تأليف : امل شانوحة
بطلة المقاومة
في مدينة خيرسون الأوكرانية .. تعيش شابةٌ عشرينية مع والدها المشلول ، في منزلٍ أرضيّ لم تغادره رغم الحرب.
وفي صباحٍ بارد .. وقفت على الشرفة لنشر الغسيل ، حين لمحت طائرةً مسيّرة تحوم فوق منزلها ! فلم تشعر بالرعب بل رفعت إصبعيها بعلامة النصر ، كحركةٍ استفزازية للعدو
في هذه اللحظة .. كان ضابطٌ روسيّ يمرّ بجانب غرفة المراقبة ، عندما لمح صورة الصبية المُلتقطة بطائرة درون
فسأل الموظف (الذي يتحكّم بالطائرة الصغيرة) :
- من تكون ؟
الموظف : لا نعلم سيدي .. لكنها من السكّان القلائل الذين رفضوا ترك بلدتهم ، بعد احتلالنا لها .. لذلك اقوم بمعاينة منزلها ، قبل قصفه قريباً
الضابط بحزم : لا !! أجّل الموضوع بضعة ايام ، لكيّ اراقبها عن كثب
فظن الموظف الروسي أن ضابطه يشكّ بانضمامها للمقاومة الشعبية ، دون علمه بانغرامه بشكلها البريء وحركاتها العفوية.. حيث أصرّ الضابط بالأيام التالية على التحكّم بالمسيّرة بنفسه ، لمراقبة منزلها من جميع الزوايا:
ليحصل على فيديو مصوّر اثناء جليها الصحون وهي تدنّدن الأناشيد الثورية ، واضعةً السمّاعات في اذنيها ، لحمايتهما من طنين المسيّرة المزعج .. كما رآها تعتني بوالدها العاجز ، مما زاد احترامه لها !
***
وبسبب تحليق طائرة درون طوال الوقت حول منزلها ، اعتادت الصبية شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تتحدث مع المسيّرة :
- كيف حالك اليوم ؟ هل قرّرت قصفنا ، ام مازلت متردّدة ؟
فانتبهت بأن مراوح الطائرة تتحرّك بشكلٍ تبدو كإجابات : نعم ولا !
ومن وقتها صارت تحاور الطائرة التي تجيبها بالنفي او الإيجاب ، كنوع من التواصل بين الضابط الروسي والصبية الأوكرانية التي اصبح مهووساً فيها !
***
وفي إحدى الليالي .. دخل موظف الحاسوب الى غرفة المراقبة ، ليجد الضابط مازال يراقب الصبية اثناء نومها (وهي تضع القطن بإذنيها من صوت الطائرة المزعج)
الموظف باستغراب : أمازلت تراقبها ؟!
لكن الضابط لم يجبه ، بل ظلّ يتابع الشاشة باهتمامٍ وتركيز ..
الموظف بقلق : أخاف ان اسألك ، ان كنت معجباً بتلك الأوكرانية؟!
فوقف الضابط ، وهو يقول بجدّية :
- إسمعني جيداً .. ارسل أمراً لفرقتنا البرّية بإحضارها اليّ ، دون ان يلمسها احد .. مفهوم !!
***
استيقظت الصبية في صباح اليوم التالي وهي مستلقية على سريرٍ حديدي ، يبدو مُخصّصاً لمعسكرٍ ما !
فنهضت مرتعبة ، بعد رؤيتها لزيّ الضابط الروسي وهو يدخل الغرفة ، قافلاً الباب خلفه !
- وأخيراً التقينا ، يا اميرتي العنيدة
فسألته بصدمة : لما خطفتموني ؟! انا لا علاقة لي بالحرب ، كما لديّ مسؤوليّات اتجاه والدي العاجز..
الضابط مقاطعاً بلؤم : والدك صار في مكانٍ افضل .. هذا ان كنت تؤمنين بالجنة ؟
الصبية بصدمة : ماذا ! هل قتلتموه يا ملاعيين ؟!!
- لن اسمح له بإهدار جمالك ، وانت تعتنين به.. (ثم جلس على الكرسي) .. كفاكِ بكاءً !! فهو كان جنرال اوكراني قبل اصابته بالشلل من رصاصة قناصنا المحترف
- كيف عرفت ؟!
- اعرف كل شيءٍ عنك .. والآن دعيني انظر لعينيك الجميلتين ، فقد اشتقت لحديثنا سوياً
- اشتقت ! هل كنت انت من تحاورني عبر المسيّرة ؟!
الضابط : نعم ، لأني معجبٌ بك
- هل جننت ؟! مستحيل ان أُغرم بعدوي .. فأنا وطنيّة ، ولن اخون بلدي ابداً !!
- عن ايّ بلدٍ تتكلّمين ؟ فمناطق أوكرانيا تسقط في ايدينا الواحدة تلوّ الأخرى .. وهذا جزاءٌ عادل لمن يتحدّى الإتحاد السويفيتي
الصبية بعصبية : الإتحاد السوفيتي انتهى في عام 1991 !! وان كنت لا تتذكّر تاريخ دولتيّنا ، فدعني اعطيك ملخصاً بحروبنا القديمة معاً : فمدينة كييف التي تحاولون جاهداً السيطرة عليها ، هي اصل هويتنا الوطنية .. ومع ذلك اجبرتمونا على الخضوع للأمبراطورية الروسية ، متجاهلين لغتنا وثقافتنا .. وبسببكم حصلت مجاعة الهولودومور .. فأقمنا احتجاجات يورومايدان التي مكّنتنا من تغيير السلطة اخيراً .. والتي اعتبرتموها اهانة ، فقهرتم شعبنا بضمّكم شبه جزيرة قرم اليكم .. التي ادّت لاندلاع صراعاتٍ مسلحة في دونباس الأوكرانية.. وبسببها حصلت القطيعة بين الدولتيّن..
الضابط مقاطعاً بسخرية : دعيني أُكمل عنك درس التاريخ .. فلشدّة غبائكم بإدارة دولتكم ، اعلنت روسيا الحرب عليكم في فبراير 2022 ، لمنعكم من الإنضمام لحلف الناتو.. وكنا سنربح عليكم بعد تدميرنا البنى التحتية من كهرباءٍ وطاقة ، لولا تدخل اميركا واوروبا لدعمكم بالأسلحة ، وفرضهم العقوبات علينا .. ورغم اننا اصبحنا بشهر نوفمبر الآن ، الا اننا مازلنا متقدمين عليكم .. هآ يا معلمتي ..هل نجحت بالإمتحان ، ام نكمل حوارنا المملّ طوال اليوم ؟
فتمّتمت بحزن : حوارنا العقيم أشبه بمحاكمة بين ذاكرة شعبٍ ووهم جلاّد!
لكنه لم يهتم لتعليقها ، ونهض عن كرسيه وهو يقول :
- إتخذت قراراً نهائيّاً بشأنك !! ففور حصولي على اجازتي ، سأصطحبك الى مدينتي للزواج بك
الصبية برعب : ماذا !
- لا اريد ايّ اعتراض !! والآن سأطلب من الجندي احضار الطعام لك ، ريثما أُنهي عملي بالإدارة .. ارتاحي قليلاً
وذهب مرتاح البال الى مكتبه ، دون علمه بالنار التي تشتعل بقلب الصبية التي فكّرت طوال اليوم بطريقة للنيل من الأعداء
***
في الليلة التالية ، اجتمع معها على العشاء .. وحين حاول مسك يدها ، ابعدتها عنه باشمئزاز .. لتنتبه الى نظرته الغاضبة ، فسارعت بالقول:
- لم اقصد مضايقتك .. لكني وعدت والدي قبل موته ، ان لا يلمسني احد سوى زوجي.. فأنا فتاةٌ ريفية ، من عائلةٍ مسيحيةٍ متشدّدة
- وهذا سيحصل قريباً ، بعد انتقالنا لبلدتي
- اذاً رجاءً .. الى ذلك الحين ، لنبقى صديقيّن فحسب
- كما تشائين عزيزتي .. اساساً طلبت اجازتي باكراً ، وسنسافر معاً بعد يوم غد.. فتجهّزي يا عروس ..(ثم اقترب من وجهها ، بابتسامةٍ مستفزّة) .. ونصيحةٌ مني : لا تحاولي الهرب من المعسكر ثانيةً ، والا سيرنّ جهازك مجدداً
وبعد خروجه من الغرفة .. قالت الصبية في نفسها بضيق ، وهي تنظر للجهاز المُعلّق حول قدمها :
- لم يعد هناك وقت ! عليّ الإسراع بنقل المعلومات التي اكتشفتها (من تنصتها على الجنود) الى بلادي
وهنا انتبهت بأن الضابط الروسي نسيّ حقيبة ظهره بزاوية الغرفة ! فسارعت بفتحها ، لتجد حاسوبه
- هو سينشغل بعمله الإداريّ طوال الليل .. عليّ فك شيفرة حاسوبه سريعاً ، لإرسال ملفاته السرّية الى قيادة جيشنا البرّي
***
بعد ساعات من العمل الدئوب على حاسوبه .. استطاعت الحصول على خريطة تمركز جنود الروس حول مدينتها خيرسون.. وارسلتها لقائد الجيش الأوكراني (صديق والدها) الذي اعتذر عن تحرير أسرها ، كونها في معسكرٍ شديد الحراسة
وكما توقعت ! عرف الضابط الروسي بما حصل متأخراً ، بعد استعادة اوكرانيا لمدينة خيرسون بنوفمبر 2022 !
فدخل غاضباً الى الغرفة :
- سوف اقتلك ، ايتها الخائنة !!
الصبية بشجاعة : لا يهم .. سأموت فداءً للوطن
- لا اصدق ان فتاةً ساذجة مثلك ، استطاعت اختراق حاسوبي !
الصبية بمكر : مالا تعرفه عني .. ان والدي علّمني كل شيء ، لأكون هاكر محترفة مثله
الضابط بصدمة : اذاً انت مع المقاومة ؟!
- جميع اهالي اوكرانيا الشرفاء ، مقاومين للروس المتغطرسين .. يا غبي !!
^^^
فسحبها من ذراعها بعنف الى خارج الغرفة ، وأوقفها امام سور المعسكر .. ثم رفع مسدسه في وجهها ، محاولاً اعدامها .. لكنه لم يستطع ، بعد إغرامه بها
ليفاجأ بالنقيب الروسي ، يسحب المسدس من يده وهو يأمره بإدارة وجهه .. قبل ان يسقط الضابط على ركبيته ، بعد سماعه دويّ الرصاصة التي اخترقت رأس حبيبته
جعلته يصرخ بعلوّ صوته :
- لما لا يمكننا الوثوق بالقرويين الملاعيين !!!.. لما يا ربي ؟!!
وانهار باكياً ، وسط صدمة الجنود في المعسكر الروسي البارد !






