الجمعة، 24 يوليو 2026

خيارات الوفاة

تأليف : امل شانوحة 

الرحلة الأخيرة


في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك :

- أيها السادة الركّاب ... أعتذر منكم... أحد أفراد الطاقم يهدّدني بسلاحه ، ويجبرني على الهبوط فوق البحر ! ادعوا الربّ أن يُنجينا من هذا البلاء


وفجأة ! حلّ مكانه صوت المضيف الإرهابيّ ، وهو يقول ببرود :

- نلتقي قريباً في الجحيم


واثناء ارتفاع صرخات الركّاب ، أسرع جاك بربط حزام امانه.. قبل تتطايّر من حوله من مقاعدهم مع انقلاب الحقائب من المخازن العلوية ، فور الهبوط الإجباري نحو الأسفل !

وقبل ان يستوعب جاك ما يحصل ، حلّ الظلام فور ارتطام الهيكل بسطح البحر


وبثواني ! خلت مقصورة درجة رجال الأعمال (التي يجلس فيها) من الركّاب ! مع بقائه وحده مُثبّتاً بكرسيه ، اثناء غرقه ببطء نحو عمق البحر 

وآخر شيءٍ صرخ به ، قبل انقطاع انفاسه :

- لا اريد الموت غرقاً !!!!


ليستيقظ في مقعده والعرق يتصبّب من جبينه ، على صوت المضيفة التي تربت على كتفه : 

- استيقظ لوّ سمحت ، فأنت ترعب الركّاب بصراخك


فعدّل جلسته وهو يتنفّس الصعداء ، بعد علمه بسلامة رحلته الجويّة .. محاولاً تجاهل نظرات الإنزعاج من بقية الركّاب ، بعد صراخه من كابوسه المفزع


وكان اول ردّة فعلٍ لجاك ، ان فكّ حزام مقعده (الذي كان مُثبّتاً اثناء غفوته)

بهذه الأثناء .. لمح رجلاً يلبس عباءة وشماغٍ اسوديّن ، قادماً من مقصورة ركّاب الدرجة الأولى.. حيث بدى وكأنه انتقل من العصور الماضية ، بعيونه الكحيلة الحادة وزيّه الشعبي القديم !

والذي ظلّ يركّز نظره على جاك .. الى ان وصل بجانب كرسيه 


ثم انحنى نحوه .. دون تمكّن جاك من التحرّك ، كأنه التصق بكرسيه من الموقف المرعب ! 

وهمس بإذن جاك :

- لم يكن كابوساً ، بل كانت رؤية قدريّة.. فجميع الركّاب سيموتون خلال دقائق ، بعد غرق الطائرة بالبحر 

فسأله جاك مرتجفاً :

- من انت ؟!

- ملك الموت


وكانت ابتسامته المرعبة ، كفيلة بجعل جاك يصرخ بعلوّ صوته :

- لا اريد الموت الآن !! رجاءً أجّلني لزمنٍ آخر

- توقيت الوفاة لا يتأخّر ثانيةً واحدة .. وقد قُدّر موتك اليوم في هذه الرحلة الجوية .. الشيء الوحيد الذي يمكنك اختياره ، هو طريقة موتك داخل الطائرة .. وطالما لم يعجبك الموت غرقاً ، يمكنك تجربة اسلوباً آخر

فرد جاك بيأس :

- ايّ شيء اهون من غرقي في ظلام البحر الموحش

فصفّق الملك بيديه..


ليفتح جاك عينيه مع اختفاء الرجل الغامض ! فظن انه رأى كابوساً آخر.. الا ان امله تلاشى ، بعد سماعه صرخات ركّاب الدرجة السياحية.. 


ولم يمضي وقتٌ طويل حتى دخل رجلٌ مقنّع الى مقصورة رجال الأعمال بعد فتح ازرار قميصه ، لتظهر قنبلةٌ موصولة بجسمه .. وهو يصرخ مهدّداً :

- سأفجّر نفسي وأقتلكم جميعاً ، ايها الكفار الملاعيين !!

فتمّتم جاك بضيق :

- رائع ! سأموت هذه المرة مُنفجراً لأشلاءٍ صغيرة

وقبل ان يكمل جملته ، علت تكبيرات الإرهابي الذي دمّر الطائرة بالحال


وهنا فتح جاك عينيه ، بعد سماعه صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار هذه الطريقة لموتك ؟

جاك : لا طبعاً !! لا اريد ان أتحوّل لذرّات تتطاير بالهواء

الملاك مُتأفّفاً :

- يبدو انك ستتعبني.. حسناً اذاً ، لنخترّ طريقةً اخرى

ثم صفّق بيديه


ليفتح جاك عينيه وهو يشعر بانكتام انفاسه ، بعد تصاعد دخان من مقصورة الدرجة الأولى ! حيث فهم من صراخ المضيفة : ان ثريّاً سكراناً اطفأ سيجارته بالخطأ في كأس الويسكي ، أدّت لاشتعال ملابسه ! 

بينما تحاول المضيفة الأخرى اطفائه ، مع علوّ صرخاته المؤلمة.. 


وبأقل من دقيقتين ، اشتعلت مقاعد مقصورة الدرجة الأولى بالكامل ..مع صعوبة تنفّس بقية ركّاب مقصورتيّ الدرجتين التاليتين ، اللتين امتلئتا بالدخان الكثيف 

كما ان وصول الدخان الى مقصورة الطيّار ، جعلت الطائرة تترنّح يميناً ويساراً مع بكاء الركّاب الخائفين 


وقبل ثواني من وصول النار الى جاك ، استيقظ مرتعباً على صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار...

جاك مقاطعاً بعصبية :

- ومن الأحمق الذي يفضّل الموت احتراقاً ؟!

الملك ساخراً :

- معك حق ، ليس من العدل ان تحترق دنيا وآخرة.. اذاً ما رأيك بهذه الطريقة؟


وأكمل جاك الكابوس ذاته.. لكن هذه المرة تمكّن الهرب من النيران بآخر لحظة ، بعد نجاح المضيفون من إخمادها بطفايات الحريق المخصّصة للطوارئ .. لكن تدافع ركّاب مقصورة الدرجة الأولى للهرب من الدخان الكثيف ، أوقعت جاك ارضاً وهو يصرخ متألماً بعد دهسه بالأرجل.. 


وقبل لفظ انفاسه الاخيرة بعد تكسّر عظام ظهره ، استيقظ من كابوسه مرتعباً ! ليُسرع بشدّ عباءة ملك الموت بعصبية :

- بالتأكيد لا اريد الموت دهساً بالأقدام ، كأنني حشرةٌ قذرة !! 

الملك :

- اهدأ قليلاً.. عليك اختيار احد الطرق السابقة ، لكتابتها بتقرير موتك

جاك : وهل انا الوحيد الذي سيموت بهذه الرحلة ؟

- بل جميع الركّاب

- اذاً لماذا تركّز عليّ ؟

الملك : انظر مجدداً


وأشار الى الركّاب خلفه.. لينتبه جاك لأول مرة ، بوجود ملائكة الموت بجانب كل راكب ، وهم يعطونه الخيارات لطريقة الوفاة !

جاك بدهشة : كم عزرائيل يوجد في الدنيا ؟!

الملك : واحد فقط .. وانا وزملائي ، جنوده .. هو يعطينا قائمة بأسماء الأشخاص الذين علينا قبض ارواحهم كل يوم .. ونحن ننفذ اوامره ، حسب ما كتبه الله في اقدارهم 

جاك : وهل مكتوب بالسجلّ الذي تحمله ، طريقة موتي ؟


فقلّب الملك صفحات ملف جاك الذي يحمله : 

- مكتوبٌ عندي .. تاريخ وفاتك ، والمكان الذي سأقبض روحك فيه.. ولهذا انت مُلزم بالموت ضمن هيكل الطائرة.. وليس لديك خيارات كثيرة لطريقة الوفاة

جاك بيأس : انا احاول فقط إختيار أقلّها إيلاماً

- هذا موت يا عزيزي.. سيؤلمك خروج الروح من جسدك لبضعة دقائق ، قبل شعورك بالراحة الأبدية.. لذا استرجل قليلاً ، ودعني أُنهي مهمّتي بسلام


فمسح جاك دمعته .. ثم أخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول بحزن :

- طالما موتي مقرّراً هذا اليوم بجميع الأحوال ، فأريد طريقة اكثر رحمة من الموت غرقاً او حرقاً او تفجيراً او دهساً بالأقدام


ففكّر الملك قليلاً ، قبل ان يقول : 

- حسناً ، يوجد طريقةٌ اسهل .

وعاد لتصفيق يديه من جديد


وعندما فتح جاك عينيه.. وجد نفسه في مقعده وهو يمسك بطنه متألماً ، بجانب طعامه المتبقي على الصينية.. وهو ينادي المضيفة صارخاً:

- ماذا يوجد بالطعام ؟!! فبطني يتمزّق من الألم 

فصارت تعدّد له المكونات المكتوبة في قائمة الغداء .. الى ان اوقفها منصدماً :

- ماذا قلتي ؟! هل الدجاج مطبوخ بالفول السوداني ؟

المضيفة : نعم سيدي.. على الطريقة الهندية

جاك : انا لديّ حساسية منه.. احتاج لحقنتي فوراً ، والا سأموت في الحال


فساعدته بإنزال حقيبته الصغيرة من المخزن العلويّ فوق مقعده.. الا انه تفاجأ بأن محلول حقنة (الإبينيفرين) انكسر بضغط الهواء ! 

فصار يتلوّى بألم ، قبل ظهور ملك الموت من جديد :

- هآ يا جاك.. هل تفضّل الموت بهذه الطريقة ، لكيّ اكتبها في تقريري..

لكن جاك قاطعه ، بعد إمساك عباءته بعنف :

- لا طبعاً !! لا اريد الموت مسموماً.. إلغي الطريقة بالحال ، فمعدتي تكاد تنفجر !!


وفجأة ! اختفت جميع آلامه .. بينما الملك يتأفّف بجانبه :

- لقد اتعبتني يا جاك ! إخترّ ايّة طريقة .. وعشّ التجربة كاملةً ، لحين خروج روحك تماماً.. وبذلك تنتهي وظيفتي معك ... (ثم اشار بيده) ..انظر خلفك


فرأى جاك جميع الركّاب موتى في مقاعدهم !

الملك : جميع زملائي انهوا مهمّاتهم ، وعادوا للسماء ..وانت مازلت متردّداً باختيار طريقة موتك ! وكل ما عليك فعله ، هو تحمّل الألم قليلاً ..الى ان ينتهي عذابك بهذه الدنيا المتعبة


ففكّر جاك قليلاً ، قبل ان يقول :

- نعم وجدتها !! فقدان الوعيّ حتى الموت

الملك مستفسراً : وكيف سيحصل ذلك ؟

جاك : دعّ الطائرة تهبط بسرعة للأسفل بشكلٍ عاموديّ..وسيؤدي تغيّر الضغط داخل المقصورات الى جعل جميع الركّاب ، بمن فيهم الطيّار يفقدون وعيهم.. وبذلك نموت جميعاً اثناء نومنا دون رعبٍ او ألم

- حسناً ، كما تشاء يا جاك.. سأكتب الطريقة المختارة في تقريري.. وبعد قليل اسحب روحك معي الى السماء.. القاك لاحقاً


ثم اختفى الملاك مع إغماض جاك عينيه ..ودموعه تسيل على خده ، لعلمه بعدم وصوله مطلقاً الى وجهته او رؤية اهله من جديد..


وفجأة ! شعر بتغيّر ضغط الهواء .. جعلت الأصوات من حوله تضعف ، والوجوه تتلاشى .. قبل استسلامه لنومته الأبدية 


الأربعاء، 22 يوليو 2026

الحرارة المختلفة (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

البيئات المتناقضة


في شحن الطائرة ، تمّ نقل بعض الطيور المميزة الى حديقة حيواناتٍ جديدة.. حيث تواجد صقرٌ صحراويّ مع بطريق تشعر بالحرّ الشديد ، وهي تلوّح بمروحتها الورقيّة بانزعاج :

- لا !! لم اعدّ أتحمّل هذه الحرارة

وتوجهت نحو المكيّف المتواجد هناك ، وأدارته لأعلى درجة تبريد .. ثم عادت الى مكانها ، وهي تقول بارتياح :

- هكذا افضل !!


لكن البرد الذي تزايد بمخزن الطائرة ، جعل الصقر يتلحّف بالبطانية بعد استيقاظه من غفوته وهو يشعر بالبرد الشديد ! وحين لاحظ برودة المكيف ، اسرع الى هناك لإطفائه


لتعانده البطريقة بتشغيله من جديد ! 

فيعود الى هناك ، لإطفائه وهو يهدّدها :

- احلف ان ادرته ثانيةً ، بأن آكلك

البطريقة : اساساً انت غريب الأطوار.. فجناحاك قويان ، ويمكنك التحليق بهما لأجمل الأماكن ..ومع ذلك فضّلت البقاء بحرارة الصحراء الخانقة ، التي تندر فيها المطر والبحيرات .. عدا عن الثعابين والعقارب المخيفة !

الصقر : تتكلّمين وكأنك تعيشين في الجنة.. بينما الدببة والحيتان تهدّد حياتك كل يوم ، عدا عن البرودة القاتلة بالقطب الجنوبي

- على الأقل لدينا مياهٌ عذبة

- وانا لديّ شمسٌ تدفئني طوال النهار

- يبدو كلانا منسجماً ببيئته الصعبة !

الصقر بقلق : المهم ان يراعي مسؤولي حديقة الحيوان ، إختلاف طبائعنا


ففكّرت قليلاً وهي تمسح عرقها ، قبل ان تقترح عليه تشغيل المكيف على درجة متوسطة تناسبهما معاً .. 

فوافق على اقتراحها.. 

وبذلك لم تعد البطريقة تشعر بالحر ، ولم يعد الصقر يرتجف من البرودة


ثم تحدثا لبقية الرحلة عن البحار المتجمّدة والكثبان الرملية .. ومخاطر الصحراء والعواصف الثلجية .. والنجوم والحيوانات التي شاهداها طوال حياتهما.

^^^

وفور هبوط الطائرة في المطار ، تعاهدا على البقاء صديقين مقربيّن 

وآخر ما قاله الصقر بهذه الرحلة الجوية : 

- في حال سافرت يوماً الى القطب الجليديّ ، سأحرص على إحضار اسمك بطانية معي

البطريقة ممازحة : وانا .. في حال فقدت عقلي وسافرت لعالمك المخيف ، فسأربط في خاصرتي اقوى مكيف صحراويّ


ثم سلّما على بعضهما بعد ان نشأت بينما علاقة فريدة ، جعلتهما من أعزّ الأصدقاء بعد استقرارهما في حديقة الحيوان .. عقب إدراكهما بأنه حتى لوّ اختلفنا في الطباع والأذواق ، مازال بإمكاننا إيجاد جوانب مشتركة بيننا !


الاثنين، 20 يوليو 2026

زنزانة بلا مفتاح

تأليف : امل شانوحة 

الحرّية المشروطة


استيقظ من نومه بعد شعوره ببردٍ مفاجئ ، ليجد نفسه في زنزانةٍ حجريّة ! 

فتساءل بخوف :

- كيف وصلت الى هنا ، بعد ان كنت نائماً في بيتي الدافىء ؟!


وحاول مراراً تذكّر جريمته التي اوصلته للسجن ، دون جدوى ! فلا يوجد بعقله سوى ذكريات طفولةٍ عادية ، وسنوات من الدراسة المتواصلة ، وبحثه المتواصل عن وظيفةٍ لائقة !


واثناء استغراقه بالتفكير ، سمع مفتاحاً يُدار في قفل بابه الحديديّ ...

لينصدم برؤية الحارس الذي يشبهه تماماً ، كأنه اخوه التوأم !

فسأله برعب : من انت ؟!

فأجابه الحارس وهو يشير لزيّه الرسمي :

- الا ترى بأني سجّانك ؟

فخاف الرجل ان يسأله عن سرّ التشابه بينهما : 

- ولما أحضرتموني الى هنا ؟ فأنا لم ارتكب ايّ ذنبٍ يستحق السجن عليه !

الحارس : انت الوحيد الذي يعرف الإجابة

- لكني لا اتذكّر شيئاً !

فوضع الحارس بين يديّ السجين ، ملفاً ورقياً وهو يقول :

- هذا سيجعلك تتذكّر ماضيك 

وقبل خروجه من الزنزانة ، التفت للسجين قائلاً : 

- على فكرة !! يمكنك الخروج من هنا متى تشاء ، فأنت وحدك تملك مفتاح حرّيتك .. لكن عليك اولاً ، تمزيق جميع الأوراق التي دوّنتها بنفسك 


فنظر السجين لداخل الملف ، ليجد ان اوراقها مكتوبة بخطّ يده ! 

فقال بدهشة :

- لا اذكر انني كتبتها من قبل ! فما هي بالضبط ؟ 

السجّان : مذكّرات حياتك .. ولا تظن انه سيكون سهلاً التخلّص منها .. والآن سأدعك بمفردك ، لتقرأها بعناية .. وسأراك مجدّداً ، بعد انهاء مهمّتك 

وبعد خروج الحارس ..


فتح السجين الملف على الصفحة الأولى .. ليجد مكتوباً فيها :

((كنت بعمر الخامسة حين ضربت امي يدي بقوة ، بعد كسري مزهريّة الجيران))   


فقال السجين :

- طبيعي ان تضربني امي ، كنوع من اعتذارها للجيران بعد تحطيمي مزهريّتهم الفاخرة .. حتى لوّ آلمت يدي ، تبقى ذكرى سخيفة .. ولهذا لا داعي للإحتفاظ بها ، داخل ملف مذكّراتي


لكن عندما حاول تمزيق الورقة ، شعر بوخزٍ في قلبه !

وإذّ بعقله يستذكر ما حصل معه قبل عام ، عندما اوقع فنجان القهوة بإحدى مقابلات العمل.. فسارع لمسح القهوة من الأرض ، وهو يعتذر مراراً من المدير الذي طمأنه بأن عامل النظافة سيهتم بالأمر ..مما جعله يبدو مرتبكاً وضعيف الشخصية ، أدّت لخسارته فرصة العمل ! 


وهنا فهم السجين ان الملف يحوي ذكريات من ماضيه ، أثّرت سلباً على مستقبله بعد تسبّبها بعقدةٍ نفسيةٍ دائمة ! 

فهو لليوم يحرص على عدم ارتكاب الأخطاء ، خوفاً من العقاب ! تماماً كما كان في صغره يرفض اللعب خارج منزله .. خوفاً من كسره لشيءٍ جديد ، يُعرّضه لتوبيخ امه التي احرجته امام الغرباء !


فأخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول :

- يمكننا التعلّم من اخطائنا التي نرتكبها من وقتٍ لآخر .. ولهذا اسامح نفسي ، وأسامح امي ايضاً


وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة بسهولة .. ليشعر على الفور بارتياحٍ نفسيّ ، بعد اختفاء عقدة الذنب اخيراً


ثم قرأ الورقة الثانية التي حصلت له بسن السابعة ، حين تعرّض لمتنمّري مدرسته الذين رموا طعامه فوق الملعب .. وأمروه بتناولها ، رغم تلوّثها بالتراب !

 

فأغاظته تلك الذكرى التي حاول كثيراً نسيانها .. لكنه ايضاً لم يستطع تمزيق الورقة .. وهنا تذكّر كيف عاش بعدها مهووساً بالنظافة ، يرفض تناول الطعام في أيّ مطعمٍ قبل رؤية مطبخه .. ووسّوسته هذه ، جعلته يُطرد أكثر من مرة ، بسبب إصراره على طلبه الغريب !

فتنهّد قائلاً : 

- صحيح انني مرضت بعد حادثة المدرسة ، لكنني بخيرٌ الآن.. ويمكن لمناعتي تحمّل بعض الطعام الغير نظيف

وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة..


ثم قرأ الورقة التالية التي تتحدّث عن حبه الأول بسن المراهقة ، حين قدّم وردة لزميلته التي دهستها بقدمها باستحقار .. وهي تسخر منه امام الطلاّب:

- لست وسيماً او ذكياً ، لتتجرّأ على الإقتراب مني.. إخترّ فتاةً تناسب مستواك الوضيع ، ايها التافه !! 

فضحك الجميع ، ساخرين منه


فأسرع السجين لتمزيق الورقة ، لكنه لم يستطعّ ايضاً !

وهنا تذكّر جارته التي تحبه منذ مدةٍ طويلة .. ورغم انه يبادلها المشاعر ، الا انه لم يجرأ يوماً على اخبارها بذلك 


فقال مبتسماً : حتماً جارتي المرحة لن تجرحني كتلك المتغطرسة.. وفي حال خرجت من هذا المأزق .. سأستجمع قوايّ لخطبتها .. وأتمنى فعلاً ان تكون من نصيبي

وبعد قراره الجريء ، استطاع تمزيق الورقة بسهولة


ومع كل ورقة قرأها : تذكّر حادثاً سيئاً حصل له في الماضي ، أثّر على تصرّفاته المستقبلية.. ولم يستطع تمزيقها الا بعد الغفران لنفسه ، ولقسّوة والديه ولسوء فهم الناس من حوله..

الى ان بقيّ داخل الملف ، قصاصاتٍ ورقيةٍ صغيرة


وبهذه اللحظة ، دخل الحارس لاستلام الملف.. وما ان رأى محتواه الجديد ، حتى قال للسجين بفخر :

- احسنت !! الآن يمكنك الخروج  

السجين بتردّد : عفواً ، سؤالٌ اخير.. لما تشبهني بهذا القدر ؟!

الحارس بابتسامة : لأنني انت

- لم افهم !

الحارس : أنت من سجنت نفسك داخل ذكريات ماضيك ، حتى أصبحت عقدك النفسية قضباناً تحرمك من لذّة الحياة .. لكن طالما عالجت مشاكلك بنفسك ، صار بإمكانك الإنطلاق نحو مستقبلٍ افضل

وقبل أن يسأله عن شيءٍ آخر ، اختفى كل شيء !

^^^


واستفاق الرجل على صوت منبه جواله ، وهو مستلقي فوق سرير غرفته !

- أكان مجرّد حلم ؟!

ثم نظر للساعة ..

- يا الهي ! لديّ مقابلة عمل


وأسرع بتجهيز نفسه لوظيفة العمر التي استطاع لأول مرة الإجابة على اسئلة المدير بطلاقةٍ وثقة ، جعلته ينال الوظيفة بجدارة !

^^^


فعاد الى منطقته ، للإحتفال مع جارته التي ما ان انهت قطعة الكعكة التي أحضرها معه .. حتى فاجأها بجثوه على ركبته ، رافعاً اليها خاتم الخطوبة .. وهو يقول بابتسامةٍ حنونة : 

- اعرف انني توظفت اليوم ، لكني اريد اكمال حياتي معك .. فأنت الوحيدة التي أحبّتني دون شروط.. وأنت من دعمتني.. 


وقبل ان يكمل كلامه ، سحبت الخاتم من العلبة ووضعته بإصبعها.. وهي تجيبه بحماس :

- بالطبع موافقة !! فأنا انتظر هذه اللحظة منذ سنوات

فسارع باحتضانها ، بعد انتهاء عقدته من النساء اخيراَ

***


وبالفعل حياته اصبحت اسهل ، بعد علاج نفسه من كل المعوّقات النفسية التي عطّلت حياته لسنوات .. والفضل يعود لمنامٍ غريب ، كان أشبه بعلاجٍ روحي !


ومنذ ذلك اليوم.. لم يعد الماضي زنزانة يعيش فيها ، بل درساً يدفعه للمضيّ قدماً نحو مستقبلٍ واعد بالإنجازات العظيمة !


السبت، 18 يوليو 2026

اسطورة الأبراج الأربعة

تأليف : امل شانوحة 

كوخ العرّاف


فور وصول شيخ العرّافين الى المنطقة الريفية (وبسريةٍ تامة عن اهالى القرى المجاورة) تجمّع في كوخه المخفي بالغابة ، ثمانية نسّوة من الساحرات المبتدئات الراغبات بتعلّم خبرته الطويلة بالشعوذة .. 

فطلب منهن اثبات قوتهن من خلال اختيارهن لضحايا ، يقمن بسحرهم خلال اسبوعٍ واحد .. 


فاختارت إحداهن قريبةً لها ، تغار منها .. بينما اختارت الأخرى ، جاراً محبوباً بين الناس.. بينما وقع اختيار الأخريات على أشخاصٍ عُرفوا بجمالهم أو مكانتهم الكبيرة داخل المجتمع..

***


وبعد اسبوع ..عادت اربعة من الساحرات الى كوخ العرّاف ، وهن يخبرنه عن انجازاتهن .. حيث قالت كبيرتهن بفخر :

- طلبت من جارتي ان تُريني صور ابنائها .. ثم استغلّيت دخولها المطبخ ، لسرقة صورة ابنها البكر المعروف بوسامته .. وعندما عدّت الى شقتي ، قصصت صورة وجهه ، وألصقتها على لعبتي الصوفية التي اقوم كل ليلة بغرز الدبابيس بكل جزءٍ فيها .. لأستمتع بسماع صرخاته الموجوعة طوال الليل

الساحرة الأخرى : اما انا ، يا شيخي .. فاستخدمت شال قريبتي التي نسته في منزلي ، لدفنه بإحدى المقابر .. ولم ينتهي الإسبوع الا وفسخت خطوبتها من رجلٍ ميسور الحال في قريتنا

- اما انا !! فدسّست السحر داخل طعامٍ ، قدمته لعرسانٍ جدد .. والآن هما متخاصميّن ، وعلى وشك الطلاق قريباً  

- يبدو انني الأخبث بينكن.. فقد استأذنت بدخول حمام قريبتي التي تضع فيه سلّة غسيلها ، فسرقت قميص طفلها الصغير .. وهو الآن بالمشفى بين الحياة والموت ، بعد ان ربطت جزءاً من قميصه المسحور بقدم طائرٍ .. الله وحده يعلم اراضيه الآن 

فقال العرّاف :

- احسنتن جميعاً !! وقد استحقيتن خبرتي التي سأعلّمها لكم ، خلال الشهور الثلاثة القادمة

فهلّلت النّسوة الأربعة بسعادةٍ واعتزاز 


العرّاف : لكن اولاً ، إخبروني عن سبب تغيّب زميلاتكن الأربعة ؟!

فارتبكن قليلاً ، قبل ان تقول احداهن :

- لا ندري صحة ما حصل ، لكن هذا ما رواه اهالي القرية .. فالأولى دخلت الى بيت رجلٍ كانت تحبه بصباها.. مُستغلةً وجوده وحده بالمنزل ، دون عائلته الذين باتوا عند جدتهم .. 

العرّاف بحزم : إختصري القصة !! 

- حسناً ، سأحاول .. وفي ذلك المساء ، وقبل ان تنفث تعويذتها في وجهه النائم .. استيقظ من غفوته على صراخها ! ليجد ظلاً اسوداً يرفعها عن الأرض ، بعد إطباق قبضته على رقبتها بقوة .. الى ان فارقت الحياة

العرّاف باهتمام : وهل وصف الظلّ ؟

- يقول انه سمع صوت اصطكاك الحديد ، كأن ورشة تعمل في وقتٍ متأخر!

فهزّ العرّاف رأسه ، وهو يقول :

- الآن فهمت ما حصل .. لكني لن اخبركن الحقيقة ، قبل سماعي اعذار بقية الساحرات الغائبات عن مجلسي هذه الليلة 


فقالت الأخرى : اذاً دعني اخبرك عن زميلتنا الثانية .. حيث شهد احدهم برؤيتها تلاحق عجوزاً لأذيته .. لكن حصل العكس تماماً .. فالشاهد يؤكّد : ان ظلاً اسوداً خرج من جسد العجوز ، وركض بشكلٍ معاكس حتى ارتطم بها .. فأطلقت صرخةً مدويّة ، قبل وقوعها ميتة على الأرض

العرّاف : توقعت ذلك.. إخبروني عن الثالثة ؟ 

ورغم فضول تلميذاته لمعرفة ما يخفيه من معلومات ، الا انهن انتظرن توقيته المناسب


فقالت المرأة الأخرى : انا سأخبرك عن الساحرة الثالثة الغائبة لهذه الليلة .. فهي اخبرتني بنجاحها بسرقة فستان قريبتها التي كانت تنوي رميه بالبحر .. وفضولي جعلني الاحقها للشاطئ تلك الليلة .. وقد رأيتها تجذف بقاربٍ خشبيّ بكل قوتها ..الى ان وصلت لعرض البحر .. لكن قبل رميها الفستان المسحور ، احلف أنني رأيت شيئاً يجذبها بقوة للأسفل .. وقد ناديت بعلوّ صوتي لعمّال الميناء لإنقاذها .. لكنهم وجدوا قاربها فارغاً ، دون أثرٍ لجثتها !


العرّاف : حسناً ، لا يهم .. ماذا عن الرابعة ؟

- اظنها بمشفى المجانين ، بعد محاولتها ايذاء مراهقة فاتنة .. لكن سرعان ما ابتعدت عن الضحية ، قبل غرز كتفها بالدبوس المسحور .. وهي تعلن بصوتٍ جهوريّ عن كل اسماء من آذتهم بالسحر في حياتها !

العرّاف باهتمام : هل فضحت نفسها ؟!

- نعم ! وكان الأهالي على وشك ضربها حتى الموت .. لكن صراخها المتواصل ، وبكائها النادم .. جعلهم يتصلون بالإسعاف ، لنقلها لمشفى الأمراض العقلية .. فماذا برأيك حصل لها ، رغم انها كانت أشدّنا خبثاً ؟!


وهنا قال شيخ العرّافين بعد تعديل جلسته : 

- ما لا تعرفونه ، ان هناك ابراج لديها قرائن قوية

- هل تقصد الأبراج الفلكية ، يا شيخي ؟!

العرّاف : نعم !! فعلم الفلك مُعقدٌ وغامض ، لهذا بعض الأساطير صحيحة .. فزميلتكن الأولى : يبدو انها حاولت سحر حبيبها السابق الذي كان من برج الجدي ..فالأسطورة تقول : ان قرين الجدي هو حارسٌ من الجحيم .. يحمي صاحبه بصمت .. وحين يحاول احد ايذائه .. فأنه يخرج من الظلّ ، بوجهٍ لا ملامح له.. وصوتٌ أشبه بحشرجة الحديد


فصمتن تلميذاته بذهول ! قبل ان تسأله احداهن ، وهي تبلع ريقها برعب :

- وماذا بشان الثانية ، يا شيخي ؟!

العرّاف : الثانية حاولت اذيّة ذلك العجوز الذي يبدو انه من برج العقرب .. فقرين ذلك البرج معروف بحبه للإنتقام.. وهو عادةً يتحرّك عكس مشيّ صاحبه.. ويتميز بأصابعه الطويلة السوداء كالفحم 

- والثالثة ، ماذا حصل لها ؟

العرّاف : لابد انها حاولت سحر قريبتها من برج الحوت .. فقرين ذلك البرج ، يسكن البحار .. حيث يظهر ظلّه الرمادي تحت السطح ، بعينين لا بؤبؤ لهما .. وكل من يحاول ايذاء صاحبه ، يسحبه لأعماق البحر 

- وماذا عن زميلتنا التي فقدت عقلها ؟

العرّاف : تلك حتماً ، حاولت ايذاء مراهقة من برج السرطان .. وقرينها انتقم عن طريق تذكير المشعوذة بماضيها الأليم مراراً وتكراراً ، الى ان فقدت عقلها 


الساحرة العجوز بقلق : ما نسمعه يا شيخنا مخيفٌ للغاية .. هل علينا معرفة ابراج الضحايا قبل سحرهم ؟!

العرّاف : من بين الأبراج الإثني عشر .. تلك الأبراج الأربعة وحدها ، من يُقال لديها قرناء أشدّاء.. ولوّ صادف أن اخترتنّ أحد أصحابها ، لواجهتن مصير زميلاتكن البائسات

- يبدو ان هناك علمٌ سرّي لا نعرفه بعد !

العرّاف : ولهذا قدمت الى قريتكن ، لتعليمكن جميع خفايا الشعوذة

احدى الساحرات : اذاً لنبدأ الدروس يا معلمي ، وكلنا اذانٌ صاغية 

الساحرة الأخرى بحماس : نعم شيخي !! نريد ان نصبح أفضل السحرة بكل القرى المجاورة 

العرّاف بحزم : اذاً إخرجن كراريسكن ، لبدء الدرس الأول !!! 


الخميس، 16 يوليو 2026

التشابه المخيف

تأليف : امل شانوحة 

انعكاس الأدوار


لم يستطع وليد النوم ، رغم ارهاقه بعد يوم عملٍ طويل .. وطالما غداً يوم عطلته ، قرّر متابعة السهر حتى الصباح .. ولأنه يعيش وحده ، أعدّ قهوته .. وخرج لشرفة غرفته ليشربها ، مستمتعاً بنسمات الليل الباردة .. 

ومع اول رشفة قهوة ، واول نفثة دخان من سيجارته .. لاحظ شاباً يقف بالبقعة المظلمة من الشارع دون حراك .. وحين ركّز وليد نظره اليه .. مشى الظلّ بضعة خطوات باتجاه عامود الإنارة الخافتة .. وهو يرفع بصره نحو الطابق الثالث (شقة وليد) 


حيث ظهر شكل الشاب بوضوح ، والذي يشابهه بالعمر وملامح الوجه .. والأغرب من ذلك ، انه يلبس ذات البيجاما في وسط الشارع !

فظن وليد ان ارقه ، جعله يتوهّم ذلك .. قبل ان يلوّح له الشاب بيده ، بابتسامةٍ مريبة .. أشعرت وليد بقشعريرةٍ باردة سرت في جسده مع ارتفاع نبضات قلبه ، جعلته يسارع بنزول الأدراج لاكتشاف اللغز ..


لكن ما ان وصل للشارع ، حتى اختفى الشاب تماماً ! 

فأخذ يبحث عنه بين السيارات المتوقفة ، الى ان سمع صافرةً حادّة قادمة من عمارته ! 


وحين رفع نظره للأعلى ، إنصدم برؤية ذلك الشبيه يقف على شرفته .. وهو يرتشف قهوته ، وينفث دخان سيجارته بهدوءٍ مُستفزّ ! 

فتساءل وليد بقلق ، اثناء ركضه عائداً الى شقته :

((هل تركت باب شقتي مفتوحاً ؟!))


وحين دخل منزله .. اقترب بحذر من شرفته ، وهو يرفع عصا مكنسته .. ليجد ان الشرفة خالية تماماً ! 

وللحظة ظنّ ان ارهاقه ، تسبّب بهلوسته .. لكن عندما رأى سيجارته المنتهية ملقاةً على الأرض ، والتي لا يزال يتصاعد منها خيط دخانٍ رفيع.. وكوب قهوته مشروبة بالكامل .. 

لم تعد قدماه تحملانه ، وانهار رعباً ..وهو يتساءل برعب :

((هل كان توأمي ، ام جني ؟! ام قريني ، اراد ممازحتي بتبادل الأدوار؟!))


وأيّاً تكن الحقيقة وراء ذلك الشبيه ! فقد نجح تماماً في زرع الرعب بقلب وليد ، لدرجة جعلته يحزم حقيبته مع بزوغ الفجر.. تاركاً شقته والحيّ والمدينة بأكملها ، هرباً من انعكاسه المريب !


الثلاثاء، 14 يوليو 2026

عرائس الغرب

تأليف : امل شانوحة 

حمّى الذهب


نظرت ماري حولها بذهول ! بعد تعرّض قافلتها ، لسهام الهنود الحمر الذين ظهروا من العدم.. حيث شهدت مقتل زوجها امام عينيها .. بينما بقية الرجال يحاولون التصدّي لسكاكين ورماح الهنود .. 


ورغم الفوضى والخوف ، استعاد عقلها سريعاً مقتطفات من رحلتهم التي استمرّت اربعة شهور : عانوا فيها من الجفاف بإحدى المناطق ، والسيول الجارفة بمنطقةٍ اخرى .. عدا عن تعرّض بعضهم للدغ الثعابين والعقارب اثناء تخيمهم بالبراري.. 

والأسوء من ذلك ، هو موت طفلها الذي لم يتم عامه الأول بالحمّى مع بداية الرحلة.. وقبره الصغير المتروك في الصحراء ، الذي ربما لن تزوره ثانيةً.. بالإضافة لإجهاض جنينها قبل شهر.. وكل هذا بسبب طمع زوجها بالثراء السريع ، بعد انتشار حمّى الذهب في كاليفورنيا عام 1848..


وهاهي تراقب سقوط المدافعين الرجال ، لكيّ تلقى حتفها كبقية نساء الرحلة.. فالتفتت لعربتها المليئة بالمؤونة ، بعد ان أقنعها زوجها بتحقيق حلمها بفتح مطعمٍ  للمنقبين عن الذهب فور وصولهم الى كاليفورنيا التي تبعد مسيرة اسبوع ، حسب توقعات قائد القافلة قبل مقتله


وهنا شعرت بأن لا شيء آخر تخسره بعد موت زوجها وولديّها.. فاستقلّت عربتها ، مجازفةً باختراق صفوف الهنود المحاربين .. ومنطلقة بعربتها نحو الجبال ، متجاهلةً الأسهم التي تتطاير من حولها ..وهي تشجّع نفسها :

((لن اخسر حلم المطعم ايضاً))


وقبل وصول رجلان من المهاجمين اليها ، دوّت طلقاتٍ نارية من الجبل بعد نزول عصابة قطّاع طرقٍ امريكان نحوهم.. وما ان لمحوهم الهنود الحمر ، حتى فرّوا من المكان ، بسبب الصدامات العنيفة بين الطرفين سابقاً 


وبعد رحيلهم .. تجمّع الرجال حول ماري المذعورة ، وهي تتوسّل اليهم بأن لا يؤذوها..

فاقترب منها زعيمهم وهو يشير لقافلتها التي تناثرت جثث المسافرين حول عرباتهم التي احرقها الهنود قبل رحيلهم عن المنطقة !

- لقد مات الجميع ، ونجوت وحدك .. لكن لا تخافي ، انت بأمانٍ معنا

فنظرت للسهم المغروز في كتف الزعيم :

- انت مصاب !

- لا بأس ، اصابةٌ بسيطة.. سأعالجها بعد قليل 

- اسمح لي بذلك

فنظر لداخل عربتها التي تبدو كمطعمٍ متنقّل :

- لا تبدين كممرّضة 

- اخي طبيبٌ مشهور في نيويورك التي قدمت منها.. وقد علّمني الإسعافات الضرورية.. إذهب واسترحّ ، وسأحضر المُعقّم والإبرة والخيط 


وبالفعل اسند زعيم قطّاع الطرق ظهره على الشجرة .. بينما تقوم ماري بخياطة جرحه ، عقب إزالتها السهم بحذرٍ من كتفه

- هل آلمتك ؟

الزعيم بتعب : بالعكس ، يدك خفيفة جداً.. كان عليك العمل كممرّضة

- حلمي هو فتح مطعمٍ بكالفيورنيا

- وهل تجيدين الطبخ ؟

- يبدو انكم جائعين

الزعيم : بل نتضوّر جوعاً.. فنحن لم نعثر على جاموسٍ او ارنبٍ نشويه منذ يومين

- اذاً سأحضّر لكم الفاصولياء باللحم المجفّف

^^^


وبحلول المساء .. تناولوا عشائهم حول شعلة النار ، وهم سعداء بطعمه اللذيذ 

الزعيم : ذكّرتني بطعام زوجتي المرحومة 

ماري : لديّ الكثير من وصفات الطعام التي ستعجبكم حتماً  

الزعيم : من الجيد انك معنا ، سيدة ماري 

- اذاً دعني اصنع لكم شراب الكاكاو الساخن .. فجارتي الهندية علّمتني الطريقة

- هل تصاحبون الهنود بالشرق ؟!

ماري : لديهم مستوطنات هناك 

- وايضاً بكالفيورنيا بنوا لهم مستوطنات ، لكن الملاعين يرفضون البقاء بها

- لا تنسى انها بلادهم ، ونحن الدخلاء عليهم

الزعيم : ان سمعك رجال الحكومة ، فسيرسلونك للسجن

- هذا ان لم يعدمونني ، لتمرّدي على القانون .. المهم ، دعني أسخّن الحليب اولاً .. وسنشرب كاكاو ساخن ، يُدفئنا جميعاً بهذا المساء البارد

^^^


قبيل الفجر.. استيقظ الزعيم مذعوراً :

- ماذا تفعلين ؟!

ماري : كنت تهلّوس اثناء نومك .. ووجدت حرارتك مرتفعة.. لهذا وضعت ضمّادة مبلولة على رأسك.

- هل التهب جرحي ؟

- لا هو بخير ، كشفت عليه قبل قليل.. وارتفاع الحرارة ، شيءٌ طبيعي بعد الإصابة

الزعيم : اعلم ذلك .. فجسمي مليء بآثار الحروب مع اولئك الملاعين ، ومع جيش بلادنا ايضاً

- ولماذا تحارب رجال القانون ؟

- أتري كل هؤلاء الرجال ..جميعنا فارّون من سجونٍ متفرقة بدولتنا.. والتقينا جميعاً بالجبل  

ماري : ولما لا تكملون طريقكم الى كاليفورنيا ؟

- مازالت بلدة حديثة البنيان 

- الا يغريكم الذهب الموجود فيها ؟! 

الزعيم باهتمام : عن ايّ ذهبٍ تتكلّمين ؟

- أمعقول ان اخبار حمّى الذهب وصلت الى شرق امريكا ، ولم تصل اليكم..وانتم تبعدون جبلاً واحداً عن نهر الذهب ؟

- نحن منفصلين عن العالم ، كما ترين.. رجاءً إخبريني المزيد عن هذا الموضوع ؟


وبعد ان أكّدت ماري الخبر له .. قرّر الزعيم مع افراد عصابته متابعة الرحلة معها ، للوصول الى هناك .. بعد ان وعدتهم بالطبخ لهم ، من عربة المؤونة التي تملكها ، بشرط عدم ايذائهم احداً في الطريق .. فوعدها الزعيم بذلك 

***


وقد احتاجوا اسبوعاً لتجاوز الجبل الشاهق وصولاً لكاليفورنيا ، مما زوّد رابطة صداقتها مع زعيم العصابة الذي لاحظ رجاله حنانه واهتمامه بها ، على غير طباعه الخشنة قديماً ! 


وفور وصولهم الى وجهتهم المنشودة .. تفاجأ رجال العصابة بأن ضفاف النهر تعجّ بآلاف الرجال الذين يغسلون الرمال ، بحثاً عن ذرّات الذهب ! 

فاعتراهم الحماس .. تاركين أسلحتهم مؤقتاً ، لشراء أدوات التنقيب.


بينما انشغلت ماري بتحويل المتجر التي استأجرته الى مطعم للوجبات المشهورة بشرق اميركا.. سرعان ما اكتظّ بالزبائن ، للذّة اطباقها 


لكنها مع الوقت ، لاحظت قلّة النساء بتلك المنطقة .. فمعظمهم رجال قدموا من اماكن بعيدة ، بحثاً عن الثراء السريع

 

فصارت اثناء تقديمها الطعام لهم (مقابل بودرة الذهب التي يجدونها هناك) تسألهم عن فتاة احلامهم ؟ وتدوّن مواصفاتهنّ المطلوبة في دفترها  

وهي تخبر الرجال : بأنه خلال الحرب الأهلية الأمريكية ، شهد الساحل الشرقي فائضاً من الأرامل والنساء غير المتزوجات ذوات الفرص الإقتصادية المحدودة .. وبأنها ستعود الى هناك لإقناعهن بالقدوم معها الى الغرب الأمريكي ، للزواج بالشباب المغامرين الذين تحمّسوا كثيراً للفكرة .. لدرجة دفعهم تكاليف رحلتها للغرب مع قافلةٍ اخرى ..

***


واثناء تغليفها المؤونة في مطعمها التي تنوي إغلاقه مؤقتاً ، اقتحم زعيم العصابة المكان غاضباً :

- علمت انك سترحلين بالقافلة التالية دون اذني ؟

- اذنك !

الزعيم بارتياك : أقصد دون علمي.. لماذا تتركيني ؟ ..أعني ، تتركين المكان الذي حلمت الوصول اليه ؟!

- اساساً لم اردّ يوماً ترك نيويورك .. وقدومي الى هنا ، كان تحقيقاً لرغبة زوجي الطمّاع.. لكن لا تقلق ، سأعود الى هنا قريباً

- الرحلة الى الشرق تستغرق خمسة شهور ، والشتاء قادم

ماري بابتسامة : وهل انت خائفٌ عليّ ؟

- يعني .. تعوّدنا على طعامك

- فقط طعامي ؟

الزعيم بارتباك : وجودك اضاف دفئاً وحناناً على المكان الموحش 

- وانا سأسافر لأجلكم جميعاً 

- لم افهم !


فأخبرته عن حديثها مع رجال التنقيب ..

الزعيم بدهشة : اذاً انت ذاهبة لإحضار العرائس لنا ؟!

ماري : نعم ، فليس صحياً بقاء الرجال عزّاب لفترةٍ طويلة .. ثم انا اقوم بخدمة لنساء الغرب ايضاً

- اذاً ساذهب معك !!

- لا مكان بالقافلة ، سوى المقعد الذي بجانبي بالعربة

- وما المانع من مرافقتك الرحلة ؟ 

ماري بإصرار : لا اقبل !! فأنت غريبٌ عني

- وانا لا اريد ان اكون غريباً بعد اليوم 

فسكتت بذهول !

فقال بتردّد : اعلم انني خارج عن القانون ، لكني ارغب بإصلاح نفسي والعمل بوظيفةٍ ثابتة 

ماري : أستترك زعامة العصابة ؟

- ايّة عصابة ! فجميعهم اصبحوا منقبي ذهب ، وبالكاد اراهم


ففكّرت قليلاً ، قبل ان تقول : 

- بجميع الأحوال ، القافلة ستتحرّك غداً صباحاً .. والراهب الوحيد هنا ، سيغلق الكنيسة بعد ساعة

فأمسك يدها :

- اذاً نتزوج بالحال !! فأنا أريد قضاء بقية حياتي في بناء عائلة مع المرأة التي أعادتني إلى الطريق الصحيح.


فصمتت بخجل ، بينما عرف جوابها من ابتسامتها الخجولة

***


وبعد وصول ماري مع زوجها الى الشرق .. وجدت صعوبة بإقناع النساء اللآتي خفن من مخاطر السفر البرّي ، وقلقهن من توحّش رجال الغرب .. 

لكن بعضهن وافقن على مرافقة ماري ، بعد ان أكّدت لهن حسن طبائع واخلاق المنقبين الشباب الراغبين بالزواج الرسمي ، وبناء العائلات السعيدة 

***


وحين وصلت القافلة المليئة بالعرائس إلى كاليفورنيا ، لم يصدقن ما رأينه ! فالأكواخ الخشبية ، تحوّلت إلى منازل دافئة ..

اما المنقبون : فاستقبلوهم بأفضل ملابسهم بعد حلق شعورهم ولحاهم الطويلة ، استعداداً لزوجات المستقبل

***


لاحقاً نظّمت ماري لقاءات مفتوحة في ساحة البلدة ، تسمح بتعارف الرجال والنساء الذين تبادلوا الأحاديث فيما بينهم ، بأكثر من مناسبة 

***


ولم يمضي أسابيع .. حتى أقيم عرسٌ جماعيّ لعشرات الأزواج .. بإشراف ماري وزوجها الزعيم الذي قرّر مساعدتها بالمطعم .. وهو فخور بأفراد عصابته التائبين ، بعد قرارهم العمل بمجتمعهم حديث الإعمار .. 

***


وخلال السنوات التالية .. تحوّل مخيم الباحثين عن الذهب إلى بلدةٍ تعيش فيها العائلات ، حيث يعلو فيها ضحكات الأطفال على صوت المعاول


وبذلك تمكّنت ماري بحكمتها الرشيدة ، من بناء اول مجتمعٍ بالغرب الأمريكيّ !

*******


ملاحظة : 

هذه القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية ، حصلت في ستينيات القرن التاسع عشر..حين لاحظ (آسا ميرسر) أن مدن الساحل الغربي الأمريكي تعجّ بالرجال الذين قدموا للعمل والتعدين ، بينما تعاني المدينة من نقصٍ شديد في عدد النساء ! 


فسافر إلى الساحل الشرقي ، محاولاً إقناع عشرات النساء غير المتزوجات بالإنتقال إلى الغرب ، وهو يعدهنّ بفرص عملٍ وحياةٍ أفضل.


ووصلت النساء إلى مدينة سياتل .. حيث تزوّجت معظمهن من رجال المستوطنة .. وبذلك ساهمن في تحويلها من مجتمعٍ يغلب عليه العزّاب إلى مدينةٍ أكثر استقراراً.. حتى أصبحت رحلتهن تُعرف تاريخياً بإسم : فتيات ميرسر


الأحد، 12 يوليو 2026

كأس البطولة

تأليف : امل شانوحة

حلم النجم 


انتفض الصبي من فراشه .. وركض حافي القدمين نحو الصالة مذعوراً .. ولم يهدأ روعه ، الا بعد رؤية والده يجلس أمام تلفازه القديم .. لكنه شعر بالغيظ بعد رؤية كأس الخمر بيده الذي ادمن عليه منذ سنوات ! 


فتقدم الصبي بخطى حازمة ، ضاغطاً زرّ اطفاء التلفاز .. 

فعاتبه الأب بعصبية : 

- مابك ؟ كنت اشاهد الفيلم !


فارتمى الصبي عند ركبتيّ والده ، ممسكاً بيده الخشنة .. والدموع تملأ عينيه : 

- أرجوك يا أبي.. لا تمت قبل أن تراني بطل العالم بكرة القدم 

فردّ الأب ببرود :

- لا تخف يا بني ، لن أموت قريباً 


ليتفاجأ بإبنه يسحب الكأس بعنف من يده ، قبل ارتشافه الخمر مجدداً .. قائلاً الصبي بحزم :

- أبي !! عاهدني على ترك هذا السم.. وفي المقابل ، أعدك بالتدرّب على كرة القدم ليلاً نهاراً .. الى ان اسكنك بقصرٍ فخم ، بعد تحقيق جميع احلامك 


نظر الأب إلى إصرار ابنه بذهول : 

- لما كل هذا الخوف ؟! كأسٌ واحدة لن تضرّني كثيراً 

- بل ستقتلك !!

قالها والدموع تسيل على وجنتيه :

- ستقتلك قبل أوانك ! .. ألا تفهم ؟!! أريدك معي .. اريد ان اراك في المدرّجات وانت تراقب تتويجي بطل العالم.. أنت وأمي الدافعان لإكمال مسيرتي وطموحي .. وموتك المبكّر سيؤلم قلبي طوال حياتي


ثم انهار الصبي باكياً على صدر والده.. جعلت والده يمسح رأسه بحنان : 

- هل حقاً ستحقّق كل أحلامي ، يا بنيّ ؟ 


فمسح الصبي دموعه ، قائلاً بثقة : 

- اعدك بذلك .. بشرط !! أن تغلق هذه الزجاجة للأبد.. أريدك حياً لترى انجازاتي الكروية .. ولكيّ ترى احفادك ايضاً 


أمسك الأب سدّادة الزجاجة ، وأغلقها بقوة .. قائلاً بحزم : 

- إذاًً.. ليلتزم كل منا بوعده

فمدّ الفتى يده الصغيرة ، مصافحاً والده بثقةٍ جبّارة : 

- اتفقنا يا أبي !!

***


منذ ذلك الإتفاق ، التزم الصبي بتدريب نفسه .. مستيقظاً فجراً ، للركض وحده بزقاق حيّهم الفقير .. متجاهلاً النسمات الباردة التي تخترق ثيابه الممزقة .. 


وفي الملعب الترابي .. كان يركل الكرة لساعات ، الى ان تتورّم قدماه داخل حذائه المهترئ 


ولا يعود الا مساءً ، منهكاً وجائعاً .. وهو يدخل منزله بخطواتٍ متثاقلة ، خوفاً من رؤية ابيه يعود لإدمانه القديم .. لكن والده ، كان رجلاً عند وعده .. واكتفى بكأسٍ واحدة بعد الغداء ، دون وصوله لحدّ السكر .. 


وكان يراقب ابنه من بعيد ، وهو يسددّ ركلاته الطويلة التي تصيب أهدافها بدقةٍ متناهية.. 

حينها تولّد لديه يقين : بأن ابنه لن يحقّق حلمه فحسب ، بل حلم أمةٍ بأكملها!

***


وبمرور السنوات ، لمع فيها اسم الفتى بالملاعب .. حتى اختير ضمن فريق المنتخب الوطني.. 

وتوالت انتصاراته.. وامتلأت غرفته الصغيرة بالكؤوس وميداليات الناشئين.. 


ومع أول عقدٍ احترافيّ .. ألحّت عليه والدته لشراء منزلٍ فاخر .. لكنه فضّل اصطحاب والده إلى أرقى مركز لمكافحة الإدمان ، وهو يصرّ على تطهير جسده من تلك السموم .. 

ولأن الأب يعرف عناد ابنه الذي يشقّ طريقه نحو العالمية ، خضع للعلاج كاملاً.. مُحققاً رغبة ابنه ، بالحفاظ على صحته وعمره.

***


ومع الأيام ، كبرت ثرّوة الشاب بعد تقديمه عدّة إعلانات تجارية .. فاشترى لوالديه قصراً فخماً ، رافضاً الزواج لحين تحقيق احلامهما أولاً.. 


وعندما زادت شهرته ، خشيّ والده عليه من إغراءات النساء اللواتي يطاردن ثروته .. فأصرّ على تزويجه من امرأة عاشت ظروفاً مشابهة لحياتهم الماضية .. 

فاختار ابنه فتاةً بسيطة تعمل في محل ملابس ، تملك جمالاً ساحراً يواكب نجوميته.. وفي المقابل ، وافقت على تحقيق حلمه بإنجاب العديد من الأطفال 


وبالفعل ! ضجّ قصره بضحكات اولاده الرائعين ، الذي حرص على تعليمهم فنون الكرة منذ صغرهم.

***


وفي اليوم المنشود.. إهتزّ الملعب الدولي بهتافات المشجّعين بإسمه ، بعد ان صار أيقونة عالمية يُضرب بها المثل في الإنضباط والمهارة الكروية 

وكانت هذه مباراته الأخيرة ، قبل اعتزاله في سن الأربعين.


لكنه لم يرى بين آلاف المشجّعين سوى والده العجوز الذي يجلس مع عائلته ، وهو يصفّق له بفخرٍ واعتزاز 


وكان ذلك كافياً ، لجعله يطلق قذيفة من وسط الملعب .. اخترقت الشباك في الدقائق الأخيرة من المباراة ، مُعلنةً فوز بلاده ببطولة العالم لأول مرة !


وعندما تسلّم اللاعب الموهوب الكأس الذهبية ، رفعها عالياً وسط الألعاب النارية الصاخبة .. حينها التقت عيناه بعينيّ والده الذي كان يقفز فرحاً ، كصبيّ صغير متناسياً كبر سنه ! 

فتساقطت دمعةٌ حارة من عين النجم ، وهو يقول بنفسه : 

((شكراً يا ملاك الموت.. على تحقيق حلمي الأخير)) 

^^^


وفجأة ! تلاشت اضواء الكاميرات ، واختفى صخب الجماهير ..


واستيقظ كريستيانو رونالدو عجوزاً بعمر الثمانين فوق سريره بقصره الفخم .. وبجانب فراشه ، وقف ملاك الموت وهو يقول : 

- وهآ أنا حقّقت أمنيتك الأخيرة.. وأعدّتك إلى طفولتك ، لمنع والدك من إدمانه الخمر.. وبذلك امتدّ عمره ، الى ان رأى مجدك الكروي الذي حُرم منه في واقعك الحقيقي.. والآن !! هل أنت مستعد لتسليمي روحك ؟ 


فنزلت دمعة على خدّ رونالدو المُجعد .. والتفت لآخر مرة الى خزانته المليئة بالميداليات الذهبية والجوائز العالمية .. يتوسّطها كأس العالم الذي أهداه له الشعب البرتغالي ، تكريماً له عن تاريخه المشرّف 


فقال رونالدو بابتسامةٍ متعبة :

- لقد عشت الحلم الذي تمنّيته طوال عمري.. وأنا مستعدٌ الآن للإنضمام إلى والدايّ 


ثم أطلق أنفاسه الأخيرة بسلام.. بينما كان العالم الخارجي يُجهّز نفسه لتشييع أكبر وأضخم جنازة في تاريخ الرياضة الوطنية والعالمية


خيارات الوفاة

تأليف : امل شانوحة  الرحلة الأخيرة في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك : - أيها السادة الركّاب ... أعتذر من...