الاثنين، 24 يناير 2022

المسابقة الدمويّة

تأليف : امل شانوحة 

رهان الأثرياء


إستيقظت جاكلين على سريرٍ في غرفةٍ ضيّقة ! محاولةً تذكّر اين كانت قبل تواجدها في هذه الغرفة الكئيبة بجدرانها البنفسجيّة

((كنت في سيارة أجرة بطريقي للعمل ! كيف وصلت الى هنا ؟!))


وتذكّرت كلام السائق وهو يسألها :

((الا تتمنّين لوّ تصبحي مليونيرة بغضون دقائق ؟))


وقبل أن تجيبه ، شعرت برذاذٍ يُرشّ عليها من سقف السيارة !  

((هل خدّرني اللعين ليحضرني الى هنا ؟! وهل أذاني اثناء نومي؟))


وقيل إستغراقها بالتفكير ، سمعت صوتاً من الميكرفون المُعلّق بسقف الغرفة :

- اهلاً بك يا جاكلين في مسابقتنا !!

فردّت بعصبيّة : من انتم ؟!! ومن سمح لكم بإحضاري الى هنا دون إذني؟


فلم يهتم لسؤالها ، وأكمل قائلاً :

- عليك الخروج من فندقنا بخلال 5 دقائق .. وإن فعلت ذلك ، تكسبين مليون دولار .. العدّ يبدأ الآن !!


وظهرت الثواني العكسيّة على الساعة الرقميّة المُعلّقة فوق باب الغرفة .. فشعرت جاكلين بالحماس ، لكونها ستصبح ثريّة بعد دقائق..


وخرجت من الغرفة .. لتجد عدّة غرف في ممرٍّ رفيع ، دون وجود مصعدٍ او ادراج على طول الممرّ ! 

بينما تواجدت ساعات رقميّة فوق كل غرفة وهي تتحرّك بشكلٍ عسكيّ ، لتُعلمها بالوقت المتبقي لخسارتها المسابقة .


ففتحت الغرفة الأولى على أمل إيجاد مخرج الفندق ، إلاّ أنها وجدت ثلاثة كلابٍ بوليسيّة شرسة تتناول طعامها ! 

فأغلقت الباب بهدوء قبل هجومهم عليها


ثم فتحت الباب الثاني : لتجد تمساحاً كبيراً وسط الغرفة ! 

فأسرعت بقفل الباب ، وهي تلعن عقليّة مُخترع المسابقة المُتخلّفة .


اما الغرفة الثالثة : فكانت أشبه بالفرن ، بعد اشتعال النيران من فتحات الغاز على جدرانها الجانبية ! 

فأعادت إغلاقها من جديد


والغرفة التي تليها : وجدت مُهرّجاً يحمل فأساً ، وهو يدنّدن اثناء تأرجحه على الكرسي الهزّاز ! 

فأسرعت بقفل الباب ، خوفاً أن يقتلها بفأسه


وكل غرفة فتحتها ، وجدت نوعاً مختلفاً من التعذيب النفسي او الجسدي .. الى أن وصلت لنهاية الممرّ ، دون عثورها على مخرج المتاهة !


ومع انتهاء الدقائق الخمسة ، ظهر صوتٌ من الميكرفون :

- خسرت المسابقة !!!


ليُرشّ عليها الماء من سقف الممرّ ، لكنه لم يكن ماءً عادياً بل أسيدٍ كاوي!

فأخذت تصرخ بألم ، وهي تركض عائدةً لغرفتها الأولى (التي نامت فيها) لكنها اخطأت بفتح غرفة المهرّج الذي هجم عليها ، وقطع رأسها بالفأس !

***


إستيقظ المتسابق الثاني جيم في ذات الغرفة البنفسجيّة ، وهو لا يعيّ كيف وصل اليها !

وأخذ يسترجع افكاره واين تواجد هذا الصباح ! فتذكّر استقلاله لسيارة أجرة للذهاب للمطار .. وحين سأله السائق ذات السؤال ، أجابه بسخرية :

((لا يوجد مكافئات مجانيّة في هذه الدنيا ، عليك العمل ليل نهار لتوفير قوت يومك))

وقبل إكمال نظريته ، سقط مغشياً عليه فوق المقاعد الخلفيّة لسيارة الأجرة!


ثم حصل معه ما حصل مع جاكلين ..

فخرج مُسرعاً من الغرفة لإيجاد المخرج ، أملاً في الكسب السريع


لكنه ايضاً لم يحالفه الحظ .. وقبل انتهاء الثواني الأخيرة ، حاول كسر النافذة الوحيدة المتواجدة بنهاية الممرّ الطويل..

وقبل قفزه منها رغم ارتفاع المكان ، هجمت عليه الكلاب البوليسيّة بعد نسيانه قفل باب غرفتهم جيداً ، ونهشوا جسده حتى الموت

***


اما المتسابق الثالث اريك : فقرّر الدخول لإحدى الغرف الفارغة التي تحوي باباً ثانياً ، ظنّاً بأنه الباب الموصل للسلالم .. لكن فور تجاوزه الباب الآخر ، فتحت الأرضيّة اسفل قدميه ! ليسقط في غرفةٍ مليئة بالمسامير الطويلة الحادّة التي اخترقت كل جزءٍ من جسمه .

وظلّ ينزف لساعتين وهو يطلب النجدة دون سماعه احد ، حتى فارق الحياة !

***


اما المتسابق الرابع جاك : فكان مختلفاً عن الباقين ، حيث فاجأ المتراهنين الأثرياء (الذين يراقبونه من الكاميرات) بتغطية وجهه بالّلحاف ، رافضاً الخروج من الغرفة البنفسجيّة ، دون اكتراثه بسريان وقت المسابقة !


فظهر صوتٌ من الميكرفون :

- مازال امامك دقيقتين ، أخرج الآن من الفندق لكسب المليون دولار!!

فأجاب جاك بنعاس :

- النوم الآن يساوي عندي مليار دولار ، فأنا لم أنمّ منذ مدةٍ طويلة على سريرٍ دافىء ومريح كهذا الفراش الناعم


وبعد انتهاء الوقت ، قال الصوت غاضباً :

- هل تسخر منا ؟!! اذاً سنريك ما خسرته

ودخل عليه حارسٌ ضخم وهو يوجّه مسدسه نحوه ، ويأمره بالّلحاق به


فاضّطر جاك للذهاب معه ، بعد إغماض الحارس عينيه حتى لا يرى الغرفة التي فيها مخرج المتاهة 


ثم ازال عِصابة عينيه بعد وصولهما لقبو الفندق الذي فيه خمسة مشتركين آخرين منوّمين هناك ، بانتظار دورهم لنقلهم الى الغرفة البنفسجيّة !

وهنا قال الحارس :

- أترى ذلك الباب بجانب فراشهم .. هذا هو مخرج الفندق !! ولن أفتحه لك ، قبل قتلك واحداً من المشتركين

جاك : وماذا عن الجائزة ؟


ففتح الحارس الحقيبة (أخرجها من خزانةٍ هناك) التي فيها رزم الدولارات قائلاً :

- إن قتلت احدهم برصاصة في رأسه ، سأعطيك المبلغ كاملاً

جاك : يُحزنني قتلهم بهذه الطريقة ، الا يمكنك إيقاظهم اولاً ؟


فأخرج الحارس دواءً صغيراً من جيبه ، وهو يقول :

- بالعادة نرشّ الدواء على وجه المتسابق بعد تمديده في فراش الغرفة البنفسجيّة ، ليبدأ العدّ العكسي للمسابقة .. لكن طالما تريد إيقاظهم لاختيار ضحيتك ، فلا مانع من ذلك

جاك : نعم أيقظهم جميعاً ، فلست جباناً لقتل شخصٍ نائم


فقام الحارس بوضع الدواء امام انوفهم .. وفور إشتمام المتسابقون الخمسة لرائحة الدواء القويّة حتى نهضوا من فراشهم ، لتظهر علامات الرعب على وجوههم ! بعد رؤية جاك يوجّه مسدسه نحوهم وهو يقول :

- آسف يا اصدقاء .. عليّ قتل احدكم لكسب مليون دولار ، وقد  اخترت ضحيّتي من بينكم


ليتفاجأ الجميع بإطلاقه النار على الحارس الذي سقط ميتاً برصاصةٍ في رأسه !

ثم أسرع جاك بسحب المفتاح من جيب الحارس ، وفتح الباب الرئيسي وهو يأمر المتسابقين بالهرب فوراً من هذا الجحيم !!!


فركضوا مترنّحين من أثر المخدّر باتجاه الطريق العام الذي لا يبعد كثيراً عن الفندق المهجور الذي قام الأثرياء بتجديد طابقٍ واحدٍ منه لأجل مسابقتهم الدمويّة !


ثم نظر جاك للشاشة المتواجدة هناك ، قائلاً :

- ايها الأغبياء !! الم تجدوا سوى مشرّداً مثلي لتلعبوا معه .. في المرّة القادمة اختاروا ضحاياكم جيداً , وعيّنوا حارساً أذكى من هذا الغبي الذي سلّمني سلاحه


ثم خرج من الباب ، ومعه الجائزة التي كسبها دون خضوعه للمسابقة المميتة !


الأحد، 23 يناير 2022

عاقبة الفضولي

تأليف : امل شانوحة 

 

إيقاظ الوحش


اراد كاتبٌ مُبتدىء (يحلم بالشهرة) كتابة قصّة بوليسيّة مستوحاة من احداثٍ حقيقيّة . وبعد حصوله على إذن الشرطة ، بحث في أرشيفها عن قضايا قديمة صدر بها حكمٌ نهائيّ


وبعد البحث والتدقيق لأسابيع ، وجد جريمة حصلت منذ 10 سنوات : حيث قام قاتلٌ متسلّسل بقتل وأكل ضحاياه العشرين الذين أوقفوا شاحنته لأجل نقلهم للمدينة بالمجّان ، وأكثرهم من النساء الهاربات من بيوتها .


وكلما بحث الكاتب بأقوال المجرم تأكّدت شكوكه بكونه مريضاً نفسيّاً ، إثر معاناته من طفولةٍ سيئة لوالدٍ قاسي وأمٌ مستهترة .

فبعد موت والده ، ربّاه زوج امه الذي أجبره على العمل بسن المراهقة في مجال الكهرباء ، بعد إخراجه من مدرسته المتوسطة


وبعد مقتل والدته بحادث سيرٍ مروّع ، هرب من منزله لعدم تحمّله قذارة زوجها الذي حاول التحرّش به اثناء سكره ! ليُصبح مُشرداً بالشوارع حتى سن الثلاثين ، قبل رؤيته إعلاناً عن وظيفة سائق شاحنة لإحدى المصانع 


فعمل بتوصيل المؤن بين المدينتين لعشر سنوات ، قبل ارتكاب جرمه الأول : بعد أن أوقفته فتاة ليل مساءً ، لتوصيلةٍ مجانيّة. 

وقبل الوصول لوجهتهما ..حاول التقرّب منها ، فصفعته بقوة ! فجنّ جنونه وقيّدها بجانب بضاعته . 


وعندما حاول الإعتداء عليها .. عضّت أذنه بقوةّ ، وقصّت جزءاً منها ! 

فلم يجد نفسه إلاّ وهو ينقضّ على رقبتها ويقطع عرق عنقها . ثم يقف مذهولاً وهو يراقب إحتضارها !


وبعد سرده الحادثة للمحقّق ، قال المجرم مُبتسماً :

((كانت ما تزال قطعة من لحمها في فمي وبدلاً من بصقها ، بلعتها فأعجبني مذاقها ! فنقلت الجثة الى منزلي وبدأت بتقطيعها ووضع لحمها بالثلاجة . ثم عزمت رفاقي من سائقي الشاحنات بنهاية الإسبوع على حفلة شواء . وقد وفّر لحمها الرخيص الكثير من تكلفة الحفلة))


وكانت هذه جريمته الأولى ، التي تكرّرت مع كل تعساء الحظ 19 الذين أوقفوه لأجل توصيلةٍ مجانيّة أنهت حياتهم !


ورغم محاولة محامي الدفاع إرساله لمصحّةٍ نفسيّة ، إلاّ أن القاضي أصرّ على الحكم عليه بالسجن المؤبد .. قضى منها حتى الآن عشرين سنة ، ليصبح عمره 60 عاماً


وقد أُعجب الكاتب بقضيته كثيراً ، حيث استطاع بموهبته الفريدة تحويلها لقصةٍ مثيرة ، مُحاولاً التركيز على ماضي القاتل الحزين والمؤلم .

***


ولاحقاً وافق المنتج على تحويلها لفيلمٍ دراميّ ، الذي سرعان ما آثار ضجّة في صالات السينما .. حيث تعاطف المشاهدون مع المجرم ، مُتناسين حجم الألم الذي سبّبه لأهالي الضحايا !


وأدّى ضغط الرأيّ العام على طلب الإستئناف في قضية المجرم ، واستحقاقه للعلاج النفسي بدل السجن المؤبد


وبسبب تقاعد القاضي السابق ، واستلام قاضي جديد قضيته (الذي ظهر تأثّره بسياق الفيلم الدراميّ) حيث وافق على طلب الدفاع بنقل المجرم الى مصحٍّ نفسي ، بشرط وضعه في غرفةٍ مشدّدة الحراسة 


وأدّى تغيّر حكم القضيّة ، لغضب اهالي الضحايا الذي كان موقفهم ضعيفاً هذه المرة بسبب الفيلم السينمائي الذي قلب اراء الناس ضدّهم !

***


وبعد شهر من انتقال المجرم لمستشفى الأمراض النفسيّة ، قابله الكاتب الذي عرّف عن نفسه بفخر : بكونه من غيّر مجريات القضية لصالحه


ففاجأه المجرم بجوابٍ صادم :

- أتعلم إن حراسة المصحّ غير مشدّدة كالسجن الذي كنت فيه ، وهذا يعني إن هربي ليس صعباً .. وأول شيءٍ سأفعله بعد خروجي من هنا ، هو تذوّق لحم جسدك


فارتعب الكاتب من كلامه ! وأسرع بطرق الباب للخروج من الغرفة


وبعد عودته للمنزل .. شعر الكاتب بارتكاب خطأٍ فادح بإطلاقه وحشاً من السجن ، وتمنّى موته بالمصحّ قبل ارتكابه جريمةً أخرى

***


بعد شهرين .. تعرّض الكاتب لكوابيس وأرقٍ شديدين بعد علمه بفرار المجرم من المصحّ ، عقب قتله زميله وحارسيّ أمن وجرحه لممرّض وطبيبه المعالج بعد جلسة علاجٍ جماعيّة ، حيث ثار جنونه بعد سؤال الطبيب عن موقف امه من تعذيب زوجها له ؟


ولم يستطع احد إيقافه بعد قفزه من سور المستشفى ، رغم إصابته برصاصة في قدمه !

***


لاحقاً قام الكاتب بتركيب جهاز إنذار وكاميرات مراقبة في بيته ، وإحضار كلباً بوليسيّاً لحمايته من أيّ دخيل


وفي ليلةٍ باردة .. شعر الكاتب بشيءٍ لزجّ يُصبّ على خدّه ! 

ففتح عينيه بتعب ، ليجد المجرم امام سريره وهو يسكب العسل على وجهه قائلاً :

- اللحم البشري مالحٌ جداً ، والعسل يجعله قابل للبلع


وقبل نهوضه من سريره بفزع ، ثبّته المجرم بيده الضخمة على صدره بعد إطباق يده الثانية على فمه لإسكاته ، وهو يكمل قائلاً :

- كان عليك إطعام كلبك ، قبل قتله بلحمٍ مسموم .. اما أجهزتك الغبيّة فسهلٌ عليّ فكّها ، أنسيت انني عملت كهربائي في مراهقتي ؟ والآن لنتذوّق لحم الكاتب الفضولي الذي أعادني لعالم الجريمة


وقبل صراخ الكاتب ، إنقض المجرم على رقبته لقطع عرق عنقه ، ممّا جعله ينتفض إنتفاضة الموت .. بينما يراقب المجرم خروج روحه ليبدأ بتقطعيه ، وهو يفكّر بحفل شواءٍ لأصدقائه القدامى !


السبت، 22 يناير 2022

إنتقام الشهداء

تأليف : امل شانوحة 

الأحزاب اللبنانيّة


في تلك الأمسية الباردة . وفي مقبرة شهداء الحرب الأهلية مجهولي الهوية ، حدث شيءٌ غريب بعد أن ضربت صاعقة مجموعة من المقابر ! حيث بدأت الأتربة القريبة من الشواهد تهتز وحدها ، قبل خروج يد لميت من القبر والذي أكمل الحفر حوله ، الى أن أخرج جسده بالكامل . وكذلك فعل بقيّة الموتى ! 

وكان هناك نوراً خافتاً قادماً من إنارة الشارع القريبة منهم ، فاستطاعوا فهم ما حصل.


والغريب انهم لم يتحولوا لهايكل عظميّة ، بل خرجوا بالهيئة التي ماتوا عليها ! بقصّة شعرهم وملابسهم التي تعود لسبعينات القرن الماضي. فمعظمهم مات برصاص القنّاصة. حتى من دُفن كأشلاء بعد انفجاره بسيارة مفخّخة ، عاد كما كان قبل وفاته بعد تجمّع اشلائه المدفونة معه الى جسده. والشيء الوحيد الذي يفرّقهم عن الأحياء هو وجوههم الشاحبة فحسب !


وما أن التفت احدهم للآخر ، حتى صرخ غاضباً :

- هل عدّت ايضا ايها الكتائبيّ ؟

- كنت أتمنى أن لا القاك ايها السنّي !!


وهجما على بعضهما .. لكن ضرباتهما اخترقت اجسادهما ، ففهما إنهما تحوّلا لأشباح !

- غريب ! ظننت اننا في الآخرة

- وانا ايضاً ! يبدو مازلنا في الدنيا ، ترى لماذا ؟!

- يبدو إن دورنا لم ينتهي بعد

- هل جننت ؟!! جميعنا متنا منذ...آه صحيح كم مرّ الوقت على وفاتنا ؟!

- سنعرف فور خروجنا من هنا

- هيا يا رفاق لنستغلّ الظلام ونخرج من هذه المقبرة الكئيبة

***


وتساعدوا فيما بينهم ، حتى وصلوا للجهة الأخرى من السور. واتفقوا أن لا يفترّقوا بعد رؤيتهم التغيرات في شوارع ومناطق بيروت.


ومشى الثلاثون شاباً معاً ، الى أن سمعوا صاحب القهوة يناديهم :

- يا شباب !! لدينا خصم على الأراجيل والقهوة. أسعارنا لن تجدوها في قهوة أخرى بعد ارتفاع الدولار

فقال أحدهم باستغراب : إرتفاع الدولار !

فهمس رفيقه : ظننت بأن لا احد يرانا !

- وانا ايضاً ، دعونا ندخل

- ليس معنا المال

- لن نشتري شيئاً ، فقط نشاهد التلفاز


ودخلوا القهوة وطلبوا من صاحبها رفع صوت الأخبار ، بعد أن أطلعهم على تاريخ اليوم


- هل تصدّقون انه مرّ اكثر من ثلاثين سنة على وفاتنا !

فقال الآخر هامساً : إخفض صوتك ولا تجعل الأحياء يشكّون بنا

- إنظروا للأخبار ، مازالت ذات الشخصيات السياسيّة تحكم لبنان !


وبعد سماعم نشرة الأخبار ، هلّل احدهم بفرح :

- القائد عون أصبح رئيس الجمهورية ، وأخيراً !!!!

فنظر المتواجدون في القهوة اليه بغضب ، فسكت على الفور !


فهمس زميله مُنبّهاً :

- إصمت ولا تفضحنا

- انا فقط سعيد لأن موتي لم يذهب سدى

- الم تشاهد اسوء الأحداث الحاصلة في البلاد التي عرضتها النشرة ؟ يبدو إن زعيمك أفسد إقتصاد البلد ! لهذا لا تُبيّن فرحك امامهم ، فيهجمون علينا


ثم قال الشبح الآخر لزميله ساخراً :

- أنظر ايها الكتائبيّ ، انك في صفّنا الآن

فردّ بدهشة : هل هذا ابن رفيق الحريري ؟!

- يبدو ذلك !

- هل اتفق المسيحون والإسلام ؟!

- ونحن من قُتلنا دفاعاً عن الدينين !

- لحظة يا شباب ! هل حزب الله مُتفقٌ الآن مع حركة امل ؟ وأنا من عاديت اخوتي بعد انضمامهم للحزب !

- ماذا يحصل بحقّ الجحيم ، اعداء الأمس أصبحوا زملاء اليوم ؟!

- ما أسمعه يا رفاق يضايقني للغاية

- وانا ايضاً ، أشعر إن حياتنا ضاعت بلا مغزى


وهنا أعلن رئيس الجمهورية (في الأخبار) عن إجتماعٍ عاجل للنّواب في صباح الغد

فقال الشبح لزملائه بقهر :

- هل تفكّرون بما أفكّر به ؟

- نعم !! سنعلّمهم درساً لن ينسوه ابدا

***


في صباح اليوم التالي.. إستطاع الأشباح الثلاثين المرور بسهولة من حرس مجلس النّواب بعد تحوّلهم لظلال . الى أن قرّروا الظهور بمظهرهم الشاحب امام حارس بوّابة المجلس النيابي ، مما جعله يفقد الوعيّ.

ومن بعدها فتحوا الباب ، ودخلوا وهم يحملون العصا والسكاكين الحادّة ...


فصرخ عليهم رئيس المجلس :

- من سمح لكم بالدخول ؟!!

فأجابه الشبح :

- أتدرون من نحن ؟!!

- نحن شهداء الحرب الأهليّة

- وقفنا سابقاً مع احزابكم ونحن نؤمن بمبادئكم ، وإذّ بكم الآن تتفقون مع الأعداء ، غير مباليين بدمائنا التي أُهدرت بسببكم

- ويبدو اللبنانيون مازالوا يعانون منكم حتى وقتنا الحالي

- لهذا قرّرنا أخذ حقّ المظلومين في الماضي والحاضر .. هجوم يا شباب!!


وصرخ النّواب والوزراء بفزع وهم يحاولون الهرب من الأشباح الغاضبين . حتى بعضهم توسّل بأنها السياسية التي تتغير حسب الوقت والوضع الراهن ، لكن هذا لم يشفع لهم

***


بعد ساعتين ...أُذيع الخبر العاجل بالأخبار عن موت من في المجلس ! قائلا المذيع بذهول :

((تفاجأ الحرس قبل قليل بجثث النّواب والوزراء ! ولم تُظهر كاميرات المراقبة مُرتكب الجريمة ، بالرغم من تسجيل صراخ المجني عليهم وتطاير دمائهم واشلائهم . فهل هجم الجن والشياطين عليهم ؟! شاهدوا الفيديو واحكموا بأنفسكم))


ورغم غرابة الحدث ! إلاّ أن اجواء لبنان امتلأت برصاص الفرح والزغاريد ، وساد الإعتقاد : (أن الملائكة قتلت السياسين الفاسدين بعد تدميرهم اقتصاد البلد في السنتين الفائتتين ، مُعرّضين الشعب للهلاك والفقر)


وعمّت الإحتفالات البلاد ، فيماعدا القلّة من رجال السياسيين وأزلامهم الذين سارعوا بالفرار للخارج خوفاً من غضب الشعب

***


في هذه الأثناء ...عادت اﻷشباح للمقبرة بضميرٍ مرتاح ، قائلاً احدهم :

- اخيراً انتقمنا لموتنا

- وانتقمنا للشعب اللبناني بجميع طوائفه

- أشعر أن روحي ارتاحت اخيراً

- وانا ايضاً ، يكفي تعليمنا الظالمين درساً لن ينسوه ابدا

- اظننا سنلتقي ثانية ، لكن في الآخرة هذه المرة

- الوداع يا اصدقاء !!


وفور استلقائهم في قبورهم حتى اختفوا تحت الأرض ، لتعود المقبرة هادئة كما كانت طوال العقود الماضية !


الجمعة، 21 يناير 2022

إعلانين وطنيين (دعاية)

الإعلان الأول :


نضع الكاميرا على مكعب روبيك . كل جهة تحمل شعار لحزبٍ من الأحزاب اللبنانية . اما الجهة السادسة والأخيرة فيكون للعلم اللبناني

تنتقل الكاميرا من يدٍ ليد . وكل واحداً منها يحاول ضبط الوان حزبه . وبعد إكمال شعاره يقول :(هلأ ظبط الوضع) ونصوّر الجهة الأخرى من المكعب ، ليبدو العلم اللبناني مُلخبط الألوان ! 

فتأتي يدٌ أخرى وتسحب المكعب منه بعنف ، وهي تقول:(بس هيك إتخربط وضعي) ويعود لترتيب الوان حزبه . 

وكل شخص بعد ضبط شعار حزبه ، يفسد في المقابل ترتيب العلم اللبناني!


الى أن تأتي يد لرجلٍ يلبس طقماً رسمياً ، ويقوم بضبط ألوان العلم اللبناني وهو يقول: (بس الأهم !! يزبط الوطن)

***


الإعلان الثاني : 



في مدرسة حضانة .. تطلب المعلمة من التلاميذ رسم العلم اللبناني بالألوان المائية .

فيبدأ كل ولد برسم العلم الذي يراه في منزله . 

ونضع الصورة على ولد رسم العلم اللبناني صحيحاً ، والذي تفاجأ بأكواب الماء لأصدقائه التي صُبغت باللون الأزرق والأصفر والأخضر والبرتقالي!

فيذهب ويأخذ اكوابهم ويضعها فوق كوبه ، ليتحوّل للون الأسود. 

ثم يضع شريطاً اسوداً على جانب علمه اللبناني (إشارة الموت)


ونكتب بنهاية الإعلان :(اذا بقينا متفرقين ، رح يموت الوطن)


الأربعاء، 12 يناير 2022

البرج المهجور

تأليف : امل شانوحة 

 

رمز الحرب الأهليّة


برج المرّ .. البرج الأطول في زمن السبعينات .. عبارة عن مبنى إسفلتي خالي من النوافذ والأبواب ، بعد إيقاف بنائه فور اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة.. حيث عُدّ نقطة إستراتيجية  للأطراف المتحاربة .. فمن يستولي عليه ، يتحكّم في وسط البلد ! 

وبسبب إنقطاع الكهرباء ، لم يتمكّن احد الوصول لطابقه الأخير 40 .. حيث تمركز القنّاصون بين طابقيه 12 و 14 .. 


بعد انتهاء الحرب ، اراد المسؤولون هدم البناء القديم .. وكلما حاولوا ذلك ، تعطّلت الجرّافة او صادفتهم مشكلة قانونيّة ، او اعترض أحدّ ملاّك البناء على ذلك ! لهذا توقف مشروع هدمه لسنواتٍ طويلة .. وبات انهياره بسبب قدمه ، يُهدّد العمارات المجاورة ..

ولم يعرف احد سبب تعسّر الهدم ، إلى أن أقدم شابٌ يافع على تحليق طائرته درون لاكتشاف سطح المبنى المهجور وطوابقه العليا ، لعدم وجود مصاعد داخله !


وحين حلّقت هناك .. صوّرت سطحه الذي كان فارغاً تماماً ، فالحرب اندلعت قبل تركيبهم خزّانات المياه او توصيلهم أسلاك الكهرباء ..

وتحكّم الشاب بطائرته الصغيرة للنزول من السطح للطوابق التي تليه ، عابراً الدرج الإسفلتي ..


وكلما وصل لطابق ، بحث في جميع غرفه عن شيءٍ مثير (كما أنبأه حدسه) ..لكن كل الطوابق كانت فارغة تماماً !


إلى أن وصل للطابق العشرين ، وما صوّرته طائرته كان غريباً للغاية ! بعد إيجاده هيكلاً عظميّاً في زيّ عسكري ، ميتاً وهو مستنداً على عامود وسط صالةٍ فارغة ، وبجانبه بندقية من النوع القديم .. ويبدو انه حفر بسكينه على الحائط عدد الأيام التي بقيّ وحده هناك ! جائعاً في النهار وخائفاً من عتمة الليل .. 

والتقطت الطائرة صورة للجدار ، ليعدّ الشاب الخطوط من كاميرا جوّاله : ويعلم إن الجندي بقي إسبوعين دون أثر لطعامٍ او قوارير مياه بجانبه ! 


وتساءل بحيرة :

لما لم ينزل للأسفل ، طالما أن الرمز المُثبّت على بدلته العسكريّة يؤكّد انه من الحزب الذي احتلّ المبنى ايام الحرب الأهلية ؟ فهل تفاجأ باحتلال الجيش المعادي للمبنى ! فصعد للأعلى هرباً منهم ، وعلق هناك حتى مات وحيداً ؟ 

أمّ إنه تباهى امام الجنود بقدرته على الوصول للسطح .. وتوقف قلبه من الإرهاق عند هذا الطابق ، ولم يستطع رفاقه الّلحاق به ؟! 

***


بعد استعادة الشاب لطائرته ، نشر الفيديو بوسائل التواصل الإجتماعي ، ممّا أحدث ضجّة بين اللبنانيين وصل صداها للمسؤولين الذين أمروا فريقاً من عمّال البناء بإحضار رافعة للوصول للجثة العسكري المجهول !

  

وبحضور مراسلٌ إعلاميّ برفقة طبيبٍ شرعيّ الذي قدِمَ لمعاينة الجثة التي وجد في بنطالها : صورة ممزّقة لزوجة الجندي وابنه الصغير .. كما وجد في جيب قميصه : دفتراً صغيراً كتب فيه بالقلم الحبر آخر كلماته ، قائلاً :


((إسمي وليد ياسين .. عمري 33 سنة .. إلتحقت بجيش الحزب لمهارتي بالقنّص ..وقدمت الى هذا الموقع لمقاتلة الأعداء .. لكني تفاجأت بقائدنا يأمرنا بالقبض على كل من يمرّ بجانب البرج ، باعتبارهم جواسيس ! والذي قام بتعذيبهم في الطابق السفليّ ! .. وقد رأيت الكثير من الفظائع في الشهور الماضية : فبعضهم أُحرق حيّاً ، والبعض الآخر صعقوا كهربائياً حتى الموت .. ومنهم من رُميّ من الطابق الخامس .. وأكثر من شخص رُميّ من الطابق الأول لتحطيم عظامه دون قتله ، للضغط عليه بالإعتراف عن أشياءٍ لا يعرفها ! .. ورأيت زملائي الجنود يقتلون الكثير من الأبرياء : كطفلٍ في طريقه الى المدرسة وامرأة حامل والكثير من العجائز وسائقي الأجرة والباعة المتجوّلين ، حتى المسعفين لم يسلموا منهم ! ولم يعدّ بإمكاني تحمّل المزيد !! وحين أمرني قائدي بتعذيب أحدهم بقلع عينه ، رفضّت طلبه .. فأمر مساعديه بوضعي محل السجين ..فهربت منهم ، وأخذوا يلاحقونني للطوابق العليا .. لكنهم توقفوا عند الطابق 13 .. وانهارت قوايّ عند هذا الطابق الذي لا اعرف رقمه بالضبط ! لكني سمعتهم من مكبّر الصوت يهدّدون بقتلي فور نزولي الأدراج .. وهآ انا عالقٌ هنا منذ مدةٍ طويلة ، فأنا لم أجرأ على عدّ الخطوط التي حفرتها على الجدار ! .. كل ما أعرفه إن قارورة الماء التي معي ، فرغت البارحة .. ولم آكل شيئاً منذ 5 ايام .. وأصبحت ضعيفاً جداً .. أظنهم أيقنوا بموتي الآن ، ولا غرابة في ذلك فأنا أشعر بروحٍ ثقيلة تلاحقني في المساء ! وأظن عزرائيل ينتظر إستسلامي لقبض روحي .. 

كل ما أتمنّاه أن لا يعاقبني الله على عدم إنقاذي المساجين السابقين .. وأن يكون اعتراضي على تعذيب أحدهم ، سبباً في غفرانه ذنوبي .. وما يحزنني هو فراق أمي وابي وإخوتي ، وزوجتي وابني الصغير الذي لن اراه ثانيةً .. 

ورجائي لمن يجد هذا الدفتر أن يوصله لإبني ، ويخبره أن والده كان انساناً شريفاً وعليه أن يفخر بي ، كما كنت فخوراً بوجوده في حياتي .. سامحوني جميعاً !!

آخر ما اريد قوله : الوداع يا لبنان الجريح ، أتمنى أن يتوقف الحاقدون عن أذيّتك ، لتصبح يوماً بلداً مزدهراً كما حلمنا بك دوماً))


وعندما لم يعثر الطبيب الشرعيّ على آثار رصاص في الهيكل العظمي ، نُقلت الجثة للمشرحة لحين إيصالها لأقارب الميت..

*** 


لاحقاً ، قام وزير الإعلام بحملةٍ مُكثّفة لإيجاد عائلة جندي البرج .. 

وآخر ما توصّل اليه : إن زوجة وليد وإبنه هاجرا لإستراليا في اواخر الحرب الأهليّة .. اما أهله ، فماتوا جميعاً بعد انهيار مبناهم بالقصف الإسرائيلي 


وعلى الفور !! أُرسل فريقاً للبحث عنهما في إستراليا .. 

وبعد اسابيع من زيارة الدوائر الرسميّة ، علموا بأن زوجته توفّيت بالسرطان ..اما ابنها الصغير فقد أصبح في الأربعينات من عمره ، والذي أحزنه كثيراً موت والده وحيداً في ذلك الطابق العالي بسبب الجوع والبرد والخوف !  


وحين سأله المذيع عن لحظة اختفاء والده ، أجاب بقهر :

- كنت في السابعة حين انقطعت اخباره عنّا .. وقام عمي رحمه الله بزيارة البرج للسؤال عنه .. فأخبره القائد انه ارسله في مهمّةٍ ميدانيّة .. ولأنه لم يعدّ كرفاقه ، ظنّ إنه اعتقل من حزب البعث الذين ارسلوه لسجون الإعتقال في سوريا .. ولسنواتٍ طويلة تأمّلنا عودته حيّاً الى لبنان ، او على الأقل يسلّمونا جثته .. وهآ انا أكتشف من مذكّرات والدي : إن قائده اللعين تركه يموت وحيداً ! وكذب علينا ، رغم علمه بانتظارنا عودته على أحرّ من الجمر !! ولوّ أخبرنا بهربه صعوداً ، لأنقذناه قبل فوات الأوان

المذيع : كان والدك رجلاً شريفاً ، وجميعنا فخورين به 


فتنهّد الإبن بضيق ، قبل أن يسأله : واين هو الآن ؟

- مازالت جثته في ثلاّجة المستشفى الحكوميّ 

الإبن : إذاً سأسافر معكم ، لدفنه في قريته بشكلٍ لائق 

*** 


وتناقل الإعلام مشهد دفن الشهيد وليد الذي استقبله اهل قريته بالأرز والزغاريد .. ليُدفن في مدافن العائلة كبطلٍ شريف ، بعد أكثر من ثلاثين عاماً لبقائه وحيداً في الطابق العلويّ للبرج المهجور

 

وعقب دفنه بيومين ، إنهار جزءاً من البرج لوحده ! ممّا استدعى التدخّل الهندسيّ لتفجيره بطريقة لا تضرّ بالعمارات المجاورة 

والغريب إنه انهار من المحاولة الأولى ، بحضور عددٍ كبير من اللبنانيين الذين علّق بعضهم في وسائل التواصل الإجتماعي : إن روح البطل وليد هي التي أعاقت هدم البرج طوال السنوات الماضية .. وبعد دفنه وإراحة روحه ، لم يعدّ  للمبنى هدفاً للبقاء ، فانهار سريعاً مع كل ذكريات الحرب الشنيعة وصراخ المظلومين التي تشرّبت داخل جدرانه الموحشة !  

*******


ملاحظة : 

برج المرّ المهجور يُعدّ رمزاً من رموز الحرب الأهليّة اللبنانيّة ، وهو لم يُهدم حتى الآن .. فتخيّلت إن سبب عسر هدمه : هو الجثث مجهولة الهويّة التي دُفنت في مركز التعذيب في طابقه السفليّ .. او إن أحدهم تمكّن من الهرب صعوداً ، وظلّ هناك حتى مات وحيداً .. وبسبب ارواحهم المظلومة والغاضبة من عدم المساءلة القانونيّة لمجرمي الحرب ، مازال المبنى موجوداً حتى اليوم ! 


الاثنين، 10 يناير 2022

الجريمة المُدبّرة

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

النوايا الخبيثة


أصرّ زوج جاكلين على الإحتفال وحدهما بعيد زواجهما 15 ، في منزلهم الجبلي بعد توصيل ابنائه الثلاثة لبيت جدتهم


وفي منزل الجبل مساءً .. شعرت جاكلين بالإرهاق ، وطلبت من زوجها إنهاء السهرة باكراً ، للعودة صباحاً الى منزلهم في المدينة .. فوافق على طلبها

***


بعد ساعتين ..إستيقظت جاكلين وهي تشعر بالصداع ، لتجد زوجها واقفاً امام السرير وبيده الوسادة ، وكأنه يستجمع قواه لتنفيذ مخطّطه  

وفور إطباقه الوسادة على وجهها بقوة ، عرفت نيّته بقتلها ! وأدركت بدسّه المخدّر في شرابها ، لإضعاف مقاومتها


والغريب في الموضوع إنها لم تردّ الدفاع عن نفسها ! بل أخذت تُحثّ روحها على الهدوء ، قائلةً في نفسها :

((لا تخافي يا جاكلين .. حافظي على أنفاسك ، فلطالما فزتِ بمسابقات حبس النفس ، ولولا زواجك المُبكّر لكنتِ سبّاحة اولمبياد مشهورة .. تخيّلي نفسك تحت الماء الآن .. حافظي على الهواء المتبقّي في رئتيك .. هو سيتوقف عن الضغط إن لم تتحرّكي ، لظنّه إنه نجح بقتلك .. جيد !! تابعي التمثيل .. هاهي الوسادة ترتفع ! لقد نجحت خطّتك يا جاكلين .. حاولي إرخاء جسمك كأنك فارقتِ الحياة))


وهنا شعرت بزوجها يحملها .. ورغم دوّارها الشديد ، إلاّ أنها أحسّت بجلوسها جانبه بالسيارة ، بعد أن أخفى عينيها المغمضتين بالنظاّرة .. ثم قاد سيارته بهدوء ، كأنه لم يرتكب جريمة ! 

 

حاولت جاكلين إستراق النظر الى الشارع من عينها اليمنى (اسفل النظّارة السوداء) فعرفت انه ينحرف عن الطريق الموصل لمدينتهم .. بل بالحقيقة كان متجّهاً نحو الغابة المهملة ! وهذا يعني انه سيدفنها هناك ، او يختلق كذبة عن إختطافها من منزل الجبل الى جهةٍ مجهولة 

لكنها ايضاً تعلم إنهما لن يصلا للغابة ، قبل مرورهما من مركز تفتيش وإشارتين مرور ، فهي سارت بهذا الطريق أكثر من مرة 


وكما توقعت ، أوقفه شرطي المرور وهو يسأله عن وجهته بهذا الوقت المتأخر.. فأجاب الزوج بثبات بأنه يعيدها الى منزله ، بعد إكثارها الشرب في عيد زواجهما !

فضحك الشرطي بعد رؤيتها غائبة عن الوعيّ (اثناء تمثيلها الدور) وسمح لهما بالمرور .. فهي رغم جريمة زوجها ، لم ترغب بتوريطه مع الشرطة لأجل ابنائها !


ولم يعدّ بوسعها الهرب إلاّ عند إحدى اشاراتيّ المرور ..

ولسوء حظها كانت الإشارة الأولى خضراء ، ومرّا منها بسهولة

اما الثانية : فتوقفا خلف شاحنةٍ ضخمة .. وسمعت زوجها يقول بتأفّف :

- اللعنة !! إشارة التقاطع تأخذ وقتاً طويلاً 

فأدركت انه الوقت المناسب للهرب ..


وفاجأته بفتحها الباب ، والركض بأسرع ما يمكنها في طريق المشاة إلى أن وصلت للشارع المقابل .. وجلست داخل سيارة على وشك التحرّك ، وهي تصرخ في وجه السائق برعب :

- إبعدني بسرعة عن القاتل !!


وما أن رأى زوجها يركض باتجاههما ، حتى لفّ سيارته نحو طريقٍ فرعيّ مُبتعداً عن وجهته الأصليّة !

***


بعد ابتعادهما عن سيارة الزوج الذي فشل في ملاحقتهما ، سألها السائق :

- لما يريد قتلك ؟

جاكلين وهي تلتقظ أنفاسها : ذاك زوجي ، حاول قتلي بعيد زواجنا 15 

- إذاً خذي جوّالي واتصلي بالشرطة فوراً .. 

- هو ليس رجلاً سيئاً ، ولم يعاملني يوماً بجفاء ! أظن صديقه الفاسد أعطاه مُخدّراً ، او أكثر من شرب الخمر

الرجل : هل جننتِ ؟! الم تقولي انه حاول قتلك قبل قليل ؟

- حاول خنقي بالوسادة بعد تخدير شرابي

- تخدير ! هذا يعني انه قتل عن إصرارٍ وترصّد .. سيدتي ، انا محامي وأعرف ما اقوله.. دعيني أبلغ الشرطة

جاكلين : لا !! هذا سيدمّر اولادي الثلاثة ، دعني أحلّ الموضوع بطريقتي


فسكت المحامي قليلاً وهو يتابع القيادة ، قبل أن يسألها :

- الى اين تريدني أن أوصلك ؟ 

- الى أيّ فندقٍ صغير 

المحامي : وهل معك المال ؟

- أحفظ رقم حسابي جيداً ، سأستخدم حاسوب الفندق لدفع ثمن الغرفة التي سأبقى فيها يومين لحين هدوء زوجي .. وسأتصل بطبيبه النفسي لمعرفة مشكلته ، فهو خسر المحل الذي ورثه عن والده قبل شهرين .. ومن يومها تزداد حالته سوءاً


المحامي : أمتأكدة إن هذه هي المشكلة ، أمّ يحاول التخلّص منك لأجل امرأة ثانية؟ 

- لا ، هو ليس من هذا النوع 

- حسناً سأوصلك للفندق ، بشرط أن تعطيني رقم جوّال زوجك وعنوان عمله 

جاكلين باستغراب : ولماذا تريدهم ؟!

- لأنه في حال حصل مكروهٌ لك ، أبلّغ الشرطة بتلك المعلومات

- وماذا لوّ رفضّت طلبك ؟

المحامي بحزم : أوصلك الآن للشرطة لأخلي مسؤوليتي اتجاهك 


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول بتردّد : 

- حسناً ، سأعطيك رقم جوّاله فقط .. ولا تضغط عليّ أكثر ، فنفسيّتي مُتعبة بما فيه الكفاية

***


بعد أن أوصلها الفندق .. إتصل المحامي من سيارته ، بزوجها ليسأله :

- لما حاولت قتل زوجتك ؟

فأجاب الزوج بصوتٍ مرتجف : هل انت شرطي ؟!

- لا ، انا الذي أنقذتها منك 

الزوج غاضباً : أفسدّت خطتي يا رجل !!

- قلّ السبب الحقيقي لارتكابك الجريمة ، لربما ساعدتك ..هل هناك امرأة اخرى في حياتك ؟ ام هي مشاكل قمار ومخدرات ؟

- بل بوليصة التأمين 

المحامي : أتقصد إنك حاولت قتلها للحصول على مبلغ التأمين على حياتها ، لاسترداد محل والدك ؟


الزوج باستغراب : كيف عرفت هذا ! ماذا أخبرتك اللعينة عني ؟!!

- المرأة التي تشتمها مازالت تأمل بإنقاذ زواجها ، وتظنك فعلت ذلك عن غير وعيٍّ منك ، او لأنك ملّلت العيش معها بعد 15 سنة .. وانه عندما ينتهي سِكرك ، ستعتذر منها لتعود الأمور على طبيعتها

- لطالما كانت رومنسيّة تافهة !

المحامي : وهذا رأيّ ايضاً ..

- لما تحاول مساندتي ؟!

- لأني مهتمّ ببوليصة التأمين


الزوج بعصبية : وما دخلك انت ؟!!

- طليقتي حصلت على نصف ثروتي ، وسأكون غبياً إن لم أستفدّ من هذه الفرصة .. إخبرني الآن ، هل مبلغ التأمين كبير ؟

- مليون دولار يا رجل !!

المحامي بدهشة : مليون ! من اين حصلت على هذا المبلغ الكبير ؟!

- والدها قبل وفاته وضعهم في البنك كتأمين على حياة ابنته الوحيدة ، فهو لم يثقّ بي مُطلقاً 

- ومعه الحقّ بذلك


الزوج : تتكلّم وكأنك ملاك ، وانت تريد مشاركتي ارباحي !!

- لن اكون طمّاعاً ، أحتاج فقط لربع مليون للإحتفاظ بفلّتي قبل عجزّي عن تسديد أقساطها 

- ربع مليون ! مقابل ماذا ؟

المحامي بخبث : مقابل إخبارك بمكانها الآن 

- لا سأعطيك المبلغ في حال أنهيت مهمّتي  

- ولما أتورّط بقتل امرأة لا اعرفها !


الزوج : لأنني فشلت في ذلك ، فتعلّق اولادي بأمهم منعني من إتقان الخطّة .. أقتلها انت !! وسأعطيك المبلغ فور حصولي عليه من شركة التأمين .. المهم أن نتفق على كذبةٍ مشتركة .. فأنا سأبلّغ الشرطة بعد قليل : بأن شخصاً إعترض سيارتنا قبل وصولنا للمدينة ، وخطف زوجتي تحت تهديد السلاح .. وعليك أن تُنهي ما بدأته .. وحاول قدر المستطاع أن تبعد الشبهات عنّي ، فتورّطي بالجريمة سيحرم كلانا من مال التأمين 

- من حسن حظّك إن الشارع الذي أقلّيت فيه زوجتك ، ليس فيه كاميرات مراقبة .. 


الزوج : اساساً كان خالياً من السيارات ، ماعدا الشاحنة التي منعتني من تجاوز الإشارة 

- اذا لم يشهد السائق ضدّك ، فأنت بأمان

- لمحته قبل عودتي لسيارتي ، ويبدو من المهاجرين ! ولا أظنه سيتورّط مع الشرطة .. المهم اتصل بي بعد تخلّصك منها

المحامي : بالتأكيد سأتصل !! ..واريد إخبارك : إن حاولت التلاعب بي ، فهذه المكالمة مُسجّلة في جوالي .. 

- انا لا يهمّني سوى استعادة محل والدي ، فاللعينة رفضت دفع ديوني لرغبتها بتغير مهنتي القديمة .. وانا أحب تصليح السيارات كأبي وجدّي 

المحامي : يبدو إنها تتقزّز من يديك الملوّثتين بالشحوم 

- وملابسي ايضاً .. المهم !! أنتظر مكالمة منك 


وأغلق المحامي جوّاله وهو يفكّر بطريقة لحصوله على المال ، دون توريط نفسه بجريمة قتل ! 

***


بعد اسبوع على اختفاء جاكلين .. وصلت مكالمة للشرطة من مجهول يُخبرهم : بأنه سمع اثناء وجوده بمحطّة بنزين ، طرقاً داخل شاحنة بضائع ! ولخوفه من السائق المريب ، تبعه عن بُعد ..ورآه يتجه نحو الغابة ، في وقتٍ متأخّرٍ من الليل 

ثم دلّ الشرطة على آخر مكان شاهد فيه الشاحنة ، لظنّه بوجود مختطفٍ داخلها! 

***


على الفور !! توجّهت دوريّة شرطة الى مدخل الغابة الشرقيّ (كما أخبرهم المتصل) 

وقبل وصولهما لطريقها الترابيّ ، لاحظ احد الشرطيين كتابة بخطّ اليد على لوحة الطريق الجانبيّة ، مكتوباً بالخطّ الأحمر :

((جاكلين معي))


فأكملا سيرهما بحذر الى داخل الغابة بعد إطفائهما نور السيارة ، لتأكّدهما بأنهما يلاحقان الشخص المطلوب


وبعد سيرهما عدّة امتار .. شاهدا علامةً ثانية (عن عدم صيد الغزلان) مكتوباً على طرفها بخطّ اليد :

((جاكلين في الكوخ ، على بُعد 100 متر))


فأخرج أحدهما كشّافاً ، ووجّهه نحو الغابة المظلمة .. وما أن لمح دخان المدفأة من بعيد ! حتى طلب من زميله إيقاف السيارة ، والذهاب مشيّاً الى هناك 

ليجدا منزلاُ صغيراً يُشبه كوخ الصيادين ! وعلى بابه عبارة :

((نصيحة : لا تفتحوا الباب))


فقام أحدهما بكسره بقدمه بعنف ، ليُصعق بعد قتله المُختطفة بطلقٍ ناري من بندقية ، رُبط زنادها بالباب الذي كُسر ! وبسبب تهوّره ، إستقرّت الرصاصة برأس جاكلين المفقودة منذ ايام ..

***


بعد التحقيق بالحادثة ، علموا إن المُختطف اراد استدراج الشرطة لتوريطهم بقتل جاكلين التي كانت حيّة قبل كسر الشرطي للباب ، كما أثبت الطبّ الشرعي ! 

وشكّك المحقّق بأن المختطف هو نفسه صاحب المكالمة المجهولة الذي دلّهم على الغابة ، لكنهم لم يستطيعوا تتبّعه بعد تخلّصه من الجوّال الذي يبدو انه اشتراه لإجراء تلك المكالمة فقط !

***


لاحقاً تعاطف اهل مدينة جاكلين مع زوجها واولادها الثلاثة ، وحضروا جنازتها وجلسة العزاء والتأبين ..


بعد شهرين على وفاتها .. وافقت شركة التأمين أخيراً على إعطاء المبلغ كاملاً للزوج الذي استطاع تمثيل حزنه جيداً امام الجميع ، وبعد حصولهم على شهادة الجيران والأقارب الذين أكّدوا حبه الكبير لزوجته !

***


بعد اسبوع .. دخل الزوج الى مكتب المحامي ، لإعطائه حقيبة صغيرة فيها الربع مليون الذي سحبهم من البنك هذا الصباح .. قائلاً له : 

- هذا المبلغ الذي اتفقنا عليه .. هل مسحت المكالمة السابقة بيننا؟ 

المحامي : بالطبع فعلت ، فتلك المكالمة تورّطني بالجريمة 

- هل تخبرني كيف أتممّت المهمّة بهذه البراعة ؟!


((فأخبره المحامي انه في تلك الليلة عاد للفندق ومعه طعام لجاكلين ، دسّ فيه مخدّراً قويّاً .. ثم اختطفها الى منزله ، وأخفاها في العلّية لإسبوع .. وخلال ذلك الوقت ، أرسل فتاةً لعوب الى زوج طليقته لاستدراجه الى كوخ الصيادين .. وبعد أن طبع بصماته في كل مكان ، خرج من الغابة بعد قضائه اياماً مع تلك الفتاة التي علّمها على استخدام بندقيتها الجديدة (التي اشتراها لها المحامي) والتي أخفتها تحت السرير ، ليستخدمها المحامي كسلاح الجريمة.. 

وبعد ذهابهما ، خدّر المحامي جاكلين ثانيةً .. ووضعها على الكرسي المواجه للباب الكوخ ، بعد تجهيز طريقة موتها .. 

وبعد خروجه من الكوخ ، كتب العبارات على لوحات الطرق .. ثم اتصل بالشرطة لتوريطهم بالجريمة !))


الزوج : اذاً أنت المتصل الذي اختلق موضوع سائق الشاحنة ؟! 

- نعم ، فهمّي كان توريط زوج طليقتي بعملية الإختطاف 

- ولما لم تخبرني الشرطة بوجود مشتبهٍ به ؟! 

- لأنه محامي بارع ، ومازال لليوم يدافع عن نفسه 


الزوج باستغراب : إذاً طليقتك تزوجت محامياً ثانياً ؟!

المحامي بقهر : كان صديقي المقرّب ، وهو من أقنع زوجتي بتطليقي وأخذ نصف املاكي .. ثم دعاني الوقح لعرسهما ! لهذا اردّت معاقبته على خيانته صداقتنا 

- يعني ضربت عصفورين بحجرٍ واحد ! يالك من ماكر .. وهآ انت بمال التأمين ستكمل ثمن فلّتك .. بعد استردادي محل والدي من دائني القديم 


المحامي : أتدري كم نحن محظوظين لكسبنا من شركة التأمين البارعة بالمماطلة ، والتي عادةً ما ينجح محاميها بعدم دفع المستحقّات للعملاء .. لكن بعد تورّط الشرطة بمقتل جاكلين ، لم يعد بإمكانهم الرفض 

الزوج ساخراً : المسكينة جاكلين ، هربت مني للإحتماء بسيارة ابليس !

- هذا من حسن حظّك 

وابتسما بخبث ! 


السبت، 8 يناير 2022

الرحلة المخيفة

تأليف : امل شانوحة 

مترو الجن


يوم افتتاح مترو الأنفاق ، لم يحضر سوى عشرين راكباً ممّن شكّك بالإشاعة : بأن نفق القطار يمرّ في منتصف جبل الجن الفاصل بين الولايتين الأمريكتين .. حيث يتواجد الجبل الضخم وسط صحراءٍ قاحلة .. والذي عرفه الهنود الحمر بمسكن الجن والشياطين ، فكل من حاول تسلّقه : إما اختفى او وُجدت اشلائه متناثرة اسفل الجبل !


ورغم الحوادث العديدة التي حصلت للعمّال اثناء حفرهم النفق مع بداية مشروع سكّة الحديد ، إلاّ أن اعداد الموتى والمفقودين ظلّ مخفيّاً عن الإعلام ، بأوامر من رئيس الحكومة الذي وعد كلا الولايتين بإنشائه القطار السريع لضمان انتخابهم له في ولايته الثانية 


ورغم ضخامة الإعلان عن بدء الرحلات بنصف ثمن التذكرة ، إلاّ أن معظم سكّان الولايتين فضّل إنتظار نجاح الرحلة الأولى قبل المغامرة بركوب المترو المشكوك بأمره !

***


ورغم وجود عشر مركبات للقطار ، لكن الركّاب العشرين حشروا أنفسهم في مقطورةٍ واحدة ، رغبةً في البقاء معاً أثناء مرورهم داخل جبل الجن المخيف ..محاولين الإنشغال بجوّالاتهم ، كلما اقتربوا من النفق المرعب ! 


وكان من بين الركّاب ولدٌ في العاشرة ، وثلاثة نسّوة وعجوزان ..والبقيّة من الشباب .. وثلاثة من الرجال بأوشامهم المخيفة ، وهيئتهم التي تشبه عبّاد الشياطين ! وكانوا الوحيدين المتحمّسين لرؤية الجبل من الداخل .. بعكس بقيّة الركّاب الذين ابتهلوا الى ربهم بصمت ، لمرور الرحلة بسلام .. إلاّ أن هذا لم يحصل ، بعد صراخ الصغير الذي يضع نظّارته الإلكترونيّة (التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء ، هدية عيد ميلاده) والذي صار يلّوح بيديه برعبٍ شديد فور دخولهم النفق وكأنه يحاول إبعاد شيءٌ عنه ، وسط قلق الركّاب الذين لم يفهموا ما رآه !


وعلى الفور !! أزالت امه النظّارة عن وجهه ورمتها أرضاً ، لتحضنه وهو يبكي بخوف :

- امي ! هم في كل مكان ، ويتحضّرون للهجوم علينا !!


وفجأة ! تلاعبت الأنوار داخل المقصورة ، مع ارتفاع صرخات النساء.. وسرعان ما توقف القطار وسط النفق ! لتنطفأ الأنوار ، وتُضاء اضواء الطوارىء الخافتة 


فأسرع شابٌ عربي (أحمد) بالتقاط نظّارة الأشعة الحمراء ، لرؤية ما شاهده الصبي ! وقد ارعبه وجود عشرات الكائنات الغريبة وهي تطفو داخل القطار ، وهي تنتظر عودة قائدها من مقطورة السائق 

 

فعرف أحمد إن الجنّ استولت على القطار ، حيث شعر الركّاب بإرواحهم الثقيلة وهي تحوم حولهم ، فانتابتهم القشعريرة المرعبة !

وحين رأى أحمد قائد الجن يخترق بوّابة مقصورتهم ، رفع صوته بتلاوة القرآن .. ليسمع الركّاب صراخ الجن الذي تضاعف صداه داخل النفق ، حتى ضجّت بها اركان القطار .. وكان صراخهم حادّاً ومزعجاً ، جعلت الركّاب يغلقون أذانهم بقوةٍ وخوف ! 


وهنا اقترب قائد الجن من وجه أحمد (الوحيد الذي رآه بشكله الحقيقي بالنظّارة) وهو يأمره :

- توقف حالاً !! وإلاّ سأقتلكم الواحد تلوّ الآخر

أحمد بتحدّي : انا لا اخاف إلاّ من خالقي ، ولن أتوقف عن القراءة قبل الظهور لنا وإخبارنا عمّا تريدونه 

القائد : إن ظهرنا للركّاب بشكلنا الحقيقي ، سيموتون من الرعب

أحمد : اذاً تشبّهوا بنا 


وهنا عادت الأنوار من جديد .. مع ظهور اشكالٍ بشريّة شاحبة الوجه ، كأنها خرجت من مقبرة ! والتي طفت مباشرةً امام الركّاب الذين فقد بعضهم وعيّه ، بينما ارتجف البقيّة دون قدرتهم على مغادرة كراسيهم من شدّة الخوف .. 

فيما عدا الرجال الثلاثة الذين سجدوا لقائد الجن ، وهم يترجّونه أن يأخذهم لرؤية ابليس


القائد باستغراب : إبليس مرةً واحدة ! 

أحد عبّاد الشياطين : نعم سيدي !! نحن نعبده منذ سنوات ، وركبنا القطار على أمل رؤيته

القائد : ابليس لا يترك مملكته بهذه السهولة ، وحتماً لن يفعل لرؤيتكم ايها الحثالة 

صديقه : اذاً خدنا اليه ، رجاءً 

صديقه الثاني : نعم ، سنفعل أيّ شيء لإرضائه 

القائد : حسناً ، هذا قراركم


وأشار بعصاه نحو الرجال الثلاثة (عبّاد الشياطين) ليتحوّلوا لظلالٍ سوداء ! ثم أمر مساعده بإنزالهم لباطن الأرض لرؤية عالمهم .. 

فلحقت الظلال ، مساعده الى خارج النافذة .. ثم اخترقوا سويّاً جدران النفق ، واختفوا تماماً ! 


فقال قائد الجن للركّاب : الأغبياء ، يظنون إن ابليس سيفرح برؤية الخونة من ذريّة آدم

أحمد : خونة !

- بالطبع !! الم يخونوكم باتباعهم لعدوّ والدكم آدم ؟ 

أحمد : وماذا سيحصل لهم ؟ 

القائد : الأمر يعود لزعيمنا إبليس : إمّا أن يستغلّ غبائهم في مهمّاتٍ ضدّكم ، او يتحولوا لقرابين في حفلات نسائه ، وهو الأرجح .. المهم لنكمل عملنا 


فسأله العجوز بقلق : وماذا تريد منا ؟

القائد بغيظ : جميعكم مخطئون لعدم إعتراضكم على مشروع المترو.. فرغم وجود هذه الصحراء الشاسعة ليمرّ قطاركم فيه ، إلاّ أن رئيسكم الغبي أصرّ على اختراقه مدينتنا !

العجوز : وهل اخترقها القطار بالفعل ؟ 

القائد : أنظروا بأنفسكم !!


فنظر الركّاب من النوافذ ، وهذه المرة لم يروا الظلام في النفق .. بل رأوا انوار منازل الجن المُتهدّم أجزاءً منها ، بعد قطع السكّة الحديديّة مدينتهم لنصفين !

القائد : ارأيتم ماذا فعلتم بمدينتي المبنيّة منذ ملايين السنين !!

إمرأة : كل ما اردناه هو الوصول للولاية الثانية بوقتٍ قصير

فاقترب منها وهو يقول بلؤم : ما رأيك أن أوصلك لعالم الأرواح بوقتٍ أقصر ؟

المرأة بخوف : آسفة ! لم أقصد شيئاً

- لا تسمعيني صوتك يا امرأة .. وانت يا أحمد !! إيّاك قراءة القرآن ثانيةً ، فأنت تؤذي شعبي

أحمد : اذاً دعنا نمرّ في النفق بسلام


القائد غاضباً : على جثتي !!

أحمد : لماذا ؟! 

القائد : لأنه لوّ مرّت رحلتكم على خير ، فلن نرتاح من صوت القطار وهو يهزّ عالمنا كل ساعة .. لهذا قرّرت قتلكم لتكونوا عبرة للجميع !! وحينها يفشل المشروع ، وأستعيد الأمان لمدينتي 

أحمد : وكيف ستقتلنا وانتم اطياف بالنسبة لنا ؟

القائد : سنُسقط الأحجار الثقيلة فوق القطار ، لحين تدميره بالكامل!!

أحمد : وهل تظن الحكومة ستوقف مشروعاً كلّفها ملايين الدولارات بسب حادثة قطارٍ واحدة ؟

القائد بقلق : ماذا تقصد ؟

أحمد : سيتحججّ المسؤولون في الإعلام عن مشاكل طفيفة بالسكّة الحديد او بجدران النفق ، وسيفتتحون رحلات جديدة بعد إنهاء إصلاحاتهم الوهميّة 


القائد بحزم : اذاً سندمّر جميع القطارات !!

أحمد : أظن الأمر مُنهك لشعبك .. هناك حلٌ أسهل بكثير

القائد باهتمام : وماهو ؟

أحمد : أن تدعنا نمرّ بسلام .. ثم يقوم كل واحدٍ منّا بكتابة تجربته بوسائل التواصل الإجتماعي ، لتأكيد الإشاعة المنتشرة سابقاً بين الناس .. فيخاف الجميع من إستخدام المترو المسكون .. وبذلك يفشل المشروع ، وتضّطر الحكومة لتغير طريق القطار

القائد بلؤم : وماذا لوّ أصرّيت على قتلكم ؟

فرفع أحمد جوّاله في وجه القائد مُهدّداً :

- حينها أسمعك سورة البقرة كاملة ، لتراقب موت شعبك امام عينيك


فأشار قائد الجن بعصاه على جوّال أحمد ، ليسقط من يده ويتحطّم لقطعٍ صغيرة !

القائد : أرني كيف ستسمعني القرآن الآن 

أحمد : انا مسلم وأحفظ العديد من السور ، وسأظلّ أردّدها حتى أحرق اولادك ونسائك

القائد بعصبية : لن تجرأ عل ذلك !!


فإذّ بأحمد يرفع صوته بالآذان ، فترجّت نساء الجن قائدها بالوصول لاتفاقٍ معه قبل موت ابنائهنّ..

القائد وهو يغلق أذنيه : إصمت يا ولد !!

أحمد : هل ستدعنا نكمل رحلتنا بأمان ؟


وقبل أن يجيبه ، أشار ابن قائد الجن الصغير الى الولد البشريّ وهو يقول:

- ابي !! هذا الولد لديه برامج جميلة بجوّاله ، واريد اللعب معه .. كما سأريه تنّيني الصغير 

الولد البشري بدهشة : هل لديك تنّين حقيقي ؟!

الولد الجني : نعم !! لدينا العديد من الحيوانات الخاصة بنا ، ونحن نرعاها تحت الجبل .. أتريد رؤيتها ؟ 


وهنا قال قائد الجن :

- فكرةٌ جميلة !.. حسناً قرّرت أخذكم جميعاً الى عالمنا .. وعندما يصل السائق الى المحطة التالية دون ركّاب ، سيضجّ اعلامكم بخبر إختطافكم من الجن ، ويضغط اهاليكم على الحكومة لوقف جميع الرحلات المشؤومة

أحمد : ومن سيخبرهم إن الجن اختطفونا ؟ ماذا لوّ اتهموا السائق برمينا من القطار ، لتعزيز الإشاعة القديمة ؟ خاصة إن مركز مراقبة الرحلات يعلمون بتوقفنا في منتصف النفق  

القائد بعصبية : لما تُفسد متعتي ايها العربيّ ؟!! 

أحمد : انا فقط أفهمك طريقة تفكير البشر


فسكت قائد الجن قليلاً ، قبل أن يقول لأحمد :

- حسناً إذاً .. سأخطف الجميع من دونك ، وستكون مهمّتك إخبار الناس بالإنترنت عمّا حصل .. وإن لم تفعل !! ستنهال عليك الكوابيس ، الى أن تصاب بالجنون او تتعرّض لاكتئابٍ شديد يقودك للإنتحار 

فقال شاب من آخر المقطورة : هذا ظلم !! لما تترك العربيّ وشأنه ، ونقع جميعنا في الأسر ؟

القائد : هل تحفظ القرآن ؟

الشاب : لا ، انا ملحد


القائد : اذاً لا خوف منك على قبيلتي .. أمّا هذا المسلم ، فسيظلّ يهدّدني بالسور التي يحفظها ، وليس من صالحي أخذه الى عالمي .. (ثم نادى) ..ايها الجنود !! إخطفوا جميع الركّاب  

أحمد : ماذا ستفعل بهم ؟

القائد : سيبقون عبيداً عندي ، الى أن اختار طريقة عودتهم .. ولا اظنهم سيعودون بكامل عقلهم .. هذا إن لم يخترهم ابليس كأطباق رئيسيّة لمأدبته ، كما سيحصل قريباً مع عبّاد الشياطين الأغبياء .. هيا يا ابنائي !! خذوهم الى عالمنا 


فهجم الجن على الركّاب الذين ظلّوا يصرخون ، قبل إختفائهم من القطار ! ولم يبقى في المقطورة سوى أحمد وقائد الجن الذي قال له:

- لا تنسى ما اتفقنا عليه ، إخبر العالم بما حصل وإلاّ ستندم على تلاعبك بقراري .. (ثم اقترب منه مهدّداً) .. معك محاولةً واحدة ، وبعدها أدمّر جميع الرحلات !!

أحمد : سأفعل إن تحرّك القطار من جديد

- لا تقلق ، سأوقظ السائق الآن


وانطلق القائد بسرعة باتجاه المقطورة الرئيسيّة ، ووضع عصاه على رأس السائق الذي استعاد وعيه ، ليجد القطار متوقفاً في منتصف النفق ! فأدار المحرّك دون تذكّره ما حصل ، ودون علمه بنقله لراكبٍ واحدٍ فقط  

***


فور وصول القطار الى المحطة الثانية بالولاية المجاورة التي امتلأت بالمسافرين ووسائل الأعلام الذين صُعقوا بنزول أحمد وحده من القطار ! 

فلحقه المذيع وهو يسأله :

- سمعنا إن هناك اكثر من 20 مسافراً ، فأين ذهبوا ؟! 


فأخبرهم أحمد بما حصل .. فسخر المتواجدون بالمحطة من كلامه ، وبدأوا بركوب القطار فور استبدال السائقيّن ، للعودة للمحطة السابقة 

فحاول أحمد إيقافهم ، قائلاً بعلوّ صوته :

- ألم تكونوا متردّدين من ركوب القطار بسبب جبل الجن ؟ وهآ انا أؤكّد إن الإشاعة صحيحة ، وبأنهم اختطفوا 19 راكباً الى عالمهم .. عليكم مقاطعة المترو ، لإجبار الحكومة على إغلاق المحطّة !! 


فقام راكبٌ ضخم ، برميّ أحمد ارضاً (بعد محاولته منعهم من دخول المقصورات) ليتابع مع بقيّة المسافرين الركوب فيه ! 

وآخر ما قاله المذيع قبل إنهاء البثّ المباشر  : 

- يبدو لدى الراكب أحمد مُخيّلة واسعة ! أمّا عن ركّاب الرحلة الأولى ، فسنعرف إن كانوا نزلوا من القطار قبل إكماله رحلته ام لا.. تابعونا بنشرتنا القادمة 


فابتعد أحمد عنهم وهو مغتاظ من تصرّفهم الغير مسؤول ، وقال في نفسه: 

((إن كنت تسمعني يا قائد الجن .. حاولت منعهم من إزعاج مدينتك ، فلا تلمني على حماقتهم))


وقبل خروجه من المحطّة ، سمع صوت ارتطامٍ هائل ! 

فعلم أحمد بانتقام رئيس الجن وقتله جميع الركّاب داخل النفق المرعب ..

***


بعد سنة .. إستيقظ أحمد وهو يتصبّب عرقاً ، بعد رؤيته كابوساً وهو عالقٌ وحده بالنفق المظلم !

وما أن نهض من سريره ليلاً لشرب الماء ، حتى ارتعب برؤية قائد الجن مع زوجته ، ومئة جني آخرين يطوفون في منزله !


فصرخ أحمد مرتجفاً : ماذا تريد مني !! قمت بدوري ونشرت تجربتي مراراً بالإنترنت .. ولم يأخذوا كلامي محمل الجدّ ، إلاّ بعد وقوع الكثير من حوادث تحطّم القطارات في النفق .. وهاهو المشروع توقّف اخيراً بعد تشاؤم الناس منه ، فلما أنتم هنا ؟!

القائد : الم تسمع آخر الأنباء ؟ .. (ثم تنهّد بضيق) .. بعد فشل مشروع القطار ، خسر رئيس البلاد ترشيحه لولايةٍ ثانية ! فصبّ غضبه على جبلنا ، ودفع من ماله الخاص لتفجيره بالديناميت 

أحمد بدهشة : لم أعرف هذا ! 

القائد : لأنه منع الصحافة من نشر الخبر 


أحمد : وهل أصبحتم بلا مأوى ؟ 

القائد : مات الآلاف من شعبي تحت الأنقاض ، وكذلك الأسرى البشريين .. ولم أستطع إنقاذ سوى مئة من ابنائي .. وعليك مساعدتي بإيجاد منازل جديدة لهم 

أحمد : وكيف أفعل ذلك ؟!

القائد : تدلّنا على اماكن مهجورة في مدينتك والمدن المجاورة .. وكل ولدٍ لي يجلس مع زوجته وابنائه في منزلٍ بمفرده.. يعني نحتاج تقريباً لأربعين منزلاً مهجوراً  

- 40 ! هذه مهمّة مستحيلة

- الأمر ليس بهذه الصعوبة مع وجود الإنترنت .. هيا قمّ الى جهازك وابدأ البحث فوراً ، وإلّا سأجبرك على حفر نفقٍ عميق بمفردك 

أحمد : لا ، إيجاد الأماكن المهجورة اسهل بكثير 


القائد : ممتاز !! واريدك أن تجد لي ولزوجتي الجديدة قصراً مهجوراً ، فأنا والدهم ويجب أن يكون منزلي الأفخم بينهم..  

أحمد : وماذا ستفعلون لحين إنهائي المهمّة ؟

- سنبقى في بيتك ، فلا مكان آخر نذهب اليه.. وإيّاك التفكير بتشغيل القرآن ، وإلاّ سأؤذي جميع أحبّائك ، مفهوم !! 


ثم قام القائد بتوزيع 100 جنّي في ارجاء الشقة الصغيرة .. حيث نام بعضهم في زوايا السقف ، وتكدّس الأطفال في الحمام ، والنساء في المطبخ .. 

بينما انشغل أحمد طوال الليل بالبحث في الإنترنت عن أقرب الأماكن المهجورة لإرسالهم اليها..

 

وبعد ارتفاع شخيرهم المرعب بزوايا المنزل ، تنهّد أحمد بضيق :

((يالا هذه الورطة اللعينة !))


المسابقة الدمويّة

تأليف : امل شانوحة  رهان الأثرياء إستيقظت جاكلين على سريرٍ في غرفةٍ ضيّقة ! محاولةً تذكّر اين كانت قبل تواجدها في هذه الغرفة الكئيبة بجدرانه...