابها بقوة..
ديانا باستغراب : يا الهي ! مالذي حصل للناس هذا النهار ؟!

واستمرّ اليوم على هذا المنوال , حيث عاد المدير لينتقدها بقسوة بعد رفضه لمسودّة النشرة القادمة ..
وبالكاد استطاعت إعادة كتابتها , في ظلّ الجوّ المشحون بين موظفيّ القناة التلفازية ! 
***

وانتهى الدوام بشقّ الأنفس .. وقادت سيارتها عائدةً الى بيتها , لتلاحظ من جديد غضب الناس في الشارع : فمنهم من يتكلّم في جواله بعصبية , والآخر يجرّ ابنائه بعنف الى بيته .. حتى جارها المسنّ كان يفرغ غضبه على كلبه بعد ان سحبه من رباطه بعنف , وهو يصرخ عليه :
- سأتخلّص منك قريباً ايها الحيوان المزعج !! 

فقالت ديانا في نفسها : 
((هناك شيءٌ غريب يحصل في البلد ! وعليّ اكتشافه بأسرع وقتٍ ممكن))
***

وتتابع هذا الكابوس خلال الشهور التالية ! حيث انعدمت أخلاق الناس تماماً , وكثرت الإعتداءات والسرقات وصولاً للإختطاف والقتل.. ..وباتت الحياة في المدينة أشبه بالمستحيلة مع تفشّي الجرائم والمخدرات .. كما ازداد عنف الطلاب والمتنمّرين في المدارس والجامعة دون سببٍ واضح ! ممّا أجبر رئيس البلدية على توظيف المزيد من رجال الشرطة , كما أصدر قانوناً بحظر التجوّل مساء ً
***

وازداد الأمر سوءاً مع الأيام .. حتى اضّطر بعض السكّان الإنتقال الى مدنٍ مجاورة او ولايات امريكية ثانية خوفاً على ابنائهم , بينما علق الباقون مع شِرار الناس الذين تحولوا بين يومٍ وليلة الى وحوش عديميّ الضمائر ! 

وبعد تزايد الشكاوي , قرّر رئيس البلدة ان يحصّن أفراد مجتمعه الطيبين داخل مجمّعٍ سكني مُحاط بسورٍ عالي وحراسة مشدّدة على بوّابته , ليحميهم من سطو اللصوص المتكرّر بعد إزدحام سجن المدينة بالمشاغبين , حتى بات السيطرة عليهم لأمرٌ مستحيل فأعدادهم تزيد عن نصف عدد المواطنين ! ممّا حوّل مدينة غلينديل الهادئة الى بؤرة فساد ورذيلة من رجال العصابات والمخدرات , وفتيات الدعارة اللآتي كنّ بالسابق نساءً محترمات ! 

وقد رضخت العائلات الطيبة لاقتراح رئيس البلدية وتركوا بيوتهم القديمة , ليعيشوا معه في الموقع الآمن الجديد والوحيد بالمدينة  
وبمرور الأشهر .. افتتحوا اول سوق ومدرسة وعيادة داخل المجمّع كيّ لا يضّطروا للخروج الى الجحيم المتواجد خلف اسوار حصنهم الصغير 

لكن هذا لم يمنع أطماع بعض الأشرار الذين نجحوا بالتسلّل ليلاً الى هناك , لسرقة بيوتهم .. لكن الحرس استطاعوا القبض عليهم لاحقاً بعد تركيبهم لكاميرات مراقبة في كل مكان داخل المجمّع ..
ومع هذا رفض الطيبون حبس اولئك الأشرار داخل مجمّعهم الطاهر , لذا أطلق الحرس سراحهم خارج الأسوار ليعودوا الى اعمالهم الإجرامية في مدينتهم الفاسدة

كل هذه الأحداث وقعت تحت انظار الإعلامية ديانا التي ظلّت تتساءل عن سبب إنعدام الأخلاق فجأة من مدينتها , وأرادات فكّ اللغز ! 

ولأنها من ضمن القلائل من سكّان المجمّع المضّطرين للذهاب يومياً الى وظائفهم المتواجدة في وسط مدينة الأشرار , كان عليها الحذر دائماً اثناء تنقّلها للمبنى التلفازي الذي لم يبقى فيه سوى القليل من الموظفين سيئوا الخلق , بالإضافة لمديرها الذي أصبحت عصبيته لا تطاق في الفترة الماضية
***

وفي أحد الأيام تعطّلت سيارتها , واضطرت لركوب الحافلة محاولةً تجاهل نظرات الشرّ التي تتطاير من ركّاب المدينة الشريرة (أصحاب السوابق) .. وكما توقعت , تعالت اصواتهم وهم يتشاجرون مع السائق على زيادته لثمن التذكرة , مخالفاً بذلك قوانين المدينة السابقة 

ورغم الضجّة من حولها , الا انها انتبهت على حوار باللغة الروسية التي تتقنها , من شاب يجلس خلفها .. وبسبب انشغاله بالجوال , لم ينتبه عليها وهي تصوره .. حيث قال بلغته :  
- نعم سيدي .. غازنا الكيميائي الذي نشرناه بطائرة رشّ المزروعات فوق مدينة غلينديل بحفلة رأس السنة نفعت بشكلٍ لا يصدّق ! ويبدو ان اختراعك أخرج شياطينهم المخفية , فمنسوب الجرائم ارتفع الضعف عن السنوات الماضية ..وسأرسل لك مجموعة من الفيديوهات لمشاجرات وإعتداءات عنيفة حصلت بين المواطنين الأمريكيين التي صوّرتها خلال هذا الشهر 

وقد صُدمت ديانا ممّا سمعته ! فانعدام الأخلاق في مجتمعها لم يكن بمحض الصدفة بل هو أمرٌ مدبّر من دولةٍ معادية .. لكنها احتفظت بهذا السرّ عن مديرها وموظفيّ الإعلام , لرغبتها بالقيام ببحثٍ شامل عن الموضوع قبل إخبار الناس بما حصل لمدينتهم الهادئة 

واكتشفت لاحقاً بأنها لم تتأثّر بذلك الغاز البيولوجي لأنها تعاني من ضعف بحاسة الشمّ منذ الصغر .. وحين أجرت حوارات مع جيرانها الطيبين داخل المجمّع عن حالتهم الصحيّة في حفلة رأس السنة , علمت بأن معظمهم كان يعاني من الإنفلونزا لذلك لم يتأثّروا مثلها بالغاز السام الذي دمّر ضمائر الباقيين , اما البعض الآخر فلم يتأثّر به بسبب طيبته الفطريّة .. فالغاز بالنهاية قام بإخراج الشرّ من الأشخاص الذين لديهم ميول اجرامية في نواياهم المخفية التي كُشفت امام الجميع جبراً عنهم !
***

بعد شهر , وبعد ان جمعت ديانا كافة المعلومات .. إستغلّت برنامجها الجديد الذي يُعرض على الهواء مباشرةً , لتفاجأ مديرها وبقية الموظفين بطرحها للموضوع قائلةً : 
- هذه المرة لن أتكلّم عن تصليحات البلدية والخطط الإعمارية , بل عن شيءٍ يهمّنا جميعاً , وسؤال يتردّد كثيراً في خاطرنا : وهو عن سبب إنعدام إخلاقيات بلدتنا في الفترة الماضية ؟ وسأجعلكم تسمعون الإجابة من خلال فيديو صوّرته داخل الحافلة 

وعرضت على الشاشة كلام الجاسوس الروسي , مع الترجمة الإنجليزية  
ثم قالت للمشاهدين : 
- وكما فهمتم من كلامه .. ان مدينتا المسالمة تعرّضت لسلاحٍ خفيّ لغازٍ عديم اللون ذوّ تأثيراتٍ سلبية طويلة الأمد .. وقد قمت بسؤال عالمٍ كيميائي عن إمكانية اختراع غازٍ يقتل الضمائر .. وسنسمع إجابته على الهواء مباشرةً .. الو , سيد جاك , هل سمعت سؤالي ؟ 

صوت العالم الكيميائي : نعم آنسة ديانا .. فبعد ان قدمتي الى معملي وأسمعتني كلام الجاسوس الروسي , قمت بالإتصال بزملائي في العاصمة , وأخبروني بأنهم اخترعوا بالفعل هذا الغاز لأسبابٍ عسكرية داخل مختبراتهم السريّة , والذي نجح مفعوله على فئران التجارب التي أصبحت أكثر عدائية فيما بينها .. كما علمت انه كان من بين فريقهم طبيبٌ شاب متهوّر اراد تجربتها على المساجين والمعاقين , لكن مسؤوليّ المختبر رفضوا ذلك وطردوه من المجموعة , ليقوم بسرقة الإختراع دون علمهم ويبيعه لاحقاً للمخابرات الروسية التي يبدو انها أرسلته مع الجاسوس الذي حلّق بطائرة رشّ مبيدات الأراضي الزراعية لنشر الغاز فوق مدينتنا .. وأظنكم تذكرون تحليقها المتواصل في سمائنا قبل ليلة رأس السنة 

ديانا : وكم سيظلّ مفعول ذلك الغاز , سيد جاك ؟
- في حال لم يُجدّد , سيظل قرابة السنة .. وقد مرّ حتى الآن تسعة أشهر .. ومع هذا اتفقت مع أصدقائي الكيمائيين ان لا ننتظر الثلاثة أشهر التالية لتهدأ الأمور في مدينتنا العزيزة
- وماذا قرّرتم ؟
العالم : ان ننشر دواءً مضاداً يقضي على مفعول الغاز السام .. واتفقنا البارحة مع رئيس البلدية ان نقوم بذلك في مطلع الأسبوع القادم
- جيد , لكن ماذا عن الطبيب الخائن الذي باع مدينتنا للأعداء؟
العالم : رفعنا قضية بشأنه , وسيتمّ ملاحقته حتى لوّ كان خارج اميركا.. وقد وعدني المسؤولين بمعاقبته بشدة على ذنبه اتجاه مواطنينا الأبرياء

وأنهت ديانا حلقتها وسط دهشة وذهول افراد مجتمعها , بعد معرفتهم بحقيقة المؤامرة التي حصلت ضدّ مدينتهم !
***

وبالفعل وخلال وقتٍ قصير , تمّ نشر الدواء المضادّ بطائرات الرشّ الزراعية التي حلّقت ذهاباً وإيّاباً فوق مدينة غلينديل الأمريكية الصغيرة لتظهر النتائج الفورية بتحسّن أخلاقيات المواطنين ..

ولاحقاً تمّ إطلاق سراح الكثير من المساجين الذين قُبض عليهم بسبب مشاغباتهم خلال هذه السنة , بعد ان كتبوا تعهّدات بعدم مخالفة القوانين مجدداً

ومع هذا رفض بعض المجرمين التخلّي عن سلوكهم الشائن بعد ان أعجبهم الكسب السريع من خلال أعمالهم الغير شرعية , خاصة بعد إصرار الكثير من الطيبين على البقاء خلف اسوار مجمّعهم الآمن وعدم الإندماج مجدداً في مجتمع الأشرار 

وبسبب هذه التفرقة , عاد الكثير من التائبين الى اعمالهم الإجرامية الذين اعتادوا عليها خلال الشهور الماضية ! بعد ان قام الغاز بإزالة أقنعة البراءة عن وجوههم لإظهار جانبهم الشيطاني الذي أدّى لإلتصاقهم بالصيت السيء للأبد ! 

الجمعة، 15 فبراير 2019

قرّاء مدونتي الأعزّاء


أمل شانوحة

صورة القصة : (للراغبين بالإنتحار)


السلام عليكم .. أعرف انني تأخّرت بالنشر , لكني كنت أكتب لكم قصة مخيفة بعنوان ((للراغبين بالإنتحار)) , وهي تُشبه الفيلم المرعب الشهير : SAW

وأرسلته قبل قليل الى إدارة موقع كابوس , وفي حال أعجبتهم ونشروها .. أضع لكم رابطها هنا  

أتمنى حقاً ان تعجبكم , فقد أخذت منّي جهداً كبيراً .. وأتوقع لوّ تحوّلت الى فيلم أجنبي فسيكون لها أجزاء عديدة , ستعجب محبيّ هذا النوع من الأفلام المخيفة الدمويّة

دعواتكم لي يا أصدقاء

السبت، 9 فبراير 2019

الطفل السجين

تأليف : امل شانوحة

ما مصير الطفل خارج السجن ؟!

حضنته ريما بقوة وهي تبكي وتقبّله , مُترجية ان لا تأخذه منها السجّانة التي أجابتها بحزم : 
- ليس أمامنا خيارٌ آخر , فقد أصبح عمر ابنك سنتين وعلينا أخذه منك
ريما : الم تقولوا ان حضانة الأم السجينة ستُرفع الى أربع سنوات؟
- لم يقرّوا القانون بعد , ربما لاحقاً .. والآن أعطني ابنك
ريما بقلق : والى اين ستأخذونه ؟ فأهلي لا يريدونه , وزوجي لم يعترف به اصلاً !

فقالت سجينةٌ أخرى بلؤمٍ وسخرية : لوّ لم تقتلي عشيقك لكان أخذ ابنه 
فتردّ ريما عليها بغضب : ليس عشيقي !! قلت لكم ألف مرة انني قتلت الرجل الذي اعتدى عليّ , لما لا يصدّقني أحد ؟!!! 
السجّانة : إهدئي يا ريما
لكنها أكملت باكية : أهذا ذنبي إنني انتقمت لشرفي ؟ وبدل ان يفتخروا بي اهلي , تخلّوا عني بسبب إشاعةٍ لعينة بأني كنت مغرمة بجاري اللعين !
فعادت وضايقتها السجينة اللئيمة : عزيزتي , لا دخان دون نار
فصرخت ريما عليها بغضب : أسكتي انت !!!

لكن السجينة تابعت مضايقتها : 
- زوجك يكبرك بعشرين سنة وهو كثير الأسفار , امّا جارك فقد سمعنا إنه كان شاباً وسيماً .. وانت كنت ..
ريما مقاطعة بنبرة تهديد : أحلف ان زِدّت حرفاً آخراً , سأقطع لسانك !! انا أشرف منك يا بائعة الهوى
السجّانة : إهدئا رجاءً .. وانت يا ريما !! كفّي عن المماطلة واعطيني الولد , فقد عاش معك بما فيه الكفاية

ريما بقلق : اريد فقط ان أعرف الى اين ستأخذوه ؟
- الى دار الأيتام طبعاً
ريما بخوف : لا لا اريد .. سيحطّمون نفسيته هناك
السجّانة بلؤم : وهل سيعيش أميراً بين السجينات ؟ أساساً انت دمّرتي مستقبله قبل ولادته .. فهيا هاته ولا تعانديني 

لكنها زادت تمسّكاً بإبنها الذي بدأ يبكي من قوة إحتضانها له , بينما تحاول السجّانة سحبه من بين يديها ...الى ان أتت رئيسة السجّانات , وأوقفت زميلتها قائلةً : 
- مالذي يحصل هنا ؟
السجّانة : لا تريد التخلّي عن أبنها
فترجّتها ريما وهي تبكي : ارجوك سيدة نجوى , لا أريدهم ان يؤذوا ابني

ففكّرت رئيسة السجّانات قليلاً , قبل ان تقول : 
- حسناً لا تقلقي , سآخذه انا
ريما بدهشة وارتياح : أحقاً سيدة نجوى ! يعني ستأخذيه الى بيتك
نجوى : لبضعة ايامٍ فقط , الى ان أجد له عائلة تتبناه وتُحسن تربيته
ريما : وانا أقبل , بشرط ان يفهموه بأنني امه الحقيقية

فقالت لها السجينة اللئيمة : من الأفضل ان تتركيه يعيش حياةً طبيعية , حتى لا يستهزأ الناس به حين يعرفوا بأن امه قتلت والده الذي كان عشيقها
ريما بغضب : لم يكن عشيقي يا ملعونة !!!
نجوى : اهدئي يا ريما واعطيني أحمد ..الا ترين انك تؤلمينه ؟ ..هيا هاته , وثقي بأنني سأفعل كل ما في صالح الولد
ريما وهي تمسح دموعها : وأنا أثق بك , فأنت أحنّ السجّانات .. خذيه , لكن عديني إنني سأراه ثانيةً

السجّانة الأخرى : انت محكومة بعشرين سنة بتهمة القتل , وسيصبح ابنك شاباً حين تخرجين من هنا
ريما بقلق : أهذا يعني انكم لن تخبروا أحمد عني ؟ 
نجوى : صدّقيني عزيزتي ..من مصلحته ان لا يعرفك قبل ان يكبر , حتى لا ينحرف إن علِمَ بأنه طفل غير مرغوباً به .. لكني أعدك بأنني سأزور عائلته المتبناة من وقتٍ لآخر لأطلعك على أخباره , كما سأحضر لك صوره لترين مراحل نموه .. والآن أعطني الصبي , فقد أضعتي الكثير من وقتنا يا ريما

فقبّلته ريما كثيراً قبل ان تسلّمه لها , لتنهار بعدها ببكاءٍ مرير .. وحاولت الأخريات تهدأتها وهنّ يشعرنّ بمصابها , حيث كان هذا العنبر مخصصّاً للسجينات الحوامل اللآتي يعلمنّ بإنهنّ قريباً سيشعرنّ بشعورها المؤلم حين يفارقنّ أطفالهنّ جبراً عنهنّ ! 
***

عادت السجّانة نجوى بالطفل الي بيتها الخالي ..فزوجها طلّقها بعد 15 سنة زواج بسبب عقمها , وتزوج غيرها وأنجب ثلاثة اطفال .. بينما بقيت هي وحيدة في المنزل بعد وفاة والديها .. لكنها شعرت بأن حياتها على وشك ان تتغير بسبب هذا الصغير التي قامت لأجله بالتسوّق بما يلزمه من طعام وملابس وألعاب  

وأمضت اليوم كلّه وهي تهتم به .. وبعد ان أطعمته وحممّته , نام هانئاً في سريرها الكبير المريح .. بينما استلقت بجانبه طوال الليل وهي تتأمّل ملامح وجهه البريئة , وهي تمسك بيده الصغيرة وتقول:
((ما ذنبك يا ملاك ان تولد بين الشياطين ؟ كم انا خائفة على مستقبلك من تعليقات الناس الجارحة ؟))

حتى نجوى نفسها لم تسلم من تعليقات الجيران حين رأوها عائدة بالطفل الى مبناها القديم , لكنها لم تردّ إخبارهم بقصة الصغير كيّ لا يتأذّى من تعليقاتهم في المستقبل .. واكتفت بإخبار جارتها بأنه ابن قريبتها المتوفية

وأمضت ليلتها بجانبه وهي تشعر بأنفاسه المتسارعة , بعد إحساسها بالأمومة لأول مرة في حياتها .. لكنها لم ترغب بالتعلّق به كثيراً , بسبب إنشغالها بعملها لساعاتٍ طويلة في سجن النساء , لهذا كان عليها إيجاد عائلةً بديلة له بأقرب وقتٍ ممكن 
***

منذ الصباح .. وبعد ان وضعته في مدرسة الحضانة القريبة من بيتها , بدأت بالبحث عن عائلةٍ في مقدورها الإهتمام به
وخلال الأسابيع اللاحقة .. بحثت في عشرات الملفات للشؤون الإجتماعية عن عائلات ترغب في رعاية الأيتام ..
***

وحين ذهبت الى العائلة الأولى .. وجدت لديهم ثمانية اولاد , أكبرهم في 12 من عمره وأصغرهم بعمر أحمد
نجوى باستغراب : طالما لديكم كل هؤلاء الأولاد , فلما تقدّمتم بطلب رعاية طفلٍ يتيم ؟!
الأب : لأننا نحب جمع الأولاد
نجوى باستنكار : جمع الأولاد !
الأم : يقصد نحب ان يمتلأ بيتنا بهم
نجوى : العدد ليس مهماً , الأهم هو التربية ..أنظري الى ابنك الصغير فهو بحاجة الى إستحمام , وجسم ابنك الكبير امتلأ بالكدمات !
الأب : هو ولدٌ مشاغب ويحب اللعب العنيف مع اصدقائه
نجوى بقلق : طالما كذلك , فربما يؤذي إخوانه الصغار او الطفل أحمد 
الأم : لا , ابني ليس عنيفاً لهذه الدرجة

في هذه اللحظات .. شاهدت نجوى الأبن الأكبر وهو يضرب اخته ويحطّم لعبتها لتبكي بقهر , دون ردّة فعل من الأبوين ! 
فقامت نجوى وهي تقول بعصبية :
- بدل ان تفكرا بتكبير عائلتكم , الأفضل ان تركّزا على تربية ابنائكم 
الأب : أهذا يعني اننا لن نحصل على الطفل أحمد ؟
نجوى بحزم : مُحال ان أتركه بينكم 
وخرجت من عندهم غاضبة..
***

بعد ايام .. أخبرتها جمعية حقوق الطفل برغبة امرأة ثريّة بتبنّي أحمد.. وعندما ذهبت نجوى اليها , إستقبلتها بكامل زينتها وهي منشغلة بتحضير حفلة لأصدقائها
نجوى : طالما انك سيدة مجتمع , فكيف ستتفرّغين لتربية الصغير؟
- سأعيّن له مربية وخادمة , لا تهتمي
- وهل ستشعريه بأمومتك ؟
- إسمعي سيدة نجوى .. الحقيقية انني كبرت في العمر , وجميع صديقاتي لديهم اطفال واريد واحداً لي
نجوى بدهشة : ألهذا السبب فقط ؟!
- ماذا تقصدين ؟
- هذا الطفل بحاجة الى حنان , فهو ليس كلباً او قطة تشاركينه مع صديقاتك او تضعيه مع إكسسّواراتك
السيدة بحزم : تحدّثي بأدب !! الا تعرفين مع من تتكلّمين ؟ 

فحاولت نجوى كتم غيظها وقالت : أنا الوصيّة على الطفل أحمد , وقد وعدّت امه أن اختار له عائلةً حنونة .. لذا أعتذر منك , فطلبك مرفوض
السيدة بعصبية : الا يكفي انني قبلت به , وأمه قاتلة وعديمة الشرف .. 
نجوى مقاطعة : هي قتلت الشخص الذي اعتدى عليها , وهي بنظري بطلة .. وانت بالنهاية سيدة لديها اهتمامات اجتماعية , ومنزلك مخصصٌّ للإحتفالات , وليس بيئةً مناسبة لتربية طفلٍ صغير
السيدة بلؤم : لم يعجبني قلّة احترامك لي
فوقفت نجوى وهي تقول : يبدو اننا لن نتفق , وداعاً 
وخرجت متضايقة من قصرها 
***

وبعد اسبوع .. ذهبت نجوى للعائلة الثالثة , والتقت مع الأم التي أخبرتها بحاجتها لأخٍ صغير لإبنتيها .. وقد أحسّت السجّانة ان رغبتها بالصبي هو لإرضاء زوجها التي لاحظت سرعة إنفعاله ونظراته الحادّة , كما إسرافه بالتدخين .. فوجّهت نجوى حديثها له: 
- هل ستخفّف من شرب الدخان بعد قدوم الطفل ؟
فأجابها بجفاء , وهو ينفث دخان سيجارته بلا مبالاة : 
- ربّيت إبنتين قبله , وهما بخير كما ترين  
- أهذا يعني انك لن ..

مقاطعاً بعصبية : الا يكفي انني سأتكفّل بلقيط , مُعرّضاً سمعة عائلتي للخطر ؟ .. (وعاد لإشعال سيجارة جديدة) .. برأيّ لا تقلقي على وجوده معنا , فمستقبله سيكون صعباً في جميع الأحوال .. ومواجهته لكلام الناس وتلميحاتهم ستضرّه أكثر بكثير من رائحة سجائري  
نجوى بضيق : بل تربيتك القاسية هي التي ستدمّره تماماً
الأب بلؤم : ماذا تقصدين ؟ 
فتجاهلته نجوى وهي تقول لزوجته : لا أظن ان بيتكم مناسباً للطفل 

وقبل ان تغادر البيت , لحقتها الأم قائلةً :
- رجاءً سيدة نجوى ..أحتاج لولدٍ في حياتي , فزوجي هدّدني بالطلاق ان لم أنجب له صبياً ..وربما حناني على أحمد يجعلني أحمل بولد
نجوى بعصبية : من الغبي الذي أعطاك هذه المعلومة الخاطئة ؟! ثم من واجبي ان أجد للطفل بيئةً سليمة يكبر فيها , لا ان أرميه في حضنك إرضاءً لزوجك المتسلّط 

وخرجت من بيتهم , وهي تتنهد بضيق وتتمّتم : 
- لا احد يستحقك يا عزيزي أحمد
وحينها خطرت في بالها ان تتكفّل هي برعايته ..

ولكيّ تتفرّغ لهذه المهمّة , قدمت إستقالتها لإدارة السجن .. ممّا أرعب ريما , لأن برحيلها إنقطع آخر خيط يربطها بطفلها أحمد ..
فانهارت باكية بين السجينات المُشفقات على حالتها التي تزداد سوءاً مع الأيام !
***

ومرّت السنوات .. وأصبح عمر أحمد عشر سنوات ..
وفي أحد الأيام , عاد من مدرسته باكياً : 
فسألته نجوى بقلق : ما بك حبيبي ؟!
ففاجأها قائلاً : هل انت امي الحقيقية ؟!
نجوى بقلق : ماذا تقصد ؟!
أحمد وهو يمسح دموعه : صديقي أخبرني بأن والدته التي هي جارتك قالت : بأنك لا تنجبين الأولاد ولذلك طلّقك زوجك .. فإذا كان هذا صحيحاً , فأبن من انا ؟.. ارجوك إخبريني

فحضنته قائلة : انت ابني !! انا من ربّيتك .. وكل ما قالته تلك الجارة غير صحيح 
فأبعدها عنه : امي !! رجاءً إخبريني الحقيقة ..من هو والدي ؟
- والدك توفّى قبل ولادتك , أخبرتك بذلك سابقاً .. وانا امك الحقيقية.. وأيّ شخص يقول غير ذلك , سأضربه بنفسي !!
- اذا كان والدي ميت , فأين هم أعمامي ؟ 
نجوى : أخبرتك أكثر من مرة انه كان وحيد أهله
- وماذا عن اسم عائلتي ؟ فأنا لم أجد أحداً بالإنترنت يحمل ذات الأسم

نجوى : أحمد !! كفّ عن إتعاب نفسك .. فأنت لا تملك أحداً سوايّ بهذه الدنيا , لذلك حاول ان ترضى بقدرك يا صغيري .. (ثم سكتت قليلاً محاولةً تمالك مشاعرها المرتبكة) ..هيا تعال لنأكل سوياً قبل ان يبرد الطعام
أحمد غاضباً : لا اريد شيئاً !! انا أكره حياتي 
وأسرع الى غرفته باكياً , وهو يشعر بان أمه تخفي عنه سراً كبيراً
***

ومع الأيام .. حاول أحمد التأقلم مع التعليقات الساخرة للطلاّب بعد انتشار إشاعة عنه بأنه يتيم , حتى بعضهم وصفه باللقيط القذر ! 
وحين لاحظت نجوى تدهور حالته النفسية , قامت بسحب ملفه من المدرسة وتسجيله في مدرسةٍ أخرى بعيدة عن منطقتهم 

أحمد بدهشة : لكن امي ! تلك المدرسة بعيدة جداً عن بيتنا 
نجوى : نحن ايضاً سننتقل الى هناك خلال هذا الأسبوع 
أحمد بدهشة : ماذا ! الم تخبريني بأنك ولدّتِ وكبرتِ في هذا الحيّ؟
نجوى : نعم .. لكنك أهم بكثير من ذكريات حياتي , ولن أقبل ان يؤذيك أحد ولوّ بكلمة  
- وماذا عن عملك في معمل الخياطة ؟ 
- لا تخفّ انا خياطةٌ ماهرة , وسأجد عملاً في أيّ مكان نذهب اليه 
أحمد : أحبك امي
وحضنته بحنان
***

وبانتقالهما الى مكانٍ بعيد ومدرسةٍ جديدة , تعرّف عليه اصدقائه الجدّد على أنه يتيم الأب , وبأن نجوى الخياطة هي والدته .. وأكمل حياته بسلام الى ان وصل للجامعة ..

وفي إحدى الأيام .. واثناء جلوسه في ساحة الجامعة , جلست امرأة بجانبه وهي تنظر اليه بعينين امتلأتا بالدموع ونظرات الشوق !
- انت أحمد من العائلة الفلانية ؟
- نعم , من انت يا خالة ؟ 
فسكتت قليلاً , قبل ان تقول بتردّد : انا ريما .. امك الحقيقية 
- عفواً !
- ارجوك دعني أخبرك بالقصة كاملة , ثم قرّر ان كنت ستصدّقني ام لا 

واستمع أحمد اليها وهي تخبره : كيف قتلت والده المعتدي , وكيف حُبست ظلماً 20 سنة , وكيف لم تفي أمه نجوى (سجّانتها السابقة) بالوعد بإبقائها على إطلاع على احواله 
أحمد بارتباك : لا هذا غير صحيح ! 
ريما وهي تمسح دموعها : واجه نجوى بما قلته لك , لا أظنها ستنكر ذلك .. وهذا رقم جوالي , إتصل بي في حال إقتنعت بقصتي 

فتركها مُسرعاً الى بيته , لسؤال امه عن الخبر الذي هزّ كيانه ! وأصرّ على معرفة الحقيقة .. 
نجوى بغضب : اللعنة !! ما كان عليها الذهاب الى جامعتك 
أحمد بقلق : أهذا يعني ان ما قالته صحيحاً ؟!
فتنهّدت بضيق : تعال إجلس بجانبي , فقد أصبحت شاباً ناضجاً لمعرفة أحداث القصة

وبعد تردّدٍ منها وإلحاحٌ كبيرٌ منه , أخبرته بكل شيء .. 
فالتزم أحمد الصمت والدموع في عينيه
نجوى بقلق : أحمد ! قلّ شيئاً بنيّ
- وماذا عسايّ ان أقول يا خالة 
نجوى بدهشة وحزن : خالة !
- نعم .. انت من اليوم خالتي نجوى 

وخرج من البيت حزيناً مكسوراً , تاركاً نجوى تبكي بقهر بعد أن أحسّت بخسارة ابنها التي ربّته بكل حبٍ وتفانيٍ لعشرين عاماً
***

مرّ شهران .. رفض فيهما أحمد رؤية نجوى او الكلام معها بالجوال 

الى ان أتى يوم تفاجأت فيه , بقدوم ريما الى بيتها..
- أنت ! كيف عرفت عنوان منزلي ؟
ريما : سألت صديق أحمد في الجامعة , ودلّني عليه .. رجاءً اريد الكلام معك بشأن ابني

وبعد ان دخلت.. لامتها نجوى بعصبية :
- كان عليك القدوم إليّ اولاً قبل مُفاتحة أحمد بالموضوع .. هآقد دمّرتي كل شيء قبل اسابيع من تخرّجه الجامعي
ريما بحزن : لم استطع الإنتظار اكثر .. أردّت رؤيته فور إطلاقهم سراحي , لكني بقيت شهوراً أبحث عن عنوانكم الجديد .. فأنت خنتي الوعد واختطفتي ابني !! وتركتني أموت بحسرتي في السجن 
- كان عليّ فعل ذلك لأحميه من ماضيك الأسود .. ثم انا ربّيته أحسن تربية , وعلّمته بأفضل المدارس والجامعات

ريما بغضب : كلّ هذا لا يعطيك الحقّ ان تحرمينني منه 
- دعك من هذا الكلام واخبريني , ماذا تريدين مني الآن ؟
- اريده ان يكلّمني , فهو يرفض الحديث معي
نجوى بعصبية : وبسببك يرفض الحديث معي ايضاً ..فهل ارتحتي الآن بعد ان دمّرتي ثقته بعائلته ؟ 
فتصرخ ريما غاضبةً : انا هي عائلته الوحيدة !!
- لا يهم الآن .. برأيّ ان تتركيه لحين انتهاء الجامعة  

ريما : وكم سيحتاج الى ان يتخرّج من جامعته ؟
- بقيّ اسبوعين على انتهاء الإمتحانات النهائية , ويتخرّج من قسم التجارة
فسكتت ريما قليلاً , ثم قالت : 
- انا سعيدة وفخورة بأن ابني جامعيّ .. ولا أنكر فضلك في تربيته وتعليمه , لكني حزينة لأنني لم أقدّم له سوى العار
وصارت تبكي..
- اهدئي يا ريما , سأجلب لك شيئاً تشربينه

وعندما عادت نجوى من المطبخ لم تجدها بالصالة , وسمعت بكائها قادماً من غرفته .. وحين فتحت الباب , وجدتها تبكي فوق سريره وهي تحمل صورته .. فاقتربت منها وهي تقول : 
- أعتذر منك 
ريما بحزن : لقد بحثت عنه كثيراً , لأني أعرف انه مازال محتفظاً بهويّة عائلته المزيفة التي أعطته إيّاها ادارة السجن .. وبعد ان تملّكني اليأس , نصحني أحدهم بالبحث عنه في الجامعات .. وهناك وجدّته  
- ريما , انا كنت.. 

ريما مقاطعة بغضب : كنت تعلمين جيداً بأنني خسرت أهلي وكل الناس ولم يبقى لي سوى احمد أعيش لأجله .. وبإختفائكما , خلعتي قلبي من بين ضلوعي ! فهو ابني بالنهاية , ولا يحقّ لك ان تُبعديه عني !!
- معك حق , انا آسفة .. لكن يشهد الله اني أحببته كإبني الحقيقي , وخفت ان يعرف بأمرك فتسوء حالته النفسيّة
- ومالعمل الآن سيدة نجوى ؟ اريد مكالمته من جديد , فقلبي يتفطّر من الشوق اليه  
فهزّت نجوى برأسها بحزن , وهي لا تدري مالعمل !
***

في يوم التخرّج ..
دخلت نجوى بسعادة الى القاعة , بعد ان ارسل لها أحمد بطاقة لحضور حفل تخرّجه .. 
وتمّتمت في نفسها بفرح :
((أصيل يا أحمد , لم تُضعّ تربيتي فيك))

وبعد جلوسها بقليل , تفاجأت بريما تجلس بجانبها بطقمها الرسمي!
نجوى بدهشة : انت ! كيف دخلتي الى هنا ؟
ريما وهي تلوّح بالبطاقة بفخر : إبني أرسلها لي البارحة 
نجوى باستغراب : وانا ايضاً ! تُرى مالذي يحصل ؟!

وهنا اقترب أحمد منهما بلباس تخرّجه , قائلاً :
- لقد أعطونا مقعدين للأم والأب ..وبما انه ليس لديّ أب , فأعطيته لكما 
نجوى بفخر : إبني حبيبي
ريما بعصبية : بل ابني انا !!
فابتسم لهما : رجاءً لا تتشاجرا , كيّ لا تلفتا أنظار اصدقائي  
فاعتذرتا له ..
ثم قال لهما :
- فكّرت كثيراً في الفترة الماضية.. وأقتنعت بأن الله عوّضني بدل الأب بوالدتين حنونتين ..أمٌ أنجبتني , وأمٌ ربّتني .. 

وهنا ارتفع صوت الموسيقى بدخول لجنة الأساتذة الى القاعة .. 
فقال لهما :
- عن أذنكما , سيبدأ الحفل ..لا تنسيا ان تصفّقا لي حين استلام شهادتي
ريما ونجوى بحماسٍ وفخر : بالطبع سنفعل !! 

وما ان أذاعوا اسمه , حتى وقفتا تصفّقان وتصفّران له بعلوّ صوتهما 
ريما : هذا ابني البطل !!
نجوى : إبني أحمد , حبيبي !!
والأهالي تنظر اليهما باستغراب ! بينما كان أحمد يلوّح لهما بشهادته بفخر من فوق المسرح
***

بعد الحفل , ذهب ثلاثتهم الى المطعم للإحتفال .. وجلسوا ساعاتٍ طويلة يتحدّثون عن الماضي .. وأحمد جالسٌ بينهما , وهو سعيد باهتمامهما المبالغ فيه ! حيث كانتا تتناوبان على إطعامه كطفلٍ صغير .. 
حينها مازحهما قائلاً :
- أعان الله زوجتي المستقبلية , ستكون لديها حماتين قويتين 
نجوى : هذا صحيح .. وانا سأتكفّل بتعذيبها نهاراً
ريما : وانا مساءً
أحمد : جيد , هكذا ضمنت إنتحار زوجتي المسكينة 
وضحكوا بسعادة .. 

وأمضت ريما ونجوى سهرةً ممتعة , تُبشّر بأيامٍ جميلة قادمة برفقة أبنهما الحنون البارّ  

الأحد، 3 فبراير 2019

طفل الجحيم

تأليف : امل شانوحة


إنقذوني من عائلتي !!

من خلف نافذة غرفة المعلمين وقف الأستاذ أحمد يراقب الطلاّب اثناء دخولهم الى ساحة الملعب مع بداية العام الدراسيّ 

واثناء إرتشافه للقهوة الصباحية , لاحظ ولداً صغيراً يمشي بخوف بين الطلاّب ! حيث جلس بعيداً عنهم وهو يحاول كبت دموعه بصعوبة 

ورغم وجود الأستاذ في الطابق الثاني الا ان عينيه تسمّرتا على ذلك الولد الذي يبدو الرعب واضحاً من إلتفاتاته المرتبكة والمتكرّرة لكلّ من يمرّ بجانبه , وكان أكثر من الخوف المعتاد لطلاّب السنة الأولى !  

ثم رنّ الجرس .. وبدأ الطلاب يصطفّون بطوابيرهم , بينما تجمّد الولد في مكانه دون ان يعلم وجهته ! 
فنزل الأستاذ أحمد اليه , وسأله :
- هل انت بالصفّ الأول ؟
فأجابه الولد بعينين دامعتين : نعم
- اذاً تعال وقف في هذا الصفّ 

ووقف وحيداً بآخر الصفّ , لكن الأستاذ أخذه من يده وأوقفه في المقدمة.. قائلاً : 
- فقط الأولاد طويلي القامة يقفون بالخلف .. ما اسمك ؟
الولد : ماجد 
ثم قال الأستاذ لطالبٍ الآخر : مروان , سيكون ماجد صديقك منذ اليوم وسيجلس بجانبك 
مروان : حاضر استاذ
وابتسم ماجد ابتسامةٍ حزينة بعد إيجاده لصديق 
***

والتقى ثانيةً مع الطفل ماجد في الحصة الثالثة .. لكنه ما زال شارد الذهن , بينما صديقه مروان منشغلاً بالحديث مع الآخرين 

وبدأت الحصة وماجد هائمٌ بأفكاره بعيداً عن جوّ الدراسة .. وكل ما ناداه الأستاذ , ينتفض مرتعباً ! ممّا أضحك اصدقائه عليه .. 
لذلك تركه الأستاذ أحمد على راحته , لحين انتهاء الدرس ومعرفة مشكلته 
***

رنّ الجرس وانطلق الأولاد للملعب لتناول غدائهم , وبقيّ ماجد لوحده في الصفّ .. فجلس الأستاذ بجانبه وسأله :
- لما لم تنزل معهم الى الملعب ؟
ماجد : وماذا أفعل هناك ؟
الأستاذ أحمد : تأكل طعامك , ألست جائعاً ؟ 
- بلى , لكن ليس معي مال
- الم يعطوك أهلك المصروف ؟
ماجد بحزن : انا لا أهل لي
- هل والداك متوفيان ؟
الولد بغضب : امي توفيت الصيف الفائت .. ليت والدي مات مكانها !! 

وخرج باكياً من الصف , تاركاً الأستاذ في حيرة .. فكيف لصبي في السابعة ان يكره والده لهذه الدرجة ؟!
***

لاحقاً , أرسل الأستاذ طعاماً لماجد .. وشاهده من بعيد وهو يأكله بنهمّ والدموع على خدّيه !
*** 

مرّ شهران .. ومازال ماجد لم يندمج مع اصدقائه , ولم يشارك مع الأساتذة بالصف الذين بدأوا يعاقبونه على إهماله بكتابة واجباته 
وتطوّع الأستاذ أحمد للكلام معه , وفهم المشكلة.. 

وحين سأله جانباً عن عدم المذاكرة , أجابه ماجد بعينين زائغتين :
- انا لا آتي الى هنا لأتعلّم 
- اذاً لماذا تأتي الى المدرسة ؟
الولد بقهر : لكيّ تبقى زوجة ابي مع اصدقائها لوحدهم في المنزل , لذلك تُرسلني بعيداً 
- وماذا عن والدك ؟
فأجاب بعصبية : ابي لا يأتي الا مساءً , وأتمنى ان لا يعود ابداً !! 
الأستاذ : هل يضربك ؟
- ليت هذا فحسب 
الأستاذ بقلق : وماذا يفعل ايضاً ؟
- ممنوع عليّ التكلّم مع أحد , لذا رجاءً دعني وشأني

وركض مبتعداً عنه , ممّا زوّد من شكوك الأستاذ الذي أصرّ على فكّ لغز الصبي الغامض .. 

فذهب الى مكتب الإدارة وبحث عن ملفّه .. ثم اتصل على رقم منزله , لتردّ عليه امرأة :
- نعم , انا زوجة والده .. فماذا فعل هذا الشقيّ ؟
- لم يفعل شيئاً مطلقاً , بل هو هادىء بشكلٍ مريب .. وانا اريد  التحدّث مع والده بهذا الشأن , فهل تعطيني رقم جواله ؟
فأجابت : لا طبعاً !! والده لا يعلم انني أرسله الى المدرسة , وإن علِم سيعاقبني انا ايضاً ..
الأستاذ أحمد : أفهم من كلامك انه يضرب ابنه بقسوة , اليس كذلك؟
- إسمع يا أستاذ !! انا أرسلت ماجد اليكم لأتنفّس قليلاً وآخذ راحتي في منزلي , لذلك لا يهمّني او يهمّ والده نجاحه او رسوبه  
الأستاذ بعصبية : لكن هذا لا يجوز !! الا يهمّكم مصيره ؟
فأجابت بلؤم : مصيره حتماً كوالدته .. المهم ان تبقوه عندكم في الفترات الصباحية , وهذا كل شيء .. 
واغلقت الهاتف ..

فقال الأستاذ في نفسه بدهشة : ((يا الهي ! كيف تتمنّى له الموت كأمه وهو مازال صغيراً ؟ أعانك الله يا ماجد على عائلتك عديميّ الرحمة))  
***

وفي اليوم الثاني ..وأثناء إنشغال الطلاب بتناول غداءهم بالملعب , أخذه استاذ أحمد الى صفّه الفارغ , وسأله : 
- ماجد , إخبرني الصدق ..هل تعذّبك زوجة والدك ؟
فطأطا الصغير رأسه وهو يتنّهد بضيق .. 
فألحّ الأستاذ بالسؤال :
- بنيّ إخبرني ولا تخفّ
وبعد ان مسح دموعه , قال : 
- هي لا تخيفني بقدر والدي
- وهل يضربك والدك كثيراً ؟
- هو وعدني ان لا يؤذيني في حال وجد الطفل العاشر 
- لم أفهم ! 
فأكمل الولد قائلاً بخوف : لكن إن لم يجده , فسيضحّي بي لإكمال شروط العقد 
- عن ماذا تتكلّم يا ماجد ؟ انا لا أفهم شيئاً ! 
- ارجوك استاذ لا تجبرني على بوح السرّ والاّ قتلني 
وصار يبكي بقهر ..
فحضنه الأستاذ , ليشعر برجفاته الخائفة !
- يا الهي , ماذا يفعلون بك بنيّ ؟!

لكن الصبي أبعده عنه وخرج مسرعاً من الصفّ , ليبكي وحده في إحدى زوايا الملعب !

بينما توجّه الأستاذ للمدير قائلاً :  
- هناك أمرٌ مُقلق بشأن الصبي ماجد , وأريد ان أعرف كل شيءٍ عنه , وأحتاج مساعدتك 
فأومأ المدير برأسه إيجاباً
***

بعد يومين .. تفاجأ الجميع بقفز ماجد على استاذ الرياضة وضربه بعنف , والذي قام بإرساله الى المدير لمعاقبته على تصرّفه الغير مقبول 
لكن استاذ أحمد تدخّل وطلب من المدير السماح له بمكالمة الصبي قبل العقاب .. 

ودخل الى غرفة الإدارة ليجد ماجد يتنفس بغضب وكأنه مستعد للعراك ! ففاجأه الأستاذ بحضنٍ حنون , خفّف كثيراً من إنفعاله .. 
وبعد ان هدأ , سأله : 
- لما ضربت استاذك يا ماجد ؟
- لأنه يُجبرني على لبس البنطال القصير 
الأستاذ أحمد : هذا ضروري في حصّة الرياضة 
- وانا لا اريدهم ان يروا قدمي 
الأستاذ باستغراب : لماذا ؟ ..هيا ماجد يمكنك إخباري 

فرفع بنطاله قليلاً , ليرى الأستاذ كدمات وجروح وخربشات على طول قدميه 
- يا الهي ! هل والدك فعل ذلك ؟
فهزّ الصبي رأسه إيجاباً بحزن ..
- وماذا فعلت ليضربك بهذا العنف ؟
الولد : لأنني قاومته حين أراد سحب دمائي 
- وهل أراد دمك لفحوصاتٍ طبّية ؟
الولد بتردّد : لا , بل لأجل ...
- لأجل ماذا ؟ .. تكلّم بنيّ !!

وفجأة ! أصبحت نظراته أكثر حدّية , وتغير صوته الى صوت رجلٍ أجشّ: 
- لأجلي انا !! 
الأستاذ بعد ان أخافه الصوت الرجولي : ومن انت ؟!

فإذّ بالصبي يُطبق كلتا يديه حول عنق الأستاذ , ويضغط بقوة تُشابه قوة الرجال ! حتى كاد الأستاذ يموت إختناقاً .. 
ثم همس الصبي في أذنه بصوتٍ يثير الرعب :
- دمّ ماجد ضمانة بأن والده سينفّذ العقد الذي بيننا
فسأله الأستاذ بصوتٍ مخنوق : من انت ؟!! وأيّ عقد ؟
فأجاب الصبي بصوتٍ جهوريّ مخيف : 
- انا الشيطان !!! .. إبتعد عن ماجد والاّ أذيت هدى ورامي

وما ان سمع الأستاذ ذلك , حتى انتفض مُبتعداً عن أيدي الصبي ..وهو يسأله بخوف : 
- كيف عرفت بأسماء ابنائي ؟!
الصبي مبتسماً إبتسامةٍ مخيفة : انا أعرف كل شيء ..انا ملك الأرض ..وملك جهنم .. (ثم صرخ) ..انا الشيطان الأعظم !!!!

وأدرك الأستاذ بأن مخلوقاً مرعباً يسكن جسد الصغير , فقال بخوف :
- اريد التكلّم مع ماجد
- ماجد لا يملك خياراً آخر , فقد باع والده جسده لنا منذ ولادته .. ..ومصيره ان يكبر ضمن عائلةٍ تعبدني .. وأنصحك بأن لا تعترض طريقنا , والا سنؤذي ابناءك .. هل فهمت ؟!!

وفجأة ! سقط ماجد على الأرض وهو يبكي وينوح , ويمسك بقدم استاذه:
- ارجوك ساعدني , لم أعدّ أحتمل كل هذا الرعب .. أخاف ان يحصل معي مثل ما حصل مع امي
الأستاذ بقلق : وماذا حصل لها ؟ 
- والدي أجبرني على حضور حفلتهم , ورأيته يذبحها ويوزّع دمائها على رفاقه .. 
الأستاذ بفزع : قتلها ؟! هل انت متأكّد انه لم يكن كابوساً ؟

فخلع ماجد حذائه وجوربه وهو يقول باكياً : 
- أنظر بنفسك !! لقد قطعوا أصابعي الثلاثة قبل شهر من دخولي المدرسة .. ارجوك استاذ إبعدني عن ذلك الجحيم , فأنا لا اريد العودة الى بيتي بعد اليوم

فتضاربت الأفكار في رأس الأستاذ .. فهو من جهة : يريد إنقاذ الولد .. ومن جهةٍ أخرى : تهديدات الشيطان بايذاء طفليه أرعبته كثيراً .. ثم هل ستقبل زوجته عيشه معهم , مع وجود إحتمال ان يتأذّى اطفالها من مخلوقات العالم الآخر او من عائلته المريبة ؟ ..وهل ستصدّقه الشرطة في حال أبلغهم بالأمر ؟ 
***

وبنهاية الدوام .. جلس الأستاذ محتاراً في سيارته وهو يراقب الصبي من بعيد .. 

وبعد قليل ..رأى سيارة تقودها امرأة بهيئتها القوطية (عبّاد الشياطين) تنادي عليه للإسراع بالركوب .. بينما كان ماجد يتلفّت حوله , وكأنه يبحث عن استاذه الذي وعد بإنقاذه .. 

وهنا لم يشعر أحمد بنفسه الا وهو يطلق بوق سيارته , ملوّحاً لماجد بالإسراع نحوه .. لينطلق الصغير فرحاً اتجاهه ويركب السيارة التي إنطلقت بسرعةٍ لم تستطع معها زوجة الأب اللحاق بهما 
***

بعد نصف ساعة .. نظر الأستاذ في مرآة سيارته قائلاً : 
- وأخيراً أضعنا تلك الملعونة العنيدة 
فقال ماجد من المقاعد الخلفية : شكراً استاذ لأنك أنقذتني منهم
الأستاذ بقلق : أصدقني القول بنيّ .. هل قتل والدك أحداً غير امك؟ 
- كل ما أعلمه انه قتل تسعة اطفال حتى الآن ؟ معظمهم من اولاد الشوارع 
الأستاذ برعب : أتقول الحقيقة ؟!

الولد بحزن : نعم , فقد كان شرط الشيطان في العقد : ان يجلب له دماء عشرة اطفال قبل اكتمال بدر هذا الشهر , لكيّ يعيش والدي وزوجته في عالمهم .. وهو يحاول منذ فترة خطف الولد العاشر .. وأخبرني إن لم يجده , سأحلّ مكانه .. وهذا ما أخبر به امي التي إعترضت , فقتلها .. بينما تشجّعه زوجته دائماً على فعل ذلك , خوفاً عليه من الشرطة التي بدأت تشكّ فيه 
الأستاذ بغضب: يا الهي ! هذا كثيرٌ على ولدٍ في السابعة .. يجب إبلاغ الشرطة حالاً عن ذلك المجرم !!
الولد وهو يرتجف بخوف : لا استاذ ارجوك ! سيقتلنا جميعاً ان فعلت !! 
- حسناً اهدأ ..سأحلّ مشكلة والدك لاحقاً , عليّ الآن إبعادك عن المدينة 
- والى اين نذهب ؟
- الى بيت والدي في القرية المجاورة , هو شيخ متدين وسيحميك من شياطينهم
***

وعصراً .. إستقبلهما والده العجوز بعد ان أخبره بالجوال عن قصته .. 
فقال الأب لأبنه : إذهب يا احمد الى عائلتك قبل ان تُشغل بالهم , وانا سأهتم بالصغير
الأستاذ : هو لم يأكل شيئاً منذ الصباح
- لا تقلق بنيّ , زوجتي ستهتم به .. وانا سأظلّ أقرأ عليه , الى ان أخلّصه بإذن الله من عفاريته الملاعين
***

وبعد ان أكل ماجد طعامه لأول مرة بنهمٍ وشهيّة , نام مِلء جفونه في الصالة أثناء تلاوة الشيخ عليه آياتٍ ضدّ السحر ..

وقبل ان يختم السورة , إستفاق ماجد فجأة ! ليلاحظ الشيخ تغيّر عينيه الى عينيّ قطة , صارخاً بصوت رجلٍ أجشّ :
- أسكت يا رجل !! القرآن يحرقني ! 
العجوز بلا مبالاة : أعلم هذا 

وتابع القراءة , ليعود ويقاطعه : 
- والى اين تريدني ان أذهب ؟ فهذا بيتي منذ ولادته 
الشيخ بحزم : ستذهب الى الجحيم حيث تنتمي , لا يهمّني أمرك .. أخرج , والا سأتابع القراءة الى ان تحترق تماماً
- لحظة ! دعنا نتفق اولاً 
- على ماذا ؟

فقال الصوت : ماجد ليس صبياً عادياً , بل يمكنك بواسطته إخراج الذهب والكنوز ..كل ما عليك فعله , هو سحب دمه .. وسكبه لاحقاً في مكانٍ مهجور , سواءً قبر او وادي او غابةٍ مهملة .. ثم تكفر بالله ثلاثاً وتمجّد ابليس , ليخرج لك الذهب الذي تريده
العجوز بغضب : خسئت ايها الشيطان !! امّا ان تخرج من جسده , او أحرقك .. لا حلّ ثالث لديّ !!

وظلّ الشيخ يقرأ ويقرأ , الى ان صرخ ماجد صرخةً عالية !!! وسقط بعدها على فراشه نائماً , ليظهر شخيره المتعب وكأنه ينام لأول مرة في حياته ! 
بينما استلقى العجوز على الفراش الآخر , بعد ان أتعبه إخراج الشيطان من الصبي .. 

لكن ما لا يعلمه ان زوجته الصبية (القرويّة الجاهلة) سمعت حوارهما السابق !
*** 

وظلّت تفكّر طوال الليل بالذهب الذي تستطيع الحصول عليه بواسطة الطفل ..واستغلّت نومهما , لتقترب من الصبي وهي تحمل حقنةً فارغة .. لكنها تردّدت بسحب الدماء , خوفاً من بكائه وإيقاظ زوجها الذي سيطلقها في حال عرِفَ بنيّتها 

فردّدت في نفسها قائلة : ((ايها الشيطان الذي كنت في جسّد هذا الصغير , إن كنت تسمعني , فساعدني في الحصول على دمه دون ان يلاحظا فعلتي))
وارتعدت فرائصها حين سمعت رجلاً يهمس مباشرةً في أذنها :  
- إفعلي ذلك , ولن يشعرا بشيء

وبالفعل سحبت الدم من ذراع الصبي الذي تجمّد في فراشه دون حراك ! وكذلك زوجها الذي توقف شخيره فجأة 
***

ثم أسرعت نحو الأحراش القريبة من منزلها , متوجهةً نحو بئرٍ مهجور .. والذي نطقت امامه بكلامات الكفر , قبل ان تُفرغ الدماء بداخله 

وما ان فعلت ذلك .. حتى ظهر خلفها رجلٌ وامراة , كأنما ظهرا من العدم ! سائلاً الرجل بغضب :
- اين ابني ماجد ؟!!
زوجة الشيخ : آه انت والده , وهذه زوجتك !
- نعم , فنحن نستطيع تتبّع رائحة دماء ابني .. والآن أجيبي بسرعة !! اين خطفتم ابني ؟!!
فأجابت : هو في بيتي خلف الأحراش .. أقصد , ابن زوجي الأستاذ جلبه الينا هذا العصر .. ستجدانه نائماً في الصالة
وبينما كانت تدلّهما على البيت , إختفيا فجأة من خلفها ! 

ثم ظهر صوتٌ عميق من داخل البئر المهجور يقول لها : 
- أحسنت !! انت تستحقين مكافأة .. هيا إسحبي الدلو 
وحين حاولت سحبه وجدته ثقيلاً , فابتسمت بحماس : 
- يبدو ان فيه الكثير من الذهب !!

فعادت لتسحبه بكل ما أوتيت من قوة , لكن شيئاً ضخماً سحبها الى الداخل لتختفي صرخاتها في المياه المُوحلة داخل البئر ! 
***

اما الشيخ فقد استفاق صباحاً , ليجد مكتوباً بالدماء على حائط : 
((لوّ لم تكن مُحصّناً بالأدعية , لأخذناك معنا الى الجحيم))

فبحث فِزعاً بكل غرف بيته , لكنه لم يجد الصبي او عروسته الصبية التي تمّ إكتشاف جثتها في البئر بعد يومين من اختفائها
***

اما الأستاذ أحمد وعائلته , وأثناء ذهابهم للقرية لتقديم واجب العزاء في موت زوجة ابيه .. إذّ فجأة يعترض طريقه طيف الصبي ماجد , ممّا جعله ينحرف بقوة , أدّت لانقلاب سيارته وموته مع عائلته 
***

امّا ماجد فلم يعدّ ثانية الى المدرسة , ممّا جعل المدير يُبلغ الشرطة بكل مخاوف المرحوم الأستاذ أحمد عن عائلة الصغير المشبوهة 
***

ولاحقاً ..إقتحمت الشرطة منزل الصبي الفارغ , لتجد في القبو بعض الرفات المحترقة وآثار دماءٍ داكنة .. وقد أثبتت نتائج الفحوصات المخبريّة بأنها تعود الى تسعة اطفالٍ مختطفين .. 
اما نتيجة الدماء الحديثة التي وجدوها في إحدى الغرف , فتعود لماجد !

وعلموا لاحقاً ان الوالد الحقيقي أُختطفت زوجته الحامل منذ سنوات والذي انفطر قلبه بعد ان علم بما عانته زوجته وابنه ماجد من ذلك الرجل المختلّ وزوجته القوطية اللذان عرّضوهما للكثير من الآلام التي لا يمكن لأحد ان يتحمّلها ! 

وبما ان المختطف إستطاع بالنهاية تنفيذ شروط العقد , فالإحتمال الأكبر انه يعيش الآن مع زوجته في عالم الجحيم مع الشياطين  

بينما يحلّق ماجد ورفاقه التسعة كطيورٍ في الجنة .. وربما هذا هو العزاء الوحيد لوالده الحقيقي الذي يبكي كل يوم عند قبر زوجته وابنه , بعد فقده للأمل الأخير بعودتهما الى بيته سالميّن !

للراغبين بالإنتحار

تأليف : امل شانوحة إستفدّ مادياً من موتك ! ((للراغبين بالإنتحار ..هل تريد كسب ثروة بموتك ؟.. إتصل بنا)) إعلان غريب وجده بيتر بالإن...