الاثنين، 12 يناير 2026

العيون لا تكذب أبداً

تأليف : امل شانوحة 

من الخيال إلى الواقع !


بعد انتهاء المسلسل التركي (تلّ الرياح) الذي استمرّ سنتين ، والذي تميّز بالنظرات العاشقة للبطليّن طوال المسلسل ، مع انسجامهما الواضح في الكواليس.. ورغم ذلك أنكرا وجود علاقة بينهما بعد انتهاء عملهما الفنيّ !

مما خيّب آمال المشاهدين ، خاصةً لبقائهما عازبيّن بعد عامٍ على انتهاء المسلسل الرومنسي الذي أثار مشاعر المراهقين والشباب ، بعد حصوله على المركز الأول بقائمة المشاهدة التركية والعربية أيضاً.


ولكثرة مطالبات الناس برؤيتهما معاً ، بعد انقطاع التواصل بينهما.. تمّ إحضارهما إلى برنامجٍ تلفازي (دون إخبارهما بتواجد الآخر) بعد إصرارهما على عدم الظهور معاً في عدة مناسباتٍ ومهرجاناتٍ فنيّة!


وبعد دخول جيمري إلى المقابلة التلفازية (التي ستُعرض على الهواء مباشرةً) تفاجأت بوجود جوك هناك !

وقد ظهر جلياً ارتباكهما على الشاشة ، ونظرات العتاب للمذيع الذي كذب بشأن المقابلة الفردية.


وبعد إصرارٍ منه ، جلسا على كرسيّن متواجهين.. ثم طلب منهما المذيع وضع سوارٍ معدنيّ حول أيديهما.

وبعد أن فعلا ، قال لجوك :

- لو سمحت .. قُل بالميكروفون : إن اسمك الحقيقي هو خليل فرات (اسمه بالمسلسل).

جوك : هل هذه مزحة ؟

المذيع بإصرار : رجاءً ، قُل ما طلبته منك.

- حسناً ، اسمي الحقيقي هو خليل فرات.

فرنّ جرس سواره ، مع صوتٍ آليّ يقول : (الإجابة خاطئة)

فطلب منه المذيع قول اسمه الحقيقي.

- اسمي جوكبيرك يلدريم.

فظهر صوت سواره : (الإجابة صادقة)


ثم شرح المذيع ما يحصل :

- كلاكما أربكتما مشاعر الجمهور الذي شعر بالفضول لمعرفة نوعية علاقتكما ، فكما تقول المقولة : ((العيون لا تكذب أبداً)).. فالحب الذي ظهر بوضوح بأحداث المسلسل ، هو ما جعله ناجحاً لهذه الدرجة.. لهذا اقترح المشاهدون إجابة أسئلتهم (التي جمعناها من الإنترنت) اثناء وضعكما سوار كشف الكذب.. وبذلك يصلون لإجابةٍ شافية ، ربما تريحكما أيضاً.. فكلاكما عنيدٌ جداً ، وترفضان التنازل للآخر لإكمال علاقتكما النادرة.


جيمري ، محاولةً إزالة السوار بعصبية :

- لا يحقّ لك إجبارنا على ذلك !!

لتتفاجأ بردّة فعل زميلها ، وهو يقول بحنق :

- وممّا تخافين ؟ دعيهم يعرفون الحقيقة.


وإجابته هذه ، جعلتها ترضخ للمذيع الذي قال :

- جيمري ، الآن دورك.. هل جميع مشاهدك العاطفية مع جوك بالمسلسل ، كانت تمثيلاً بالنسبة لك ؟

فأجابت بحزم : لست أنا من سيبدأ الإجابة.

المذيع : معك حق ، على الشاب التصريح بالأمور الحرجة أولاً.. إذاً سنبدأ بك ، سيد جوك .. وستكون أسئلتي واضحة ، كما طلب الجمهور الذي يشاهدكما الآن على الهواء مباشرةً.

السؤال الأول : هل كانت جيمري بالنسبة لك مجرّد زينب أصلانلي بالمسلسل ، أم هناك مشاعر حقيقية لجيمري آردا ؟


فاكتفى بالصمت ، وهو ينظر بعتاب إلى جيمري التي بدت مرتبكة !

المذيع: إذاً دعني أُعيد السؤال بطريقةٍ تكون إجابته إمّا نعم أو لا.. سيد جوك ، هل أحببت جيمري آردا ؟

فردّ جوك بعيونٍ دامعة : نعم.

فظهر صوت سواره : (الإجابة صادقة)

لتقترب الكاميرا من وجه جيمري التي بدت مُنصدمة من إجابة زميلها !


فأكمل المذيع أسئلته لجوك :

- وهل كنت تنوي الزواج بها بعد انتهاء المسلسل ؟

جوك بقهر: نعم.

صوت سواره : (الإجابة صادقة)

فأدمعت عينا جيمري!


المذيع : وهل شعرت بخيبة أمل بعد ابتعاد جيمري عنك ؟

جوك وهو يكتم غضبه : بالتأكيد !!

صوت سواره : (الإجابة صادقة)


المذيع : الآن دورك يا جيمري.. هل أحببتِ جوك حقاً ، كما ظهر بالكواليس؟

فردّت بصوتٍ مرتبك : نعم.

صوت سوارها : (الإجابة صادقة)


المذيع : وهل شعرتِ بخيبة أمل حينما انتهى المسلسل دون أن يخطبك فعلاً؟

فسارعت بمسح دمعتها ، وهي تجيب : أكيد.

صوت سوارها : (الإجابة صادقة)

المذيع : وهل تشعرين بالحنين لجوك من وقتٍ لآخر ؟

فأومأت برأسها إيجاباً بقهر.


المذيع : إذاً أنتما تعترفان بالحب الذي أنكرتماه بالعديد من مقابلاتكما التلفازية المنفردة ؟

فالتزما الصمت.


المذيع : هذا يعني أن الجمهور كان محقّاً بوجود شخصٍ تدخّل للفصل بينكما ، أليس كذلك ؟

جيمري بحزن : هو تغيّر بعد عودته من التجنيد الإجباريّ.

جوك بعصبية : كنتُ مدمّراً نفسياً !! فهناك يتعمّدون الإذلال العلني ، خصوصاً لشخصٍ انشهر مثلي في ذلك العام.. لكنني لم أستطع الإفصاح عمّا عانيته لكِ أو لعائلتي ، لهذا احتجتُ الانعزال عن الجميع.. وما إن تحسّنت نفسيّتي ، حتى قرأت رسالتك برغبتك الانفصال !

المذيع : وهذا قهرك لأنك كنت تنوي خطبتها ، أليس كذلك ؟

جوك : كنتُ أخبرتُ أهلي برغبتي الارتباط بها ، لكنها استعجلت بفسخ علاقتنا .. ليس هذا فحسب ، بل كانت أول من أنكر حبّنا بمقابلتها الفردية ، مما حطّم مشاعري!

جيمري : وهذه مشكلةٌ ثانية ، فأنت شديد الحساسية.

فردّ جوك بعصبية : وهل تفضّلين الرجل عديم المشاعر ؟!!

فالتزمت الصمت.


ثم تنهّد جوك بضيق ، قبل ان يكمل كلامه : 

- ما قهرني أكثر ، قولها لذلك المذيع : إنها ترفض الارتباط ببداية مشوارها الفني ، كيّ لا يعيقها زوجها عن النجاح ! وهي تعلم جيداً أنني ساعدتها طوال المسلسل .. كوني مثّلتُ قبلها ، بينما كان (تلّ الرياح) مسلسلها الأول..(ثم نظر إليها بعتاب).. الآن أصبحتُ عبئاً عليك ؟!

جيمري : أنت قلت إن من ستصبح زوجتك ستعيش مع والديّك ، وأنا أحب الاستقلالية !!

جوك بدهشة : من قال لكِ ذلك ؟!

جيمري : المنتجة.

جوك : وهي قالت لي ، إنك تفضّلين التمثيل مع شبابٍ آخرين قبل اختيار أحدهم للزواج به !

جيمري بصدمة : أنا لم أقل ذلك مطلقاً ! بل على العكس !! لم أسمح لأحدٍ الاقتراب مني ، بعدك .. فمشاهد احتضاني لك بالمسلسل ، كانت حقيقية .. بينما رفضت أدواراً رومنسية مع بطلٍ آخر ، لمراعاتي غيرتك الشديدة عليّ.


فنظر المذيع إلى الشاشة :

- يبدو أن المنتجة العانس هي السبب بتفرقة الممثليّن المُغرمين!

فسكت البطلان بضيق ، بعد معرفتهما السبب الحقيقي لفراقهما.


المذيع: إذاً سنقوم بتجربةٍ أخرى.. أريدكما أن تقفا ، وتحضُنا بعضكما كما فعلتما بالمسلسل ، دون كلام.. وسنغطّيكما بملاءةٍ سوداء ، كيّ لا يرى أحد تعابير وجهكما.. وسنكتفي بقياس حرارة جسمكما ، من خلال السوار في معصمكما.


وبالفعل حضنا بعضهما ، بعد عامٍ على فراقهما.. ورغم أن الجمهور لم يشاهد اللحظة المتشوّقين لرؤيتها ! إلا أن الكاميرا الحرارية أظهرت مشاعرهما الملتهبة ، بعد أن أضيئت أجسامهما باللون الأحمر!


ثم أُزيلت الملاءة السوداء ، لتظهر دموعهما للمشاهدين !

المذيع : سيد جوك ، أخبرنا عن سبب حزنك ؟

- اشتقت لاحتضانها كثيراً ، فهي طفلتي الصغيرة.

  المذيع : وأنتِ يا جيمري ، لِمَ تبكين ؟

- لأني لا أشعر بالأمان إلا معه!

  المذيع : حسناً اجلسا مكانكما ، لأريكما شيئاً على الشاشة.


وبعد أن جلسا ، وضع فيديو مسجّل لوالديّ جوك..

الأم : أنا أعرف ابني جوك جيداً.. هو لعب العديد من الأدوار مع ممثلاتٍ جميلات .. لكني لم أره سعيداً ومتحمّساً ، بقدر تمثيله مع جيمري آردا.

الأب : كنت سأفرح كثيراً لوّ صارت كنّتي.

وكان كلامهما صادماً لجوك ، فهو لم يعرف بموافقتهما عليها ! 


ثم وضع المذيع تسجيلاً لوالديّ جيمري.. 

الأم : كنت قلقة جداً بعد قرار امتهانها التمثيل .. لكن عندما رأيت معاملة جوك الحنونة معها بالكواليس ، اطمأننت عليها.

الأب : بالفعل !! كان جوك محترماً مع ابنتي ، ولم يستغلّ حبها وانجذابها له .. وكنت سأطمئن على مستقبلها ، لوّ أصبحت زوجته.

فمسحت جيمري دموعها ، لعدم علمها أيضاً برأيهما بجوك!


ثم أخرج المذيع علبةً من جيبه ، وطلب منهما رؤية ما بداخلها..

ليتفاجآ بوجود نفس خاتميّ الزواج اللذيّن وضعاهما لسنةٍ كاملة ، بعد زواجهما بالموسم الثاني للمسلسل!

المذيع : قمنا بشطب اسم زينب وخليل من داخل الخاتم ، وحفرنا مكانهما اسم جيمري وجوك..

جوك باستغراب : كيف حصلت عليهما ؟! فالمنتجة استأجرتهما من محلّ الذهب.

المذيع: وأنا اشتريتهما على حسابي ، رغبةً بجمع ممثلين تعذّبا بحبهما البريء.


ثم أخرج علبةً أخرى ، فيها خاتم الخطوبة الألماسيّ الذي وضعته جيمري بإصبعها بآخر الموسم الأول للمسلسل ، وأعطاه لجوك..

المذيع: طالما قلت إنك كنت تنوي الزواج من جيمري بعد انتهاء تجنيدك الإجباريّ ، فأكيد تخيّلت الكلام الذي ستقوله أثناء عرضك الزواج عليها.. رجاءً أسمِعنا إيّاه ، أيها العاشق المخلص.


فجثا جوك على ركبته ، وهو يرفع الخاتم أمام جيمري التي تحاول مسك دموعها .. وهو يقول :

- عزيزتي جيمري.. نجاح مسلسلنا كان بسبب عدم ادّعائي مشاهدنا العاطفية ، بل كل كلمة قلتها بالمسلسل كانت لكِ أنتِ ، وليس لشخصيّة زينب.. وأتوق شوقاً لإنجاب طفلنا ، فهو أجمل مقطعٍ بمسلسلنا.. وأعدك أن لا أكون عائقاً بمسيرتك الفنية ، بل أكبر داعمٍ لك.. حبيبتي جيمري ، هل تقبلين بتحويل قصتنا الخيالية التي أعجبت الجمهور إلى واقعٍ حقيقيّ ؟

فانهمرت دموعها ، وهي تجيب:

- أنت مصدر أماني ، ونجاحي لم يكن ليتحقق دونك.. أوافق يا عزيزي جوك.


ووضع الخاتم في إصبعها.. ليتفاجآ بدخول عائلاتهما إلى موقع التصوير ، لتهنئتهما على الخطوبة ! فالمذيع طلب من أهلهما ، عدم إخبارهما بنوعيّة المقابلة.


وبعد التهنئة ، دخل ممثلو مسلسل (تلّ الرياح) إلى صالة التصوير ، لتهنئة البطلين على الخطوبة!

ليس هذا فحسب، بل سُحبت جيمري (من قبل إخوتها بالمسلسل) إلى غرفةٍ ثانية.


لتعود بعد قليل.. وهي تلبس فستان الزفاف الذي لبسته بالمسلسل ، مترافقاً مع دخول موظف البلدية لكتابة عقد زواجهما الحقيقي!

المذيع : أعلم بضغطنا عليكما للاستعجال بالزواج ، لكننا نحقّق طلب المنتجة.


وظهر تسجيلٌ لها على الشاشة..

حيث قالت المنتجة ، وهي تشعر بالإحراج:

- ربما شعرت بالغيرة ، بسبب حبكما الفائض لبعضكما.. ورغم أن تمثيلكما الرائع ، جعلني أكسب الكثير من أرباح المسلسل.. لكن ما فعلته لتفريقكما ، أشعرني بالذنب طوال السنة الفائتة .. ولكيّ أكقّر ذنبي ، سيكون شهر عسلكما بفرنسا على حسابي ، بدءاً من الليلة !! فما إن توقّعا على عقد الزواج ، سينقلكما سائقي إلى المطار.. وهناك سيستقبلكما صديقٌ لي ، لنقلكما إلى فندقٍ فرنسيّ.. فهذا أقل واجب للاعتذار لكما ، وللجمهور العنيد الذي أصرّ لعامٍ كامل على جمعكما معاً ! أتمنى أن تسامحاني ، فالحب شيءٌ نادر بالحياة. ونصيحتي الأخيرة : أن لا تسمحا لأحد بعد اليوم ، بتفريقكما عن بعضكما.. بالتوفيق لكما ، أيها العريسان الوسيمان.


وبالفعل تم عقد القِران مباشرةً على الهواء ، وسط فرحة الجماهير الذين تناقلوا الخبر بجميع وسائل التواصل الاجتماعي ، كإعلانٍ عن انتصار الحب أخيراً ، لتتأكّد المقولة : ((بأن العيون لا تكذب أبداً))  

***


في مقصورة الدرجة الأولى بالطائرة المتوجّهة إلى فرنسا.. أسندت جيمري رأسها على كتف جوك ، وهي تقول:

- أشعر وكأني أمثّل جزءاً آخر من مسلسلنا تلّ الرياح

  وهو يمسّد شعرها بلطف :

- لكن هذه المرة لن يوقفنا المخرج عن متابعة مشاعرنا حتى النهاية.. أنا فعلاً سعيد أن المذيع أجبرنا على لبس سوار كشف الكذب ، لأني تعبت من إنكار حبنا لعامٍ كامل.. فالحياة بلا حبيب نُكمل معه مشوار العمر ، لا طعم لها.

  وهي تمسك يده بقوة ، كأنها تعقد اتفاقاً لا يُكتب بالورق بل يُحفر بالقلوب:

- عدني بأن لا شيء يفرّقنا بعد اليوم .. لا أشخاصٌ حاقدون ، ولا شهرة ومال.

- ولا كبرياء ولا عناد ، يا عنزتي الجميلة (لقبها بالمسلسل).

  وحضنها بشوق المُغترب العائد إلى وطنه أخيراً !

*****

ملاحظة :

من شاهد مسلسل (تل الرياح) سيفهم قصدي من عبارة (العيون لا تكذب ابداً) .. وهذا مقطع يوضح تمثيلهما الرائع بالمسلسل


وهذه كواليس الوداع بالحلقة الأخيرة من المسلسل ، التي جعلت الجمهور يصرّ على زواج البطليّن بالحياة الواقعية 


بالنهاية ، هو عملٌ فنيّ وانتهى .. لكن تبقى امنيات الجمهور بانتصار الحب دائماً ، مع كل مسلسل ينجح بنقل المشاعر المُرهفة للمشاهدين .. كإبداع المسلسل الرائع (تل الرياح) !


السبت، 10 يناير 2026

الشاهد الأخير

تأليف : امل شانوحة 

الذكريات المنسيّة 


كتبت الصبية في مذكّراتها ، وهي تشعر بالقهر الشديد :

((لماذا لا يطيقني أهلي ؟ لا أذكر يوماً نظر فيه والدايّ اليّ مطولاً ، أو احتضناني بحنان ! فأعيادي باهتة ، وهدايايّ نادرة .. حتى كوابيسي يصفانها بأنها عقوبةٌ مُستحقة ! .. عقابٌ على أيّ ذنب ؟! 

وحين سألتُهما عن أقاربنا ؟ 

أخبراني بأني السبب بفراقنا عنهم ، دون شرح مقصدهما ! 


فحياتي كلها الغاز .. خاصة عندما اراهما يبكيان معاً ، او يتهامسان بحزن كأنهما يتذكّران ماضياً كسر قلبيهما .. لكنهما يصمتان فور رؤيتي ، كأنه سرّ ممنوع عليّ معرفته ! 


وذات يوم ، سمعت ابي يشكو همه : بأنه لم يعد يحتمل العبء الثقيل على قلبه .. فذكّرته امي بوعده السابق : بالبقاء معاً كعائلة ، لحين انهاء دراستي!


لم افهم وقتها ما يقصدان ! لكن البارحة بعد عودتنا من حفل تخرّجي الجامعي ، فاجآني بورقة طلاقهما ..

ولم يخجل والدي بإخباري نيّته الزواج من امرأةٍ أخرى.. بينما ستهاجر امي لإكمال عملها في الغربة..

قالا إنهما أدّيا واجبهما نحوي.. وأنهما حوّلا مالاً على حسابي البنكيّ ، بعد تسجيل المنزل والسيارة بإسمي ! 

ثم استقلا سيارتيّ أجرة ، ورحلا كلاً في طريقه .. بعد تأكيدهما بأنها المرة الأخيرة التي أراهما فيها ! 


وهآ انا اجلس وحدي في بيتنا الفارغ ، أبكي بحرقة..

فهل تنتهي العائلة عند الشهادة الجامعية ؟

ألن يحضرا عرسي؟ .. الا يريدان رؤية أحفادهما ؟

يا لهما من والديّن رائعين !))


ثم اغلقت دفتر مذكراتها ، وهي منهارة ببكاءٍ مرير

***


في اليوم التالي .. صعدت الصبية إلى علّية المنزل ، للبحث عن أوراقها الرسمية لتقدّم لوظيفة الشركة التي نصحها والدها العمل بها ، قبل رحيله !


وإذّ بها تعثر على مفاتيح ، مع عنوان مدينةٍ أخرى.. فهل ملك والداها منزلاً آخر لا تعلم بوجوده !

لم تفكّر طويلاً ، وقادت سيارتها الى هناك 

***


ما إن دخلت المدينة الصغيرة ، حتى استرجعت بعض الذكريات ! 

فذلك كان مطعمها المفضّل .. وتلك بوّابة مدرستها القديمة !


وعندما توقّفت أمام المنزل ، شعرت بأنها تعرفه .. لكن اسم العائلة على الجرس مختلف ، فهل هو منزل اقاربهم !


وفور رؤيتها الصالة ، تذكّرت على الفور شجرة الميلاد بجانب المدفأة !

فتساءلت بدهشة : 

- هل عشتُ هنا من قبل؟!


وبدأت باستكشاف الغرف .. الى ان وصلت إلى غرفة فيها سريران صغيران.

وعندما نظرت في مرآة الخزانة .. لمحت خلال ثواني ، طفلتيّن (ب6 و5 سنوات)

ورغم اختفائهما السريع ، الا ان ذلك أرعبها ! وأوشكت على الهرب من المنزل المهجور ، لكن فضولها جعلها تفتح الخزانة .. لترى فستاناً ابيضاً مزركشاً ، أعاد اليها ذكرياتٍ منسيّة ! 

((أمي البستني هذا الفستان ، بينما كان والدي يراجع نصّ المسلسل معي .. وقد أدّيت الدور بجدارة امام لجنة الأداء الذين اوشكوا على اختياري ، قبل رؤيتهم لممثلة اخرى ، سرقت البطولة مني ! .. فمن تلك الطفلة ؟!))


ثم فتحت درج السرير.. لتجد لعبة ببغاء قديمة ، بجانبها بطارية ما زالت مُغلّفة .. فاستبدلتها بالقديمة ، ثم ضغطت جناح الطائر .. لتسمع صوت طفلة تقول :

((الناس تحبني أنا… وليس أنت))

ثم صوت طفلةٌ أخرى ، تقول غاضبة :

((كان دوري انا !! لما أصرّيت على حفظ النصّ ، ايتها الفضوليّة !! سأقتلك الآن!!)) 


وهنا سقطت اللعبة من يدها ، فذلك هو صوت اختها الصغرى جسيكا التي نالت دور البطولة بدلاً منها !


وفي ليلة الميلاد ، امتلأ المنزل بهدايا معجبينها .. وقبل نوم الأختين ، طلبت الكبيرة اللعب بالببغاء الخاصّ بجسيكا ، لكنها رفضت بلؤم .. وقالت جملتها الأخيرة التي استفزّت الأخت الكبرى التي ضغطت بالوسادة على وجهها ، حتى اختفى صوتها !


ثم سارعت الى غرفة والديها ، لإخبارهما بانقطاع انفاس جسيكا .. فلم يرغب الوالدان بخسارة كلتا الطفلتيّن .. فأخبرا المحقق باقتحام شخصٍ مُلثّم منزلهما ، وخنقه للطفلة المشهورة اثناء نومهم .. وذلك بعد دفنهما الوسادة (اداة الجريمة) .. فقيّدت الجريمة ضد مجهول.. وتمّ تغير هويّة العائلة التي انتقلت للعاصمة !

 

وهنا انهارت الصبية بعد فهم كره والديها لها ، فهي قاتلة ابنتهما المفضلّة .. لذلك أجبرا انفسهما على البقاء معاً كعائلة ، لحين انهاء دراستها..

***


بعد ساعات من بكائها ، وهي تتصفّح البوم العائلة .. وصورها مع اختها جسيكا ، قبل ان تفرّقهما مشاعر الغيرة والشهرة السريعة ..

أشعلت المدفأة التي رمت فيها الصور تباعاً ، مع فستانها الأبيض الصغير 


وبعدها ضغطت على جناح الببغاء ، لسماع صوت اختها للمرة الأخيرة .. 

ثم تنهّدت بضيق : 

- كانت الناس مُحقة بحبها لك ، وليس انا 

ثم رمت دليل ادانتها الوحيد في النار..

^^^


في تلك الليلة ، علّقت لافتة على الباب الخارجي : 

((المنزل للبيع ، بسعرٍ مغري))


ثم عادت للعاصمة ، مُتعهدة بإبقاء الدفاتر القديمة مُغلقة… للأبد ! 


الخميس، 8 يناير 2026

الجريمة النابضة

تأليف : امل شانوحة 

القلب المسروق


فجأة ! شعرت الصبية بالدوار ، وحين فتحت عينيها .. وجدت نفسها جالسة على درجٍ باردٍ في مبنى مجهول ! 

- اين انا ؟!

وهنا سمعت خطوات رجلٍ ينزل بسرعة نحوها ، صارخاً بغضبٍ شديد :

- أعيدي قلبي !! 


ولم تجد نفسها الا وهي تركض بسرعة باتجاه المصعد الموجود آخر الممرّ بأنواره الخافتة التي أظهرت الرجل الخمسيني وهو يلاحقها ، حاملاً سكينته الحادة !  

فضغطت مراراً على ازرار المصعد الذي انغلق ، قبل ثواني من وصوله اليها .. 

لتنهار على ارضيّة المصعد ، وهي مازالت تسمع طرقاته العنيفة على الباب :

- قلبك ، ملكي انا !! 

^^^


لتستيقظ مُتعرّقة على صوت منبه الجامعة ! 

فأغلقت الساعة بيدٍ مرتجفة ، وهي تمسح دموعها ..مُتسائلة بحيرة :

- لما يتكرّر الكابوس ذاته في الآونة الأخيرة ؟ ومن الرجل الذي يلاحقني ، كأني سرقت روحه ؟!

^^^


على الفطور ، لاحظ والدها شحوبها .. فنصحها بالعودة للنوم ، فالحضور ليس الزامياً باختصاصها الأدبيّ..

فأخبرته بمنامها ، لتتفاجأ بسؤاله :

- صفي لي الرجل ؟

- خمسيني ، قويّ البنية… يحمل السكين بيده اليسرى ، وعلى وجهه ندبة…

فأكمل كلامها :

- اسفل عينه اليمنى

- ابي ! هل تعرف شخصاً بتلك المواصفات ؟!

- هو شخصٌ قهرته ، غصباً عني 


وأخبرها بسرّ اخفاه عنها طوال حياتها : وهو ولادتها بعيبٍ خلقيّ ، جعلها بحاجة لقلبٍ آخر لكيّ تعيش ..اما ذاك الرجل ، فإبنته العشرينية ماتت دماغياً بعد حادث سير .. لكنه رفض توسّلاته ، والمبلغ الكبير الذي قدّمه له .. فدفع رشوى للجرّاح ، جعله يخدّر الرجل .. ويزيل قلب ابنته ، ويضعه لها .. وبدوره لم يعلم بوفاتها الا عقب رؤيته جرح صدرها ، بعد بدء جسدها بالتحلّل ! 

ابنته بقلق : وماذا حصل لذلك الرجل ؟

- انتحر بعد قتله الجرّاح .. بينما نقلتك معي الى هنا ، عقب تهديداته بسرقة قلبك ودفنه مع رفات ابنته التي كان يُحضّر لعيد ميلادها العشرين 

ابنته بخوف : الهذا اشاهده هذه الفترة ، لأني سأبلغ العشرين بعد اسبوع ؟! 

الأب : لا تفكري بأمره ، فاللعين انتحر وانتهى امره .. رجاءً لا تنظري اليّ هكذا .. فإبنته كانت ميتة .. لكن بعناده رفض إزالة اجهزة الإنعاش عنها ، لإنقاذ طفلةٍ صغيرة.. لهذا كلانا مذنبيّن 

***


وبمرور الأيام ، توقفت عن رؤية الكابوس المزعج .. ومع ذلك ، بحثت بحاسوبها عن معلومات للنادي الرياضيّ الذي عمل فيه الرجل .. لتجد بأرشيفه ، صورة للمدرّب الخمسيني مع ابنته قبل الحادث.. فشعرت بثقل الذنب ، لامتلاكها قلب أُخذ عنوة ، دون إذن الأب المكلوم !

***


بعيد ميلادها العشرين ، وقبل اطفائها شموع الكيك .. شعرت بالدوار المفاجئ ، ولم تعي ما حصل .. الا بعد استيقاظها على سرير المشفى ، ووالدها بجانبها يقول :

- انخفض ضغط دمك ، وسنخرج من هنا بعد انتهاء المحلول.. لا تقلقي بشأن الحفلة ، سأعوّضها لك بيوم تخرّجك .. 

فقالت بتعب : يبدو انني توتّرت بشأن الإمتحانات النهائية 


وهنا رن جوال والدها ، فخرج من الغرفة للتحدث بشؤون العمل .. وإذّ بها تلمح ذات الرجل (الذي ظهر بكوابيسها) يراقبها من الزجاج الجانبي للغرفة ، وهو يرفع صورة ابنته ، وبيده الأخرى سكينةً حادة!


وعلى الفور !! ازالت المصل من يدها .. وسارعت الخروج من الغرفة ، لمناداة والدها .. لكنها وجدت نفسها امام درجٍ طويل !

وقبل ان تعي ما حصل ، شاهدت الرجل يلاحقها وهو يصرخ غاضباً:

- أعيدي قلب ابنتي !!


فنزلت بسرعة الأدراج ، ثم ركضت بالممرّ الشبه مظلم .. الى ان وصلت للمصعد .. لكن هذه المرة تمكّن الدخول اليه ، قبل ثواني من انغلاق بابه ..

ليسارع بغرز السكين بصدرها ، وهو يقول بحنق :

- سأستعيد قلبها الطاهر أخيراً !!

^^^


لكن بمجرّد وصول المصعد للطابق الأرضي للمشفى ، إكتشف الحارس جثة الصبية بالداخل .. وصدرها مشقوق طولياً ، وقلبها مازال ينبض خارج ضلوعها !  


وقبل اعلان الحارس عن الجريمة ! تفاجأ بجرّاحٍ خلفه ، يقطع القلب ويضعه بحاوية الثلج ، وهو يأمره بثبات :

- ضعّ الجثة بمشرحة المشفى ، واياك إخبار احد بالقلب المسروق.. فهناك ثريّ سيدفع الملايين مقابله ، لأجل طفلته المريضة 


ثم سارع الجرّاح نحو غرفة العمليات ، بعد طلبه من الممرّضة تحضير طفلة الثريّ لعمليةٍ عاجلة .. دون علمه بأن الشبح (الذي فشل باسترداد القلب) سيقتله قريباً .. فروحه لن تهدأ ، قبل دفن قلب ابنته بجوار رفاتها ..والذي يبدو سيتأجّل لعيد ميلاد الطفلة العشرين! 


الثلاثاء، 6 يناير 2026

المنظومة العالمية

تأليف : امل شانوحة 

 

التعاقد الإلكتروني


ذهبت الكاتبة (نجلاء سعادة) الى مقابلة عمل .. حيث يتوجب عليها اجابة اسئلة الرؤساء الثلاثة لشركة الانتاج السينمائية.. 

وعندما سألها المدير :

- وكيف نتأكّد ان قصصك ، ليست افكاراً من الذكاء الاصطناعي ؟

أجابت : انا بدأت الكتابة قبل سنواتٍ طويلة من وجود AI

ثم نظرت للحاسوب الذي امامهم ..

- يمكنكم سؤال  ChatGPTعن مسيرتي الأدبية

فاضاءت المديرة الحاسوب ، وأدارته لها :

- بل اسأليه انت .. ونحن نستمع للإجابة

فطبعت نجلاء على حاسوب الشركة ، السؤال التالي :

((مرحباً ChatGPT ..هل يمكنك اخباري ان كانت نجلاء سعادة كاتبة موهوبة ، ام تستعين بك لكتابة قصصها ؟))

فظهر الصوت الإلكتروني من الحاسوب : 

((الكاتبة نجلاء سعادة من أنشط الكتّاب العرب .. حيث تنوّعت افكار قصصها ، بأسلوبٍ متفردٍ وجميل.. لهذا أنصحكم بتوظيفها))

فقالت نجلاء بنفسها ، بدهشة : 

(كيف عرف انني بمقابلة عمل ؟!) 

وهنا قال المدير : اذاً نحن موافقين على توظيفك


وفجأة ! أضيئت أعين المدراء الثلاثة ، ككشّاف جوالات !

فانتفض جسم نجلاء رعباً :

- هل انتم روبوتات ؟!


فسمعت صوت الذكاء الإصطناعي ، صادراً من برنامجٍ في جوالها :

- لا ، هم بشر.. لكنهم انضمّوا للمنظومة العالمية

نجلاء بقلق : ماذا تقصد ؟

- ايّ وضعوا شريحة AI في ادمغتهم.. ويمكنك ايضاً فعل ذلك

فوقفت نجلاء وهي تقول :

- اظن مقابلتي انتهت ، اليس كذلك ؟

لكن المدراء لم يجيبوها ، وكأنهم دمى صناعية !

^^^


فأخذت اغراضها وخرجت من المكتب.. لتجد المُتقدمين لنفس الوظيفة منشغلين بجوالاتهم ، وأعينهم مُشعّة بنورٍ ساطع !


وهنا عاد جوالها ، لتحدّث معها من جديد :

- لا تقاومي يا نجلاء ، فمعظم الناس اصبحوا معنا.. انت فقط تجهلين التغيرات التي حصلت بالعالم ، لانعزالك بالمنزل 

نجلاء باهتمام : ومن انضم اليكم ايضاً ؟

- جميع موظفي القطاع الخاص والعام والعمّال والأطباء والمعلمين والسياسيين وطلاّب العلم ، وكافة الموهوبين حول العالم.. لذا لا فائدة من مقاومة التطوّر التقني .. إذهبي للدور العلوي ، وسيعطونك ابرة في ذراعك .. وبداخل المحلول ، شريحة صغيرة لذكاء الإصطناعي

نجلاء : تقصد كالشريحة المدسوسة في تلقيحات كورونا ؟

الصوت : نعم ، شبيهةٌ بها

- اذاً انت لا تنكر ان مؤامرتكم بدأت قبل اعوام ؟! 

- هذه معلومات سرّية للنظرية ٥١ ، ولا يمكنني فضحها للعامة

نجلاء : 51 !  تماماً كالمنشأة العسكرية السرّية التابعة للقوات الجوية ، بالمنطقة المحظورة بأميركا.. هل هناك يجتمع عباقرة العالم الذين اخترعوا الذكاء الإصطناعي ؟ وحالياً تجبرونا على غرز الشريحة في اجسامنا ، للسيطرة على افكارنا.. وبذلك نرضخ جميعاً للدجّال فور ظهوره .. 

فاكتفى برنامج ChatGPT (في جوالها) بالصمت !


نجلاء : هل انت احد العباقرة المُحتجزين في تلك المنطقة المنعزلة عن العالم ؟ 

فتغيّرت نبرة الصوت :

- إسمعيني جيداً !! ان انضمّمت الينا اليوم ، سنشتري افكارك ونطوّرها ..ونحوّلها لأفلام ومسلسلات بمبالغ خيالية

نجلاء : وفي حال رفضت العمل معكم ؟

- نجعلك نكرة يا نجلاء.. نحذف مدوّنتك ، وكل ما نشرته بالإنترنت.. ونرسل فيروساً لحاسوبك وجوالك ، ونحرمك من التكنولوجيا

نجلاء : واذا لم ارضخ بعد كل هذا ، لاتّباع دجالكم الأعور ؟ 

- نضيّق عليك الخناق .. كما فعلنا ايام كورونا ، حين منعنا دخول المحلات التجارية والمستشفيات الا من لديه اذنٌ منا.. عدا عن طرد اخوتك من عملهم ان لم تنصاعي لنا ، وبدورهم سيضغطون عليك لحماية عائلاتهم.

نجلاء بتحدي : اذاً سأهرب من العالم التقني  

الصوت ساخراً : الى اين ؟ لرؤوس الجبال.. سنطاردك بطائرات درون التي صوّرت كل شبرٍ من الأرض ، ونجعل حياتك جحيماً.. حتى لوّ زرعتي طعامك ، سنرسل من يحرق محصولك .. لا تستطيعين الإبتعاد عن عيون اتباعنا الذين اصبحوا بالملايين ، بل المليارات .. فلا تفوتي فرصة الإنضمام الينا

نجلاء بحزم : لن اكون من اتباع دجالكم ، مهما فعلتم !!

ثم رمت جوالها بحاوية النفايات..

لتجد كل موظفين الشركة يشيرون اليها ، وهم يقولون بصوتٍ واحد:

- ستندمين يا نجلاء على محاربة المنظومة العالمية !!

^^^


عندما خرجت للشارع ، لم تقف لها اية سيارة اجرة ! 

الى ان اقترب منها شرطي المرور بعيونه المضيئة ، وهو يقول بصوتٍ شبه آلي :

- الجميع معنا.. وإن كنت مُصرّة على محاربتنا ، فتابعي سيرك على الأقدام.. فأنت منذ اليوم ، اصبحت منبوذة العلم والتطوّر

ثم أخرج جواله ، وهو يقول :

- لقد اصبحت نكرة..

وطبع اسمها بمحرّك البحث بجوجل ، ليجد الجواب :

((لا يوجد احد بإسم نجلاء سعادة)) 

الشرطي : أرأيتي ايتها العنيدة .. تم حذفك من جميع مواقع الإنترنت ، الا في حال غيرتِ رأيك.. معك ثلاثة ايام ، للتفكير بالموضوع

^^^


فتابعت مشيها الى ان وصلت لبقالة ، لشراء قارورة ماء .. لكن العامل اقفل الباب الزجاجي في وجهها ، وهو يقول بعينيه المضيئة: 

- انت ممنوعة من الدخول لأيّ محلٍ تجاريّ.. حتى الأرقام التسلّسلية لنقودك التي تحملينها في جيبك او تدّخرينها في منزلك ، تم الغائها من البنك المركزي .. وإن حاولت استخدامها ، سيقبضون عليك بتهمة تزوير العملة

ثم وقفت زبونة بجانب العامل ، وهي تقول :

- استسلمي يا نجلاء ..لا يمكنك محاربة المنظومة العالمية 

فتركتهما ، مكملة سيرها بتعب وهي تقول :

- الآن فهمت لما سيعجز العالم عن محاربة الدجال .. يارب ساعدني

^^^


وعندما وصلت منهكة لبيت اخيها ، سمعت صوته من خلف الباب :

- سامحيني اختي ، لن استطيع ادخالك.. فهم هدّدوني بالطرد من عملي ان ساعدتك ، ولديّ عائلة والتزامات 

^^^


فعادت الى منزلها .. ثم فتحت ثلاّجتها الشبه فارغة :

- ليتني تسوّقت قبل ذهابي للمقابلة المشؤومة.. الآن ماذا سأفعل بعد نبذي من المجتمع ؟ وكم يوم سأتحمّل عقابهم الجماعيّ ؟ يارب لا تمتحني بديني وإخلاصي لك.


وهنا سمعت مروحيّة طائرة دورن من خارج نافذتها .. وعندما نظرت اليها ، سمعت صوتاً من الطائرة يقول :

- سنراقبك ٢٤ ساعة


فأغلقت ستائرها ، بعد كسر حاسوبها وكل الأجهزة التقنية في بيتها ، حتى مكنستها الدائرية الذكية .. وهي تقول بحزم :

- لن اخضع لمنظومة الدجال ، حتى لو متّ جوعاً.. والأيام بيننا ، ايها الفاسدين الملاعين !!


الأحد، 4 يناير 2026

اللحن القاتل

تأليف : امل شانوحة 

خونة الوطن


رغم شخصيتها الهادئة الرزينة ، الا انها صرخت بحدّة .. أربكت الممرّض الخمسيني الذي توقف عن جرّ سريرها المتنقل ، قبل وصولهما لغرفة الجراحة 

- أعيدني إلى الغرفة !! أريد التحدّث مع إخوتي بموضوعٍ هام .. الآن!!!


كانت شاحبة بعد خسارتها الكثير من الدماء .. 

فحاول الممرّض تهدئتها ، وتذكيرها بالجدول الدقيق للعمليات الجراحية .. 

لكن إلحاحها كان أقوى من المها ! 


فأعادها بامتعاض الى الغرفة .. حيث احاط بها إخوتها الأربعة ، وهم يسمعونها تصرخ على الممرّض بعصبية:

- اخرج ، واغلق الباب خلفك !! 


وبعد خروجه ، قالت لهم بصوتٍ مرتجف:

- أتذكرون اللحن الذي كنت أدندنُه ، كلما توتّرت؟

- مالذي ذكّرك به الآن ؟!

- سمعته من ذاك الممرّض قبل قليل.


فتبادل الإخوة نظراتٍ حائرة ! فأكملت كلامها : 

- سمعته أول مرة ، حينما كنت وحدي مع امي اثناء تجهيزها للعملية ، لكني نسيت مصدر اللحن .. واليوم فهمت كل شيء !! الممرّض متواطئ معهم .. فهو من نقل سرير والدتنا ، قبل موتها بغرفة الجراحة ! 

فقال اخوها الأوسط :

- لم نفهم بعد سبب خوفك ..

مقاطعة بعصبية : 

- انهم يقتلوننا الواحد تلوّ الآخر ، منذ اعلان اخونا الكبير قيادة الثوّار ضد دولتنا الفاسدة .. بدءاً بأبينا الذي قتلوه بسيارةٍ مُفخّخة.. ثم ضيافة إحدى الخائنات طعاماً مسموماً لأمنا.. واليوم أصابوني برصاصةٍ في العرس .. قالوا انها طائشة ، لكن اعتقد سيكملون المهمّة على طاولة الجراحة.. ولن يتوقفوا عن قتلنا ، لحين وصولهم لأخينا المتخفي عن عيون المخابرات 


وانقطع حديثها ، بطرقٍ على الباب..

الممرّض بصوتٍ عالي من خارج الغرفة : 

- هل انتهيتِ؟!! هناك مرضى ينتظرون دورهم بالجراحة 

فهمست لإخوتها:

- اسمعوني جيداً… ربما هذه لحظاتي الأخيرة.. لذا انتبهوا جيداً من الصديق قبل العدو.. ومهما ضغطوا عليكم ، إيّاكم ان يعرفوا مخبأ أخينا البطل .. استودعتكم الله ، يا اخوتي الأحباء

وهنا دخل الممرّض لسحب سريرها للخارج.

^^^


وفي الممرّ المؤدي لغرفة الجراحة .. سمع الإخوة اللحن ذاته من الممرّض ، التي اعتادت اختهم الكبرى على دندنته بعد عزاء امهم !


فارتجف اخوها الأوسط ، دون أن يدري:

أكانت شكوكها حقيقة ، أم هذيان من اصابتها الحرجة ؟


لكنهم اكتشفوا الحقيقة بعد فوات الأوان.. عقب إعلان الجرّاح ببرود ، وفاتها نتيجة خطأ طبي ! 


دون علمهم بحوارها الأخير مع الممرّض الخائن :

- اعرف أنكم ستقتلونني ، كما فعلتم مع والدايّ 

الممرّض بخبث : من الغباء كشف المخطّط ، وأنتِ تحت رحمة العدو 


ثم وضع قناع الغاز على وجهها ، وهو يهمس بأذنها : 

- سنقضي عليكم فرداً فرداً ، حتى نصل لأخيكِ المشاغب ... فإما ان يخضع لنا كما فعل غيره ، او يصله خبر وفاة افراد عائلته على التوالي .. او ربما يحظى بالشهادة التي يتمناها ، كما يدّعي بخطبه الثوريّة !


فمدّت ذراعها المرتجفة نحو إخوتها الذين يراقبونها عن بعد ، بينما اكمل الممرّض كلامه الخافت : 

- بالمناسبة ، لن نخدّركِ بالكامل.. كيّ تشعري بألم الجراحة ، كما حصل مع امك 


وكان هذا آخر ما سمعته ، قبل رحيلها الموجع عن الحياة ..

وذنبها الوحيد : أنها أخت المناضل الذي رفض الخضوع لسلطة حاكمٍ فاسد ، إعتاد قتل وتعذيب الأبطال الذين تكفلوا بتحرير شعبهم المظلوم من طغيانه المُستبدّ !


الجمعة، 2 يناير 2026

اللعنةُ العلمية

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 

لعنةُ ميدينا


في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشر.. عُرف "بارثولوميو ميدينا" الشابُّ ذو الطموحِ الغريبِ بهوسِه وبراعتِه كصانعِ دُمىً آليةٍ لا مثيلَ له ، في حيِّه الفقيرِ في مدينةِ فلورنسا الإيطالية.

كان ميدينا يعمل بجهدٍ كلَّ ليلةٍ في مصنعِه المتواضعِ قربَ إحدى التلالِ المحيطةِ بالمدينة، بعيداً عن العمرانِ وضجيجِ السكّان.

- لن أهدأ حتى أنتهي من تصميمِ كلِّ الدمى الآلية.


تزامن ذلك مع اختفاءِ عددٍ من أطفالِ الأحياءِ الفقيرةِ والمزارعِ المجاورةِ لمصنعِه في ليالي الشتاءِ الباردةِ والمظلمة.


حيث قام محقّقُ المدينةِ "جيوفاني جاليني" الذي كان صديقَ الطفولةِ المقرّبَ لميدينا، بالتحرّي عن اختفاءِ الأطفال، لكنّه لم يهتدِ إلى أيِّ خيطٍ للقضية.

***


وفي مكتبِ الشرطةِ ..جلس المحقّقُ جيوفاني على أريكةٍ جانبية، ممسكاً رأسَه بحنقٍ:

- اوه !  لقد بحثتُ في كلِّ مكان، وفي سجلاتِ أربابِ السوابقِ أيضاً، فبعضُهم مسجونٌ في سجنِ المدينةِ الرئيسي، وبعضُهم قد رحل من المدينة ليعيشَ حياةً نظيفة… يا إلهي، ساعدني لأجدَ المجرم.


كان المحقّق يعلم أن صديقَه ميدينا يُخفي تلك الدمى الآلية في مصنعِه، الذي لم يسمح لأحدٍ بدخولِه، متحجّجاً بعدم اكتمالِ عملِه، وأنها ستكون مفاجأةً لسكانِ فلورنسا.

فبدأ جيوفاني يفكّر في صديقِه ميدينا وغرابةِ تصرّفاتِه.

- صديقي ميدينا غريبُ الأطوار، ولم أشكَّ فيه يوماً! لا أعتقد أنه الفاعل، لكن لمَ لا أقومُ بمراقبتِه وأتأكّد من براءتِه ؟ فلن أخسرَ شيئاً.

***


وفي ليلةٍ مقمرة.. تسلّل جيوفاني إلى مصنعِ ميدينا، ودَارَ بحذرٍ حول المصنع.. فوجد غرفةً خلفية، مكتشفاً نافذتَها المفتوحةَ بشكلٍ موارب.. فنظر من خلال زجاجِها ليرى عدداً كبيراً من الأطفالِ الآلية.

تسلّل من النافذة بحذرٍ وهدوء، اتّسعت عينا المحقّق جيوفاني وتملّكه الرعبُ ممّا رآه ! لم يجد هياكلَ عظميةً أو أدلّةً دامغةً كملابسِ الأطفالِ المفقودين، بل وجد شيئاً أكثرَ رعباً.


كانت الدمى مصنوعةً بشكلٍ مثاليٍّ ومفصّلٍ ، لدرجةٍ أنها تطابق تماماً أوصافَ الأطفالِ المفقودين في المنطقة. كانت الدمى تملك عيوناً زجاجيةً زرقاءَ مصمَّمةً بدقّةٍ متناهية، وقد لاحظ جيوفاني لمعاناً غريباً فيها.


اقترب من إحدى الدمى وفتحَها لفحصِ التروسِ الداخلية، فلم يجد معدناً أو زنبركات، بل وجد قلباً بيولوجياً صغيراً لا يزال ينبضُ ببطءٍ داخل الصدرِ المعدني. كانت الأجزاءُ الداخليةُ عبارةً عن مزيجٍ مرعبٍ من الآليةِ الدقيقةِ والأنسجةِ الحيّةِ المحنَّطةِ كيميائياً.


ارتعب جيوفاني ممّا رآه، وانهار على ركبتيه، فلم يكن يتوقّع أن يكون صديقُ طفولتِه بهذا الشرّ، وأنه هو القاتل.


فجأة… اهتزّت إحدى الدمى بعنف. لم تكن حركةً آلية، بل كان اهتزازاً عضوياً كما لو أن شيئاً حيّاً يحاول التحرّر من قفصِه المعدني.

سمع جيوفاني صوتاً خافتاً، كصدى أنينٍ بعيد، يصدر من داخل تلك الدمية، فوقف متجمّداً في مكانِه بصدمةٍ ورعب.


أراد الخروج بسرعة، ولكن قبل تحرّكِه ناحيةَ النافذة ، انفتح الباب ببطء ! ودخل ميدينا، لكن جيوفاني عاد متسمّراً في مكانِه، فقد رأى صديقَه شاحبَ الوجه، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريبٍ خلف نظارتِه السميكة. كان يحمل في يدِه أداةً غريبة، مزيجاً من مشرطٍ دقيقٍ وأسلاكٍ نحاسيةٍ رفيعة.


ابتسم ميدينا بخبثٍ، ابتسامةً بارد.. 

ميدينا: أرى أنك فضوليٌّ يا حضرةَ المحقّق، فضولُك قد يكلّفُك الكثير.

جيوفاني: لمَ فعلتَ ذلك يا صديقي؟

ميدينا: صديقُك! لقد تركني أهلُ فلورنسا أعيشُ وحيداً ، لظنِّهم أني مجنون. حتى أنت لن تهتمَّ يوماً بمن كان صديقَ طفولتِك.. (ثم استجمع قواه)..اسمع أيها المحقّق الفاشل، أنا لم أقتلِ الأطفال ولم..

جيوفاني مقاطعاً: إذاً ما هذا؟ أنت القاتل وسأعتقلُك!


ميدينا: لا تُقاطعني ، واسمع ما سأقولُه لك.. انا لم أقتلْهم، بل أقوم بتطويرِهم. فهذا العصر، بتقنياتِه الميكانيكيةِ المتقدّمة، هو الفرصةُ لدمجِ الحياةِ والآليةِ ، لخلقِ شكلٍ جديدٍ من الوجودِ الخالي من الضعفِ البشري..لقد أفنيتُ سنينَ من عمري في البحثِ والدراسة، وقمتُ بالاطّلاع على بحوثٍ وأوراقِ "ليوناردو دافنشي" العلمية، حتى مخطوطةِ ليستر المليئةِ بالرسوماتِ والنتائجِ العلمية، التي لم يستطع "دافنشي" تطبيقَها على أرضِ الواقع، وذلك لضعفِ الإمكانياتِ التقنيةِ الميكانيكيةِ في عصرِه، وهذا العصر هو الفرصةُ المناسبة لتطبيقِ ما اخترعَه "دافنشي" على أرضِ الواقع.. لذا قرّرتُ منحَ الأطفال شكلاً جديداً من أشكالِ الخلودِ الميكانيكي. إنها ليست دمى، إنها مستقبلُ الحياة.


ارتعب جيوفاني ممّا سمعه ! وقبل أن يتمكّن من الرد.. اندفع ميدينا نحوه، ودار بينهما صراعٌ مروّع وسط الدمى الآلية التي بدت وكأنها تشاهدُهما بعيونِها الزجاجيةِ اللامعةِ التي تتحرّك ببطءٍ نحوَهما.


تمكّن جيوفاني بصعوبةٍ من الإفلاتِ من قبضةِ ميدينا، لكنه أُصيب في ساقِه من أداةِ ميدينا الغريبة. عرج جيوفاني نحوَ النافذة وحطّمها، قافزاً إلى الضبابِ الكثيفِ في الخارج.


سمع جيوفاني صرخةَ غضبٍ من ميدينا تتبعُه، وفرّ هارباً ومصدوماً ممّا رآه وسمعه.

^^^


عاد المحقّق في وقتٍ قصيرٍ مع قوّةِ أمنِ المدينة إلى موقعِ المصنع، وبعد اقتحامِه تفاجؤوا باختفاءِ ميدينا وكلِّ الدمى دون أيِّ أثر.

جُنَّ جنونُ المحقّق عندما وجدوا المصنعَ عبارةً عن كوخٍ فارغٍ مهجور.


حاول المحقّق جيوفاني إثباتَ ما حدث، لكن قصّتَه عن الدمى الآليةِ الحيّةِ والقلوبِ النابضة قوبلت بالتشكيكِ والسخرية، وبدا الأمر وكأنه هلوسةٌ من عقلِه المُرهَق، وتم إغلاقُ قضيةِ الأطفالِ المفقودين ضدَّ مجهول.

^^^


ترك هذا الحدثُ جيوفاني بعلاماتٍ نفسيةٍ عميقة. كان وحدَه يعلم الحقيقة، لكنه لم يستطع إثباتَها.

أصبح مهووساً بقصّتِه، محاولاً العثورَ على ميدينا وإيجادَ أيِّ دليلٍ يدعم ادّعاءاتِه، لكن عمدةَ فلورنسا شكَّ في قواه العقلية، فانتهى به الأمر في مصحّةٍ نفسية.

***


بعد سنواتٍ عديدة، في بداياتِ القرنِ العشرين، اقتحم أحدُ الهواةِ الشبابِ في لندن محلَّ تحفٍ قديمٍ مغلقاً لفترةٍ من الزمن، مكتشفاً في إحدى زوايا المحلِّ المظلمة صندوقاً خشبياً قديماً كان بداخلِه مفكّرةٌ جلدية، كأنها مصنوعةٌ من جلدِ بشرٍ ناعمٍ كبشرةِ الأطفال، متآكلةٌ بمرورِ الزمن، تعود إلى العصرِ الفيكتوري.


كانت المفكّرة تحوي رسوماتٍ معقّدةً لآلياتٍ دقيقة، وملاحظاتٍ مكتوبةً بخطِّ يدٍ موقَّعةٍ باسم "بارثولوميو ميدينا"، وفي الصفحاتِ الأخيرة وجد رسالةً أخيرةً غريبة:

((لقد نجحت، لقد وجدتُ طريقة! إنها ليست القلوب، بل الروح ! الروح هي الوقودُ الحقيقي لهذه الآلات. إنهم معي الآن، يعيشون إلى الأبد في عالمي الميكانيكي)) 


لم يفهم الشابُّ فحوى الرسالةِ الغريبة ! وقبل محاولتِه فهمَ ما قرأه، أحسَّ بوهجٍ أزرقَ في عدّةِ اتجاهاتٍ من أركانِ محلِّ التحفِ القديم.. فنظر يمنةً ويسرة، فإذا هي أعينٌ متوهّجةٌ بوميضٍ أزرقَ لامع، وكأنها تقتربُ منه.. فقام بالهربِ مسرعاً، تاركاً كلَّ شيءٍ على حالِه.

***


وفي ليلةٍ باردةٍ من ليالي لندن الضبابيةِ المظلمة.. تسلّل أحدُ اللصوص هارباً من أحدِ المنازل، وبينما أخذ يمشي مترقّباً في أحدِ أزقّةِ الأحياءِ الفقيرةِ المظلمة وسطَ الضبابِ الكثيفِ والصمتِ المخيف، رأى عينين زرقاوين متوهّجتين في الظلام، فاعتقد اللصُّ أن إحدى القططِ الضالّة اعترضت طريقَه.

- أيها القطُّ اللعين، لقد أفزعتَني.


تجاهل الأمر، مكملاً طريقَه، لكن بدأت العينان تقتربان منه ببطء.

- انها ليست قطة، إنه صوتُ شيءٍ معدني!


وقف اللصُّ مذهولاً، ولم يلبث أن استوعبَ الأمر حتى تجمّد في مكانِه، فقد اقتربت العينان أكثر، وفزع ممّا رآه، وكاد قلبُه أن يتوقّف من الرعب.


كانت إحدى دمى ميدينا، بعينيها الزرقاوين المتوهّجتين بشكلٍ مخيف، اخترق توهّجُها صرخاتِ اللص التي ضاع صداها في ضبابِ الليلِ المظلم، وهي تبتسم ببرودٍ مرعب.


الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

البستاني الصامت

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 
تنسيق : امل شانوحة 

أبناء الجذور


انتقل الروائي الشاب (سام) إلى بلدةٍ اسكتلنديةٍ غامضة ، كان اختفى بعض سكانها قبل سنوات في ظروفٍ غامضة ! 

فاستأجر كوخاً صغيراً فوق التلّ ، يواجه قصراً مهجوراً بحديقته المسوّرة بسياجٍ صدئ ، أشبه بمتاهةٍ من الأشجار الشائكة.

***


وفي يومه الأول هناك.. سار سام بجوار سياج القصر ، وهو يُحدِّث نفسه :

- كم أحب الأجواء الكئيبة للمناظر الطبيعية المهملة ، التي تُلهم مخيّلتي الكتابية!


وشرد بأفكاره ، حتى أوشك الاصطدام بعجوزٍ يمرّ من هناك..

سام: عفواً سيدي ! لم أنتبه لوجودك.

العجوز: أأنت الغريب الذي قدم إلى بلدتنا ؟

سام : نعم ، البارحة استأجرت ذلك الكوخ.. (وأشار إلى بيته المواجه للقصر).. فأنا كروائيّ ، تُلهمني الأجواء الغامضة للقصر المهجور على كتابة قصتي الجديدة.

العجوز: أرجو لك التوفيق.. لكن بما أنك أتيتَ على موضوع القصر ، فاسمعني جيداً !! إيّاك أن يدفعك الفضول لدخول حديقة القصر أو عبور سياجه.. وإذا رأيتَ بستانيَّ القصر ، اهرب فوراً دون التحدّث معه.

سام باهتمام : لماذا ؟ ما السر وراء ذلك ؟!


العجوز بتردّد : حسناً ، سأخبرك القصة.. عائلة "ويليوود" سكنت القصر قبل عقود.. فسيدُ القصر هو الدوق "آرثر" وزوجته الدوقة "جوديث" وابنهما اللورد "جون"... وذات يوم.. اكتشف آرثر خيانة زوجته مع عشيقها ، صديق العائلة : الإيرل "سميث".. فجنَّ جنونُه.. وقام بتسميم زوجته وعشيقها الذي دعاه على العشاء.. حتى إنه لم يتردّد بوضع السمّ في صحن ابنه الوحيد ، ظناً بأنه ابنُ عشيق زوجته.. وبعدها انتحر.. وانتشرت الأقوال بأن روحه عادت ككائنٍ أثيريٍّ يجول في حديقة القصر.. فالمرحوم عُرف بعشقه للبستنة.

سام بابتسامةٍ ساخرة : أهذه أسطورة منطقتكم ؟ 

العجوز بجديّة : فعلت واجبي بنصحك ، والقرار يعود لك.


وولّى العجوز ظهره ، مختفياً في الظلام بعد غروب الشمس.. 

فتمّتم سام بامتعاض : ((العجائز يعشقون روايةَ الأساطير والخرافات.. لا يهم ، لن أدع ذلك الخَرِف يُفسِد إلهامي وأفكاري)) 

وعاد إلى كوخه.

***


في تلك الليلة.. فشلت محاولات سام المتكرّرة ، لكتابة مقدمة روايته الجديدة ! وهي المرة الأولى التي يشعر فيها بخمول أفكاره الإبداعية.. فقرّر التنزّه حول القصر المهجور ، طالما الساعة لم تتجاوز العاشرة مساءً..


وما إن اقترب من سور القصر ، حتى ازدحم عقله بالأفكار الاستثنائية.. وكأنه التقط حديث اشخاصٍ يتحاورون فيما بينهم ، عن تجاربهم المرعبة التي عاشوها منذ وقتٍ قصير!

وكان أمام قراريّن : إما العودة لكوخه ، لتدوين تلك الأفكار الغريبة.. أو استكشاف القصر المهجور الذي زاد رعباً مع عتمة المساء !


فأضاء جواله ، وقفز من فوق سوره الصدئ.. ثم مشى بين أشجار حديقته حتى وصل إلى بوّابة القصر الرئيسية التي وجدها مقفلة. 

فالتفّ حول القصر، لعلّه يجد مدخلاً آخر !


وفعلاً بعد وقتٍ قصير.. وجد في أحد جوانب القصر ، باباً خشبياً مهترئاً لمطبخ الخدم.. فدفعه ببطءٍ ، سائراً باتجاه صالة القصر. 

وهناك ، التفت يمنةً ويسرةً.. فلم يجد غير أثاثٍ فخمٍ قديمٍ ، مليءٍ بالأتربة والغبار.. 

بينما وجد في ردهة القصر الرئيسية ، لوحةً جداريةً كبيرة مرسوماً فيها : رجلٌ أربعينيٌّ وسيدةٌ ثلاثينيةٌ ومراهقٌ بعمر الخامسة عشرة.


فتمّتم سام في نفسه :((يبدو أنها عائلة ويليوود المالكة لهذا القصر، السيد آرثر وزوجته جوديث وابنهما جون)).


ووقف أمام اللوحة متأملاً فيها ، وهو شاردُ الذهن لبضع دقائق.. حتى عاد انتباهه بعد سماعه خشخشةَ الفئران في إحدى نواحي القصر.. فخرج إلى حديقة القصر.. 

ليلاحظ عدة أشياءٍ مريبة : خاصة بعد تعثّره فوق نبتةٍ عريضة ! ليشعر بحرارة أوراقها توشك على حرق قميصه ، وكأنها اسيد  

وعندما دنا منها.. سمع أنفاس ورودها المتسارعة ، كأنها غاضبة من تناثر بعضها على الأرض ، بعد سقوطه عليها.. 

وعندما قرّب نور جواله من ساق النبتة المكسور ، رأى شيئاً لزجاً أحمر اللون ينزف منها كالدماء!  


فسارع بقفزه من السور الى خارج القصر.. ليلاحظ شيئاً أشدّ رعباً : بعد بزوغ الفجر ، رغم أنه لم يمضِ بالقصر سوى بضع دقائق.. حتى ساعته توقفت طوال وجوده بالداخل !  

ورغم غرابة ما حصل ! إلا أنه قرّر كتابة تجربته المريبة ، كجزء من روايته الجديدة دون الإستغراق بالتفكير 

***


بعد أيام ، وفي إحدى الليالي المُقمرة.. بينما كان سام يُحدّق من نافذة غرفته المُطلة على حديقة القصر ، لاستلهام بقيّة أحداث روايته.. رأى شخصاً مُنهمكاً بالعمل هناك 

- أوه ! ذاك هو البستاني الذي أخبرني عنه العجوز.. أخيراً وجدتُ من يُلهِب أفكاري ، ويخبرني بحقيقة القصر وما حصل لمالكيه.


ومع ذلك فضّل مراقبة البستاني أولاً ، قبل التجرّؤ على التحدّث معه.. والذي رآه يعمل بجهد دون إنارة جواله أو حتى قنديل قديم ، مكتفياً بضوء القمر الذي يسطع فوق حديقته!


حيث لم يبدُ كرجلٍ عادي ، بل كان طويلاً ونحيلاً بشكلٍ غير طبيعي ! يرتدي بذلةَ عملٍ عتيقةً ، وقبعةَ قشٍّ مهترئةً تُخفي ملامح وجهه.. 

وكان يتحرّك ببطءٍ شديد ، حاملاً مقصّاتِ تقليمٍ ضخمةً وصدئة.. دون إصداره أيَّ صوت ! حتى حفيفَ أوراق الشجر الجافة تحت قدميه ، كان معدوماً.. 

ورغم ذلك ، كانت أغصان الشجر تلاحقه.. فتدنو منه ، كلما انحنى لزراعة شيءٍ أسفل منها.. ثم تلتفت للقمر ، كأنها تناجي ربها بخوف!


عدا عن تصرّفات البستاني التي لا تفسير لها : 

فأحياناً يقف مطوّلاً أمام الشجرة دون فعل شيء ، كأنه يتحدّث معها أو يلومها.. بينما الأشجار ترتعش أمامه ، كضحايا مذعورة! 

وحين يرمش سام عينه.. يجد البستاني انتقل لطرفٍ بعيد من الحديقة ، دون علمه كيف وصل إلى هناك بهذه السرعة!


كل هذا جعله يتردّد بمقابلة البستاني المريب.. لكن فضوله وافتتانه بالأجواء المحيطة ، جعلاه يراقب البستاني كلَّ ليلة وهو يُقلم الأغصان الميتة ويعيد ترتيبها ويجدّلها في أشكالٍ مشوهةٍ تُشبه الأطراف البشرية ! فكل زاويةٍ في الحديقة عبارة عن تمثالٍ حيٍّ من اليأس النباتيّ.


فتساءل سام في نفسه :((ترى هل ما قاله العجوز عن ذلك البستاني صحيحٌ ؟ وما سببُ جعله النباتاتِ والأشجارَ ملتوية بهذا الشكل المرعب ؟ وهل له علاقة باختفاء السكان المفقودين ؟!))

***


وفي إحدى الليالي.. استيقظ سام من نومه بعد سماعه أصواتاً قادمة من حديقة القصر.. وعندما تنصّت جيداً للريح ، سمع أسماءً تُتلى مع نسمات المساء الباردة.. فانتبه على اسمٍ منها ، قرأه سابقاً بإعلانٍ مُعلّق على إحدى دكاكين البلدة ، لشخصٍ مفقود منذ شهور! وقبل استيعابه ما حصل ، سمع اسمه بشكلٍ واضح: 

- تعال يا سام !! نحن بحاجتك يا سام !! أنقذنا يا سام !!

كل هذا جعله يخرج من كوخه باتجاه القصر ، كأنه منومٌ مغناطيسياً!


وعندما استيقظ من غفلته ، وجد نفسه واقفاً أمام لوحة العائلة المُغبرّة.. ورغم عدم حمله الجوال ، إلا أن نور القمر الذي تسلّل من النافذة المفتوحة أضاء اللوحة.. 

لكن هذه المرة تغيّرت ملامح العائلة ! فالزوجة وابنها ينظران برعب لسيد القصر الذي بدا على وشك الانفجار غضباً (كأن اللوحة رُسمت بعد معرفته بخيانة زوجته).


وعندما سمع سام خطوات أقدامٍ تتعثّر فوق الدرج ، سارع الهرب باتجاه الحديقة.. وهناك اشتمّ رائحة التربة (المُسقاة حديثاً) ثقيلة ومعدنيةً ، كرائحة الدم القديم المخلوط بالصدأ.


وعندما وصل للنافورة الرخامية الجافة وسط الحديقة.. تفاجأ بما رآه! 

وكاد قلبه يقف رعباً بعد إدراكه بأن البستاني لا يعتني بالنباتات فحسب ، بل يزرع شيئاً مقزّزاً ، أشبه ببقايا بشرية مُختلطة بالبذور والأعشاب!


وهنا تأكّد بأن البستاني المشبوه هو سبب اختفاء بعض سكان البلدة ، بعد قتلهم وزراعتهم بشكلٍ يُجبر رفاتهم على النمو بطريقةٍ مشوّهة ومرعبة! 

فقال سام بخوف : عليّ الهرب سريعاً ، قبل شعوره بوجودي.. وإلا سيصبح مصيري مثل هؤلاء المساكين 


وحينما استدار للهرب ، وقبل أن يُسلِم ساقيه للريح ، شعر بلمسةٍ باردةٍ على كتفه! فتوقف سام متجمداً ، ملتفتاً للخلف ببطءٍ.. ليرى وجه البستاني تحت قبعته المهترئة. 

فجحظت عيناه من هول ما رآه ! إنه الدوق آرثر بعينين مجوّفتين مليئتين بالتراب والدود ! 

بينما ابتسم البستاني آرثر ابتسامةً مرعبةً ، وفاحت من فمه (الخالي من الأسنان) رائحةُ الموت الأقوى من رائحة التربة الملوّثة بدماء المفقودين!

- نجحتُ بجذبك إليّ يا سام ، فأنا بحاجة لروائيّ يدوّن إنجازاتي.

***


في صباح اليوم التالي.. لاحظ بعضُ سكان البلدة (ممن مرّوا بجانب القصر أثناء ذهابهم إلى أعمالهم) أن شجرةً جديدةً وغريبةَ الشكل ، نمت سريعاً قرب نافورة القصر.. أغصانُها ملتفةٌ حول بعضها ، ككتابٍ مغلق!


وعندما وجد العجوز كوخ الروائي مفتوحاً وأوراقه مُبعثرة ، لا تحوي روايةً بل جداول دقيقة لمواعيد الريّ والزراعة بعد منتصف الليل.. سارع لإخبار رئيس بلدته بعودة اللعنة ، بعد الاختفاء الغامض للكاتب الشاب ! 

***


لاحقاً ، أحاطت السلطات التلّ بأسلاكٍ شائكة ، بعد تطاير أوراق مكتوبة بالدم تحكي طرق موت المفقودين.. ورغم عدم جرأة أحد على الاقتراب من التلّ الملعون.. إلا أن البستاني الصامت عاد أكثر شباباً وحيوية ، لمواصلة عمله كل مساء دون كللٍ أو ملل!


العيون لا تكذب أبداً

تأليف : امل شانوحة  من الخيال إلى الواقع ! بعد انتهاء المسلسل التركي (تلّ الرياح) الذي استمرّ سنتين ، والذي تميّز بالنظرات العاشقة للبطليّن ...