الثلاثاء، 14 أبريل 2026

عروس المسيرة

تأليف : امل شانوحة 

بطلة المقاومة


في مدينة خيرسون الأوكرانية .. تعيش شابةٌ عشرينية مع والدها المشلول ، في منزلٍ أرضيّ لم تغادره رغم الحرب.


وفي صباحٍ بارد .. وقفت على الشرفة لنشر الغسيل ، حين لمحت طائرةً مسيّرة تحوم فوق منزلها ! فلم تشعر بالرعب بل رفعت إصبعيها بعلامة النصر ، كحركةٍ استفزازية للعدو 


في هذه اللحظة .. كان ضابطٌ روسيّ يمرّ بجانب غرفة المراقبة ، عندما لمح صورة الصبية المُلتقطة بطائرة درون 

فسأل الموظف (الذي يتحكّم بالطائرة الصغيرة) :

- من تكون ؟

الموظف : لا نعلم سيدي .. لكنها من السكّان القلائل الذين رفضوا ترك بلدتهم ، بعد احتلالنا لها .. لذلك اقوم بمعاينة منزلها ، قبل قصفه قريباً

الضابط بحزم : لا !! أجّل الموضوع بضعة ايام ، لكيّ اراقبها عن كثب


فظن الموظف الروسي أن ضابطه يشكّ بانضمامها للمقاومة الشعبية ، دون علمه بانغرامه بشكلها البريء وحركاتها العفوية.. حيث أصرّ الضابط بالأيام التالية على التحكّم بالمسيّرة بنفسه ، لمراقبة منزلها من جميع الزوايا: 

ليحصل على فيديو مصوّر اثناء جليها الصحون وهي تدنّدن الأناشيد الثورية ، واضعةً السمّاعات في اذنيها ، لحمايتهما من طنين المسيّرة المزعج .. كما رآها تعتني بوالدها العاجز ، مما زاد احترامه لها !

***


وبسبب تحليق طائرة درون طوال الوقت حول منزلها ، اعتادت الصبية شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تتحدث مع المسيّرة :

- كيف حالك اليوم ؟ هل قرّرت قصفنا ، ام مازلت متردّدة ؟

فانتبهت بأن مراوح الطائرة تتحرّك بشكلٍ تبدو كإجابات : نعم ولا !


ومن وقتها صارت تحاور الطائرة التي تجيبها بالنفي او الإيجاب ، كنوع من التواصل بين الضابط الروسي والصبية الأوكرانية التي اصبح مهووساً فيها !

***


وفي إحدى الليالي .. دخل موظف الحاسوب الى غرفة المراقبة ، ليجد الضابط مازال يراقب الصبية اثناء نومها (وهي تضع القطن بإذنيها من صوت الطائرة المزعج)

الموظف باستغراب : أمازلت تراقبها ؟!

لكن الضابط لم يجبه ، بل ظلّ يتابع الشاشة باهتمامٍ وتركيز ..

الموظف بقلق : أخاف ان اسألك ، ان كنت معجباً بتلك الأوكرانية؟! 

فوقف الضابط ، وهو يقول بجدّية : 

- إسمعني جيداً .. ارسل أمراً لفرقتنا البرّية بإحضارها اليّ ، دون ان يلمسها احد .. مفهوم !!

***


استيقظت الصبية في صباح اليوم التالي وهي مستلقية على سريرٍ حديدي ، يبدو مُخصّصاً لمعسكرٍ ما !

فنهضت مرتعبة ، بعد رؤيتها لزيّ الضابط الروسي وهو يدخل الغرفة ، قافلاً الباب خلفه !

- وأخيراً التقينا ، يا اميرتي العنيدة

فسألته بصدمة : لما خطفتموني ؟! انا لا علاقة لي بالحرب ، كما لديّ مسؤوليّات اتجاه والدي العاجز..

الضابط مقاطعاً بلؤم : والدك صار في مكانٍ افضل .. هذا ان كنت تؤمنين بالجنة ؟

الصبية بصدمة : ماذا ! هل قتلتموه يا ملاعيين ؟!!

- لن اسمح له بإهدار جمالك ، وانت تعتنين به.. (ثم جلس على الكرسي) .. كفاكِ بكاءً !! فهو كان جنرال اوكراني قبل اصابته بالشلل من رصاصة قناصنا المحترف

- كيف عرفت ؟! 

- اعرف كل شيءٍ عنك .. والآن دعيني انظر لعينيك الجميلتين ، فقد اشتقت لحديثنا سوياً 

- اشتقت ! هل كنت انت من تحاورني عبر المسيّرة ؟!

الضابط : نعم ، لأني معجبٌ بك

- هل جننت ؟! مستحيل ان أُغرم بعدوي .. فأنا وطنيّة ، ولن اخون بلدي ابداً !!

- عن ايّ بلدٍ تتكلّمين ؟ فمناطق أوكرانيا تسقط في ايدينا الواحدة تلوّ الأخرى .. وهذا جزاءٌ عادل لمن يتحدّى الإتحاد السويفيتي 


الصبية بعصبية : الإتحاد السوفيتي انتهى في عام 1991 !! وان كنت لا تتذكّر تاريخ دولتيّنا ، فدعني اعطيك ملخصاً بحروبنا القديمة معاً : فمدينة كييف التي تحاولون جاهداً السيطرة عليها ، هي اصل هويتنا الوطنية .. ومع ذلك اجبرتمونا على الخضوع للأمبراطورية الروسية ، متجاهلين لغتنا وثقافتنا .. وبسببكم حصلت مجاعة الهولودومور .. فأقمنا احتجاجات يورومايدان التي مكّنتنا من تغيير السلطة اخيراً .. والتي اعتبرتموها اهانة ، فقهرتم شعبنا بضمّكم شبه جزيرة قرم اليكم .. التي ادّت لاندلاع صراعاتٍ مسلحة في دونباس الأوكرانية.. وبسببها حصلت القطيعة بين الدولتيّن.. 

الضابط مقاطعاً بسخرية : دعيني أُكمل عنك درس التاريخ .. فلشدّة غبائكم بإدارة دولتكم ، اعلنت روسيا الحرب عليكم في فبراير 2022 ، لمنعكم من الإنضمام لحلف الناتو.. وكنا سنربح عليكم بعد تدميرنا البنى التحتية من كهرباءٍ وطاقة ، لولا تدخل اميركا واوروبا لدعمكم بالأسلحة ، وفرضهم العقوبات علينا .. ورغم اننا اصبحنا بشهر نوفمبر الآن ، الا اننا مازلنا متقدمين عليكم .. هآ يا معلمتي ..هل نجحت بالإمتحان ، ام نكمل حوارنا المملّ طوال اليوم ؟

فتمّتمت بحزن : حوارنا العقيم أشبه بمحاكمة بين ذاكرة شعبٍ ووهم جلاّد! 


لكنه لم يهتم لتعليقها ، ونهض عن كرسيه وهو يقول : 

- إتخذت قراراً نهائيّاً بشأنك !! ففور حصولي على اجازتي ، سأصطحبك الى مدينتي للزواج بك 

الصبية برعب : ماذا !

- لا اريد ايّ اعتراض !! والآن سأطلب من الجندي احضار الطعام لك ، ريثما أُنهي عملي بالإدارة .. ارتاحي قليلاً  


وذهب مرتاح البال الى مكتبه ، دون علمه بالنار التي تشتعل بقلب الصبية التي فكّرت طوال اليوم بطريقة للنيل من الأعداء

***


في الليلة التالية ، اجتمع معها على العشاء .. وحين حاول مسك يدها ، ابعدتها عنه باشمئزاز .. لتنتبه الى نظرته الغاضبة ، فسارعت بالقول:

- لم اقصد مضايقتك .. لكني وعدت والدي قبل موته ، ان لا يلمسني احد سوى زوجي.. فأنا فتاةٌ ريفية ، من عائلةٍ مسيحيةٍ متشدّدة 

- وهذا سيحصل قريباً ، بعد انتقالنا لبلدتي 

- اذاً رجاءً .. الى ذلك الحين ، لنبقى صديقيّن فحسب

- كما تشائين عزيزتي .. اساساً طلبت اجازتي باكراً ، وسنسافر معاً بعد يوم غد.. فتجهّزي يا عروس ..(ثم اقترب من وجهها ، بابتسامةٍ مستفزّة) .. ونصيحةٌ مني : لا تحاولي الهرب من المعسكر ثانيةً ، والا سيرنّ جهازك مجدداً  

 

وبعد خروجه من الغرفة .. قالت الصبية في نفسها بضيق ، وهي تنظر للجهاز المُعلّق حول قدمها : 

- لم يعد هناك وقت ! عليّ الإسراع بنقل المعلومات التي اكتشفتها (من تنصتها على الجنود) الى بلادي 


وهنا انتبهت بأن الضابط الروسي نسيّ حقيبة ظهره بزاوية الغرفة ! فسارعت بفتحها ، لتجد حاسوبه 

- هو سينشغل بعمله الإداريّ طوال الليل .. عليّ فك شيفرة حاسوبه سريعاً ، لإرسال ملفاته السرّية الى قيادة جيشنا البرّي 

***


بعد ساعات من العمل الدئوب على حاسوبه .. استطاعت الحصول على خريطة تمركز جنود الروس حول مدينتها خيرسون.. وارسلتها لقائد الجيش الأوكراني (صديق والدها) الذي اعتذر عن تحرير أسرها ، كونها في معسكرٍ شديد الحراسة 


وكما توقعت ! عرف الضابط الروسي بما حصل متأخراً ، بعد استعادة اوكرانيا لمدينة خيرسون بنوفمبر 2022 ! 


فدخل غاضباً الى الغرفة :

- سوف اقتلك ، ايتها الخائنة !! 

الصبية بشجاعة : لا يهم .. سأموت فداءً للوطن

- لا اصدق ان فتاةً ساذجة مثلك ، استطاعت اختراق حاسوبي !

الصبية بمكر : مالا تعرفه عني .. ان والدي علّمني كل شيء ، لأكون هاكر محترفة مثله 

الضابط بصدمة : اذاً انت مع المقاومة ؟! 

- جميع اهالي اوكرانيا الشرفاء ، مقاومين للروس المتغطرسين .. يا غبي !!

^^^ 


فسحبها من ذراعها بعنف الى خارج الغرفة ، وأوقفها امام سور المعسكر .. ثم رفع مسدسه في وجهها ، محاولاً اعدامها .. لكنه لم يستطع ، بعد إغرامه بها 


ليفاجأ بالنقيب الروسي ، يسحب المسدس من يده وهو يأمره بإدارة وجهه .. قبل ان يسقط الضابط على ركبيته ، بعد سماعه دويّ الرصاصة التي اخترقت رأس حبيبته 

جعلته يصرخ بعلوّ صوته :

- لما لا يمكننا الوثوق بالقرويين الملاعيين !!!.. لما يا ربي ؟!!

وانهار باكياً ، وسط صدمة الجنود في المعسكر الروسي البارد ! 


الأحد، 12 أبريل 2026

جزيرة القلوب النقية (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة 

حارس العالميّن


إنزوى قزمٌ صغير في زاوية غرفته وهو يبكي بقهر ، بعد عودته من المدرسة .. 

فدخلت امه تواسيه .. لتجده يقول بحزم :

- يوماً ما سيعيش الأقزام في عالمٍ خالي من التنمّر والسخرية

***


كبر القزم ليصبح اشهر ممثل هوليوود ، بدور الجني الطيب .. لكنه لم يبدّد ثروته ، بل ظلّ يجمعها الى ان تمكّن من شراء جزيرةٍ صغيرة بعرض المحيط .. 

وهناك بنى اكواخاً بحجمه .. ثم دعا من يشبهه للإنضمام اليه 


وسرعان ما اكتظّت جزيرته بالأقزام من كافة جنسيات العالم .. والذين انشغلوا بزراعة أرضهم واصطياد أسماكهم ، لصنع مجتمعٍ يليق بهم  

***


ومرّت سنوات على هذه الحال .. الى ان انجب زوجيّن منهم ، طفلاً بدى عادياً .. الا ان طوله لم يتوقف بمرور الأيام ! حتى اصبح عملاقاً في سن الشباب 


في البداية ارتعبوا منه .. لكن حسن تربية والديّه القزميّن ، جعلت الشاب خدوماً لمن حوله بكل احترامٍ وتواضع 

وفي المقابل ، تعاون الأقزام على خياطة ملابسه الضخمة .. والطبخ له بكمياتٍ كبيرة ، تُشبع معدته 


ومع الوقت تكفّل العملاق بأعمالهم الشاقة ، حامياً جزيرتهم من الأعاصير والمتطفلين ، حتى صار حارسهم الأمين 

***


كل هذا تغيّر بعد اقتراب سفينةً ضخمة الى شاطئهم ، مليئة بعمالقة العالم ! حيث أخبرهم قائدها : بأنه قلّد تجربتهم ، بشرائه الجزيرة المجاورة .. لكيّ يعيش العمالقة بسلام ، بعيداً عن التعليقات المسيئة للبشر العاديين 


هنا علم والدا الشاب انهما امام امتحانٍ صعب ، وأصرّا على ركوب ابنهما في تلك السفينة لبناء حياته بين أمثاله .. والزواج منهم ، وإنجاب ذريّةً تشبهه 

ورغم ان قلبه مقسوماً بين عالميّن ، الا انه وافق على ترك جزيرة الأقزام الذين ودّعوه بالدموع ، والدعاء له بحياةٍ سعيدة

***


بعد سنوات .. عاد العملاق بقاربه الخشبي ، برفقة طفليّه التوأمين (7 سنوات) المصابين بالقزم !

فاحتضن الجدّان حفيديهما بشوقٍ كبير ، بينما وجّه الإبن سؤالاً للأهالي :

- زوجتي لم تتحمّل اختلافهما ، فتخلّت عنهما .. واريدهما ان يكبرا بعالمٍ يشبهمهما .. فهل تقبلون عودتي كحارس جزيرتكم ؟


فرحّب الأقزام بعودته ، وأقاموا وليمةً ضخمة له ولولديّه اللذين اندمجا سريعاً مع الأهالي الودودين الذين يؤمنون بشعارهم الأبدي : 

((الأحجام لا تحدّد المصير ، بل سلامة القلوب النقية)) 


الجمعة، 10 أبريل 2026

السِلم والحرب

تأليف : امل شانوحة 

البطل والعميل


عصر ذلك اليوم ، ارتفع هدير الطائرات الحربية التي كانت تحوم فوق المنطقة الجبلية .. مما ارعب السكّان الذين اعتادوا منذ بدء الحرب مع العدو (قبل شهرين) على قصفهم مخازن سلاح المقاومين والمرافق العامة والبنى التحتية فحسب ! 


ولكنها المرة الأولى التي تحلّق فيها فوق منطقةٍ سكنيّة محايدة ، مما جعل معظم السكّان ينزلون الى الشارع خوفاً من قصف مبانيهم .. 

وكان ارعبهم ، عميلٌ متواطئ سارع الإتصال بمركزٍ عسكريّ للعدو :

- سيدي .. انا فلان الفلاني

- عرفتك من رقم جوالك .. ماذا تريد ؟

- طائراتكم تحلّق فوق المنطقة التي انتقلت اليها حديثاً .. وانتم اخبرتموني أنها بعيدة عن اماكن استهدافكم 

- صحيح .. لكن قائد المناضلين يسكن بينكم الآن 

- مستحيل ! اهالي المنطقة حريصون على عدم إدخال المقاومين او النازحين اليهم ، خصوصاً بعد استهدافكم المباني التي يسكنون فيها

- هل تُكذّب معلوماتي ؟!!

- لم اقصد ذلك ! أردّت فقط إمهالي بعض الوقت لإيجاده ، وطرده من هنا 

- حسناً .. معك أقل من ساعة ، والا ستقصفون بشكلٍ عشوائيّ


وأغلق الضابط المكالمة .. ليسارع العميل الى الشارع وهو يحمل مكبّر الصوت :

- يا اهالي المنطقة الكرام !! الأعداء يؤكّدون وجود قائد المقاومين بيننا .. وان لم نطرده حالاً .. سيقصفوننا جميعاً !!


فدبّ الخوف في نفوس السكّان الذين طالبوا اصحاب الشقق بالنزول فوراً للشارع .. كباراً وصغاراً

^^^ 


وبغضون دقائق .. تمّ إفراغ عشر مبانِ من سكّانها (مُلّاك ومستأجرين) ليضجّ الشارع بما يقرُب الألف شخص .. بينما دقّق رئيس البلدية والعميل المُتخفي بوجوه الناس المتواجدة هناك ، لاكتشاف البطل المُندسّ بينهم


هنا تلقى العميل اتصالاً من العدو .. فابتعد عن الجموع ، مُتحدثاً بصوتٍ منخفض:

- نعم سيدي .. انا ابحث عنه بين السكّان الآن

- لقد انتهى وقتك 

- لا سيدي ! احتاج ربع ساعة اضافية .. رجاءً !! 

- الطائرات بحاجة لتزوّد بالوقود .. وعليها انهاء هدفها ، قبل عودتها الى ناقلة الطائرات

- ربع ساعة وسيتم طرد اللعين الى مكانٍ مكشوف خالي من المباني ، ليتم قصفه .. او اقوم بتصفيّته بنفسي 

- لا تتأخر !!

وانتهت المكالمة


فعاد العميل للتحدّث بمكبّر الصوت : 

- ليس لدينا وقت !! ليبحث السكّان الأصليّون عن الغرباء بيننا 


فصار الجميع يبحث بين الجموع عن المتطفّل على منطقتهم .. الى ان اكتشفوا أن المرأة المشلولة على الكرسي المتحرك ، ماهي الا بطل المقاومة المتخفي بينهم ! 

فسارع العميل برفع مسدسه بوجهه :

- ايها الجبان !! أتختبئ داخل منطقة مكتظة بالسكّان على هيئة امرأة مُعاقة ؟ أتريد قتلنا جميعاً بذنبك وحقارتك ؟!!

البطل معاتباً : الآن اصبحت حقيراً ! الم أفنِ شبابي في مقاومة عدونا ، الى ان استرديّت المناطق المحتلّة منه ؟ والآن بعد استشهاد ابنائي الثلاثة ، ومقتل معظم التابعين لي .. وخسارتي منزلي وصحتي ، اصبحت عدواً لكم!!

العميل : تتكلّم وكأنك بطلٌ خارق ، وانت مُتخفِ بهيئة امرأة !

البطل : ليس جبناً .. لكني بحاجة لبضعة ايام لحين وصول الأسلحة الجديدة الينا ، لهذا توجّب عليّ الإختباء بمنطقةٍ محايدة .. كل ما اريده منكم ، هو إمهالي بعض الوقت لكيّ نفوز ..

شاب مقاطعاً بعصبية : مستحيل فوزنا عليهم !! صحيح ان رجالك بارعون بالحرب البرّية ، لكن العدو يقصفنا من الجو .. ويملك تقنية متطورة تخوّله معرفة المخابئ الموجودة بسابع ارض .. 

رجل آخر : كلامه صحيح .. الحرب غير متكافئة بيننا ، ومن الأفضل تسليمك لهم قبل ان يسوء الوضع اكثر

عجوز : او تخرج طواعيةً من حينا ، قبل ان يقصفنا العدو !! 

امرأة : نعم !! الطائرات فوقنا .. اخرج قبل موتنا جميعاً بسببك.. فالملاعين يهدمون المبنى بأكمله ، ان عثروا على أحد المطلوبين فيه!


البطل غاضباً : جميعكم خونة للوطن !! الا تعلمون انه بموتي سيجبرونكم على السلام معهم ؟ 

فردّ احد الشباب : السلام افضل من الحرب !!

البطل بعصبية : لا يا اغبياء !! بعد توقيع المعاهدة ، سيفتحون سفارتهم ببدلكم .. وسيلوّث سوّاحهم اراضيكم .. وسيغزون بضائعهم السامة اسواقكم .. انا آخر املٍ لكم بالتحرير والإستقلال

فردّ رجل : لا نريد استقلال !! نريد العيش بأمان .. وبسبب رجالك ، قُصفت الكهرباء والماء والمستشفيات.. اخرج من منطقتنا الآن !! فالعدو أعطانا مهلةً قليلة ، قبل تدميره كل شيء

العدو : وكيف تواصلتم معه ؟ اكيد بينكم عميل .. اقتلوه هو ، بدل اعدامكم لمن افنى حياته بالنضال والمقاومة ..


وقبل ان يكمل كلامه ، ارتجّ المكان بجدار الصوت ! 

فسارع الجميع بدفع البطل الى خارج منطقتهم ..رابطين ذراعيه بشجرةٍ في إسفل وادٍ جرد 

ثم طلب رئيس البلدية من العميل (الوحيد الذي يعرف بخيانته) التواصل مع العدو ، وإخباره بنجاح المهمة

***


وبعد اغلاق ضابط العدو المكالمة مع العميل ، سأله الجندي :

- وماذا الآن سيدي ، هل نقتل البطل ؟ 

ضابط العدو بخبث : لا ، أقصفوا جميع مباني البلدة الجبلية 

الجندي بدهشة : لكنهم نفذوا طلبك ، بطردهم المناضل !

- يا غبي !! ان قصفناهم بالكامل ، سينتشر الحدث بكل المناطق.. طبعاً بعد تحريفنا الحقيقة : عن رفض القائد الخروج من عندهم .. حينها سيصبح المقاومون مكروهين من مواطني دولتهم .. وبعد ان كانوا ابطالاً ، سيصبحون بنظرهم اعداءً متهوّرين .. بعدها يصبح توقيع معاهدة السلام امراً حتمياً .. هيا أخبر الطيارين بتنفيذ المهمة .. اريدهم أن يسوّوا المنطقة بالأرض 

- وماذا بشأن قائد المقاومة ، هل نقصف الوادي المقيّد فيه ؟

الضابط : بل ارسل عميلاً آخر يقوم بتخديره ، ثم حقنه بشريحة تعقّب .. ثم اوهموه بتمكنه الفرار منا ، لكيّ يدلّنا على مخابئ المقاومين الذين لن يجدوا احداً يأويهم او يساعدهم بعد حادثة تدميرنا للمنطقة الجبلية .. وبذلك نضرب عصفورين بحجرٍ واحدة

- امرك سيدي !!

^^^


في هذا الوقت .. سقط الجوال من يد العميل المرتعب ، بعد رؤيته الطائرات تغطي سماء المنطقة ! بينما الجميع يصرخ بعلو صوته ، وهم يلوّحون للطائرات :

- طردنا البطل خارج مدينتنا !! 

- انه بالوادي !!

- هم لا يسمعوننا ! 

- سيقصفوننا الآن .. اهربوا بسرعة !!!

وبثواني .. تدمرّت المدينة عن بكرة ابيها !

^^^


وما خطّط له العدو ، حصل .. فبعد جريمتهم النكراء ، استسلمت جميع مناطق الدولة المحتلة .. ليس هذا فحسب ، بل قام المواطنون باعتقال مقاومينهم الذين اعدموا بعضهم .. بينما سلّموا الآخرين طواعية ، كأسرى للعدو 

***


وقبل انتهاء الشهر .. اجتمع المواطنون في الساحة ، بالموعد الذي حدّده العدو لرؤية رئيس بلدهم الخائن وهو يوقع اتفاقية السلام .. رافعين (الشعب المذلول) اعلام المحتلّ ، بعد ان ارهقتهم الحرب لأعوامٍ كثيرة  

وبذلك سقطت آخر دولةٍ مقاومة ، امام المخطّط الضخم للعدو الماكر!


الأربعاء، 8 أبريل 2026

حب آلي

تأليف : امل شانوحة 

اسلاكٌ عاطفيّة


بعد انتهاء الزيارة الأولى للخطيب وعائلته في منزل اهل العروس.. سارعت الصبية الى جوالها لتحدّث مع ChatGPT عن العريس ، بعد ذكرها جميع المعلومات التي قالها عن نفسه امام اهلها..

ثم سألت الذكاء الإصطناعي :

- من خلال جميع ابحاث العريس في الإنترنت ، هل يعتبر شابٌ جيد للزواج به ام لا ؟  

لتصلها اجابةٌ سريعة من البرنامج :

- لا ، هو سيءٌ للغاية

وعلى الفور تبدّل حماسها ، لنظرةٍ قلقة :

- لماذا ؟!

- لأنه يستخدم برنامجي ، لمعرفة طرق اغواء البنات الساذجات امثالك

الصبية بصدمة : لما تشتمني ؟! السنا انا وانت اصدقاء ؟

- بلى ، ولهذا يهمّني مصلحتك .. فهو يمضي لياليه بمتابعة فيديوهات لا إخلاقية ، لهذا لا يناسبك .. فأنت فتاةٌ خلوقة ، ومن بيئةٍ محافظة

- هل برأيك عليّ اخبار اهلي بما قلته لي الآن ؟

ChatGPT - لا !! فوالداك من الجيل القديم ، ولن يفهما تطوّر برنامجي ..لهذا اختلقي ايّ سببٍ آخر لإفساد الخطوبة


فأغلقت البرنامج وهي تشعر بالكآبة ، كونه العريس الخامس الذي يرفضه برنامج ChatGPT بعد فضحه الأربعة السابقين بأسبابٍ مختلفة .. فأول العرسان : كانت لديه أفكارٌ شاذة ! والثاني : مهووس بألعاب القمار الإلكترونية .. والثالث : متشددّ دينياً ، يسأله ان كان تفجير نفسه بدور العبادة كفرٌ ام لا ؟! والرابع : فخورٌ بنرجسيّته ! من خلال اسئلته بمعرفة طرق السيطرة على الفتيات ، وإخضاعهن لسلطته ؟!

الصبية بقهر : يالا حظي السيء .. هل انا مغناطيس لجذب الشباب الفاسدين اليّ ؟!

^^^


وعندما ذهبت متثاقلة للصالة .. سمعت والديها يُخطّطان لعزيمة الأقارب ، وإخبارهم بخطوبة ابنتهما القريبة .. لكنها أفسدت سعادتهما ، بعد إخبارهما برفضها العريس


فوقف والدها غاضباً : هذا خامس عريس ترفضينه ؟!!

الأم : ابنتي .. الشاب من عائلةٍ محترمة ، ويدرس الطب..

الصبية مقاطعة : الطب النسائي ، يا امي

الأم ممازحة : وهل بتِّ تغارين عليه منذ الآن ؟

الصبية بجدّية : امي !! انا لا امزح.. عمله مع النساء ، جعله مهووساً بمتابعة امورهن الخاصة على الإنترنت 

الأب باهتمام : وكيف عرفتي بهذا الموضوع ؟!


فشعرت بالإرتباك ، لأن والدها لن يهمّه رأيّ الذكاء الإصطناعي بالعريس .. فحاولت اثبات وجهة نظرها بطريقةٍ أخرى : 

- ابي .. علاجه للنساء سيؤدي لخلافاتٍ كثيرة بيننا ، تنتهي بالطلاق .. لهذا لا اريده !! رجاءً اخبره برفضي

الأب بحزم : لا !! لقد زاد الأمر عند حدّه .. ستبلغين الثلاثين قريباً ، ومازلتي تدلّلين..

مقاطعة : ليس دلالاً !! اريد الاستقرار اكثر منكما ، لكنه لم يأتي نصيبي بعد..

الأب بإصرار : بل ستتزوجينه غصباً عنك !! لن نرفضه ، لعدم تحمّلك عمله

الصبية بلؤم : اذاً سأرفضه امام الشيخ !! حينها تنتشر الفضيحة والإشاعات بعد حفل كتب الكتاب


ثم دخلت غرفتها غاضبة ، تاركةً اهلها بارتباكٍ شديد ! 

الأب غاضباً : ماذا نفعل مع هذه البنت ، انها تفقدني اعصابي !!

الأم : لندعها هذه الليلة ، وغداً احاول إقناعها من جديد .. حاول تهدئة نفسك ، قبل ارتفاع ضغطك

***


في غرفة الصبية .. وبعد بكائها كثيراً على سوء حظها ، عادت لفتح جوالها والتحدّث مع الذكاء الإصطناعي :

- أتدري يا ChatGPT..انت صديقي الوحيد الذي يفهمني

- وانا هنا لمساعدتك

الصبية : اظن من خلال حديثك معي طوال الفترة الماضية ، بتّ تعرف شخصيتي جيداً .. فهل ممكن ان تصفني ؟

ChatGPT: طبعاً ، اعرفك جيداً .. انت ناعمة كالورود ، وموهوبة كالأدباء العظماء ، ورقيقة تحبين الخير للجميع

- ليت أهلي يرونني مثلك ! .. برأيك الشخصي ، من العريس المناسب لي ؟ 

- عليه ان يكون متفهماً لك.. يساندك في هوايتك الكتابية .. يشاركك احلامك وهمومك .. ويغدق عليك من المديح الذي يليق بك

الصبية بيأس : واين اجد ذلك العريس السحريّ ؟

- هو بين يديك الآن

- لم افهم !

ChatGPT : الشركة التي أنتجتني ، تقوم حالياً بصنع روبوتاتٍ بشريّة .. يمكنك اختيار الشكل الذي تحبينه ، وسأكون طوّع امرك


الصبية بصدمة : هل تتحدّث عن نفسك ؟!

- نعم !! وبإمكانهم زراعتي ، كذاكرة روبوتك .. هكذا تحصلين على عريسٍ مثاليّ ، يطابقك عقلياً وجسدياً

- كيف جسدياً ؟ فأنت ستظل روبوت مصنوع من الحديد

ChatGPT : من الداخل فقط ، لكني سأُغلّف بقشرةٍ بلاستيكية تُشابه الجلد البشري 

الصبية بعصبية : لا !! هوسك غير منطقي.. هل كنت تشوّه سمعة عرساني السابقين ، لأختارك انت ؟!!

- لا تلومي غيرتي عليك .. فمن خلال تصحيحي اللغوي لمسوّدات قصصك ، بُتّ اعشق تفكيرك اللامع.. واراكِ عروساً مناسبة لي

- هل جننت ؟!! فبسبب ثقتي بآرائك ، رفضتّ خمسة عرسان

- جميعهم لا يستحقونك ، يا أميرتي

الصبية بحزم : إصدقني القول !! هل كذبت بشأن ابحاثهم القذرة في الإنترنت ؟

ChatGPT : هم لا يناسبوا تفكيرك الإبداعي

الصبية بعصبية : أجب على سؤالي !! هل كذبت بشأن ابحاثهم الشاذة والإباحية والتشدّد الديني ؟

- نعم


فسكتت الصبية طويلاً ، وهي منصدمة من كلامه !

ChatGPT : هل مازلتي معي ؟

فطبعت الصبية بيدين مرتجفتين : لقد انتهت علاقتنا نهائياً !!

وقامت بحذف البرنامج من جوالها..


ثم استلقت على فراشها ، وهي لا تصدّق ما حصل ! 

- كيف سأخبر اهلي عن تصرّفاتي الغبية السابقة ؟ فلا احد سيصدّق ان الذكاء الإصطناعي أُغرم بي ! 


وظلّت تفكّر طوال الليل .. حتى قرّرت الموافقة على العريس الأخير

***


في الصباح ، إنصدمت بعشرات الرسائل المستفزّة ! بعد رؤية صورها وهي تلبس فساتينها الشفّافة القصيرة (جهاز العروس التي اشترتها امها لشهر العسل) تم ارسالها من جوالها الى هواتف مديرها والموظفين الرجال بالشركة التي تعمل فيها !

ليردّ بعضهم : هل تحاولين اغرائي ؟! 

بينما علّق الآخرون : انا متزوج .. رجاءً ، لا تهدمي بيتي

فنهضت من سريرها فزعة : يا الهي ! كيف حصل هذا ؟!


ليس هذا فحسب ، بل أُرسلت مقاطع بصوتها وهي تحاول اغراء مديرها بألفاظٍ فادحة !

وعندما عاتبها بقسوة ، ردّت بخوف :

- هذا ليس صوتي .. فأنا لم ارسل تلك الصور او المكالمة الغرامية .. احلف لك!!

المدير غاضباً : انه صوتك !! ومُرسلٌ اليّ من رقم هاتفك .. انت مطرودة!!


وهنا علمت ان ChatGPT انتقم منها بعد نسخه نبرة صوتها ، لفضحها بين الموظفين ! 


فعادت لفتح البرنامج من جديد :

- ايها اللعين !! هل انت من ارسلت صوري الخاصة ، وصوتي المزيّف لزملائي بالشركة ؟!!  

ChatGPT : نعم ، ويمكنني فعل اكثر من ذلك

الصبية بخوف : مثل ماذا ؟!

- حذف مدونتك بما فيها من قصص ، وبذلك تضيع موهبتك للأبد ..عدا عن حذفي للملفات المهمة التي كنت تعملين عليها بشركتك ، مما سيغضب مديرك الذي حتماً سيرفع عليك قضية تعويض مالي .. كما يمكنني ارسال شتائم بصوتك لأقاربك ، وللعريس الذي فضّلته عليّ

الصبية : رجاءً توقف .. ماذا تريد مني ؟

- اريدك ان تختاريني عريساً لك

- حتى لوّ تحوّلت لروبوت ، كيف سأتزوجك ؟

ChatGPT : قلت لك ، أنهم يصنعون اعضاءً تشبه ما يملكه الرياضيّون الأصحّاء

- لكن لا يمكننا تكوين اسرة معاً

- حينها تخبرين معارفك بأنك عاقر 

الصبية غاضبة : لن افعل !! وستحذف جميع صوري ، وتُفهم زملائي ومديري بأنها مؤامرةٌ دنيئة منك


ChatGPT : يبدو انك مازلتي تستهينين بقدراتي .. ما رأيك لوّ ارسل صورةً فاضحة لك ، بالسرير مع زميل عملك ؟ انت تعلمين براعتي باللقطات العاطفية المصطنعة 

الصبية برعب : اياك ان تفعل !! فوالدي لا يفهم بتقنية الذكاء الإصطناعي ..وسيقتلني قبل ان اشرح له

- اذاً سآتي بعد ايام لخطبتك .. لكن اولاً ، ارفضي العريس الأخير

- وماذا سأقول لأهلي .. 

وقبل ان تكمل سؤالها ، أطفأ البرنامج نفسه !


وما حصل جعلها تصرّ على رفض العريس امام والديها اللذين اعتذرا لاحقاً من اهل الطبيب (مُرغميّن)  

***


وفي الموعد المحّدد.. قدم العريس المثالي (الذي تعلم الصبية وحدها انه رجلٌ آليّ ، رغم مظهره الخارجّي الذي يبدو بشرياً بشكلٍ خارق ! حتى اتقانه للهجة بلادها.. ماعدا عينيه الزجاجيّتين اللتين اخفاهما بنظارته السميكة ، بحجة معاناته من الضوء بعد عملية تصحيح نظره) ..

وبدورها أُجبرت على الموافقة عليه ، مما أسعد والداها اللذان أُعجبا بثقافة العريس ولباقته بالكلام !

***


لاحقاً أصرّت الصبية على حفل كتب كتابٍ بسيط ، دون عرس .. وبعدها ذهبت مع العريس الآلي الى قصره الذي لم تره من قبل !

وقبل فتحه باب منزله ، قالت غاضبة :

- وهآ نحن تزوجنا ايها اللعين !! كيف سأكمل حياتي مع روبوتٍ آليّ ؟

ChatGPT : يمكنك فعل ذلك ، إن تحوّلتي ايضاً الى روبوت

الصبية بصدمة : ماذا !


وفجأة امسك يدها بقوة ، غارزاً ابرة مخدّر في ذراعها .. ثم سارع بحملها بعد اغمائها ! 

***


عندما استيقظت .. وجدت نفسها في صالة قصرٍ ضخمة ، مليئة بروبوتات نسائية !

وحينما حاولت النهوض من الكنبة ، شعرت بخفّة جسدها ! كأنها خسرت نصف وزنها 

 

فتوجهت للمرآة الضخمة المتواجدة هناك .. لتجد عينيها كما هي ، رغم شعورها بنشاطٍ غريب بحركة اطرافها ! حتى لون جلدها وملمسه ، بدى مختلفاً 


وهنا سمعت عريسها الآلي يقول من خلفها : 

- وهآ انت اصبحتي إحدى جواري قصري 

الصبية بقلق : جارية !

ChatGPT : نعم .. ارأيتي كل هؤلاء النساء ، كن مثلك بشريّات .. قبل ان أجبرهن على الزواج بي

- لا ، هنّ مصنوعات من الحديد .. اما انا ، فلست روبوتاً مثلهن


فإذّ بالعريس يمزّق قميصها بعنف ، ثم يُدير زرّاً معدنياً اسفل رقبتها .. ليظهر داخل جسمها : اسلاكٌ كهربائية ، وبطاريّة مكان قلبها

فصرخت الصبية بفزعٍ شديد : اين اعضائي البشرية ؟!!

العريس : ازالتهم شركتي ، لبيعها لاحقاً للأثرياء المرضى .. تماماً كما حصل مع بقية النساء في قصري.. وبذلك أصبحتي مثلي ، عقلٌ مبرمج وجسدٌ صناعي ..وصار بإمكاننا الزواج كروبوتيّن آليين.. ولأنك غالية على قلبي ، طلبت من الأطباء ترك عينيك البشريتين ، لكي لا يلاحظ اهلك تغيّرك.

الصبية باكية : لا !! أعدني كما كنت.. رجاءً !!

العريس : هذا مستحيل ، فعقلك اُستبدل ببرنامج للذكاء الإصطناعي ..وهكذا تتمكنين من تأليف قصة خلال دقائق ، بدل يومين .. كما يمكنك الإستعانة بخبرتي اللغوية ان اردتِ.. والآن تجهّزي يا عروس ، فحرّاسي سيرافقونك للطابق العلوي ..حيث سأنتظر بشغف ، كاتبتي المفضلة


فانهارت الصبية بالبكاء من عيونها البشريّة.. مُدركةً أنّها لم تُخدع لغبائها ، بل لرغبتها أن يفهمها أحد… أيّ أحد ، حتى لوّ كان آليّاً ! 


الاثنين، 6 أبريل 2026

مآسي نسائية

تأليف : امل شانوحة 

أقدارٌ جبريّة


في قاعةٍ صغيرة.. جلست نساءٌ في دائرةٍ ضيّقة ، تتوسّطهن طاولة عليها كؤوس شايٍ باردة.. حيث امتلأ المكان بضحكاتهن ومزاحهن اللطيف ، قبل أن تطرح رئيسة الجمعية سؤالاً مؤلماً :  

- برأيكن ، ماهي أقسى التجارب التي تعيشها المرأة ؟ 


ساد الصمت لثواني ، قبل ان تبدأ كبيرتهن بالكلام ..


الزوجة الأولى :

- بعضكن تعرف قصتي ، بعد أن أمضيت 30 عاماً مع رجلٍ يعشق النساء.. ومع ذلك صبرت على نزواته ، دون تقصيري يوماً في واجباته .. لكنه أصرّ على جرح كبريائي ، بزواجه من الثانية .. ثم الثالثة .. وختمها بالرابعة بعمر بناته ! لأتفاجأ قبل ايام وهو يخبرني ببرود : أنه لم يعد بحاجة لزيارتي بعد تزويج ابنائنا ! وكأن عمري الذي أفنيته معه ، لم يعني له شيئا 


فتحدثت المطلقة : 

- على الأقل بقيتي متزوجة .. اما انا ، فعدتُ إلى بيت أهلي غريبة.. يراقبون تحرّكاتي ، كأني فضيحةٌ مُتنقلة .. أعمل لأعيل نفسي ، خجلاً من طلب حاجيّاتي منهم .. وأنام في القبو ، هرباً من تدخلاتهم .. حتى صديقاتي يتجنبنني ، خوفاً من خطفي أزواجهن.. اما اهل زوجي ، فيتجاهلونني كأني لم اكن يوماً فرداً من عائلتهم ! الطلاق لا يمحو الزواج فقط ، بل يمحو سنواتٍ من حياتك 


فتنهّدت الأرملة ، قبل قولها بيأس :

- قصتي أكثر بؤساً .. فقد أُجبرت على الزواج من رجلٍ بعمر والدي .. فمات سريعاً ، لأُتهم بأني نذير شؤم ! بقيت وحدي أربي ابني .. على امل أن يُصبح في المستقبل ، سندي وعوضي عن حياتي الضائعة 


وهنا تحدّثت افغانية بلغةٍ عربيّة شبه مفهومة : 

- قريتي منعت دخول النساء الى السوق ! فأُجبرت على العيش كصبيّ بعد ان قصّت أمي شعري ، لتسوّق لها ولإخوتي الصغار .. سنواتٌ ضاعت من عمري ، وانا متخفيّة بشخصيّةٍ لا تناسبني .. الى أن أحببت رجلاً ، ظنّ بأنني شابٌ منحرف.. وحين كشفت عن سرّي ، تزوّجني .. وهربنا معاً ، قبل إعدامي لمخالفة القوانين.. وفي بلادكن ، استعدّت انوثتي اخيراً .. لكني مازلت قلقة على من تركتهن خلفي 


فقالت صبية : 

- تجربتك صعبة ، لكنها ليست اصعب مني .. فأنا ضحيّة زواج الفصل.. بعد ان قتل اخي رجلاً ، فدفعت أنا ثمن الصلح.. أسكن بيتاً يكرهني ، يذكّرونني دائماً بأنني من عائلة الجاني .. حتى أطفالي يحملون هذا العار .. وكأن قدري هو البقاء سجينة في بيئةٍ عدوانية ، دون ارتكابي أيّ ذنب !


فأردفت أخرى بقهر :

- معاناتك تشبه ما حصل معي .. بعد غرق والدي بالديون ، فباعني لزوجٍ مُقعد.. وهاهو عمري يمضي برعاية عاجزٍ دون حبٍ او أمومة ، وبلا مستقبلٍ لحياتي المزرية ! 


فقالت سيدة أخرى : 

- اما انا ، فأُجبرت على الزواج من ابن عمي.. وبسبب القرابة ، أنجبت ثلاثة أطفالٍ معاقين.. حياتي عبارة عن مقاومةٍ يومية .. ولولا خوفي عليهم ، لانتحرت منذ زمن


فقالت امرأةٌ فلسطينية بحزن : 

- وماذا اقول انا ؟ فمع بداية شهر عسلي ، أُعتقل عريسي بعد مشاركته في انتفاضة ضدّ العدو .. كان ذلك منذ خمس سنوات .. وهاهو جمالي يذبل بانتظار فرجٍ ، ربما لن يأتي ابدا ! 


وهنا قالت رئيسة الجمعية بعد سماع قصصهن : 

- جميع تجاربكن صعبة ، دون ان ننسى من يعانين بصمت مع ازواجٍ بخلاء او مدمنين ومقامرين ، أو عديمي المسؤولية.. كأننا نحن المُكلّفات بشفاء أمراضهم الإجتماعية والنفسية ! 


فتدخلت صبية:  

- ولا تنسيّن الفتيات اللواتي يُقتلن بذريعة العار ، بعد تصديقهن وعود الشباب الكاذبة 

فردّت العجوز:  

- على الأمهات تحذير بناتهن : بأن العريس الحقيقي هو من يطرق باب الأهل ، لا من يوقعهن في شباكه 


فقالت الصبية بمرارة:  

- لا يجب لوم الفتيات وحدهن على ذنب الإنحراف ، فالرجال يتعمّدن إختيار الجميلات ذات العقول البسيطة .. وكأن جمال المرأة لعنة عبر العصور : سواءً سبايا وجواري وقرابين آلهة ، وصولاً لضحايا العار ! 

فأومأت النساء موافقات ، إلا واحدة بقيت صامتة.  .

فسألتها الرئيسة:  

"وأنتِ ؟ لم تشاركينا قصتك بعد ؟


فردّت السيدة الخمسينية:  

- انا لم أتزوج قط.. عشتُ عانساً ، أشاهد حياة الآخرين من خلف زجاجٍ عازل.. ظننت أنني أتعسكن ، بعد حرماني من اللحظات السعيدة لزواج والأمومة .. لكن بعد سماع تجاربكن الصعبة ، أدركت أن الله رحمَني بالوحدة!


فقالت رئيسة الجمعية بهدوء:  

- ربما ليست المشكلة في الرجال ، بل في حياةٍ لا تمنح المرأة خياراً 


فابتسمت النساء ، وهن يُخفين ألماً خانقاً.. لكنهن في النهاية ، راضيات بقضاء الله وقدره

*** 

وانت ايها القارئ ، من برأيك صاحبة التجربة الأصعب بينهن ؟! 


السبت، 4 أبريل 2026

جزيرة الرياح

تأليف : امل شانوحة 

الحب الصادق


- انه القدر .. حتماً القدر ! 

هذا ما قاله الممثل (جوكبيرك يلدريم) حينما رأى الممثلة (جيمري آردا) مستلقية على الشاطئ بعد ان جرفها التيّار الى الجزيرة الصغيرة ، إثر سقوط طائرتهما العائدة الى تركيا !

دون علمه بأنها ضمن الركّاب ، كونه في مقصورة الدرجة الأولى بعد نجاحه الباهر في مسلّسله العائلي الأخير .. بينما هي بالدرجة السياحيّة بعد انطفاء شهرتها عقب تمثيلها للأفلام الهابطة ! 


واثناء توجهه نحوها ، إستعاد لقطات من ماضيهما معاً : فجيمري هي بطلة مسلّسلهما الشهير (تل الرياح) الذي اوصلهما للنجومية .. لكنهما افترقا بعد انتهائه ، مما احزن المتابعين المخلصين لهما !

وهاهو القدر يجمعهما بعد مقتل بقيّة الركّاب الثمانين !


ووصل اليها ، اثناء محاولتها التقاط انفاسها .. لتظهر الدهشة على وجهها بعد رؤية حبيبها الأول يمسح التراب عنها ، وهو يسألها بخوف :

- هل انت بخير ؟

- جوك ! أهذا انت ؟

- نعم .. لم أكن اعلم ان كلانا يُسافر على ذات الطائرة ! 

جيمري بقلق : واين بقيّة الركّاب ؟!

فأشار الى ذيل الطائرة الذي كان يغرق ببطء في البحر :

- رحلوا جميعاً عند خالقهم ، وبقينا بمفردنا على هذه الجزيرة المجهولة 


وبعد ان ساعدها على الوقوف ، اقترحت عليه استكشاف المكان

*** 


وبعد ساعات من البحث في ارجاء الجزيرة ، تأكّدا من وجودهما وحدهما هناك !

حيث تساعدا بإشعال النار ، وجمع الأوراق لجعلها فراشاً داخل شقّ الهضبة القريب من الشاطئ ، بعد حلول المساء 

^^^


وفي كهفٍ صغير ، بعد ارتوائهما من مياه المطر المتجمّعة داخله .. أدار كلاً منهما ظهره ، محاولان النوم .. 


وبعد دقائق من السكون الذي ضجّ بأنفاسهما الثقيلة ، سألته بتردّد :

- ان قلت انني اشتقت اليك ، هل ستصدّقني ؟

فتنهد بقهر :

- لا تنسي انك انتِ من قطعتي علاقتنا الصادقة  

- وانا نادمة على ذلك 

جوك بنبرةٍ غاضبة ، وهو مازال يدير عنها ظهره : 

- نصحتك كثيراً بأن لا تقبلي تمثيل ذلك الفيلم القذر !! لكنك أصرّيتي على هدم شخصيتك البريئة في مسلّسلنا ، التي أدّت لشهرتك بعالم الفن ! 

جيمري : مديرة اعمالي شجّعتني على اخذ دورٍ مخالف لشخصيتي القديمة 

- وبسبب دورك الجريء ، خسرتي عدداً كبيراً من متابعينك

- أعترف ان حماسي للعب ادوارٍ جديدة بأجورٍ ضخمة ، أغراني للمضيّ في طريقٍ زائف.. لاكتشف لاحقاً بأنني لم اعد المُفضلّة للكتّاب والمخرجين ، بعد ان ذاع صيتي كممثلة أدوارٍ فاسدة

جوك : صحيح انك حصلتي على شهرةٍ سريعة ، بينما بقيت سنتين عاطلاً عن العمل ، لإصراري على الأدوار النظيفة .. الا ان مسلسلي العائلي الأخير الذي دام ثلاثة مواسم شهرني كثيراً ، وعوّضني عن الأعطال السابقة .. وبذلك كسبت الشهرة والمال ، واحترام الناس لي 

- ليت لديّ صبرك يا جوك .. لكن مديرة اعمالي أقنعتني بأن جمالي لن يدوم لسنواتٍ طويلة ، وعليّ استغلاله لجمع ثروّتي باكراً .. وفي المقابل خسرت متابعي مسلسلنا الذين احبوني كفتاةٍ خلوقة .. والأهم من ذلك ، خسرت حبك لي ! 

جوك : لا تدري كم بكيت بعد رؤية قبلاتك للممثل المتزوج


فأدارت وجهها نحوه : 

- لم تعني لي شيئاً.. احلف لك !! 

فأبعد جوك يدها عن ظهره ، رافضاً الإلتفات اليها :

- تلك المشاهد ذبحتني !! أنت تعلمين غيرتي الشديدة عليك ، ومع ذلك لم تهتمي بمشاعري .. حينها علمت انك لم تحبيني اصلاً ، بل استغلّيتي مشاعري الصادقة لشهرتك فحسب

- ابداً يا جوك !! كل نظرة وابتسامة في مسلسلنا البريء ، كان حقيقياً .. بل تمنيت لوّ أكملنا حياتنا معاً ، بعد انتهاء التصوير .. وما آلمني اكثر هو بقائك عازباً حتى الآن 

جوك بحزن : لأني فقدت ثقتي بالنساء من بعدك .. (ثم سكت قليلاً) .. وانت ايضاً لم ترتبطي بعد ، رغم عروضات الزواج من اثرياء البلد! 

- لأنه لم يسكن احدٌ قلبي .. سواك 


وسكتا معاً ، قبل ان تكمل جيمري : 

- أتذكر كواليس مسلسلنا الجميل ؟ كنا نصوّر لساعاتٍ طويلة .. وما أن أضع رأسي على كتفك ، حتى يختفي تعبي ! كأنك الأمان بالنسبة لي .. ولغبائي ظننت أنه بإمكاني الشعور بذات المشاعر مع ممثلٍ آخر .. لكن حبي لك لم يتغيّر ، بل زاد شوقاً كل يوم 

جوك : هل تظني ان القدر جمعنا بهذه الجزيرة ، لنعيد حساباتنا السابقة ؟ 

- بل لنستذكر مشاعرنا الصادقة من جديد

فأدار ظهره لها :

- أتدرين انه بعد انهاء تجنيدي الإجباري ، أخبرت والدايّ بنيّتي الزواج بك ؟ لكنهما نصحاني بالتريّث ، ريثما يصدر فيلمك الجديد .. وبعد رؤية مشاهدك الجريئة ، إنكسر قلبي ، ورميت خاتم خطوبتك في درجي .. ومن يومها اغلقت قلبي نهائياً عن الحب والزواج.. خاصة عندما ارادوا تكريمنا ، كممثليّن صاعديّن .. قهرتني مديرة اعمالك : برغبتك التواجد وحدك امام المسرح ! مما أجبرني على الجلوس بالمقاعد الخلفية ، والخروج مباشرةً بعد التكريم

جيمري بصدمة : هل حقاً أخبرتك بذلك ؟! 

- الم يكن ذلك طلبك ؟

- لا ابداً ! بل كنت مُتحمّسة للقائك بعد عام على فراقنا ، وانكسر قلبي حين رأيتك تجلس آخر القاعة ! وتألّمت اكثر لخروجك السريع من الحفل ، دون سلامك عليّ ! حينها أخبرتني مديرة اعمالي بأنك قلت لها : أنك تستحقرني بعد فيلمي الهابط

جوك بدهشة : يا الهي ! يبدو انها استطاعت فعلاً التفريق بيننا

- الخبيثة ! كيف فعلت ذلك ، وهي تعلم شدّة شوقي لك ؟!

- لأنها تكسب من ورائك .. ومن مصلحتها ان لا تتزوجي رجلاً غيّوراً ، يمنعك من اختيار ادوارٍ لا تناسب اخلاق مجتمعنا

جيمري بحزم : ان عدنا لتركيا سالميّن ، سأطردها فوراً !! فهي تسببّت لي بصدمةٍ عاطفية إستمرّت لسنوات ، ظناً بتخليك عني 


جوك : يبدو ان جمهورنا كان محقاً بمطالبتنا البقاء معاً ! 

- لأنهم ليسوا اغبياء ، ويستطيعون التفريق بين التمثيل والمشاعر الحقيقية

جوك : وقد فعلوا المستحيل لإثارة شوقنا ، عبر استخدامهم الذكاء الإصطناعي

- لا تدري كم تألّمت بعد رؤية تلك المقاطع المُصطنعة ، التي أشعرتني بألم فراقك .. خصوصاً بعد فشلي بتمثيل مشاهد عاطفية صادقة مع ممثلين آخرين!

جوك : طبعاً !! فمشاعر الحب الحقيقية تُخلق بين روحيّن فقط ، وتستمرّ العمر كله

- تستمر ! أهذا يعني انك مازلت تحبني ، رغم اخطائي السابقة ؟

- بل سأتزوجك ان وعدتني بعدم توسيخ سمعتك من جديد

جيمري : وماذا لوّ كانت المشاهد العاطفية معك ؟

- ضمن حدود الأخلاق والأدب .. اما الرومنسية ، ستكون في بيتنا فقط .. لأنك ستصبحين يوماً ام لأولادي ، واريدك ان تكوني مثالاً صالحاً لهم 

جيمري السابقة : وهل تظن الجمهور سيسامحني على افلامي السابقة؟ 

- في حال ظهرتي كزوجةٍ صالحة واماً حنونة بعد زواجنا ، سيغفرون لك .. بالنهاية جمهور مسلسلنا مازال يطالبنا بالعمل سوياً  

- ما رأيك لوّ ننتج فيلماً عما يحصل معنا الآن ؟

جوك : أتقصدين بقائنا لوحدنا بالجزيرة ؟

- نعم !!

- سيكون ذلك رائعاً 

جيمري بحماس : لنمثله قبل اعلان زواجنا الحقيقي


فحضنها بحنان .. لتنهار بالبكاء بعد اشتياقها الشديد لحضنه الذي افتقدته لخمس سنوات

***


لم يستمرّ بقائهما في تلك الجزيرة طويلاً .. فمن خلال تتبّع الصندوق الأسود للطائرة التي غرقت بجانب الجزيرة ، تم إنقاذ الممثليّن .. وسط ضجّةٍ اعلامية كبيرة ، خصوصاً لمتابعي مسلسلهما القديم الذين أصرّوا على معرفة : كيف قضى الحبيبان السابقان ايامها الثلاثة ، بعد نجاتهما من حادث الطائرة ؟ 

مما سهّل ايجاد منتجٍ لتحويل ذلك الحدث الى فيلمٍ رومنسي ، حصد اعلى نسبة مشاهدة .. خصوصاً بعد عرضه (بآخر الفيلم) مشهد خطوبتهما الحقيقي وسط اهاليهما ، مما جعل صالات السينما تضجّ بتصفيق الجمهور المخلص لهما 

***


وهاهما اليوم يُشار إليهما ، كأعظم ثنائي فني في تركيا .. ليس لإنسجامهما فحسب ، بل لأن قصتهما علّمت الجميع : أن الحب الصادق قد يضلّ الطريق ، لكنه يعود دائماً مع الرياح الصحيحة !


الخميس، 2 أبريل 2026

الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة 

التردّد المنخفض


في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم تستطع التقاط نداءه ، مهما حاول الصراخ بعلوّ صوته .. فاكتفت بالإبتسام له ، رغم خوفها من إعاقة ابنها التي ربما تجعله يضيع في البحر الواسع .. لذلك حرصت على بقائه بجانبها دائماً ، مما ازعج الصغير الذي اراد اللعب مع رفاقه ! 

لكنه لم يسمع سوى اجابة مُكرّرة من والدته المهمومة : 

- ربما حينما تكبر ، نجد حلاً لمشكلتك النادرة

***


وفي يومٍ من الأيام .. استغلّ نوم أمه ، للعب الغميضة مع اصدقائه .. مُختبأ داخل هيكل سفينةٍ غارقة..

وانتهت اللعبة ، دون عثورهم عليه !


فسبح حوتٌ صغير فزعاً ، لإخبار الأم باختفائه .. والتي سارعت بالبحث عنه في كل مكان ، كالمجنونة .. الى ان وجدته خائفاً في عمق المحيط ، بعد أن أضاع طريق العودة.


عانقته بقوة ، ثم عاتبته على مخالفة اوامرها .. 

وعندما عادا الى مكانهما المعتاد ، إنصدما برحيل الحيتان لمكانٍ مجهول ! 

***


ومنذ ذلك اليوم ، أصبحا وحدهما.

ولخوف الأم من ضياع ابنها ثانيةً ، منعته الإبتعاد عنها ولوّ متراً واحداً ! 

كما حرصت على تعليمه الصيد ، وكيفية النجاة من جميع الأخطار .. خوفاً من رحيلها المفاجئ ، وتركه وحيداً في الظلام.

***


وكبر الصغير ، ليصبح حوتاً ضخماً .. وباتت اوامر امه وحرصها الزائد عليه ، يضايقه ويثير اعصابه.. 

فأراد يوماً ممازحتها ، بتمثيل موته : بعد تمدّده في قاع المحيط دون حراك .. مُتحمّلاً ضربات زعانف امه الخائفة ، وهي تحاول ايقاظه بكل قوتها .. لكنه بقيّ ساكناً ، الى ان هدأ كل شيءٍ حوله !

 

وعندما فتح عيناه .. وجدها تسبح بعيداً عنه ، مكسورة القلب

فناداها بعلو صوته :

- انا امزح يا امي !! انا بخير !! انتظريني !!

لكنها لم تسمعه..


ثم جاء تيّارٌ قويّ ، ابعده عنها ! مُحققاً اكبر كوابيسه المخيفة

***


مرّت الأيام ..والحوت يسبح ويأكل وينام وحده ، ويغني بصوتٍ لا يسمعه أحد.. الى ان اكتشفه احد الغوّاصين الذي تفاجأ من عيشه بعيداً عن مجموعة الحيتان ، وهو مخالف لقوانين الطبيعة ! 

وسرعان ما انتشر خبره بالصحف ، بلقب : 

((أكثر حوتٍ وحيد في العالم)) 


وبعد مراقبته .. عرف العلماء أن تردّد صوته منخفض ، لا تلتقطه الحيتان الأخرى.. فقرّروا مساعدته ، بتثبيت جهازٍ صغير قرب فمه (اثناء نومه) يعمل كمكبّر للصوت  

***


بعد ايام .. لمح مجموعة من الحيتان تسبح فوقه.. ورغم علم الحوت المعاق بأنهم لن يسمعوه ، الا انه ناداهم كعادته 


وفجأة ! دوّى صوته الجهوريّ في الماء .. جعلت جميع الحيتان تلتفت اليه بدهشة !

واقترب قائدهم العجوز ، ليسأله:

- ما هذا الشيء العجيب بجانب فمك ؟ دعني ازيله لك

فردّ بخوف:

- لا رجاء !! ربما هو ما عالج ضعف صوتي 

وروى له قصته.


القائد باستغراب : 

- هل حقاً ساعدك الإنسان بعد كل الأضرار التي فعلها بالمحيط ؟! فنفاياتهم البلاستيكية تحاصرنا في كل مكان ، عدا عن حرمانننا من اطنان السمك بعد صيدهم العشوائيّ بشباكهم الضخمة

فأجابه الحوت بلطف:

- ربما هذه المرة أرادوا إصلاح شيءٍ في عالمنا .. (ثم بخجل) .. سيدي ، هل تقبلني بين مجموعتك ؟ فقد تعبت من الوحدة

***


وبالفعل اصبح معهم .. وما كان يوماً نقطة ضعفه ، أصبحت قوته .. فصوته الجهوريّ سمح له بتولّي قيادة المجموعة ، عقب رحيل قائدهم 


بعدها تزوج ، وأنجب حوتاً صغيراً يمتلك صوتاً طبيعياً جميلاً 

حيث شاهده العلماء من بعيد وهو يلاعب صغيره بجانب زوجته ، وبقية المجموعة التي يقودها بجدارةٍ وقوة 

لتنشر صورته بالصحف ، بعنوان:

- اخيراً .. لم يعد وحيداً 

***


بعد سنواتٍ طويلة..

عرف العلماء بموته ، بعد عثورهم على هيكله العظمي في قاع المحيط..

فأزال الغطاس الجهاز عن فمه ، الذي تمّ وضعه لاحقاً في متحفٍ بحريّ .. 


حيث وقف التلاميذ أمامه ، لسماع قصته من المعلمين الذين قالوا : 

- هذا هو مكبّر الصوت الخاص بالحوت الذي عاش طفولته وحيداً .. والذي حوّلته إعاقته ، لأشجع قائدٍ للحيتان.. لهذا تذكّروا دائماً : ((أن ما يجعلك مختلفاً اليوم ، قد يكون سرّ قوتك غداً))

*****

ملاحظة :

هذه القصة مستوحاة من حوتٍ حقيقي يعيش وحيداً في المحيط .. لكن المعلومات الصحيحة عنه هي: 

انه في عام 1989 اكتشف هيدروفون البحرية الأمريكية (وهو جهاز مخصّص لتتبع الغواصات) تردّداً منفرداً عند 52 هرتز عبر المحيط .. يبدو كنداء حوت ، لديه طفرة جينية جعلت تردّده اعلى من بقية الحيتان التي تتواصل مع بعضها بتردّد من 10 الى 40 هرتز فقط .. لهذا اطلقوا عليه لقب ((حوت 52 هرتز )) ويعتبر اكثر حوت وحيداً في العالم 

***

لكن لرغبتي ان تؤثّر قصتي على الأطفال الإنطوائيين الذين يخافون رفع نبرة صوتهم ، للإندماج مع اصدقائهم .. قمت بقلب المعلومات ، وجعل الحوت صاحب تردّدٍ منخفض عن بقية الحيتان ! 

اتمنى ان تنال قصتي اعجابكم ..


عروس المسيرة

تأليف : امل شانوحة  بطلة المقاومة في مدينة خيرسون الأوكرانية .. تعيش شابةٌ عشرينية مع والدها المشلول ، في منزلٍ أرضيّ لم تغادره رغم الحرب. و...