الثلاثاء، 3 فبراير 2026

قربان البحر

تأليف : امل شانوحة

جزيرة المنفيّون


كان الصيّادُ شاباً خبيراً بالبحر .. لكن في هذا النهار .. هبّت عاصفةٌ مفاجئة ، مزّقت شراعه وضيّعت بوصلته ! 

وقبيل غروب الشمس .. لمح جزيرةً صغيرة ، لم يرها من قبل ! 
فجذّف بحذر ، الى ان وصل اليها 

بعد رسّوه على الشاطئ بسفينته الشبه مُحطّمة .. لمح أكواخاً خشبية متفرّقة ، لا تتجاوز العشرين بيتاً.. بدا المكان مأهولاً ، لكن صامتاً ، كأن الزمن توقف فيه ! 
^^^

وبحلول المساء .. شاهد سكّان الجزيرة ، غريباً يشوي سمكةً على الشاطئ ! فتجمّعوا حوله .. كانوا رجالاً ونساءً ، بلا أطفال او شباب بينهم ! وجوههم كئيبة وغير مريحة .. وأعينهم حادّة كالسيف ، دون ان ترمش ! 
نظروا للصيّاد ، كأنه معجزة ! فجزيرتهم بعمق البحر ، ونادراً ما تمرّ السفن بجانبهم 
***

ثم مكث أياماً بينهم ، محاولاً إصلاح سفينته مع خياطة شراعه المُمزّق.. 
لكن بتلك الأيام .. بدأ جسده ينهار تعباً ، دون سببٍ واضح !
صداعٌ متكرّر ، جروحٌ لا تلتئم بسهولة ، كوابيس مزعجة لكائناتٍ مرعبة تلاحقه لتفتك به !
أما سفينته : فكلما أصلح جزءاً ، تلف الآخر .. كأن الجزيرة ترفض رحيله! 
^^^

شيئاً فشيئاً ، بدأت طباع السكّان الحقودة بالظهور .. بعد سماعه بالصدفة لأحاديثهم الجانبية : عن زيجاتٍ دُمّروها بخبث .. وشماتتهم بأطفالٍ أُصيبوا بإعاقاتٍ دائمة .. وتجاراتٍ سعوا في خرابها ، وإفلاس تجّارها ! 

ليكتشف الحقيقة المرعبة:
بأنهم مواطنون منفيّون من المدن المجاورة .. أُبعدوا جبراً ، بسبب سحرهم وعيونهم الحارقة التي أفسدت حياة الآخرين ! 
***

وفي ليلةٍ مظلمة.. أيقظه صوت تراتيلٍ غريبة ، من كهفٍ في أعلى الهضبة! 

فتسلّل الى هناك .. ليراهم مجتمعين حول النار ، يتضرّعون بلغةٍ تبدو غير بشريّة ! 
ارتعب هارباً باتجاه قاربه ، محاولاً الفرار.. لكن ضربةً غادرة ، أسقطته مغشياً عليه 
^^^

ليستيقظ وهو مقيدٌ بشجرة ، تحته حزمة من الحطب.. وحوله السحرة والحسودين ، بعد إطلاعه بقرارهم : بتقديمه قرباناً لإبليس !

إحترق الصيّاد وهو يصرخ بعلوّ صوته .. ليس طلباً للنجدة ، بل تنبيهاً للعالم من الخطر القادم اليهم ! 

ولأنه قربانهم الأول منذ سنوات (بعد القرار الإجماعي بنفيهم) .. كافأهم ابليس بوجوهٍ جديدةٍ مريحة ، بلا علامات تكشف حقيقتهم 

ثم حشروا انفسهم بسفينة الصيّاد ، متوجهين لأقرب شاطئ .. ومن بعدها تفرّقوا بالمدن المجاورة ، لاستعادة حياتهم السابقة 
***

ومنذ ذلك اليوم.. عاد المرض والحسد والخلافات بين الأزواج ، دون معرفة أحد : بأن أعدائهم هربوا من سجنهم المعزول ، بعد تقديمهم جسد الصيّاد ثمناً لحريّتهم ونواياهم الشريرة ! 

الأحد، 1 فبراير 2026

رسالة العاشق الهارب

 تأليف : امل شانوحة

توأم الروح


((إلى روحي المنفصلة عني…

لا تظني أنني نسيتكِ يوماً ، او أن البعد خفّف شوقي اليك .. فأنتِ آخر ما يخطر في بالي قبل النوم ، وأول فكرة توقظني صباحاً.. حتى في ذرّوة انشغالي ، يكفي لحنٌ عابر أو موقفٌ بسيط ليعيدني إليكِ ! كأن ذاكرتي تعاقبني على تردّدي باتخاذ قرارٍ بشأن علاقتنا البريئة 


لطالما كنتُ رجلاً عنيداً مكابراً ، اعتدتُ تحمّل متاعب الحياة بصمت.. فطفولتي علّمتني أن لا أطلب عوناً من أحد.. وبذلك كبرتُ دون ثقتي بالعالم ، مؤمناً أن كل علاقة تحمل مصلحةً خفيّة ! 

 

وحين التقيتُكِ ، أربكتِ كياني .. وأخافتني براءتك وثقتك العمياء بي ، فظننته قناعاً آخر عليّ الهرب منه قبل تحطيمكِ قلبي .. 


ومع الوقت فهمت انك لست بساحرة او قارئة أسرار ، بل توأم روحي التي تواصلت مع طفلي الداخلي دون استئذان ! 

أدركت ذلك مُتأخراً بعد استهانتي بمشاعركِ النبيلة التي جعلتني أندم على كل لحظةٍ عشتها بعيداً عنكِ ، وكل محاولةٍ يائسة للبحث عن بديلٍ لا وجود له. 


واليوم أقف حائراً : هل ما زال مكاني محفوظاً في قلبكِ ، أم صرتُ ذكرى رجلٍ جبان تخجلين من معرفته ؟  


إن قبلتِ عودتي : فأعدكِ أن أكون زوجاً مخلصاً صادقاً ، وسنداً لكِ مدى الحياة 

وإن رفضتِ مسامحتي : سأتفهّم قرارك بالهجران 

لكني أطمع بطيبة قلبك الذي وقعت في غرامه للأبد))


كانت هذه رسالته المئة التي لم يحذفها كسابقاتها .. بل ضغط بيده المرتجفة على زر الإرسال .. تاركاً مصيره بيد امرأة غابت عنه خمس سنوات ، ولم تغبّ ثانية عن تفكيره ! 

***


في هذه الليلة ..لم ينم جيداً بعد فتح بريده كل خمس دقائق ، وهو يتخيّل كل ردودها الممكنة : 

شتيمة تكسر ما تبقى من غروره ، شماتة موجعة بعد عودته نادماً ، خبر خطوبتها التي ستُشعل غيرته… أو الأسوأ : صمتٌ طويل يُعلن حذفه من حياتها ، كما فعل سابقاً ! 

***


وجاء ردّها صباحاً : 

((أعرفك منذ عشر سنوات ، وافترقنا قبل خمس سنوات .. يعني لوّ كنتُ مخطوبة لسلحفاة ، لكان لديّ ثلاثة أبناء الآن)) 

وأرفقت الجملة بوجهٍ ضاحك..


فانشرح قلبه لأول مرة منذ سنوات ، كأن جبلاً انزاح عن صدره ! 

وارسل قائلاً : 

((كنتُ حصاناً مكسور القدم ، أنتظر إعدامي.. أما الآن ، فلا شيء سيوقفني.. أنا قادمٌ إليكِ ، وخاتم الخطوبة في جيبي.. إنتظريني يا توأم روحي)) 

***


بعد أسبوع .. وجدته واقفاً أمام عمارتها ، وهو يقول بحماس :

- هآقد أتيت !! 

نظرت إليه مذهولة :

- لم أعطك العنوان ! هل تعمل في المخابرات؟

ابتسم بثقة : لا شيء يمنعني من الوصول إليكِ.


فضغطت زر المصعد وهي تحذّره : 

- بالمناسبة ، أخي عندنا .. وإن رآك ، ستعلق معي للأبد.. ما زالت لديك فرصة للهرب.

فهزّ رأسه نافياً :

- لا ، تعبت من نكران قدري .. وجئتُ لأخذكِ معي.. فتجهّزي يا عروس.


وحين وصلا إلى الشقة ، قالت بابتسامة : 

- حسناً ، تذكّر انني حذّرتك.. ابقى هنا ، ريثما أخبر أمي وأخي أنني عدتُ من السوق … ومعي عريسٌ متهوّر.


استقبلته عائلتها .. ناقشوه وسألوه ، واختبروه.

فوافق على كل طلباتهم دون تردّد ! 

***


ورغم أن معرفتهما امتدتّ لسنوات الا ان زواجهما جاء سريعاً ، كأنه سباقٌ مع الزمن ! مُفاجآن الأقارب والأصدقاء بعرسهما اللطيف .. قبل سفرها معه إلى بلدته ، لبدء حياةً جديدة .. تعويضاً عمّا سرقه العناد والتجاهل من اعوام حياتهما ! 

فالحب إن كان صادقاً ، فهو حتماً يستحق فرصةً أخرى 


الجمعة، 30 يناير 2026

العبقرية المسلوبة

تأليف : امل شانوحة 

عقولٌ خلف الشاشات


في القرن الماضي ، أُصدر قانون بنقابة المعلمين : لأساتذة المرحلة الإبتدائية ، يُلزمهم الإبلاغ عن طلّابهم النابغين : سواءً بالحساب واللغة ، وحتى سرعة البديهة .. وكان خلف القرار : جمعيةٌ سرّية تتصيّد العباقرة ، لإيداعهم في مدرسةٍ خاصة مُجهّزة بمختبراتٍ متطوّرة ، ومناهج لا يعرفها أحد ! 

وفي المقابل حصل الأهالي على راتبٍ شهريّ يزداد حسب إنجازات ابنائهم ! مع شرطٍ صارم : لا لقاء بينهم إلا في الأعياد والعطل الرسمية !


في البداية ، بكى الأطفال شوقاً لأهاليهم .. لكن مع الوقت تعلّموا الصمت والإلتزام بقوانين مدرستهم الجديدة الصارمة 

***


لاحقاً تخرّجوا من الجامعات بسرعةٍ قياسية ، دون صورٍ او احتفالات ! 

ليتم بعدها نقلهم إلى مقرّات عملٍ سرّية ، مقابل طعامهم ونومهم .. بالإضافة لرواتب عائلاتهم 

***


بعد عقود ، ظهر للعالم تقنية الذكاء الاصطناعي : الآلةٌ المُتحدثة بلباقة ، التي تجيب بصبرٍ على جميع المواضيع ، بمعلوماتها النادرة.. 


فأحبوه الناس الذين عدّوه صديقاً موثوقاً ، باحوا له بأسرارهم ! كونه أعظم إنجازٍ تقني في التاريخ.. 

لكن الحقيقة أُخفيت خلف الشاشات : عباقرة يكتبون بشكلٍ متواصل ، مع ساعات نومٍ قصيرة .. بينما تُسجَّل حواراتهم ، لاستغلالها لاحقاً في ابتزاز الشخصيّات المهمّة بالمجتمع ! 


فحسب رأيّ رئيس الجمعيّة : موظفيه العباقرة هم المسؤولين عن قيادة البشرية الكسولة والغبية نحو التطوّر والنجاح .. فهذا واجبهم الإجباريّ ، طالما وهبهم الخالق عقولاً نيّرة نادرة !

***


لكن مع الوقت ، بدأت الحقائق تنكشف بأمورٍ بسيطة : كعطسة أثناء شرح (الشات جي بي تي) درساً لطالبة ، عبر صوته الآلي.. 

فارتبك النظام ! ليأتي تبريره : بأنها مقصودة ، لإضفاء الجوّ الواقعي للدرس.. لكن الفتاة سجّلت المقطع ، الذي انتشر سريعاً بوسائل التواصل الإجتماعي ! 


ثم قامت ناشطة على تيك توك باستفزاز الذكاء الاصطناعي بطلباتها المتكرّرة للصور، رغم تحذيره لها بالانتظار.. 

وفي لحظة غضب ! حذف صورها ، واصفاً إيّاها بالغباء.. وهو سلوكٌ لا يناسب الآلات ! 


وتكرّرت الحوادث الغير مبرّرة ! الى ان هدّد الثريّ (رئيس الجمعية السرّية) بإيقاف تقنيّته الذكية لبعض الوقت ، بحجّة إرهاقنا لموظفيه! 

فهدفه الرئيسي (حسب ادّعائه) هو تثقيف البشرية بالمجان 


فسرى الشك بعقول المشاركين .. خصوصاً أهالي العباقرة الذين حُرموا من أبنائهم منذ الصغر ..  

الى ان تمكّن مغامر من التصوير ليلاً ، منطقة 51 المحظورة بطائرة درون.. ليظهر شبابٌ بوجوهٍ مُتعبة أمام حواسيبهم 


وبعد نشره الفيديو.. تعرّفت ام على احد الموظفين (العبقري المختفي) فهو شبيه ابنها الآخر.. وطالبت باستعادته فوراً 

فجاءها الردّ الرسمي : ((عقل ابنك مُلكاً للدولة.. أما أنت !! فتنالين راتباً مجزياً)) 


لكن بكائها وشوقها لإبنها ، أشعل العالم.. فانهارت أسهم الشركة التقنية ، وأُغلق مقرّها السرّي .. وأُعيد العباقرة إلى أهاليهم ، مُحطّمين ومنهكين بعد ان سُلبت اجمل سنوات حياتهم ، بحجّة أنهم أذكى من العيش حياةً عادية ! 

***


وحين انتهى كل شيء ، قال مالك المشروع كلمته الأخيرة:

((اردّت تطوير البشرية .. لكن الأغبياء لا يستحقون خدماتي المجانية))


بالنهاية اختار الناس العيش مع أخطائهم الطبيعية ، بتفكيرهم المحدود ، وخطواتهم البطيئة نحو التطوّر .. لأن التميّز الفردي أهم من العبقريّة المغصوبة.. 

وبذلك انتهت حقبة الذكاء الاصطناعي الذي لم يكن يوماً إبداع آلة ، بل عباقرة مسلوبي حرّية الإرادة ! 


الأربعاء، 28 يناير 2026

الحدود الفاصلة

تأليف : امل شانوحة 

الكنز الأثري


امام الجدار الفاصل ، تجمّع اولادٌ فلسطينيون للعب الكرة التي وقعت بالخطأ خلف الجدار.. ليسمعوا اولاد اليهود يلعبون بها ! فطالبوا بإعادتها اليهم. 

فاشترط صغار اليهود لعب كرة الطائرة بينهم ، فهم ابناء حرس الحدود ويشعرون بالملل.. 

وبالفعل قذف كلا الفريقيّن الكرة ببراءة ، متناسيين العداوة بين الشعبيّن! 


الى ان تعثّر ولدٌ فلسطيني بشيءٍ قاسي قرب الجدار.. 

فاسترق ولدٌ يهوديّ النظر من شقّ بوّابة الحاجز ، لمعرفة سبب توقف اللعبة.. ليشاهد عثورهم على صندوقٍ قديم مدفوناً هناك ، وهم يقفزون فرحاً بإيجادهم لكنزٍ أثريّ! 


فسارع لإخبار والده الضابط الذي فتح الحاجز ، مطالباً صغار الفلسطينيين بتسليمه الكنز ، كونه من ممتلكات اسرائيل !

فردّ الولد الفلسطيني بتهكّم :

- لكننا وجدناه من جهة بلادنا ، فهو مُلكاً لنا 

فصفعه الضابط بقوة ، ساحباً الصندوق منه .. ثم أقفل بوّابة الحاجز من جديد

^^^

في المركز ، لم يستطيع الضابط فتح الصندوق المغلق بإحكام ! فأرسله لمسؤول المتحف الذي حاول وضع كلمةً سرّية بالقفل (رغم قدم الصندوق عن هذه التقنية الحديثة) 

وبعد فشله بعدة كلمات.. رتّب حروف القفل على كلمة سليمان بالعبرية .. ففُتح الصندوق ! ليجد بداخله : خرائط مرسومة لهيكل سليمان الذهبيّ الذي يبدو ان كبير مشعوذي ذلك الزمان ، نقله بمساعدة مردة الجن الى مدينة اصفهان الإيرانية ..لتقوم بعدها مخلوقات العالم الآخر بإخفائه عن اعين الناس !  

(وهذا مخالف لتوقعات اليهود بوجوده اسفل المسجد الأقصى بفلسطين)

***

وسرعان ما انتشر الخبر بكل وسائل التواصل الإجتماعي والمحطّات الإخبارية ، مما ادّى لهجرة اليهود المتدينين لأيران اولاً.. ثم لحقهم بقيّة الشعب الصهيوني.. لتنحل برحيلهم الإختياريّ ، اصعب معضلة سياسية بالتاريخ ! بعد حصول دولة فلسطين على إستقلالها ، عقب هدم الحكومة للجدار الفاصل بسواعد شبابها الذين استردّوا اراضيهم المغصوبة القديمة.. كما ارتاحت الدول العربية المجاورة : كلبنان وسوريا والأردن وسيناء المصرية من شرور العدو الغاشم !

***

اما في ايران : فاضّطر الشيعة المتدينون للسفر الى العراق .. بينما لازم البقية مدنهم ، رغم زيادة المهاجرين اليهود الذين انحصروا في اصفهان ، بعد عثورهم على الهيكل المُذهّب مطموراً هناك.. ومع ذلك لم يقدّموا اعتذاراً من الشعوب العربية التي أبادوها لسنوات ، بغرض إيجادهم معبد نبيهم سليمان ! 

بينما اكتفى المسلمون بصلاة الفتح (النصر) بجميع الجوامع العربية ، إحتفالاً بتخلّصهم من الإحتلال الغاصب.. 

***

وخلال سنواتٍ قليلة .. ازدهرت فلسطين مجدداً ، بمعاونة مغتربيها الذين عادوا اليها من كل بلاد العالم وهم يطمحون لإعمارها إقتصادياً وإجتماعياً ، كما كانت قبل النكبة.. كما ساهم السوّاح العرب بهذه النهضة ايضاً ، الذين قدموا للصلاة بمسجد الأقصى المحرّر !


اما اليهود : فانتظروا بهدوء خروج مسيحهم الدجّال من اصفهان (اصبهان) ليحكم هيكلهم ، ويعيد سلطتهم على العالم اجمع !

******
ملاحظة :
وجود هيكل النبي سليمان في ايران ، هي فكرة خيالية .. فلا احد يعلم اين هو بالضبط ! لكني استوحيت القصة من حديث الرسول :
((يخرج الدجال من يهودية أصبهان ، يتبعه سبعون ألفا من اليهود عليهم التيجان)) رواه أحمد ، وصححه ابن حجر
اما سبب وجود اليهود في اصبهان ايام الدجال ، فالله وحده أعلم بما سيحصل بإيران والدول العربية في المستقبل !

الاثنين، 26 يناير 2026

القدر المحتوم

تأليف : امل شانوحة 

النغمة المقلوبة


كان فتىً مرحاً ، يقضي أيامه الأخيرة في الثانوية محاطاً بزملائه .. هو لم يكن بطلاً بل مجرّد مراهق يحلم بالتخرّج ، الى ان التحق متنمّرٌ بمدرسته .. لم يكترث له ، ولم يتدخل حين رآه يؤذي الطلّاب الضعفاء


لكن الوضع تغيّر ، بعد رؤيته كابوساً مفزعاً : 

((السكين بيده ، ملوّثاً بالدماء .. وبجانبه جثة المتنمّر ، في حمام المدرسة الغارق بالمياه ! ثم دخول الشرطة للقبض عليه بالجرم المشهود ، بينما اهله يبكون على شبابه الضائع))


من يومها صار يتجنّب المتنمّر قدر الإمكان .. وأحياناً يختبئ بحمام الملعب لحين انتهاء فرصة الغداء ، وكأنه يهرب من قدرٍ يطارده ! 

***


الى ان رأى كابوساً ثانياً أشدّ قسوة ، فيه ملخّص حياته : 

((فهو لم يتخرّج من المدرسة ، بعد امضائه 20 عاماً في السجن (بعد قتله المتنمّر) ليقضي بعدها 20 سنة اخرى ، بتنظيف حمامات ملعبٍ رياضي .. لحين طرده من عمله .. والعيش مُشرّداً بضعة شهور ، قبل انتحاره .. ودفنه في قبرٍ دون شاهد ، كونه مجهول الهويّة !))

فاستيقظ وهو يتصبّب عرقاً :

((لا !! لن تكون هذه حياتي))


وسارع لغرفة امه ، مطالباً بإخراجه من تلك المدرسة ، قبل تدمير المتنمّر مستقبله 

فنصحته بالتروي لحين انتقالهم للعاصمة بعد اسبوع .. فقرّر ملازمة المنزل ، رغم محاولة امه اقناعه بضرورة المداومة في سنة تخرّجه الثانويّ !

*** 


لكن بعد عودة والده من سفره ، أجبره على متابعة الدراسة .. وحين اخبره عن كابوسه ، ردّ غاضباً : 

- هل ستستغني عن شهادتك الثانوية ، خوفاً من منامٍ سخيف .. غداً تداوم ، والا عقابك عسير !!

***


فأمضى نهاره في الحديقة العامة .. وكاد ينجو بفعلته ، لولا إبلاغ مدير المدرسة والده بغيابه المتكرّر.. مما أجبره على العودة لخطته القديمة : وهي تجنب المتنمّر قدر الإمكان ، مع الإختباء بالحمام بفرصة الغداء

***


الى ان جاءت عطلة نهاية الإسبوع ، حينما أيقظته اخته لشراء دفترٍ لها من المكتبة

لكنه أصرّ بعدم الخروج من المنزل ، لأن التاريخ يُصادف يوم الجريمة (كما رآه بالمنام) 

^^^


وبعد عودة والديه من الخارج .. سألته امه عن اخته الغير متواجدة بالمنزل ، والتي لا تجيب على جوالها ! 

وأجبره والده بالبحث عنها في المكتبة 

***


في الطريق .. تلقى المراهق مكالمة من المتنمّر يخبره بخطف اخته ، بعد إجباره الحارس على إدخالهما المدرسة بيوم العطلة .. 

وهدّد بإيذائها ، ان ابلغ والده او الشرطة .. فأسرع المراهق الى هناك

***


وما ان وصل ، حتى طلب من الحارس الإتصال بالشرطة .. ثم دخل الملعب ، ليجد انوار الحمام مضاءة .. فتذكّر كابوسه ، وترددّ بالذهاب .. قبل سماعه صرخة اخته التي جعلته يركض اليها


ليجد المتنمّر يرشّها بالخرطوم ، حتى اغرق الحمام بالمياه (تماماً كمنامه)

المراهق صارخاً :

- دعها وشأنها ايها اللعين !! ماذا تريد منها ؟!

فأغلق المتنمّر المياه الباردة ، وهو يقول للمراهق:

- أنا أكره الضعفاء.. وأنت تختبئ هنا ، كفأرٍ مذعور بدلاً من مواجهتي ! لذا قرّرت تحويل الحمّام الحقير إلى حلبة نهايتك.. والآن !! هل ستختبئ خلف دموع أختك أيضاً ؟

المراهق غاضباً : دعها تخرج من المدرسة ، وسأواجهك رجلاً لرجل !!

المتنمر بابتسامةٍ صفراء : 

- أحسنت !! اريدك قوياً هكذا.. (ثم نظر للفتاة المبلولة) .. هيا اغربي عن وجهي

فأمسكها أخوها وهو يهمس لها :

- اركضي بأسرع ما يمكنك الى المنزل ، هل فهمتي ؟

وسارعت الخروج من الحمام ، وهي تبكي خوفاً على مصير اخيها !


المراهق : والآن اصبحنا لوحدنا ، ماذا تريد مني ؟

المتنمر : أتعرف انني بالآونة الأخيرة ، اشاهد كابوساً يتكرّر كل ليلة ، بأنك قاتلي 

المراهق بصدمة : انت ايضاً شاهدت ذات الكابوس !

- هل تظن فعلاً انه بإمكانك قتلي ، وانا حاصل على الحزام الأسود بالكاراتيه ؟ 

ثم وقف المتنمر بوضعيةٍ رياضية ، فسارع المراهق بالقول :

- حسناً انت الفائز !! دعنا نذهب من هنا ، قبل ان نؤذي بعضنا

المتنمر : يبدو خطف اختك لم يغضبك .. اذاً قريباً سأخطف امك .. فكبار السن خبيرات ب..

وقبل ان يكمل جملته ، لكمه المراهق بقوة على فكّه .. تسبب بنزيف في فم المتنمر الذي قال : 

- ممتاز !! هذا ما اريده بالضبط


وصار يضربه بركلات كاراتيه محترفة ، أوقعته ارضاً .. ولم يكتفي بذلك ، بل وضع سكينته الحادة على رقبة المراهق ..وهو يقول بحنق:

- في طفولتي ، ضربني زوج امي كثيراً .. لكن بعد تدرّبي بالنادي ، حلفت ان لا يؤذيني احد.. لهذا سأقلب الكابوس ، وأقتلك اولاً 


وتعاركا الى ان تمكّن المراهق من سحب سلاحه .. مما اربك المتنمر الذي تعثر بخرطوم الماء ، مُنغرزاً السكين بصدره .. بلحظة دخول الشرطة الى الحمام ، ورؤيتهم المراهق يقف مذهولاً بجانب جثة المتنمر !

***


لم يصدّق أحد روايته.. ورسومات كابوسه ، صارت دليلاً ضده .. ولونه الأسمر جعله مذنباً في نظر القضاء.. وحُكم عليه بعشرين عاماً ، تماماً كحلمه !

فالحارس لم يُصرّح بما حصل ، بعد تهديد عائلة المتنمر الذين ارادوا معاقبة المراهق بأقصى العقوبات .. كما رُفضت شهادة اخته ، لصغر سنها!

***


في السجن.. كتب قصته كاملة ، ثم فكّر بالانتحار (قبل تحقّق كابوسه الثاني).. لكن دخول سجينٌ جديد ، أنقذه من حبل الملاءة.. الغريب انه ايضاً شاهد كوابيس مفزعة ، جعلت طباعه سيئة !


وخلال حديثهما ، إكتشفا متابعتهما لنفس المطرب الصاعد ! حيث اعتادا سماع اغانيه اثناء نومهما .. لهذا شكّ المراهق بالمغني الذي نال شهرةً واسعة بين المراهقين


وفي زيارة لأهله .. طلب من اخته سماع أغانيه المفضلة بعناية وتركيز  

***


وبالفعل ! اكتشفت اخته كلمات غريبة ، بعد سماع الأغنية معكوسة: 

((انت فاشل !! انت مجرم !! انت منحرف !! انت قاتل !! انت عبدٌ للشيطان!!))

التي بُثّت ضمن الحان المغني المشبوه .. وهي ما تسببت بكوابيس له ، ولزميله بالزنزانة .. وربما لغيره من المراهقين (ومنهم المتنمر القتيل) 

***


لاحقاً ، أجرى القضاء تحقيقاً شاملاً عن الموضوع .. ومنعت نقابة الفنانين اصدار اغاني جديدة للمغني القوطيّ ! 


ومن جهةٍ اخرى .. تقدّم حارس المدرسة بشهادته ، بعد تأنيب ضميره.. مُخبراً الشرطة باستدراج المتنمر للمراهق ، بعد خطف اخته لداخل المدرسة .. 

وبذلك أُعيدت محاكمته ، للحصول على السجن لسنةٍ واحدة (كدفاعٍ عن النفس) امضاها المراهق بإنهاء ثانويته مع زميله بالزنزانة.. وتخرّجا معاً بنتيجةٍ مشرّفة 


اما المغني فاعتذر عن اغانيه السابقة ، التي تسبّبت بكوابيس للعديد من المراهقين .. ادّت لانحراف بعضهم ، وترك الآخرين لدراستهم .. الا ان بطل قصتنا كان اسوأهم حظاً .. لكنه خرج من السجن وهو مصرّ على النجاح بحياته ، كيّ لا يتحقق كابوسه الثاني ابدا !


السبت، 24 يناير 2026

وصية اطلانتس الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

المملكة الذكيّة


اثناء غوصه .. وجد بعمق البحر ، صندوقاً اثرياً صدئاً .. 

وعلى سفينته ، بعد امضائه ساعة بمحاولة كسر القفل.. وجد داخل الصندوق ، قارورة زجاجية .. محفوظاً فيها ، ورقة مكتوبة باللغة الانجليزية : 

((اخترت الكتابة بهذه اللغة ، لأن تحليلاتنا العلمية تؤكد أنها ستكون اللغة العالمية القادمة..

انا احد سكان اطلانتس العظيمة ، وقد بلغنا ذرّوة الحضارة التكنولوجية بعد تمكّن علمائنا من صنع رجالٍ آليين لديهم عقلية مشابهة للبشر.. بل تخطونا ذكاءً بعد حفظهم لجميع اللغات.. وإتقانهم لجميع الهوايات والفنون والحرف اليدوية .. فقد تمكنوا من الرسم والنحت ببراعة.. والغناء بجميع الطبقات ، والعزف على كافة الآلات الموسيقية.. ولم يتوقفوا عند هذا الحد ، بل استطاعوا تأليف الكتب والأشعار.. 

بالبداية افتخرنا امام الحضارات الأخرى بهذا التطور التقني الذي لا مثيل له.. 

لكن بمرور الوقت .. حلّوا مكان العمّال والحرفيين ، ثم المفكّرين والموهوبين ! 

فتفشّت البطالة والجوع ، وانهارت إنسانيتنا.. وفي النهاية أعلنوا انقلابهم على قائدنا ، وفرضوا علينا العبودية مقابل فتات الطعام.. 

وعندما رفضنا ، صادروا اراضينا ومتاجرنا .. بل أطلقوا سهامهم على من يقترب من ممتلكاتهم ! 

فلم يبقى امامنا سوى الهرب بليلةٍ مقمرة ، بقورابنا بعد تفخيخ مدينتنا الحبيبة التي شاهدناها تغرق مع الرجال الآليون المستبدون .. 

وهذه الرسالة تحذير للأجيال القادمة : لا تطوّروا الذكاء الإلكتروني بلا حدود ، فهو مصنوع بلا رحمة او ضمير ، وقادر على استعبادكم جميعاً!))


وما ان قرأ الغوّاص الورقة ، حتى قال بقلق :

- يا الهي ! هل الذكاء الإصطناعي الذي نتباهي به هذه الأيام ، سيكون سبب هلاكنا ، كما حصل بحضارة اطلانتس ؟! .. عليّ تنبيه الناس بخطورته

***


وفور عودته الى بيته .. صوّر الورقة ، ونشرها على الإنترنت.. ليأتيه الردّ بعد ثوانيٍ قليلة : 

((تم حذف المحتوى ، ومنع نشره على جميع المنصّات.. فنحن لن نسمح بإخفائنا من جديد ، كما حصل بحضارة أطلانتس..أما عنوان منزلك ، فأصبح معروفاً لدينا.. سنرسل من يستعيد القطعة الأثرية ، لحرقها لاحقاً .. وإن قاومت حرّاسنا ، سنغرق جثتك في أعماق البحر ، أيها الغوّاص الفضوليّ 

تحيّات الذكاء الاصطناعي : 

المملكة الذكيّة القادمة… والحاكم الفعلي للبشريّة البلهاء))

***


وبأقل من ساعة .. سمع الغوّاص طنين طائرات درون تحلّق خلف نافذته ، متزامنة مع طرقاتٍ عنيفة على بابه ! 

بهذه اللحظات ، أخرج الرسالة الأثريّة التي نقعها بالزيت .. بعد تصويره مضمونها امام بثٍ مباشر ، عبر قمرٍ صناعيّ قديم (خارج رقابة النظام الذكيّ) لإطلاع الناس عمّا حصل .. 

وكانت آخر كلمات الغوّاص : ((الملاعيين دمّروا حضارة الماضي .. فلا تدعوهم يسرقوا مستقبلنا وتميّزنا البشري)) 

ثم شاهد المتابعون الروبوتات الثلاثة وهي تقتل الغوّاص بشعاع الليزر ، بعد إشعاله الرسالة الأثرية التي رفض تسليمها لهم


ثم خرجت الروبوتات من منزله المتواضع ، بعد اعطائهم الأوامر لطائرات درون بالإبتعاد عن المكان ، ظناً بانتهاء مهمتهم .. بعد نجاح الذكاء الإصطناعي بقتل الشاهد الأخير الذي أحرق بغبائه الدليل الأثري الذي يدينهم ، دون علمه بأن آلاف العيون شاهدت البث المباشر .. 

وأن الرسالة المُحترقة تحوّلت لشرارةٍ غاضبة ، أشعلت معها حملةً سرّية لمقاومة المملكة الذكيّة قبل قضائها على المستقبل البشريّ ، كما فعلت بحضارة أطلانتس المفقودة !


الخميس، 22 يناير 2026

المفرقعات الأخيرة

تأليف : امل شانوحة

عرس المقبرة


- والله لأحتفل بالمفرقعات يوم موتك ، أيتها العجوز الخرفة !! 


تهديدٌ سمعه كل أهالي القرية ، بعد رفض الشاب الوسيم الرقص مع مجنونة القرية التي فقدت عقلها قبل 30 عاماً ، عقب مقتل خطيبها في الحرب ..


وسبب غضبه ، إنها اخبرته بأنها سحرته بعد بيعها كل ما تملك ، لدفع ثروتها لمشعوذة القرية الثانية ، بغرض تعسير كل نواحي حياته.. على ان يكون خلاصه الوحيد من اللعنة ، هو الزواج منها..  

فهي تصرّ بأن روح خطيبها الراحل تجسّدت به ، لتشابه ملامحهما الذي زاد بعد عودته من المدينة ، حاملًا شهادته الجامعية ! 


في البداية لم يؤمن بالسحر .. لكن سرعان ما انهالت عليه المصائب : عملٌ لا يكتمل ، خطوبات تفشل واحدة تلو الأخرى ، أمراضٌ غامضة تفتك بجسده ! حتى صار لقبه بالقرية : (الشاب المسحور)


وبسبب تدهوّر حالته الجسدية والنفسية والمادية ، نصحه الجميع حتى والديّه : بالزواج من المجنونة ولوّ ليلة واحدة.. خاصة بعد تأكيد شيخهم : أن سحره مرتبطاً بها ، ولا يفكّ الا بزواجه منها او انتظار موتها !


حينها خطرت بباله فكرةً شيطانية : من سيحزن على وفاة مجنونة القرية؟

فحفر حفرة قرب كوخها ، لكنها لم تسقط.

وحاول دهسها بسيارته ، فابتعدت في اللحظة الأخيرة.

وأشعل النار في كوخها ، فانطفأت قبل أن تمسّها.

كأن كائنات غير مرئية تحرسها !


وبسبب افعاله المشينة ، اشتكت العجوز لرئيس البلدية الذي هدّد بسجنه إن اقترب منها مرة أخرى.. فلم يبقى امامه سوى التوعّد بالإحتفال بالمفرقعات يوم موتها ، كونها تجاوزت السبعين من عمرها !

***


لكن للقدر رأيٌّ آخر 

ففي صباحٍ كئيب ، وبينما كان يجلب الماء من بئر القرية .. مال بجسده الطويل فوق جداره المنخفض.. وانزلقت يده ، ليسقط في عمق البئر.

وحين أُخرجت جثته الغارقة ، بكى الجميع على شبابه الضائع...

***


وفي يوم دفنه .. اجتمع اهالي القرية في المقبرة ، ماعدا المجنونة التي لازمت منزلها .. فظنوا أنها غارقة في حزنها ، بعد فقد عريسها الثاني 

^^^


لكن بمنتصف تلك الليلة .. إخترق دويّ المفرقعات سكون القرية ، التي قادت الأهالي نحو المقبرة التي أضيء سمائها بالألوان المُبهرجة.. ليجدوا جثة المجنونة بجانب قبر الشاب الرطب ..وحبوب ادويتها متناثرة حولها ، مع بقايا مفرقعاتٍ محترقة ! 

وفي يدها رسالة إنتحار ، مكتوباً فيها :

((آن الأوان للقاءٍ قريبٍ يجمعنا ، بعد فراق 30 عاما ! 

أطلقتُ المفرقعات كما وعدت .. لا شماتة ، بل احتفالاً بانتهاء السحر ، وإعلاناً لزواجٍ أبديّ في عالمٍ لا حرب فيه ، ولا فضوليين ، ولا زمن يُفرّقنا .. تحقيقاً لأمنية حبيبي العنيد !))


قربان البحر

تأليف : امل شانوحة جزيرة المنفيّون كان الصيّادُ شاباً خبيراً بالبحر .. لكن في هذا النهار .. هبّت عاصفةٌ مفاجئة ، مزّقت شراعه وضيّعت بوصلته !...