الاثنين، 5 ديسمبر 2022

الحاكمة الفعليّة

كتابة : امل شانوحة 

 

الملكيّة الأوروبيّة


إلتزمت العائلة الملكيّة في إحدى الدول الأوروبيّة بالظهور بأبهة حلّتها امام شعبها بالعيد الوطني السنويّ ، بحضور الملك برفقة ابنتيه المراهقتين وزوجته .. وأمه (آن) التي سلّمت تاج زوجها المرحوم ، لإبنها الوحيد ..


وفي هذا اليوم .. إجتمع الشعب لمشاهدة تتويج ابنته البكر (إليزابيث) كوريثة للعرش .. بينما لم تُكرم اختها التي تصغرها بعام (ماري) بأيّ لقب ، عدا عن كونها أميرة عادية !


وكان على الملك أخذ صورة تجمعه بزوجته وابنته إليزابيث امام الملأ.. 

فشعرت الجدة بحزن حفيدتها ماري التي دفعتها إليزابيث للوراء ، كيّ لا تظهر بالصورة ! 

مما اغضب الجدة آن التي طالبت بصورةٍ جماعيّة ، كعائلةٍ واحدة 


لتتفاجأ بكنّتها تسحب إليزابيث من يدها ، وتأخذها للملك لإلتقاط الصورة المطلوبة.. 

فاكتفت الجدة بحضن ماري ، وهي تكتم غيظها من تصرّف كنّتها السيء امام الكاميرات ! 

***


بعد شهر .. إنتشرت بوسائل التواصل الإجتماعي : فيديوهات قديمة للعائلة الملكيّة .. مُرفقة بموسيقى حزينة ، تُظهر المعاملة الجافّة للوالدين مع ماري ، وإهتمامهما بإليزابيث فقط ! 

مما أثار شفقة الشعب الذين طالبوا بتعيّن ماري بإحدى المراكز المهمّة بالدولة ، فهي معروفة لديهم بهدوئها ولباقتها .. بعكس إليزابيث المُحبّة للظهور والمتغطرسة بتعاملها معهم ! 

***


في مكتب الملك .. جنّ جنون إليزابيث بعد رؤيتها الفيديوهات التي تُظهرها كأختٍ لئيمة ! 

واستنكرت والدتها الأمر :  

- من نشر تلك الفيديوهات القديمة ؟ ولما التركيز على كوننا والدين سيئين ؟!


وهنا دخلت الجدة وهي تقول :

- عرفت من هو ، وطردّته فوراً من الإعلام

ابنها : من تقصدين ؟

الجدة : الصحفي الذي أثار البلّبة بالبلاد 

ابنها بعصبية : أعطني اسمه فوراً !!

الجدة : لا تقلق بشأنه ، فقد طردّته الى خارج الحدود 

ابنها معاتباً : امي ! كيف تتصرّفين دون اخباري ؟

الجدة : وهل سأنتظرك لحين تفاقم المهزلة ؟ 

فقالت زوجته بلؤم : متى ستدركين انك لم تعودي ملكة البلاد ؟

الجدة بقهر : هذا بدل أن تشكريني لمعاقبتي الشخص الذي أهان وريثة العرش ؟

إليزابيث بلؤم : رجاءً جدتي ، لا تتدخلي بأموري ثانيةً 

الجدة وهي تكتم غيظها : كما تشائين .. يا ملكة المستقبل


وخرجت الجدة من المكتب ، وهي تقول في نفسها بغضب :

((عليّ تربيتكم من جديد))  

***


بمرور الأيام .. بدأت الناس تميل لماري التي تُمنع من الظهور بكاميرات الإعلام ! 

وأشفقوا عليها بعد سماعهم خادمة القصر تعترف : بأن معظم المناسبات التي لم تحضرها ماري ، لم يكن بسبب مرضها (كما قيل للشعب) .. بل لمنع إليزابيث اختها من التواجد معها تحت الأضواء.. 

مما استفزّ الناس الذين أصرّوا على وجود ماري بكافة المناسبات المستقبليّة ، وإلاّ لن يحضورها ثانيةً .. 


وبذلك أُجبر الملك على أخذ ماري معه ، رغم تركيز إهتمامه على إليزابيث كونها وليّة العهد التي علّمها اللغات الأجنبية والبروتوكولات الدوليّة .. بعكس ابنته ماري التي رغم تفوّقها الدراسيّ ، إلاّ انه لم يكترث بتنميّة قدراتها السياسيّة .. بعكس جدتها الحنونة التي تدرّسها بالخفاء ، لنيّةٍ تضمرها في قلبها !  

***


وذات يوم ، واثناء الإحتفال الملكي بإحدى المناسبات الوطنيّة .. جلست إليزابيث مع والديها في عربةٍ مُذهّبة ، وهي تلوّح بغرور للجماهير .. تاركةً أختها ماري تمشي خلف عربتها مع الجنود ، كأنها من الحاشية !

 

وهنا انتبهت ماري على سيدة عجوز تناديها بين الجمهور ، وتشير للإقتراب منها !

ولعفويّة ماري وطيبة قلبها ، توجّهت اليها .. ليُسارع الشعب بالتقاط الصور معها .. وسرعان ما أطلقت العجوز شعاراً مدويّاً :

- تحيا الملكة ماري !!!

وقبل أن تصحّح ماري خطؤها .. ردّد الجمهور بصوتٍ مرتفع :

- تحيا الملكة ماري !!!


ووصل صدى هتافاتهم لأسماع إليزابيث التي اغتاظت كثيراً ، وطلبت من والدها حلّ المشكلة .. 

فأوقف عربته ، آمراً ماري بالركوب فوراً.. 


ثم اسدلوا الستائر ، وبدأوا بنقدها بعنف .. حتى انهارت باكية وهي تحاول التوضيح بأنه ليس ذنبها ! 


وقد استطاع احد المصورين إلتقاط دموعها بين الستائر الشبه مفتوحة ، ونشرها بوسائل التواصل تحت عنوان :

((تعنيف الملكة ماري ، لمحبّة الناس لها))


مما زاد غضب الشعب الذين رفضوا أن يكون والدها ملكهم بعد اليوم ..فظلمه لإبنته البريئة ، تؤكّد أنه ليس حاكماً عادلاً ! 

ولتخفيف غضب الشعب .. طلب الملك إجتماعهم بيومٍ محدّد ، لتنازله عن الملك لوليّة العرش

*** 


وفي اليوم المنشود .. إكتظّت الساحة بالشعب الذي فاجأوا الأسرة المالكة  برفعهم صور ماري ، مُطالبين بتسلّمها الحكم ! 


وعلى المنصّة المرتفعة .. راقبوا الملك وهو يزيل التاج عن رأسه ، محاولاً كتمان حزنه .. 

وكلما اقترب من إليزابيث ، إستهجنوا بصوتٍ مرتفع ! 


فنصحه وزيره بعدم إغضاب شعبه .. فربما يُسقطون ملكه بثورةٍ غاضبة ، في حال عاند قرارهم الإجماعيّ !


وبالوقت الذي جلست فيه إليزابيث بغرور على العرش ، بانتظار تولّيها الحكم .. صدمها والدها بوضعه التاج على رأس ماري التي جلست بالصفوف الخلفيّة للطبقة المخمليّة من الأمراء !


ووسط دهشة اقارب الملك من تصرّفه الغير متوقع ! 

سارعت الجدة (آن) بالتصفيق ، وهي تُحيّ الملكة الجديدة .. مما أجبر البقيّة على تقليدها .. 

ليشاهد الجميع على الهواء مباشرةً : إنسحاب إليزابيث غاضبةً من الحفل ، وهي تتوّعد اختها بالإنتقام !


ورغم تردّد ماري بقبولها التنصيب الملكي ، إلاّ ان جدتها شجّعتها للإقتراب من مقدّمة المنصّة.. لمشاهدة الملايين وهم يحيّونها بحماسٍ وفرح ..

هامسةً الجدة بأذنها :

- انت الملكة بقرارٍ شعبيّ موحّد 

ماري بقلق : وماذا عن اختي ؟

- إنسي امرها الآن ، ولوّحي لهم


واعتصر الحزن قلب ماري الطيب ، لقهرها اختها دون ذنبٍ منها .. خاصة مع نظرات الغضب من والديها الّلذين لم يباركا لها ، كبقيّة الطبقة الحاكمة ! بل انتظرا انتهاء الحفل ، ليسارعا بدخول القصر وتهدئة ابنتهما المفضّلة .. بينما منعتها جدتها الإقتراب من غرفتها ، لحين هدوء الوضع

*** 


بعد اسابيع من تولّي ماري الحكم .. عيّنت اختها إليزابيث كسفيرة للبلاد ، لإتقانها عدّة لغات ومعرفتها الواسعة بالبروتوكولات الدوليّة  

ومع ذلك رفضت الأخت الكبرى مصالحتها ! وسافرت فوراً لاستلام سفارتها بدولةٍ مجاورة ، بينما انتقل والداها لفلّتهما الريفيّة 

ولم يبقى بالقصر ، سوى الجدة والملكة ماري التي تطيعها بجميع اوامرها

***


في إحدى الليالي .. إجتمعت الجدة سرّاً بالعجوز ، لتكريمها برزمةٍ من المال وهي تقول : 

- شكراً لاهتمامك بنشر الفيديوهات (التي سلّمتك إيّاها) للملأ

العجوز : لا شكر على واجب .. فجميعنا نتفق بأن ماري الطيبة والرزينة تستحق الملك اكثر من اختها المتغطرسة ..لهذا شجّعت الشعب على مناداتها بالملكة ، لإجبار والدها للرضوخ لطلبنا .. لكن عندي سؤال : هل وقفتِ بجانبها لأنها مظلومة ، أم تخطّطين لشيءٍ اكبر ؟ فأنا صديقتك منذ الطفولة ، وأعرفك جيداً

الجدة آن : فعلت ذلك ، لتلقين كنّتي درساً لن تنساه .. فهي قلّلت من شأني امام الإعلام الداخلي والعالمي 

- الم تسامحيها على ذلك التصرّف المتعجرف ؟


آن بعصبية : لا !! فأنا لم اوافق يوماً على زواج ابني من امرأة من عامّة الشعب .. عدا عن حلمي القديم بحكم البلاد .. لكن زوجي قبل وفاته أعطى المُلك لإبنه الذي أبعدني عن سلطاتي السابقة .. وجعل عودتي مستحيلة مع ابنته المغرورة 

العجوز : ألهذا اخترتِ ماري ، لضعف شخصيّتها ؟

- نعم ، فبسببها أصبحت الحاكمة الفعليّة للبلاد .. وابني وزوجته لا يستطيعان إيقافي ، بعد اعتزالهما السياسة

- وماذا عن إليزابيث ؟ ربما تطالب بحكمها مستقبلاً


الجدة : لهذا أرسلتها كسفيرة للبلاد ، فبقائها بالخارج أفضل لي

- أكان هذا قرارك ايضاً ؟!

- كل قرارات الدولة منذ تولي ماري الحكم ، هي من تخطيطي .. فأنا لديّ خبرة واسعة بهذا المجال .. ومع حفيدتي البسيطة ماري ، أكون حقّقت حلمي الكبير : بحكم البلاد أخيراً

العجوز : اذاً عليّ القول ... لتحيا ملكتنا آن !! 

وابتسمتا بمكر


السبت، 3 ديسمبر 2022

مراهنة الروح

تأليف : امل شانوحة 

بيت الشيطان


مشى برعب بين الغرف المهجورة بدهاليزها الطويلة ، حاملاً شعلة النار مع تجنّبه النظر في إنعكاسات المرايا الغريبة التي أخافته في كل زاوية ، اثناء هربه من الظلال السوداء والبيضاء التي تطفو كملاءةٍ خفيفة بالهواء المكتوم ، داخل القبوّ المعتم ! 

عدا عن صرير الأبواب التي تُفتح وتغلق وحدها ، مترافقة مع عويلٍ وصفيرٍ يعلو وينخفض بين الأدراج !


وظلّ الرجل الأربعيني في حالة ترقّبٍ ورعب طوال ساعتين ، لحين بزوغ الفجر .. وقدوم الحارس الشخصيّ لفتح قفل القبوّ ، طالباً منه الخروج من القصر الأثريّ المدفون هناك ! 

***


في مكتب المدير ، قال ساخراً :

- مبروك !! شعرك شابَ بالكامل ، فهل نضج عقلك ايضاً ؟

المقامر وهو مازال يرتجف : 

- أحلف بأني لن اراهن بشرف زوجتي وابنتي ..

المدير مُقاطعاً بنبرة تهديد : 

- إن رأيتك تقامر في البارّ ثانيةً ، سأدعّ الشيطان القابع بقبوّ ملهايّ بتحويلك عبدٍ له مدى الحياة 

- لن اعود الى هنا .. أحلف لك !!

المدير : وهل ستتابع العمل في متجرك ؟

فأجاب يائساً : لم يعد متجري ، بعد بيعه للمقامرة 

- أعرف هذا .. ومن حسن حظك أن البائع سمح ببقائك فيه ، للصرف على عائلتك التي راهنت بها قبل قليل !

المقامر : بعد رهاني على روحي لأكثر من ساعتين ، تبت لله توبةً نصوح 

المدير : إحمد ربك أن الشيطان لم يرك ، وإلاّ لمتصّ دمك بالكامل .. هيا أغرب عن وجهي !! 

***


بعد ذهاب المقامر ، سأله الحارس الشخصيّ :

- سيدي ، هذا رابع تائباً هذا الشهر !

المدير : وانا سعيد بذلك

- هكذا نخسر زبائننا !

- أتظنني بحاجة لمال القمار القذر ؟ انا اعمل بالتجارة ، وأصرف من ماله الحلال على عائلتي .. اما اموال البارّ ، فأرسلها اولاً بأول لجمعيّةٍ خيريّة

الحارس : لم افهم !

- سأخبرك قصتي منذ البداية ..


وأخذ المدير يستذكر ماضيه ، وهو يتنهّد بحزن :

- كان هذا البارّ لعمي الكبير المكروه من كل عائلته ، بعد تعويده ابي على القمار .. وبسببه تدمّرت حياتنا ، عقب مراهنة والدي على شرف امي التي جنّ جنونها وطردته من المنزل ، ليموت مشرّداً بالشوارع .. اما انا ، فتركت مدرستي التي كنت من اوائل طلاّبها ، كيّ أصرف على اخوتي الصغار .. وببلوغي سن الثلاثين ، أهداني عمي العقيم بارّه قبل موته بالسرطان ، كتكفير عن ذنبه معنا .. فطلبت امي بيعه على الفور ، وتوزيع ماله للفقراء ، لأنه محل فسوق .. وكنت سأنفّذ كلامها ، لولا عثوري على القصر الأثريّ الذي وجدته صدفة اثناء تصليحي القبوّ ..


الحارس : هل هو أثريّ بالفعل ؟

المدير : نعم ، لكني لم أخبر السلطات بذلك ، وإلاً لطردوني من البارّ بعد هدمه ، لنبش القصر المدفون .. وربما أعطوني شهادة المواطن الصالح ، دون تعويضٍ ماليّ .. لهذا هدّدت العمّال بالقتل إن باحوا بالسرّ ، بعد إنتهائهم من تنظيف الغرف وممرّات القصر ، وإضافة الشعلات الناريّة والمرايا بانعكاساتها المختلفة لتحويلها لمكان رعب ، لإجبار مدمني القمار على التوبة والعودة للطريق المستقيم  

- الهذا طلبت من موظفيك إرسال المقامرين اليك ، ممن وصلوا لمرحلة الإدمان ، بالمراهنة على أفراد عائلتهم لمتابعة اللعب ؟

- نعم ، فهي اشارة بأن سوسة القمار نخرت عقولهم وضمائرهم ، كما حصل مع ابي 


الحارس : اذاً هو ليس قصر الشيطان ، كما أخبرت المقامرين الذين وافقوا على المراهنة بأرواحهم ؟

- لا ، رغم انه ليس غريباً أن تسكن الجن الأماكن المهجورة .. وربما المدمنين شعروا بوجودهم فعلاً ، لهذا ابيّضت شعورهم بعد خروجهم من الجحيم الذي رأوه بالأسفل طوال الليل .. وربما الشيطان ساعدني بهدايتهم دون علمه !

- الهذا ترفض توسعة البارّ ، وإحضار ماكينات مراهنة جديدة؟

المدير : مستحيل ان أصرف على عائلتي بالحرام .. فأنا استخدم البارّ لتوبة الفاسدين .. أمّا من يقامر بمبالغ قليلة ، دون عودته الينا ..فهو لم يصل لمرحلة اليأس .. والإنسان بطبعه يحب تجربة كل جديد .. 

- لوّ كنت مكانك ، لحوّلت القصر الأثريّ لمزارٍ للسوّاح ..وكسبت المال الوفير منه..


وقبل إكمال فكرته ، شدّه المدير من معطفه بقوة .. مُهدّداً بعنف :

- إن عرف احد بقصري الأثريّ ، سأقطع لسانك وأرسله مشويّاً لعائلتك.. أفهمت ؟!!

- آسف سيدي ، لن ابوح بسرّك .. احلف لك !!

- جيد .. والآن أغلق البارّ ، فقد اشرقت الشمس .. أراك في المساء

***


بعد خروج المدير من البارّ ، نظر للسماء وهو يقول :

((يارب !! انت وحدك تعلم نيّتي الحقيقية بإبقاء المحل الفاسق ، فلا تكتبه ذنباً عليّ .. واجعل روح امي تسامحني على عصيان أمرها بإغلاقه .. فأنا وعدتك بجعله باباً لتوبة الفاسدين .. وليكن عملي ، كفّارة لذنب ابي معنا))


وعاد الى منزله المتواضع وهو يعلم بأن زوجته واطفاله ينتظرونه بالأحضان والقبلات ، لكونه ربّ اسرةٍ مثاليّ .. عاقداً العزم على تنظيف قريته من المقامرين ، ولوّ بإخافتهم حتى الموت !  


الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

السلمون الفضوليّ (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

 

البحر والنهر


بسبب فضول السلمون الصغير بهجرة إناثهم لوضع بيوضها ! تشجّع لتجاوز البرزخ ، مُقاوماً تيّار البحر للوصول الى النهر الذي يكتشفه لأول مرة..

في البداية شعر بالإختناق لاختلاف طعم ورائحة النهر ، لكنه تذكّر كلام جده : ((بأن السلمون الوحيد من اسماك البحر الذي يستطيع النجاة في المياه العذبة)) 


فأخذ نفساً عميقاً ، جعلته يشعر بالإنتعاش.. قبل انتباهه لمجموعة من الأسماك الصغيرة الملوّنة مُجتمعة حوله ، بعد إندهاشهم من لونه الرماديّ

وسألته إحداهن :

- كيف تحلّلت قشرتك لهذا اللون الكئيب ؟!

- انا سلمون ، وهذا لوني الخارجيّ.. اما لحمنا ، فمميز بلونه البرتقاليّ ..

السمكة : لم ألتقي بسلمون صغير من قبل !

السلمون : أردّت استكشاف الشلاّل الذي تلدّ عنده أمهاتنا ..فهل تدلّوني عليه ؟

- ليس قبل إخبارنا عن البحر ، فما سمعناه مخيفاً للغاية


السلمون : مثل ماذا ؟

- بأن امواجه عاتية ، وأسماكه قاتلة شرسة ..فهل هذا صحيح ؟

السلمون : البحر يحوي العديد من المخاطر : مثل التيّارات المائيّة والدوّامات التي تقتل السبّاحين والمصطافين كل عام .. والزوابع التي تُغرق السفن الشراعيّة .. عدا عن هجمات اسماك القرش ولسعات القناديل المؤلمة ، والأخطبوطات الّلزجة العنيدة

- وماذا عن الحوت ؟

السلمون : هناك انواعٌ منه ..لكن أشرسه هو الحوت الأزرق ، لكن نادراً ما نراه فهو يعيش في المحيطات .. وبمجرّد فتح فمه ، تموت اسرابٌ منا بلقمةٍ واحدة !

- ونحن ايضاً لدينا مخاطر ، خاصة في النهر الموحل الضحل حيث تتواجد التماسيح الماكرة التي لا يمكن رؤيتها بسهولة .. لكن خطرها أكبر على حيوانات اليابسة ، فنحن لا نُشبع جوعها 


ثم سألته سمكة اخرى :

- وهل لديكم اسماكٌ أليفة في البحر ؟

السلمون : الدلفين مُسالمٌ للغاية .. ويعتبر عدوّاً لأسماك القرش التي تمزّق خياسيمها بأنفها الحادّ ، لهذا يحبها الإنسان .. مع إنه في بعض البلدان يقتلونه بوحشيّة ! .. يا الهي ! لما أشعر بالحرارة ؟!

- لأننا بالصيف .. لهذا تفاجأنا برؤيتك ، فبالعادة نرى السلمون شتاءً 


سمكة بتردّد : وبصراحة لم نردّ إخبارك بأن رائحتك نتنة

السلمون : أظن ملح البحر يمنع ذلك ، فهو مادة حافظة .. لكن ماذا عنكم , كيف تعالجون المشكلة ؟

- تعال معنا ، سنريك مكان الإستحمام .. فقوةّ تدفّق الشلالّ ستبعد عنك الطفيليّات المزعجة

السلمون : أخيراً ستوصلوني للشلالّ ، فهذا طلبي منذ البداية

- أحقاً ! ولماذا تريد رؤيته ؟

السلمون : يبدو إن إشاعة نسيانكم السريع ، صحيحة ! ..أوصلوني الى هناك ، وسأخبركم لاحقاً 

***


وذهب معهم باتجاه الشلاّل .. وقبل وصولهم اليه ، نظروا لبعضهم باستغراب :

- لما نحن هنا ؟!

- لا ادري !

- هذا ليس طريق منازلنا !

فتنهّد السلمون بضيق : كنّا ذاهبين للشلاّل ، أنسيتم وجهتنا خلال دقائق ؟!

- ولماذا نذهب الى هناك ؟

فضحك السلمون قائلاً :

- سحقاً لذاكرتكم التي تدوم ثواني معدودة ! 

السمكة مُعاتبة : أتسخر من ذاكرتنا الضعيفة ؟

السلمون : حسناً لا تغضبوا ، سأذكّركم بالأفكار كلما نسيتموها .. بشرط أن تخبروني بها اولاً بأول .. 

الأسماك بحماس : إتفقنا !!

***


حين وصلوا للشلاّل ، طلبوا منه السباحة اسفله .. وأدّى تدفقه القويّ لشعوره بالنشاط والنظافة .. قبل سماعه صراخهم المُفزع :

- أهربوا !!!

السلمون بخوف : ماذا هناك ؟!

وعندما رأى الدب يقترب من النهر ، تبعهم سريعاً .. ليشاهدوا الدبّ من بعيد وهو يصطاد الأسماك الأخرى ، بضربةٍ قويّة من يده !


السلمون : لم اكن اعرف انكم تواجهون مخاطراً ، غير التماسيح !

- أنسيت البشر الذين يصطادوننا ، كهوايةٍ بأيام عطلهم 

السلمون : ونحن ايضاً نكره الصيّادين  

- هم يصطادونكم للأكل .. أمّا نحن فنُزيّن احواضهم الزجاجيّة ، لأن ألواننا تغريهم

السلمون : وما السيء في ذلك ؟

- اقاربنا المساكين يبقون في احواضهم لأيامٍ طويلة ، وربما سنوات

السلمون : الا يرجعونهم للنهر بعد أن يملّوا منهم ؟

- تعال لنريك اين نلتقي بالغائبين  

***


وسبح خلفهم ، الى ان وصلوا لمصبّ المجاري في النهر

السلمون بضيق : يالها من رائحةٍ قذرة

- لا نريد الإقتراب اكثر ، فهنا يرمون فضلاتهم

السلمون : ولما يلوّثون الأغبياء مياه الشرب ؟!

- يستخدمون الأنهار لنقل القاذورات للبحر

السلمون غاضباً : أعلم هذا ، فالبلاستيك يقتلنا ..حيث تتراكم اطنانٌ منها بالأعماق ، وهي لا تتحلّل بمرور الزمن ! وأحياناً نعلق فيها لشهورٍ طويلة ..هذا عدا عن تسرّبات النفط من السفن الناقلة او الغارقة ..وكل هذا سهلاً  امام التجارب النوويّة التي يفجّرونها بالمحيطات ، وتقتل ملايين الأسماك من مختلف الأنواع

- الملايين !

السلمون : نعم ، عدا عن شباكهم الضخمة لسفنهم العملاقة التي تقضي على سلالاتٍ بأكملها


وهنا تساءلت سمكة ، وهي تتلفّت حولها باستغراب :

- يا رفاق ! لما نحن بالمكان القذر ؟!

- آه صحيح ! لما اتينا الى هنا ؟!

السلمون بضيق : يالا ذاكرتكم الضعيفة ! أحضرتموني الى هنا ، لتخبروني عن لقائكم بأقاربكم الغائبين الذين احتجزهم الإنسان في منزله

- آه صحيح ! والأسوء انهم يتركون اطفالهم يهتمون بهم ، فيقتلوهم بقلّة الطعام او بإطعامهم أكثر من اللازم .. وبعد موتهم ، يرموهم بدورة المياه .. فنجدهم يطفون هنا ، فنأخذهم وندفنهم بقعر النهر


السلمون بعصبية : الإنسان دمّر كل شيء !! أتمنى لوّ انتقل لبحرٍ بعيد ، لم يلمسوه من قبل 

- هم متواجدون في كل مكان .. حتى الأسماك التي جازفت للعيش في المناطق الجليديّة ، لم يسلموا من سكّان القطبين الذين عاشوا هناك رغم تدني الحرارة !

السلمون غاضباً : يالهم من كائناتٍ فضوليّة !! يظنون أن الكرة الأرضيّة ملكهم وحدهم ! 


ثم رفع السلمون رأسه من النهر نحو السماء ، قائلاً : 

- يا الهي ! تأخّر الوقت .. عليّ إيجاد طريقة للعودة للبحر ، قبل أن تلاحظ امي غيابي

- اذاً عليك تتبّع المجرى السريع 

السلمون باشمئزاز : معبر القاذورات !

- نعم ، فهو يصل للبحر

السلمون : الا يوجد طريقة اخرى ؟

- لا اظن

السلمون : يبدو انه لا حلّ آخر امامي .. (ثم رفع زعنفته) .. سعدّت بلقائكم يا اصدقاء ، فعليّ الوصول لبيتي قبل غياب الشمس

وبعد وداعهم ، سبح مع القاذورات وهو يكتم انفاسه قدر المستطاع

***


بعد ذهاب السلمون ، نظرت الأسماك لبعضها باستغراب :

- لما نحن هنا ؟!

- لا ادري !

- المكان قذر وسيصيبنا بالمرض ، علينا تغيّر وجهتنا

- الى اين ؟

- لمنازلنا

- واين هي ؟

- أظنها قرب الشلاّل

- اذاً لنسرع قبل نسيان عنواننا

- تباً لذاكرتنا الضعيفة

وانطلقوا عائدين الى بيوتهم.. 


الاثنين، 28 نوفمبر 2022

القرية الثلجيّة

تأليف : امل شانوحة 

اسرارٌ مُميتة


عُيّن جنديان وضابط لمراقبة حدود دولتهم الشماليّة ، القريبة من المحيط المُتجمّد .. وعليهم العيش معاً في كوخٍ صغير يُدفّأ بموقدٍ خشبيّ ، مع التواصل الدائم (بواسطة اللاّسلكي) مع المعسّكر الذي يبعد عنهم بضعة كيلومترات ، بعد توفيرهم الإنترنت لجوّالاتهم في المنطقة الخالية من السكّان.. 


كما ملأت قيادة الجيش مخزنهم الصغير بالأخشاب والأسماك المُثلّجة والمُعلّبات الصالحة للأكل .. مع جالونات مياه الشرب التي تُستهلك فقط ، في حال تجمّد النهر القريب منهم .. 


وزوّدتهم ايضاً بأسلحة الصيد ، وأدوية وعلاجاتٍ طبّية ضروريّة مع برودة الطقس الذي على الجنود الثلاثة تحمّلها لعامٍ كامل ، قبل تبديلهم بمجموعةٍ جديدة لمراقبة الحدود التي تُستغلّ احياناً من سفن تجّار المخدرات لتهريب ممنوعاتهم لداخل البلاد ، بالإضافة للمهاجرين الغير شرعيين ، الذي يتوجّب على الجنود حجّزهم (في حال القبض عليهم) بزنزانةٍ مُدفّئة قريبة من كوخهم ، لحين وصول فرقة من الجيش لاقتيادهم لمركزٍ مسؤول بالدولة

***


مرّت الشهور الأولى من الشتاء بصعوبة على الشباب اليافعين (المُتخرّجين حديثاً من الكلّية العسكريّة) بعد مواجهتهم لعواصفٍ قويّة ، كادت تُطيح بالكوخ فوق رؤوسهم ! 

***


مع بداية الربيع ، تحسّن الجوّ بشكلٍ ملحوظ ! وظهرت الشمس لأول مرة منذ تمركزهم على الحدود .. 

وخرج الشباب الثلاثة للتمتّع بأشعتها الدافئة ، بعد تخييمهم قرب النهر الذي ذاب ثلجه أخيراً .. 

وقاموا بشواء السمك الذي اصطادوه هناك ، وهو ألذّ بكثير من السمك المُثلّج عديم النكهة والطعم

***


لكن الأمور إزدادت غرابة مع الإرتفاع المتواصل لدرجات الحرارة بنهاية الإسبوع !

ولم يعرفوا السبب إلاّ بعد مشاهدتهم الأخبار من الإنترنت ، ومعرفتهم بتجربة الدولة المجاورة لقنبلةٍ نوويّة في البحر القريب منهم ، وتذكّروا شعورهم بهزةٍ أرضيّة اثناء نومهم ! 

وربما أدّت تلك التجربة لاتساع ثقب الأوزون فوق منطقتهم الحدوديّة ، مُتسبّبةً بذوبان الثلج بسرعةٍ تفوق معدّله الطبيعي !

*** 


بعد ايام .. إستيقظ الجندي والضابط على نداء زميلهما ، وهو يطالبهما بالخروج فوراً من الكوخ .. 

فلبسا معطفيهما السميكين ، وتوجّها للخارج .. ليجداه بثيابه الربيعيّة وهو يُشير للشمس ، قائلاً :

- حسب ميزان الحرارة ، دخلنا في فصل الصيف !


وبالفعل شعرا بحرارة الجوّ ، جعلتهم ينزعا ثيابهما الشتويّة ! 

الضابط بقلق : الأمر بدأ يُخيفني بالفعل ! 

- إن استمرّت الحرارة بالإرتفاع ، قد تحرق جلودنا

- سيدي ، علينا إبلاغ القيادة بما يحصل هنا

الضابط : ليس الآن ، دعونا نتجوّل بالمنطقة .. فهي المرة الأولى التي يذوب عنها الثلج ، وربما نكتشف اشياءً مثيرة

- أتقصد الذهب والمجوهرات ؟

الضابط : ولما لا ، فعائلاتنا اولى بها من قيادتنا التي رمتنا هنا دون رحمة

- انا عن نفسي ، لديّ الفضول لرؤية ما يوجد اسفل الجبل الثلجيّ  

الضابط : حسناً ، لنتوجه الى هناك .. ولنأخذ معاطفنا معنا ، فربما نتأخر حتى المساء وتشتدّ البرودة .. كما علينا التزوّد بالطعام والماء لرحلتنا الإستكشافيّة

*** 


بعد ساعة ، جهّزوا كل شيء .. وانطلقوا بعربات الجليد الآليّة باتجاه الجبل الشاهق الذي شاهدوه من بعيد مكسوّاً بالأشجار المُزهرة ، بعد ذوبان ثلجه مكوّناً جداول وشلاّلاتٍ رائعة !


لكنهم ارتبكوا بعد وصولهم الى هناك ! لرؤيتهم اطلال قريةٍ (اسفل الجبل القريب من المحيط الهائج) طُمرت لسنوات تحت الثلج .. لتظهر معها اكواخهم السليمة مع حديقتهم المتواجدة وسط القرية ، المُخصّصة للأطفال بمراجيحها وزحلوقتها ، مما يؤكّد على سكن عائلاتٍ في المنطقة منذ وقتٍ  قريب ! 

فلما أخبرتهم القيادة : بأن الجنود هم الوحيدين الذين تواجدوا في المنطقة الحدوديّة ؟ ولما أخفوا حقيقة القرية المطموسة عنهم ؟!

***


وعندما تشجّعوا لاستكشاف الأكواخ المهجورة ، عثروا بداخلها على عشرات الهياكل العظميّة من مختلف الأعمار .. اكثرهم مازالوا مستلقيين  على فراشهم .. بفكّهم السفليّ المفتوح ، كأنهم يصرخون بفزعٍ شديد !  

فهل ضربتهم هزّةً أرضيّة اثناء نومهم تسببّت بانهيارٍ جليديّ ، أدّى لطمر القرية بكاملها ؟!

***


بعد تصوير الجندي والضابط للجثث بجوّالاتهما ، لإرسالها لاحقاً للقيادة .. ناداهم الجندي الثالث لرؤية المقبرة التي ظهرت بشواهدها الحجريّة القديمة ، مُقترحاً نبش بعضها لتصويرها من الداخل 


فشعر الضابط بالقلق لعدم رغبته بملاحقة الأرواح الغاضبة ، لتلاعبهم بقبورهم ! 

لكنه وافق مُرغماً بعد إصرار الجنديان على اكتشاف سبب موتهم ، لوجود عددٍ كبير من المقابر للقرية الصغيرة ! 


وبعد نبشهم لعدّة قبور ، ظهر التشابه بين الجثث ! فقفصهم الصدريّ مُفتّت لأجزاءٍ صغيرة ، بعكس جمّجمتهم وأطرافهم السليمة التي حُفظت تحت الثلوج قبل ذوبانه المفاجىء ! 


والأغرب ما وجدوه بالقبور الصغيرة التي فيها رفات اطفالهم المشوّهة : فأحدهم يملك سبعة اصابع ، وبعضهم جمّجمتين ملتصقتين بجسدٍ واحد .. وهناك عظام تعود لأجنّة مولودة بأربعة ارجل ، او ثمانية ايدي كالأخطبوط ! 


ويبدو أنهم قتلوا اطفالهم عمداً ، لوجود حفرة بجمّجتهم تبدو كرصاصة ! فهل أمر كبير القرية بقتل الأطفال المسوخ ؟! ولما تشوّهت مواليد جيلهم الأخير ؟ فجثث كبارهم سليمة (فيما عدا صدورهم المُفتّتة) وما السرّ وراء ذلك ؟!


فسألهما الضابط : الم تلاحظا إن نسبة موتاهم تفوق سكّان القرية ؟ 

- ماذا تقصد سيدي ؟ 

الضابط : وجدنا عشرة اكواخ ، بينما يوجد اربعين قبراً !.. فهل انتشر مرضٌ بينهم ، يُصيب الرئات بالذات ؟ وهو ما جعل الحوامل تُنجب اطفالاً مشوّهة ؟!

- أتقصد انهم تناولوا طعاماً ملوّثاً كيميائيّاً ، أم هي فيروساتٍ قاتلة ؟

الضابط : لا ادري ! أشعر بوجود سرٍ خطير ، تُخفيه الحكومة عنا .. المهم أن نغلق القبور سريعاً ، فلا اريد أن ينتشر مرضهم المعدي بيننا .. فبعض الفيروسات تنشط مع ارتفاع الحرارة  


وسارعوا بطمر القبور قبل غروب الشمس .. 

وعادوا الى كوخهم ، بعد اتفاقهم على كتمان الأمر لحين حلّهم اللغز

*** 


بمرور الأيام .. إزداد الأمر تعقيداً ، بعد تغيّر طباع الحيوانات التي صادفتهم اثناء الصيد (بعد انتهاء مخزونهم الغذائيّ ، وانقطاع الإتصال اللّاسلكي مع القيادة التي وعدتهم بإصلاح العطل قريباً) في الغابة التي ازدهرت بعد تعدّل الجوّ ، ليصبح ربيعيّ بامتياز ! 

ومن تلك الحيوانات : تحوّل الدببة لحيواناتٍ أليفة تريد ملاعبتهم اثناء صيدهم سمك النهر ، كأنها قططٌ منزليّة ! بعكس الطيور الصغيرة التي أصبحت عدوانيّة ، كلما اقتربوا من الشجر التي عليها أعشاشها .. مما اضّطرهم احياناً لإطلاق النار عليها 


حتى الوعول والجواميس التي وجدوها هناك ، حاولت نطحهم بشراسة كأنها اسود .. بينما الثعالب ارادت مصاحبتهم ، ككلابٍ صغيرة ! 

فهل انتشار الإشعّاعات النوويّة بالجوّ أدّت لذوبان الثلج ، وتغيّر جينات الحيوانات الوراثيّة ؟! 

***


وبدأ السرّ ينكشف بنهاية الشهر ، بعد استيقاظ الجندي والضابط على سعالٍ عنيف لصديقهم من داخل حمام الكوخ ! 

وفزعا أكثر لعدم إستجابته لطرقاتهما على الباب ، فاضّطرا لخلعه بعد سماعهما صوت ارتطامٍ عنيف !

ليجدا الجندي واقعاً على الأرض وهو ينتفض ، والدماء تخرج بقوة من فمه !


فأسرع الضابط بإغلاق الباب المخلوع ، فسأله الجندي بارتباك :

- ماذا تفعل سيدي ؟! علينا إنقاذه 

الضابط : لنضع اولاً أقنعتنا الواقية ، مع لبس القفّازات السميكة

- أتظنه مرضاً مُعديّاً ؟!

الضابط : ربما أصيب بالسلّ .. بسرعة !! لنحمي أنفسنا من البكتيريا القاتلة

***


وبعد لبسهما الواقي المُخصصّ للغازات السامّة .. دخلا مجدداً .. ليجدا صديقهما فارق الحياة ، وهو غارق ببركة دمائه !

الجندي مرتعباً : ما كل هذه الدماء ! 

الضابط : أظن رئتيه انفجرتا تماماً 

- الهذا وجدنا اضلاع الجثث مُفتتّة بالقبور ؟! 

الضابط بعصبية : أخبرتكما أن لا تنبشوها !! هآ نحن نشرنا السلّ من جديد ، فالتجميد لا يقتل البكتيريا المُسبّبة للمرض اللعين !!

- ألم تقل البارحة إنك تشكّ إن الجوّ ملوّثاً بالإشعاعات النوويّة ، بسبب تجربة الدولة المجاورة الشهر الماضي ؟!

الضابط : أتمنّى أن يكون مرضاً مُعديّاً ، فهو أهون من النوويّ الذي يلوّث المنطقة بأكملها .. بجميع الأحوال ، علينا وقاية أنفسنا قدر الإمكان

- ومالعمل الآن ؟ 

الضابط : ندفنه بعيداً ، ونعود لتطهير المكان.. لا حلّ آخر امامنا ، مع تعطّل الإتصال بالقيادة !

***  


وبعد دفنه بعيداً عن كوخهما .. أمضيا ساعاتٍ طويلة بتنظيف دورة المياة وسرير الميت بالمطهّرات ، بعد طمر ثيابه وأغراضه الشخصيّة في قبره العميق .. وهما يضعان الكمّامات والقفازات ، ويدعوان الربّ أن لا ينتقل مرضه القاتل اليهما .. 

***


في تلك الليلة .. إتفقا على الصيد في مكانٍ آخر ، غير الغابة المُطلّة على القرية المنكوبة .. وجلب المياه من نهرٍ بعيد عن منطقتهما.. 

وهما يعلمان جيداً انه في حال تسبّبت الإشعاعات النوويّة بقتل صديقهم ، فلا مهرب من الموت .. لكن عليهما المقاومة ، لحين تواصلهما مجدّداً مع القيادة 


وفي آخر الليل .. نام الجندي باكياً على صديقه ، بينما استغلّ الضابط عودة الإنترنت لجواله (الذي سمح له بتصفّح الجوجل ، دون اتصاله بالقيادة !) 


فبحث جاهداً بالمجلاّت العلميّة القديمة عن القرية المطموسة ، الى أن وجد كاتباً تحدّث عن سكّانها الأصليين الذين لازموا قريتهم منذ قرون ! ولولا الإنهيار الجليديّ المفاجىء ، لما انقرضوا جميعاً .. 

ويبدو أن المؤلف إستطاع نشر كتابه بالإنترنت ، قبل موته الغامض ! بعد تشكيكه باتفاق الحكومة سرّاً مع الدولة المجاورة ، لجعل المحيط القريب من القرية مكاناً للتجارب والقاذورات النوويّة ! 


حينها فهم الضابط : لما قيادته تُرسل القليل من الجنود المُبتدئين لحماية الحدود الشماليّة ؟ وذلك لعلمهم بعدم نجاتهم بعد عامٍ من تعرّضهم للإشعاع المُميت ، الذي تسبّب بتفجّر رئات أهالي القرية الذين وجّهوا شكوى للحكومة بعد انتشار مرضٍ قاتلٍ بينهم ، أدّى لإنجابهم أطفالاً مُشوّهين (حسب ما ذكره الكاتب) 

 

وبعد انتهاء الضابط من قراءة الكتاب الذي مُنع نشره بجميع دور النشر الوطنيّة ! إستنتج بأن بقايا الحديد المغروز بجانب الجبل الشاهق المُطلّ على البحر : ماهو الا قنبلة مُرسلة من غوّاصة أدّت لانهيارٍ جليديّ ، لطمر الحقيقة مع جثث اهالي القرية !  

لكن يبقى موت صديقه لغزاً ! فهل مات بسبب تلوّث الجوّ ، ام بسبب نبشهم للقبور المُشعّة نوويّاً ؟! 


إلاّ انه استوعب اخيراً بأن وجود الإنترنت مع إنقطاع اللاّسلكي ، هو  بسبب القيادة التي قطعت الإتصال بهم عمداً ، بعد معرفتهم بازدياد الحرارة المفاجىء على الحدود ، عقب التجربة النوويّة للدولة المجاورة .. لهذا ينوّون تركهم حتى الموت لإخفاء الحقيقة ، خوفاً من إعتراض مناصريّ البيئة حول العالم !


لذا قرّر الضابط فضحهم بالإنترنت ، من خلال صور جثث القرية المُفزعة .. لكن يبدو انه مراقب من هاكر (يعمل موظفاً حكوميّاً) إستطاع إختراق حاسوبه ، ومنعه من النشر بأيّةِ طريقة ! 


فلم يبقى امام الضابط والجندي للنجاة ، سوى الهرب بعربات الجليد الآليّة لحين انتهاء وقودها .. ثم إكمال طريقهما مشياً على الأقدام ، للوصول لأقرب قريةٍ مأهولة قبل انتهاء طعامهما .. وقرّر إخبار الجندي بخطّته صباحاً 

***


إستيقظ الضابط فجراً بعد كوابيسٍ مُفزعة .. وحاول إيقاظ الجندي لتنفيذ خطّة الهروب .. ليجده ميتاً بعيونٍ وفمٍ مفتوح ، تماماً كموتة اهل القرية داخل اكواخهم ! 

فخاف من انتشار الفيروس الغامض ، او تلوّث كوخه بالأشعة النوويّة

فسارع بوضع قناع الأكسجين ، اثناء حزمه الحاجيات المهمة في حقيبة الظهر

***


وقبل خروجه من الكوخ ، تفاجأ برجلٍ ضخم ينتظره عند الباب وهو يقول: 

- يالك من ضابطٍ فضوليّ .. لما بحثت البارحة بالإنترنت عن مواضيعٍ لا تخصّك ؟  

الضابط برعب : من انت ؟!

- قُدّت عربتي طوال الليل للوصول اليك ، بأمرٍ من رئيس البلاد

الضابط بدهشة : الرئيس بذاته أرسلك لإنقاذي ؟!

- إنقاذك !.. ربما .. فمهمّتي إرسالك مباشرةً للجنة

وأطلق النار على صدر الضابط ، أوقعته قتيلاً داخل الكوخ !


فأغلق الرجل الباب مجدّداً .. وأخرج عدّة المتفجّرات من عربته الآليّة ، ولفّ الأسلاك حول المكان ..

ثم ابتعد سريعاً قبل إنفجار الكوخ ، لطمر الحقيقة مع الجثتين ! 

***


من بعدها أغلقت الدولة الحدود الشماليّة بالأسلاك الكهربائيّة ، لإبعاد الصحافة والإعلام عن المنطقة الملوّثة نوويّاً..غير مكترثين بالأضرار الجسيمة للبيئة التي سيدفع ثمنها العالم أجمع ! 


السبت، 26 نوفمبر 2022

جريمة الأثرياء

كتابة : امل شانوحة 

 

القاتل الجشع


في ذلك المساء ، أوقفت سيارتها الفارهة امام محل لبيع الأسلحة .. 

ليسألها البائع عن نوع المسدس الذي تريده .. فأجابته بوجهٍ كئيب :

- أيّ شيء يقضي على بؤسي 


وبعد شرائها المسدس ، توجّهت عائدة الى سيارتها .. 

وقبل ركوبها ، أوقفها عامل النظافة (الذي يُكنّس رصيف المحل) وهو يقول :  

- سيدتي .. راقبتك من خلف الزجاج ، ولاحظت رجفان يدك وانت تجرّبين زناد المسدس .. برأيّ هناك حلّاً أفضل من الإنتحار بسبب ذلك اللعين 

فسألته باستغراب : وكيف عرفت إن رجلاً أحزنني ؟!

- ومن سيسبّب التعاسة لإمرأةٍ جميلة وثريّة مثلك ، سوى شخص انانيّ ومتغطّرس ؟


فتنهّدت بضيق : تحمّلت زوجي كثيراً ، لكنه لا يُطاق .. وكّلته بشركتي ، فكيف كافأني ؟ بجلبه النساء الساقطات لقصري كل اسبوع ! اريد الإنتحار فعلاً  

العامل : ما رأيك لوّ تدعيني أقتله ، مقابل أجر يُرضيك ؟ مع شرطٍ آخر : بعد استرداد شركتك ، توظّفيني بدل عملي القذر 

ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول : 

- إركب ، ودعنا نتفق سوياً

***


تجوّلت بسيارتها حول المنطقة ، وهما يفكّران بخطةٍ مُحكمة .. ثم سألته :

- تتكلّم وكأن القتل سهلاً بالنسبة لك ؟!

- انا خرّيج سجون

- أحقاً ! وماهي جريمتك ؟


العامل : بسن 17 .. قتلت رجلاً ابيضاً عنصريّاً ، كان يُلقّب المارّة بالعبيد في منطقتنا المُخصّصة للسمر ، ولم يستطع احد إيقافه ! وفي يوم سمعته يُهزِّئ ابي ! فلم أتمالك أعصابي ، وضربته بعصا البيسبول حتى قتلته .. وبعد خروجي من سجن الأحداث ، عُدّت لسجن البالغين بعد قتلي رجلاً آخر رأيته يتحرّش بفتاةٍ صغيرة .. ولأني اسود ، لم تصدّق هيئة المحلّفين تبريري بقتله ، وحكموا عليّ بعشر سنوات مع الأشغال الشاقة .. وتسرّحت العام الماضي ، لأصبح عامل نظافة .. لكني أرغب بوظيفةٍ لائقة ، في حال أنجزت المهمّة 


السيدة : حسناً ، أعطني رقم جوالك .. وسأحدّد يوماً اكون فيه خارج قصري ، واللعين بداخله .. بشرط أن تقتله دون إفساد شيءٍ من اثاث منزلي ، مفهوم !! 

- لا تقلقي ، فأنا خبير بفتح الأقفال دون حاجةٍ لكسرها.. 

السيدة : أقفال القصر إلكترونيّة.. سأعلّمك اولاً طريقة إيقاف كاميرات المراقبة ، ثم أعطيك الرقم السرّي لدخول القصر.. كل ما اريده : هو رصاصة في رأس الحقير .. وبعدها تختفي عن الأنظار 

- سيدتي ، لديّ خبرة في هذا المجال .. وزملائي بالسجن علّموني القيام بالجريمة الكاملة .. برأيّ لوّ قتلتُ زوجك وهربت ، ستتورّطين انت بالجريمة .. دعيني أوهم الشرطة انها جريمة سرقة ، تحوّلت بالخطأ لقتلٍ غير متعمّد 

- أهذا رأيك ؟


العامل : نعم ، فهل توجد خزنة نقود بالقصر ؟

- نعم ، سأعطيك ايضاً رقمها السرّي .. لكن إيّاك سرقة او إتلاف الملفّات داخلها ، فهي تخصّ شركتي

- إطمئني ، لن أفعل شيئاً يضرّك .. ماذا بشأن مال الخزنة ؟ 

السيدة : زوجي حريصٌ للغاية .. وعادةً يُبقي فيها رزماً قليلة من فئة المئة دولار .. اما بقيّة امواله ، ففي حسابنا المشترك بالبنك.. لذا إعتبرهم ، أجرة العمليّة 

- ولا تنسي توظيفي في شركتك ، ولوّ موظفاً بسيطاً .. اريد حقاً تغيّر حياتي 

السيدة : كما تشاء ، سأجعلك موظّف الإرشيف 

- ممتاز !! لا اريد اكثر من ذلك 

- اذاً اتفقنا .. إنتظر مني مكالمة قريباً 

العامل : حسناً ، إنزليني قرب شاحنة النفايات.. نعم هنا .. ألقاكِ قريباً ، سيدتي

***


وفي الموعد المحدّد ، وفي منزلها الجبليّ مساءً .. حاولت إضاعة الوقت بمشاهدة الفيديوهات على جوالها ، بانتظار مكالمة من القاتل المأجور التي تفاجأت بسماع صوته ، واقفاً خلفها ! 

فانتفضت برعب :

- كيف دخلت الى هنا ؟! لم أعطك الرقم السرّي لفلّتي !


فقال معاتباً : كان عليك من باب الحرص تغيّر ارقام البوّابة 

- لا احد يعرفه سوى زوجي ، المُفترض موته قبل ساعة

فرفع مسدسه نحوها..

فسألته بفزع : ماذا تفعل ؟! الم نتفق على توظيفك في شركتي ، بعد قضائك عليه ؟! 


فأبعد مسدسه وهو يقول : 

- أظن لا بأس من معرفتك الحقيقة .. (وجلس على الكنبة) .. في خصامك الأخير مع زوجك ، هدّدتهِ بإعادته فقيراً كما كان .. مما أقلق تفكيره ، فوكّلني لملاحقتك ومعرفة نواياك .. فتنكّرت كعامل نظافة ، ولحقت سيارتك بدرّاجتي الناريّة .. وحينما دخلتِ الى محل الأسلحة ، إتصلتُ به .. فأطلعني على خطّته الجديدة 

السيدة بامتعاض : ألهذا عرضتّ عليّ خدماتك الإجراميّة ؟!


القاتل : نعم ، فهو ظنّ انك تشترين السلاح لقتله .. فطلب مني تسجيل اتفاقي معك ، لعرضه لاحقاً على القضاء .. لكني أقنعته بأن طريقته القانونيّة تستغرق وقتاً طويلاً بالمحاكم .. وطلبت أن يسمح لي بقتلك مقابل مبلغاً مضاعفاً ، عمّا نويتي إعطاؤه لي .. خاصة لطلباته الإضافيّة : من تصوير دفنك بحديقتك الخلفيّة ، وتنظيف مسرح الجريمة جيداً ، الذي سيتطلّب مني مجهوداً كبيراً .. اما عن وظيفتي بالشركة ، فهي مضمونة بجميع الأحوال .. لأني سجّلت إتفاقي مع زوجك الذي سأبتزّه لاحقاً ، لتوظيفي في عملٍ أفضل من الأرشيف .. والآن أعذريني ، فزوجك ينتظر صورة جثتك 

فصرخت برعب : لا انتظر !! ارجوك

وأطلق رصاصة في قلبها ، أردّتها قتيلة .. دون سماع احد صداها ، لوجود فلّتها بأعلى الجبل ..


وبعد ساعات ، ارسل لزوجها جميع الصور الذي طلبها لإثبات طمسه للجريمة بإتقانٍ وجهدٍ مُتفاني ! 

***


مع شروق الشمس .. إنطلق بسيارته القديمة التي ملأ صندوقها بسوائل التنظيف وادوات الحفر ، مُتجهاً بحماس لسيد القصر الذي علم باستغلال غيابه لسرقة خزنته ! فأعطى خدمه إجازة ، لحفر قبرٍ بحديقته الخلفيّة .. 

ثم جلس بالصالة وهو يُخفي مسدساً تحت سترته ، بانتظار قدوم القاتل الجشع ، لدفنه وطمر الحقيقة معه للأبد ! 


الخميس، 24 نوفمبر 2022

إنتقام النرجسيّ

تأليف : امل شانوحة 

 

العاشقة المغدورة !

 

في ذلك المساء .. جلس في غرفته امام حاسوبه ، وهو يكتب تقريراً عن مسرح الجريمة :

((كانت المغنيّة الشهيرة مُستلقية على سريرها ، وبجانبها حقنتين فارغتين من الهيروين ، أوقفتا قلبها في منتصف الليل بسبب جرعةٍ زائدة .. حيث  كان الرباط المطاطيّ مازال حول ذراعها المُزرقّ من كثرة الحقن الإدمانيّة ! 


اما سبب الإنتحار : فهو طلاقها للمرة ثانية من حبيبها التي عشقته بجنون.. والذي عانى من فضائحها المستمرّة بالإعلام التي أضرّت بسمعته كرجل اعمالٍ ثريّ .. ورغم وصولها للقمّة في سنواتٍ قليلة بسبب نعومة صوتها التي لامست قلوب الجماهير ، إلاّ انها تدهورت سريعاً للقاعّ بعد فضيحة إدمانها .. لتحاول إنكار ذلك من خلال إستعطاف جمهورها بأنها ضحيّة زوجها النرجسيّ الذي عوّدها على الإدمان للسيطرة عليها وسرقة مالها ! وبعد هجوم الجمهور عليه بكل وسائل التواصل الإجتماعيّ .. فاجأت الجميع بعودتها اليه ، مُتحجّجة بالسحر ومرضها النفسيّ ! بعد إعتذارها العلني من زوجها الذي وافق مُرغماً على إعادتها لعصمته.. لكنه تخلّى عنها بعد شهور لرفضها العلاج من الإدمان ، مما أفقده ثقته بها .. وقرّر الإبتعاد عنها ، مُشاركاً قراره النهائيّ مع وسائل الإعلام ، وطالباً من اهلها الإعتناء بها بعد فشله بذلك .. من بعدها سافر للخارج مع والدته ، دون إخبار احدٍ بوجهته .. مما أدّى لانهيار المغنيّة التي حاولت جاهداً إيجاده ، للتواصل معه.. ويبدو انها قرّرت الإنتحار بعد تأكّدها من خسارة حبيبها نهائياً ، تاركةً جمهورها مُنصدماً من تردّي نفسيّتها التي وصلت لإنهاء حياتها ! خاصة بعد إرسالها فيديو انتحارها لمحاميها الذي سارع بالإتصال بالشرطة التي نقلتها بالإسعاف للمشرحة لحين دفنها الذي لم يحضره سوى القلّة من اصدقائها ! دون جمهورها العريض الذي خسرته بإدمانها واتهام زوجها زُرواً ، والذي اكتفى بتعزيّة أهلها على صفحته على الفيسبوك ، شاعراً بالأسى لفشله بإصلاحها قبل فوات الأوان .. كما لم يحضر العزاء اولادها وعائلتها التي خاصمتهم بقسّوة ، لمحاولتهم علاجها بالقوّة ! وبذلك طويّت صفحة المغنيّة المشهورة التي انحدرت من القمّة ، مباشرةً للقاع))


وبعد إنهاء تقريره .. فتح ملف مذكّراته بالحاسوب (بعد وضعه كلمة السرّ) لطباعة السطور التالية :

((بالحقيقة المغنيّة لم تقتل بعد .. وانا لست مُحقّقاً او شرطيّاً كما تظنون .. والضحيّة ليست مجهولة بالنسبة لي ، فهي طليقتي .. وكنت أتخيّل معكم طريقة قتلها التي أنوي تنفيذها الليلة .. لا أظنني سأفشل ، فهي خطّة مُحكمة.. وهو انتقامي بعد اتهام جمهورها بأني سبب إدمانها بسبب امراضي النفسيّة وغطرستي الزائدة ! كل هذا لأني من عائلةٍ ثريّة ، وتربّيت مع امي بعد انفصالها عن ابي ، والتي اتهموها ايضاً بإفسادي بدلالها الزائد (حسب اقوال المحلّلين النفسيّن الأغبياء) وأنّي بسببها أصبحت نرجسيّاً بامتياز ! بالحقيقة لا يهمّني إن كان اتهامهم صحيحاً ام لا ، كل ما اريده هو تدمير طليقتي تماماً .. ربما لأني تعوّدت منذ الصغر على إتلاف العابي ، كيّ لا توزّعها مربّيتي للأيتام .. 


بالعودة لطليقتي الغبيّة .. فأنا لا أنكر انني استوليت على مالها بعد تعويدها على مخدرٍ نادر ، أحضرته خصيصاً لها من اوروبا بعد تأكّدي بعدم وجود بديلٍ له بالسوق السوداء ، لضمان عودتها لي باستمرار .. واستطعت إيهامها بأن الحقودين من اصدقائها وعائلتها وحتى اولادها استخدموا سحراً اسوداً لتفريقنا ، لغيرتهم من حبنا العظيم الذي أغرقتها به في بداية علاقتنا .. وكنت كلما عوّدتها على حناني المبالغ فيه .. أتركها لعدّة شهور ، قبل عودتي لها كعاشقٍ هائم .. فأصبحت مُدمنة لعواطفي المزيّفة .. وتقبّلت طواعيّة بقساوتي ، طالما سأصالحها بحنانٍ وعطف ، مع حقنةٍ مضاعفة من المخدّر القاتل .. أعرف إن البعض سيتساءل : بماذا ستنفعك بعد إعتزالها الفن وإفلاسها تماماً ؟.. اعزائي ، انا ثريّ ولا حاجة لمالها .. انا فقط أعشق تعذيبها ، وامتصاصّ طاقتها الإيجابيّة .. وعندما أنتهي منها ، سأقتلها ببطء .. فموتها هو انتصاري الأخير .. وهذا ما سيحصل الليلة .. سأخبركم لاحقاً بالمستجدّات .. رجاءً لا تصفّقوا الآن ، بل انتظروا خاتمتها المُفجعة.. ألقاكم بعد قليل))


ثم أغلق حاسوبه .. واتصل بطليقته من رقمٍ جديد ! 

وما أن سمعت صوته ، حتى بكت من شدّة شوقها وهي تترجّاه بالعودة اليها ! 

فسألها بنبرة شكّ : 

- اين انت الآن ؟ ومع من ؟

فأجابته بخوف : وحدي في المنزل .. أحلف لك

- واين الخادمة ؟

- طردّتها كما أمرتني .. اما زوجة البوّاب فتأتي صباحاً ، وتذهب بعد إنهائها التنظيف

- ماذا عن عائلتك واولادك ؟

المغنية : منعتهم من الحضور ، ويمكنك التأكّد من البوّاب

- ممتاز !! بعد قليل سيصلك طردّ ، إستلميه .. وافتحيه في غرفة نومك 

- هل هو هدية رومنسيّة ؟

فأجابها بجديّة : بل هدية تحتاجينها للغاية 

- أحقاً .. هل هو هيرو..

مقاطعاً بغضب : توقفي !! لا تورّطيني بقاذوراتك


(ففهمت المغنيّة بعدم ذكر المخدرات على جوالها ، كما نبّهها دائماً)

- كما تشاء ، سيدي وتاج رأسي

فأجابها بلؤم : تعجبينني عندما تعرفين حدودك

- ومتى سيأتي الطرد ؟

- بعد قليل .. سأتصل بك لاحقاً

فردّت بخوف : لا رجاءً !! دعنا نتحدّث قليلاً

- سنُكمل حديثنا بعد وصول الهدية .. سلام


بعد إنهائهِ المكالمة ، إتصل بصديقه الذي كان في طريقه الى فلّتها 

- هل وصلت ام لا ؟

الصديق : دقائق ، وأسلّمها الصندوق الصغير

- إتصل بي بعد إنهائك المهمّة


بعد ربع ساعة .. أعاد الإتصال بطليقته ، التي سارعت بالقول :

- حبيبي !! فتحت الطرد بغرفة نومي .. وقد أسعدتني الهديّة ، فهي كمّية تكفيني إسبوعاً

فغيّر الموضوع قائلاً : 

- سأنهي المكالمة الآن ، وأكلّمك من الميكروفون

المغنيّة باستغراب : أيّ ميكروفون ؟!

- إغلقي جوالك ، وستعرفين حالاً


وبعد إنهائها المكالمة ، سمعت صوته يقول :

- الآن يمكنني التكلّم معك على راحتي ، دون خوفي من رقابة الجوّالات

فتلفّتت حولها بحماس :

- اين تختبئ حبيبي ؟!! 

- لست مُختبأً يا غبيّة .. بل أحدّثك من ميكروفون خبّأته جيداً بغرفتك قبل رحيلي الأخير

المغنيّة بخضوع : وماذا تأمرني سيدي ؟

- اريدك أن تملئي الحقنتين بالهيروين ، وإفراغ القارورة تماماً

- هل ستدُمن معي اخيراً ؟

- لا طبعاً .. فأنا تاجر ممنوعات ، ولست مدمناً مثلك يا فاشلة

فأجابته بذلّ : آسف عزيزي .. ولمن الحقنة الثانية ؟

- لكِ ايضاً

- لكنها كميّة كبيرة !


فأجابها بحزم : إسمعيني جيداً !! لقد انتهى مشوارك الفنّي .. ففي حفلتك الأخيرة لم يحضرها سوى مئة شخص ، بعد إن كانت المدّرجات تضجّ بالجمهور

المغنيّة : سيعود كل شيء كما كان ، بعد إصداري لأغنية تكتسح الأسواق

- لا احد سيتعامل معك من الملّحنين ، بعد فضيحة إدمانك 

- لديّ اصدقاء وزملاء عمل ..

فصرخ غاضباً : يا غبية ، إفهمي !! لقد انتهى مشوارك كمغنيّة .. الجمهور كرهك .. ولن يجازف احد بالتعامل معك ، او دعوتك للمشاركة بالحفلات والمهرجانات .. لقد وصلتِ للقاعّ .. أتريدين العودة للفقر كما كنت ، والعيش في منطقتك الشعبيّة القذرة ؟ 


فأجابت بخوف : لا ! لا اريد

- اذاً أحقني الإبرتين في وريدك ، قبل تراكم الديون عليك وطردك من فلتك ، وأخذهم سيارتك ومنزلك الساحليّ .. فأنا لا أتحمّل رؤيتك ذليلة في آخر عمرك

فسألته بخوف : ماذا عن اولادي ؟

- عادوا لوالدهم بعد تشويهك سمعتهم للأبد 

المغنيّة : الا يوجد حلٌ آخر ؟ فأنا لا اريد الإنتحار ! 

وانهارت باكية .. لترتجّ غرفتها بضحكته المستفزّة ..


فعاتبته بقهر : أتضحك قبل موتي ؟! الم أكن يوماً حبيبتك ؟

- أتظنين فعلاً أنني أجبرك على إنهاء حياتك ؟

المغنيّة بقلق : لكن جسمي الضعيف لن يتحمّل حقنتين من الهيروين!

- كنت أمازحك فقط .. هذه إبرتين من الفيتامينات والمنشّطات الضروريّة لجعلك قطّة شقيّة ، بعد وصولي اليك 

فقالت بحماس : هل انت قادمٌ من السفر الليلة ؟!!

- أكلّمك من المطار ، سأصل اليك خلال ساعة .. فقد فكّرت بالموضوع جيداً ، وقرّرت العودة اليك للمرة الثالثة رغم أنف الكارهين

فقالت بحنان والدموع في عينيها : حبيبي .. إشتقت اليك كثيراً

- وانا يا روحي .. على فكرة ، أشاهدك الآن من الكاميرا 

- اين ؟!

- وضعتها بالسقف ، وراقبت تعابيرك خلال إمتحان الحب الذي لم تنجحي فيه بعد 


المغنيّة : سأفعل أيّ شيء لإرضائك

- اذاً اريدك أن تصوّري فيديو لجمهورك ، وانت تقولين الكلمات التالية :((أعتذر منكم .. كان عليّ فعلها .. فالحياة لا تطاق من دونه)) .. ثم صوّري نفسك وانت تحقنين نفسك بالإبرتين.. بعدها قرّبي جوالك من كاميرا السقف ، لأتأكّد من إرسالك الفيديو لمحاميك

المغنيّة بقلق : وما الغرض من الفيديو ؟! 

- هو ضمانٌ مهمُ لي  

- وإن رفضت ذلك ؟ 

فأجابها مهدّداً : سأتوجّه مباشرةً من المطار للبارّ ، لمصاحبة أيّ فتاةٍ ساقطة .. وسيصلك فيديو يجمعني بها .. 

مقاطعة بخوف : لا رجاءً !! انت تعرف غيرتي الشديدة عليك

- اذاً نفّذي بالحرف ما قلته لك .. هيا لا تخافي ، فهي مُنشّطات للمتزوجين .. كل ما اريده : هو إحتفاظ محاميك باعترافك لعدم ثقتي بك ، بعد فضحك لي بالإعلام بطلاقنا الأول .. فأنا أخشى موتك يوماً بجرعةٍ زائدة ، واتهامي بقتلك .. لذا اريد ضماناً لعودتي اليك 


ففتحت جوالها ، وصوّرت وهي تحقن نفسها .. ثم مشت بخطواتٍ متأرجحة نحو كاميرا السقف ، لتريه إرسالها الفيديو للمحامي .. من بعدها ، ترامت فوق سريرها بألمٍ شديد

ليتابع طليقها حركات جسمها وهو ينتفض بقوة ، قبل توقفه عن الحركة ! 


فأغلق حاسوبه ، وهو يحاول طمّأنة نفسه : 

- لا داعي للقلق .. فالشرطة لن تعثر على الكاميرا الصغيرة المُندّسة داخل الثُريّا الضخمة .. كما لن تجد الميكروفون الصغير المُخبّأ بالوردة الصناعيّة في مزهريّة الطاولة .. والفيديو المُرسل ، يجعل موقفي بأمان .. والآن لأستمتع بالعصير ، بانتظار الأخبار المدويّة التي ستصدر فور وصول المحامي الى فلّتها للإطمئنان عليها بعد مشاهدته الفيديو المريب .. وغداً ينشُر الإعلام ، وبالخطّ العريض :((موت المغنيّة الشهيرة بجرعة مخدراتٍ زائدة)).. ياله من خبرٍ رائع .. أخيراً فزت بمعركتي عليها !!


وأطلق ضحكةً مُجلّجلة ، وهو يشعر بنشّوة النصر ! 


الثلاثاء، 22 نوفمبر 2022

الخاطف المُثقّف

تأليف : امل شانوحة 

 

التعليم الإجباري ! 


رغم تخرّج المراهق جون من الثانويّة بنسبةٍ مرتفعة ، إلاّ انه فقد شغف الإلتحاق بجامعة والده المرحوم (كما حلم دائماً) بعد انشغاله برفقاء السوء الذين علّموه على السِكر وتناول حبوب الهلوسة ! 

لكن حياته تغيّرت في إحدى الليالي ، بعد خطفه من مُقنّعٍ صعقه بمسدسٍ كهربائيّ خارج البارّ !

  

ليستيقظ جون صباحاً .. وهو مُقيّد بسلسلةٍ طويلة مُثبّتة بحلقةٍ حديديّة بالحائط الإسمنتيّ ، في قبوٍ مجهول !

وفور رؤيته رجلاً مقنّعاً ينزل السلالم ، صرخ غاضباً : 

- ماذا تريد مني ، وبأيّ حقٍّ تخطفني ؟!! اصدقائي سيتصلون حتماً بالشرطة التي ستراجع كاميرا البارّ ، للقبض عليك ايها المنحرف!!

المقنّع : لست منحرفاً ، ايها الفاشل

- لا تناديني هكذا ، فكّ وثاقي الآن !!


المقنّع : اثناء نومك ، فحصك صديقي الطبيب الذي أخبرني (من تقرير المختبر لدمك) أنك أوشكت على الإدمان .. أمّا أصدقائك ، فلن يبلّغوا الشرطة ، خوفاً من سجنهم لإدمانهم تحت سن 18 .. حتى البارّ لن يبلّغ عن اختطافك ، لبيعه الخمر لمراهقين تحت سن الرشد ، كيّ لا يُغلق متجره بالشمع الأحمر.. لهذا ستبقى هنا ، لحين تنظيف جسمك تماماً من المخدّرات والخمور .. بعدها تبدأ الدراسة لامتحان الدخول لكليّة الطبّ

جون : ومن انت لتقرّر مستقبلي ؟ هل أرسلتك امي لإبعادي عن اصدقائي التي لا تحبهم ؟ 

- هذا قراري وحدي ، وانا المسؤول عنه

- أزلّ قناعك ايها الجبان ، وأرني من تكون !! فأنت تبدو من يديك ، انك عجوزٍ خرف .. فكّ قيّدي ، وسأطرحك ارضاً خلال ثواني !!


فأكمل العجوز كلامه ، دون اكتراثه بتهديدات المراهق الغاضب : 

- سيزورك الطبيب من وقتٍ لآخر لإعطائك ابرة المخدّرٍ بكميّاتٍ محدّدة ، لتنظيف جسمك من القاذورات التي ابتلعتها ، كيّ تعود الى رشدك وتفكيرك العبقريّ الذي جعلك متفوّقاً على زملائك في جميع مراحلك الدراسيّة 

- كنت أجتهد دائماً للحصول على منحةٍ دراسية ، لقهر زوج امي الذي يتمنّى رسوبي .. لكن بعد طلاقه من امي..

فأكمل العجوز : فقدّت شغفك لمتابعة التعليم ، اليس كذلك ؟

- لا أرى ضرورة لذلك 

- الم يكن حلمك الدراسة في جامعة والدك المرحوم ؟ 


جون باستغراب : كيف تعرف عني كل هذه المعلومات ؟! 

- أجبني يا ولد !! 

- نعم .. لكن اقساطها خياليّة ، ولا تستطيع امي توفيرها 

العجوز : يمكنك الإجتهاد للحصول على منحةٍ دراسيّة ، كما فعلت بالمدرسة

- سألت إدراة الجامعة ، وأخبروني انه عليّ دفع أقساط السنة الأولى .. وللأسف لا اعمل ، وعائلتي فقيرة  

- ألهذا ضيّعت وقتك مع رفقاء السوء الذين عوّدوك على السلوك السيء ؟!


جون : هم يعطونني الحبوب مجاناً

- ليس لوقتٍ طويل .. فبعد إدمانك ، سيجبرونك على دفع ثمنها .. وسينتهي امرك مُشرّداً في الشوارع .. وانا لن اسمح لولدٍ عبقريّ بتضييع حياته

جون بعصبية : وما دخلك انت ؟!! ولما تهتم ، كأنك من افراد عائلتي !

- لأنك تملك شيئاً يخصّني ، ولن أسمح لك بتلويثه 

- ماذا تقصد ؟!


العجوز : ستعرف بعد تخرّجك الجامعي الذي سأتكفّل بأقساطه 

- تأخّرت كثيراً ، فامتحان الدخول انتهى الشهر الماضي

- إسمعني جيداً .. بعد شهرين من الآن ، سأذهب لإدارة الجامعة لتوسّط لك لإعادة الإمتحان .. فهي المدة التي تحتاجها لتنظيف جسمك من المخدّرات ، كما أخبرني الطبيب .. ولتحمد ربّك انني عرفت مشكلتك ، قبل تعوّد جسمك على السموم القاتلة  


ثم صعد الأدراج وهو يقول :

- سلسلتك طويلة يا جون ، يمكنك الدخول بها الى حمام القبو .. وسآتيك بالفطور بعد قليل  

 ***


واستمرّ الوضع الغريب لعدّة اسابيع.. زاره فيها الطبيب من وقتٍ لآخر لإعطائه ابرة المخدّر بنسبةٍ أقل عن سابقتها ، بعد فحص نبضات قلبه وضغطه..


وبعد هدوء نوبة جون الهستيريّة .. يُجبره الخاطف على الجلوس امام طاولة مليئة بالكتب العلميّة ومراجعتها ، بانتظار استاذه الخصوصيّ الذي وظّفه خصيصاً له ! 

***


لاحقاً ، تمكّن العجوز التوسّط له (في الجامعة التي تخرّج منها والد جون) بعد أن سلّم المدير جميع شهادات تفوّقه المدرسيّة (بعد اضّطّراره للكذب : بأن نفسيّة جون تدهوّرت عقب موت حبيبته بالسرطان ، لهذا لم يقدّم إمتحان الدخول في موعده) 

فوافق المدير كإستثناءٍ له : بتقديم الإمتحان ، رغم مرور أشهر على بدء الطلاّب لسنتهم الدراسيّة .. في الوقت الذي شرح فيه استاذه الخصوصيّ ما فاته من دروس


ورغم استنكار جون لإجباره على دراسة المواد الطبّية الصعبة التي تحتاج سنواتٍ طويلة للتخرّج ، بعكس التجارة او الفلسفة .. إلاّ أن الخاطف أصرّ على دراسته الطبّ ، بعد شرائه ملخّصات المواد لسنته الأولى ! 

كما وعده بمكافئةٍ كبيرة فور تخرّجه ! مُنفذاً بقيّة طلباته : من طعامٍ جاهز وحلويات وثياب والعاب الكترونيّة بأوقات فراغه ، بشرط نجاحه بامتحان الدخول !

***


بعد شهرين .. أجرى الطبيب فحصاً مخبريّاً ، يؤكّد خلوّ دم جون من المخدّرات وعلاجه النهائيّ من الإدمان .. 

مما أفرح الخاطف الذي فاجأه بكعكةٍ كبيرة ، إحتفالاً باستعادة صحته ! 


وقبل اطفاء جون الشمع ، قال له العجوز المقنّع :

- تمنّى أمنيّة

جون بتهكّم : أتمنى أن تفكّ قيودي

العجوز : سأحرّرك بعد نجاحك ..والى ذلك الحين ، ستبقى مُحتجزاً بالقبو

- وكيف سأذهب للجامعة ، في حال نجحت بامتحان الدخول ؟

- سائقي سيوصلك للجامعة ، ثم يعيدك الى هنا

جون : سائقٌ ايضاً ! الا يكفي دفعك لأقساط جامعتي 

- سأدفع قسطك الأول .. وأنت باجتهادك ، تحصل على منحةٍ جامعيّة لبقيّة السنوات ، كما فعلت بالمدرسة

- لست متأكداً من تفوّقي على طلّاب الجامعة ! 


العجوز : أنت وُلدّت ذكيّاً ، وستتفوّق على منافسيك .. انا واثق من ذلك 

- هذا إن لم اهرب من الجامعة

- لن تفعل ، فقد عيّنت من يراقبك بالداخل

جون بضيق : ملاحقتك المستمرّة لي ، تخنقني يا رجل .. فأنا بلغت ١٨ قبل ايام ، ومن حقي تقرير مصيري

- لا !! انت ملكي لحين تخرّجك

- ولما كل هذا ؟!

العجوز : أخبرتك سابقاً ، انك تملك شيئاً يخصّني .. وبشهادتك ، تدفع ديونك لي 

- لا افهم شيئاً !

- ستعرف الحقيقة لاحقاً.. الآن إنهي كعكتك ، لإكمال دراستك.. فامتحان الدخول بعد يومين


جون بقلق : ماذا سيحدث إن لم أنجح !

- ستنجح بتفوّقٍ ايضاً ، انا أؤمن بعبقريّتك بنيّ

- هذه اول مرة تناديني هكذا !

- ربما تعوّدت على وجودك في منزلي ، بعد مرور ثلاثة اشهر 

جون معاتباً : ولليوم لم تثق بي

- من قال ذلك ، انا أثق بك تماماً

- إثبت كلامك بإزالة قناعك


العجوز : ليس قبل نجاحك بالسنة الأولى

- أسيظلّ على وجهك طوال عام ؟! 

- نعم !! وستبقى محتجزاً بالقبو ، لحين تعلّقك بدراسة الطب .. وسأراقبك يوميّاً منذ خروجك من منزلي ، لحين عودتك اليه.. كما عيّنت شخصاً لمراقبتك من داخل مدرّجات الجامعة

جون : انت مهووس بالعلم لدرجة الجنون !

- هو حلم عليّ تحقيقه ، مهما كلّفني الأمر ..ولا تسألني عمّا أعنيه ، فمعرفتك الحقيقة متوقفة على نجاحك


وخرج المقنّع من القبو بعد إقفال بابه بإحكام ، دون تقيّد قدم جون بالسلسلة الطويلة ، كما فعل الشهور الماضية !

ففهم جون أن العجوز بدأ يثق به ، فلم يردّ تخيّب ظنّه.. وعاد الى دراسته ، على امل تحقيق حلم الخاطف بنجاحه بامتحان الدخول 

***


بعد أيام .. فاجأ المقنّع جون باحتضانه بقوة ، وهو يخبره بنجاحه بالإمتحان بنسبةٍ عالية..

جون باستغراب : النتيجة بعد يومين ، فكيف عرفتها الآن ؟!

العجوز : مدير الجامعة اتصل بي قبل قليل ، فهو صديقي القديم

- لديك صديقٌ طبيب ، والآخر مدير جامعة .. من تكون يا عم؟!

- ستعرف الحقيقة لاحقاً


ثم وضع امامه اكياساً ، وهو يقول :

- إشتريت لك كتب الطب للسنة الأولى ، وبعض الملابس الجديدة للجامعة 

جون بارتياح : أتعني غداً سأخرج للحرّية ؟!

- طبعاً .. وسينتظرك سائقي امام الباب ، عند الساعة الثامنة صباحاً.. وستحصل على مصروفك الجامعيّ كل يوم

جون : ومصروفٌ ايضاً ! هذا كثير 

- انت بحاجة لتناول غدائك بين المحاضرات

جون بحزن : ذكّرني اهتمامك بوالدي المرحوم ، فهو كان يعشق العلم والمعرفة !


العجوز : متى توفّى ؟

- كنت في الرابع ابتدائي ..وتزوجت امي باللعين في سنتي الثانية بالمتوسطة

العجوز : هل كان يضربك زوج امك ؟

- بعض الأحيان .. هو أرادني صبيّاً بورشته ، لكن تفوّقي منعه من ذلك

- وتخرّجك كطبيب سيقهره اكثر

جون : لم يعد يهمّني امره ، بعد طلاقه من امه

- اذاً إنجح لبناء مستقبلك

جون : بل سأنجح لتحقيق حلمك ، عمّي


فدمعت عينا العجوز من خلف قناعه ، وخرج من القبو وهو يقول :

- سأدعك ترتاح قليلاً

جون : وهل ستقفل باب القبو مجدّداً ، الم تثق بي بعد ؟

- إثبت تفوّقك خلال السنة ، وستتغيّر معاملتي لك .. آه صحيح ، كدّت أنسى !


ونزل لإعطائه جوالاً ، وهو يقول :

- الجهاز مُراقب ، فلا تحاول الإتصال برفقاء السوء 

جون : وكيف تمكّنت من مراقبة الجوال ؟!

- لديّ صديق بالمخابرات..

جون مقاطعاً : يا رجل ! من تكون ؟!!

فأجاب بحزم : انا شخصٌ يهمّه مستقبك العلميّ ، ولن اسمح لك بإفساده مهما كلّفني الأمر !! 

 

ثم خرج من القبو بعد إقفال بابه بإحكام ، تاركاً جون بحيرةٍ من امره!

***


في يومه الدراسيّ الأول بالجامعة .. شعر جون بالإرتباك لتفوّق زملائه ، لبدئهم الدراسة قبله بشهور ..كما لكل واحدٍ صديق ، بينما انزوى بآخر القاعة وهو يشعر بضيقٍ شديد


وبعد انتهاء المحاضرة الثالثة ، حاول الهرب .. لتصله صورة (أُلتقطت له من بعيد) على جواله ، قبل خروجه من بوّابة جامعة .. ورسالة تقول : 

((مازال لديك حصتين .. إذهب للكافتريا وتناول غدائك ، ثم عدّ للقاعة))


فتواصل جون مع الشخص المجهول : 

- أهذا انت ، عمي ؟

- انا اراقبك ، فلا تحاول الهرب .. انت شابٌ قويّ ، فلا تخسر ثقتي بك بنيّ 


فعاد جون الى داخل الجامعة ، متوجّهاً للكافتريا .. ليجد صبية تناديه ، لتناول الطعام معها ! 

وبعد جلوسه على طاولتها .. أخبرته انه لفت انتباهها بالقاعة ، وتريد مصادقته


ففرح بذلك ، لعدم رغبته إكمال الدراسة وحيداً .. وتناولا الغداء وهو مُعجبٌ بطريقة تفكيرها وحماسها للعلم ، وشعر بسهولة التحدّث معها ! 

دون علمه بأنها ابنة صديق العجوز الذي طلب منها مصادقته في يومه الجامعيّ الأول

***


وبمرور الأيام .. تفوّق جون على زملائه ، خاصة بحصصّ التشريح والمختبر .. وصار يتنافس مع صديقته ليندا على كتابة الأبحاث في المكتبة العامة ، التي أدّت لتحسّن علاماته بشكلٍ ملحوظ .. 

ولم يعد يحاول الهرب من الجامعة او منزل الخاطف ، بل ينزل طواعيّة للدراسة بالقبو بعد شراء العجوز حاسوباً جديداً له ! 


وبسبب علاماته الشهريّة المرتفعة ، سمح له المقنّع بالإنتقال الى الطابق الأرضيّ ، والنوم في غرفة ابنته الوحيدة..

جون : أتعطيني غرفة ابنتك المتوفاة ؟! أكيد هي مهمّة بالنسبة لك !

- ولما لا ، فأنت ابني ايضاً 

- إثبت ذلك بنزع القناع عن وجهك


فأزال الخاطف قناعه لأول مرة منذ شهور ..

جون بدهشة : أظنني رأيتك من قبل !

العجوز : إلتقينا أكثر من مرة في الجامعة

- أأنت الحارس الذي يجلب لي ولصديقتي القهوة في المكتبة ؟!

- نعم

- أتعمل هناك ؟

العجوز : توظّفت حديثاً لمراقبتك .. فمدير الجامعة صديقي ، ولم يرفض طلبي الغريب

- يبدو جميع اصدقائك مهمّين ، فمن تكون ؟

- نقيبٌ متقاعد


جون : أحقاً ! ولما أشعر انني رأيتك بالماضي ؟! 

- التقينا بالمستشفى ، وانت بعمر الثامنة 

جون : آه ! الآن تذكّرت.. ووضعت السمّاعة على صدري ، وبكيت

العجوز بحزن : كنت أستمع لنبضات قلب ابنتي

- لم افهم !


العجوز بحزن : كانت ابنتي تدرس الطب بسنتها الأخيرة ، وكانت متفوّقة على الجميع .. مما أغاظ زميلتها التي أطلقت النار على رأسها ، فماتت ابنتي دماغيّاً ..وكان عليّ تقرير إزالة قناع الأكسجين عنها ، بعد غيبوبتها لعامٍ كامل ! حينها علمت بمعاناتك من قلبك المريض

جون : وُلدّتُ بعيبٍ خلقيّ .. ثقبٌ في قلبي منعني من اللعب كبقيّة الأطفال ، وكنت أفقد وعيّ بأقل جهدٍ ممكن !

- حينها توسّل والدك لمنحك قلب ابنتي

جون : ألهذا بكيت بعد سماعك نبضات قلبي ، فور خروجي من العمليّة ؟

العجوز : شعرت بأن روحها انتقلت اليك ! .. أتدري يا جون لما اخترتك من بين المرضى الذين ترجّوني لمنحهم قلبها ؟

جون باهتمام : لماذا ؟!


العجوز : لأن والدك اراني علاماتك المدرسيّة ، وتفوّقك بجميع المواد ..وأخبرني باكياً عن ذكائك الذي يميّزك عن ابناء جيلك .. وعن حلمه برؤيتك تتخرّج بتفوّق من جامعته القديمة .. والذي كان حلمي ايضاً ، لولا الحقودة التي حرمتني من حضور تخرّج ابنتي .. لهذا وافقت على منحك قلبها .. وبعد سنوات رأيت ابنتي تبكي في المنام ، وتُخبرني أن قلبها مليء بالسموم ! فاتصلت بأمك لمعرفة احوالك .. فأخبرتني انك تضيّع نفسك بالمخدرات بسبب رفقاء السوء ، فجنّ جنوني لإفسادك قلب ابنتي الطاهر .. لهذا اختطفتك ، وأجبرتك على إكمال حلمها كطبيبة تساعد المحتاجين.. وعلى فكرة ، صديقتك ليندا هي ابنة صديقي .. وهي من عائلة ملتزمة دينيّاً ، وتربّت على المحافظة على نفسها لحين الزواج .. فإيّاك خذلان والدها الذي وعدّته بإخلاصك لها

جون : هي من جعلتني أعشق الدراسة


العجوز : ليندا فتاةٌ رائعة ، أعرفها منذ طفولتها ..وستكون زوجة رائعة لك ، لكن ليس قبل تخرّجكما 

- الا يكفي انك تكفّلت بتعليمي ، أتريد تزويجي ايضاً ؟!

- نعم ، فأنت بمثابة ابني

جون بقهر : فكرة الزواج تبدو صعبة ، فأنا احتاج سنواتٍ طويلة لامتلاك منزلٍ يجمعني بحبيبتي ليندا 

- لا تفكّر بالمصاريف الماليّة .. فقط ركّزا على دراستكما ، وافرحاني بحضور حفلة تخرّجكما ، وهذا يكفيني .. 

جون : أتدري يا عم ، لم أتصوّر يوماً أن أصبح طبيباً .. يبدو إن قلب ابنتك وحلمها ، أثّرا بي ! 

- ممتاز !! والآن سأتركك لنقل اغراضك من القبو 

جون : أعدك بالمحافظة على نظافة غرفتها دائماً


فأمسك العجوز يده : جون .. إن كنت تريد مغادرة منزلي ، فلن أرغمك على البقاء .. يمكنك الإنتقال لسكن الطلاّب ، وسأتكفّل بالمصاريف .. او العيش في منزل امك ..

جون مقاطعاً بقهر : عندما سمحت لي بمحادثتها ، أخبرتني انها عادت لطليقها المزعج قبل اسبوع ! ولا اريد المشاجرة معه ثانيًة ..اما سكن الطلاّب فهو مصروفٌ اضافيّ ، لا داعي له .. فهل يُزعجك بقائي في منزلك لحين تخرّجي ؟

العجوز بسعادة : اهلاً وسهلاً بك في منزلك ، بنيّ 


وربت على كتفه بفخر ، ثم خرج من الغرفة .. فأوشك جون على البكاء بعد شعوره بحنان الأبوّة الذي افتقده لسنواتٍ طويلة !

***


بعد أعوام .. صفّق والد ليندا والعجوز بفخر ، وهما يشاهدان تسلّمهما لشهادتيّ التفوّق في حفل تخرّجهما ، التي حضرته والدة جون (الذي لم يخبرها عن خاطفه الذي سمح له بمهاتفتها وزيارتها تحت رقابته .. بل عرّفها عليه ، بكونه جاره الذي تكفّل بدراسته .. دون علمه باتفاق امه مع العجوز لإنقاذ مستقبله ، وتسليمها شهاداته المدرسيّة التي أدّت لدخوله الجامعة) 

لهذا تحدّثت مع العجوز جانباً : وشكرته على إنقاذه مستقبل ابنها ، وإبعاده عن رفقاء السوء


اما هديّة العجوز بمناسبة التخرّج : فكانت سيارةً جديدة ، أسعدت جون وخطيبته ليندا 

***


بعد سنوات .. وقف جون مع زوجته ليندا الحامل ، امام قبر العجوز وهو يقول :

- شكراً عمي على كتابة منزلك بإسمي ! فهذا المعروف يُضاف لأفضالك السابقة عليّ .. وهآنحن قدمنا من العيادة بعد معرفتنا بجنس الجنين .. هي فتاة ، سأسمّيها ديانا على اسم ابنتك التي وهبتني قلبها ، بعد قيامك بتقويم سلوكي وإعادتي للطريق الصحيح ..ولولاك لسُجنت مع رفاقي السابقين الذين تورّطوا مع عصابة الشوارع ! وبذلك أنقذت حياتي ، كما فعَلت ابنتك بقلبها الطاهر ..وسأظلّ مديناً لكما مدى الحياة


ثم ألقى الزهور على قبر العجوز ، وهو مُمتنّ للقدر الذي وضعه بطريقه لإنقاذه مستقبله قبل فوات الأوان !


الحاكمة الفعليّة

كتابة : امل شانوحة    الملكيّة الأوروبيّة إلتزمت العائلة الملكيّة في إحدى الدول الأوروبيّة بالظهور بأبهة حلّتها امام شعبها بالعيد الوطني الس...