تأليف : امل شانوحة
البطل والعميل
عصر ذلك اليوم ، ارتفع هدير الطائرات الحربية التي كانت تحوم فوق المنطقة الجبلية .. مما ارعب السكّان الذين اعتادوا منذ بدء الحرب مع العدو (قبل شهرين) على قصفهم مخازن سلاح المقاومين والمرافق العامة والبنى التحتية فحسب !
ولكنها المرة الأولى التي تحلّق فيها فوق منطقةٍ سكنيّة محايدة ، مما جعل معظم السكّان ينزلون الى الشارع خوفاً من قصف مبانيهم ..
وكان ارعبهم ، عميلٌ متواطئ سارع الإتصال بمركزٍ عسكريّ للعدو :
- سيدي .. انا فلان الفلاني
- عرفتك من رقم جوالك .. ماذا تريد ؟
- طائراتكم تحلّق فوق المنطقة التي انتقلت اليها حديثاً .. وانتم اخبرتموني أنها بعيدة عن اماكن استهدافكم
- صحيح .. لكن قائد المناضلين يسكن بينكم الآن
- مستحيل ! اهالي المنطقة حريصون على عدم إدخال المقاومين او النازحين اليهم ، خصوصاً بعد استهدافكم المباني التي يسكنون فيها
- هل تُكذّب معلوماتي ؟!!
- لم اقصد ذلك ! أردّت فقط إمهالي بعض الوقت لإيجاده ، وطرده من هنا
- حسناً .. معك أقل من ساعة ، والا ستقصفون بشكلٍ عشوائيّ
وأغلق الضابط المكالمة .. ليسارع العميل الى الشارع وهو يحمل مكبّر الصوت :
- يا اهالي المنطقة الكرام !! الأعداء يؤكّدون وجود قائد المقاومين بيننا .. وان لم نطرده حالاً .. سيقصفوننا جميعاً !!
فدبّ الخوف في نفوس السكّان الذين طالبوا اصحاب الشقق بالنزول فوراً للشارع .. كباراً وصغاراً
^^^
وبغضون دقائق .. تمّ إفراغ عشر مبانِ من سكّانها (مُلّاك ومستأجرين) ليضجّ الشارع بما يقرُب الألف شخص .. بينما دقّق رئيس البلدية والعميل المُتخفي بوجوه الناس المتواجدة هناك ، لاكتشاف البطل المُندسّ بينهم
هنا تلقى العميل اتصالاً من العدو .. فابتعد عن الجموع ، مُتحدثاً بصوتٍ منخفض:
- نعم سيدي .. انا ابحث عنه بين السكّان الآن
- لقد انتهى وقتك
- لا سيدي ! احتاج ربع ساعة اضافية .. رجاءً !!
- الطائرات بحاجة لتزوّد بالوقود .. وعليها انهاء هدفها ، قبل عودتها الى ناقلة الطائرات
- ربع ساعة وسيتم طرد اللعين الى مكانٍ مكشوف خالي من المباني ، ليتم قصفه .. او اقوم بتصفيّته بنفسي
- لا تتأخر !!
وانتهت المكالمة
فعاد العميل للتحدّث بمكبّر الصوت :
- ليس لدينا وقت !! ليبحث السكّان الأصليّون عن الغرباء بيننا
فصار الجميع يبحث بين الجموع عن المتطفّل على منطقتهم .. الى ان اكتشفوا أن المرأة المشلولة على الكرسي المتحرك ، ماهي الا بطل المقاومة المتخفي بينهم !
فسارع العميل برفع مسدسه بوجهه :
- ايها الجبان !! أتختبئ داخل منطقة مكتظة بالسكّان على هيئة امرأة مُعاقة ؟ أتريد قتلنا جميعاً بذنبك وحقارتك ؟!!
البطل معاتباً : الآن اصبحت حقيراً ! الم أفنِ شبابي في مقاومة عدونا ، الى ان استرديّت المناطق المحتلّة منه ؟ والآن بعد استشهاد ابنائي الثلاثة ، ومقتل معظم التابعين لي .. وخسارتي منزلي وصحتي ، اصبحت عدواً لكم!!
العميل : تتكلّم وكأنك بطلٌ خارق ، وانت مُتخفِ بهيئة امرأة !
البطل : ليس جبناً .. لكني بحاجة لبضعة ايام لحين وصول الأسلحة الجديدة الينا ، لهذا توجّب عليّ الإختباء بمنطقةٍ محايدة .. كل ما اريده منكم ، هو إمهالي بعض الوقت لكيّ نفوز ..
شاب مقاطعاً بعصبية : مستحيل فوزنا عليهم !! صحيح ان رجالك بارعون بالحرب البرّية ، لكن العدو يقصفنا من الجو .. ويملك تقنية متطورة تخوّله معرفة المخابئ الموجودة بسابع ارض ..
رجل آخر : كلامه صحيح .. الحرب غير متكافئة بيننا ، ومن الأفضل تسليمك لهم قبل ان يسوء الوضع اكثر
عجوز : او تخرج طواعيةً من حينا ، قبل ان يقصفنا العدو !!
امرأة : نعم !! الطائرات فوقنا .. اخرج قبل موتنا جميعاً بسببك.. فالملاعين يهدمون المبنى بأكمله ، ان عثروا على أحد المطلوبين فيه!
البطل غاضباً : جميعكم خونة للوطن !! الا تعلمون انه بموتي سيجبرونكم على السلام معهم ؟
فردّ احد الشباب : السلام افضل من الحرب !!
البطل بعصبية : لا يا اغبياء !! بعد توقيع المعاهدة ، سيفتحون سفارتهم ببدلكم .. وسيلوّث سوّاحهم اراضيكم .. وسيغزون بضائعهم السامة اسواقكم .. انا آخر املٍ لكم بالتحرير والإستقلال
فردّ رجل : لا نريد استقلال !! نريد العيش بأمان .. وبسبب رجالك ، قُصفت الكهرباء والماء والمستشفيات.. اخرج من منطقتنا الآن !! فالعدو أعطانا مهلةً قليلة ، قبل تدميره كل شيء
العدو : وكيف تواصلتم معه ؟ اكيد بينكم عميل .. اقتلوه هو ، بدل اعدامكم لمن افنى حياته بالنضال والمقاومة ..
وقبل ان يكمل كلامه ، ارتجّ المكان بجدار الصوت !
فسارع الجميع بدفع البطل الى خارج منطقتهم ..رابطين ذراعيه بشجرةٍ في إسفل وادٍ جرد
ثم طلب رئيس البلدية من العميل (الوحيد الذي يعرف بخيانته) التواصل مع العدو ، وإخباره بنجاح المهمة
***
وبعد اغلاق ضابط العدو المكالمة مع العميل ، سأله الجندي :
- وماذا الآن سيدي ، هل نقتل البطل ؟
ضابط العدو بخبث : لا ، أقصفوا جميع مباني البلدة الجبلية
الجندي بدهشة : لكنهم نفذوا طلبك ، بطردهم المناضل !
- يا غبي !! ان قصفناهم بالكامل ، سينتشر الحدث بكل المناطق.. طبعاً بعد تحريفنا الحقيقة : عن رفض القائد الخروج من عندهم .. حينها سيصبح المقاومون مكروهين من مواطني دولتهم .. وبعد ان كانوا ابطالاً ، سيصبحون بنظرهم اعداءً متهوّرين .. بعدها يصبح توقيع معاهدة السلام امراً حتمياً .. هيا أخبر الطيارين بتنفيذ المهمة .. اريدهم أن يسوّوا المنطقة بالأرض
- وماذا بشأن قائد المقاومة ، هل نقصف الوادي المقيّد فيه ؟
الضابط : بل ارسل عميلاً آخر يقوم بتخديره ، ثم حقنه بشريحة تعقّب .. ثم اوهموه بتمكنه الفرار منا ، لكيّ يدلّنا على مخابئ المقاومين الذين لن يجدوا احداً يأويهم او يساعدهم بعد حادثة تدميرنا للمنطقة الجبلية .. وبذلك نضرب عصفورين بحجرٍ واحدة
- امرك سيدي !!
^^^
في هذا الوقت .. سقط الجوال من يد العميل المرتعب ، بعد رؤيته الطائرات تغطي سماء المنطقة ! بينما الجميع يصرخ بعلو صوته ، وهم يلوّحون للطائرات :
- طردنا البطل خارج مدينتنا !!
- انه بالوادي !!
- هم لا يسمعوننا !
- سيقصفوننا الآن .. اهربوا بسرعة !!!
وبثواني .. تدمرّت المدينة عن بكرة ابيها !
^^^
وما خطّط له العدو ، حصل .. فبعد جريمتهم النكراء ، استسلمت جميع مناطق الدولة المحتلة .. ليس هذا فحسب ، بل قام المواطنون باعتقال مقاومينهم الذين اعدموا بعضهم .. بينما سلّموا الآخرين طواعية ، كأسرى للعدو
***
وقبل انتهاء الشهر .. اجتمع المواطنون في الساحة ، بالموعد الذي حدّده العدو لرؤية رئيس بلدهم الخائن وهو يوقع اتفاقية السلام .. رافعين (الشعب المذلول) اعلام المحتلّ ، بعد ان ارهقتهم الحرب لأعوامٍ كثيرة
وبذلك سقطت آخر دولةٍ مقاومة ، امام المخطّط الضخم للعدو الماكر!






