تأليف : امل شانوحة
الجارة الحقودة
مع بداية فترة الإمتحانات النهائية.. إنشغلت مريم (17 سنة) بدراستها ، إلى حدّ نسيانها تناول الطعام ! رغم تحضير امها لوجباتها المفضّلة التي وضعتهم على مكتبها.. قبل اغلاقها الباب بهدوء ، لئلاّ تشتّت انتباهها.
وعندما تعود بعد ساعات ، تجد الطعام برد أو فسد !
فتعاتب ابنتها على عدم تناولها لقمةً واحدة منها .. فتخبرها مريم بعدم ملاحظتها الطبق من الأساس !
***
ومع مرور الأيام.. امتلأت غرفة مريم بالأطباق المُتراكمة والشطائر المُتعفنة ، بينما جسدها يضعف تدريجياً..
الى ان خرجت ذات يوم من غرفتها مُترنّحة .. واتجهت إلى المطبخ ، حيث كانت أمها تعدّ الغداء.
جلست على الطاولة ، وعلى وجهها علامات الإنهاك الشديد..
قائلةً بتعب :
- أمي رجاءً ، أطعميني بيديك.. فلا أدري ما يحدث معي ! كلما وضعت الطعام في فمي ، إنشغلت بالدراسة أو شعرت بغثيانٍ يمنعني من ابتلاعه.. لقد خسرت ثلاثة كيلوغرامات منذ بداية الإمتحانات ، ولم أعد أتناول سوى الماء.. أرجوكِ أطعميني بنفسكِ ، قبل موتي جوعاً في أيّة لحظة !
فشعرت الأم بغصّةٍ موجعة ، وسارعت برفع ملعقة الطعام نحو ابنتها .. سرعان ما سقطت من يدها بعد لمحها لثانيتيّن ، شيئاً ارعبها بشدة !
ففم ابنتها مقفلاً بخيطٍ أسودٍ على طول شفتيها ، كأنها خياطةً جراحيّة ملعونة !
وعلى الفور !! أطبقت الأم يدها فوق فم ابنتها ، وبدأت بتلاوة المعوّذات ..
مريم باستغراب :
- ماذا هناك يا امي ؟!
الأم بحزم : لا تتفوهي بكلمة ، لحين انتهائي من الدعاء
واصلت الأم القراءة ، الى ان ارتخى الخيط المشدود .. قبل تلاشيه في الهواء كدخانٍ اسود !
وسرعان ما استعادت الفتاة شهيّتها ، مُمسكةً الملعقة وهي تأكل من الطبق امامها بنهمٍ لم تعرفه منذ أيام !
كانت تمضغ بسرعة ، وتطلب سكب المزيد في صحنها .. بينما كتمت الأم دموعها وهي تشكر الله (في قلبها) على شفاء ابنتها من ذلك العمل الخبيث !
دون اخبارها بما رأته ، كيّ لا تُلهيها عن دراستها
^^^
لكن الأم لم تستطع الإحتفاظ بالسرّ طويلاً ، وأخبرت جارتها المُقرّبة بما حصل .. وهي تسألها بعصبية :
- من المجرم الذي سحر ابنتي ، وحرمها من الطعام لأيام ؟ لولا أن ستر الله انكشف لبضعة ثواني ، لكنت فقدتها للأبد !!
فسألتها جارتها بقلق :
- هل زارتك جارتنا الجديدة حفيظة ، قبل موعد الإمتحانات ؟
ـ نعم .. وطلبت من مريم تدريس ابنتها ، لأنها بنفس مرحلتها الدراسية .. لكن ابنتي اعتذرت ، لعدم تفرّغها لتعليم غيرها
الجارة : وهل تركتهما بمفردهما ؟
- لبعض الوقت ، اثناء اعدادي القهوة
- اذاً اسألي مريم بما حدث اثناء غيابك .. حينها تنكشف الحقيقة
^^^
بعد انتهاء الإتصال .. دخلت غرفة ابنتها التي كانت تدرس بجهد ، وسألتها عن الجارة حفيظة ؟
مريم : سألتني عن مستوايّ الدراسيّ ، فأريتها شهاداتي المتفوّقة .. وعندما رفضت تعليم ابنتها الكسولة ، طلبت البوم صوري
الأم : وما دخلها بصورك ؟!
- لا ادري .. لكن ما ان أعطيتها ايّاه ، حتى طلبت كوب ماء.. فتركتها تتصفّحه لوحدها
- مريم !! هاتي الإلبوم فوراً
وفتشته الأم صفحةً صفحة ، الى ان اكتشفت إختفاء احدى الصور .. حينها فهمت بأن حفيظة أخاطت فم الصورة ضمن طقوسٍ شيطانية ، إنعكس سلباً على ابنتها بعد فقدان شهيّتها تماماً !
لكنها لم تخبر مريم بشيء (كيّ لا تخيفها) وتركتها تُكمل دراستها ..
بينما سارعت الى شقق الجيران ، لإنذارهم من الساحرة الخبيثة.
^^^
إنتشر الخبر في المبنى ، كالنار في الهشيم.. وسرعان ما تبادلت النساء شكوكهن حول التصرّفات الغريبة لجارتهن الجديدة .. خصوصاً تجوّلها بحرّية في بيوتهن .. حتى ان بعضهن شاهدوها تبحث في نفاياتهم ، او سلّة ملابس عائلاتهم الوسخة !
وبعد السؤال عن تاريخ حفيظة في منطقتها القديمة ، تأكّدوا جميعاً من امتهانها الشعوذة ! ولم يعد أحد يشعر بالأمان بوجودها بينهم
فاجتمع السكّان ..مواجهين المرأة بما سمعوه ، ومطالبينها بمغادرة المبنى فوراً.
في البداية ، أنكرت التهمة الباطلة .. وبعد ايام من العزلة ، ادّعت التوبة والندم من مهنتها المشينة !
ورغم انفضاح سرّها ، الا انها رفضت الرحيل .. لهذا اتفق الجميع على مضايقتها ، لإجبارها على المغادرة : كرميهم النفايات امام بابها ، وقطع الكهرباء والماء عنها .. ومنعها من ركن سيارتها في موقف المبنى ..
***
وفي احدى الأيام .. وبعد عودة ابنة حفيظة باكية الى شقتها (بعد سماعها اتهامات اولاد الجيران السيئة عن أمها في المدرسة) لم يعد باستطاعة حفيظة البقاء ، بعد شهرين من معاملتهم السيئة معها..
وبعد حزم امتعتها (فور انتهاء دراسة ابنتها)
وقبل قيادتها السيارة ، مغادرةً المبنى نهائياً .. قالت للبواب :
- إخبر جاراتي العزيزات ، انني مازلت احتفظ بأغراضهن الخاصة ! وقريباً سيندمن على ما فعلنه معي
^^^
وقبل صعود الحارس ، لإبلاغهن برسالة حفيظة المسمومة.. إخترقت فرحة احتفال الأم بنجاح مريم ، صرخة ابنتها من الغرفة !
فأسرعن الى هناك ، ليروها تحمل صورة بيدها المرتجفة ..
مريم بفزع : امي !! عادت صورتي المسروقة .. وجدتها فوق مكتبي .. لكن انظري المكتوب عليها
وكان مرسوماً خطوطاً حمراء على اطرافها الأربعة ، مع كلمة (حادث سير)
مريم باكية بخوف : هل ستُقطع يدايّ وقدمايّ بحادث سير ؟ هل هذا مستقبلي الذي ينتظرني ، يا امي ؟!
فنظرت النّسوة للأم برعب ! دون علمهن بالحارس الذي يقف عند باب الشقة ، حاملاً تهديد حفيظة الأخير.. الذي سيجعل الجميع أهدافاً ، لحقدٍ شيطانيّ لن يرحمهم لسنواتٍ طويلة !






