تأليف : امل شانوحة
اصدقاء الجحيم
دخل المغامرون الخمسة كهفاً غامضاً ، لاكتشاف اسراره : طبيبٌ ومصوّر ، برفقة شابٍ مع خطيبته وصديق طفولته..
وما إن توغّلوا في أعماق الكهف .. حتى انهارت صخرةٌ ضخمة خلفهم ، سدّت المدخل وحبسهتم في ظلامٍ دامس!
وارتجّ المكان بصوت انهيارٍ حجريٍ ضخم ، جعلهم يتفرّقون مذعورين بين ممرّات الكهف المُتشعبة ...
لكن الرعب الحقيقي بدأ ، بعد دويّ طلقةٍ نارية ! ورغم تردّدهم وخوفهم ، توجهوا لمصدر الصوت .. لينصدموا برؤية خطيب الصبية مقتولاً بطلقٍ في رأسه !
وبما أن مدخل الكهف مسدود ، يعني احدهم استغلّ ارتباك الآخرين للقيام بجريمته.. فمن يكون ؟!
وسرعان ما اشتدّ الخلاف بين الرجال الثلاثة ، بينما الصبية مازالت منهارة بالبكاء بجانب جثة خطيبها..
ثم خرجوا من الشق الذي فيه الجثة .. وبدأوا بتفتيش حقائب بعضهم ، لإيجاد دليلٍ على صاحب السلاح الذي مازال مُلقى بجانب رأس القتيل !
فقال المصور : لوّ لم تقع كاميرتي لحظة انهيار الحجر ، لاكتشفت اللغز
صديق القتيل : تقول هذا ، لإبعاد الشبهة عنك
المصور : ولما اقتله ، وانا بالكاد اعرفه ؟!
الطبيب : على كلٍ سنكشف القاتل ، بعد اخذ الشرطة بصماته على المسدس
الصبية بيأس : هذا إن خرجنا من هنا احياءً
صديق القتيل : كلامك صحيح .. فنحن منشغلين بالجريمة ، بدل إيجادنا مخرجاً من الكهف الخانق
الطبيب بقلق : اذاً لنسرع ، قبل موتنا جوعاً وعطشاً
الصبية : الا تحملون طعاماً في حقائبكم ؟!
فوضع الصديق حقيبته على الأرض ، وهو يقول لهم :
- من الأفضل إخراج ما لدينا من مؤونة ، لمقاسمتها بالتساوي لحين انتهاء الأزمة
فأخرج المصور شطيرةً صغيرة مع علبة عصير..
الصديق : أهذا كل ما لديك ؟!
المصور : أقنعني القتيل بأن المغامرة لن تدوم أكثر من ساعتين ، لهذا لم أردّ إثقال حقيبتي .. ماذا عنكِ ؟
الصبية : احضرت فاكهة مُقطّعة ، وشايّ بالنعنع .. لقيامي بحميّةٍ غذائية قبل عرسي
ثم عادت للبكاء مجدداً ، وهي تقول بحزن :
- وهاهو حظيّ العاثر يُفقدني عريسي بجريمةٍ غامضة .. ترى ماذا سيفكّر المعازيم بي ؟ اكيد سيتشاءمون مني !
الصديق بعصبية : لا تفكري بأحد !! ولنركّز على طريقة للخروج من هذا المأزق
الطبيب : الغريب ان القاتل ترك مسدسه بجانب القتيل ! لما يفعل شيئاً غبياً كهذا ؟!
المصور : ربما ارتبك بعد اضاءة جوالاتنا
الصبية وهي ترفع جوالها عالياً :
- ليت بإمكاني التقاط إشارة ولوّ ضعيفة ، لاتصلت فوراً بالنجدة
الصديق وهو يعيد حمل حقيبته :
- حتماً لن نجد ونحن عالقين هنا ، لذا فلنتابع السير للجانب الآخر من الكهف
الصبية مُعترضة : لحظة ! ماذا بشأن حبيبي ؟ هل سنتركه هنا ؟
الطبيب : الشرطة ستتكفّل به ، بعد مسكها القاتل القذر !!
الصبية : تتكلّم وكأنك خارج الشبهات
- انا طبيب ..ولن أضيّع جهودي بالدراسة والأبحاث ، لقتل رجلٍ لا اعرفه جيداً
الصبية : كيف لا تعرف خطيبي الذي يتعالج لديك منذ شهور ؟
الصديق بدهشة : هل كان صديقي مريض ؟ ما علّته ؟
الصبية : أخبرني انه مرضٌ بسيط ، يحاول الشفاء منه قبل العرس
المصور : طالما انت طبيبه ، فما كان مرض القتيل ؟
الطبيب : لا ، هذه اسرار مرضى
المصور بعصبية : ايّة اسرار !! الرجل مات ، او بالأصح قُتل .. وكل معلومة ستفيدنا بحل اللغز
فتنهّد الطبيب بضيق : كان لديه سرطان بالمخ.
الصبية والصديق بصدمة : ماذا !
الطبيب : لديه ورمٌ صغير ، يمكن استئصاله .. لكنه خاف من المخاطرة ، بعد ان اخبرته باحتماليّة ان تُؤثّر العملية على حركته المستقبليّة
الصبية بندم : ليتني انتبهت .. فهو بالآونة الأخيرة صار يتعثر كثيراً ، ويجد صعوبة بالنهوض من الكرسي !
الطبيب : كنت حدّدت له موعد العملية بنهاية الإسبوع.. لكنه أصرّ على القيام بهذه المغامرة اولاً.. ولأني صديقه منذ ايام المدرسة ، وافقت على مرافقته .. ماذا عنك ؟ فأنت تدّعي صداقته ، رغم انني لا اعرفك جيداً !
المصور : كنت زميله بالنادي الرياضي الذي بدى مهوساً بالتدرّب فيه بالآونة الأخيرة .. والآن فهمت ، أنه كان مرعوباً من شلله بعد العملية .. وعندما اخبرته عن هوايتي بالتصوير ، دعاني لهذه المغامرة .. ماذا عنك ؟ متى اصبحت صديقه ؟
الصديق : انا وهو وخطيبته ، كنا معاً بدار الأيتام
الطبيب والمصور بصدمة : أحقاً ذلك ؟!
الصديق : نعم ، لكن تبنّتنا عائلات مختلفة ..وبسبب وسامته ، تبنته اسرةٌ ثرية .. اما انا وهي ، فتبنّتنا عائلتان فقيرتان
الصبية : وهو ظلّ يبحث عني ، الى ان وجدني ..وخطبني
الطبيب : وماذا عنك ؟ كيف اعدّت التواصل مع القتيل بعد ان فرّقتكما الحياة ؟
فأشار الصديق الى الصبية :
- انا بقيت على تواصلي معها منذ طفولتنا .. لأن العائلتان اللتان تبنتنا ، كانت لديهما صلة قرابة .. لهذا كنا نلتقي في المناسبات العائلية
الطبيب : ولما لم تخطبها انت ، بدلاً من القتيل ؟
فنظر الصديق والصبية لبعضهما بارتباك..
الصديق بغيظ : لأنه اغنى مني ، ويستطيع ان يُعيّشها كأميرة كما تستحق
وهنا فاجأهما المصور بالقول :
- واضح انك تحقد عليه ، بعد خطبته لها
الصديق بعصبية : ماذا تحاول الوصول اليه بكلامك المستفزّ ؟
المصور : بأنك استغليّت الظلام لقتل منافسك ، على امل استعادة حب طفولتك
الصديق بغضب : لا اسمح لك بهذه الفرضيّة المؤذية !!
فالتفت المصور الى الصبية :
- اذاً اعترفي انت !! الم تكوني تقابلين صديقه دون علمه ؟ فأنا شهدّت خلافك مع القتيل بالنادي ، بعد ان أمرك الإبتعاد عن صديقه ، لشعوره بالغيرة من علاقتكما السابقة
فالتزمت الصمت ، والإرتباك واضحٌ عليها .. فنظر المصور للطبيب ، وهو يقول بابتسامة نصر :
- اظننا وجدنا الفاعل
ليفاجأ بصديقها يخنقه بقوة :
- لا اسمح لك باتهامي بقتله ، او اتهامها بخيانته ايها اللعين !!
فقال المصور بصوتٍ مخنوق ، وهو يحاول ازالة قبضته عن رقبته:
- يبدو ان القتل يسري في دمك ! على كلٍ ستحقّق الشرطة بالجريمة بعد خروجنا من هنا
فقالت الصبية للمصور بغضب :
- تتكلّم وكأنك بريء !! الم تكن تطالبه بدينك ، بعد خسارته للعبه قمار في منزلك ؟ .. فهل تخلّصت منه ، بعد عجزه عن دفع مالك ؟ خاصة انه طلب مني تأجيل العرس ، لحين سفره عند اخيه (من العائلة المتبناة) والتديّن منه ، لإنهاء علاقته بك نهائياً
الطبيب باستغراب : هل حقاً كان القتيل مدمن قمار ؟!
الصبية بغضب : ربما بسببك !! فأنت اخبرته عن احتماليّة شلله بعد العملية ، او موته ببطء ان لم يفعلها .. وبظلّ ذلك الإحباط ، توجه للمقامرة ..على امل ترك بعض المال لي ، في حال إعاقته وخسارة عمله
الطبيب بثقة : من واجبي إخباره بوضعه الصحي كاملاً
المصور : وما يدرينا انك تقول الحقيقة .. فربما لم يكن مصاباً بشيء ..واردّت دفعه للإنتحار ، للحصول على خطيبته الفاتنة التي يبدو يهمّها مصلحتها الشخصية فحسب
وهنا صرخ الصديق : لا اسمح لك بإهانة حبيبتي !!
فنظر المصور للطبيب : هل سمعت ؟! لقد اعترف انها حبيبته .. اذاً هو القاتل !!
فعادا لتعارك بينهما ، ليسمعا الصبية تقول بصدمة :
- هل يُعقل انه انتحر ؟!
فتجمّد الرجال الثلاثة في اماكنهم !
الطبيب : لما لم نفكّر بهذه الفرضيّة من قبل ؟!
الصديق : ولما ينتحر قبل انتهاء المغامرة ؟! فهو كان متحمّساً جداً لاكتشاف الكهف
الصبية : ربما أوهمنا بنشاطه .. لكنه بالحقيقة مُدمّراً ويأساً من مرضه ، لدرجة إقدامه على الإنتحار ..خاصة ان المسدس ظلّ بجانبه
المصور : وربما عرف بخيانتكِ مع صديقه ، فأنهى حياته البائسة
الصديق بعصبية : لا اسمح لك بإهانتها !! فعلاقتي بها انتهت ، بعد خطوبتها منه
المصور : اذاً تعترف انكما كنتما على علاقة ، قبل ان يأتي القتيل ويحرمك منها
الطبيب : توقفوا جميعاً !! ولنعد للجثة .. وهذه المرة سأفحصه جيداً ، لمعرفة ان كان قُتل ام انتحر
^^^
وبالفعل عادوا لشقّ الكهف .. ليكتشف الطبيب (بعد تقريب نور جواله من القتيل) اثر البارود واضحاً على اصابعه.. كما وجود المسدس قرب يده ، يُثبت انتحاره
واثناء صدمتهم بما حصل ! تفاجأوا بالمصور يفتّش جيوب القتيل
الصبية : ماذا تفعل ؟! أتبحث عن مالك ، ايها المقامر الشجع ؟!!
المصور : لا يا غبية .. لكن المنتحرين عادةً ، يتركون رسالة وداع
وبالفعل وجد رسالته ، بمحفظة بنطاله :
((اكرهكم جميعاً : خطيبتي الخائنة ، وصديق طفولتي الغادر ، زميلي المقامر ، وطبيبي الذي سرق أملي بالحياة ! لهذا اخترت انهاء حياتي امامكم .. بعد دفع ما تبقى من مالي لتقنيّ سينمائي ، لإيقاع حجرةً خشبية فور دخولنا.. متزامناً مع صوت الإنهيار الضخم ، لإخافتكم وتوريطكم بقتلي.. على امل انهاء حياتكم بطريقةٍ او بأخرى. فأنتم اقرب الناس اليّ ، واسوء من عرفتهم بحياتي.. القاكم بالجحيم ، يا اصدقاء السوء !!))
وبعد انهاء الرسالة التي قرأها المصور بصوتٍ عالي ، قال لهم :
- يبدو انه خطّط منذ البداية لقتلنا ! بعد اصراره على احضارنا سكيناً حادة ، لحماية انفسنا من الحيوانات المفترسة داخل الكهف.
الطبيب : دعكم من كل هذا.. فهو قال برسالته : ان الحجرة التي سدّت المدخل مصنوعة من الخشب
الصديق : كيف لم نفكّر بإزاحتها من قبل !
^^^
واسرعوا الى هناك ، ليتساعدوا بإزاحتها عن بوّابة الكهف ..
ثم خرجوا إلى النور ، لكنهم لم يخرجوا أبرياء..
المصور وهو يشير بأصبعه بدهشة : تبدو كأنها حجارةً حقيقية !
الصديق : فعلاً ، من صنعها مبدعٌ للغاية .. لكن ما اهميّة ذلك ؟
المصور : في حال اعدناها مكانها ، سيختفي الكهف خلفها .. وبذلك نتخلّص من هذه المصيبة
الصبية بصدمة : ماذا ! الن تبلغوا الشرطة عن وفاة خطيبي ؟
الطبيب : ان فعلنا ذلك ، نخسر اعمالنا.. فببحث الشرطة في سجلّي الطبي ، سيعلمون تورّطي بأشياء غير قانونية
الصبية : أهذا يعني بأن خطيبي لم يكن يحتضر فعلاً.. وأوهمته بذلك ، للحصول على اعضائه وبيعها بالسوق السوداء ؟
الطبيب بارتباك : كيف عرفتي ! أقصد .. لا لم ..
الصبية بعصبية : كنت اشكّ بك منذ البداية .. فأحد معارفي نبّهني منك ، بعد خسارة كليّته بعمليةٍ أجريتها له ، رغم انه مصاب بكسور من حادث سير.. والآن انفضحت!!
الطبيب بلؤم : لا تتكلّمي وكأنك بريئة ، ايتها الخائنة !! لا تنسي ان خطيبك كان من عائلةٍ ثرية ، وسيدمرونك ان عرفوا بانتحاره بسبب خيانتك
الصبية بحزن : لكنه سيتعفّن بالداخل !
الطبيب : وفي المقابل نتخلّص من هذه الورطة
المصور : انا اعترض !! فترك الجثة ، أمرٌ غير قانوني
الطبيب غاضباً : لا تتكلّم عن القانون ، ايها المقامر !! أتريد لشرطة اكتشاف ابتزازك للأثرياء الذين تتصيّدهم من الصالة الرياضة ، لاستدراجهم للعب القمار في منزلك ؟
فسكت ممتعضاً..
وعندما حاول الصديق الإعتراض ، اسكته الطبيب بالقول :
- وانت ايضاًَ لم تكن صديقاً جيداً له ، بعد خيانة ثقته
فسكت الصديق بضيق ..
المصور : اظن كلام الطبيب صحيحاً .. من الأفضل العودة الى بيوتنا ، واغلاق هذا الموضوع تماماً
الصبية : وماذا بشأن المعازيم ؟
المصور : أخبريهم انك تركته ، بعد اكتشاف خيانته لك .. ورفضك المتكرّر لاعتذاره ، أجبره على السفر خارج البلاد
الصديق بقلق : لا يعجبني الوضع بتاتاً
المصور بابتسامةٍ ماكرة : لما لا ؟ فبعد اليوم لن يمنعك احد من العودة لحبيبتك السابقة
فرضخوا جميعاً للأمر .. وتساعدوا بجرّ الحجرة الخشبية ، لإغلاق بوابة الكهف من جديد .. مُتفقين على الصمت ، وعلى دفن الجريمة داخل كهفٍ كشف أقنعتهم الحقيقية القذرة !






