تأليف : امل شانوحة
القاتل المأجور
في العاشرة صباحاً .. استيقظت الصبية وهي تشعر بالدوّار ، داخل كهفٍ بارد !
وحين رفعت رأسها ، رأت رجلاً غريباً يوجّه مسدسه نحوها !
فصرخت بعلوّ صوتها ، طالبةً النجدة .. وهي تركض باتجاه مدخل الكهف
لتتجمّد عند الحافّة ، بعد اكتشافها بأنهما أعلى الجبل !
لتسمعه يقول :
- الى أين ستذهبين ؟ نحن في مكانٍ معزول .. ومهما صرختِ ، لن يسمعك أحد.
فبدأت تبكي وهي تتوسّل إليه:
- لا تقتلني رجاءً !!
- كفّي عن البكاء.. أنا مجرّد قاتلٌ مأجور.. وعليّ إنهاء مهمّتي ، للحصول على بقيّة اجرتي من موكّلي
فسألته بدهشة : موكّلك ! يعني هناك من دفع المال لقتلي ؟!
فأمأ برأسه ايجاباً..
- ومن هو ؟ اريد معرفته قبل موتي
- أخشى أن تُصابي بصدمة.
فصرخت بعصبية :
- وهل تهمّك نفسيّتي ، وأنا على وشك الموت؟!
- معك حق.
واقترب من وجهها ، قائلاً ببرود :
- أخوك.
اتسعت عيناها بذهول :
- ولماذا يستأجر أخي الوحيد رجلاً لقتلي؟!
- لأنك أقمتِ علاقةً مُحرّمة مع ..
فقاطعته غاضبة :
- اسكت !!! أنا أشرف منك ومن أخي!! وأقسم أنني لم أتحدّث مع رجل ٍغريب طوال حياتي !
فاستفسر باستغراب :
- ولماذا يعتقد أخوك أنك شوهتِ سمعة العائلة؟!
فتنهّدت بضيق :
- لأنه يطمع بالحصول على كل شيء! فهو لم يكفه نكران نصيبي من الشركة بعد وفاة اهلنا ، بل يحاول الإستيلاء على منزل والدايّ القديم الذي اعيش فيه ! بينما يمتلك فيلا بالمدينة ، ومنزلاً فخماً على الساحل
فالتزم القاتل الصمت .. بينما اكملت كلامها وهي تبكي :
- احلف أنني بريئة.. أمضيت حياتي في خدمة والديّ ، ولم أخرج من البيت الا لعملي التطوّعي في روضة الأطفال.. فهل تصدّقني ، ام مازلت تنوي قتلي ؟
وكان على وشك اجابتها ، قبل ان يرنّ جواله .. فأدار ظهره ، بعد انشغاله بالمكالمة
فأسرعت بحمل حجرٍ كبير ، وضربه على مؤخرة رأسه .. أفقدته الوعيّ !
ثم خرجت من الكهف وهي تهبط الجبل بصعوبة ، حتى وصلت لأسفله.
وهناك رأت سيارته التي لم تتردّد في تحطيم نافذتها .. وبعدها حاولت تشغيلها بالأسلاك الموجودة اسفل المقود (كما شاهدت بالأفلام)...
لكنها فشلت دون مفتاح ، فخافت من استيقاظه ولحاقه بها من جديد .. فتابعت الركض باتجاه الطريق العام الذي رأته من بعيد !
^^^
بعد ساعة من المشي المتواصل ، والإنتظار بجانب شارعٍ طويل خالي من السيارات .. توقفت شاحنة امامها .. وأخرج السائق رأسه من النافذة ، وهو يسألها باستغراب :
- ماذا تفعلين وحدك بهذه المنطقة المقطوعة؟!
- أرجوك أنقذني ، هناك رجلاً يلاحقني... أوصلني معك إلى المدينة
- اذاً اصعدي فوراً.
^^^
بعد أقل من نصف ساعة ، بدأ السائق يبتسم لها بطريقةٍ مريبة ! قبل تجرّئه على لمس فخذها.
فصفعته بقوة :
- عيبٌ عليك ان تستغلّ وحدتي وخوفي ، ألا تملك ذرّة شهامة؟!!
فردّ الرجل بلؤم :
- سأكون غبياً ان ضيّعت فرصة وجود فتاةٍ جميلة لوحدها ، دون من يحميها من اطماع الرجال
وما ان أوقف شاحنته للهجوم عليها ، حتى قفزت برعب إلى الخارج.
لتنصدم باقتراب سيارة القاتل منهما (بنافذته المحطّمة) !
حيث رآها تصرخ ، وهي تشير للسائق الذي نزل من شاحنته :
- ساعدني ارجوك !! لقد حاول التحرّش بي!
وعلى الفور !! انقضّ القاتل بلكماتٍ عنيفة على السائق ، أفقدته الوعيّ .. وبعدها جرّ جسده الثقيل ، وألقاه فوق رمال الصحراء..
ثم التفت إليها بحزم:
- إصعدي الى سيارتي فوراً !!
فتراجعت للخلف مذعورة.
- لا ! انت ستقتلني
- لوّ كنت أريد قتلك ، لما أنقذتك الآن.
- انا لا أثق بك.
فردّ بعصبية : إذاً ابقي هنا ، حتى يستيقظ البدين القذر .. او اوقفي شاحنةً اخرى ، يكون سائقها أنجس منه !!
فسألته بتردّد :
- هل ستعيدني الى الكهف ؟
- بل الى مطعم المدينة
- اذاً انت من وضعت المنوّم في قهوتي ، قبل ذهابي الى العمل ؟
القاتل : نعم ، تنكّرت كنادل .. ثم اسندتك بعد شعورك بالدوار .. وبعدها أخرجتك من الباب الخلفي للمطبخ.. والآن دعينا نعود للمدينة ، قبل استيقاظ الملعون (واشار للسائق المُغمى عليه)
فصعدت مُجبرة الى سيارته ، للإبتعاد عن المنطقة المقطوعة ..
^^^
في الطريق .. طلب منها تضميد جرح رأسه ، باستخدام حقيبة الإسعافات الصغيرة الموجودة بالدرج الأمامي لسيارته
وبعد قيامها بلفّ الشاشّ حول رأسه المصاب ، بينما يتابع هو القيادة .. قال لها :
- اوشكتي على قتلي
- لوّ كنت مكاني ، لفعلت الشيء ذاته .. هل مازلت تتألّم ؟
- اشعر ببعض الدوار .. المهم أجيبيني صدقاً ، الم يكن لديك حبيب طوال حياتك ؟!
فنظرت إليه بحدّة :
- كم مرة عليّ إخبارك ، بأنني لا اهتم بالأمور العاطفية..
مقاطعاً : حسناً فهمت ... اهدئي قليلاً !
وبعد دقائق من الصمت ، سألته :
- ماذا ستفعل مع أخي؟ فهو حتماً سيطلب دليلاً على موتي.. كرأسي المقطوع مثلاً
فانفجر ضاحكاً :
- يبدو انك شاهدت الكثير من الأفلام التاريخية .. لا ، هو يريدني ان أصوّر جثتك فقط .. وسأحاول ارسال الفيديو له قريباً
وما إن قال ذلك ! حتى فتحت باب السيارة .. ليسارع بمسك ذراعها بقوة ، قبل ثوانٍ من قفزها:
- أجننتِ ؟!! ستموتين على الأسفلت ، وأنا أقود بهذه السرعة!
- سيكون أفضل من مقتلي بمسدسك!
- يا غبية !! سأصوّر فيديو يوحي بقتلك ، ثم أرسله إلى أخيك.. مع تسجيل حواري الأخير معه ، ليكون دليلاً ضدّه .. فإن اكتشف يوماً نجاتك ، وفكّر بأذيّتك ثانيةً .. أهدّد بإرسال التسجيل للشرطة
فسألته بقلق : الا تخاف خسارة بقية أجرتك ؟
- يبقى اهون من قتلي انسانةً بريئة
- هذه اول مرة أرى قاتلاً مأجوراً لديه مبادئ !
- لا يمكنك وصفي بالقاتل ، خصوصاً بعد فشلي بمهمّتي الأولى
- واضح فعلاً انها مهمّتك الأولى
- ماذا تقصدين ؟
- لأنه كان بإمكانك التخلّص مني في زقاقٍ قريب من المطعم ، بدل حملي الى كهفٍ بأعلى الجبل !
- أمضيت الطريق كلّه ، وانا متردّد بقتلك.. فملامحك البريئة شكّكتني بالإتهام الباطل لأخيك.. لهذا استمرّيت بالقيادة شارداً ، الى ان وصلت لتلك المنطقة المقطوعة.. وزيادة في الحرص ، حملتك لداخل الكهف
- طالما لديك ضميرٌ حيّ ، فلما تورّطت بهذا العمل القذر ؟
فأخبرها عن عمه الذي تكفّل به ، بعد وفاة والديه .. والذي درّبه على عالم العصابات
- كنت ارفض توسيخ يدايّ بالدماء .. لكن بعد ان أخبرني أخوك أنك جلبتِ العار لعائلته .. رأيت انه لا بأس من قتل سافلة ، وإراحة الدنيا من ذنوبها
- يعني صدّقتني في الكهف ، حين اخبرتك ببراءتي ؟!
- بل شكّكت في الموضوع حتى قبل ان اراك .. فعندما كنت في مكتب أخيك ، نتناقش في تفاصيل الجريمة .. دخل الساعي العجوز لتقديم القهوة..
مقاطعة : نعم اعرفه ، هو رجلٌ طيبٌ جداً
- وبّخه أخوك بقسوة ، لتضيفي دون إذنه .. وهدّده بخصم ثمن القهوة من راتبه!
- أخي بخيلٌ منذ طفولته.
- عندها فكّرت : رجلٌ يحاسب موظفاً مسنّاً على ثمن فنجان قهوة ، هل سيكون حريصاً لهذه الدرجة على سمعة عائلته؟
- للأسف .. دلال والدايّ ، أفسده تماماً
- اذاً ما رأيك لوّ أقتله ، ونتقاسم الشركة بيننا ؟
- لا !! مستحيل ان اؤذي اخي ، حتى لوّ خطّط هو لموتي .. فهذا ذنبه وليس ذنبي.
فابتسم لها :
- أتدرين ؟ .. بدأت أحب طريقة تفكيرك.
وقبل ان تجيبه ، إنفجر اطار سيارته !
^^^
واضّطرا للإنتظار طويلاً ، الى ان توقفت لهما إحدى الشاحنات
فجلس القاتل بجانب السائق ، بينما جلست هي مُلاصقة للباب
ومع طول الطريق ، غلبها النوم.. ودون وعيٍّ منها ، أسندت رأسها على صدره !
فلم يتحرّك القاتل ، خوفاً من استيقاظها .. واكتفى بمراقبة وجهها البريء ، وهو يلوم نفسه:
((كيف أقنعت نفسي بأن هذه الطفلة تستحق الموت ؟!))
وقطع افكاره ، صوت السائق العجوز :
- يبدو أنك تحب زوجتك كثيراً.. فأنت تراقبها دون ان ترمش عينيك ! كم مضى على زواجكما؟
فأجابه بابتسامة :
- مازلنا عرسان جدّد
العجوز : واضحٌ جداً.. أتمنى أن يدوم حبكما طويلاً.
وقد أشعل دعاء العجوز مخيّلته ، وهو يتصوّرها بثوب الزفاف.. لكنه استعاد وعيه سريعاً :
((بالطبع لن تقبل الإرتباط برجلٍ ، خطّط لإنهاء حياتها !))
^^^
عندما وصلا إلى المدينة مساءً ، أصرّ على بقائها في شقته.
- أن علم اخوك بعودتك سالمة الى بيتك ، قد يستأجر شخصاً آخر لقتلك.
فوافقت مُضّطرة.
^^^
وفي الشقة ، سألته:
- هل أنت متأكد أن عمك لا يعرف هذا المكان؟
- اشتريته من عملي السابق.. فأنا مصمّم جرافيك ، فهو تخصّصي الجامعي.
- إذاً لماذا لم تُكمل بعملك الذي تحبه ؟
- لأنه قلّ كثيراً بعد الذكاء الإصطناعي
- يمكنك العمل في تصميم الألعاب مثلاً.
- لم يخطر ببالي هذا الموضوع من قبل ! هل لديكِ افكار بهذا الشأن ؟
فوضعت يدها على معدتها :
- نتحدّث عنه اثناء العشاء ، فأنا أتضوّر جوعاً
- لديّ بعض المعلّبات
- يبقى أفضل من لا شيء
***
في اليوم التالي ، اصطحبها إلى مستودعٍ مهجور.
وهناك أطلق عليها رصاصةً فارغة ، لتسقط ببركة من دمائها المزيفة التي صمّمها بواسطة خبرته في التصميم
^^^
وبعد عودتها الى شقته .. شاهدت الفيديو ، وهي تقول بدهشة:
- يا الهي ! انه مقنعٌ جداً
- يبدو كلامك صحيح ، يمكن للذكاء الإصطناعي ان يطوّر مستقبلي .. (ثم رفع جواله).. على فكرة ، اتصل أخوك قبل قليل .. ويريد مقابلتي الليلة.
- رجاءً كن حذراً
- وانت لا تخرجي من شقتي ، حتى اعود
***
ثم ذهب إلى مكتب أخيها ، وهو يضع كاميرا خفيّة صغيرة في قبعته ..وكما توقع ! ماطل بدفع بقية اجرته ، بحجّة مشاكل مالية في الشركة
فوافق القاتل على تأجيل الموضوع ، وقاد سيارته مبتعداً عن الشركة
وبعدها ، ارسل للأخ حوارهما المُسجّل .. مع رسالة تهديد :
((التسجيل الذي سمعته ، هو دليل تورّطك بقتل اختك.. فإن لم تتنازل لي عن الشركة ، سأرسله الى الشرطة.. معك حتى صباح الغد ، لإعطائي الجواب النهائيّ))
***
في صباح اليوم التالي .. عُثر على الأخ منتحراً في مكتبه ، بعد جرعةٍ زائدة من المهدّئات !
وبعد العزاء ، استلمت شقيقته ادارة الشركة.. بينما غادر القاتل الى المدينة المجاورة ..لمتابعة عمله بتصميم الألعاب الإلكترونية ، بعد ان ساعدته بمكافئةٍ مالية ضخمة.
***
بعد خمس سنوات ، دخل مكتبها
فسألته بصدمة :
- أهذا انت ؟! الا تخاف أن يعلم عمك بعودتك ؟
فأخبرها بأن الشرطة ألقت القبض على العصابة ، وعلى عمه (الذي ظن بموته بعد فشله بمهمّته الأولى)
فردّت بارتياح :
- الحمد الله على نجاتك من شروره .. ماذا عن عملك؟
ابتسم بفخر.
- أصبحت اهم مصمّم جرافيك في المدينة ، خاصة بعد اتقاني التعامل مع الذكاء الإصطناعي... ماذا عنك ؟ كم طفلاً أنجبتي ؟
- ممّن ؟ لم اتزوج بعد
فسألها باستغراب :
- الم يتقدّم احد ، بعد ان ورثت الشركة ؟!
- بل تقدّم الكثيرون لأجل مالي ، لكني لم أجد شخصاً يحبني بصدق .. ماذا عنك ؟
- لم اتزوج ايضاً .. فأنا لم أنسى يوماً ، الفتاة التي نامت على صدري طوال مشوار الشاحنة.
فقالت بابتسامةٍ حزينة :
- غريب أنني شعرت بالأمان مع رجلٍ كان ينوي قتلي ، أكثر مما شعرت به مع أخي الوحيد !
فسكتا لبعض الوقت ، قبل ان يقول لها :
- لن انسى ابداً فضلك عليّ .. فأنت أنقذتني من أن أصبح قاتلاً حقيقياً.. والأسوء انني اكتشفت الحقيقة منذ وقتٍ قريب .. فعمي هو من أمر بقتل والدايّ ، للإستيلاء على مال العائلة لتطوير عصابته ..وعندما علم بنجاتي ، اضّطر امام الشرطة للتكفّل بي .. ليس لتربيتي ، بل لصنع مجرماً يخدم مصالحه.
- أعرف صعوبة ما مررّت به .. لكن رجاءً ، عليك نسيان الماضي.
فردّ بحزن : انا أحاول كل يوم .. صدقاً
ثم نظر إليها مطوّلاً ، قبل ان يقول بتردّد :
- سيكون الأمر أسهل لوّ كنتِ بجانبي.
ابتسمت :
- أهذا عرض زواج؟
- نعم ، وأعدك بالتزامي القوانين طوال حياتي .. وأن اكون زوجاً صالحاً .. وأن أربّي معك ابنائنا على القيّم الأخلاقية.. بعيداً عن عالم الجريمة الذي جمعنا بذلك اليوم
***
وبالفعل تزوجا وأنجبا ثلاثة ابناء ، كلما سألوهما عن قصة حبهما .. يكتفيان بالقول :
- جمعنا القدر داخل كهفٍ بالجبل
وأبقيا السرّ بينهما :
((بأن اليوم الذي خطفها فيه قاتلٌ مأجور ، كان اليوم الذي تغيّرت فيه حياتهما للأفضل !))






