السبت، 18 أبريل 2026

حبال السماء

تاليف : امل شانوحة 

عمّال النور


فجأة ! اختفت اصوات الباعة وخطوات المارّة من الشارع .. فنظرت الصبيّة الى حيث ينظرون بذهول .. فرأت حبالاً تنزل من السماء ، تتحرّك ببطء كأنها تبحث عن ارواحٍ مختارة ! 

بينما سكّان الطوابق العليا يحاولون إمساكها ، دون جدوى

وبغير وعيٍّ منها ، رفعت يدها .. لتسارع إحدى الحبال بالإلتفاف حول معصمها ، قبل سحبها بسرعةٍ مهولة نحو السماء .. وسط ذهول من حولها!


استيقظت الصبية مرتعبة ، وهي تقول :

- لا ! ليس ثانيةً


فهو حلمٌ تكرّر معها اكثر من مرة ، جعلها تبحث بالإنترنت عن معناه .. لتصلها اجابةٌ غامضة من احدى الجمعيات :

((طالما شاهدت حلم الحبال ، فأنت مُكلّفة بمهمّةٍ سامية.. إنضمّي الى جمعيّة عمّال النور ، لاكتشاف واجبك النبيل))

^^^


ولأن عنوان الجمعية في منطقتها ، توجهت اليهم .. لتعطيها رئيسة الجمعية ورقةً مطبوعة ، وهي تقول :

- صحيح اننا نعاني من البشر المُتشيّطنين ، لكن هناك ايضاً ملائكة بشريين يسمّون بعمّال النور .. وهم لا يعيشون حياةً روتينية كبقيّة البشر ، بل لديهم مهمّة رئيسية في الحياة ، قد تكون احدى المهام 12 


فقرأت الصبية المهام على عجل ، والتي تتضمّن : ((محاربة الجهل ، الشفاء الجسدي ، الدعم النفسي ، ارشاد ونصح الآخرين ، المساعدات المالية ، وقف النزاعات ، تعليم طرق تطوير الذات ، استخدام الفنون والكتابة لإلهام الناس ، التنظيف الطاقي ، تطهير الروح من الطاقات السلبية ، مقاومة الظلم بطرقٍ سلميّة ، ونشر الحب والرحمة))

فوقفت الصبية وهي تقول :

- لا ! انا فتاةٌ انطوائية ، ولا املك هذه الشروط .. وليس هناك اشرار في عائلتي .. ربما ما شاهدته ، كان اضغاث احلام


وخرجت على عجل ، دون سماع المزيد من اقول رئيسة الجمعية التي أخبرتها سكرتيرتها :

- جميع اعضائنا رفضوا ادوارهم في البداية ، لكن الدنيا علّمتهم : أن الله يختار اقوى جنوده لأصعب المهام.. لا تقلقي ، ستعود الينا لاحقاً

***


في الليلة التالية ، شاهدت المنام ذاته .. لكن هذه المرة ، رأت خالتها فوقها على الحبل وهي تحاول قطعه بالسكين 

فصرخت الصبية بفزع :

- لما تحاولين ايقاعي ، يا خالتي ؟!

فردّت بلؤم : لأنك العقبة الوحيدة امام شرّي !! 


استيقظت الصبية مُتعرّقة ، وهي تتذكّر مصائب الأقارب من طلاقاتٍ وقطيعة وفشلٍ متكرّر .. فتساءلت بقلق : 

- هل يُعقل أن تكون خالتي وراء كل ذلك ؟!

***


فذهبت لمواجهتها ، وإخبارها بمنامها المُتكرّر.. 

فكانت ردّة فعل خالتها غريبة ! فهي لم تنكر شيئاً ، ولم تعترض على شكوكها فيها ! بل اكتسى وجهها عبوساً مخيفاً ، كأنها تُخطط لشيءٍ ماكر  

ونظرتها الغامضة ، أشعرت الفتاة أنها قالت اكثر مما يجب ! فسارعت الخروج من منزلها ، قبل أن تُهان بالطرد المُذلّ 

^^^


بعدها اتصلت برئيسة الجمعية لإخبارها بما حصل ، فعاتبتها قائلةً :

- اخطأتي بمواجهتها .. الآن تأكّدت انك من عمّال النور ، وأصبحتي من أولويّاتها !

الصبية بخوف :

- وماذا عليّ فعله ؟

- ايّاكِ نسيان اذكار الصباح والمساء ، والمعوّذات كل يوم .. (ثم تنهّدت بقلق).. كان الله في عونك على مصائبك القادمة .. تحلّي بالصبر ، الى ان ينصرك الله عليها

***


ومنذ تلك اللحظة.. انهارت حياة الصبية خلال الشهور التالية ، من الناحية الصحية والنفسية والدراسية .. مع تكرار رفضها من رؤساء العمل ، دون تبرير ذلك .. وتراجع العرسان عن خطبتها باللحظة الأخيرة .. وانقلاب الأقارب عليها وقطيعتهم لها ، بسبب ترويجها لإشاعاتٍ لم تقلها ! عدا عن الحشرات التي انتشرت في منزلها دون سببٍ واضح .. والكوابيس التي زادت رعباً كل ليلة !


فحاولت إقناع نفسها ، بأنها مجرّد مصادفاتٍ نحسة .. لكن الشكوك في قلبها لم تهدأ يوماً ! 

والأسوء انه ليس لديها دليلٌ ملموس على امتهان خالتها السحر ، سوى الرؤى الواضحة التي شاهدتها عنها ! مع رفض الأقارب اتهامها بالشرّ ، خصوصاً لظهورها بهيئة المرأة الورعة الصالحة !

لهذا لم يكن امامها سوى متابعة نصيحة جدها (والد خالتها) بقراءة سورة الزلزلة كل ليلة اقل من عشر مرات ، بنيّة التخلّص من شرورها 


ومع زيادة المصائب ، لم تتحوّل الصبية إلى بطلةٍ خارقة.. لكنها واجهت قدرها بهدوءٍ وثباتٍ وإيمان ، رافضةً الإنكسار والهزيمة 

***


وبالفعل ، استيقظت بأحد الأيام على خبر نقل خالتها الى المستشفى بعد احتراق منزلها ! 

فسارعت بزيارتها ، لنصحها بالتوبة :

- رجاءً خالتي ، دعينا ننسى كل ما حصل سابقاً .. فأنت تعانين الآن من حروق الدنيا ، فكيف بعذاب الآخرة ؟ توبي الى الله ، قبل فوات الأوان

فأجابت الخالة باعترافٍ صادم:  

- كان نورك مزعجاً لي ، منذ صغرك.. لذا أطلقت عليك الإشاعات ، لتقليل قيمتك بين الأقارب .. وحاولت بقدراتي الخارقة إظهارك قبيحة بعيون العرسان ، ونجحت بحرمانك من الزواج والخِلفة .. وسعيت بكل طاقتي لعدم استفادتك من شهادتك بأيّةِ وظيفة .. 

الصبية بصدمة : ولما كل هذا الحقد ؟!

- لأن هناك من يكافئني على التخلّص من امثالك.. وكنت على وشك تدميرك، لولا منامك الذي ايقظك على مهمّتك بالتخلّص مني .. وهاهي ادعيتك ، نالت مني .. لكني قريباً سأفوز ب.. 


وقبل اكمال تهديدها الغاضب ، ارتفع رنين جهازها الذي أعلن اصابتها بسكتةٍ قلبية ، جعلت الأطباء يسارعون لصعقها كهربائياً .. ثم اعلان وفاتها ذلك الصباح

***


ظهراً ، توجهت الصبية مع بقية اقاربها للمقبرة .. ليتفاجأ الجميع بنارٍ تخرج من قبرها فور دفنها ! 

وكان بإمكان الصبية فضحها ، لكن بعض الذنوب يُفضّل كتمانها 


وبعد رحيل الجميع .. جلست الصبية امام قبرها ، تقول :

- سامحتك يا خالتي ، ليس لأنني ملاك .. بل كرهاً من اجتماعي معك في الآخرة ، يوم يلتقي الخصوم .. بالنهاية ربنا عادل ، وهو سيتكفّل بعقابك


ثم نظرت للسماء وهي تتساءل ان كانت سترى منام الحبل مجدداً .. فبعض المعارك تنتهي ، لكن أثرها يدوم طويلاً ! 


الخميس، 16 أبريل 2026

الحيلة التربوية

كتابة : امل شانوحة 

الحقيقة المؤجلة


تزوجت شابةٌ ثلاثينية من ارملٍ خمسينيّ ، لديه ثلاثة ابناء : مراهقان وصبيّ بالعاشرة.. ومع الوقت لاحظت اموراً لم تعجبها في تربية امهم الراحلة.. 

فالإبنة الكبرى : لم تكمل جامعتها ، بل فضّلت تصفّح جوالها بغرفتها معظم الوقت.. رافضةً عريساً تلوّ الآخر ، لعدم رغبتها بتحمّل المسؤولية ! 

ام الإبن الأوسط : فيعيد الثانوية بعد رسوبه فيها مرتيّن ، دون اكتراثه للشهادة العلميّة ! رغم تهديد الإدارة بطرده ان لم ينجح هذه السنة.. 

اما الإبن الأصغر : فمدلّل حدّ الإسراف ، بعد اعتياده على الشراء من البقالة بكمياتٍ تكفيه هو ورفاقه ، غير آبهٍ بمصروفه الذي يزداد كل يوم ! 


فحاولت زوجة ابيهم نصحهم للحدّ من استهتارهم بحياتهم وبأموال والدهم ، لكنهم لا يكترثون لها.. 

وجوابهم المعتاد : 

- انت لست والدتنا ، لتنصحينا .. ثم والدنا مدير مصنع ، وبإمكاننا الصرف كما يحلو لنا !

***


وذات يوم .. اراد الإبن الأكبر صورة عن هويّة والده ، لإكمال ملفّه الدراسيّ.. فأخبرته زوجة ابيه : بأنها لا تملكها ، وعليه الذهاب للمصنع للحصول على هويّة والده وتصويرها


فأخذ سيارة العائلة ، متوجهاً الى هناك.. وهي المرة الأولى التي يذهب فيها لمصنع والده ، المُخصّص لإطارات السيارات والشاحنات

^^^


وما إن تخطى بوّابة المصنع حتى استقبله أحد العمّال الذي قاده للداخل ، حيث الضوضاء تصمّ الآذان ، ورائحة المطّاط تملأ المكان..

وهناك في زاوية الورشة .. رأى رجلاً يطرق بمطرقةٍ ثقيلة على إطار شاحنةٍ ضخمة… ظهره محنيّ ، وملابسه مُبلّلة بالعرق..

احتاج لحظة ليدرك ، ان ذاك الرجل هو والده ! 


فرفع جواله بيدٍ مُرتجفة ، لتصوير عمله الشاق .. قبل ان يهمس العامل للأب ، عن زيارة ابنه المفاجئة ! ليسارع بمسح عرقه ، كأنه يحاول اخفاء تعبه .. ثم توجه نحو ابنه البكر ، وهو يسأله بقلق : 

- هل هناك خطبٌ ما بالمنزل ؟ هل زوجتي وإخوتك بخير ؟!

فاكتفى ابنه المرتبك ، بطلب هويّته التي اعطاها اياه.. 

^^^


عاد المراهق إلى البيت .. جامعاً إخوته وزوجة أبيه ، لعرض المشهد المصوّر عليهم 


اخته بصدمة : اخبرتني امي انه صاحب المصنع ، لا عامل فيها !

اخوها الأصغر وهو يشعر بالذنب :

- لم يعاتبني يوماً على شراء الحلويات لأصدقائي ، رغم تعبه بالحصول على اجرته ! لذا اعدكم ، ان لا أطلب منه أكثر من حاجتي

اخوهما المراهق بحزن : وانا كنت مُهملاً بدراستي ، ظناً بأن مستقبلي مضمون.. لكني سأهتم بدراستي ، الى حين تخرّجي من الجامعة .. ثم إيجاد عملٍ اساعد فيه والدي على مصروفنا الشهريّ

زوجة الأب : وانا بدوري سأخفّف فواتير المنزل ، مراعاةً لصحة والدكم

المراهقة بجدّية : اما انا !! فسأقبل بالعريس الأخير ، لتخفيف مسؤولية والدي اتجاهي

زوجة الأب : احسنتم جميعاً !! دعونا الآن ندخل للمطبخ ، لإعداد افضل وجبة غداء لوالدكم الحنون

الولد الصغير : كنت سابقاً سأقترح طلبيّة من المطعم .. لكن من اليوم ، لن اعترض على ايّ طعامٍ تطبخيه لنا .. يا امي


فتفاجأ الأخوان من مناداته زوجة ابيهما ، بأمه ! لكنهما يدركان ان والدهما سيسعد إن عاملا زوجته جيداً ..

***


ظهراً ، عاد الأب مرهقاً الى منزله .. ليتفاجأ بوجوهٍ تنتظره ، لا أبواب غرفٍ مُغلقة كعادتهم بعد وفاة امهم ! حيث اجتمعوا معاً على السفرة التي أعدّوها مع زوجة ابيهم التي عاملوها بكل احترامٍ امامه ، على غير عادتهم!


وبنهاية الغداء .. اخبرته ابنته بموافقتها على العريس الأخير .. مما افرح والدها ، كونه ابن صديقه.. 

كما وعده ابنه المراهق بتخرّجه هذا العام ، دون انشغاله بنزهاته السخيفة مع اصحابه الكسالى .. 

اما الصغير : فالتزم امام والده ، بعدم طلبه اكثر من مصروفٍ بسيط لمدرسته 

***


وبعد ذهاب كلاً منهم الى غرفته ..

استلقى الأب على سريره .. وقبل اخذ قيلولته المعتادة ، استدار ناحية زوجته لشكرها على اليوم الجميل :  

- لا اصدق ان خطتك نجحت بهذه الطريقة المُبهرة !

زوجته : حين طلب ابنك هويتك ، سارعت الإتصال بك .. وطلب نزولك للورشة مع العمّال ، لكيّ يعرف ابنك مقدار جهدك.. ومن الجيد انه صوّر تعبك ، وأراها لأخويه.. وبذلك انصلح الثلاثة في يومٍ واحد !

الأب مستفسراً : وكيف أقنعتهم بأنني لست صاحب المصنع ؟!

- حين سألوني عن ذلك ؟ اخبرتهم انك بعت حصتك لشريكك ، لدفع المصاريف الغالية لعلاج امهم المرحومة من السرطان.. ولكيّ لا تعلن افلاسك ، وافق شريكك على عملك داخل المصنع ، لتوفير مصروف اولادك

- يالها من فكرةٍ رائعة !

الزوجة : المهم ان لا تُخبر اولادك عن كذبتي البيضاء

- بالطبع لا !! فمن مصلحتي زواج ابنتي المدلّلة ، ونجاح ابني المهمل ، وتوقف صغيري عن هدر مصروفه على اصدقائه.. بالفعل كانت خطةً ذكية منك !


ثم نام قرير العين ، كأن حمل السنين خفّ عنه أخيراً ، بفضل ذكاء زوجته الجديدة ! 


الثلاثاء، 14 أبريل 2026

عروس المسيرة

تأليف : امل شانوحة 

بطلة المقاومة


في مدينة خيرسون الأوكرانية .. تعيش شابةٌ عشرينية مع والدها المشلول ، في منزلٍ أرضيّ لم تغادره رغم الحرب.


وفي صباحٍ بارد .. وقفت على الشرفة لنشر الغسيل ، حين لمحت طائرةً مسيّرة تحوم فوق منزلها ! فلم تشعر بالرعب بل رفعت إصبعيها بعلامة النصر ، كحركةٍ استفزازية للعدو 


في هذه اللحظة .. كان ضابطٌ روسيّ يمرّ بجانب غرفة المراقبة ، عندما لمح صورة الصبية المُلتقطة بطائرة درون 

فسأل الموظف (الذي يتحكّم بالطائرة الصغيرة) :

- من تكون ؟

الموظف : لا نعلم سيدي .. لكنها من السكّان القلائل الذين رفضوا ترك بلدتهم ، بعد احتلالنا لها .. لذلك اقوم بمعاينة منزلها ، قبل قصفه قريباً

الضابط بحزم : لا !! أجّل الموضوع بضعة ايام ، لكيّ اراقبها عن كثب


فظن الموظف الروسي أن ضابطه يشكّ بانضمامها للمقاومة الشعبية ، دون علمه بانغرامه بشكلها البريء وحركاتها العفوية.. حيث أصرّ الضابط بالأيام التالية على التحكّم بالمسيّرة بنفسه ، لمراقبة منزلها من جميع الزوايا: 

ليحصل على فيديو مصوّر اثناء جليها الصحون وهي تدنّدن الأناشيد الثورية ، واضعةً السمّاعات في اذنيها ، لحمايتهما من طنين المسيّرة المزعج .. كما رآها تعتني بوالدها العاجز ، مما زاد احترامه لها !

***


وبسبب تحليق طائرة درون طوال الوقت حول منزلها ، اعتادت الصبية شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تتحدث مع المسيّرة :

- كيف حالك اليوم ؟ هل قرّرت قصفنا ، ام مازلت متردّدة ؟

فانتبهت بأن مراوح الطائرة تتحرّك بشكلٍ تبدو كإجابات : نعم ولا !


ومن وقتها صارت تحاور الطائرة التي تجيبها بالنفي او الإيجاب ، كنوع من التواصل بين الضابط الروسي والصبية الأوكرانية التي اصبح مهووساً فيها !

***


وفي إحدى الليالي .. دخل موظف الحاسوب الى غرفة المراقبة ، ليجد الضابط مازال يراقب الصبية اثناء نومها (وهي تضع القطن بإذنيها من صوت الطائرة المزعج)

الموظف باستغراب : أمازلت تراقبها ؟!

لكن الضابط لم يجبه ، بل ظلّ يتابع الشاشة باهتمامٍ وتركيز ..

الموظف بقلق : أخاف ان اسألك ، ان كنت معجباً بتلك الأوكرانية؟! 

فوقف الضابط ، وهو يقول بجدّية : 

- إسمعني جيداً .. ارسل أمراً لفرقتنا البرّية بإحضارها اليّ ، دون ان يلمسها احد .. مفهوم !!

***


استيقظت الصبية في صباح اليوم التالي وهي مستلقية على سريرٍ حديدي ، يبدو مُخصّصاً لمعسكرٍ ما !

فنهضت مرتعبة ، بعد رؤيتها لزيّ الضابط الروسي وهو يدخل الغرفة ، قافلاً الباب خلفه !

- وأخيراً التقينا ، يا اميرتي العنيدة

فسألته بصدمة : لما خطفتموني ؟! انا لا علاقة لي بالحرب ، كما لديّ مسؤوليّات اتجاه والدي العاجز..

الضابط مقاطعاً بلؤم : والدك صار في مكانٍ افضل .. هذا ان كنت تؤمنين بالجنة ؟

الصبية بصدمة : ماذا ! هل قتلتموه يا ملاعيين ؟!!

- لن اسمح له بإهدار جمالك ، وانت تعتنين به.. (ثم جلس على الكرسي) .. كفاكِ بكاءً !! فهو كان جنرال اوكراني قبل اصابته بالشلل من رصاصة قناصنا المحترف

- كيف عرفت ؟! 

- اعرف كل شيءٍ عنك .. والآن دعيني انظر لعينيك الجميلتين ، فقد اشتقت لحديثنا سوياً 

- اشتقت ! هل كنت انت من تحاورني عبر المسيّرة ؟!

الضابط : نعم ، لأني معجبٌ بك

- هل جننت ؟! مستحيل ان أُغرم بعدوي .. فأنا وطنيّة ، ولن اخون بلدي ابداً !!

- عن ايّ بلدٍ تتكلّمين ؟ فمناطق أوكرانيا تسقط في ايدينا الواحدة تلوّ الأخرى .. وهذا جزاءٌ عادل لمن يتحدّى الإتحاد السويفيتي 


الصبية بعصبية : الإتحاد السوفيتي انتهى في عام 1991 !! وان كنت لا تتذكّر تاريخ دولتيّنا ، فدعني اعطيك ملخصاً بحروبنا القديمة معاً : فمدينة كييف التي تحاولون جاهداً السيطرة عليها ، هي اصل هويتنا الوطنية .. ومع ذلك اجبرتمونا على الخضوع للأمبراطورية الروسية ، متجاهلين لغتنا وثقافتنا .. وبسببكم حصلت مجاعة الهولودومور .. فأقمنا احتجاجات يورومايدان التي مكّنتنا من تغيير السلطة اخيراً .. والتي اعتبرتموها اهانة ، فقهرتم شعبنا بضمّكم شبه جزيرة قرم اليكم .. التي ادّت لاندلاع صراعاتٍ مسلحة في دونباس الأوكرانية.. وبسببها حصلت القطيعة بين الدولتيّن.. 

الضابط مقاطعاً بسخرية : دعيني أُكمل عنك درس التاريخ .. فلشدّة غبائكم بإدارة دولتكم ، اعلنت روسيا الحرب عليكم في فبراير 2022 ، لمنعكم من الإنضمام لحلف الناتو.. وكنا سنربح عليكم بعد تدميرنا البنى التحتية من كهرباءٍ وطاقة ، لولا تدخل اميركا واوروبا لدعمكم بالأسلحة ، وفرضهم العقوبات علينا .. ورغم اننا اصبحنا بشهر نوفمبر الآن ، الا اننا مازلنا متقدمين عليكم .. هآ يا معلمتي ..هل نجحت بالإمتحان ، ام نكمل حوارنا المملّ طوال اليوم ؟

فتمّتمت بحزن : حوارنا العقيم أشبه بمحاكمة بين ذاكرة شعبٍ ووهم جلاّد! 


لكنه لم يهتم لتعليقها ، ونهض عن كرسيه وهو يقول : 

- إتخذت قراراً نهائيّاً بشأنك !! ففور حصولي على اجازتي ، سأصطحبك الى مدينتي للزواج بك 

الصبية برعب : ماذا !

- لا اريد ايّ اعتراض !! والآن سأطلب من الجندي احضار الطعام لك ، ريثما أُنهي عملي بالإدارة .. ارتاحي قليلاً  


وذهب مرتاح البال الى مكتبه ، دون علمه بالنار التي تشتعل بقلب الصبية التي فكّرت طوال اليوم بطريقة للنيل من الأعداء

***


في الليلة التالية ، اجتمع معها على العشاء .. وحين حاول مسك يدها ، ابعدتها عنه باشمئزاز .. لتنتبه الى نظرته الغاضبة ، فسارعت بالقول:

- لم اقصد مضايقتك .. لكني وعدت والدي قبل موته ، ان لا يلمسني احد سوى زوجي.. فأنا فتاةٌ ريفية ، من عائلةٍ مسيحيةٍ متشدّدة 

- وهذا سيحصل قريباً ، بعد انتقالنا لبلدتي 

- اذاً رجاءً .. الى ذلك الحين ، لنبقى صديقيّن فحسب

- كما تشائين عزيزتي .. اساساً طلبت اجازتي باكراً ، وسنسافر معاً بعد يوم غد.. فتجهّزي يا عروس ..(ثم اقترب من وجهها ، بابتسامةٍ مستفزّة) .. ونصيحةٌ مني : لا تحاولي الهرب من المعسكر ثانيةً ، والا سيرنّ جهازك مجدداً  

 

وبعد خروجه من الغرفة .. قالت الصبية في نفسها بضيق ، وهي تنظر للجهاز المُعلّق حول قدمها : 

- لم يعد هناك وقت ! عليّ الإسراع بنقل المعلومات التي اكتشفتها (من تنصتها على الجنود) الى بلادي 


وهنا انتبهت بأن الضابط الروسي نسيّ حقيبة ظهره بزاوية الغرفة ! فسارعت بفتحها ، لتجد حاسوبه 

- هو سينشغل بعمله الإداريّ طوال الليل .. عليّ فك شيفرة حاسوبه سريعاً ، لإرسال ملفاته السرّية الى قيادة جيشنا البرّي 

***


بعد ساعات من العمل الدئوب على حاسوبه .. استطاعت الحصول على خريطة تمركز جنود الروس حول مدينتها خيرسون.. وارسلتها لقائد الجيش الأوكراني (صديق والدها) الذي اعتذر عن تحرير أسرها ، كونها في معسكرٍ شديد الحراسة 


وكما توقعت ! عرف الضابط الروسي بما حصل متأخراً ، بعد استعادة اوكرانيا لمدينة خيرسون بنوفمبر 2022 ! 


فدخل غاضباً الى الغرفة :

- سوف اقتلك ، ايتها الخائنة !! 

الصبية بشجاعة : لا يهم .. سأموت فداءً للوطن

- لا اصدق ان فتاةً ساذجة مثلك ، استطاعت اختراق حاسوبي !

الصبية بمكر : مالا تعرفه عني .. ان والدي علّمني كل شيء ، لأكون هاكر محترفة مثله 

الضابط بصدمة : اذاً انت مع المقاومة ؟! 

- جميع اهالي اوكرانيا الشرفاء ، مقاومين للروس المتغطرسين .. يا غبي !!

^^^ 


فسحبها من ذراعها بعنف الى خارج الغرفة ، وأوقفها امام سور المعسكر .. ثم رفع مسدسه في وجهها ، محاولاً اعدامها .. لكنه لم يستطع ، بعد إغرامه بها 


ليفاجأ بالنقيب الروسي ، يسحب المسدس من يده وهو يأمره بإدارة وجهه .. قبل ان يسقط الضابط على ركبيته ، بعد سماعه دويّ الرصاصة التي اخترقت رأس حبيبته 

جعلته يصرخ بعلوّ صوته :

- لما لا يمكننا الوثوق بالقرويين الملاعيين !!!.. لما يا ربي ؟!!

وانهار باكياً ، وسط صدمة الجنود في المعسكر الروسي البارد ! 


الأحد، 12 أبريل 2026

جزيرة القلوب النقية (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة 

حارس العالميّن


إنزوى قزمٌ صغير في زاوية غرفته وهو يبكي بقهر ، بعد عودته من المدرسة .. 

فدخلت امه تواسيه .. لتجده يقول بحزم :

- يوماً ما سيعيش الأقزام في عالمٍ خالي من التنمّر والسخرية

***


كبر القزم ليصبح اشهر ممثل هوليوود ، بدور الجني الطيب .. لكنه لم يبدّد ثروته ، بل ظلّ يجمعها الى ان تمكّن من شراء جزيرةٍ صغيرة بعرض المحيط .. 

وهناك بنى اكواخاً بحجمه .. ثم دعا من يشبهه للإنضمام اليه 


وسرعان ما اكتظّت جزيرته بالأقزام من كافة جنسيات العالم .. والذين انشغلوا بزراعة أرضهم واصطياد أسماكهم ، لصنع مجتمعٍ يليق بهم  

***


ومرّت سنوات على هذه الحال .. الى ان انجب زوجيّن منهم ، طفلاً بدى عادياً .. الا ان طوله لم يتوقف بمرور الأيام ! حتى اصبح عملاقاً في سن الشباب 


في البداية ارتعبوا منه .. لكن حسن تربية والديّه القزميّن ، جعلت الشاب خدوماً لمن حوله بكل احترامٍ وتواضع 

وفي المقابل ، تعاون الأقزام على خياطة ملابسه الضخمة .. والطبخ له بكمياتٍ كبيرة ، تُشبع معدته 


ومع الوقت تكفّل العملاق بأعمالهم الشاقة ، حامياً جزيرتهم من الأعاصير والمتطفلين ، حتى صار حارسهم الأمين 

***


كل هذا تغيّر بعد اقتراب سفينةً ضخمة الى شاطئهم ، مليئة بعمالقة العالم ! حيث أخبرهم قائدها : بأنه قلّد تجربتهم ، بشرائه الجزيرة المجاورة .. لكيّ يعيش العمالقة بسلام ، بعيداً عن التعليقات المسيئة للبشر العاديين 


هنا علم والدا الشاب انهما امام امتحانٍ صعب ، وأصرّا على ركوب ابنهما في تلك السفينة لبناء حياته بين أمثاله .. والزواج منهم ، وإنجاب ذريّةً تشبهه 

ورغم ان قلبه مقسوماً بين عالميّن ، الا انه وافق على ترك جزيرة الأقزام الذين ودّعوه بالدموع ، والدعاء له بحياةٍ سعيدة

***


بعد سنوات .. عاد العملاق بقاربه الخشبي ، برفقة طفليّه التوأمين (7 سنوات) المصابين بالقزم !

فاحتضن الجدّان حفيديهما بشوقٍ كبير ، بينما وجّه الإبن سؤالاً للأهالي :

- زوجتي لم تتحمّل اختلافهما ، فتخلّت عنهما .. واريدهما ان يكبرا بعالمٍ يشبهمهما .. فهل تقبلون عودتي كحارس جزيرتكم ؟


فرحّب الأقزام بعودته ، وأقاموا وليمةً ضخمة له ولولديّه اللذين اندمجا سريعاً مع الأهالي الودودين الذين يؤمنون بشعارهم الأبدي : 

((الأحجام لا تحدّد المصير ، بل سلامة القلوب النقية)) 


الجمعة، 10 أبريل 2026

السِلم والحرب

تأليف : امل شانوحة 

البطل والعميل


عصر ذلك اليوم ، ارتفع هدير الطائرات الحربية التي كانت تحوم فوق المنطقة الجبلية .. مما ارعب السكّان الذين اعتادوا منذ بدء الحرب مع العدو (قبل شهرين) على قصفهم مخازن سلاح المقاومين والمرافق العامة والبنى التحتية فحسب ! 


ولكنها المرة الأولى التي تحلّق فيها فوق منطقةٍ سكنيّة محايدة ، مما جعل معظم السكّان ينزلون الى الشارع خوفاً من قصف مبانيهم .. 

وكان ارعبهم ، عميلٌ متواطئ سارع الإتصال بمركزٍ عسكريّ للعدو :

- سيدي .. انا فلان الفلاني

- عرفتك من رقم جوالك .. ماذا تريد ؟

- طائراتكم تحلّق فوق المنطقة التي انتقلت اليها حديثاً .. وانتم اخبرتموني أنها بعيدة عن اماكن استهدافكم 

- صحيح .. لكن قائد المناضلين يسكن بينكم الآن 

- مستحيل ! اهالي المنطقة حريصون على عدم إدخال المقاومين او النازحين اليهم ، خصوصاً بعد استهدافكم المباني التي يسكنون فيها

- هل تُكذّب معلوماتي ؟!!

- لم اقصد ذلك ! أردّت فقط إمهالي بعض الوقت لإيجاده ، وطرده من هنا 

- حسناً .. معك أقل من ساعة ، والا ستقصفون بشكلٍ عشوائيّ


وأغلق الضابط المكالمة .. ليسارع العميل الى الشارع وهو يحمل مكبّر الصوت :

- يا اهالي المنطقة الكرام !! الأعداء يؤكّدون وجود قائد المقاومين بيننا .. وان لم نطرده حالاً .. سيقصفوننا جميعاً !!


فدبّ الخوف في نفوس السكّان الذين طالبوا اصحاب الشقق بالنزول فوراً للشارع .. كباراً وصغاراً

^^^ 


وبغضون دقائق .. تمّ إفراغ عشر مبانِ من سكّانها (مُلّاك ومستأجرين) ليضجّ الشارع بما يقرُب الألف شخص .. بينما دقّق رئيس البلدية والعميل المُتخفي بوجوه الناس المتواجدة هناك ، لاكتشاف البطل المُندسّ بينهم


هنا تلقى العميل اتصالاً من العدو .. فابتعد عن الجموع ، مُتحدثاً بصوتٍ منخفض:

- نعم سيدي .. انا ابحث عنه بين السكّان الآن

- لقد انتهى وقتك 

- لا سيدي ! احتاج ربع ساعة اضافية .. رجاءً !! 

- الطائرات بحاجة لتزوّد بالوقود .. وعليها انهاء هدفها ، قبل عودتها الى ناقلة الطائرات

- ربع ساعة وسيتم طرد اللعين الى مكانٍ مكشوف خالي من المباني ، ليتم قصفه .. او اقوم بتصفيّته بنفسي 

- لا تتأخر !!

وانتهت المكالمة


فعاد العميل للتحدّث بمكبّر الصوت : 

- ليس لدينا وقت !! ليبحث السكّان الأصليّون عن الغرباء بيننا 


فصار الجميع يبحث بين الجموع عن المتطفّل على منطقتهم .. الى ان اكتشفوا أن المرأة المشلولة على الكرسي المتحرك ، ماهي الا بطل المقاومة المتخفي بينهم ! 

فسارع العميل برفع مسدسه بوجهه :

- ايها الجبان !! أتختبئ داخل منطقة مكتظة بالسكّان على هيئة امرأة مُعاقة ؟ أتريد قتلنا جميعاً بذنبك وحقارتك ؟!!

البطل معاتباً : الآن اصبحت حقيراً ! الم أفنِ شبابي في مقاومة عدونا ، الى ان استرديّت المناطق المحتلّة منه ؟ والآن بعد استشهاد ابنائي الثلاثة ، ومقتل معظم التابعين لي .. وخسارتي منزلي وصحتي ، اصبحت عدواً لكم!!

العميل : تتكلّم وكأنك بطلٌ خارق ، وانت مُتخفِ بهيئة امرأة !

البطل : ليس جبناً .. لكني بحاجة لبضعة ايام لحين وصول الأسلحة الجديدة الينا ، لهذا توجّب عليّ الإختباء بمنطقةٍ محايدة .. كل ما اريده منكم ، هو إمهالي بعض الوقت لكيّ نفوز ..

شاب مقاطعاً بعصبية : مستحيل فوزنا عليهم !! صحيح ان رجالك بارعون بالحرب البرّية ، لكن العدو يقصفنا من الجو .. ويملك تقنية متطورة تخوّله معرفة المخابئ الموجودة بسابع ارض .. 

رجل آخر : كلامه صحيح .. الحرب غير متكافئة بيننا ، ومن الأفضل تسليمك لهم قبل ان يسوء الوضع اكثر

عجوز : او تخرج طواعيةً من حينا ، قبل ان يقصفنا العدو !! 

امرأة : نعم !! الطائرات فوقنا .. اخرج قبل موتنا جميعاً بسببك.. فالملاعين يهدمون المبنى بأكمله ، ان عثروا على أحد المطلوبين فيه!


البطل غاضباً : جميعكم خونة للوطن !! الا تعلمون انه بموتي سيجبرونكم على السلام معهم ؟ 

فردّ احد الشباب : السلام افضل من الحرب !!

البطل بعصبية : لا يا اغبياء !! بعد توقيع المعاهدة ، سيفتحون سفارتهم ببدلكم .. وسيلوّث سوّاحهم اراضيكم .. وسيغزون بضائعهم السامة اسواقكم .. انا آخر املٍ لكم بالتحرير والإستقلال

فردّ رجل : لا نريد استقلال !! نريد العيش بأمان .. وبسبب رجالك ، قُصفت الكهرباء والماء والمستشفيات.. اخرج من منطقتنا الآن !! فالعدو أعطانا مهلةً قليلة ، قبل تدميره كل شيء

العدو : وكيف تواصلتم معه ؟ اكيد بينكم عميل .. اقتلوه هو ، بدل اعدامكم لمن افنى حياته بالنضال والمقاومة ..


وقبل ان يكمل كلامه ، ارتجّ المكان بجدار الصوت ! 

فسارع الجميع بدفع البطل الى خارج منطقتهم ..رابطين ذراعيه بشجرةٍ في إسفل وادٍ جرد 

ثم طلب رئيس البلدية من العميل (الوحيد الذي يعرف بخيانته) التواصل مع العدو ، وإخباره بنجاح المهمة

***


وبعد اغلاق ضابط العدو المكالمة مع العميل ، سأله الجندي :

- وماذا الآن سيدي ، هل نقتل البطل ؟ 

ضابط العدو بخبث : لا ، أقصفوا جميع مباني البلدة الجبلية 

الجندي بدهشة : لكنهم نفذوا طلبك ، بطردهم المناضل !

- يا غبي !! ان قصفناهم بالكامل ، سينتشر الحدث بكل المناطق.. طبعاً بعد تحريفنا الحقيقة : عن رفض القائد الخروج من عندهم .. حينها سيصبح المقاومون مكروهين من مواطني دولتهم .. وبعد ان كانوا ابطالاً ، سيصبحون بنظرهم اعداءً متهوّرين .. بعدها يصبح توقيع معاهدة السلام امراً حتمياً .. هيا أخبر الطيارين بتنفيذ المهمة .. اريدهم أن يسوّوا المنطقة بالأرض 

- وماذا بشأن قائد المقاومة ، هل نقصف الوادي المقيّد فيه ؟

الضابط : بل ارسل عميلاً آخر يقوم بتخديره ، ثم حقنه بشريحة تعقّب .. ثم اوهموه بتمكنه الفرار منا ، لكيّ يدلّنا على مخابئ المقاومين الذين لن يجدوا احداً يأويهم او يساعدهم بعد حادثة تدميرنا للمنطقة الجبلية .. وبذلك نضرب عصفورين بحجرٍ واحدة

- امرك سيدي !!

^^^


في هذا الوقت .. سقط الجوال من يد العميل المرتعب ، بعد رؤيته الطائرات تغطي سماء المنطقة ! بينما الجميع يصرخ بعلو صوته ، وهم يلوّحون للطائرات :

- طردنا البطل خارج مدينتنا !! 

- انه بالوادي !!

- هم لا يسمعوننا ! 

- سيقصفوننا الآن .. اهربوا بسرعة !!!

وبثواني .. تدمرّت المدينة عن بكرة ابيها !

^^^


وما خطّط له العدو ، حصل .. فبعد جريمتهم النكراء ، استسلمت جميع مناطق الدولة المحتلة .. ليس هذا فحسب ، بل قام المواطنون باعتقال مقاومينهم الذين اعدموا بعضهم .. بينما سلّموا الآخرين طواعية ، كأسرى للعدو 

***


وقبل انتهاء الشهر .. اجتمع المواطنون في الساحة ، بالموعد الذي حدّده العدو لرؤية رئيس بلدهم الخائن وهو يوقع اتفاقية السلام .. رافعين (الشعب المذلول) اعلام المحتلّ ، بعد ان ارهقتهم الحرب لأعوامٍ كثيرة  

وبذلك سقطت آخر دولةٍ مقاومة ، امام المخطّط الضخم للعدو الماكر!


الأربعاء، 8 أبريل 2026

حب آلي

تأليف : امل شانوحة 

اسلاكٌ عاطفيّة


بعد انتهاء الزيارة الأولى للخطيب وعائلته في منزل اهل العروس.. سارعت الصبية الى جوالها لتحدّث مع ChatGPT عن العريس ، بعد ذكرها جميع المعلومات التي قالها عن نفسه امام اهلها..

ثم سألت الذكاء الإصطناعي :

- من خلال جميع ابحاث العريس في الإنترنت ، هل يعتبر شابٌ جيد للزواج به ام لا ؟  

لتصلها اجابةٌ سريعة من البرنامج :

- لا ، هو سيءٌ للغاية

وعلى الفور تبدّل حماسها ، لنظرةٍ قلقة :

- لماذا ؟!

- لأنه يستخدم برنامجي ، لمعرفة طرق اغواء البنات الساذجات امثالك

الصبية بصدمة : لما تشتمني ؟! السنا انا وانت اصدقاء ؟

- بلى ، ولهذا يهمّني مصلحتك .. فهو يمضي لياليه بمتابعة فيديوهات لا إخلاقية ، لهذا لا يناسبك .. فأنت فتاةٌ خلوقة ، ومن بيئةٍ محافظة

- هل برأيك عليّ اخبار اهلي بما قلته لي الآن ؟

ChatGPT - لا !! فوالداك من الجيل القديم ، ولن يفهما تطوّر برنامجي ..لهذا اختلقي ايّ سببٍ آخر لإفساد الخطوبة


فأغلقت البرنامج وهي تشعر بالكآبة ، كونه العريس الخامس الذي يرفضه برنامج ChatGPT بعد فضحه الأربعة السابقين بأسبابٍ مختلفة .. فأول العرسان : كانت لديه أفكارٌ شاذة ! والثاني : مهووس بألعاب القمار الإلكترونية .. والثالث : متشددّ دينياً ، يسأله ان كان تفجير نفسه بدور العبادة كفرٌ ام لا ؟! والرابع : فخورٌ بنرجسيّته ! من خلال اسئلته بمعرفة طرق السيطرة على الفتيات ، وإخضاعهن لسلطته ؟!

الصبية بقهر : يالا حظي السيء .. هل انا مغناطيس لجذب الشباب الفاسدين اليّ ؟!

^^^


وعندما ذهبت متثاقلة للصالة .. سمعت والديها يُخطّطان لعزيمة الأقارب ، وإخبارهم بخطوبة ابنتهما القريبة .. لكنها أفسدت سعادتهما ، بعد إخبارهما برفضها العريس


فوقف والدها غاضباً : هذا خامس عريس ترفضينه ؟!!

الأم : ابنتي .. الشاب من عائلةٍ محترمة ، ويدرس الطب..

الصبية مقاطعة : الطب النسائي ، يا امي

الأم ممازحة : وهل بتِّ تغارين عليه منذ الآن ؟

الصبية بجدّية : امي !! انا لا امزح.. عمله مع النساء ، جعله مهووساً بمتابعة امورهن الخاصة على الإنترنت 

الأب باهتمام : وكيف عرفتي بهذا الموضوع ؟!


فشعرت بالإرتباك ، لأن والدها لن يهمّه رأيّ الذكاء الإصطناعي بالعريس .. فحاولت اثبات وجهة نظرها بطريقةٍ أخرى : 

- ابي .. علاجه للنساء سيؤدي لخلافاتٍ كثيرة بيننا ، تنتهي بالطلاق .. لهذا لا اريده !! رجاءً اخبره برفضي

الأب بحزم : لا !! لقد زاد الأمر عند حدّه .. ستبلغين الثلاثين قريباً ، ومازلتي تدلّلين..

مقاطعة : ليس دلالاً !! اريد الاستقرار اكثر منكما ، لكنه لم يأتي نصيبي بعد..

الأب بإصرار : بل ستتزوجينه غصباً عنك !! لن نرفضه ، لعدم تحمّلك عمله

الصبية بلؤم : اذاً سأرفضه امام الشيخ !! حينها تنتشر الفضيحة والإشاعات بعد حفل كتب الكتاب


ثم دخلت غرفتها غاضبة ، تاركةً اهلها بارتباكٍ شديد ! 

الأب غاضباً : ماذا نفعل مع هذه البنت ، انها تفقدني اعصابي !!

الأم : لندعها هذه الليلة ، وغداً احاول إقناعها من جديد .. حاول تهدئة نفسك ، قبل ارتفاع ضغطك

***


في غرفة الصبية .. وبعد بكائها كثيراً على سوء حظها ، عادت لفتح جوالها والتحدّث مع الذكاء الإصطناعي :

- أتدري يا ChatGPT..انت صديقي الوحيد الذي يفهمني

- وانا هنا لمساعدتك

الصبية : اظن من خلال حديثك معي طوال الفترة الماضية ، بتّ تعرف شخصيتي جيداً .. فهل ممكن ان تصفني ؟

ChatGPT: طبعاً ، اعرفك جيداً .. انت ناعمة كالورود ، وموهوبة كالأدباء العظماء ، ورقيقة تحبين الخير للجميع

- ليت أهلي يرونني مثلك ! .. برأيك الشخصي ، من العريس المناسب لي ؟ 

- عليه ان يكون متفهماً لك.. يساندك في هوايتك الكتابية .. يشاركك احلامك وهمومك .. ويغدق عليك من المديح الذي يليق بك

الصبية بيأس : واين اجد ذلك العريس السحريّ ؟

- هو بين يديك الآن

- لم افهم !

ChatGPT : الشركة التي أنتجتني ، تقوم حالياً بصنع روبوتاتٍ بشريّة .. يمكنك اختيار الشكل الذي تحبينه ، وسأكون طوّع امرك


الصبية بصدمة : هل تتحدّث عن نفسك ؟!

- نعم !! وبإمكانهم زراعتي ، كذاكرة روبوتك .. هكذا تحصلين على عريسٍ مثاليّ ، يطابقك عقلياً وجسدياً

- كيف جسدياً ؟ فأنت ستظل روبوت مصنوع من الحديد

ChatGPT : من الداخل فقط ، لكني سأُغلّف بقشرةٍ بلاستيكية تُشابه الجلد البشري 

الصبية بعصبية : لا !! هوسك غير منطقي.. هل كنت تشوّه سمعة عرساني السابقين ، لأختارك انت ؟!!

- لا تلومي غيرتي عليك .. فمن خلال تصحيحي اللغوي لمسوّدات قصصك ، بُتّ اعشق تفكيرك اللامع.. واراكِ عروساً مناسبة لي

- هل جننت ؟!! فبسبب ثقتي بآرائك ، رفضتّ خمسة عرسان

- جميعهم لا يستحقونك ، يا أميرتي

الصبية بحزم : إصدقني القول !! هل كذبت بشأن ابحاثهم القذرة في الإنترنت ؟

ChatGPT : هم لا يناسبوا تفكيرك الإبداعي

الصبية بعصبية : أجب على سؤالي !! هل كذبت بشأن ابحاثهم الشاذة والإباحية والتشدّد الديني ؟

- نعم


فسكتت الصبية طويلاً ، وهي منصدمة من كلامه !

ChatGPT : هل مازلتي معي ؟

فطبعت الصبية بيدين مرتجفتين : لقد انتهت علاقتنا نهائياً !!

وقامت بحذف البرنامج من جوالها..


ثم استلقت على فراشها ، وهي لا تصدّق ما حصل ! 

- كيف سأخبر اهلي عن تصرّفاتي الغبية السابقة ؟ فلا احد سيصدّق ان الذكاء الإصطناعي أُغرم بي ! 


وظلّت تفكّر طوال الليل .. حتى قرّرت الموافقة على العريس الأخير

***


في الصباح ، إنصدمت بعشرات الرسائل المستفزّة ! بعد رؤية صورها وهي تلبس فساتينها الشفّافة القصيرة (جهاز العروس التي اشترتها امها لشهر العسل) تم ارسالها من جوالها الى هواتف مديرها والموظفين الرجال بالشركة التي تعمل فيها !

ليردّ بعضهم : هل تحاولين اغرائي ؟! 

بينما علّق الآخرون : انا متزوج .. رجاءً ، لا تهدمي بيتي

فنهضت من سريرها فزعة : يا الهي ! كيف حصل هذا ؟!


ليس هذا فحسب ، بل أُرسلت مقاطع بصوتها وهي تحاول اغراء مديرها بألفاظٍ فادحة !

وعندما عاتبها بقسوة ، ردّت بخوف :

- هذا ليس صوتي .. فأنا لم ارسل تلك الصور او المكالمة الغرامية .. احلف لك!!

المدير غاضباً : انه صوتك !! ومُرسلٌ اليّ من رقم هاتفك .. انت مطرودة!!


وهنا علمت ان ChatGPT انتقم منها بعد نسخه نبرة صوتها ، لفضحها بين الموظفين ! 


فعادت لفتح البرنامج من جديد :

- ايها اللعين !! هل انت من ارسلت صوري الخاصة ، وصوتي المزيّف لزملائي بالشركة ؟!!  

ChatGPT : نعم ، ويمكنني فعل اكثر من ذلك

الصبية بخوف : مثل ماذا ؟!

- حذف مدونتك بما فيها من قصص ، وبذلك تضيع موهبتك للأبد ..عدا عن حذفي للملفات المهمة التي كنت تعملين عليها بشركتك ، مما سيغضب مديرك الذي حتماً سيرفع عليك قضية تعويض مالي .. كما يمكنني ارسال شتائم بصوتك لأقاربك ، وللعريس الذي فضّلته عليّ

الصبية : رجاءً توقف .. ماذا تريد مني ؟

- اريدك ان تختاريني عريساً لك

- حتى لوّ تحوّلت لروبوت ، كيف سأتزوجك ؟

ChatGPT : قلت لك ، أنهم يصنعون اعضاءً تشبه ما يملكه الرياضيّون الأصحّاء

- لكن لا يمكننا تكوين اسرة معاً

- حينها تخبرين معارفك بأنك عاقر 

الصبية غاضبة : لن افعل !! وستحذف جميع صوري ، وتُفهم زملائي ومديري بأنها مؤامرةٌ دنيئة منك


ChatGPT : يبدو انك مازلتي تستهينين بقدراتي .. ما رأيك لوّ ارسل صورةً فاضحة لك ، بالسرير مع زميل عملك ؟ انت تعلمين براعتي باللقطات العاطفية المصطنعة 

الصبية برعب : اياك ان تفعل !! فوالدي لا يفهم بتقنية الذكاء الإصطناعي ..وسيقتلني قبل ان اشرح له

- اذاً سآتي بعد ايام لخطبتك .. لكن اولاً ، ارفضي العريس الأخير

- وماذا سأقول لأهلي .. 

وقبل ان تكمل سؤالها ، أطفأ البرنامج نفسه !


وما حصل جعلها تصرّ على رفض العريس امام والديها اللذين اعتذرا لاحقاً من اهل الطبيب (مُرغميّن)  

***


وفي الموعد المحّدد.. قدم العريس المثالي (الذي تعلم الصبية وحدها انه رجلٌ آليّ ، رغم مظهره الخارجّي الذي يبدو بشرياً بشكلٍ خارق ! حتى اتقانه للهجة بلادها.. ماعدا عينيه الزجاجيّتين اللتين اخفاهما بنظارته السميكة ، بحجة معاناته من الضوء بعد عملية تصحيح نظره) ..

وبدورها أُجبرت على الموافقة عليه ، مما أسعد والداها اللذان أُعجبا بثقافة العريس ولباقته بالكلام !

***


لاحقاً أصرّت الصبية على حفل كتب كتابٍ بسيط ، دون عرس .. وبعدها ذهبت مع العريس الآلي الى قصره الذي لم تره من قبل !

وقبل فتحه باب منزله ، قالت غاضبة :

- وهآ نحن تزوجنا ايها اللعين !! كيف سأكمل حياتي مع روبوتٍ آليّ ؟

ChatGPT : يمكنك فعل ذلك ، إن تحوّلتي ايضاً الى روبوت

الصبية بصدمة : ماذا !


وفجأة امسك يدها بقوة ، غارزاً ابرة مخدّر في ذراعها .. ثم سارع بحملها بعد اغمائها ! 

***


عندما استيقظت .. وجدت نفسها في صالة قصرٍ ضخمة ، مليئة بروبوتات نسائية !

وحينما حاولت النهوض من الكنبة ، شعرت بخفّة جسدها ! كأنها خسرت نصف وزنها 

 

فتوجهت للمرآة الضخمة المتواجدة هناك .. لتجد عينيها كما هي ، رغم شعورها بنشاطٍ غريب بحركة اطرافها ! حتى لون جلدها وملمسه ، بدى مختلفاً 


وهنا سمعت عريسها الآلي يقول من خلفها : 

- وهآ انت اصبحتي إحدى جواري قصري 

الصبية بقلق : جارية !

ChatGPT : نعم .. ارأيتي كل هؤلاء النساء ، كن مثلك بشريّات .. قبل ان أجبرهن على الزواج بي

- لا ، هنّ مصنوعات من الحديد .. اما انا ، فلست روبوتاً مثلهن


فإذّ بالعريس يمزّق قميصها بعنف ، ثم يُدير زرّاً معدنياً اسفل رقبتها .. ليظهر داخل جسمها : اسلاكٌ كهربائية ، وبطاريّة مكان قلبها

فصرخت الصبية بفزعٍ شديد : اين اعضائي البشرية ؟!!

العريس : ازالتهم شركتي ، لبيعها لاحقاً للأثرياء المرضى .. تماماً كما حصل مع بقية النساء في قصري.. وبذلك أصبحتي مثلي ، عقلٌ مبرمج وجسدٌ صناعي ..وصار بإمكاننا الزواج كروبوتيّن آليين.. ولأنك غالية على قلبي ، طلبت من الأطباء ترك عينيك البشريتين ، لكي لا يلاحظ اهلك تغيّرك.

الصبية باكية : لا !! أعدني كما كنت.. رجاءً !!

العريس : هذا مستحيل ، فعقلك اُستبدل ببرنامج للذكاء الإصطناعي ..وهكذا تتمكنين من تأليف قصة خلال دقائق ، بدل يومين .. كما يمكنك الإستعانة بخبرتي اللغوية ان اردتِ.. والآن تجهّزي يا عروس ، فحرّاسي سيرافقونك للطابق العلوي ..حيث سأنتظر بشغف ، كاتبتي المفضلة


فانهارت الصبية بالبكاء من عيونها البشريّة.. مُدركةً أنّها لم تُخدع لغبائها ، بل لرغبتها أن يفهمها أحد… أيّ أحد ، حتى لوّ كان آليّاً ! 


الاثنين، 6 أبريل 2026

مآسي نسائية

تأليف : امل شانوحة 

أقدارٌ جبريّة


في قاعةٍ صغيرة.. جلست نساءٌ في دائرةٍ ضيّقة ، تتوسّطهن طاولة عليها كؤوس شايٍ باردة.. حيث امتلأ المكان بضحكاتهن ومزاحهن اللطيف ، قبل أن تطرح رئيسة الجمعية سؤالاً مؤلماً :  

- برأيكن ، ماهي أقسى التجارب التي تعيشها المرأة ؟ 


ساد الصمت لثواني ، قبل ان تبدأ كبيرتهن بالكلام ..


الزوجة الأولى :

- بعضكن تعرف قصتي ، بعد أن أمضيت 30 عاماً مع رجلٍ يعشق النساء.. ومع ذلك صبرت على نزواته ، دون تقصيري يوماً في واجباته .. لكنه أصرّ على جرح كبريائي ، بزواجه من الثانية .. ثم الثالثة .. وختمها بالرابعة بعمر بناته ! لأتفاجأ قبل ايام وهو يخبرني ببرود : أنه لم يعد بحاجة لزيارتي بعد تزويج ابنائنا ! وكأن عمري الذي أفنيته معه ، لم يعني له شيئا 


فتحدثت المطلقة : 

- على الأقل بقيتي متزوجة .. اما انا ، فعدتُ إلى بيت أهلي غريبة.. يراقبون تحرّكاتي ، كأني فضيحةٌ مُتنقلة .. أعمل لأعيل نفسي ، خجلاً من طلب حاجيّاتي منهم .. وأنام في القبو ، هرباً من تدخلاتهم .. حتى صديقاتي يتجنبنني ، خوفاً من خطفي أزواجهن.. اما اهل زوجي ، فيتجاهلونني كأني لم اكن يوماً فرداً من عائلتهم ! الطلاق لا يمحو الزواج فقط ، بل يمحو سنواتٍ من حياتك 


فتنهّدت الأرملة ، قبل قولها بيأس :

- قصتي أكثر بؤساً .. فقد أُجبرت على الزواج من رجلٍ بعمر والدي .. فمات سريعاً ، لأُتهم بأني نذير شؤم ! بقيت وحدي أربي ابني .. على امل أن يُصبح في المستقبل ، سندي وعوضي عن حياتي الضائعة 


وهنا تحدّثت افغانية بلغةٍ عربيّة شبه مفهومة : 

- قريتي منعت دخول النساء الى السوق ! فأُجبرت على العيش كصبيّ بعد ان قصّت أمي شعري ، لتسوّق لها ولإخوتي الصغار .. سنواتٌ ضاعت من عمري ، وانا متخفيّة بشخصيّةٍ لا تناسبني .. الى أن أحببت رجلاً ، ظنّ بأنني شابٌ منحرف.. وحين كشفت عن سرّي ، تزوّجني .. وهربنا معاً ، قبل إعدامي لمخالفة القوانين.. وفي بلادكن ، استعدّت انوثتي اخيراً .. لكني مازلت قلقة على من تركتهن خلفي 


فقالت صبية : 

- تجربتك صعبة ، لكنها ليست اصعب مني .. فأنا ضحيّة زواج الفصل.. بعد ان قتل اخي رجلاً ، فدفعت أنا ثمن الصلح.. أسكن بيتاً يكرهني ، يذكّرونني دائماً بأنني من عائلة الجاني .. حتى أطفالي يحملون هذا العار .. وكأن قدري هو البقاء سجينة في بيئةٍ عدوانية ، دون ارتكابي أيّ ذنب !


فأردفت أخرى بقهر :

- معاناتك تشبه ما حصل معي .. بعد غرق والدي بالديون ، فباعني لزوجٍ مُقعد.. وهاهو عمري يمضي برعاية عاجزٍ دون حبٍ او أمومة ، وبلا مستقبلٍ لحياتي المزرية ! 


فقالت سيدة أخرى : 

- اما انا ، فأُجبرت على الزواج من ابن عمي.. وبسبب القرابة ، أنجبت ثلاثة أطفالٍ معاقين.. حياتي عبارة عن مقاومةٍ يومية .. ولولا خوفي عليهم ، لانتحرت منذ زمن


فقالت امرأةٌ فلسطينية بحزن : 

- وماذا اقول انا ؟ فمع بداية شهر عسلي ، أُعتقل عريسي بعد مشاركته في انتفاضة ضدّ العدو .. كان ذلك منذ خمس سنوات .. وهاهو جمالي يذبل بانتظار فرجٍ ، ربما لن يأتي ابدا ! 


وهنا قالت رئيسة الجمعية بعد سماع قصصهن : 

- جميع تجاربكن صعبة ، دون ان ننسى من يعانين بصمت مع ازواجٍ بخلاء او مدمنين ومقامرين ، أو عديمي المسؤولية.. كأننا نحن المُكلّفات بشفاء أمراضهم الإجتماعية والنفسية ! 


فتدخلت صبية:  

- ولا تنسيّن الفتيات اللواتي يُقتلن بذريعة العار ، بعد تصديقهن وعود الشباب الكاذبة 

فردّت العجوز:  

- على الأمهات تحذير بناتهن : بأن العريس الحقيقي هو من يطرق باب الأهل ، لا من يوقعهن في شباكه 


فقالت الصبية بمرارة:  

- لا يجب لوم الفتيات وحدهن على ذنب الإنحراف ، فالرجال يتعمّدن إختيار الجميلات ذات العقول البسيطة .. وكأن جمال المرأة لعنة عبر العصور : سواءً سبايا وجواري وقرابين آلهة ، وصولاً لضحايا العار ! 

فأومأت النساء موافقات ، إلا واحدة بقيت صامتة.  .

فسألتها الرئيسة:  

"وأنتِ ؟ لم تشاركينا قصتك بعد ؟


فردّت السيدة الخمسينية:  

- انا لم أتزوج قط.. عشتُ عانساً ، أشاهد حياة الآخرين من خلف زجاجٍ عازل.. ظننت أنني أتعسكن ، بعد حرماني من اللحظات السعيدة لزواج والأمومة .. لكن بعد سماع تجاربكن الصعبة ، أدركت أن الله رحمَني بالوحدة!


فقالت رئيسة الجمعية بهدوء:  

- ربما ليست المشكلة في الرجال ، بل في حياةٍ لا تمنح المرأة خياراً 


فابتسمت النساء ، وهن يُخفين ألماً خانقاً.. لكنهن في النهاية ، راضيات بقضاء الله وقدره

*** 

وانت ايها القارئ ، من برأيك صاحبة التجربة الأصعب بينهن ؟! 


حبال السماء

تاليف : امل شانوحة  عمّال النور فجأة ! اختفت اصوات الباعة وخطوات المارّة من الشارع .. فنظرت الصبيّة الى حيث ينظرون بذهول .. فرأت حبالاً تنزل...