تأليف : امل شانوحة
الخطيب الغيّور
دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :
- وأين اجرة مرافقك ؟
فاستغربت من كلامه ، لوجودها وحدها بالمقاعد الخلفية !
- أيّ مرافق؟!
فردّ السائق بعصبية :
- الشاب الأخرس الذي يجلس بجانبك .. الا يكفيني نظراته الغاضبة طوال الطريق ، وكأني أتحرّش بكِ ! هيا إدفعي أجرته ، ثم انزلا من سيارتي
فدفعت له المال مُجبرة.. ونزلت وهي تحمد ربها ان نجّاها من السائق المجنون !
لكنها لا تعلم ان ما حصل ، كان مجرّد البداية.
***
بعد أيام.. تعرّضت سلمى لسرقة حقيبتها من السوق ..
وكادت تصرخ مُستنجدة ، قبل ان تنصدم بعودة السارق وهو يعيد حقيبتها طواعيةً ! ونظراته مُثبّتة خلفها ، مُعتذراً بخوف :
- اعتذر سيدي .. لن اقترب منها مجدّداً
ثم لاذ بالفرار ..
فانصدمت سلمى لعدم وجود احدٍ خلفها !
***
واستمرّت الأحداث الغريبة مع كل رجلٍ حاول الإقتراب منها : فهو إمّا تعرّض لحادثٍ مأساويّ .. أو عانى من كوابيس متكرّرة ، جعلته يقطع علاقته بها.
وآخر خطيب ، سأله والدها عن سبب امتناعه عن إكمال مراسم الزواج ؟
فأجابه بضيق :
- الرجل الذي يرافق ابنتك على الدوام ، طاقته مزعجة ولا أستطيع مواجهته !
فظنّت سلمى أنهم جميعاً يختلقون اعذاراً لفسخ خطوبتها !
لكن الأمر أصبح مرعباً ، عندما اتفقوا جميعاً على وصف الرجل الغامض : بشابٍ طويل ، نظراته غاضبة للغاية ، ويلازم سلمى كظلّها !
***
في عصر ذلك اليوم ، مشت سلمى لوحدها على الشاطئ .. فلاحقتها امرأةً غجريّة ، وهي تصرّ على التحدّث معها
سلمى بعصبية : ليس معي المال ، يا امرأة !!
- انا لست شحاذة ، بل بصّارة محترفة .. واريد إنقاذك ممّن يلاحقك
فتلفّتت سلمى خلفها ، بخوف :
- عمّن تتحدثين ؟!
- انت لا ترينه ، لكنه لا يفارقك .. لهذا اريدك ان تجيبيني ، هل كنت متزوجة من قبل ؟
سلمى : كنت مخطوبة لإبن عمي الذي توفيّ بحادث سير قبل عرسنا بإسبوع
- ومتى حصل ذلك ؟
- قبل عامين
- ومن يومها امورك مُتعسّرة ؟
سلمى وهي تتذكّر الأحداث الغريبة التي حصلت معها :
- نعم !
البصاّرة : كما توقعت .. هل تصفينه بشديد الغيرة ؟
سلمى : كان يكرّر دائماً ، أنني زوجته دنيا وآخرة.. حتى انظري !!
وأخرجت من تحت قميصها عقداً ، مُعلّقاً فيه خاتم خطوبتها .. وأكملت كلامها بحزن :
- قبل وفاته بالمشفى ، طلب مني عدم نزعه من اصبعي طوال حياتي .. لكن بعد وفاته ، وضعته في هذا العقد... ويوماً ما سأعيده لأمه ، إن تزوّجت رجلاً آخر
البصّارة : هذا إن سمح لك بذلك
بقلق : ماذا تقصدين ؟!
- هناك بعض الروابط لا تنتهي بالموت ، خصوصاً إذا كان صاحبها يرفض نهايتها.. وأظنه سيخيف كل رجلٍ يقترب منك
وهنا تذكّرت سلمى مخاوف خطّابها السابقين .. فسألت البصّارة بقلق:
- وكيف سأتخلّص من روحه العنيدة ؟!
أجابتها العجوز:
- إذهبي إلى قبره وتحدّثي معه ، وحاولي إقناعه بتركك تتابعين حياتك بسلام .. والأفضل ان تكوني حازمة بهذا الموضوع
ثم عادت البصّارة الى خيمتها على الشاطئ ، دون شرح ما تعنيه !
***
نزلت سلمى من سيارة الأجرة ، بعد وصولها الى المقبرة قبل غروب الشمس
وبعد قراءتها الفاتحة امام قبر خطيبها السابق .. جلست تحادثه :
- اعرف أنك أحببتني منذ طفولتي ، لكني اعتبرتك دائماً أخي الكبير .. ومع ذلك وافقت على الزواج منك ، إرضاءً لعمي وعائلتي وليس عشقاً لك.. وبالنهاية القدر لم يُتمّم زواجنا.. فرجاءً دعني وشأني .. لا اريد البقاء وحيدة طوال حياتي .. ولا ارغب ان يتأذّى احد بسبب غيرتك الصعبة .. لهذا اتيت اليوم ، لدفن خاتمك في قبرك .. فأنا انوي الزواج قريباً
وبعد دفن الخاتم ، وقفت وهي تقول بحزم :
- هذه آخر مرة ازور قبرك .. الوداع يا ابن عمي
واستدارت لتغادر..لكنها شعرت بشيءٍ يُطبق على معصمها بقوة !
فالتفتت بفزع ، لترى أصابع عظميّة خارجة من القبر !
فحاولت سلمى الصراخ ، لكن الرعب شلّ لسانها.
وبينما كانت تحاول الإفلات ، سمعت صوت خطيبها .. وهذه المرة لم يكن حنوناً ، بل يشتعل غضباً :
- متى ستفهمين .. انك زوجتي دنيا وآخرة !!
***
مرّت الأيام و الشهور دون أثرٍ لسلمى التي اختفت من الوجود !
وغيابها المفاجئ ، أصاب والدها بأزمةٍ قلبية..
وبعد أيام من علاجه بالعناية المُشدّدة ، سلّم الروح
ولم يكن في المقبرة العائلية مكانٌ لدفنه.. فأخذوا إذن العم ، لدفنه بقبر ابنه الميت قبل سنتين ..
***
في ظهر ذلك اليوم .. وصل المشيّعون إلى القبر.
ليسمعوا حفّار القبور يناديهم ، لرؤية المشهد الغريب !
وصُدم الأقارب ، بعد رؤية جثة امرأة شبه مُتحلّلة داخل القبر .. لم يعرفوا من هي ، الى ان سمعوا صرخة اخيها :
- هذه سلمى !! تلك بقايا فستانها المفضّل !
اما جثتها : فلم تكن مُمدّدة بجانب الهيكل العظمي لخطيبها ، بل متكوّرة على نفسها في حضنه !
والشيء الأرعب هو يد ابن عمها العظميّة ، المُطبقة بإحكام حول معصمها .. تماماً كما لوّ كان ممسكاً بها ، لمنعها من الهرب او الحفر بأظافرها المُتكسّرة .. الى ان لفظت انفاسها الأخيرة اختناقاً !
***
وظلّ أهالي المنطقة يتساءلون لسنوات:
((هل سلمى من شدة شوقها ، حفرت قبر خطيبها ؟ ..وإن كانت هي ، فمن ردم التراب فوقها ؟! ..أم ان روح خطيبها الغيّور ، سحبها معه لعالمه الآخر ؟!))







