تأليف : امل شانوحة
المشهد المصيري
في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن خطيبته ؟
فأجابه الأستاذ :
- هي غائبة اليوم..
الممثل سعيد : هذا خطأي ، كان عليّ الإتصال بها قبل القدوم الى المعهد
الأستاذ : ما رأيك لوّ نستفيد من وجودك ، بإعطائك درساً عملياً للطلّاب ؟
فتحمّست الطالبات للفكرة ..
فوقف سعيد أمامهم ، وهو يسألهم بثقة:
- قبل أن أبدأ ، ما رأيكم بفيلمي الأخير ؟
فارتفعت أصوات الإعجاب والثناء.
فسألهم بغرور :
- أفهم من ذلك ، أن لا أحد لديه نقد لدوري السابق ؟
فوقفت الطالبة مروى من الصفّ الخلفيّ ، وهي تقول :
- كان دورك جريء أكثر من اللازم
فردّ سعيد :
- هذه طبيعة الأفلام الرومانسية.
مروى : ليس بالضرورة.. تستطيع تنويع أدوارك.. فأنت قدّمت طوال السنوات الماضية الشخصيّة ذاتها.. فلما لا تجرّب الدراما أو الأكشن ، او أيّ فيلم لديه فكرة هادفة ؟
فضحك سعيد :
- لوّ كان الأمر بيدي ، لفعلت.. لكن المخرجين يرونني مناسباً للأدوار الرومانسية.
فقالت إحدى الطالبات بإعجاب:
- لأنك أجمل ممثلٍ شاب بالوسط الفني ، وحنانك الفيّاض يساعد على نجاحك بتلك الأدوار الجميلة
فالتفتت إليها مروى:
- وكيف عرفتي أنه حنون ؟ ألم تطلّقه زوجته السابقة بسبب الخيانة؟
فعاتب سعيد مروى :
- لوّ سمحتِ !! طليقتي توفيّت منذ فترةٍ وجيزة ، ولا أحب أن يتحدّث عنها أحد
فتدخل الأستاذ لتهدئة الوضع المتوتّر بالقاعة :
- مروى !! لا داعي لإحراج ضيفنا.
فردّت بهدوء : اعتذر من الأستاذ سعيد .. كنت فقط أوضّح لزملائي ، بأن أدوار الممثل لا تعكس بالضرورة شخصيّته الحقيقية
فأراد الأستاذ تغير الموضوع :
- حسناً ، لننتقل إلى التطبيق !! أستاذ سعيد .. إخترّ مشهداً من أعمالك ، تمثلّه مع أحد الطلاّب.
فاختار سعيد مروى التي نزلت اليه من المدرّج ..
وأراد تطبيق مشهدٍ رومنسي ، لكنها ابعدته عنها بعنف
- لوّ سمحت !! لا أحب أن يلمسني أحد.
سعيد باستغراب :
- وكيف اذاً ستنجحين في التمثيل ؟ فبعض المشاهد يتطلّب ذلك.
مروى :
- استطيع التمثيل دون تجاوز حدود الأدب والأخلاق
فقالت إحدى الطالبات:
- هي تعتمد على والدها ، فهو مخرجٌ مشهور.
فسأل سعيد باهتمام :
- ومن والدك؟
مروى بفخر :
- أحمد مروان.
سعيد :
- آه اعرفه ! هو مخرجٌ بارع بالأفلام الإجتماعية.. لكن الواسطة ليست كل شيء ، يجب أن تمتلكي الموهبة والخبرة.
مروى : تتكلّم وكأنك خرّيج معهد التمثيل ، فأنت عملت بهذا المجال منذ صغرك
سعيد : صحيح ، واخترت كلّية المحاسبة التي تخرّجت منها بتفوّق.
مروى : كان الأفضل لوّ اكملت بذلك المجال ، بدل تكرار الأدوار ذاتها.
فلاحظ الأستاذ ضيق الممثل ، فأسرع بالقول :
- سيد سعيد .. دعنا نغيّر المشهد
سعيد ساخراً :
- دعّ السيدة مروى تختار على ذوقها
مروى : اذاً لنخترّ مشهد الزوجة حين عرفت بخيانتك
فنظر سعيد اليها غاضباً ، لتردّ بابتسامةٍ باردة :
- قصدّت إفتتاحيّة فيلمك الأخير.
فردّ بغيظ :
- اذاً ابدأي المشهد
لتفاجئه بصفعةٍ قوية ، جعلت كل القاعة تشهق بصدمة !
لكنها لم تتوقف ، بل واصلت الحوار باتقانٍ شديد .. مُجبرةً سعيد على إكمال تمثيل دوره باحتراف.
ليعلو التصفيق بعد انتهاء المشهد
سعيد معاتباً :
- مثّلتي بقوة ، لدرجة ان خدّي مازال يؤلمني.
مروى : الدور تطلّب ذلك.
ثم عادت الى مقعدها دون أن تعتذر !
***
في تلك الليلة ، رأى سعيد مناماً غريباً :
((طليقته المتوفاة وهي تقف أمامه ، وتشير الى فتاةٍ من بعيد :
- تلك ستحتلّ قلبك قريباً
فظن انها تشير لخطيبته .. لكن ما ان اقتربت الفتاة ، حتى ظهرت الطالبة مروى !))
وقد اربكه المنام لدرجة إتصاله بخطيبته ريم ، ليخبرها بزيارته للمعهد غداً
***
في اليوم التالي ..حضر سعيد المحاضرة ، جالساً بجوار ريم.
وبعد قليل ..إختار الأستاذ مروى وريم ، لأداء مشهدٍ أمام الطلاّب.
بعد انتهاء المشهد.. طلب منهما تقويم أدائهما للمشهد
فقالت مروى:
- تمثيل ريم يُذكّرني بالأفلام العربية القديمة.. ففيه شيء من التصنّع.
ريم غاضبة :
- ولما تتحدّثين كأنك ممثلة مشهورة ؟ اساساً لولا والدك ، لرسبتي من السنة الأولى
فردّت مروى:
- ولولا خطيبك الفنان ، لما وصلتِ لسنة التخرّج
فتدخل المعلم :
- الأستاذ سعيد هو من سيقيّم أدائكما هذه المرة
فنظر سعيد إلى ريم ومروى ، قائلاً :
- لا تغضبي يا ريم .. لكن التمثيل الحديث يحتاج إلى عفويّة وتقمّص الدور ، كأنه يحصل معك فعلاً.. وهذا ما اتقنته مروى
فغادرت ريم القاعة غاضبة ، ليلحق بها سعيد إلى ساحة المعهد.
^^^
وهناك عاتبته ريم بعصبية :
- أحرجتني أمام الجميع!
سعيد : كان رأياً مهنياً بحتاً ، فأنا ..
مقاطعة :
- لا تتظاهر بالبراءة.. صديقتي أخبرتني ما حصل بينك وبين مروى في غيابي
- لم يحصل شيء !
- وهل مدحتها قبل قليل لأن تمثيلها أعجبك ، ام لأنها أثارت اهتمامك ؟
وما ان ظهرت مروى من بعيد ، حتى غادرت ريم المعهد دون سماع اجابة خطيبها
فاقتربت مروى من سعيد معتذرة :
- لم أردّ إثارة المشاكل بينكما !
سعيد : أتدرين انك ستخربين بيتي ؟
مروى : اذاً كان عليك مدح تمثيلها
- انا لا يعجبني أدائها منذ البداية .. اما انت..
- انا ماذا ؟
سعيد : مازلت خائفاً من التمثيل امامك بعد صفعتك القوية ! عليك ان تكوني اكثر انوثة ، ان كنت ستدخلين هذا المجال
- لا تحاول اقناعي ، فأنا لن ابيع مبادئي لأجل الشهرة
فتغيّر لون وجهه :
- هل تُلمّحين أنني بلا شرف؟
مروى : انت أضعت موهبتك في الأفلام الهابطة
- هذا ما يطلبه الجمهور
- ربما حصل ذلك بالسبعينات والثمانينات ، عصر ازدهار التلفاز والسينما .. لكن بعد ظهور وسائل التواصل الإجتماعي ، إهتمّ الناس بالأفلام العائلية الهادفة التي تتحدث عن ابطالٍ حقيقين غيّروا العالم باختراعاتهم ومواقفهم الإنسانية
سعيد :
- وهل تكتبين مثل تلك القصص ؟
- بكل تأكيد !! ولديّ الكثير منها.
- اريد قراءة احداها
مروى : معي واحدة بالفعل.
فاستلمها منها وهو يعدها بقراءتها بأقرب وقت ، ثم إعطائها رأيه المهني.
***
في اليوم التالي ، التقيا في ساحة المعهد.. وأعاد اليها القصة مبهوراً :
- الفكرة رائعة وعميقة للغاية !
مروى باهتمام : وهل ستعرضها على منتج ، كما وعدتني؟
- بل سأنتجها بنفسي ، ووالدك سيكون المخرج
مروى بصدمة :
- هل وافق ابي ؟!
- نعم .. بشرط !! ان تكوني انت البطلة
مروى : ولما لا ؟ فأحداث القصة نظيفة تماماً ، وذات رسالة راقية.
- وهذا ما يقلقني ، خوفاً من رفض جمهوري ..
مقاطعة : بل سيعجبهم رؤيتك بأدوارٍ جديدة تحترم عقولهم.
***
بعد شهور ، عُرض الفيلم.
وكانت المفاجأة أن الجمهور أحب سعيد بدوره الدراميّ .. ((فالقصة تدور حول رجلٍ يكافح لأجل عائلته ، متخذاً قراراً صعباً يغيّر حياتهم للأفضل.. اما مروى ، فمثّلت دور زوجته وام اطفاله التي ساندته رغم استقالته المفاجئة من عمله ، لملاحقة موهبته النادرة .. حيث أظهر الفيلم حبهما العفيف اللطيف ، دون مشاهد تخدش حياء المشاهدين))
وبعد عرض الفيلم ، انهالت على سعيد التعليقات الإيجابية وإشادات النقاد
أما مروى ، فتحوّلت إلى نجمةٍ صاعدة.. وعُرضت عليها عشرات الأدوار ، لكنها رفضت معظمها..
فقال لها والدها:
- للآن رفضتِ ثلاثة أفلام ممتازة!
ابي ، أدوارها لا تناسب معاييري ومبادئي.
والدها : لكن بطل إحداها مشهوراً جداً ، وسيفيد مشوارك الفني !
- لكنه معروف بتحرّشه بالممثلات خلف الكواليس.
فسكت والدها بتفكيرٍ عميق ، قبل أن يبتسم بفخر:
- طالما تفكّرين بهذه الطريقة الواعية ، فأنا فخورٌ بك يا ابنتي
بهذه الأثناء .. دخل سعيد الى مكتب والدها :
- سمعتكما قبل قليل .. ما رأيك لوّ كنتُ انا البطل ، هل ستمثلين معي مجدداً ؟
مروى باستغراب :
- لكن الدور معروض على الممثل الشهير
سعيد : أخبرني المنتج قبل قليل عن رفضه الدور ، لانشغاله بأعمالٍ اخرى .. لهذا عرض الدور عليّ
مروى بتردّد : المشكلة ان هناك عناق رومنسي بآخر الفيلم .. لهذا لن اقبل ان ..
سعيد مقاطعاً :
- الن تعانقي خطيبك ؟
ثم نظر لوالدها :
- هذا ان وافق والدك على زواجنا ؟ .. (ثم نظر لمروى التي التزمت الصمت)..فأنا وريم انفصلنا بعد عملي معك بالفيلم السابق ، كما تعلمين
فأجاب الأب ، وهو ينظر لوجه مروى الذي احمر خجلاً :
- انا موافق ، بشرط أن تستمّرا في تقديم الفن النظيف معاً.
سعيد بحماس :
- اذاً اتفقنا
***
وتزوج سعيد ومروى.
ومع مرور السنوات .. أصبحا ثنائياً فنياً ناجحاً ، ومحبوباً من الجميع.. حيث أصرّ الجمهور على رؤيتهما معاً في ادوارٍ درامية راقية ..حتى أصبحا رمزاً لسينما النظيفة
وبسبب إصرارهما المستمر على المواضيع الهادفة ، أدركت شركات الإنتاج أخيراً أن الجمهور هو صاحب القرار الأول فيما يريد مشاهدته.. وطالما أن الأفلام العائلية الهادفة صارت تحقق أعلى الإيرادات والأرباح ، تغيّرت خيارات المنتجين والمخرجين جذرياً نحو الأفضل.
***
وبعد سنواتٍ طويلة من العمل السينمائي المشترك .. قرّر الممثلان المبدعان الإعتزال سوياً ، لتفرّغ لحياتهما الأسرية الخاصة
وفي آخر مقابلةٍ تلفزيونية لهما ، سأل المذيع سعيد:
- هل تندم على تركك الأدوار الرومانسية التي صنعت شهرتك؟
فنظر لزوجته مروى مبتسماً :
- على العكس... فلولا فتاةٌ شجاعة صفعتني يوماً أمام طلاّب معهد التمثيل ، لما اكتشفت براعتي الحقيقية في تجسيد أدوارٍ متنوعة وعميقة.. زوجتي هي من صنعَت مني ممثلاً متكاملاً
مروى ممازحة ، وهي تنظر بابتسامة الى زوجها :
- لم أدري أن صفعتي ستغيّر حياته ومساره الفني إلى هذه الدرجة!
المذيع بإعجاب : بل أنتِ غيّرتي ملامح السينما كلها!
مروى بتواضع: الفضل يعود للجمهور الواعي الذي فضّل جودة الأفكار وسموّ الرسالة على الأفلام الهابطة.
زوجها سعيد بفخر : وأنتِ من تنبأتِ بذلك قبل الجميع!
وهكذا أثبتت مروى ما آمنت به منذ البداية :
((بأن الجمهور لا يتّبع بالضرورة ما يفرضه عليه المنتجون والمخرجون ، بل يمتلك القرار لاختيار الفن الراقي الذي يستحق المشاهدة والإستمراريّة لسنواتٍ طويلة))






