السبت، 19 سبتمبر 2026

مذكرات قاتل

تأليف : امل شانوحة 

انتقام لقيط


إقتحمت الشرطة منزل الشاب الغامض ، اثناء جلوسه بهدوء في غرفته .. فطلبوا منه الإستسلام : 

- جاك اندرسون !! انت موقوف بتهمة قتل امرأتين 

جاك بدهشة : امرأتان فقط !

- ماذا تقصد ؟

جاك : قتلت اكثر من عشرين امرأة ، وثلاثة رجال .. وكتبت تفاصيل الجرائم في مذكّراتي .. سأعطيها لك الآن


وعندما حاول فتح درج مكتبه .. صرخ الشرطي عليه ، وهو يوجّه سلاحه نحوه :

- إيّاك ان تتحرّك !! 


فرفع جاك يديه ، بينما يبحث الشرطي عن دفتره داخل درجٍ مليء بأغراضه العشوائية.. 

فغافله جاك بشرب سمٍّ محفوظ في فصّ خاتمه الكبير ، جعلت جسمه ينتفض بحركاتٍ لا ارادية .. الى ان خرجت رغوةً بيضاء من فمه !

وحاولت الشرطة إسعافه ، لكنه مات قبل وصولهم للمشفى 

***


في مركز الشرطة .. قرأ المحقّق مذكّرات جاك التي فيها اهم الأحداث التي حصلت في حياته القصيرة ، بعد انتحاره بسن 25 !

كاتباً في صفحتها الأولى :

((كبرت في الميتم وانا راضي تماماً بقدري ، بعد وفاة والدايّ بحادث سير وانا طفلٌ صغير .. لهذا لم اكن معقّداً كبقية رفاقي ، بل عشت منطلقاً ومحبّاً للحياة .. وكنت انتظر بفارغ الصبر بلوغي سن 18 لأسرّح من الدار .. بعكس اصدقائي الذين تمنّوا ان يتم تبنيهم من قبل العائلات التي زارتنا بشكلٍ دوريّ 

في عمر 9 سنوات ، فقد المدير اعصابه من كثرة شقاوتي وشكاوي المعلمين ضدي .. فأخرج صندوقاً من الأرشيف ، عليه اسمي (جاك اكس) .. موضحاً أن (أندرسون) مجرّد لقبٌ وهمي ، يُمنح لأطفال الميتم 


ومن داخل الصندوق المُغبرّ ، أخرج شريط فيديو قديم .. 

وقبل ان يُديره ، قال بلؤم :

- على فكرة يا جاك .. والداك لم يموتا بحادث سيارة 

فأجبته بدهشة : ماذا تقصد ؟!

- أنظر الى الشاشة .. هل ترى السيارة الحمراء ؟ .. فيها والديك .. انظر كيف نزلت امك وهي تحملك داخل بطانية ، وترميك في حاوية النفايات قبل ابتعادها مع ابيك ..

فقلت بصدمة : حاوية نفايات !

- نعم ، التي بجانب الدار .. رمتك عصراً .. وفي آخر الليل ، عثر عليك الحارس بعد سماع بكائك.. كنت شبه متجمّد من البرد والجوع.

فصرخت وانا انتفض غضباً : 

- لا !! انت تكذب .. ذلك اللقيط ليس انا 

- بلى انت !! ارأيت يا جاك .. حتى والديك لم يطيقانك منذ ولادتك ، وكأنك ابن شيطان .. فكل مشاغباتك اليوم تدلّ على ذلك .. ليتنا تركناك تموت تلك الليلة 


وتركني منهاراً بالبكاء في القبو حتى الصباح ، بعد قتله لكل آمالي وأحلامي.. فبعد اكتشافي الحقيقة تحوّلت من طفلٍ شقيّ ، إلى كائنٍ كئيب فقد شهيته وشغفه بالحياة.. 

سنواتٌ طويلة كرهت فيها المدير ، وتمنيت لوّ انني انتقمت منه ، لكن اجله سبقني.. الشيء الوحيد الذي خفّف عني هو العائلة الطيبة التي تبنّتني ، والتي أشعرتني بالمحبة والأمان اللتين افتقدتهما طويلاً

لكن والدايّ بالتبني لم يعيشا طويلاً .. ماتت امي بسني 13 بعد معاناتها مع السرطان .. ووالدي توفيّ بسني 19 بعد حادثة في ورشة عمله .. ليعود إليّ شعور اليتم المرير من جديد ! 

ومع ذلك ورثت منهما مالاً ، ساعدني على إكمال دراستي... وكانت اموري على ما يرام .. الى ان حصل شيء غيّر مسار حياتي ، وأعاد شبح الماضي من جديد .. وحصل ذلك بعد عودة جارتي الحامل من مشفى التوليد دون طفلها ! 

لم اعرف ما حصل ، الا بعد سماعي بالصدفة صديقتها تتحدّث عن بيع طفلها ، لشراء سيارة جديدة.. مما اشعل داخلي نيران الذكريات ومرارة حاوية النفايات.

في تلك الليلة ، ارتكبت أول جريمة في حياتي.. بعد تسلّلي إلى منزل جارتي وهي نائمة .. وتعمّدت ترك غازها مفتوحاً ، ثم عدت بهدوء إلى منزلي.. وفي الصباح ، أعلنت الشرطة بأن وفاتها حادثٌ منزلي.


الغريب انني لم اشعر بالندم ! بل شعرت بإنجازي لعدالةٍ مؤجلة.

كانت تلك ضحيّتي الأولى ، فهل ستكون الأخيرة ؟ .. حقاً لا ادري!))

***


في الصفحة التالية ، وبتاريخٍ مغاير (يدلّ على مرور سنة كاملة على تلك الجريمة)

كتب جاك : ((لم اكتب منذ وقتٍ طويل بسبب انشغالي بالدراسة .. وإن كنتم تتساءلون ؟ فقد تخرّجت اخيراً من اختصاص المحاسبة .. واحاول ايجاد عملٍ في شركةٍ محترمة .. لكن للأسف ، لم أتوظّف حتى اليوم .. لهذا احرص على عدم صرف الكثير من ثرّوة والدايّ التي اوشكت على الإنتهاء.. ومن الضروري إيجاد دخلٍ جديد قبل نهاية العام .. اراكم قريباً))

***


في الصفحة التي تليها ، والتي دوّنها بعد ثلاثة اشهر من نصّه الأخير ..قال فيها :

((ارتكبت قبل قليل جريمتي الثانية .. أتدرون ما حصل ؟ .. قبل اسبوع رأيت بالصدفة إحدى زميلاتي بالثانوية حاملاً بشهرها الأخير .. وعندما باركت لها .. شكت همها ، برفض حبيبها للطفل.. فأخبرتها بأنني على استعداد لتربيته .. لكنها لم تأخذ كلامي محمل الجدّ ! 

وبعد ولادتها ، قرّرت زيارتها وانا مصمّم على اخذ الولد منها .. لكن قبل ركن سيارتي ، وجدتها تقود سيارتها بعيداً .. فلحقت بها ، الى ان وصلت الى منزلٍ كبير .. دخلت اليه مع طفلها ، وخرجت بعد قليل من دونه ! فاتجهت اليها ، بالوقت الذي كانت تتحدث فيه بجوالها مع حبيبها .. وسمعتها تطمئنه على بيعه لعجوز تتسلّى به ، بدل كلبها الميت ! فشعرت بنارٍ تحرق جسدي .. وعاد إليّ شعور اليتم القديم.. فأنا لم أعد أرى طفلها بيدين عجوز بالكاد تستطيع الإعتناء بنفسها ، بل رأيت نفسي ارتجف داخل بطانيتي في حاوية النفايات ! 

وبدأت بمراقبة الأم المهملة لأيام ، الى ان ذهبت لمنزل حبيبها .. وفي آخر الليل ، وبعد تأكّدي من نومهما .. سكبت البنزين حول المنزل الذي اشعلته من الخارج ، وأسرعت بالهرب .. لأعلم في الصباح التالي ، بعثور الأطفاء عليهما متفحّمين بالداخل .. المشكلة ان التحقيق الجنائي كشف أن الحريق مُفتعل ، وهم يقومون الآن بتحرّياتهم للقبض على الفاعل .. ورغم اتخاذي الحيطة بوضع القناع على وجهي ، وإزالة لوحة سيارتي التي أخفيتها في كراج منزلي .. مع ذلك سألازم بيتي احتياطاً ، لحين انتهاء الأزمة.. 

أتدرون ما الغريب في الموضوع ؟ 

بدأت أشعر أنني صاحب رسالة قيّمة في الحياة !))  

***


ثم بدأت الصفحات تتوالى عن جرائم اخرى : لأناسٍ تخلّوا عن اطفالهم ، فقتلهم جاك دون ترك دليلٍ خلفه ..خاصة المراهقات الحوامل دون زواج.. 

فهو لم يعد يرى نفسه قاتلاً ، بل منقذاً للأطفال في عالمٍ قاسي لا يرحم الضعفاء


ومع تعدّد جرائمه ، لم يعد بحاجة لسببٍ مهم .. يكفي أن يرى طفلاً يعاني من اهمال والديه ، لجعلهما يدفعان الثمن غالياً !

^^^


لكن داخل مذكّراته ، ذكر قصتين استثنائيتين :

أحدهما قصة رجل حبس ابنه 20 سنة في قبو منزله في المنطقة المجاورة ، حيث اقتيد الأب الى السجن والشاب الى مستشفى المجانين .. وحين قرأ جاك قصتهما بالصحيفة : تنكّر بهيئة طبيب لدخول المصحّ ، لحقن الشاب بإبرة هواء .. اما والده ، فدفع المال لأحد المساجين ليقوم بطعنه اثناء استحمامه .. وعللّ جاك في مذكّراته قيامه بالجريمتين بقوله )) لعلمي المسبق بأن الشاب لن يشفي من جروحه النفسية مهما عالجوه ، اردّت ان اريحه كلّياً من عذابه .. اما والده القاسي ، فقد استحق الموت بجدارة))


اما القصة الثانية : فهي قصة والدان مدمنان ، علّما ابنهما (10 سنوات) تدخين مارجوانا معهما ! 

وذكر جاك في دفتره : ((كان بودّي انقاذ الصبي بعد قتل والديه الأحمقين بمسدسي .. لكني أطلقت عليه رصاصة الرأفة ، لإرساله للجنة .. واراحته من رحلة علاجٍ ميؤوسٍ منها))

^^^


وكان من ضمن جرائمه .. تعقّب جاك لوالديه الحقيقيين ، من خلال رقم لوحة السيارة القديمة (بأرشيف الميتم) 

كاتباً في مذكّراته : ((إقتحمت منزل ابي ليلاً ، وواجهته بالحقيقة .. فتوسّل اليّ بحماية عائلته الجديدة .. فقرّرت العفو عنه ، بشرط ان يدلّني على مكان امي .. فأخبرني انها مازالت تعمل بذات البار الذي التقى بها قبل 20 عاماً ، وأعطاني العنوان .. فخرجت من منزله بهدوء .. رغم انني تمنيت لوّ طلب مني ازالة القناع ، لرؤية وجه ابنه الذي رمته حبيبته السابقة في النفايات امام انظاره .. لكنه لم يسألني حتى عن اسمي ! فكتمت غيظي ، وأسرعت الى ذلك البار .. واختطفت امي بعد خروجها المتأخر من العمل .. وفي زقاقٍ مظلم ، اخبرتها من اكون .. وسألتها ان كان أنّبها ضميرها على رميّ طفلها بالزبالة ؟.. أتدرون ماذا اجابتني ؟ .. وانت أيّ واحدٍ منهم ؟ فهي لا تتذكّر اين تركت اخوتي الثلاثة ، بعد تخلّيها عنهم ! ..حينها فقدت السيطرة على نفسي ، وخنقتها بيدايّ بكل قوتي .. وبعد موتها ، أدركت بأني لم اعرف عناوين اخوتي ! فحملت جثتها ورميتها بأقرب حاوية نفاية ، كما فعلت بأطفالها الأربعة الغير شرعيين ..لليوم لا اصدق بأن امي سيئة لهذه الدرجة .. لهذا قرّرت انقاذ اكبر قدرٍ من الأيتام ، من قسوّة الكبار الذين لا يستحقون لقب الأمومة والأبوة .. وهذا سيكون هدفي بالحياة)) 

^^^


في آخر مذكّراته كتب التالي :

((كنت أعتقد أنني أقتل الآخرين ، لغيظي من تخلّيهم عن أطفالهم.. لكن الحقيقة أنني قتلتهم ، كرهاً للطفل الموجود بداخلي الذي ظلّ يسأل طوال حياته : لماذا لم يحبني أحد ؟!

لكني عرفت متأخراً : أنه لا يوجد شيء خاطئ في ذلك الطفل.. بل الخطأ كان في والديّه عديميّ المسؤولية.. وفي المدير الذي قتل الرحمة بقلبيّ الصغير.. وبكل شخص لم يساعد طفلاً بحاجةٍ اليه .. 

واليوم فقط !! أعلن خطئي بتحويل ألمي ، إلى رخصة قتلٍ عشوائية .. فأنا لست بطلاً ، بل قاتل متسلّسل.. ورغم كل ذنوبي ، لن أعاني في السجون ، بل سأضع حداً لحياتي بيدي))


وكان هذا آخر ما كتبه في مذكّراته التي نُشرت لاحقاً .. لتتحوّل قصة جاك إلى قضية هزّت الرأيّ العام في مجتمعه الذين انقسموا بين رافضين لجرائمه ، وبين متعاطفين مع طفولته المُحطّمة دون سندٍ له 

***


لاحقاً ، أدّت القضية إلى مراجعة واسعة لطرق التعامل مع الأطفال المُتخلّى عنهم.

حيث أصبحت دور الرعاية أكثر حرصاً على عدم استخدام تاريخ الطفل العائلي لإذلاله أو معاقبته .. مع التأكيد للطفل ، بأن لا ذنب له بوجوده في الميتم .. 


ويبقى السؤال : 

((أين تبدأ مسؤولية المجرم ؟ وأين تنتهي مسؤولية المجتمع التي صنعت جراحه ، مُحولةً غضبه الى سلّسلة من جرائم انتقامه الدموية؟!))


الجمعة، 18 سبتمبر 2026

الطفل المحظوظ

تأليف : امل شانوحة 

الهدية الأخيرة


في منتصف الشهر .. جلس الوالدان في الصالة ، وهما يتناقشان مصاريف المنزل 

قائلةً الأم بقلق:

- مازالنا في نصف الشهر ، ولم يتبقى شيء من معاشك ! كيف سندفع المصروف اليومي لمدرسة الأولاد ؟

تنهّد الأب بضيق : 

- إصلاح السيارة صرف معظم راتبي .. أفكّر بالإستدانة من زميلي حتى نهاية الشهر 


وقبل إكمال حديثه ، دخل ابنهما الأكبر وهو يحمل كيساً من رقائق البطاطس ..

قائلاً بحماس:

- أمي !! وجدت داخل الكيس ، مغلّفاً أسود .. وحسب الإعلان ، فهو يعني جائزةً مالية.

ابتسمت الأم : 

- اذاً افتحه ، ربما ربحت عشرة ريالات.

الإبن :

- الجوائز تتراوح بين 10و 50و 100ريال .. أما الجائزة الكبرى : فهي 500 ريال.. هيا افتحيه !! فيدايّ متسختان من الشيبسي.


وما ان فتحت الأم المغلّف ، حتى اتسعت عيناها بدهشة ! 

وهي تبتسم بحماس : 

- هذه 500 ريال!

فتنفّس زوجها الصعداء :

- الحمد لله... جاء الفرج.

ليسارع ابنهما بالقول : 

- لحظة !! اشتريت كيساً آخر من المدرسة.. سأحضره حالاً ، لربما ربحنا جائزةً أخرى

الأب ضاحكاً : 

- لا تكن طمّاعاً يا بنيّ ، يكفينا ما رزقنا الله.


لكن الصبي عاد بعد دقائق ، وهو يحمل مغلّفاً أسوداً آخر.

فتحته الأم ، لتنصدم بربحهم للجائزة الكبرى من جديد !

فقال الولد مبتسماً : 

- هيا ، ماذا تنتظران ؟ إذهبا إلى السوبرماركت قبل إغلاقها .. فالثلاّجة فارغة منذ أيام ، وأنا سأبقى مع إخوايّ حتى تعودا


تردّد الوالدان قليلاً ، قبل ذهابها لشراء كل ما يلزم المنزل حتى نهاية الشهر.

***


بعد ايام .. عاد الإبن من المدرسة ، وهو يحمل حلوى تكفيه هو وأخويّه 

فسأله والده باستغراب : 

- أعطيتك ريالاً واحداً مع الشطيرة.. فمن أين اشتريت كل هذه الحلوى؟!

الصبي بابتسامة :

- يوجد في مدرستي انشطةٌ متعددة ، وقد اخترت العمل في المقصف.. فخيّروني بين مكافأةٍ مالية في نهاية الشهر ، أو أخذ بعض الحلوى يومياً.. فاخترت الحلوى لأشاركها مع إخوايّ ، وبذلك أوفّر عليك جزءاً من مصروف المنزل


ومنذ ذلك اليوم.. صار إخويّه ينتظران عودته من المدرسة كل ظهيرة ، ليفاجئهما بأنواعٍ جديدة من الحلوى اللذيذة

***


ولم تتوقف مفاجآته عند هذا الحد : 

فقد فاز لاحقاً في مسابقةٍ علميّة ، أربحته لعبة تركيبٍ كبيرة (ليغو) شاركها مع إخويه


وبعد شهر.. فاز ببطولة الشطرنج بين المدارس ، جعلته يكسب صندوقاً مليئاً بالدفاتر والأقلام .. مما اسعد والده الذي عانى ذلك الشهر من ضائقةٍ مالية ، منعته من شراء مستلزمات اولاده المدرسية.


وبعد فترة ، سمع والديه يتحدثان عن حاجتهم إلى ملابس جديدة .. 

فعاد في اليوم التالي بقسيمة شراء من متجرٍ معروف بمنطقتهم ، بعد فوزه بمسابقةٍ رياضية.

***


ومع مرور الأشهر .. اعتاد اهله على فوزه في مسابقات الصحف وبرامج التلفاز ، وسحوبات المشروبات الغازية .. وحتى العروض التجارية التي ترافق المنتجات الجديدة !

وبذلك كسبوا غسالةً جديدة ، ودرّاجة لأخيه الصغير .. مع مبالغ مالية ، ومجموعة من الأجهزة المنزلية... حتى لقبته عائلته : بالولد المحظوظ !

***


لكن كل شيء تغيّر بعد مدح امه لحظه العجيب وسلّسلة انتصاراته ، امام قريبتها الحقودة التي لم تفزّ يوماً بالمسابقات التي اشتركت فيها لسنواتٍ طويلة ! 


ليصاب الصبيّ بحمى شديدة ، نُقل (بعد عجزّ والديه عن إخفاض حرارته) الى الطوارئ

^^^


وفي غرفة المشفى .. إجتمع والداه وإخويّه حول سريره ، وهم يدعون له بالشفاء وعيونهم تفيض من الدمع ..

فقال الصبي بصوتٍ مرهق :

- الآن يمكنني كشف السرّ الذي أخفيته عنكم طوال السنة الفائتة 

فاستمعوا له باهتمام ..

- انا لست ولداً صغيراً كما تظنون ، بل رجلاً كهلاً عائداً من المستقبل 


فظن والداه ان الحمّى أفقدته صوابه ! لكنه اكمل قائلاً :

- بالحقيقة ، جميعكم عشتم حياةً فقيرة .. مات والدايّ اولاً ، ثم اخوايّ بحادثين متفرّقين ، دون أن تذوقوا طعم الراحة أو نِعم الحياة... وبقيت وحدي بعمر الأربعين قبل ان تشتري الحكومة منزلنا القديم ، لإقامة مشروع سكّة حديد.. فاستثمرت التعويض في البورصة.. واشتريت بالربح مطعماً صغيراً .. وبعد سنوات صار له فروع كثيرة ، جعلني من أثرياء البلد .. لكني عشت وحيداً من دونكم ، كما أشغلني العمل عن الزواج والإنجاب .. وعندما كنت احتضرّ في قصري بعمر السبعين ، إتصلت بالمحامي لتوزيع ثرّوتي على الجمعيّات الخيريّة ، لعدم وجود وريثٍ لي.. وبانتظار قدومه مع الأوراق الرسمية ، ظهر لي ملاك وهو يسألني عن أمنيتي الأخيرة ؟! فطلبت منه أن يعيدني طفلاً بزمن الماضي ، لأمنحكم الحياة التي حُرمتم منها ، ولأعوّضكم عن سنوات الشقاء.. وكل تلك الجوائز التي ظننتموها حظاً وافراً ، لم تكن سوى جزءاً من ثرّوتي ، جلبتها معي لرسم البسمة على وجوهكم.


ثم نظر الى الشاشة التي تقيس نبضاته المنخفضة :

- يبدو أن طاقتي نفدت ! وسأعود الآن إلى عمري الحقيقي.

وأغمض عينيه .. ليرتفع رنين جهاز القلب ، مُعلناً وفاته !


وفجأة ! كبرت ملامحه بسرعة...وشاب شعره...وامتلأ وجهه بالتجاعيد..لتبدو هيئته ككهلٍ كبير ، ممدّداً على السرير الطبّي ..


وقبل ان يستوعب اهله هول الصدمة ، أو يدركوا حقيقة ما جرى ! بدأت أجسامهم تتلاشى في الهواء ، الى ان اختفوا جميعاً من الغرفة .. فهم رحلوا قبل موته بسنوات! 


ليدخل الطبيب على صوت الجهاز ، ويجد العجوز ميتاً وعلى وجه ابتسامة الرضا .. فهو رغم عدم تغيّره القدر ، الا انه نجح بمنح عائلته حياةً أسعد مما عاشوه في واقعهم المرير !


الخميس، 17 سبتمبر 2026

حمامة السلام

كتابة : امل شانوحة 

قصة حقيقية ، تصلح للأطفال فوق سن 10

البطلة (شير آمي)


كانت رؤيتها مشوّشة من آثار غبار القنابل التي عبقت في سماء المعركة .. وأنفاسها مكتومة من آلام رصاصةٍ استقرّت في صدرها.. وساقها شبه مبتورة ، تتأرجح في الهواء .. بينما تمسك بكل قوتها برسالة الإنقاذ بقدمها الأخرى .. وهي تطير بصعوبةٍ بالغة بجناحها المكسور ، بعد فقدها الكثير من دمائها.


كل شيء كان يدعوها للإستسلام ، خاصة بعد أن لمحها جنود العدوّ الذين حاولوا إغرائها بالطعام لتهبط في معسكرهم.. لكنها أبت إلا أن تتمّ المهمّة ، ولوّ كلّفتها حياتها.. فهي الأمل الأخير لمئات الجنود الأمريكيين المُتمركزين خلف خطوط العدو ، الذين حاصروهم في صباح الرابع من تشرين الأول عام 1918 فوق غابة الأرجون الفرنسية.


والأسوأ من ذلك ، أن مدافع جيشهم الأمريكي قصفت موقعهم عن طريق الخطأ في تحديد مكان كتيبتهم التي انقطعت عنها جميع وسائل الإتصال .. 

مما أجبر قائدَهم الرائد تشارلز ويتلسي على استخدام آخر حمامٍ زاجلٍ لديه .. وهي الحمامة شير آمي (أيّ الصديق العزيز) بعد أن ربط رسالة الإستغاثة بقدمها ، جاء فيها :

((نحن على الطريق الموازي للنقطة 276.4.. مدفعيتكم تقصفنا مباشرةً.. أرجوكم أوقفوا القصف)) 


وبدورها كافحت الحمامة الشجاعة رصاصات العدو التي استهدفتها مباشرةً ، إلى أن نفّذت مهمّتها المستحيلة !

وفور قراءتهم الرسالة ، أوقفت القوات الأمريكية قصفها الخاطئ .. مُرسلةً جنودها لإنقاذ كتيبتهم الضائعة ، الذين عثروا عليهم متعبين وجائعين وجرحى... لم يتبقى منهم سوى 194 ناجياً ! 

^^^


وبعد إسعاف الحمامة الشجاعة ، وتركيب قدمٍ خشبية لمساعدتها على التوازن بدل رجلها المبتورة.. عادت مع الجنود إلى الولايات المتحدة ، وتمّ الإعتناء بها إلى أن ماتت عام 1919.. وحُفظ جسدها بعد تكريمها كبطلة حرب ، لتُعرض لاحقاً في متحف سميثسونيان

***



وبعد مئة عام ، وفي نزهةٍ مدرسيّة إلى المتحف.. وقف الطلاّب امام الحمامة المُحنّطة التي وُضع حول رقبتها وسام الشرف .. بينما يستمعون باهتمام لشرح أستاذهم حول بطولتها الجبّارة والنادرة.


ثم ختم الأستاذ كلامه :

((مهما صادفتم ظروفاً صعبة ، تمنعكم من تنفيذ مهامكم في الحياة .. فتذكّروا الحمامة شير آمي التي أصيبت في صدرها وجناحها ، وخسرت قدمها .. ورغم كل آلامها ، أصرّت على إيصال الرسالة ، وإنقاذ الكتيبة من موتٍ محقّق.. وبذلك استحقّت بجدارة وسام البطولة))


وهنا أدرك الصغار أن أعظم الأبطال ليسوا دائماً من يحمل السيوف والبنادق ، بل أحياناً يكون البطل.. مجرّد حمامةٌ شجاعة تحمل رسالة السلام !


الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

شوربة العدس

تأليف : امل شانوحة 

الحصّالة النقدية 


- أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دوري لأتذوّقها ؟!

فنظر إليه والده بعينيه المُتعبتين : 

- قدرُك أن تكون إبن حمّال ، يا بنيّ .. بالكاد تكفي أجرتي لتسديد مصاريف المنزل.. ألا يكفي أنني ربيتك وحدي بعد وفاة أمك ؟ هذا بدل أن تنزل للسوق لمساعدتي .. فأنت بلغت العاشرة ، وبإمكانك العمل في إحدى المحال التجارية 

الصبي بضيق : 

- ربما سأفعل يا أبي .. فقط لأملك المال ، لشراء طعامٍ غير شوربة العدس المقرفة.

***


وفي يوم عمله الأول كأجير في نقل الأغراض بمتجر الحيّ ، أعطاه والده حصّالة حديدية .. ونصحه بادّخار أجرته ، للإنتفاع بها مستقبلاً  

فوافق الصبيّ على اقتراحه .. وأجّل حلمه بتذوّق الحلويات ، لحين امتلاء حصّالته الصغيرة بالمال.

***


إلاً ان القدر كان له رأيٌّ آخر .. فقد توفيّ والده بعد سقوط صندوقٍ ثقيل فوق رأسه ، أثناء تفريغه البضائع من الشاحنة.. 

ولعجز الصغير عن دفع إيجار بيته ، تمّ نقله الى دار الأيتام.

***


بعد بلوغه سن 18 .. تسرّح اخيراً من الدار ، ليكافح بالعمل في ثلاثة وظائف معاً ..مع وضع أجورها في حصّالةٍ ، تُشبه هدية والده الراحل ..

فقد اصبح مهووساً بفكرة : أن يصبح غنياً قبل بلوغه سن الخمسين .. وحينها سيشتري كل ما حُرم منه في طفولته وشبابه.. 


ومن أجل تحقيق هدفه ، عاد بإرادته إلى شوربة العدس الرخيصة ، لتوفير ماله .. فهي أشهى من العصيدة المقرفة التي كبر عليها في الميتم !

***


في سن الشباب .. حاول أصدقاؤه مراراً دعوته الى المطاعم .. لكنه رفض ، خوفاً من تعوّده على المذاق اللذيذ .. فيخسر بذلك مدّخراته التي جمعها ، لأجل ثرائه المستقبليّ .. حتى حينما يعزمونه على حسابهم ، يعتذر للسبب ذاته .. 

ولهذا ايضاً رفض فكرة الزواج ، مُبرّراً للآخرين : 

- لست بخيلاً كأبي ، لكن لديّ طموح بالثراء قبل أن أصبح عجوزاً 

***


وبالفعل ، أثمر ذكاؤه التجاري وساعات عمله الطويلة الى تحويله من أجيرٍ صغير إلى صاحب متجرٍ اتسع مع الأيام ، ليصبح أكبر سوبرماركت في المنطقة 

***


وبعيد ميلاده الخمسين .. وقف مزّهواً بنفسه امام اصحابه الذين دعاهم الى قصره (الذي اشتراه حديثاً) بجانب مائدةٍ طويلة مليئة بأفخر أصناف اللحوم والأطباق التي حلم بتذوّقها طوال حياته.. 

وألقى بغرور خطاباً عن عصاميته ، وبنائه ثرّوته بعد سنواتٍ من الصبر والشقاء .. ليكون الوحيد بين أقرانه الذي صنع مملكته بنفسه.


وبعد تلقيه التهاني من اصحابه .. وضع أول لقمة لحمٍ فاخر في فمه..

وماهي إلا لحظات ، حتى شعر بآلامٍ حادة ومفاجئة .. جعلته يسقط أرضاً ، وسط ذهول الحاضرين ! وينقلوه فوراً إلى المستشفى طوارئ.

^^^


وهناك ، صدمه الطبيب بعد ظهور نتائج الفحوصات : 

بأن معدته التي اعتادت لعقودٍ طويلة على التقشّف القاسي وتناول صنفٍ واحد ، فقدت قدرتها على إفراز الإنزيمات اللازمة لهضم أيّ طعامٍ آخر ! ولهذا تستوجب حالته الصحية ، تناول الشوربات لبقيّة حياته 


فعاد الرجل إلى قصره مكسور الخاطر ، وهو يشعر بقهرٍ كبير 

***


وفي ليلة رأس السنة .. وقف أمام نافذته الزجاجية ، وهو يراقب خدمه يتناولون أشهى المأكولات في حديقة قصره.. بينما يمسك بطبقٍ ساخن من شوربة العدس ، وهو يتمّتم بندمٍ وحسرة : 

((كنت أكرَهُ أبي ، لإجباري على تناول الشوربة طوال طفولتي.. ثم تناولتها في شبابي باختيارٍ مني.. والآن أصبحت وجبتي الإجبارية لما تبقى من حياتي ! ليتني عشت كل يومٍ بيومه .. فما حاجتي لثروةٍ لا يمكنني يوماً الإستمتاع بها))


ثم اخذ رشفة من شوربته .. وهذه المرة لم يشعر بطعمها ، بل كانت أشبه بسكين غرزت في روحه الحزينة !


الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

العروس المشؤومة

تأليف : امل شانوحة 

الحب المُقدّر


في مكتب السيد خليل بقصره الريفيّ ..

وضعت الخادمة القهوة امامه ، وهي تسأله : 

- سيدي .. هل يمكنني العمل اليوم بالحديقة بدلاً من زينب ؟

السيد : واين هي ؟ لما لم تأتي للقصر حتى الآن ؟

- اليوم يصادف وفاة خطيبها .. وعادةً تقضي نهارها في المقبرة

السيد باستغراب : هل كانت مخطوبة ؟!

- قبل عامين .. وللأسف توفيّ عريسها بالفرح ، من طلقةٍ طائشة أطلقها أحد المدعوين ابتهاجاً.

- لم اكن اعلم !.. هل كانت تحبه ؟

- كان ابن الجيران ، نشآ معاً منذ الطفولة.. وعقد والديهما خطبتهما منذ صغرهما 

- اذاً كان موتته صدمةً عنيفة لزينب ؟!

- من الجيد انها لم تفقد عقلها .. خصوصاً بعد انتشار اشاعة بقريتنا ، بأنها كانت نذير شؤمٌ عليه .. لهذا لم يتقدّم احد لخطبتها من بعده

السيد بضيق : وما ذنبها ؟! .. فعلاً القرويون يصدّقون أغرب الخرافات ! ..هل ذهبت للمقبرة الجنوبية ؟

- هي المقبرة الوحيدة في قريتنا.. وأظن زينب لوحدها الآن ، فهي ترفض ان يرافقها احد الى هناك.. فهل تسمح بعملي مكانها بالحديقة ؟ فهي وإن عادت باكراً ، ستكون نفسيّتها متعبة

السيد : حسناً ، إذهبي واعتني بالمشتل. 

^^^


وقد آثار كلام الخادمة فضوله ، جعلته يركب سيارته متوجهاً للمقبرة


وعندما دخل .. وجد زينب تسند رأسها باكية على قبر عريسها ، وهي تغني اغنيةً شعبية.. 

فاختبأ خلف الأشجار ، دون أن تشعر بوجوده.


وبعد انهائها الأغنية بصوتها العذب ، أكملت حديثها مع خطيبها المتوفي :

- حبيبي .. أتذكر عندما غنيت هذه الأغنية في صغرنا ، ووعدتني ان تغنيها بفرحنا ؟ .. للأسف ، لم اسمعها منك ثانيةً.. (ثم تنهدت بقهر) .. ليتك تعلم بالمصائب التي تراكمت فوقنا ، طوال السنة التي لم ازرك فيها ؟ .. فقد خسر أبي ثرّوته في البورصة ، ومات مقهوراً.. واضّطررت للعمل عند الرجل الذي اشترى مزرعتنا وبيتنا في المزاد ، بعد انتقالي مع أمي وجدتي وأختي الصغيرة الى ملحق الخدم بحديقة قصرنا ! اما السيد الذي اعمل عنده ، فلا ادري حقاً كيف أصفه ! فهو يحترم عائلتي ، لكنه يتعمّد القسوة عليّ .. كأنه يخشى تتطوّر عواطفه اتجاهي ، بعد معاناته مع طليقته في محاكم المدينة !.. (ثم شهقت ، وهي تضع يدها على فمها).. آه ! آسفة حبيبي ، لم اقصد ما قلته .. اعرف غيرتك الشديدة عليّ


ثم ازالت خاتم خطوبتها التي كانت تضعه في عقدها ، وهي تقول :

- هذه المرة سألبسه باليد اليسار ، لأني اعلن امامك : بقائي عزباء طوال حياتي ، الى ان نجتمع ثانيةً في الآخرة.


ووعدها هذا ، اغاظ خليل الذي لم يتوقع أن تكون مُتمسكة بالماضي إلى هذه الدرجة!


ثم نظرت زينب لساعة جوالها :

- يا الهي ! تأخر الوقت.. عليّ العودة إلى القصر قبل أن يغضب السيد.. فهو منحني فرصة العمل بتنسيق حديقته ، للإستفادة من شهادتي الزراعية..لذا سأودّعك على عجل ، قبل عودتي الى العمل


واثناء قراءتها الفاتحة امام قبره .. سارع خليل بالخروج من المقبرة ، والجلوس بسيارته محاولاً تهدئة نفسه.

^^^


وعندما خرجت من هناك ، شاردة الذهن .. أطلق بوق سيارته .. 

فالتفتت اليه بدهشة :

- سيد خليل ! ماذا تفعل هنا ؟

- كنت ازور قبر صديقٍ لي ، هل لديك مانع ؟

- لم اقصد سيدي

خليل : اذاً اركبي ، فورائك عملٌ كثير بالقصر

^^^


وفي الطريق ، ظلّت زينب صامتة وهي تنظر من النافذة بشرود .. 


وعند توقفه امام إشارة المرور ، لاحظ تحريكها للخاتم بتوتّرٍ وارتباك .. 

فشعر بالإنزعاج لفكرة : أن تظلّ صبية فاتنة ، وفيّة لرجلٍ ميت .. فهو هدر للجمال وسنوات العمر ! 

^^^


وبعد عودتهما للقصر ، سارعت زينب للحديقة للقيام بعملها 


وبعد ساعتين .. دخل خليل الى مشتله ، لرؤية ما انجزته من عمل .. ليسمعها تدنّدن نفس الأغنية التي غنتها بالمقبرة .. 

ثم توقفت عن الغناء ، وهي تُحدّث نفسها بصوتٍ مسموع :

- ارأيت حبيبي كيف اصبح مشتلنا جميلاً ؟ .. طبعاً !! فزوجتك بارعة بالزراعة

فتضايق خليل من كلامها ، قائلاً بنفسه بغيظ :

((مازالت تفكّر بذلك اللعين !)) 


وعند استدارتها ، تفاجأت بخليل خلفها ! وكادت تسقط فوق التربة المُبلّلة..

فأسندها ، بلفّ ذراعه حول خصرها .. لكنها أبعدته عنها بعنف ، معاتبة:

- لا تلمسني رجاءً .. انا امرأة متزوجة

فصرخ بعصبية : توقفي عن هذا الغباء !! خطيبك توفيّ وانتهى امره

- هو ميت بالنسبة لكم... لكنه سيبقى زوجي للأبد !! 

- انت تتوهمين !! فهو لم يصبح يوماً زوجك  

- وما دخلك انت ؟! 

- زينب اهدأي قليلاً ..أنت مازلت شابة ، لما تدفنين نفسك مع رجلٍ ميت؟ 

- لأني وعدّته ان اكون وفيّة له ، لآخر عمري ..

خليل بعصبية : وانا لن اسمح لك بذلك !!


وحاول نزع الخاتم من اصبعها بالقوة .. ليُفاجأ بصفعتها القوية :

- من انت لتزيل خاتم زواجي ؟!! ان كنت ستذلّني بالعمل لديك ، فأنا استقيل !!

خليل : لا يمكنك الإستقالة ، فأهلك بحاجة لراتبك

- سأعمل بمزرعةٍ اخرى !!

وخلعت مئزر العمل ، وخرجت من المشتل غاضبة ..


خليل بدهشة : المجنونة ! .. اساساً لما اهتم بخادمتي العنيدة ؟!

***


في اليوم التالي ، واثناء شربه القهوة في مكتبه .. لمح من نافذته ، زينب وهي تركب سيارة اجرة متوقفة خارج بوابة قصره !

فلم يجد نفسه الا وهو يلاحقها بسيارته ، الى ان نزلت في ارضٍ زراعيةٍ أخرى .. 


ثم راقبها من بعيد وهي تتفق مع صاحب المزرعة على العمل لديه ! 

فعاد غاضباً الى قصره ، بعد تأكّده من استقالتها

***


وعندما حلّ العصر .. انتابه القلق الشديد ، جعلته يقود للمزرعة المجاورة 


وهناك رأى زينب تشرح للمالك طريقة زراعة المحاصيل ، حسب معرفتها الزراعية ..

لكنه شعر بالرجل يقترب منها أكثر مما ينبغي.

ودون ان تنتبه ، أمسكها من الخلف..

فقاومته زينب بعنف ، وهو يحاول جذبها اليه 


فنزل خليل من سيارته مسرعاً .. وانهال على الرجل بلكمةٍ قوية ، أسقطته أرضا..وهو يصرخ مهدّداً :

- ان لمستها ثانيةً ، سأقتلك.. أفهمت !!

الرجل خائفاً : آسف سيد خليل ، لم اعرف انها تهمّك 

فرفع خليل يد زينب المرتبعة :

- هي زوجتي !! الا ترى الخاتم ؟!! 

فحدّقت زينب فيه بدهشة ! 

الرجل بخوف (فهو يعرف خليل القادم من المدينة ، وقوته بالسوق): 

- سامحني رجاءً ، لن اقترب منها مجدداً .. احلف لك 


فسحب خليل ذراع زينب الخائفة إلى سيارته

***


وفي الطريق ، سألها غاضباً : 

- ألم تجدي مكاناً آخر للعمل غير تلك المزرعة ؟

زينب : هو الوحيد الذي وافق على توظيفي ، بعد قراءة ايميلي  

خليل : طبعاً سيوافق بعد رؤيته لصورتك الجميلة بالملف 


وكانت المرة الأولى التي يمتدح فيها شكلها ! رغم انه عاملها بجفاء طوال الست شهور من شرائه املاك والدها بالمزاد العلني 


خليل : لن اسمح بعملك عند احدٍ غيري .. مفهوم !!

فسكتت زينب قليلاً .. قبل ان تسأله :

- اخبرته بأنني زوجتك ! لما فعلت ذلك ؟!

فردّ بعصبية : لأنك مصرّة على وضع خاتمك السخيف بيدك اليسار .. هيا أعيديه الى عقدك ، او ارميه بعيداً !!

زينب : هذا الخاتم يخصّني وحدي .. لا افهم سبب غضبك منه لهذه الدرجة!


فالتزم الصمت وهو يكاد ينفجر من الغيرة.. بينما تجاهلت زينب انفاسه الغاضبة وهي تنظر للحقول بصمت اثناء عودتهما للقصر

***


في الأيام التالية ، تعمّدت زينب الإبتعاد عن خليل .. 

فإذا طلب منها القهوة ، أرسلتها مع إحدى الخادمات.

وإذا دخلت إلى مكتبه ، بقيت رسمية معه.

وإذا تحدّث معها ، أجابته باختصار.


شيئاً فشيئاً بدأ خليل يفتقد جدالها وعنادها معه ، ووجودها قربه 

***


وذات يوم ، دخلت الخادمة الى مكتبه وهي تسأله : 

- هل طردّت زينب من العمل ؟ 

خليل باستغراب : لا ! لما تسألين ؟

- رأيتها تصعد الى علّية القصر(التي مازال فيها اغراض تخصّ زينب وعائلتها) باكية ، ومعها كيسٌ اسود وقارورة ماء ! ناديتها ، فلم تجبني .. بدت كئيبة للغاية !

^^^


مما اقلق خليل الذي سارع الى هناك .. لينصدم برؤية زينب بفستان عرسها (الذي احتفظت به منذ يوم الحادثة ، مع تغيّر لون بقع الدم مع الزمن) 

كانت تجلس على الأرض غائبةً عن الوعيّ ، وبجانبها ادويةً فارغة (تخصّ جدتها) ونصف قارورة ماء.. 

وورقة مكتوباً عليها : 

((سامحوني... لم أعد أحتمل الحياة دون حبيبي.. فقرّرت الذهاب اليه))


فعرف ببلعها الأدوية ، انتحاراً ! 

وحملها إلى سيارته ..وانطلق بها إلى المستشفى بأقصى سرعة.

***


وبعد ساعة .. خرجت الطبيبة وهي تخبره بأنهم انقذوها بآخر لحظة ، بعد غسل معدتها


وعندما دخل غرفتها.. جلس بجانب سريرها وهو يدعو لها بالشفاء العاجل 


لكن ما ان استيقظت ، وعرفت بنجاتها .. حتى صرخت عليه معاتبة:

- لما أنقذتني من الموت ؟!! كنت على وشك اللقاء بحبيبي.. 

خليل مقاطعاً بعصبية : اللعنة عليه !! اساساً انتحارك سيرميك في جهنم ، لا الجنة ..ايتها المتهورة العنيدة !!

زينب باكية : سيغفر الله لي ولوّ بعد حين ، فهو يعلم بانفطار قلبي بعد موت حبيبي الذي لا استطيع ..


وقبل ان تكمل كلامها ، تفاجأت بخليل يحضنها باكياً : 

- توقفي يا زينب !! انا اموت كل يوم ، غيرةً وشوقاً عليك .. ولن اسمح بهدر حياتك على شخصٍ ميت 

ثم أمسك وجهها بيديه :

- انت لي يا زينب !! انت لي وحدي

زينب بصدمة : لم اكن اعرف انك تحبني !

- أحببتك منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه بالمزاد.. لكني قاومت شعوري طوال الشهور الماضية ، خوفاً من الفشل ثانيةً بعد طلاقي المرير..

وإذّ بزينب تقول بحزم : 

- إذاً إثبت حبك الآن !! .. أحضر المأذون إلى هنا ، وإلاّ أحلف انني سأعيد محاولة انتحاري بأقرب فرصة !

^^^


وبالفعل أحضر خليل الشيخ والشاهديّن للمشفى ، لكتب كتابهما.. 

ومن بعدها ، اتصل بالعائلتين لإخبارهما بالزواج .. 

فكانت صدمة للجميع ! لأن أهله يعلمون خوفه من الزواج ثانيةً .. وعائلة زينب تعرف تعلّقها الشديد بخطيبها الراحل ! 

***


بعد انتهاء شهر العسل .. التقت زينب بالطبيبة وخادمة القصر في المطعم ، لشكرهما على وقوفهما معها ..

فصديقتها الطبيبة (من ايام الجامعة) تكفّلت بإخباره عن عملية غسل المعدة الوهمية 


اما الخادمة : فهي من أرسلت خليل للمقبرة ، باتفاقٍ مع زينب التي بدأت حوارها التمثيلي مع عريسها الميت ، فور لمحها لسيارته تتوقف بجانب المقبرة .. لكيّ تشعل نار الغيرة في قلبه.. فكما يقال : ((كل ممنوعٍ مرغوب))


كما تعمّدت العمل عند صاحب المزرعة المعروف بعشقه للنساء الجميلات ، لجعله ينوي الزواج من جديد 

^^^


لكن السرّان اللذان لا يعرفهما احد : 

اولاً : بأن والدها أجبرها على قبول خطبة ابن الجيران في صغرها ، رغم عدم انجذابها له مطلقاً 

وثانياً : هو اتفاقها مع عريسها (قبل وفاته) على انهاء زواجهما سريعاً ، بعد اكتشافها خيانته قبل يومين من العرس ! 

ومع ذلك اكملا الإحتفال ، كيّ لا يصدما اهاليهما .. بشرط عدم لمسها ، وتطليقها بعد شهرٍ واحد .. لكن الطلقة الطائشة انهت حياته ، قبل ان يعرف احد كرهها لعريسها الخائن !

لهذا لم تبكي فقداً لحبيبها ، بل لخسارة فرصتها ببناء حياةٍ جديدة بعد الفضيحة الإجتماعية (كونها نذير شؤم على العرسان) !


فقامت بالتخطيط مع صديقتيها للإيقاع بالسيد الوسيم القادم من المدينة ، الذي لن يهتم بخرافات القروين وشكوكهم الظالمة !

***


وبعد سنوات .. اصبح خليل زوجاً رائعاً ، وأباً حنوناً لولدين .. دون علمه بأن قصة عشقه ، كانت خطّة ذكيّة نفّذتها زينب قرب قبر رجلٍ خائن لم تحبه قطّ.


الأحد، 13 سبتمبر 2026

وحش المحيط

تأليف : امل شانوحة 

العلماء الفضوليين


حاول العالِم البحري جاهداً التواصل مع زملائه المتواجدين على السفينة ، بعد انزاله مع رفيقه داخل كرةٍ حديديّةٍ مجوّفة الى اعماق المحيط الهادئ .. والتي انفصلت ، عقب انقطاع الحبل الذي يربطها بالسفينة .. ليسقطا عشرات الأمتار ، قبل أن تستقرّ غوّاصتهما عند حافّة واديٍ سحيق.


وبعد فشله الإتصال بهم .. اطفأ العالم الآخر الأجهزة الإلكترونية ، في محاولة لتهدئة زميله الذي انتابه نوبة ذعرٍ شديدة..

- سنموت من قلّة الأكسجين !!

- اهدأ قليلاً ، فالهواء يكفينا يومين آخرين 

- وهذا اسوء !! لأننا سنحتضر ببطء في هذا الظلام الدامس.. رجاءً أضيء نورنا الخارجي من جديد

- أُفضّل التقليل من استهلاكنا البطارية ، لحين إيجاد زملائنا طريقة لإخراجنا من هنا

- وكيف ؟! فهم لا يملكون حبلاً يصل الى هذه الأعماق

- يمكنهم العودة للشاطئ ، وأحضار حبلٍ اطول.. فمن حسن حظنا ان غوّاصتنا لم تكمل غرقها في الوادي السحيق .. وإلا لوصلنا لأعمق نقطة في المحيط ، عندها سيسحقنا الضغط حتماً.. والآن حاول ان تهدأ .. ودعنا نستمتع بمراقبة الأسماك الغريبة بالخارج

- وكيف سنراها دون المصابيح الخارجية ؟ 

- ضوءنا سيخيفها.. دعها تقترب منا ، ونحن نصوّرها بالكاميرات الحسّاسة للظلام.. فنحن سنبقى هنا لبعض الوقت ، قبل ان يتمكّن زملائنا من اخراجنا من هذه الورطة

- ليتني كنت متفائلاً مثلك


وسرعان ما انشغل العالمان بتصوير الأنواع النادرة للأسماك ، لدرجة انهما نسيا أنهما عالقين في قاع المحيط.


لكن شيئاً ما حصل ، ارعب كيانهما ! بعد رؤيتهما لمخلوقٍ ضخم يصعد ببطء من قاع الوادي ! حيث ظلّ الكائن يقترب من غواصتهما ، الى ان وقف مباشرةً امام نافذتهما الزجاجية ! 


العالم الأول بقلق : ما هذا الشيء امامنا ؟! هل هو حبّارٌ ضخم ؟!

العالم الثاني بفزع : هل يعقل ان غوّاصتنا بحجم عينه فقط ؟! أضيء الأنوار فوراً!! 

- لا ، اخاف ان نرى مخلوقاً ارعب بكثير


وفي اللحظة التي ركّز فيها المخلوق عينيه عليهما ، شعر العالمان بدوارٍ مفاجئ.. قبل ان ينطفئ كل شيء داخل غواصتهما التي تحوّلت لكرةٍ مظلمة !

 ^^^


على متن السفينة ، كان الطبيب يراقب جهازاً متصلاً بخوذتي العالمين ، لقياس نشاطهما العصبي ، ثم ارسال البيانات إلى السفينة.

وإذّ به ينادي بقية العلماء بفزع :

- لقد توقفت الإشارتان في اللحظة نفسها !!

فسأله عالمٌ آخر باستغراب :

- أتقصد انهما ماتا معاً ؟!

الطبيب : لا ادري ، لكن اتصالي انقطع معهما تماماً !

- وماذا نفعل الآن ؟ هل نطلب من المروحية العودة لشاطئ.. فالحبل الطويل الذي يحضرونه ، لا فائدة منه بعد فشل تجربتنا

عالمٌ آخر : لا طبعاً !! حتى لوّ ماتا ، علينا إعادتهما.. على الأقل نراجع كاميراتهما ، فربما تحتوي على اكتشافاتٍ علمية لم يرها إنسان من قبل..وبذلك لا يذهب موتهما سدى 


وبالفعل وصلت المروحية الى السفينة ومعها الحبل الطويل في نهايته مغناطيس ضخم ، صُممّ لسحب الكرة الحديدية.

وبعد جهدٍ طويل ، نجح الفريق في انتشالها من اعماق المحيط

ليجدا العالمين مازالا يتنفسان ، لكنهما بغيبوبةٍ مؤقتة ..ربما من ضغط المحيط او من هول ما رأياه !

***


في مستشفى تابع للمختبر العلمي في العاصمة ، بقيّ العالمان فاقدَي الوعي لعدة ايام 


وقبل نهاية الإسبوع الأول .. استيقظ احدهما وهو لا يصدّق خروجه سالماً من جحيم البحر ! ومع ذلك يبدو عدم استقراره عقلياً ، بعد إخبار زملائه عن العين العملاقة التي سيطرت على عقليهما.


ثم وصف خروجهما طواعية من الغواصة ، دون اقنعة اوكسجين ! حيث قيّدهما المخلوق بإحدى اذرعته الكثيرة اثناء سحبهما للأسفل ، لأعمق نقطة في المحيط.. الى ان وصلا أخيراً إلى أرضيةٍ رمليةٍ مظلمة.


وهناك اضيئت عيناه لأول مرة ، ليشاهدا حجم المخلوق المرعب .. الأشبه بحبّارٍ عملاق يصل طوله لمبنى من عشرة طوابق ، ربما يعود لزمن الديناصورات ! 

والذي اوصلهما الى قصرٍ اسود موجود داخل كهفٍ عميق ..


ثم اطلق سراحهما ، قبل سباحته بعيداً عنهما.. فلم يكن امامها سوى اكمال السباحة عبر ممرٍ طويل تحيط به شعلات الضوء الزرقاء التي تصدر من عيون مخلوقاتٍ غريبة تسبح على جانبيه : أجسادها بشريّة من الأعلى ، لكن أجزاءها السفلية مغطّاة بزعانف غريبة.. لم يكونوا حوريات البحر ، بل اشبه بجن المحيط ! 

وظلّ العالمان يسبحان الى ان وصلا لصالة القصر .. في آخره عرشٌ ذهبيّ ضخم ، يجلس عليه كيانٌ شيطانيٌ مرعب 


فسأله عالمٌ آخر بذهول : أتقصد ابليس ؟!

ليردّ المريض : نعم !! وكان غاضباً من فضول البشر الذي اوصلنا اليه.. فحسب كلامه : انه ترك نعيم الدنيا لذريّة آدم.. واختار اسوء واصعب مكان للعيش مع ابنائه .. ومع ذلك تبعناه الى هناك !

- وماذا حصل بعدها ؟

- عرض علينا أن نكون من جنوده ، مقابل ثروةٍ ماليةٍ ضخمة.

- وهل قبلتما ؟

المريض : انا لم اتردّد برفض عرضه ، خوفاً من عصيان ربي.. لكن زميلي وافق على الفور ! وبعدها استيقظت بالمشفى.. مع اني ظننت انه سيقتلني ، بسبب تعابير وجهه الغاضبة حين سمع جوابي !

^^^


وبعد هذا الحوار ، استأذنهم المريض للعودة للنوم مجدداً من شدة ارهاقه .. فتوجه بقية العلماء الى مكتب المشفى

- هل تصدقون ما قاله ؟

- لا ، هو يهذي حتماً

- وماذا لوّ كان يقول الحقيقة ؟

- مستحيل !! لا احد يعرف مكان ابليس

- نحن نعلم انه يسكن البحار.. فلما لا يكون اختار اعمق نقطة بالمحيط الهادي ؟


فسكتوا قليلاً ، قبل ان يستنكر احدهم :

- لوّ كان كلامه صحيحاً ، لما تركه ابليس حياً بعد عصيان اوامره


ولم يكمل جملته ، حتى دخلت الممرضة وهي تصرخ فزعة :

- تعالوا بسرعة ، وانظروا ما حصل لزميلكم !!

^^^


فركضوا خلفها ، عائدين الى غرفة المريض الأول.. ليجدوا دمائه واشلائه ملطّخة على جدران الغرفه ، كأنه انفجر لأجزاء صغيرة ! 

وهناك عبارة مكتوبة بدمائه على الجدار :

((هذا جزاء من يخالف اوامري))

فنظروا لبعضهم برعب :

- يا الهي ! لقد قابل ابليس بالفعل 

^^^


ثم توجهوا مسرعين ، لرؤية ان كان زميله توفيّ ام لا.. ليجداه متربّعاً فوق سريره باستعلاء ، وعيونه تلمع بحديةٍ مخيفة 

فقال احد العلماء :

- اخيراً استيقظت !! خفنا عليك يا رجل

فظهر صوت المريض ، مخالفاً عن صوته الأصلي :

- انا ابليس المعظّم !! فبعد شعوري بالمللّ من عيشي بظلمة المحيط الخانقة ، قرّرت تجسّد هذا العالم .. وبذلك أتابع خططي بينكم.. فهل ستطيعون اوامري ؟ ام تفضّلون ان أصبغ ارضيّة المشفى بدمائكم ، كما حصل لزميلكم المتديّن؟!

فردّوا جميعاً بخوف : لا سيدي ، نحن طوع امرك !!

ابليس بابتسامةٍ مريبة : ممتاز !! اذاً لنبدأ بالأمر الأول ضمن سلّسلة طويلة من القرارات المصيرية ، التي ستجعلني أحققّ حلم حياتي بتدمير البشريّة جمعاء !!


ثم اطلق ضحكةً مجلّجلة امام العلماء الذين ارتجفوا خوفاً بعد ان تسبّب فضولهم بإخراج ارعب مخلوق من مخبئة ، لتدمير العالم كلّه! 


الجمعة، 11 سبتمبر 2026

التمثيل الهادف

تأليف : امل شانوحة 

المشهد المصيري


في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن خطيبته ؟ 

فأجابه الأستاذ :

- هي غائبة اليوم.. 

الممثل سعيد : هذا خطأي ، كان عليّ الإتصال بها قبل القدوم الى المعهد

الأستاذ : ما رأيك لوّ نستفيد من وجودك ، بإعطائك درساً عملياً للطلّاب ؟

فتحمّست الطالبات للفكرة ..


فوقف سعيد أمامهم ، وهو يسألهم بثقة:

- قبل أن أبدأ ، ما رأيكم بفيلمي الأخير ؟

فارتفعت أصوات الإعجاب والثناء.

فسألهم بغرور : 

- أفهم من ذلك ، أن لا أحد لديه نقد لدوري السابق ؟


فوقفت الطالبة مروى من الصفّ الخلفيّ ، وهي تقول :

- كان دورك جريء أكثر من اللازم 

فردّ سعيد :

- هذه طبيعة الأفلام الرومانسية.

مروى : ليس بالضرورة.. تستطيع تنويع أدوارك.. فأنت قدّمت طوال السنوات الماضية الشخصيّة ذاتها.. فلما لا تجرّب الدراما أو الأكشن ، او أيّ فيلم لديه فكرة هادفة ؟ 

فضحك سعيد :

- لوّ كان الأمر بيدي ، لفعلت.. لكن المخرجين يرونني مناسباً للأدوار الرومانسية.

فقالت إحدى الطالبات بإعجاب:

- لأنك أجمل ممثلٍ شاب بالوسط الفني ، وحنانك الفيّاض يساعد على نجاحك بتلك الأدوار الجميلة 

فالتفتت إليها مروى:

- وكيف عرفتي أنه حنون ؟ ألم تطلّقه زوجته السابقة بسبب الخيانة؟

فعاتب سعيد مروى :

- لوّ سمحتِ !! طليقتي توفيّت منذ فترةٍ وجيزة ، ولا أحب أن يتحدّث عنها أحد


فتدخل الأستاذ لتهدئة الوضع المتوتّر بالقاعة : 

- مروى !! لا داعي لإحراج ضيفنا.

فردّت بهدوء : اعتذر من الأستاذ سعيد .. كنت فقط أوضّح لزملائي ، بأن أدوار الممثل لا تعكس بالضرورة شخصيّته الحقيقية 

فأراد الأستاذ تغير الموضوع :

- حسناً ، لننتقل إلى التطبيق !! أستاذ سعيد .. إخترّ مشهداً من أعمالك ، تمثلّه مع أحد الطلاّب.


فاختار سعيد مروى التي نزلت اليه من المدرّج ..

وأراد تطبيق مشهدٍ رومنسي ، لكنها ابعدته عنها بعنف 

- لوّ سمحت !! لا أحب أن يلمسني أحد.

سعيد باستغراب : 

- وكيف اذاً ستنجحين في التمثيل ؟ فبعض المشاهد يتطلّب ذلك.

مروى :

- استطيع التمثيل دون تجاوز حدود الأدب والأخلاق 

فقالت إحدى الطالبات:

- هي تعتمد على والدها ، فهو مخرجٌ مشهور.

فسأل سعيد باهتمام :

- ومن والدك؟

مروى بفخر :

- أحمد مروان.

سعيد :

- آه اعرفه ! هو مخرجٌ بارع بالأفلام الإجتماعية.. لكن الواسطة ليست كل شيء ، يجب أن تمتلكي الموهبة والخبرة.

مروى : تتكلّم وكأنك خرّيج معهد التمثيل ، فأنت عملت بهذا المجال منذ صغرك 

سعيد : صحيح ، واخترت كلّية المحاسبة التي تخرّجت منها بتفوّق.

مروى : كان الأفضل لوّ اكملت بذلك المجال ، بدل تكرار الأدوار ذاتها.


فلاحظ الأستاذ ضيق الممثل ، فأسرع بالقول :

- سيد سعيد .. دعنا نغيّر المشهد

سعيد ساخراً :

- دعّ السيدة مروى تختار على ذوقها 

مروى : اذاً لنخترّ مشهد الزوجة حين عرفت بخيانتك 

فنظر سعيد اليها غاضباً ، لتردّ بابتسامةٍ باردة :

- قصدّت إفتتاحيّة فيلمك الأخير.

فردّ بغيظ :

- اذاً ابدأي المشهد


لتفاجئه بصفعةٍ قوية ، جعلت كل القاعة تشهق بصدمة !

لكنها لم تتوقف ، بل واصلت الحوار باتقانٍ شديد .. مُجبرةً سعيد على إكمال تمثيل دوره باحتراف.

ليعلو التصفيق بعد انتهاء المشهد 


سعيد معاتباً :

- مثّلتي بقوة ، لدرجة ان خدّي مازال يؤلمني.

مروى : الدور تطلّب ذلك.

ثم عادت الى مقعدها دون أن تعتذر !

***


في تلك الليلة ، رأى سعيد مناماً غريباً :

((طليقته المتوفاة وهي تقف أمامه ، وتشير الى فتاةٍ من بعيد : 

- تلك ستحتلّ قلبك قريباً

فظن انها تشير لخطيبته .. لكن ما ان اقتربت الفتاة ، حتى ظهرت الطالبة مروى !))


وقد اربكه المنام لدرجة إتصاله بخطيبته ريم ، ليخبرها بزيارته للمعهد غداً

***


في اليوم التالي ..حضر سعيد المحاضرة ، جالساً بجوار ريم.

وبعد قليل ..إختار الأستاذ مروى وريم ، لأداء مشهدٍ أمام الطلاّب.


بعد انتهاء المشهد.. طلب منهما تقويم أدائهما للمشهد

 فقالت مروى:

- تمثيل ريم يُذكّرني بالأفلام العربية القديمة.. ففيه شيء من التصنّع.

ريم غاضبة :

- ولما تتحدّثين كأنك ممثلة مشهورة ؟ اساساً لولا والدك ، لرسبتي من السنة الأولى

فردّت مروى:

- ولولا خطيبك الفنان ، لما وصلتِ لسنة التخرّج 

فتدخل المعلم :

- الأستاذ سعيد هو من سيقيّم أدائكما هذه المرة 

فنظر سعيد إلى ريم ومروى ، قائلاً : 

- لا تغضبي يا ريم .. لكن التمثيل الحديث يحتاج إلى عفويّة وتقمّص الدور ، كأنه يحصل معك فعلاً.. وهذا ما اتقنته مروى 

فغادرت ريم القاعة غاضبة ، ليلحق بها سعيد إلى ساحة المعهد.

^^^


وهناك عاتبته ريم بعصبية : 

- أحرجتني أمام الجميع!

سعيد : كان رأياً مهنياً بحتاً ، فأنا ..

مقاطعة :

- لا تتظاهر بالبراءة.. صديقتي أخبرتني ما حصل بينك وبين مروى في غيابي 

- لم يحصل شيء ! 

- وهل مدحتها قبل قليل لأن تمثيلها أعجبك ، ام لأنها أثارت اهتمامك ؟

وما ان ظهرت مروى من بعيد ، حتى غادرت ريم المعهد دون سماع اجابة خطيبها 


فاقتربت مروى من سعيد معتذرة :

- لم أردّ إثارة المشاكل بينكما !

سعيد : أتدرين انك ستخربين بيتي ؟ 

مروى : اذاً كان عليك مدح تمثيلها

- انا لا يعجبني أدائها منذ البداية .. اما انت..

- انا ماذا ؟

سعيد : مازلت خائفاً من التمثيل امامك بعد صفعتك القوية ! عليك ان تكوني اكثر انوثة ، ان كنت ستدخلين هذا المجال 

- لا تحاول اقناعي ، فأنا لن ابيع مبادئي لأجل الشهرة 

فتغيّر لون وجهه : 

- هل تُلمّحين أنني بلا شرف؟

مروى : انت أضعت موهبتك في الأفلام الهابطة

- هذا ما يطلبه الجمهور

- ربما حصل ذلك بالسبعينات والثمانينات ، عصر ازدهار التلفاز والسينما .. لكن بعد ظهور وسائل التواصل الإجتماعي ، إهتمّ الناس بالأفلام العائلية الهادفة التي تتحدث عن ابطالٍ حقيقين غيّروا العالم باختراعاتهم ومواقفهم الإنسانية 

سعيد : 

- وهل تكتبين مثل تلك القصص ؟

- بكل تأكيد !! ولديّ الكثير منها.

- اريد قراءة احداها 

مروى : معي واحدة بالفعل.

فاستلمها منها وهو يعدها بقراءتها بأقرب وقت ، ثم إعطائها رأيه المهني.

*** 


في اليوم التالي ، التقيا في ساحة المعهد.. وأعاد اليها القصة مبهوراً :

- الفكرة رائعة وعميقة للغاية !

مروى باهتمام : وهل ستعرضها على منتج ، كما وعدتني؟

- بل سأنتجها بنفسي ، ووالدك سيكون المخرج

مروى بصدمة :

- هل وافق ابي ؟!

- نعم .. بشرط !! ان تكوني انت البطلة

مروى : ولما لا ؟ فأحداث القصة نظيفة تماماً ، وذات رسالة راقية.

- وهذا ما يقلقني ، خوفاً من رفض جمهوري ..

مقاطعة : بل سيعجبهم رؤيتك بأدوارٍ جديدة تحترم عقولهم.

***


بعد شهور ، عُرض الفيلم.

وكانت المفاجأة أن الجمهور أحب سعيد بدوره الدراميّ .. ((فالقصة تدور حول رجلٍ يكافح لأجل عائلته ، متخذاً قراراً صعباً يغيّر حياتهم للأفضل.. اما مروى ، فمثّلت دور زوجته وام اطفاله التي ساندته رغم استقالته المفاجئة من عمله ، لملاحقة موهبته النادرة .. حيث أظهر الفيلم حبهما العفيف اللطيف ، دون مشاهد تخدش حياء المشاهدين)) 


وبعد عرض الفيلم ، انهالت على سعيد التعليقات الإيجابية وإشادات النقاد

أما مروى ، فتحوّلت إلى نجمةٍ صاعدة.. وعُرضت عليها عشرات الأدوار ، لكنها رفضت معظمها..

فقال لها والدها:

- للآن رفضتِ ثلاثة أفلام ممتازة!

ابي ، أدوارها لا تناسب معاييري ومبادئي.

والدها : لكن بطل إحداها مشهوراً جداً ، وسيفيد مشوارك الفني !

- لكنه معروف بتحرّشه بالممثلات خلف الكواليس. 


فسكت والدها بتفكيرٍ عميق ، قبل أن يبتسم بفخر:

- طالما تفكّرين بهذه الطريقة الواعية ، فأنا فخورٌ بك يا ابنتي


بهذه الأثناء .. دخل سعيد الى مكتب والدها :

- سمعتكما قبل قليل .. ما رأيك لوّ كنتُ انا البطل ، هل ستمثلين معي مجدداً ؟

مروى باستغراب :

- لكن الدور معروض على الممثل الشهير  

 سعيد : أخبرني المنتج قبل قليل عن رفضه الدور ، لانشغاله بأعمالٍ اخرى .. لهذا عرض الدور عليّ 

مروى بتردّد : المشكلة ان هناك عناق رومنسي بآخر الفيلم .. لهذا لن اقبل ان ..

سعيد مقاطعاً :

- الن تعانقي خطيبك ؟

ثم نظر لوالدها :

- هذا ان وافق والدك على زواجنا ؟ .. (ثم نظر لمروى التي التزمت الصمت)..فأنا وريم انفصلنا بعد عملي معك بالفيلم السابق ، كما تعلمين 

فأجاب الأب ، وهو ينظر لوجه مروى الذي احمر خجلاً :

- انا موافق ، بشرط أن تستمّرا في تقديم الفن النظيف معاً.

سعيد بحماس :

- اذاً اتفقنا

***


وتزوج سعيد ومروى.


ومع مرور السنوات .. أصبحا ثنائياً فنياً ناجحاً ، ومحبوباً من الجميع.. حيث أصرّ الجمهور على رؤيتهما معاً في ادوارٍ درامية راقية ..حتى أصبحا رمزاً لسينما النظيفة


وبسبب إصرارهما المستمر على المواضيع الهادفة ، أدركت شركات الإنتاج أخيراً أن الجمهور هو صاحب القرار الأول فيما يريد مشاهدته.. وطالما أن الأفلام العائلية الهادفة صارت تحقق أعلى الإيرادات والأرباح ، تغيّرت خيارات المنتجين والمخرجين جذرياً نحو الأفضل.

***


وبعد سنواتٍ طويلة من العمل السينمائي المشترك .. قرّر الممثلان المبدعان الإعتزال سوياً ، لتفرّغ لحياتهما الأسرية الخاصة


وفي آخر مقابلةٍ تلفزيونية لهما ، سأل المذيع سعيد:

- هل تندم على تركك الأدوار الرومانسية التي صنعت شهرتك؟

فنظر لزوجته مروى مبتسماً :

- على العكس... فلولا فتاةٌ شجاعة صفعتني يوماً أمام طلاّب معهد التمثيل ، لما اكتشفت براعتي الحقيقية في تجسيد أدوارٍ متنوعة وعميقة.. زوجتي هي من صنعَت مني ممثلاً متكاملاً 

مروى ممازحة ، وهي تنظر بابتسامة الى زوجها :

- لم أدري أن صفعتي ستغيّر حياته ومساره الفني إلى هذه الدرجة!

المذيع بإعجاب : بل أنتِ غيّرتي ملامح السينما كلها!

مروى بتواضع: الفضل يعود للجمهور الواعي الذي فضّل جودة الأفكار وسموّ الرسالة على الأفلام الهابطة.

زوجها سعيد بفخر : وأنتِ من تنبأتِ بذلك قبل الجميع!


وهكذا أثبتت مروى ما آمنت به منذ البداية :

((بأن الجمهور لا يتّبع بالضرورة ما يفرضه عليه المنتجون والمخرجون ، بل يمتلك القرار لاختيار الفن الراقي الذي يستحق المشاهدة والإستمراريّة لسنواتٍ طويلة)) 


مذكرات قاتل

تأليف : امل شانوحة  انتقام لقيط إقتحمت الشرطة منزل الشاب الغامض ، اثناء جلوسه بهدوء في غرفته .. فطلبوا منه الإستسلام :  - جاك اندرسون !! ا...