تأليف : امل شانوحة
الفخّ الماكر
في تسعينات القرن الماضي .. وصلت مروى الى عمارتها بعد انتهاء عملها ، لتجد البوّاب منشغلاً مع عامل الصيانة في محاولة إصلاح المصعد المعطّل
فتأفّفت بضيق ، وهي تُكمل صعودها الى شقتها المتواجدة بالطابق الرابع .
وحين وصلت للطابق الثالث .. فوجئت برجلٍ يخرج مسرعاً من الشقة ، وهو يحمل هاتفاً لاسلكياً (النوع القديم الضخم) ..والذي ارتبك حين رآها ! لكنه تماسك ، مُظهراً ابتسامةً غريبة ..وهو يقول ببرود :
- انهيت للتوّ تنظيف الشقة من الدماء
فسألته بصدمة : دماء من ؟!
فأجاب بلؤم : طليقتي الحقيرة
فحدّقت فيه ، بصدمة :
- ماذا ؟! هل قتلتها؟
- لا ، كانت ميتة حين وصلت.. يبدو أنها انزلقت عن السلّم ، وصدمت رأسها على الأرضية بعنف.
- اذاً اتصل بالشرطة والإسعاف فوراً !!
- لن يصدّقوني ، فلديّ ماضي اسود ..
وهنا رنّ اللاّسلكي الذي بيده .. فتأفّف الرجل بضيق :
- حماتي تُزعجني باتصالها بإبنتها للمرة الألف .. سأفتح المكبّر ، لتردّي عليها
مروى بقلق : وما دخلي انا ؟!
لكنه ضغط زرّ الإجابة ، ليظهر صوت عجوزٍ مذعورة :
- ريم !! ابنتي !! ارجوك أجيبيني بالحال .. هل انت بخير ؟ هل دخل اللعين الى بيتك ؟ ..هل آذاكِ ؟
وقبل استيعاب مروى ما سمعته ! قذف الرجل الهاتف باتجاهها.. فالتقطته بكلتا يديها بخوف .. ليقول بخبث ، وهو ينزع قفّازاته الجلديّة :
- يمكنك إجابة الخرِفة ، طالما اصبحت بصماتك على سلاح الجريمة.. وشكراً على المساعدة ، ايتها الجارة الفضوليّة
وأطلق ضحكةً مستفزّة ، وهو ينزل الأدراج..
لتسارع مروى بإغلاق الجوال ، واللحاق به غاضبة بعد توريطها بالجريمة
وقبل وصوله للطابق الأرضيّ ، قذفت الهاتف بكل قوتها نحوه ..فأصابت مؤخرة رأسه .. ليختلّ توازنه ، ويسقط فوق السلالم .. حتى ارتطمت جبهته بأرضيّة المدخل.
فتجمّد البوّاب وعامل الصيانة في مكانهما من هول المشهد ! قبل ظهور مروى وهي تلهث :
- قتل طليقته بالطابق الثالث .. إتصلا بالشرطة حالاً !!
***
بعد نصف ساعة ، وصلت دوريّة الشرطة .. وبعد بحثهم بجميع الغرف ، لم يعثروا على صاحبة الشقة التي وجدوها نظيفة للغاية ، دون أثرٍ للدماء في ايّ مكان !
بهذه الأثناء ، أخبرت مروى المحقّق بما حصل ..
فأجاب الرجل بعد اسعاف انفه المكسور :
- غير صحيح ، سيدي ... فأنا لم ارى زوجتي السابقة منذ ايام .. ودخلت شقتي القديمة للبحث عن هويّتها ، لتوثيق طلاقنا رسمياً .. وحين خرجت ، رأيت جارتي امامي .. فسألتها : كيف حال الجميلة اليوم ؟
ثم اشار الى وجهه المشوّه :
- ويبدو أن مجاملتي لم تعجبها !
المحقق : ولماذا اخذت جوال طليقتك من شقتها ؟
- لأني لم أشتري هاتفاً بعد ، وأنتظر اتصالاً مهماً من المحكمة لإتمام بقية الإجراءات.
مروى : سيدي ، هو يكذب عليك .. وإن كنت لا تصدّقني ، فاتصل على آخر رقمٍ محفوظ بالجوال .. فهو رقم حماته التي كانت تسأل عن ابنتها برعب
فاتصل المحقق بالأم التي اخبرته بأن آخر اتصالٍ مع ابنتها كان البارحة مساءً ، حين اخبرتها : بأن طليقها يطرق الباب بعنف ، ويصرّ على الدخول .. ومن وقتها لم تردّ ابنتها على اتصالاتها المتكرّرة ، وتخاف ان يكون طليقها آذاها !
وبعد انتهاء المكالمة .. قالت مروى :
- أرأيت !! حتى امها خائفة عليها منه.. وهو بنفسه اخبرني بأن ماضيه اسود .. لذا عليكم سيدي ، البحث عن اسمه في سجلّات السجناء القدامى
المحقق : سأفعل بعد ذهابنا للمركز ، وانت ستأتين معنا ايضاً
مروى بقلق : ولماذا ؟!
المحقق : لأنك اعتديتِ عليه وتسببتِ بإصابته ، دون وجود دليل على ارتكابه جريمة قتل.
مروى بارتباك : لكنه اعترف بلسانه انه قتلها .. وجعلني امسك الجوال لكيّ تُطبع بصماتي عليه .. فهو حتماً استخدمه لتهشيم رأسها
المحقق : سنمسح البصمات عن الجوال في المركز ، وسنفحص المكالمات المُسجّلة فيه .. لكن عليك القدوم معنا لإكمال التحقيقات
فرضخت مروى لطلب المحقق
***
وجاءت النتائج مخيّبة للآمال ! فرجال الشرطة لم تعثر على أثرٍ للدماء داخل الشقة.
أما الجوال ، فكان نظيفاً تماماً بعد مسحه بالمطهّر.. ولم يظهر عليه سوى بصمات مروى (بعد تغطية الطليق يديه بالقفّازات)
أما سجل الرجل ، فكان خالياً من أيّ إدانة جنائية.. رغم وجود بلاغاتٍ قديمة ضده ، تتعلّق بالسرقة واقتحام بعض المحال التجارية .. لكن لم يُقبض عليه متلبساً ، ولم يُحجز في مراكز الشرطة من قبل!
ولم يكن بيد المحقق سوى نشر تعميم على المستشفيات والمطارات بإسم الفقيدة ..
والأغرب انهم اطلقوا سراح الرجل ، لعدم وجود دليلٍ عليه !
ورغم تأكيد ام الفقيدة بتغيير ابنتها مفتاح شقتها ، رعباً من طليقها الذي هدّدها بالقتل اكثر من مرة .. لكن المحقق لم يعتمد اقوالها ، لعدم وجود اثباتٍ على ذلك !
والأسوء ان الرجل رفع دعوى ضدّ مروى ، بتهمة الإعتداء عليه.
وانتهت القضية بسجنها شهرين ، مع إلزامها بدفع تعويضٍ له !
***
بعد خروجها من السجن .. تكلّمت مع البوّاب على انفراد ، فأجابها :
- لا يمكنني ادخالك منزلها ، فهو مُغلق بأمر الشرطة
مروى : مرّ شهران على الحادثة ، ولن يشعر احد بدخولنا الى هناك
فاشترط البوّاب دخولهما مساءً ، كيّ لا يشعر الجيران بذلك
***
في المساء ، دخلا بحذر .. ليجدا الشقة فارغة ، بعد أن باع الطليق أثاثه القديم.
وعندما لم يعثرا على شيء .. طلب البوّاب منها الخروج ، لإعادة اقفاله الشقة .. لكنها لاحظت شيئاً غريباً
مروى : شقتي فوق هذه الشقة ، ومع ذلك لا يوجد هذا العامود الإضافيّ في صالتي !
فنظر البوّاب اليه ، باستغراب :
- هو ليس من اساسيات البناء !
- أتقصد ان العامود غير موجود ببقية الشقق ؟
- ربما أضافه صاحب الشقة ، كديكور.
مروى : عندما كنت في مركز الشرطة ، علمت أن الرجل درس التصميم الداخلي.
- ماذا تقصدين ؟
- أعتقد أن جثة السيدة ريم محشورة داخل العامود!
- مستحيل !
مروى : احتاج مطرقة
- نحن في المساء ..وإن سمع الجيران ..
مروى مقاطعة : اذاً غداً صباحاً نعود الى هنا ، ومعنا المطارق
- سيدة مروى ارجوك ، لا تورّطيني بهذا الموضوع
- اذاً سأفعل ذلك وحدي ، أعطني المفتاح .. انا متأكدة انه اخفى جثتها داخل العامود..
- لا يوجد دليل على ذلك
مروى : ألم تخبرني ان السيدة ريم طلبت من زوجتك عدم تنظيف شقتها في الشهر الأخير قبل اختفائها ؟
- نعم ، وقد لاحظت زوجتي خوفها واضّطرابها الشديدين قبل الحادثة!
- لابد انها تلقت تهديداً من طليقها ، ولهذا غيّرت مفتاح شقتها
ففكّر البوّاب قليلاً ، قبل ان يقول بتردّد :
- حسناً .. نجتمع هنا صباحاً ، لمعرفة الحقيقة .. لكن في حال وجدنا العامود فارغاً من الداخل ، فعليك نسيان الأمر تماماً
مروى : اتفقنا !!
***
وفي الصباح الباكر .. وبعد عدة طرقاتٍ عنيفة على العامود ، برزت يدٌ بشرية شبه مُتحلّلة داخله !
فتراجعت مروى والبوّاب للخلف برعب ، بعد اكتشافهما مكان الجثة
^^^
وعلى الفور !! تجمّعت الشرطة في المكان ..
ليُثبت تقرير الطبّ الشرعي لاحقاً :
((أن ريم سمحت لطليقها بدخول المنزل .. او انه اقتحمه (رغم تغيرها القفل القديم) من مهارته الإجرامية بفتح اقفال المحال التجارية .. وحصل شجارٌ بينهما .. وعندما ادارت ظهرها .. تلقّت ضربتها الأولى ، بعد رميّه الّلاسلكي الثقيل على مؤخرة رأسها ، الذي ربما تسبّب بإسقاطها ارضا .. قبل إكمال القاتل تهشيم رأسها بتمثالٍ خشبيّ ، وُجد محطّماً داخل العامود بجوار جثتها.
ويبدو ان طليقها لم يُكمل قتلها بالجوال الثقيل ، رغبةً بالإحتفاظ به (كونه غالي الثمن) .. كما يبدو انه قضى ليلته كلها في شقة طليقته ، وهو يحاول إخفاء آثار الجريمة .. ومن سؤال صديقتها المقرّبة : عرفوا ان ريم هي من طلبت من زوجها (قبل الطلاق) بناء العامود المجوّف في الصالة ، ليكون خزانة لتحفها الزجاجية .. وهو استغلّ ذلك ، لحشرها فيه .. ثم شرائه كيس اسمنت ، لإغلاق العامود تماماً .. وبعد تنظيفه الصالة بالمطهّرات طوال الليل ، خرج منهكاً من الشقة بوقت الظهيرة .. ليتفاجأ بظهور مروى امامه ! مما جعله يقلق من شهادتها ، بوجوده داخل شقة طليقته بوقت اختفائها .. ولذلك قرّر التخلّص من أخطر دليلٍ لديه ، من خلال توريط مروى بجعل بصماتها على أداة الجريمة))
لكن الشرطة لم تتأكّد تماماً من تلك التفاصيل ، بعد هروب الطليق عن طريق البحر ، لعلمه بوجود اسمه في المطارات ومراكز الحافلات ..
***
لاحقاً .. حضرت مروى العزاء المقام من عائلة ريم ، الذين شكروها على اكتشافها مكان الجثة
لكن الشيء الذي اخافها ، هو تنبيه الأم التي طلبت منها تغير شقتها .. لأن طليق ابنتها انسانٌ حقود ، ولن ينسى تشويهها لوجهه الوسيم الذي يستخدمه للإيقاع بضحاياه الساذجات
الا ان احوال مروى المادية ، لم تكن تسمح لها بالإنتقال .. خاصة عيشها في منزل والديها المتوفيّن ، الذي فيه الكثير من ذكريات طفولتها !
***
بعد سنوات.. فتحت مروى باب شقتها ، للخروج الى عملها .. لتنصدم برؤية هاتفٍ لاسلكيّ قديم (مطابقاً للجوال الذي تورّطت فيه سابقاً) فوق عتبة بابها ، مع قصاصة ورقٍ مكتوباً فيها :
((حان دورك ، يا جارتي الفضوليّة))
فعلمت ان القاتل عاد للإنتقام منها !
فوضعت بحذر الهاتف والرسالة في كيسٍ نظيف ، حفاظاً على البصمات.. بنيّة أخذ الدليليّن الى الشرطة.
وحين توقف المصعد ، وجدت داخله امرأةٌ عجوز مشغولة بجوالها .. فدخلت دون الإهتمام لها ..
وما إن أُغلق الباب .. حتى رنّ جوال مروى ، باتصالٍ من مديرها يعاتبها على التأخير .. فردّت باستعجال:
- سيدي ، أكلّمك لاحقاً .. عليّ التوجه حالاً لمركز الشرطة ، فحياتي بخطر ..
وقبل ان تُكمل جملتها .. تفاجأت بالعجوز تسحب منها الجوال الذي وضعته بجيب فستانها ، بعد ايقافها المصعد !
ثم ازالت شعرها المستعار .. ليظهر القاتل وهو يضع سكينته الحادة حول رقبة مروى ، هامساً في اذنها :
- هل اشتقتي اليّ ؟
فحاولت مروى الصراخ ، الا انه أطبق بيده على فمها.. قبل ضغطه زر الطابق الرابع وهو يقول :
- سأصعد الى شقتك للإستمتاع بك قليلاً ، قبل تشويه وجهك .. ثم امضي اليوم كله ، ببناء العامود فوق جثتك
وصعدا معاً ، نحو مصيرها المجهول !
^^^
بهذه الأثناء .. اتصل المدير القلق على مروى ، بعد اغلاقها المفاجئ للمكالمة ..
ليظهر رنين جوالها مراراً وتكراراً داخل الشقة ، دون ان يُجيبه احد!







