الجمعة، 24 أبريل 2026

فخ الأناقة

تأليف : امل شانوحة 

نبوءة الغجري


إنشغلت الصبية بجوالها خلال تواجدها بالميترو الشبه خالي ، قبل اقتراب غجريّ بعقده الخرزيّ الطويل ، والوان ملابسه الغير متناسقة .. 

فحاولت عدم الإلتفات اليه .. لتجده يخلط كروت اللعب (اوراق الشّدة) قبل اخراجه ورقة الشاب التي رفعها بوجه الصبية ، وهو يقول :

- هذه ورقتك !!

لكنها تجاهلته ، لحين نزولها في المحطّة التالية .. 

***


في منزلها ، وقبل نومها .. ارادت شحن جوالها ، ففتحت حقيبتها .. لتنصدم بوجود كرت الشاب فيها ، وخلفها عبارة مكتوبة باللون الأحمر :

((انتبهي منه))

فتمّتمت الصبية بضيق :

- ما هذه المزحة السخيفة ؟!

ورمتها بسلّة المهملات

***


بعد ايام ، وفي ليلةٍ باردة .. وقبل اغلاق مطعم الأكلات السريعة الذي تعمل فيه ، دخل شاب بطقمه الرسمي وهو يطلب إحدى شطائرهم المعروفة  

ورغم انتهاء دوامها ، وعودة زملائها الى منازلهم .. لكنها تعمل في حيّ الأثرياء ، ومن شروط عملها : عدم رفض طلباتهم ! 


ثم راقبته عن بعد ، لحين انتهاء طعامه .. لتجده يطلب منها الجلوس الى طاولته ! للفضّفضة عن خيانة زوجته ، ونيّة انتحاره من فوق الجسر ..لولا جوعه المفاجئ الذي جعله يدخل مطعمها.. 

فحاولت مواسته ، ونصحه باختيار حبيبةٍ اخرى .. فاقترح إيصالها الى منزلها بعد تأخّر الوقت ، تقديراً للطفها معه

وبسبب إصراره ، وافقت على طلبه 

***


الا انه توقف قبل دخوله حيّ الفقراء ، خوفاً من سرقتهم لسيارته الفخمة .. واقترح عليها وظيفة مربية لإبنه ، بعد هروب زوجته .. 

الصبية : اذاً سأكمل طريقي مشياً الى المجمّع ، وسآتي غداً الى منزلك لرؤية الصغير .. وإن اتفقنا ، نكتب عقداً بهذا الموضوع


لكن الشاب الثريّ أصرّ على بقائها الليلة مع ابنه ، بعد الإجازة المرضية لمربيته الآسيوية .. وبتردّد ، ذهبت معه الى قصره 

^^^


وانتظرته بالصالة ، وهي تنظر باستغراب للتماثيل الزجاجية المتواجدة في كل ركنٍ منها

قائلةً في نفسها : ((المكان غير مُهيّأ لطفلٍ في الثالثة من عمره ، فزوايا التماثيل الحادة قد تؤذيه !))


وهنا نزل الشاب من الطابق العلويّ ، وهو يقول :

- ابني نائم بعمق ، لن اوقظه .. سترينه صباحاً .. سآخذك الآن لغرفة الضيوف

الصبية بقلق : واين الخدم ؟

- اليوم لديهم إجازة ، ستتعرّفين عليهم غداً

فشعرت بالضيق لعدم اخبارها بوجودهما وحدهما بالقصر ! 

^^^


وفي غرفة الضيوف .. شعرت بانقباضٍ في قلبها ، لعدم وجود مفتاح ! جعلها تجرّ الكنبة الكبيرة لإغلاق بابها 


وعندما نامت ، رأت العجوز الغجري في منامها .. وهذه المرة رفع ورقة اللعب التي لم تكن مرسوماً فيها ، الشاب المعتاد .. بل صورة الثريّ ، وعلى رأسه قرون الشيطان ! قائلاً بعتاب :

- الم أنبّهك منه ؟!


وهنا استيقظت الصبية على صوت انجرار الباب ، محاولاً الثريّ فتحه بخفّة كيّ لا يوقظها !

فسارعت القفز فوق الكنبة ، وهي تصرخ برعب :

- ماذا تريد مني ؟!!

فأجابها بصوتٍ مخمور :

- احتاجك الليلة.. إفتحي الباب !!


وإصراره على دخول غرفتها ، جعلها تجرّ السرير بكل قوتها خلف الباب 

فصرخ غاضباً :

- ماذا تفعلين بالداخل ؟!! انت تفسدين ديكور الغرفة 

- احلف ان لم تذهب حالاً ، سأتصل بالشرطة !!

- جوالك معي ، سحبته من حقيبتك دون انتباهك .. 

ورغم صدمتها بسرقته جوالها ، الا انها قالت بحزم : 

- اذاً سأقتل نفسي !!

- بماذا ! لا يوجد شيءٌ حادّ في غرفتك

- سأشنق نفسي بالملاءة بعد ربطها بالثريّا 

- أتفضّلين الموت على ليلةٍ تقضينها مع أوسم شابٍ في المنطقة ؟! يا غبية ، كان بإمكان علاقتنا ان تتطوّر ، الى ان تصبحي سيدة القصر 

- لا اريد شيئاً منك ، فقط ابتعد عني !!

- كما تشائين ، يبدو انك تفضّلين حياة البؤس والفقر 


وما ان سمعت خطوات صعوده الدرج ، حتى بحثت بالخزانة عن أي شيءٍ تدافع به عن نفسها .. قبل ملاحظتها لكاميرا صغيرة على الأرض ، يبدو كانت تحت السرير (قبل جرّه ناحية الباب) 


وحين اضاءت الكاميرا ، وجدت صبية تبكي بخوف :

((من تجد كاميرتي ، فالتهرب بالحال .. فذاك الساديّ يعذّبنا في قبو قصره .. ومن تموت منا ، يدفنها في حديقته الخلفية.. لقد قتل زوجته السابقة ، وهو يحاول الآن كسر باب الغرفة التي هربت اليها.. ))

وانقطع الفيديو !  


فسارعت الصبية للنافذة التي كانت مغلقة بقضبانٍ حديدية من الخارج ! فتذكّرت كلام والدها الحدّاد الذي اخبرها : بأنه يصنع مقبضاً للطوارئ ، في حال حصل حريق بالمنزل .. 

فبحثت جيداً بالجدار ، الى ان وجدت علّاقة ملابس .. ما أن امسكتها ، حتى ارتفعت القضبان الخارجية .. 

فوضعت حقيبتها في رقبتها .. ثم قفزت من النافذة التي تبعد طابقاً عن الحديقة .. ورغم اذية ذراعها الا انها سارعت بتسلّق جدار القصر ، والوصول للشارع الفرعي .. ومنه للشارع العام ، بعد ان قاربت الساعة 2 مساءً !

***


بعد مشيها قرابة كيلو ، تفاجأت بسيارةٍ فخمة تقترب منها .. فارتعبت من ملاحقة الثريّ لها ! لتنصدم بصوت الغجريّ يقول لها : 

- حاولت تنبيهك سابقاً ! 

- من انت ؟!

- إصعدي لمعرفة الحقيقة كاملةً 

^^^


وفي السيارة ، أخبرها بمحاولته انقاذ ضحايا ابنه (الذي ورث زوج امه الغني) بعد فشله بإصلاح سلوكه الشائن .. وانه يملك قدراتٍ خارقة تمكّنه اختراق منام الصبايا ، لتحذيرهن من الإنجرار لإبنه الساديّ ! 

الصبية غاضبة : عليك ابلاغ الشرطة عنه !!

- يبدو لا حلّ آخر امامي ، وقريباً ستسمعين خبر القبض عليه.. الآن دعيني اوصلك لمنزلك .. (ثم نظر اليها بجدّية) .. ايّاك الوثوق ثانيةً بالرجال الأثرياء .. فكل واحداً منهم ، لديه عادةً مريبة 

***


في منزلها .. رمت حقيبتها بتعب فوق سريرها ، بعد انتهاء ليلتها المرعبة .. ليسقط كل ما فيها على الأرض .. فتنهّدت بضيق :  

- ليس فيها شيئاً يُكسر ، بعد سرقة الملعون لجوالي 


واثناء اعادة اغراضها داخل الحقيبة ، تفاجأت برؤية كرت اللعب ! لكن هذه المرة لم تكن ورقة الشاب وحده ، بل يقف خلفه الغجريّ ايضاً .. ومكتوباً اسفل منهما :

((أصبحت فريستنا الآن !)) 


الأربعاء، 22 أبريل 2026

المطر الحديدي

تأليف : امل شانوحة 

الحضارة المُنتهية


في مساءٍ هادئ .. أضاءت السماء بوهجٍ ناريّ ، لم يره انسانٌ من قبل ! 

فعلى بُعد ملايين الكيلومترات بالفضاء ، حصل انفجارٌ شمسيّ غير مسبوق بتاريخ البشريّة ، جاءت نتائجه سريعة ومفاجئة .. 

بدايةً انقطع الإنترنت عن كل العالم ، واختفت اشارات الطائرات والسفن عن الرادارات ، كأنها مُسحت من الوجود !

 

في مركز الناسا .. حاول العلماء اعادة الإتصال بالأقمار الصناعية ، لتصلهم آخر معلومة قبل انقطاع البثّ بينهم : 

عاصفةٌ شمسيّةٌ عنيفة رفعت حرارة الطبقات العليا للغلاف الجويّ ، مُمددةً الهواء المحيط بالأقمار الصناعية التي أدّت لانحرافها عن مدارها .. 

ومع فقدان السيطرة عليها ، ستسقط على التوالي نحو الأرض (خاصة ان البُعد بين كل قمريّن صناعيين اقل من 1 كيلومتر في الفضاء.. وهذا يعني ان معظم مدن العالم ستضرّر من الكارثة الفضائيّة المفاجئة) ! 

^^^


في مدينةٍ صغيرة .. خرج الناس الى الشارع ، وهم ينظرون للسماء بدهشة!

بينما هلّل الأطفال فرحاً ، ظنّاً بنزول النجوم المضيئة نحوهم ! 


لكن مع ارتفاع صفير هبوط اجزاءٍ من الأقمار الصناعية ، بما يفوق صوت الرعد.. وكأن سكينٌ معدنيّ يُمزّق السحب بعنف ! 

اهتزّت الأرض تحتهم ، مع سقوط اول نيزك .. او هكذا ظنّوه في البداية !


ليتسارع هبوط الهياكل المعدنية المُشتعلة فوق منازلهم ، أشبه بمطرٍ حديديّ دمّر المباني الضخمة بثوانيٍ قليلة .. جعلت الناس تركض بهستيريا في الطرقات ، لحماية انفسهم من موتٍ حتميّ !


الا ان بعضهم فضّل الإحتماء بقبو منزله ، بدل الهرب للكهف البعيد (الموجود في جبلٍ خارج مدينتهم) خاصة بعد تحّول شوارعهم لفوضى من نارٍ وحديدٍ وزجاجٍ مُحطّم !


وداخل أقبيّة المنازل المُظلمة .. جلس الجيران متلاصقين ، لا يقطع صمتهم الا أنفاسهم ثقيلة .. وأصابعهم في آذانهم ، لحمايتها من صوت الإرتطامات الضخمة بالخارج !

***


ومع شروق الشمس ، ساد الهدوء اخيراً بعد اطول ليلة بحياة البشريّة 


وخرج الناس من مخابئهم ، وهم منصدمون بحجم الدمار الذي حلّ في مدينتهم التي لم يتبقى فيها سوى معادن ملتوية وبقايا جدران ، ورماد غطّى كل شيء ! 


ومع انقطاع وسائل التواصل ، إنعزلت مدينتهم عن العالم ، دون معرفتهم إن كانت الدول المجاورة مازالت موجودة ام لا ! خصوصاً مع توقف الطائرات والسفن عن الملاحة ، والمصير المجهول لركّاب الرحلات التي حلقت ساعة الكارثة !  

***


في الأيام التالية ، بدأ الناجون بالخروج من الأقبية والكهوف.. 

ومع انعدام الأنظمة وشبكات الإتصالات والبنوك ، وفقدان معظم الذاكرة الرقمية للعالم ، عادت البشريّة للعصر السابق بعد تسميّة ما حصل : ((بسقوط السماء)) 

***


وفي إحدى الليالي…

فضّل الأب وابنه المبيت في خيمةٍ ، بعيداً عن أنقاض مدينتهما المُعبّقة برائحة الرماد ودخان الحرائق.. فالهواء بين الأزقّة المُدمّرة لم يعد يُحتمل ، خصوصاً مع انقطاع الكهرباء عن وسائل التبريد المعتادة 

لذا لجآ إلى التلال… رغبةً بالنسيم البارد الذيّ سيُحسّن نفسيّتهما المُتعبة بعد تلك الكارثة العالمية .. 


وأثناء انشغال الأب بإشعال النار، نظر الصغير نحو الجبل البعيد وهو يتسآءل:

- تُرى هل يوجد ناجون خلف ذلك الجبل ، أم نحن وحدنا في هذا العالم؟

فصمت الأب وهو يحدّق في الظلام ، قبل تنهده بضيق :

- لا أحد يعلم ، يا بنيّ ! 


ثم تمدّدا فوق البساط وهما ينظران لسماءٍ امتلأت بنجومٍ حقيقية…لم يرها الأب بهذا الوضوح من قبل ، كأنها صارت قريبة بعد ان اصبح الوصول اليها مستحيلاً !  


وخلال تحديقهما… مرّ خطٌّ ضوئيّ ، اضاء مسائهما الدامس !

فانتفض الأب دون وعيّ ، بينما ابتسم الصغير : 

- انه شهاب يا أبي ، أليس كذلك؟


لم يُجبه ، بل ظلّ يراقب الأفق بقلق .. كأنه ينتظر صوت ارتطامٍ لن يأتي أبدا ! 


الاثنين، 20 أبريل 2026

البرنامج الإجباري

تأليف : امل شانوحة 

طلّاب العزلة


بعد انتهاء جائحة كورونا ، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في السكن الجامعيّ.. فالطلّاب رفضوا الخروج من غرفهم ، او الإلتقاء بأصدقائهم .. فهم لم يعودوا بحاجة لرؤية العالم ، طالما كل شيء يصل اليهم : سواءً الدراسة اون لاين ، او توصيل طلبيّات طعامهم وحلوياتهم (الدليفري) .. وفي حال شعروا بالملّل ، يتابعون العاباً الكترونيّة مع اصدقاءٍ إفتراضيين !

حتى طلّاب الطابق نفسه ، لم يعرفوا بعضهم .. لهذا لم يحزنوا على وفاة احدهم بعد سهره ثلاث ليالٍ متواصلة ، بمشاهدة افلامٍ متتابعة .. إذّ لم يكن بالنسبة لهم سوى اسم مستخدم توقف عن الظهور!   

***


وفي إحدى الليالي .. ظهر إعلانٌ غريب على جميع حواسيب المبنيين التابعين لطلّاب وطالبات نفس الجامعة :

فيه عرض لجدولٍ إلزاميّ ، جاء كالتالي : 

- ممنوع السهر بعد الساعة 8 مساءً 

- الإستيقاظ 7 صباحاً

- وبعدها ستُجبرون على ساعة ، للركض او المشيّ حول حديقة الجامعة

- كما منعنا العاملين في الجامعة على توصيل الطعام الى غرفكم .. وحدّدنا الفطور عند الساعة 9 صباحاً في كافتيريا الجامعة .. مع اغلاق البوّابة الرئيسية ، لعدم شرائكم من المطاعم الخارجيّة 

- لا دراسة اون لاين بعد اليوم .. والمحاضرات فقط ، داخل القاعات

- سنسمح لكل طالب باختيار إحدى النشاطات : سواءً رياضيّة او فكريّة او فنيّة .. وممنوع التغاضي عن هذه النقطة .. حيث ستُحسب علامات الأنشطة ضمن شهادتكم النهائية 

- تحذير : من يستهين بالجدول الإلزاميّ ، سيُعاقب بعنف !! 


الا ان معظم الطلّاب تجاهلوا هذا الإشعار ، متابعين العابهم او محاداثاتهم على الإنترنت طوال الليل

*** 


في اليوم التالي ، إنتشر فيديو بينهم : عن شابٍ يُسحب بعنف الى مسبح الجامعة.. وهو يحاول المقاومة ، والصراخ بعلوّ صوته .. اثناء إغراق رأسه في الماء ، من رجلٍ مُقنّع يهدّده قائلاً : 

- امّا ان تلتزم ببرنامج الجامعة ، او تغرق الآن !!

ولم يخرج الشاب من المسبح ، الا بعد وعده باكياً ! 


ورغم قساوة الفيديو ، لكن بعض الطلّاب رفضوا تصديقه .. واستمرّوا بعنادهم ، حتى صُدموا بانقطاع الإنترنت مساءً .. تبعه انقطاع الكهرباء عند الساعة 8 تماماً !

وبسبب انغلاق ابوابهم آلياً ، لم يكن امامهم سوى الإستسلام للنوم باكراً في غرفهم المظلمة 

*** 


ومع الأيام ، بدأ الجدول يُفرض بالقوة .. خصوصاً بعد تركيب المقنّع المجهول لأجهزة حول المبنيّن السكنيّن ، تمنع وصول ارسال جوالات الطلاّب الى خارج الجامعة ! ليصبحوا داخل معتقلٍ قسريّ ، بعيداً عن اهاليهم .. الى حين قدومهم لحفلة التخرّج 


وبسبب منع ذلك المقنّع وصولهم لطابق الإدارة ، للإعتراض عمّا يحصل معهم .. إلتزموا جبراً بأوامره ، تحت تهديد سلاحه الذين لا يعرفون ان كان حقيقياً ام مزيفا 

***


ومع الوقت .. تحوّل غضبهم لنشاطٍ جسديّ ، بعد ان اوشكت عضلاتهم على الضمور امام شاشاتٍ أضعفت بريق أعينهم ! 

لكن خطواتهم الآن ، باتت تُسمع في حديقة الجامعة .. كما عادت أصواتهم الى القاعات الدراسيّة ، مع ان شرح الأساتذة عُرض على الشاشات العملاقة دون حضورهم !  


بالإضافة لاستعادة الطلّاب حيويّتهم البدنيّة والفكرية بعد التزامهم بالنشاطات الإجبارية ، رغم تدرّبهم بمفردهم تحت مراقبة المقنّع المسلّح من المدرّجات !

***


لكن المقنّع لم يكتفي بكل هذا التطوّر في سلوكهم ، بل ارسل الى حواسيب غرفهم اشعاراً آخر : 

((طلّاب سنة التخرّج ملزمون بحضور لقاء التعارف مع طالبات التخرّج من المبنى الثاني .. سيكون اللقاء في الملعب الداخلي))


بالبداية سخروا من هذا الإعلان ، لتصلهم فيديوهات عقابية لشبابٍ مُعارضين : تفاوتت بين تدريباتٍ رياضيّة شاقة .. وتنظيفهم الأرضيّات.. وترتيبهم المكتبة الضخمة .. وتحضيرهم لطعام الكافتيريا .. كلّه تحت تهديد سلاح المقنّع العنيد ! 

***


وفي اليوم المحدّد ، جلس طلّاب التخرّج سوياً على طاولاتٍ متفرّقة .. كل شاب مُلزم بالتحدّث مع صبيّة لعشر دقائق ، والتي بدأت بنظراتٍ خجولة وكلماتٍ مُتعثرة.. قبل سماعهم صافرة المقنّع التي تجبرهم على تبديل الفتاة.. ومع الوقت تحوّل خجلهم لابتساماتٍ وحواراتٍ جادة !   


وبنهاية اللقاء ، كُتبت أوراقٌ صغيرة باختيارات الشباب والصبايا ، التي انتهت بإعلان الصداقات بينهم 

***


وبنهاية العام الدراسيّ ، تجمّع الأهالي لحضور حفل التخرّج .. والذين تفاجأوا بتغيّر شخصيّات ابنائهم الذين صاروا يتحدثون بطلاقةٍ وسعادة ، دون انشغالهم بجوالاتهم او صمّ آذانهم بسمّاعاتٍ موسيقيةٍ صاخبة ! بل بعضهم عرّف عائلته على صديقته الجديدة التي ينوي خطبتها قريباً !

***


في غرفة الإدارة .. اجتمع الأهالي مع مدير الجامعة ، لشكره على خطته (التي اخبرهم بها مُسبقاً) والتي أعادت الحياة لطلّابه من جديد .. ووعدوه بعدم اخبار ابنائهم ، بأنه المقنّع ذوّ السلاح المزيّف


ثم سألته إحدى الأمهات : عن سبب فعله ذلك ؟

فأجابها المدير بنبرةٍ حزينة :

- انتحر حفيدي الوحيد بعد معاناته من الإكتئاب .. كان يملك كل شيء ، الا صديقٌ حقيقيّ .. للأسف ، لم استطع انقاذه .. لكني نجحت بتوجيه بقية الشباب الى برّ الأمان .. والذين اتمنى اكمال حياتهم بشكلٍ طبيعي ، مع بنائهم لعائلاتٍ مُتفهمّة وسعيدة

احد الأباء : لا اصدّق انك الزمتهم بهذه السهولة ببرنامجك الصارم؟!

المدير : ما كنت لأنجح لولا مساعدة بعض الخرّيجين الذين مثّلوا أدوار المعاقَبين ، خصوصاً من كنت أُغرقه في المسبح .. يعني ، كان تمثيلاً مقصوداً لإنقاذ مستقبل اولادكم  


فصمت الأهالي بين الامتنان ، والإرتباك من خداعه التربويّ !

***


مع بداية السنة الجديدة ، واختيار الطلّاب الجدد لغرفهم السكنية .. ظهر اعلان على حواسيبهم من الرجل المقنّع يقول ، وهو يحمل سلاحه :

- اهلاً بالدفعة الجديدة !! الساعة تجاوزت 8 مساءً ، وحان وقت نومكم 


وفجأة ! أُغلقت ابواب غرفهم آلياً ، مع انقطاع الإنترنت والكهرباء عن السكن الجامعي بالكامل .. إعلاناً ببدء فصلٍ جديد من المسرحية التربويّة الصارمة !


السبت، 18 أبريل 2026

حبال السماء

تاليف : امل شانوحة 

عمّال النور


فجأة ! اختفت اصوات الباعة وخطوات المارّة من الشارع .. فنظرت الصبيّة الى حيث ينظرون بذهول .. فرأت حبالاً تنزل من السماء ، تتحرّك ببطء كأنها تبحث عن ارواحٍ مختارة ! 

بينما سكّان الطوابق العليا يحاولون إمساكها ، دون جدوى

وبغير وعيٍّ منها ، رفعت يدها .. لتسارع إحدى الحبال بالإلتفاف حول معصمها ، قبل سحبها بسرعةٍ مهولة نحو السماء .. وسط ذهول من حولها!


استيقظت الصبية مرتعبة ، وهي تقول :

- لا ! ليس ثانيةً


فهو حلمٌ تكرّر معها اكثر من مرة ، جعلها تبحث بالإنترنت عن معناه .. لتصلها اجابةٌ غامضة من احدى الجمعيات :

((طالما شاهدت حلم الحبال ، فأنت مُكلّفة بمهمّةٍ سامية.. إنضمّي الى جمعيّة عمّال النور ، لاكتشاف واجبك النبيل))

^^^


ولأن عنوان الجمعية في منطقتها ، توجهت اليهم .. لتعطيها رئيسة الجمعية ورقةً مطبوعة ، وهي تقول :

- صحيح اننا نعاني من البشر المُتشيّطنين ، لكن هناك ايضاً ملائكة بشريين يسمّون بعمّال النور .. وهم لا يعيشون حياةً روتينية كبقيّة البشر ، بل لديهم مهمّة رئيسية في الحياة ، قد تكون احدى المهام 12 


فقرأت الصبية المهام على عجل ، والتي تتضمّن : ((محاربة الجهل ، الشفاء الجسدي ، الدعم النفسي ، ارشاد ونصح الآخرين ، المساعدات المالية ، وقف النزاعات ، تعليم طرق تطوير الذات ، استخدام الفنون والكتابة لإلهام الناس ، التنظيف الطاقي ، تطهير الروح من الطاقات السلبية ، مقاومة الظلم بطرقٍ سلميّة ، ونشر الحب والرحمة))

فوقفت الصبية وهي تقول :

- لا ! انا فتاةٌ انطوائية ، ولا املك هذه الشروط .. وليس هناك اشرار في عائلتي .. ربما ما شاهدته ، كان اضغاث احلام


وخرجت على عجل ، دون سماع المزيد من اقول رئيسة الجمعية التي أخبرتها سكرتيرتها :

- جميع اعضائنا رفضوا ادوارهم في البداية ، لكن الدنيا علّمتهم : أن الله يختار اقوى جنوده لأصعب المهام.. لا تقلقي ، ستعود الينا لاحقاً

***


في الليلة التالية ، شاهدت المنام ذاته .. لكن هذه المرة ، رأت خالتها فوقها على الحبل وهي تحاول قطعه بالسكين 

فصرخت الصبية بفزع :

- لما تحاولين ايقاعي ، يا خالتي ؟!

فردّت بلؤم : لأنك العقبة الوحيدة امام شرّي !! 


استيقظت الصبية مُتعرّقة ، وهي تتذكّر مصائب الأقارب من طلاقاتٍ وقطيعة وفشلٍ متكرّر .. فتساءلت بقلق : 

- هل يُعقل أن تكون خالتي وراء كل ذلك ؟!

***


فذهبت لمواجهتها ، وإخبارها بمنامها المُتكرّر.. 

فكانت ردّة فعل خالتها غريبة ! فهي لم تنكر شيئاً ، ولم تعترض على شكوكها فيها ! بل اكتسى وجهها عبوساً مخيفاً ، كأنها تُخطط لشيءٍ ماكر  

ونظرتها الغامضة ، أشعرت الفتاة أنها قالت اكثر مما يجب ! فسارعت الخروج من منزلها ، قبل أن تُهان بالطرد المُذلّ 

^^^


بعدها اتصلت برئيسة الجمعية لإخبارها بما حصل ، فعاتبتها قائلةً :

- اخطأتي بمواجهتها .. الآن تأكّدت انك من عمّال النور ، وأصبحتي من أولويّاتها !

الصبية بخوف :

- وماذا عليّ فعله ؟

- ايّاكِ نسيان اذكار الصباح والمساء ، والمعوّذات كل يوم .. (ثم تنهّدت بقلق).. كان الله في عونك على مصائبك القادمة .. تحلّي بالصبر ، الى ان ينصرك الله عليها

***


ومنذ تلك اللحظة.. انهارت حياة الصبية خلال الشهور التالية ، من الناحية الصحية والنفسية والدراسية .. مع تكرار رفضها من رؤساء العمل ، دون تبرير ذلك .. وتراجع العرسان عن خطبتها باللحظة الأخيرة .. وانقلاب الأقارب عليها وقطيعتهم لها ، بسبب ترويجها لإشاعاتٍ لم تقلها ! عدا عن الحشرات التي انتشرت في منزلها دون سببٍ واضح .. والكوابيس التي زادت رعباً كل ليلة !


فحاولت إقناع نفسها ، بأنها مجرّد مصادفاتٍ نحسة .. لكن الشكوك في قلبها لم تهدأ يوماً ! 

والأسوء انه ليس لديها دليلٌ ملموس على امتهان خالتها السحر ، سوى الرؤى الواضحة التي شاهدتها عنها ! مع رفض الأقارب اتهامها بالشرّ ، خصوصاً لظهورها بهيئة المرأة الورعة الصالحة !

لهذا لم يكن امامها سوى متابعة نصيحة جدها (والد خالتها) بقراءة سورة الزلزلة كل ليلة اقل من عشر مرات ، بنيّة التخلّص من شرورها 


ومع زيادة المصائب ، لم تتحوّل الصبية إلى بطلةٍ خارقة.. لكنها واجهت قدرها بهدوءٍ وثباتٍ وإيمان ، رافضةً الإنكسار والهزيمة 

***


وبالفعل ، استيقظت بأحد الأيام على خبر نقل خالتها الى المستشفى بعد احتراق منزلها ! 

فسارعت بزيارتها ، لنصحها بالتوبة :

- رجاءً خالتي ، دعينا ننسى كل ما حصل سابقاً .. فأنت تعانين الآن من حروق الدنيا ، فكيف بعذاب الآخرة ؟ توبي الى الله ، قبل فوات الأوان

فأجابت الخالة باعترافٍ صادم:  

- كان نورك مزعجاً لي ، منذ صغرك.. لذا أطلقت عليك الإشاعات ، لتقليل قيمتك بين الأقارب .. وحاولت بقدراتي الخارقة إظهارك قبيحة بعيون العرسان ، ونجحت بحرمانك من الزواج والخِلفة .. وسعيت بكل طاقتي لعدم استفادتك من شهادتك بأيّةِ وظيفة .. 

الصبية بصدمة : ولما كل هذا الحقد ؟!

- لأن هناك من يكافئني على التخلّص من امثالك.. وكنت على وشك تدميرك، لولا منامك الذي ايقظك على مهمّتك بالتخلّص مني .. وهاهي ادعيتك ، نالت مني .. لكني قريباً سأفوز ب.. 


وقبل اكمال تهديدها الغاضب ، ارتفع رنين جهازها الذي أعلن اصابتها بسكتةٍ قلبية ، جعلت الأطباء يسارعون لصعقها كهربائياً .. ثم اعلان وفاتها ذلك الصباح

***


ظهراً ، توجهت الصبية مع بقية اقاربها للمقبرة .. ليتفاجأ الجميع بنارٍ تخرج من قبرها فور دفنها ! 

وكان بإمكان الصبية فضحها ، لكن بعض الذنوب يُفضّل كتمانها 


وبعد رحيل الجميع .. جلست الصبية امام قبرها ، تقول :

- سامحتك يا خالتي ، ليس لأنني ملاك .. بل كرهاً من اجتماعي معك في الآخرة ، يوم يلتقي الخصوم .. بالنهاية ربنا عادل ، وهو سيتكفّل بعقابك


ثم نظرت للسماء وهي تتساءل ان كانت سترى منام الحبل مجدداً .. فبعض المعارك تنتهي ، لكن أثرها يدوم طويلاً ! 


الخميس، 16 أبريل 2026

الحيلة التربوية

كتابة : امل شانوحة 

الحقيقة المؤجلة


تزوجت شابةٌ ثلاثينية من ارملٍ خمسينيّ ، لديه ثلاثة ابناء : مراهقان وصبيّ بالعاشرة.. ومع الوقت لاحظت اموراً لم تعجبها في تربية امهم الراحلة.. 

فالإبنة الكبرى : لم تكمل جامعتها ، بل فضّلت تصفّح جوالها بغرفتها معظم الوقت.. رافضةً عريساً تلوّ الآخر ، لعدم رغبتها بتحمّل المسؤولية ! 

ام الإبن الأوسط : فيعيد الثانوية بعد رسوبه فيها مرتيّن ، دون اكتراثه للشهادة العلميّة ! رغم تهديد الإدارة بطرده ان لم ينجح هذه السنة.. 

اما الإبن الأصغر : فمدلّل حدّ الإسراف ، بعد اعتياده على الشراء من البقالة بكمياتٍ تكفيه هو ورفاقه ، غير آبهٍ بمصروفه الذي يزداد كل يوم ! 


فحاولت زوجة ابيهم نصحهم للحدّ من استهتارهم بحياتهم وبأموال والدهم ، لكنهم لا يكترثون لها.. 

وجوابهم المعتاد : 

- انت لست والدتنا ، لتنصحينا .. ثم والدنا مدير مصنع ، وبإمكاننا الصرف كما يحلو لنا !

***


وذات يوم .. اراد الإبن الأكبر صورة عن هويّة والده ، لإكمال ملفّه الدراسيّ.. فأخبرته زوجة ابيه : بأنها لا تملكها ، وعليه الذهاب للمصنع للحصول على هويّة والده وتصويرها


فأخذ سيارة العائلة ، متوجهاً الى هناك.. وهي المرة الأولى التي يذهب فيها لمصنع والده ، المُخصّص لإطارات السيارات والشاحنات

^^^


وما إن تخطى بوّابة المصنع حتى استقبله أحد العمّال الذي قاده للداخل ، حيث الضوضاء تصمّ الآذان ، ورائحة المطّاط تملأ المكان..

وهناك في زاوية الورشة .. رأى رجلاً يطرق بمطرقةٍ ثقيلة على إطار شاحنةٍ ضخمة… ظهره محنيّ ، وملابسه مُبلّلة بالعرق..

احتاج لحظة ليدرك ، ان ذاك الرجل هو والده ! 


فرفع جواله بيدٍ مُرتجفة ، لتصوير عمله الشاق .. قبل ان يهمس العامل للأب ، عن زيارة ابنه المفاجئة ! ليسارع بمسح عرقه ، كأنه يحاول اخفاء تعبه .. ثم توجه نحو ابنه البكر ، وهو يسأله بقلق : 

- هل هناك خطبٌ ما بالمنزل ؟ هل زوجتي وإخوتك بخير ؟!

فاكتفى ابنه المرتبك ، بطلب هويّته التي اعطاها اياه.. 

^^^


عاد المراهق إلى البيت .. جامعاً إخوته وزوجة أبيه ، لعرض المشهد المصوّر عليهم 


اخته بصدمة : اخبرتني امي انه صاحب المصنع ، لا عامل فيها !

اخوها الأصغر وهو يشعر بالذنب :

- لم يعاتبني يوماً على شراء الحلويات لأصدقائي ، رغم تعبه بالحصول على اجرته ! لذا اعدكم ، ان لا أطلب منه أكثر من حاجتي

اخوهما المراهق بحزن : وانا كنت مُهملاً بدراستي ، ظناً بأن مستقبلي مضمون.. لكني سأهتم بدراستي ، الى حين تخرّجي من الجامعة .. ثم إيجاد عملٍ اساعد فيه والدي على مصروفنا الشهريّ

زوجة الأب : وانا بدوري سأخفّف فواتير المنزل ، مراعاةً لصحة والدكم

المراهقة بجدّية : اما انا !! فسأقبل بالعريس الأخير ، لتخفيف مسؤولية والدي اتجاهي

زوجة الأب : احسنتم جميعاً !! دعونا الآن ندخل للمطبخ ، لإعداد افضل وجبة غداء لوالدكم الحنون

الولد الصغير : كنت سابقاً سأقترح طلبيّة من المطعم .. لكن من اليوم ، لن اعترض على ايّ طعامٍ تطبخيه لنا .. يا امي


فتفاجأ الأخوان من مناداته زوجة ابيهما ، بأمه ! لكنهما يدركان ان والدهما سيسعد إن عاملا زوجته جيداً ..

***


ظهراً ، عاد الأب مرهقاً الى منزله .. ليتفاجأ بوجوهٍ تنتظره ، لا أبواب غرفٍ مُغلقة كعادتهم بعد وفاة امهم ! حيث اجتمعوا معاً على السفرة التي أعدّوها مع زوجة ابيهم التي عاملوها بكل احترامٍ امامه ، على غير عادتهم!


وبنهاية الغداء .. اخبرته ابنته بموافقتها على العريس الأخير .. مما افرح والدها ، كونه ابن صديقه.. 

كما وعده ابنه المراهق بتخرّجه هذا العام ، دون انشغاله بنزهاته السخيفة مع اصحابه الكسالى .. 

اما الصغير : فالتزم امام والده ، بعدم طلبه اكثر من مصروفٍ بسيط لمدرسته 

***


وبعد ذهاب كلاً منهم الى غرفته ..

استلقى الأب على سريره .. وقبل اخذ قيلولته المعتادة ، استدار ناحية زوجته لشكرها على اليوم الجميل :  

- لا اصدق ان خطتك نجحت بهذه الطريقة المُبهرة !

زوجته : حين طلب ابنك هويتك ، سارعت الإتصال بك .. وطلب نزولك للورشة مع العمّال ، لكيّ يعرف ابنك مقدار جهدك.. ومن الجيد انه صوّر تعبك ، وأراها لأخويه.. وبذلك انصلح الثلاثة في يومٍ واحد !

الأب مستفسراً : وكيف أقنعتهم بأنني لست صاحب المصنع ؟!

- حين سألوني عن ذلك ؟ اخبرتهم انك بعت حصتك لشريكك ، لدفع المصاريف الغالية لعلاج امهم المرحومة من السرطان.. ولكيّ لا تعلن افلاسك ، وافق شريكك على عملك داخل المصنع ، لتوفير مصروف اولادك

- يالها من فكرةٍ رائعة !

الزوجة : المهم ان لا تُخبر اولادك عن كذبتي البيضاء

- بالطبع لا !! فمن مصلحتي زواج ابنتي المدلّلة ، ونجاح ابني المهمل ، وتوقف صغيري عن هدر مصروفه على اصدقائه.. بالفعل كانت خطةً ذكية منك !


ثم نام قرير العين ، كأن حمل السنين خفّ عنه أخيراً ، بفضل ذكاء زوجته الجديدة ! 


الثلاثاء، 14 أبريل 2026

عروس المسيرة

تأليف : امل شانوحة 

بطلة المقاومة


في مدينة خيرسون الأوكرانية .. تعيش شابةٌ عشرينية مع والدها المشلول ، في منزلٍ أرضيّ لم تغادره رغم الحرب.


وفي صباحٍ بارد .. وقفت على الشرفة لنشر الغسيل ، حين لمحت طائرةً مسيّرة تحوم فوق منزلها ! فلم تشعر بالرعب بل رفعت إصبعيها بعلامة النصر ، كحركةٍ استفزازية للعدو 


في هذه اللحظة .. كان ضابطٌ روسيّ يمرّ بجانب غرفة المراقبة ، عندما لمح صورة الصبية المُلتقطة بطائرة درون 

فسأل الموظف (الذي يتحكّم بالطائرة الصغيرة) :

- من تكون ؟

الموظف : لا نعلم سيدي .. لكنها من السكّان القلائل الذين رفضوا ترك بلدتهم ، بعد احتلالنا لها .. لذلك اقوم بمعاينة منزلها ، قبل قصفه قريباً

الضابط بحزم : لا !! أجّل الموضوع بضعة ايام ، لكيّ اراقبها عن كثب


فظن الموظف الروسي أن ضابطه يشكّ بانضمامها للمقاومة الشعبية ، دون علمه بانغرامه بشكلها البريء وحركاتها العفوية.. حيث أصرّ الضابط بالأيام التالية على التحكّم بالمسيّرة بنفسه ، لمراقبة منزلها من جميع الزوايا: 

ليحصل على فيديو مصوّر اثناء جليها الصحون وهي تدنّدن الأناشيد الثورية ، واضعةً السمّاعات في اذنيها ، لحمايتهما من طنين المسيّرة المزعج .. كما رآها تعتني بوالدها العاجز ، مما زاد احترامه لها !

***


وبسبب تحليق طائرة درون طوال الوقت حول منزلها ، اعتادت الصبية شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تتحدث مع المسيّرة :

- كيف حالك اليوم ؟ هل قرّرت قصفنا ، ام مازلت متردّدة ؟

فانتبهت بأن مراوح الطائرة تتحرّك بشكلٍ تبدو كإجابات : نعم ولا !


ومن وقتها صارت تحاور الطائرة التي تجيبها بالنفي او الإيجاب ، كنوع من التواصل بين الضابط الروسي والصبية الأوكرانية التي اصبح مهووساً فيها !

***


وفي إحدى الليالي .. دخل موظف الحاسوب الى غرفة المراقبة ، ليجد الضابط مازال يراقب الصبية اثناء نومها (وهي تضع القطن بإذنيها من صوت الطائرة المزعج)

الموظف باستغراب : أمازلت تراقبها ؟!

لكن الضابط لم يجبه ، بل ظلّ يتابع الشاشة باهتمامٍ وتركيز ..

الموظف بقلق : أخاف ان اسألك ، ان كنت معجباً بتلك الأوكرانية؟! 

فوقف الضابط ، وهو يقول بجدّية : 

- إسمعني جيداً .. ارسل أمراً لفرقتنا البرّية بإحضارها اليّ ، دون ان يلمسها احد .. مفهوم !!

***


استيقظت الصبية في صباح اليوم التالي وهي مستلقية على سريرٍ حديدي ، يبدو مُخصّصاً لمعسكرٍ ما !

فنهضت مرتعبة ، بعد رؤيتها لزيّ الضابط الروسي وهو يدخل الغرفة ، قافلاً الباب خلفه !

- وأخيراً التقينا ، يا اميرتي العنيدة

فسألته بصدمة : لما خطفتموني ؟! انا لا علاقة لي بالحرب ، كما لديّ مسؤوليّات اتجاه والدي العاجز..

الضابط مقاطعاً بلؤم : والدك صار في مكانٍ افضل .. هذا ان كنت تؤمنين بالجنة ؟

الصبية بصدمة : ماذا ! هل قتلتموه يا ملاعيين ؟!!

- لن اسمح له بإهدار جمالك ، وانت تعتنين به.. (ثم جلس على الكرسي) .. كفاكِ بكاءً !! فهو كان جنرال اوكراني قبل اصابته بالشلل من رصاصة قناصنا المحترف

- كيف عرفت ؟! 

- اعرف كل شيءٍ عنك .. والآن دعيني انظر لعينيك الجميلتين ، فقد اشتقت لحديثنا سوياً 

- اشتقت ! هل كنت انت من تحاورني عبر المسيّرة ؟!

الضابط : نعم ، لأني معجبٌ بك

- هل جننت ؟! مستحيل ان أُغرم بعدوي .. فأنا وطنيّة ، ولن اخون بلدي ابداً !!

- عن ايّ بلدٍ تتكلّمين ؟ فمناطق أوكرانيا تسقط في ايدينا الواحدة تلوّ الأخرى .. وهذا جزاءٌ عادل لمن يتحدّى الإتحاد السويفيتي 


الصبية بعصبية : الإتحاد السوفيتي انتهى في عام 1991 !! وان كنت لا تتذكّر تاريخ دولتيّنا ، فدعني اعطيك ملخصاً بحروبنا القديمة معاً : فمدينة كييف التي تحاولون جاهداً السيطرة عليها ، هي اصل هويتنا الوطنية .. ومع ذلك اجبرتمونا على الخضوع للأمبراطورية الروسية ، متجاهلين لغتنا وثقافتنا .. وبسببكم حصلت مجاعة الهولودومور .. فأقمنا احتجاجات يورومايدان التي مكّنتنا من تغيير السلطة اخيراً .. والتي اعتبرتموها اهانة ، فقهرتم شعبنا بضمّكم شبه جزيرة قرم اليكم .. التي ادّت لاندلاع صراعاتٍ مسلحة في دونباس الأوكرانية.. وبسببها حصلت القطيعة بين الدولتيّن.. 

الضابط مقاطعاً بسخرية : دعيني أُكمل عنك درس التاريخ .. فلشدّة غبائكم بإدارة دولتكم ، اعلنت روسيا الحرب عليكم في فبراير 2022 ، لمنعكم من الإنضمام لحلف الناتو.. وكنا سنربح عليكم بعد تدميرنا البنى التحتية من كهرباءٍ وطاقة ، لولا تدخل اميركا واوروبا لدعمكم بالأسلحة ، وفرضهم العقوبات علينا .. ورغم اننا اصبحنا بشهر نوفمبر الآن ، الا اننا مازلنا متقدمين عليكم .. هآ يا معلمتي ..هل نجحت بالإمتحان ، ام نكمل حوارنا المملّ طوال اليوم ؟

فتمّتمت بحزن : حوارنا العقيم أشبه بمحاكمة بين ذاكرة شعبٍ ووهم جلاّد! 


لكنه لم يهتم لتعليقها ، ونهض عن كرسيه وهو يقول : 

- إتخذت قراراً نهائيّاً بشأنك !! ففور حصولي على اجازتي ، سأصطحبك الى مدينتي للزواج بك 

الصبية برعب : ماذا !

- لا اريد ايّ اعتراض !! والآن سأطلب من الجندي احضار الطعام لك ، ريثما أُنهي عملي بالإدارة .. ارتاحي قليلاً  


وذهب مرتاح البال الى مكتبه ، دون علمه بالنار التي تشتعل بقلب الصبية التي فكّرت طوال اليوم بطريقة للنيل من الأعداء

***


في الليلة التالية ، اجتمع معها على العشاء .. وحين حاول مسك يدها ، ابعدتها عنه باشمئزاز .. لتنتبه الى نظرته الغاضبة ، فسارعت بالقول:

- لم اقصد مضايقتك .. لكني وعدت والدي قبل موته ، ان لا يلمسني احد سوى زوجي.. فأنا فتاةٌ ريفية ، من عائلةٍ مسيحيةٍ متشدّدة 

- وهذا سيحصل قريباً ، بعد انتقالنا لبلدتي 

- اذاً رجاءً .. الى ذلك الحين ، لنبقى صديقيّن فحسب

- كما تشائين عزيزتي .. اساساً طلبت اجازتي باكراً ، وسنسافر معاً بعد يوم غد.. فتجهّزي يا عروس ..(ثم اقترب من وجهها ، بابتسامةٍ مستفزّة) .. ونصيحةٌ مني : لا تحاولي الهرب من المعسكر ثانيةً ، والا سيرنّ جهازك مجدداً  

 

وبعد خروجه من الغرفة .. قالت الصبية في نفسها بضيق ، وهي تنظر للجهاز المُعلّق حول قدمها : 

- لم يعد هناك وقت ! عليّ الإسراع بنقل المعلومات التي اكتشفتها (من تنصتها على الجنود) الى بلادي 


وهنا انتبهت بأن الضابط الروسي نسيّ حقيبة ظهره بزاوية الغرفة ! فسارعت بفتحها ، لتجد حاسوبه 

- هو سينشغل بعمله الإداريّ طوال الليل .. عليّ فك شيفرة حاسوبه سريعاً ، لإرسال ملفاته السرّية الى قيادة جيشنا البرّي 

***


بعد ساعات من العمل الدئوب على حاسوبه .. استطاعت الحصول على خريطة تمركز جنود الروس حول مدينتها خيرسون.. وارسلتها لقائد الجيش الأوكراني (صديق والدها) الذي اعتذر عن تحرير أسرها ، كونها في معسكرٍ شديد الحراسة 


وكما توقعت ! عرف الضابط الروسي بما حصل متأخراً ، بعد استعادة اوكرانيا لمدينة خيرسون بنوفمبر 2022 ! 


فدخل غاضباً الى الغرفة :

- سوف اقتلك ، ايتها الخائنة !! 

الصبية بشجاعة : لا يهم .. سأموت فداءً للوطن

- لا اصدق ان فتاةً ساذجة مثلك ، استطاعت اختراق حاسوبي !

الصبية بمكر : مالا تعرفه عني .. ان والدي علّمني كل شيء ، لأكون هاكر محترفة مثله 

الضابط بصدمة : اذاً انت مع المقاومة ؟! 

- جميع اهالي اوكرانيا الشرفاء ، مقاومين للروس المتغطرسين .. يا غبي !!

^^^ 


فسحبها من ذراعها بعنف الى خارج الغرفة ، وأوقفها امام سور المعسكر .. ثم رفع مسدسه في وجهها ، محاولاً اعدامها .. لكنه لم يستطع ، بعد إغرامه بها 


ليفاجأ بالنقيب الروسي ، يسحب المسدس من يده وهو يأمره بإدارة وجهه .. قبل ان يسقط الضابط على ركبيته ، بعد سماعه دويّ الرصاصة التي اخترقت رأس حبيبته 

جعلته يصرخ بعلوّ صوته :

- لما لا يمكننا الوثوق بالقرويين الملاعيين !!!.. لما يا ربي ؟!!

وانهار باكياً ، وسط صدمة الجنود في المعسكر الروسي البارد ! 


الأحد، 12 أبريل 2026

جزيرة القلوب النقية (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة 

حارس العالميّن


إنزوى قزمٌ صغير في زاوية غرفته وهو يبكي بقهر ، بعد عودته من المدرسة .. 

فدخلت امه تواسيه .. لتجده يقول بحزم :

- يوماً ما سيعيش الأقزام في عالمٍ خالي من التنمّر والسخرية

***


كبر القزم ليصبح اشهر ممثل هوليوود ، بدور الجني الطيب .. لكنه لم يبدّد ثروته ، بل ظلّ يجمعها الى ان تمكّن من شراء جزيرةٍ صغيرة بعرض المحيط .. 

وهناك بنى اكواخاً بحجمه .. ثم دعا من يشبهه للإنضمام اليه 


وسرعان ما اكتظّت جزيرته بالأقزام من كافة جنسيات العالم .. والذين انشغلوا بزراعة أرضهم واصطياد أسماكهم ، لصنع مجتمعٍ يليق بهم  

***


ومرّت سنوات على هذه الحال .. الى ان انجب زوجيّن منهم ، طفلاً بدى عادياً .. الا ان طوله لم يتوقف بمرور الأيام ! حتى اصبح عملاقاً في سن الشباب 


في البداية ارتعبوا منه .. لكن حسن تربية والديّه القزميّن ، جعلت الشاب خدوماً لمن حوله بكل احترامٍ وتواضع 

وفي المقابل ، تعاون الأقزام على خياطة ملابسه الضخمة .. والطبخ له بكمياتٍ كبيرة ، تُشبع معدته 


ومع الوقت تكفّل العملاق بأعمالهم الشاقة ، حامياً جزيرتهم من الأعاصير والمتطفلين ، حتى صار حارسهم الأمين 

***


كل هذا تغيّر بعد اقتراب سفينةً ضخمة الى شاطئهم ، مليئة بعمالقة العالم ! حيث أخبرهم قائدها : بأنه قلّد تجربتهم ، بشرائه الجزيرة المجاورة .. لكيّ يعيش العمالقة بسلام ، بعيداً عن التعليقات المسيئة للبشر العاديين 


هنا علم والدا الشاب انهما امام امتحانٍ صعب ، وأصرّا على ركوب ابنهما في تلك السفينة لبناء حياته بين أمثاله .. والزواج منهم ، وإنجاب ذريّةً تشبهه 

ورغم ان قلبه مقسوماً بين عالميّن ، الا انه وافق على ترك جزيرة الأقزام الذين ودّعوه بالدموع ، والدعاء له بحياةٍ سعيدة

***


بعد سنوات .. عاد العملاق بقاربه الخشبي ، برفقة طفليّه التوأمين (7 سنوات) المصابين بالقزم !

فاحتضن الجدّان حفيديهما بشوقٍ كبير ، بينما وجّه الإبن سؤالاً للأهالي :

- زوجتي لم تتحمّل اختلافهما ، فتخلّت عنهما .. واريدهما ان يكبرا بعالمٍ يشبهمهما .. فهل تقبلون عودتي كحارس جزيرتكم ؟


فرحّب الأقزام بعودته ، وأقاموا وليمةً ضخمة له ولولديّه اللذين اندمجا سريعاً مع الأهالي الودودين الذين يؤمنون بشعارهم الأبدي : 

((الأحجام لا تحدّد المصير ، بل سلامة القلوب النقية)) 


فخ الأناقة

تأليف : امل شانوحة  نبوءة الغجري إنشغلت الصبية بجوالها خلال تواجدها بالميترو الشبه خالي ، قبل اقتراب غجريّ بعقده الخرزيّ الطويل ، والوان ملا...