الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة 

الخطيب الغيّور


دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق : 

- وأين اجرة مرافقك ؟ 

فاستغربت من كلامه ، لوجودها وحدها بالمقاعد الخلفية ! 

- أيّ مرافق؟!

فردّ السائق بعصبية :

- الشاب الأخرس الذي يجلس بجانبك .. الا يكفيني نظراته الغاضبة طوال  الطريق ، وكأني أتحرّش بكِ ! هيا إدفعي أجرته ، ثم انزلا من سيارتي 


فدفعت له المال مُجبرة.. ونزلت وهي تحمد ربها ان نجّاها من السائق المجنون !

لكنها لا تعلم ان ما حصل ، كان مجرّد البداية.

***


بعد أيام.. تعرّضت سلمى لسرقة حقيبتها من السوق .. 

وكادت تصرخ مُستنجدة ، قبل ان تنصدم بعودة السارق وهو يعيد حقيبتها طواعيةً ! ونظراته مُثبّتة خلفها ، مُعتذراً بخوف : 

- اعتذر سيدي .. لن اقترب منها مجدّداً 

ثم لاذ بالفرار .. 

فانصدمت سلمى لعدم وجود احدٍ خلفها ! 

***


واستمرّت الأحداث الغريبة مع كل رجلٍ حاول الإقتراب منها : فهو إمّا تعرّض لحادثٍ مأساويّ .. أو عانى من كوابيس متكرّرة ، جعلته يقطع علاقته بها.


وآخر خطيب ، سأله والدها عن سبب امتناعه عن إكمال مراسم الزواج ؟ 

فأجابه بضيق :

- الرجل الذي يرافق ابنتك على الدوام ، طاقته مزعجة ولا أستطيع مواجهته !

فظنّت سلمى أنهم جميعاً يختلقون اعذاراً لفسخ خطوبتها ! 


لكن الأمر أصبح مرعباً ، عندما اتفقوا جميعاً على وصف الرجل الغامض : بشابٍ طويل ، نظراته غاضبة للغاية ، ويلازم سلمى كظلّها !

***


في عصر ذلك اليوم ، مشت سلمى لوحدها على الشاطئ .. فلاحقتها امرأةً غجريّة ، وهي تصرّ على التحدّث معها 

سلمى بعصبية : ليس معي المال ، يا امرأة !!

- انا لست شحاذة ، بل بصّارة محترفة .. واريد إنقاذك ممّن يلاحقك 

فتلفّتت سلمى خلفها ، بخوف :

- عمّن تتحدثين ؟!

- انت لا ترينه ، لكنه لا يفارقك .. لهذا اريدك ان تجيبيني ، هل كنت متزوجة من قبل ؟

سلمى : كنت مخطوبة لإبن عمي الذي توفيّ بحادث سير قبل عرسنا بإسبوع

- ومتى حصل ذلك ؟

- قبل عامين 

- ومن يومها امورك مُتعسّرة ؟

سلمى وهي تتذكّر الأحداث الغريبة التي حصلت معها : 

- نعم !

البصاّرة : كما توقعت .. هل تصفينه بشديد الغيرة ؟

سلمى : كان يكرّر دائماً ، أنني زوجته دنيا وآخرة.. حتى انظري !! 


وأخرجت من تحت قميصها عقداً ، مُعلّقاً فيه خاتم خطوبتها .. وأكملت كلامها بحزن :

- قبل وفاته بالمشفى ، طلب مني عدم نزعه من اصبعي طوال حياتي .. لكن بعد وفاته ، وضعته في هذا العقد... ويوماً ما سأعيده لأمه ، إن تزوّجت رجلاً آخر 

البصّارة : هذا إن سمح لك بذلك 

بقلق : ماذا تقصدين ؟!

- هناك بعض الروابط لا تنتهي بالموت ، خصوصاً إذا كان صاحبها يرفض نهايتها.. وأظنه سيخيف كل رجلٍ يقترب منك 


وهنا تذكّرت سلمى مخاوف خطّابها السابقين .. فسألت البصّارة بقلق:

- وكيف سأتخلّص من روحه العنيدة ؟!

أجابتها العجوز:

- إذهبي إلى قبره وتحدّثي معه ، وحاولي إقناعه بتركك تتابعين حياتك بسلام .. والأفضل ان تكوني حازمة بهذا الموضوع 


ثم عادت البصّارة الى خيمتها على الشاطئ ، دون شرح ما تعنيه !

***


نزلت سلمى من سيارة الأجرة ، بعد وصولها الى المقبرة قبل غروب الشمس 


وبعد قراءتها الفاتحة امام قبر خطيبها السابق .. جلست تحادثه :

- اعرف أنك أحببتني منذ طفولتي ، لكني اعتبرتك دائماً أخي الكبير .. ومع ذلك وافقت على الزواج منك ، إرضاءً لعمي وعائلتي وليس عشقاً لك.. وبالنهاية القدر لم يُتمّم زواجنا.. فرجاءً دعني وشأني .. لا اريد البقاء وحيدة طوال حياتي .. ولا ارغب ان يتأذّى احد بسبب غيرتك الصعبة .. لهذا اتيت اليوم ، لدفن خاتمك في قبرك .. فأنا انوي الزواج قريباً 


وبعد دفن الخاتم ، وقفت وهي تقول بحزم :

- هذه آخر مرة ازور قبرك .. الوداع يا ابن عمي 


واستدارت لتغادر..لكنها شعرت بشيءٍ يُطبق على معصمها بقوة !

فالتفتت بفزع ، لترى أصابع عظميّة خارجة من القبر !

فحاولت سلمى الصراخ ، لكن الرعب شلّ لسانها.


وبينما كانت تحاول الإفلات ، سمعت صوت خطيبها .. وهذه المرة لم يكن حنوناً ، بل يشتعل غضباً :

- متى ستفهمين .. انك زوجتي دنيا وآخرة !!

***


مرّت الأيام و الشهور دون أثرٍ لسلمى التي اختفت من الوجود ! 

وغيابها المفاجئ ، أصاب والدها بأزمةٍ قلبية..


وبعد أيام من علاجه بالعناية المُشدّدة ، سلّم الروح 

ولم يكن في المقبرة العائلية مكانٌ لدفنه.. فأخذوا إذن العم ، لدفنه بقبر ابنه الميت قبل سنتين ..

***


في ظهر ذلك اليوم .. وصل المشيّعون إلى القبر.

ليسمعوا حفّار القبور يناديهم ، لرؤية المشهد الغريب !


وصُدم الأقارب ، بعد رؤية جثة امرأة شبه مُتحلّلة داخل القبر .. لم يعرفوا من هي ، الى ان سمعوا صرخة اخيها :

- هذه سلمى !! تلك بقايا فستانها المفضّل ! 


اما جثتها : فلم تكن مُمدّدة بجانب الهيكل العظمي لخطيبها ، بل متكوّرة على نفسها في حضنه !

والشيء الأرعب هو يد ابن عمها العظميّة ، المُطبقة بإحكام حول معصمها .. تماماً كما لوّ كان ممسكاً بها ، لمنعها من الهرب او الحفر بأظافرها المُتكسّرة .. الى ان لفظت انفاسها الأخيرة اختناقاً !

***


وظلّ أهالي المنطقة يتساءلون لسنوات:

((هل سلمى من شدة شوقها ، حفرت قبر خطيبها ؟ ..وإن كانت هي ، فمن ردم التراب فوقها ؟! ..أم ان روح خطيبها الغيّور ، سحبها معه لعالمه الآخر ؟!))


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

ملوك الموت الثلاثة

تأليف : امل شانوحة 

الإبادة البشرية


في مكانٍ بعيد عن البشر ، عُقد اجتماع بين ثلاثة ملوك في قاعةٍ صغيرة تحت الأرض.

الأول : ملكة البعوض بجسدها الرشيق وجناحيها الشفافتيّن ، وعلى رأسها تاجٌ باللون الأحمر القاني  

وعلى يسارها ، ملك الجراد.. بتاجه المصنوع من سنابل القمح اليابسة 

أما الثالث : فملك الفئران.. بجسده الضخم الذي يُغطيه معطفاً من الفروّ المخمليّ .. وتاجه عبارة عن خاتمًٍ ماسيّ ، سرقه احد جنوده من ممتلكات أنسيّة بأحد البيوت


وابتدأ الفأر الإجتماع : 

- شكراً لقدومكما الى قصري اسفل الغابة .. فنحن أعظم ثلاثة ملوك عرفهم البشر

البعوضة : بالتأكيد سنقبل دعوتك انا وزميلي الجراد .. فنحن جميعاً نعتبر من اسوء الحشرات في العالم 

ملك الفئران معترضاً :

- انتبهي على كلامك ، فأنا لست حشرة.

فردّ الجراد:

- لكنك حليفنا في الموت.

ابتسم الفأر : 

ـ وهذا يكفيني.. (ثم اشار لملكة البعوض) .. يمكنكِ طرح اسئلتك علينا 


البعوضة بغرور :

- برأيكما من تسبّب في موت اكبر عددٍ من البشر ، من بيننا ؟

الجراد بفخر :

- باعتقادي نحن !! فجيشي بإمكانه تغطية نور الشمس .. وبقرارٍ واحدٍ مني ، أُبيد ملايين البشر دون ان يواجهونني بحروبهم المعتادة 

الفأر باهتمام :

- وكيف ذلك؟

الجراد : بإمكان أسراب جيشي التهام محاصيلهم في ساعاتٍ قليلة .. وعندما تختفي السنابل ، تبدأ المجاعة.. مُجبراً البشر على اكل ما لا يؤكلونه بالعادة .. الى ان يموت معظمهم جوعاً 

البعوضة ساخرة :

- لكنك عديم الفائدة بالأماكن التي ليس فيها حقول .. بينما نسلي يكفيه وجود انسانٌ واحد ، لتبدأ الكارثة .. فجيشي أصغر من جيشكما ، ومع ذلك يشهد التاريخ بأنني كنت أعظم خطرٍ قاتل على البشرية 


ثم اخرجت من حقيبتها ، صوراً لضحايا ماتوا من أثر الحمّى 

وهي تقول بفخر :

- هل سمعتما بالملاريا ؟ .. مع انه بالحقيقة ، لسنا من نصنع الطفيلي القاتل .. لكنه يستخدم أجسادنا ، كوسيلة للوصول إلى البشر.

فسألها الجراد باهتمام :

- وكم قتلت الملاريا حتى اليوم ؟

فابتسمت بمكر :

- انت تعرفني جيداً .. لا أحب الأرقام الصغيرة.

الفأر بابتسامة :

- يالك من مغرورة 

فأكملت كلامها :

- حسب تقديرات البشر .. الملاريا قتلت عبر التاريخ أعداداً هائلة ، قد تصل لمئات الملايين.. وفي العصر الحديث ، ارتبط جيشي بنحو نصف مليون وفاة كل عام ، خصوصاً في البلدان النامية ! أما أنتما ، فتحتاجان إلى حقولٍ ومدن.. بينما جيشي يكتفي بلسعةٍ واحدة ، لجعلهم يحتضرون ببطءٍ موجع 


ملك الجراد:

- بصراحة لا يمكننا انكار عظمتك ، خصوصاً بعد انجازك العظيم بوباء الإنفلونزا الإسبانية  

البعوضة : 

ـ البشر يخطئون احياناً بتحليلاتهم .. فالإنفلونزا الإسبانية كانت وباءً فيروسياً ، ولا دخل لجيشي فيه 

ابتسم ملك الفئران :

ـ جيد أنك اعترفت بالحقيقة 

البعوضة :

- انجازاتي الأخرى تكفيني .. ماذا عنك ؟


فأخرج الفأر من خزانته .. مجموعة من الصور القديمة ، لجثثٍ منتشرة بمدنٍ اوروبية في العصر الماضي..  

الفأر :

- بالحقيقة هذه صور مرسومة باليد .. سرقها مساعدي من المتحف ، والتي توضّح انجازات اجدادي .. أتدريان ما اسم الوباء ؟ 


فساد الصمت القاعة ، قبل ان يجيب الفأر بفخر :

- الطاعون الأسود.

قال الجراد:

- هذا وحده يكفي لتفوز علينا 

الفأر : ربما .. لكن دعوني أكون دقيقاً بالتحليل .. فالبشر بذلك الزمان وضعوا اللوم على الفئران .. لكن الناقل المباشر للبكتيريا ، كان غالباً البراغيث التي تعيش على القوارض المصابة.

فقالت ملكة البعوض بدهشة :

- إذاً أنت مجرد...

الفأر مقاطعاً : 

- وسيط .. او يمكنكما اعتباري ، حليفٌ استراتيجيّ .. المهم ان جيشي أفنى عشرات الملايين بالموت الأسود في القرن الرابع عشر.. فماذا تستطيعان فعله امام انجاز القوارض العظيم هذا ؟ 

فردّ الجراد:

- أستطيع تجويع أمّةً بأكملها 

وقالت البعوضة:

- وأنا أستطيع إمراضها 

فردّ الفأر بغرور : 

- وأنا أستطيع تحويل مدنهم إلى مقابر جماعية


ثم طلب الملكان من الفأر استعارة جواله (المسروق من احد البيوت) 

وبدأ كل واحدٍ بعرض جيشه من فيديوهاتٍ نشرها البشر على الإنترنت ..مستعرضاً كل ملك قوته على صاحبيه ..

حيث رأيا اسراب البعوض التي اجتاحت المدن ..

بينما اسراب الجراد تقضي على الحقول بساعاتٍ قليلة

بينما تجمّدا وهما يريان القوارض وهي تخرج من كل زاوية ، حتى غطّت الشوارع والبيوت !


فنظروا إلى بعضهم ، قبل ان يقول الجراد : 

- الآن فهمت لما يخافنا البشر.

الفأر: بل يكرهوننا.

البعوضة :

- ولهذا يحاربوننا على الدوام .. 


ثم ضغطت بخرطومها على حروف الجوال ، ليظهر امامهم فيديو لمختبراتٍ بشرية لتصنيع المبيدات الحشرية ومصائد فئران ، وشبكاتٍ كهربائية مضادة للبعوض ، ومبيدات المحاصيل لمكافحة الجراد..

بينما علماءٌ آخرين يدرسون الطفيليات والبكتيريا والفيروسات.


فنظر الملوك الثلاثة إلى المشهد بدهشةٍ وقلق ! 

قائلاً ملك الجراد:

- إنهم ينفقون الملايين لمحاربتنا؟!

فضحكت البعوضة :

- هذا طبيعي ، فهم يعرفون قوتنا .. والتاريخ يشهد على جرائمنا ضدهم

الفأر :

- معك حق .. فهم يخشون دماء البعوض المسمومة .. وقدرة جيوش الجراد على تدمير آلاف المحاصيل الزراعية .. ودور القوارض والبراغيث في نشر الطاعون ، اعظم بلاءٍ بالتاريخ 

الجراد : ما يفاجئني ابادة البشر لبعضهم بالحروب ، ومع ذلك يخافوننا رغم صغر حجمنا !  

فردّت الملكة:

ـ لأنهم لا يروننا كجنود العدو ، بل موتٌ يحيط بهم دون سابق انذار.. ولهذا يستمرّون في محاربتنا ، وإبادة نسلنا بكل الطرق الممكنة !

^^^ 


وانتهى الإجتماع .. ليذهب كل ملكٍ الى جيشه الخفيّ ، وهم يعلمون بأن العلماء والمسؤولين سيتابعون الحرب معهم للنهاية .. لإداركهم بأن بعض المخلوقات مهما بدت صغيرة ، تستطيع تدمير الحضارة البشريّة في أيامٍ معدودة !


الأحد، 27 سبتمبر 2026

عرش الجماجم

تأليف : امل شانوحة 

الزعماء السفّاحين


في الدرك الأسفل من جهنم .. تواجدت ساحةٌ سوداء ضيّقة ، فيها اعمدة من اللهب .. وعلى أرضيّتها الساخنة ، جلس رجالٌ لقّبوا بأكثر الطغاة دمويّة في تاريخ البشريّة ! 


كانوا يعرفون بعضهم : ((جنكيز خان .. جوزيف ستالين .. أدولف هتلر.. ماو تسي تونغ.. بول بوت)) 

وقد ارتبطت أسمائهم بالحروب والمجازر ، والإبادات التي راح ضحيّتها ملايين الأبرياء ! 


نظر جنكيز خان حوله ، وهو يقول ساخراً :

- يبدو أصبحنا من اركان الجحيم نفسه ! 

هتلر : وقد استحقينا هذه المكانة بجدارة .. اليس كذلك يا اصدقاء ؟


فبدأ كل واحدٍ يخبر عن ماضيه.. لم يتحدثوا عنه ندماً ، بل فخراً !


فقال ماو تسي تونغ ، بغرور :

- اردّت تحويل الصين الى قوةٍ صناعية وزراعية ، بخطة بعنوان : القفزة الكبرى الى الأمام ، والتي ساهمت بتغير وجه دولتي بالكامل .. وإن كانت أدّت لمجاعةٍ هائلة 

بول موت :

- اما انا !! فحكمت كمبوديا عبر نظامي الخمير الحمر ، التي ادّت لإفراغ مدناً من سكّانها قسرا.. عدا عن حقول الإبادة التي قُتل فيها ، مليونين من شعبي


ابتسم ستالين : 

- وأنا انشأت شبكة العمل الجبريّ للمعتقلين ، وجعلت الملايين يخافون من سماع اسمي بعد الإعدامات الجماعية التي اشتهرت بها

فقال هتلر:

- وانا صاحب المحرقة العظيمة ، والمسؤول عن تجارب النازيين الطبّية المرعبة .. عدا عن ملايين الموتى في إلمانيا ، وبقية الدول التي انضمّت للحرب العالمية الثانية 

جنكيز خان بغطرسة :

- رغم جرائمكم المتعددة ، الا ان ضحايا جيشي اكثر منكم بكثير .. فأنا قضيت على نسل العديد من العائلات .. ليس فقط في دولتي ، بل بكل الدول التي انتصر جيشي عليها .. حتى لم يبقى لهم أثراً من بعدي !


وبدأوا بمقارنة اعداد الموتى بينهم ..وكلما ارتفع الرقم ، ارتفعت أصواتهم وهم يتجادلون عن انتصاراتهم العسكرية.


فقال جنكيز خان معترضاً : 

- انا من رُبط الموت بإسمي ، كأني عزارئيل بشريّ .. ولليوم لا يُعرف العدد الصحيح لضحايا فتوحات المغول الوحشية

ضحك ماو :

- وانا اسمي ظلّ حاضراً حتى بعد موتي.

فقال هتلر:

- وهذا ما حققناه جميعاً 


وهنا ظهر أمامهم ملاك من حرّاس الجحيم.

فسأله هتلر:

ـ أين إبليس؟ ظننا سنراه معنا ، بالدرك الأسفل من النار ! 

أجاب الحارس:

- هو في الطبقة الوسطى من جهنم .. بينما انتم استحقيتم الطبقة السابعة والأخيرة من جهنم ، لأنكم اسوأ منه بكثير 

هتلر بدهشة :

- كيف أسوأ من إبليس ، وهو من أغوى الناس جميعاً ؟!

ردّ الحارس:

- هو انحصرت مهمّته مع ابنائه ، بالوسّوسة للبشر .. دون ان يطلب من احدٍ عبادته ، او ينكر وجود الله .. وكيف يفعل ؟ وقد رآه وتحدّث معه ، قبل طرده من الجنة.. كما لم يبني دولته فوق ملايين الجثث .. بينما انتم !! حوّلتم وسّوسته إلى جيوشٍ وسجونٍ ومعسكراتٍ ومقابر جماعية..أنتم أصحاب القرار بالإبادة البشريّة.. والله عادل بعقاب كل مخلوقٍ ، حسب ذنبه .. لهذا فزتم بالدرك الأسفل من جهنم ، والتي ستبقون فيها لأبد الآبدين


ثم اختفى الملاك ، بينما جلس الطغاة صامتين.

قبل ان يقول ستالين بقهر :

- ليت الزمان يعود بنا للماضي 

فنظروا اليه ، قبل ان يكمل كلامه :

- أقصد .. ماذا لوّ عدنا إلى الدنيا بشخصيةٍ جديدة ، وحياةٍ أخرى... هل كنا سنفعل الشيء ذاته ؟

سأل جنكيز خان:

- وماذا سنفعل بدلاً من ذلك ؟ فالحروب هي الشيء الوحيد التي اتقناها في الحياة !

ستالين : لوّ مثلاً ولدنا بقريةٍ صغيرة ، كمزارعين او عمّال بناء .. ثم تزوجنا بأمرأةٍ حنونة ، بنينا معها عائلةً محبة ؟! 


فبدأ كل واحدٍ منهم يتخيّل حياةً لم يعشها : فيها بيتٌ صغير ، وزوجة تنتظره عند المساء.. وأطفال يركضون بين الحقول ، بانتظار عودة والدهم براتبه القليل ..جيران واقارب ومناسباتٍ عائلية واعياد .. ثم مرض وشيخوخة وموت طبيعي.


فقال ماو :

- لا ارى نفسي اعيش حياةً عادية ، فهي مملّة بالنسبة لي

جنكيز خان :

- وانا حتماً لن تكفيني أمرأةً واحدة ! 

ستالين :

- وانا اعشق القصور والفخامة !

ردّ هتلر :

- وانا لا يمكنني العيش دون قيادة آلاف الجيوش !

بول بوت : 

- وانا اعشق ان اكون مُهاباً من كل افراد شعبي !


ثم نظروا لبعضهم ، قبل ان ينفجروا ضاحكين .. ضحكة هزّت اعمدة الجحيم !

جنكيز خان : 

- لا شيء اجمل من جلوسك على عرشٍ مبني فوق ملايين الجماجم 


فأومأوا برؤوسهم ، تأيداً لرأيه .. وهم يبتسمون ابتسامة نصرٍ وفخر!


ليصل حوارهم الى اسماع ابليس (في الطبقة الوسطى) .. فتمّتم بحزن :

- فعلاً ! لا احد يغيّر طباعه ، ولوّ مُنحنا ارواحاً عديدة .. لهذا استحقينا جميعاً عقابنا العادل.. صدق الله حينما قال : ((وما ربك بظلّامٍ للعبيد)) 


السبت، 26 سبتمبر 2026

ذكريات ساحرة

 تأليف : امل شانوحة

العالم الآخر


قبل النطق بالحكم على أشهر مشعوذة في المنطقة ، طلب عالمٌ نفسي السماح له بإجراء تجربةٍ أخيرةٍ عليها..

فوافقت المحكمة ، ونُقلت العجوز تحت حراسةٍ أمنيةٍ مشددة إلى عيادته المتطوّرة.


كانت امرأة في أواخر الستينيات ، نحيلةً بشعرٍ ابيضٍ منكوش ، وثيابٍ رثّة تفوح منها رائحة العفن .. واضح من هيئتها إهمالها لنفسها ، رغم كسبها ثرّوة من زبائنها! 


وفي غرفة المختبر .. وضع الطبيب الخوذة على رأسها ، بينما تستلقي على السرير الطبّي .. وحولها مجموعة من الأطباء ، في انتظار عرض ذكرياتها على الشاشة الكبيرة امامهم 


فحاولت نصحهم بعدم رؤية ما واجهته طوال 30 سنة الماضية ، لأنه سيشيب شعرهم ، وربما تتوقف قلوبهم رعبا 


لكن الطبيب المسؤول عن التجربة ، استهان بتحذيراتها .. وضغط زرّ التشغيل :

في البداية .. ظهرت المرأة بسن 37 ترتعش خوفاً في غرفتها المظلمة ، بعد انقطاعٍ مفاجئ للكهرباء .. وهي تقف خلف بابٍ أوصدته بالمفتاح وأحكمت سدّه بسريرها ، وهي تحاول إسكات طفلها (3 سنوات) الذي أرعبه الطرق العنيف على باب غرفتها الخارجيّ.


قبل صراخها برعب :

- ماذا تريدون مني ؟!! السحر الذي طلبته لمنع زوجي من تطليقي ، فشل بموته .. لما تصرّون على الظهور لي ، وإخافة ولدي ؟ ارجوكم عودوا للعالم السفليّ الذي قدمتم منه !!


فاختفت الأصوات بالخارج ! وتنفّست الصعداء ، ظناً باقتناعهم بما قالته .. لكنها تردّدت بفتح الباب ، لإحضار الحليب لإبنها الجائع من المطبخ .. فانحنت بحذر ، للنظر من فتحة القفل .. وإذّ بها تسقط للخلف برعب ، بعد رؤيتها لعينٍ حمراء .. قبل سماعها ضحكاتٍ مخيفة من الخارج ، من عدّة كائنات تتحدث فيما بينها:

- هل تظنين ان الإستعانة بقدراتنا مجّاناً ؟! 

- ربما تظن انه لا يمكننا اختراق جدران غرفتها !

- او اذيّة ابنها 

- نعم !! دعونا نتجسّد جسمه الصغير ، ثم الخروج بعنف من عينيه  

فصرخت باكية :

- لا رجاءً !! لا تصيبوا ابني بالعمى.. الا يكفي الجنين الذي اسقطته بناءً على طلب المشعوذة اللعينة ، لمنع زوجي الأحمق من الزواج عليّ ؟ لا اريد خسارة ابني الوحيد ايضاً   

- اذاً كوني امرأةً مطيعة ، وابدأي بأذيّة كل من حولك !!

المرأة باكية : لست خبيرة بالسحر 

- سنعلّمك كل شيء ، حتى تصبحي اشهر مشعوذة بالمنطقة


((بهذه الأثناء ..كانت المشعوذة تستمع للحوار وهي مُغمضة العينين فوق السرير الطبّي ، وتبكي قهراً على ماضيها .. بينما يتابع الأطباء تجربتها باهتمامٍ ورعب))


ثم توالت المشاهد المخيفة على الشاشة .. حيث ظهر عالم الجن البدائي بعد سحبها اليهم ، عقب خسارتها حضانة ابنها لأهل زوجها .. وقد ساعد الجن على قهرها بهذا الموضوع ، كيّ لا تتحجّج بالصغير لتعلّم السحر عندهم !


وبعد 3 شهور ، اعادوها الى بيتها بعد اتقانها لتعويذات السحرية.. 

ثم عُرض على الشاشة : طريقة ظهورهم لها ، في حال ارادوا تنفيذها لمهمةٍ جديدة.. حيث يتعمّدون إفزاعها ، كنوع من مزاحهم الثقيل ..

 

وظهر بالتلفاز : أصابع طويلة سوداء تجرح نافذتها بأظافرٍ خشبية ، قبل ظهور انسانٍ شاحبٍ بعينيه البيضاوتين وشعره الأسود الطويل الذي غطّى نصف وجهه ..والذي تمكّن من اختراق غرفة نومها ، والطفو فوقها .. قبل هبوطه المفاجئ فوقها ..مما ايقظها مرتعبة على ضحكاته الساخرة .. فهو قدم لإطلاعها على المهمّة القادمة  


ثم شاهدواً مشهداً آخر : لمجموعة من الجن تتنزه في المقبرة ، من نساء ورجال وأطفال بأشكالٍ مختلفة .. بشعورٍ تصل الى خصورهم ، وملابس بيضاء فضفاضة تتحرّك رغم انعدام الرياح.. بعضهم يزحف على اطرافه الأربعة ، وبعضهم يطير، وبعضهم يمشي بطريقةٍ عكسية .. بينما أعناق معظمهم تلتفّ بكل الزوايا ، كالبومة !

جميعهم يراقبون المشعوذة وهي تدسّ سحرها بفم ميتٍ دُفن حديثاً ، بناءً على توجيهات الجن.. وكان واضحاً ارتجاف يديها ، والدموع التي تنسكب من عينيها لإتمام مهمّتها الأولى .. لكنها مجبرة على طاعتهم ، كيّ لا يأذوا ابنها الوحيد !


ورغم اشكالهم الكئيبة ، الا انها تعوّدت عليهم بمرور الأيام .. لكن التجارب الأرعب بالنسبة لها ، هي تعاملها مع الشياطين التي تتميّز بطولها التي تصل للسقف .. واجسادها المُشعرّة .. وقرونها الملتوية .. وذيولها التي تجرّ لأمتارٍ خلفها ! 

 

واستمرّ عرض ذكرياتها المرعبة على الشاشة بصورٍ شبه معتمة .. لأنها عادةً ما تلتقي مع تلك المخلوقات قبيل الفجر أو عند غروب الشمس.

وطريقة كلامهم مُبطنة تصل ذبّذباتها للعقل ، دون ان تتحرّك شفاههم! 


وقد تفاوتت أوامر الشياطين : بين إمراض المسحور او فشله الدراسيّ او خسارة عمله او إصابته بالعقم .. لكن اكثر ما يهمّهم هو الطلاق بين الأزواج ، خصوصاً العرسان الجدّد !

 وكلما نجحت في تنفيذ إحدى رغباتهم ، كافؤوها بكيسٍ مليء من عملاتهم الذهبية.


اما اوامر الجن ، فتعتبر بسيطة مقارنةٍ بالشياطين : 

فهم يطالبونها بمنع الناس من دخول الأماكن المهجورة ، او الإقتراب من الأشجار المُعمّرة في الغابة ، لأنها بيوتهم .. كما يأمروها بتخويف الصغار من اللعب ليلاً ، لأن اصواتهم وضحكاتهم العالية تزعجهم .. وايضاً إرهاب النساء من الإقتراب من المقبرة ، لأنها منتزهم المفضّل .. 


ثم توالت صوراً سريعاً ، تظهر براعتها بالسحر .. لدرجة انها اصبحت بعد عدة سنوات ، من اشهر مشعوذيّ المنطقة 


وبعد اطفاء الشاشة .. اقتربوا الأطباء منها ، لسؤالها :

- كم شخص طلّقته من زوجته حتى الآن ؟

فأزالت الخوذة عن رأسها ، وعدّلت جلستها فوق السرير .. وهي تقول بلا مبالاة :

- توقفت عن عدّهم بعد مساهمتي بتطليق نصف معارفي ، وتنفّذي لطلبات النسوة اللآتي قدمن الى بيتي لتخلّص من ضرائرهن ..كما نجح الجن الذين يتعاملون معي ، بإصابة المسحورين المساكين بأمراض الجلد والصرع وإسقاط الأجنة والعقم ، بالإضافة لمشاكل الرزق والتعليم .. حتى ان بعضهم  اوصله السحر للإنتحار او الموت قتلاً !  

- ولما فعلت كل ذلك ؟

المشعوذة بعتاب : أمازلت تسأل بعدما شاهدت انت وزملائك خطورة تلك المخلوقات التي حاصرتني طوال حياتي ، والتي هدّدتني بسلامة ابني الوحيد ؟!

فسألها طبيبٌ آخر :

- ولما ظهر منزلك متهالك ، رغم المكاسب المالية التي حصلت عليها من تلك المهنة الخبيثة ؟

المشعوذة باشمئزاز : 

- الجن تعشق المنازل شبه المهجورة برطوبتها العفنة ، وأجبروني على التعايش مع ذوقهم المزري .. كما منعوني من الإغتسال كثيراً ، فالطهارة تحرقهم.. حتى نقودهم الذهبية لم تفيدني ، فجميع الصاغة رفضوا اخذ عملاتهم بنقوشها الغريبة ! فلم يكن امامي سوى تخزينها في صندوقٍ كبير

- واين هي الآن ؟

- استعادوها الملاعين لباطن الأرض ، بعد قبض الشرطة عليّ .. حتى ابني الذي عانيت لأجله ، سافر للغربة هرباً من صيتي السيء .. يعني باختصار ، لم استفد شيئاً من العالمين !


الطبيب : لا ادري كيف تحمّلتي تلك الحياة المتعبة ، طيلة 30 سنة ؟

فتنهدت بقهر : روحي ماتت في اليوم الذي سلّمت فيه جنيني لتلك المشعوذة .. ليتني تركت زوجي اللعين يتزوج عليّ ، فهو اهون من قيام اللعينة بإزالة الحاجز بين عالمهم وعالمي للأبد ! 

- الم تفكّري بالإنتحار ؟

- كل يوم !! لكن الشياطين كانت تظهر بآخر لحظة ، لمنعني بطريقةٍ ما .. فهم لا يريدون موت من تؤذي اعدائهم البشر.. لهذا لا حلّ امامكم سوى إعدامي .. وأتمنى ان تصدر المحكمة هذا الحكم قريباً.. لربما ارتاح من ذكرياتي المخيفة التي حرمتني راحة البال لسنواتٍ طويلة


وفجأة ! نظرت العجوز لزاوية سقف المختبر برعب 

الطبيب بقلق : ماذا رأيتي ؟! إخبرينا ؟

فأشارت للسقف ، وهي تقول بصوتٍ مرتجف : 

- هآقد ظهر احدهم ، وهو يريد مشاركتكم ما صوّره بعينيه !


وهنا اضيء التلفاز لوحده :

ليظهر اطباء المختبر من زاويةٍ مرتفعة !

وخلف كل واحدٍ منهم ، وقف ظلٌ أسود طويل بعيونٍ حمراء وقرونٍ ملتفّة 

قبل أن تنقضّ الظلال وتخترق أجسادهم دفعةً واحدة!


فأطلق الأطباء صرخاتٍ مذعورة بعد رؤيتهم للفيديو المرعب ! بينما انفجرت العجوز بضحكةٍ مجلّجلة لا تشبه صوت البشر ! 

مما افشل تجربة الأطباء الذين سمحوا للشرطة بنقلها للحجز ، بانتظار محاكمتها

***


بعد ايام ، صدر قرار القاضي بحبسها 20 عاماً .. متجاهلاً صرخاتها الهستيرية بالقاعة ، وهي تطالب بإعدامها وإراحتها من عذابها 


واثناء اقتيادها الى سيارة الترحيل لسجن النساء ، خرج احد الضحايا من المحكمة .. وهو يركض باتجاهها ، مُفرغاً قارورة البنزين فوق ثيابها .. وهو يصرخ بجنون :

- لقد تسببتِ بموت عروستي .. ايتها اللعينة !! 

وحاول الشرطيان إيقافه ، لكنه تمكّن من رميّ الولاّعة عليها 


وبثواني تحوّلت العجوز إلى كتلة من اللهب.

بينما كان الشرطي يُثبّت الرجل بعد إسقاطه ارضاً ، وهو مازال يصرخ غاضباً :

- إحترقي .. دنيا وآخرة !!


والأرعب ان صراخها لم يشبه المرأة البشرية ! بل مزيجاً مرعباً من عويلٍ ونباح عدة كائناتٍ متألمة .. قبل أن تخمد جثتها ، وتتفحم تماماً.

***


اما الرجل الذي احرقها ، فكان يصرخ كل ليلة في زنزانته وهو يستغيث بالشرطة لإنهاء حياته .. هرباً من تعذيب الشياطين والجن الذين تركوا آثار اظافرهم بكل جزءٍ من جلده المسلوخ ، مُعلنةً أن سِجل اللعنة لن يغلق أبدا !


الخميس، 24 سبتمبر 2026

اسيرات الملك

كتابة : امل شانوحة 

 

اوسمة العار


في قلب صحراءٍ إفريقية ، تمكّن رجلٌ (ستينيّ ثريّ) من تحويل سجنٍ مهجور إلى مملكته الخاصة .. مُنفقاً ثرّوةً طائلة لترميم زنزاناته ، وتحويلها إلى غرفٍ صغيرة .. بينما استقرّ في طابقه العلويّ الفخم ، لإدارة إمبراطوريّته الساديّة ! 


ومن بعدها ، بدأ بتصيّد النساء من القرى النائية.. عاقداً مع عائلاتهن وثائق زواجٍ عرفيّة غير مُسجّلة رسمياً ، مُستغلاً فقرهم وحاجتهم للمال.

فحلمه الوحيد : ان يكون ملكاً على مئة امرأة .. لهذا لم يبحث عن الجمال او العمر ، بل يكفيه طاعتهن العمياء له ! 


وحين وصلت دفعة النساء الى معسكره ، وجد بعضهن جميلات او شبه مقبولات .. بينما الأخريات ، قبيحات ومسترجلات ! 

فوظّف الفتيات اللواتي لم يرتح لملامحن أو شخصيّاتهن الى عساكر مزوّدات بأسلحةٍ نارية ، بعد إلزامهن بالزيّ العسكري .. وأوكلهنّ بمهمّة مراقبة بقية النساء ، وإجبارهن على تنفيذ أوامره.

وفي المقابل ، كافأ العساكر في احتفالٍ شهريّ أمام النزلاء : بأوسمةٍ ذهبيةٍ وهميّة ، للغرس في نفوسهن شعوراً بعلوّ مرتبتهنّ على غيرهن.


أما النساء اللواتي رفضن الزواج به : فمنحهن مهلةٍ زمنية ، تتفاوت حسب مكانة كل امرأة بالنسبة له..  

فإن لم يغيّرن رأيهن بعد انتهاء مهلتهنّ ، مصيرهن الإعدام رمياً بالرصاص !

وأطلق عليهن لقب:

((الهاربات من المعركة الزوجية)) ..

وأجبرهن على ارتداء خوذاتٍ عسكرية قديمة ، والنوم في غرف القبو الرطبة .. مع طعامٍ قليل .. آملاً بأن يكسر الجوع والعزلة ، عنادهن.


أما من وافقت على الزواج به لبضعة شهور ، ثم طلبت الطلاق لعدم تحمّلها طباعه النرجسية .. 

فانتقم منهن : بإجبارهن على ارتداء خمارٍ يُخفي وجوههن .. مع تعليق لافتة على صدورهن بلقب : ((الخائنة)) 

حيث يُمنع عليهن التحدّث مع بقية الزوجات او العازبات .. كما يخضعن لمراقبةٍ دقيقة من العساكر !


اما بقيّة زوجاته الأربعون ، فانقسموا إلى فئتيّن : 

1- الزوجة العادية : تحصل على بعض الحرّية في اختيار طعامها ووقت نومها، لكنها لا تنال أوسمة الشرف 


2- أما ثماني نساءٍ فقط ، فقد فزنّ بلقب : ((الزوجات المثاليات)) كونهن الأكثر طاعة والأقل اعتراضاً ، والأسرع في تنفيذ أوامره.

وفي كل احتفالٍ شهريّ .. يقفن بوقار امامه ، وهو يُثبّت على ثيابهن أوسمةً برّاقة.. بينما البقية مُجبرات على التصفيق لهن !

ومع ذلك كان واضحاً للجميع : ان عيون الزوجات المثاليات تُخفي رعباً صامتاً ! لشعورهن بالأوسمة ، كسلاسل ذهبية تخنق ارواحهن 


اما وظائف النساء داخل مملكته ، فتنوّعت حسب تصنيفاتهن :

فالمطلقات : عليهن مهمّة الطبخ .. والعازبات : التنظيف والغسيل .. والمجنّدات : الحراسة والرقابة .. امّا زوجاته المُدلّلات : فلا يعملن شيئاً ، سوى الإهتمام بجمالهن ورشاقتهنّ لإرضاء ذوقه الصعب !

***


ووسط تلك المملكة الغريبة .. عاشت فتاةٌ لم تتجاوز العشرين تدعى علياء ، وهي أجمل نساء المعسكر وأعندهن ! 

فهي منذ يومها الأول ، أعلنت التمرّد على قوانينه الجائرة .. مُتجاهلةً تهديداته ، وحرمانها من الطعام ، والجلد والحبس الإنفرادي .. وكلما حاول كسرها ، زاد عنادها وإصرارها على تدمير مملكته الزائفة


فبرغم غرور الرجل ونرجسيته ، الا انه رفض إجبارها على الزواج به .. بل يريدها ان تأتي اليه طواعيةً ! ولهذا قرّر انتظارها .. فهو يؤمن بأن الجوع والخوف والوحدة ، ستنتصر عليها يوماً ما 

***


لكن رغم مرور سنتين ، مازالت علياء على رأيها .. الى ان تغيّر كل شيء بالحفل التكريمي المشؤوم 


حيث اصطفّت النساء في الساحة..

الزوجات في جهة.. والعازبات في جهةٍ أخرى.

بينما تقف المطلّقات خلفهن ، بوجوهٍ مخفية تحت الخمار.

أما العساكر ، فوقفن في صفوفٍ مسلّحة.


وكالعادة ، بدأ الثريّ بتوزيع أوسمة الطاعة على زوجاته المثاليات.

بينما راقبت علياء الوضع باشمئزاز ، وهي مُجبرة على وضع خوذة ((الهاربة من المعركة))

لكن هذه المرة قرّرت اعلان ثوّرتها .. فتقدّمت إلى منتصف الساحة..وخلعت خوذتها ، ورمتها بعنف أمام الثريّ.


فساد الصمت المقلق بين النساء ! وهن تستمعن لعلياء التي تقول بصوتٍ عالي : 

- مهما مرّ الزمان !! سأجد طريقة للهرب من سجنك المقرف ... حتى لوّ كان ثمن حرّيتي ، هو حياتي.. فأنا امرأةٌ عنيدة ، لا أسمح لأشباه الرجال مثلك ان يقترب مني ، ايها العجوز الخرف !!

فشهقت النساء برعب من جرأتها ! أما العساكر فوجهّن أسلحتهن نحوها.


بينما ابتسم الثريّ ابتسامةً مريبة : 

- عزيزتي علياء .. كلما رفضتني ، كلما زاد تعلّقي بك.. وسيأتي اليوم الذي ترضخين اليّ ، بإرادتك .. وسأذكّرك بكلامي ، عندما تصبحين أمّاً لأطفالي.

فضحكت علياء بسخرية : 

- ايّ اطفال ؟!! مضى عامان ، تزوّجت خلالهما معظم النساء المتواجدات هنا .. ومع ذلك لم تحمل واحدة منهن !


فساد الصمت بين صفوف النساء اللواتي يراقبن الوضع بخوف !

وتغيّر وجه الرجل .. لتكمل علياء استفزازه :

- أظنني عرفت قصتك .. فأنت حتماً احببت امرأة بكل جوارحك ، لكنها تخلّت عنك لعقمك .. فحبست النساء هنا ، للشعور برجوليّتك .. اليس هذا هو سبب صرف ثرّوتك على تجديد سجنٍ مهجور ؟


فاحمرّ وجهه غضباً .. لكنها اكملت كلامها بجرأة :

- ليس ذنبنا أن حبيبتك تركتك.. وليس ذنبنا ، أنك لا تستطيع الإنجاب.. كن رجلاً لمرةً واحدة في حياتك ، واطلق سراحنا !!


فتعالت همسات النساء ! وهن يتوسلن بخوف ، أن تصمت بالحال .. لكنها استمرّت بكلامها الجارح : 

- طليقتك امرأةٌ حرّة .. معها كل الحق في تركك ، أيها النرجسي المريض !!


فلم يعد باستطاعته تحمّلها .. وانقضّ عليها ، بعد سحب سكينته الحادة من خصره 


لتتعالى الصرخات في الساحة .. بينما حاولت بعض النساء التدخل لإنقاذ علياء ، لكن العساكر منعتهن..

حتى أفرغ غضبه بطعناتٍ متلاحقة .. سقطت بعدها علياء جثةً هامدة ، وسط بركة من دمائها الطاهرة !


فساد الصمت الثقيل بينهن .. قبل ان تتجرّأ عازبةٌ أخرى ، برميّ خوذتها امامه :

- إن كان عقاب رفضنا الزواج بك ، هو الموت .. فاقتلني أنا أيضاً!! 

ثم تقدّمت زميلتها ، راميةً خوذتها ايضاً :

- وأنا أيضاً !! 


وسرعان ما تجمّعت المطلّقات حوله ، بعد نزع الخمار عن وجوههن.. ورميهن بطاقات ((الخائنات)) امامه .. 

قبل تقدّم الزوجات العاديات ، لإزالة خواتم الزواج من اصابعهن

وبعدها بدأت الزوجات المثاليات على التوالي ، بنزع أوسمة الطاعة من ثيابهن التي أشعرتهم دائماً بالإذلال والعار 


فأمر الثريّ العساكر بإطلاق النار على المُتمرّدات .. ليتفاجأ بهن ، ترمين أسلحتهن جانباً مع قبعاتهن العسكرية !


قبل ان تتقدّم قائدتهن نحو بوّابة السجن.. وهي تفتحه بمفتاحها الخاص ، بعد عامين على اغلاقه !

وهي تقول للجميع :

- السرّ الذي لا تعرفونه ، ان اسلحتنا مزيّفة .. 

الثريّ معاتباً :

- لما أخبرتهن يا غبية ؟! ألم تعاهديني على السرّية ؟!


لكنها لم تكترث له ، وأشارت لشيءٍ موجود خلف البوّابة المفتوحة .. وهي تقول لبقية النساء : 

- هناك حافلتيّن بالخارج !! سأقود إحداها ، فمن ستقود الأخرى ؟

رفعت صديقة علياء يدها : 

- انا اعرف القيادة جيداً !! لكن قبل أن نغادر ، علينا أخذ بطلتنا معنا.



فاقتربت النساء جميعاً ، لحمل جثة علياء المُضرّجة بالدماء.. وهن ينظرن بلؤم وتحدّي للثريّ بعد حصولهن على حرّيتهن اخيراً  

فصرخ الرجل بعلوّ صوته ، اثناء توجههن نحو البوّابة :

- الى أين تذهبن؟! لقد اشتريتكن من عائلاتكن ، ولن تجدن من يستقبلكن! عدن جميعاً الى مملكتي ، فأنتن زوجاتي!

فالتفتت صديقة علياء نحوه :

- إن لم تستقبلنا عائلاتنا ، سنبني مجتمعاً خاصاً لنا 

وأكملت الأخرى :

- نعم !! مجتمعاً لا يحكمه رجلٌ يشتري الناس بماله

القائدة :

- اما انت !! فستُحجز هنا ، حتى ينفذ مائك ومؤونتك.. وتموت وحدك كجيفةٍ قذرة !!

الرجل صارخاً على القائدة :

- أهذه مكافئتي بعد ان سلّمتك المفتاح الوحيد لمملكتي ، ايتها المسترجلة القبيحة؟!


لكنها لم تجيبه ، بل اكتفت بابتسامةٍ ساخرة .. قبل إقفالها البوّابة من الخارج بالمفتاح الذي رمته بعيداً فوق رمال الصحراء..

 

فركض الرجل مذعوراً ، وهو يطرق الباب الحديدي بجنون..

- إفتحن الباب!! سأعطيكن كل ذهبي ومالي وثرّوتي .. رجاءً لا اريد الموت وحدي!!

وآخر ما سمعه ، هو ردّ إحداهن الساخر : 

- إذا جعت ، حوّل ذهبك إلى حساءٍ واشربه... أيها البدين الساديّ !!

لتعلو ضحكات النساء للمرة الأولى منذ عامين ..

^^^ 

ثم استمع بيأس لهدير الحافلتيّن ، وهما تبتعدان باتجاه قرية علياء ..والتي تمّ دفنها لاحقاً بجنازةٍ شعبيةٍ كبيرة .. 

بينما تعاهدت النساء على عدم الخضوع المُذلّ للرجال ثانيةً .. مع إبقاء مكان السجن سرّاً بينهن ، لحين موت الملك المزعوم وحيداً بلا عرشٍ او رعيّة ! 


الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة 

سنوات الندم


استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها ! 

لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عجل ! 

فسألته بنعاسٍ واستغراب:

- هل نحن مسافران إلى مكانٍ ما ؟!

فردّ ببرود :

- انت ستبقين هنا ، وانا سأعود إلى زوجتي.

بصدمة : ماذا ! الم تقل لأهلي إنك طلّقتها ؟!

- قلت ما يلزم ، ليوافقوا على زواجنا.

- ولما تهجرني بعد شهر العسل ؟!

- ما كنت انوي الزواج بك اصلاً ، لكنك الوحيدة التي تحدّيتني .. فكل النساء اللواتي تعرّفت عليهن بالإنترنت ، قضيت معهن وقتاً ممتعاً وانتهى الأمر .. لكنك رفضتِني لشهورٍ طويلة ، ولم تتجاوبي معي إلا بعد خطوبةٍ رسمية .. وبدوري قبلت التحدّي !! 

- يعني تزوّجتني ، فقط لتنتصر عليّ ؟!

- بالضبط !! وكنت محظوظاً بموافقة اهلك على زواجنا السريع .. 


ثم وضع الحقيبة على الأرض ، وهو يقول بغرور اثناء ارتداء معطفه : 

- إحمدي ربك انني بقيت معك لشهرٍ كامل .. والآن عليّ اللحاق بالطائرة .. لكن اولاً ، سأنهي زيجتنا المزيفة .. عزيزتي رؤى ، انت ط.. 

فقاطعته بحزم : لا !! يمكنك السفر والعودة لعائلتك ، لكن ايّاك ان تطلّقني .. اخاف ان يجبرني اهلي على الزواج من بعدك ، وانا لا ارغب في ذلك 

- وكيف ستبرّرين غيابي ؟

- هم يعلمون أنك لم تستقيل من عملك في الغربة ، لهذا سأخبرهم على موافقتك بقائي بجانبهم.. (ثم تنهّدت بضيق)..لا تقلق ، سأجد حجّةً مُقنعة في كل مرة.

- المهم ان لا تنتظري عودتي 

فردّت بحزن : 

- عدّ في حالةٍ واحدة .. إن علمت يوماً بوفاتي .. فتعال وكفّني بنفسك ، حتى لا يلمسني رجلٌ آخر.

فقال بانزعاج :

- يا الهي على تشاؤمك ! اساساً انت كبيرة في السن ، ولن يتزوجك أحد


ثم حمل حقيبته وهو يقول : 

- فور وصولي الى هناك ، سأغيّر رقم هاتفي وأُغلق حساباتي القديمة .. فلا تحاولي الوصول إليّ

بحزن : وانا سأفعل الشيء ذاته

فقال ببرود :

- على فكرة ، كتبت الشقة بإسمك قبل ايام .. إعتبريها تعويضاً لك عن كل شيء.

وتركها غارقة بالدموع 


وخرج من العمارة ، واضعاً الحقيبة في سيارته.. 

لكن قبل أن يُدير المحرّك ، تذكّر مفتاح منزله في الغربة.

فعاد منزعجاً الى الشقة ، لعدم رغبته برؤيتها من جديد ..


وبهدوء تسلّل للداخل .. وقبل إلتقاط مفتاحه والمغادرة ، سمع بكائها من الغرفة !

فقال بسخرية :

((كانت تتظاهر بالقوة ... وهاهي تنهار أخيراً))


وقاده فضوله لتلصّص من شقّ الباب..

فرآها ترتدي ثياب الصلاة ، وهي تدعي بقهر : 

- حسبيّ الله ونعم الوكيل... يارب أرني فيه قوتك ، واكسر غروره .. واجعله يعرف قيمة من ظلمها.


فشعر بالقشعريرة تسري في جسده.. قائلاً بنفسه بقلق :

((يا خوفي أن يستجيب الله لها !))

ثم غادر مسرعاً الى المطار

***


عاد إلى الغربة ، إلى زوجته الأولى وابنته اللتان ظنّتا بعودته من رحلة عمل.


ومع الأيام .. حاول عيش حياته بصورةٍ طبيعية ، لكن شيئاً ما تغيّر داخله !

فهو يتذكّر دون إرادته : طعام رؤى واهتمامها به ، وحنانها عليه كأنه طفل بين يدي أمه.

***


وفي إحدى الليالي ، حاول الإتصال بها .. لكن هاتفها وحسابها القديم مغلقان ! فعلم تنفيذها لما وعدت به .. 

فقال لنفسه:

((على الأقل ، تقبّلت فراقنا بهدوء !))

لكن شيئاً داخله لم يصدّق ذلك.

***


بعد ايام ، شاهد حلماً أفزعه .. بعد رؤيته رؤى تُزّف لرجلٍ آخر !

لكنه عاد لتبرير نفسه :

- لما أهتم بمصيرها ؟! فأنا من تركتها بإرادتي 

***


وبعد شهرين ، مرض بشدة.. فاكتفت زوجته بوضع الأدوية بجانبه ، وأخذت ابنتها للسوق ! 

وهنا تذكّر رؤى بعد اصابته بالحمى ، قبل انتهاء شهر العسل .. وكيف أعدّت له الطعام والمشروبات الساخنة ، وهي تراقب حرارته بخوفٍ حقيقيّ ومحبةٍ غامرة.


ولأول مرة ، شعر بالندم :

- لما تسرّعت بهجرها ، وقطعت وسائل التواصل معها ، وليس لديّ الجرأة لمواجهة أهلها ؟ وكلّه بسبب غروري الأعمى!

***


مرّت سنوات لم تكن رحيمة معه .. فزوجته اكتشفت علاقاته القديمة عبر الإنترنت ، وأنهت زواجهما أمام المحكمة بعد حصولها على نصف ممتلكاته ، وحضانة ابنتهما..

أما عمله الفني والأدبي ، فتراجع تدريجياً بسبب نفسيّته المتدهوّرة.


وفي كل مرة تحلّ به مصيبةٌ جديدة ، يتذكّر دعاء رؤى المقهورة !

ومع ذلك ينكر بعناد:

- مجرّد صدفة... حظٌ سيء ليس اكثر ! 

***


بعدها اجبرته الحياة على العودة الى بلده وحيداً .. ولكيّ يعيد ثقته بنفسه ، حاول التعرّف على نساءٍ جدد .. ومن دون ارادته ، كان يقارنهن برؤى .. باحثاً عن روحها الدافئة التي فرّط فيها بغباء.

***


وفي أحد الأيام.. وصلته دعوة لحضور حفلٍ عربيّ ، لتكريم المبدعين الصغار من مختلف الدول العربية.

وبسبب شهرته القديمة في المجال الأدبي ، أُختير عضواً في لجنة التحكيم.


فجلس على مقعده ، حتى أُعلن اسم الفائز بالجائزة الكبرى في مجال الشعر والأدب .. وكان طفلاً في الثامنة يحمل اسمه الثلاثي!


وما إن اقترب الفائز الصغير لاستلام درع التكريم .. حتى اندفع لاحتضانه بسعادةٍ غامرة:

- كنت اعرف أنك ستحضر حفلتي ، يا أبي.. اشتقت إليك كثيراً !!

 

وقبل أن يستوعب المفاجأة ! رأى أهل رؤى يتقدمون نحوه ، وهم يهنّؤونه على السلامة والشفاء.. 

فالتفت حوله مذهولاً ! قبل لمحه رؤى تقف بعيداً ، وهي تراقب الموقف بعيونٍ دامعة.. والتي اقتربت منه ، لسحبه من ذراعه .. والتحدّث معه جانباً: 

- ابنك يشبهك كثيراً ، فهو موهوبٌ مثلك بالشعر 

- كيف حصل ذلك يا رؤى ؟!

- علمت بحملي بعد رحيلك بأيامٍ معدودة .. ولتغيّرك رقم جوالك ، لم أستطع التواصل معك.. فأخبرت أهلي : أن الطبيب منعك من السفر بعد آلام كليتك المفاجئة .. وأنك مُجبر على البقاء في الغربة ، لحين إيجاد متبرّع ينقذك من الغسيل الدوري.. وأخبرتهم أنك رفضت لحاقي بك ، لراحة طفلنا الذي سجّلته بإسمك ، لعدم وجود طلاقٍ رسميّ بيننا 


فنظر إليها مصدوماً : 

- أفعلتِ كل هذا دون علمي؟!

- نعم ، لأني فهمت أنك أصغر أبناء عائلتك .. المُدلّل الذي اعتاد الحصول على كل شيء.. وعندما رفضتك في البداية ، شعرتَ أن كبرياءك جُرح .. فتزوّجتني دون نيّة إكمال حياتك معي ، بل تحدّياً بإخضاع المرأة التي رفضتك.

فقال لها بقهر :

- لا تقلقي ، الله استجاب لدعائك بعد خسارتي كل شيء

- صحيح أنني دعوت عليك في بداية الإنفصال ، من شدة قهري .. لكن ما إن علمت بحملي ، حتى توقفت.. فأنت أهديتني الأمومة ، وهي أكبر أمنياتي في الحياة .. ولهذا السبب ، حرصت طوال السنوات الماضية على تربية ابنك على احترامك وتقدير معاناتك بالغربة لأجلنا .. وأوهمته بإرسالك الهدايا والمصروف له ، حفاظاً على المحبة بينكما

- وانا اريد تعويضه عن سنوات بعدي عنه .. لكن كيف افعل ذلك؟ 

- عدّ الى بيتك ، فنحن لم نتطلّق من الأساس

فقال بصدمة : أحقاً ! ظننتك سترفضين 

فردّت بابتسامةٍ حنونة : 

- لنذهب الى بيتنا ، فقد فاتك الكثير.

***


وعادوا معاً إلى الشقة الصغيرة.. 


وفي تلك الليلة ، وبينما كانت رؤى تعدّ العشاء .. نافس ابنه الذي تحدّاه بقصيدةٍ شعرية من تأليفه .. 

حينها أدرك أخيراً : إن انتصاره الوهمي ، أضاع أجمل سنوات عمره.. 

بينما المنتصر الحقيقي ، هي رؤى التي فازت بصبرها وأمومتها .. وحافظت على دفء بيتها ، بعد تقبّلها عودة زوجها التائب الذي ينوي تعويضها بحياةٍ زوجيةٍ مليئةٍ بالإخلاص والمحبة الدائميّن


الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الإستيداع الإلهي

كتابة : امل شانوحة 

القدر الرحيم


في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة..

فأسرعت إليها .. لتجدها شاحبة الوجه ، محاولةً التقاط أنفاسها بصعوبة..

وبجانب سريرها ، وقف اخوها احمد (12 سنة) خائفاً بعد اشتداد مرض امه .. والتي احتضنتهما بحنان : 

- أريدكما أن تتماسكا... وأن تبقيا معاً مهما حدث.


ثم ردّدت الشهادتين ، قبل ان تدعي بصوتٍ متعب : 

- ((استودعتكما الله الذي لا تضيع ودائعه))

وبعدها فارقت الحياة !

***


والدهما الذي اعتاد قضاء لياليه في حانةٍ شعبية ، لم يهتم مطلقاً لوفاة زوجته المريضة او احتياجات ولديّه ! 

ولهذا لم تمضي أسابيع على انتهاء العزاء ، حتى فاجأهما بزواجه من إحدى راقصات الحانة المعروفة بسمعتها السيئة !


وكما توقع الولدان ، فقد خطّطت لتخلّص منهما .. 

بدايةً بإخراجهما من المدرسة ، رغم تفوّقهما الدراسيّ .. ثم إجبار الصغير على العمل في ورشة تصليح سيارات ، معروفٌ صاحبها بقسوته مع العمّال ! 

بينما خيّرت مرام بالعمل معها في المرقص ، او السفر كخادمة لدى سيدة ثريّة في لبنان 


فحاولت مرام إسترحام والدها :

- رجاءً ابي ، دعني أكمل دراستي... بقيت ثلاثة شهور على تخرّجي من الثانوية .. فأنا وعدت امي المرحومة بأن اصبح طبيبة ، وعلاماتي تخوّلني للحصول على منحةٍ دراسية في كلية الطب .. الا يكفي ان زوجتك حرمت اخي من تعليمه ؟ 

الأب بلا مبالاة : 

- دراستك لن تنفعني بشيء .. هيا إحزمي امتعتك !! فغداً يصل محامي السيدة ، لأخذك الى منزلك الجديد في لبنان .. فهي دفعت ثمنك مقدّماً


فذهبت باكية الى غرفتها ، بعد ان باعها والدها بالرخيص !

***


في الصباح الباكر ، استيقظ الأب قبل تمكّن ابنته الهرب من منزله .. فضربها بعنف ، وحبسها بالغرفة .. لحين وصول المحامي ظهراً .. 

ثم إجبرها على التوجه معه الى المطار ، دون السماح بتوقفهما امام الورشة لتوديع اخيها !

***


في الطائرة .. نظرت مرام من النافذة الى بلدها مصر ، وهي تختفي بين الغيوم ! 

فهمست بقهر :

- إلهي ! ألم تستودعنا أمي لديك قبل وفاتها ، فلما تخلّيت عني وعن اخي ، لما لم تحمينا من أبي وزوجته الفاسقة ؟


وظلّت تبكي حتى غلبها التعب ، فنامت طوال الرحلة.

***


بعد هبوط الطائرة في لبنان.. أوصلها المحامي إلى فيلا جبلية (بعيداً عن ضوضاء الحرب الأهلية) 

حيث استقبلتهما سيدة في أواخر الخمسينيات تدعى نجاة ، أرملة تعيش وحدها دون ابناء .. 


وبعد ذهاب المحامي ، إصطحبتها إلى غرفتها التي كانت أجمل بكثير من غرفتها القديمة ! بعد ان ملأت السيدة خزانتها بالملابس الجديدة والحاجيات الشخصية.

وبعدها أصرّت نجاة على تناول مرام الطعام معها ..

ثم سمحت لها بالنوم باكراً ، بسبب ارهاقها من السفر 

*** 


في الأيام التالية ..اكتشفت مرام أن العمل في الفيلا ليس شاقاً..فالسيدة نجاة تستعين بخادمتين ، لتنظيف فيلتها مرتين في الشهر .. 

ولذلك اقتصر عمل مرام على بعض الترتيبات البسيطة ، ومساعدة نجاة في الأمور اليومية.

كما شعرت بالإمتنان للسيدة التي حرصت على معاملتها كإبنة ، وليس كخادمة عندها .. وهو احترام لم تعتده من قبل ! 

***


في العطل الإسبوعية .. كانت تصطحبها معها الى السوق ، لشراء كل ما يلزمها .. ثم تتناولان الغداء في المطعم .. واحياناً تدخلان السينما ، بفترات هدوء الحرب 


وخلال عودتهما من احدى النزهات (حيث اعتادت نجاة قيادة سيارتها بنفسها) شعرت بحزن مرام التي التزمت الصمت طوال الطريق 

- مابك عزيزتي ؟! الم تعجبك النزهة ؟

فمسحت مرام دموعها :

- أشعر بالقهر ، لأنني استمتع بوقتي معك .. بينما اخي الصغير يعاني من عمله بالورشة ، مع خدمته لزوجة ابي اللئيمة

فأصرّت السيدة على معرفة قصتها منذ البداية ..

فأخبرتها مرام بكل شيء عن حياتها السابقة 


وحين وصلتا الى الفيلا .. قالت نجاة مبتسمة :

- تأكّدي يا مرام ان دعوة امك لم تذهب سدى ، وستدركين ذلك قريباً

***


بعد اسبوعين ، عصراً .. اخذتها السيدة الى المطار .. وما ان رأته من بعيد ، حتى بكت مرام خوفاً ..

السيدة : مابك ؟!

مرام بقلق : هل فعلت شيئاً ضايقك ، سيدتي ؟

- لا ابداً ، لما تقولين ذلك ؟!

- اذاً لماذا تعيدينني الى بلادي ؟ لا اريد العيش مع زوجة ابي ثانيةً 

فضحكت السيدة : 

- اهدأي يا مرام ، نحن ذاهبتان لاستقبال احدهم في المطار

فتنفّست مرام الصعداء ، وعادت ابتسامتها من جديد

^^^


في الداخل ، وبعد مرور نصف ساعة إنتظار .. ظهر اخوها مع المحامي .. فأوشكت مرام على الإغماء من هول المفاجأة ! 

وركضت اليه ، لاحتضانه.. لينهارا معاً بالبكاء ، بعد فراق دام شهرين كاملين


بهذه الأثناء ، تكلّمت السيدة مع المحامي جانباً :

- والده الطمّاع لم يقبل هذه المرة الا بضعف الثمن

السيدة : وهل وقّع على التنازل القانوني عن حضانة الولدين وحقوقه الأبوية؟

المحامي : نعم ، بعد أن شرحت له تبعات الموضوع 

فتنفّست نجاة بارتياح : 

- جيد.. لا أريده ان يستخدم ابنيّه للضغط عليّ ، أو ابتزازهما مستقبلاً.. ورجاءً لا تنسى متابعة الإجراءات القانونية التي اتفقنا عليها مسبقاً  

المحامي : سأخبرك بعد تسجيلهما رسمياً بدائرة النفوس 

^^^


ووصلت نجاة مع الولدين الى الفيلا الجبلية مساءً ، بعد تجاوزهم العديد من الحواجز العسكرية التابعة لأحزابٍ متعددة .. 

فاستغرب الصبي وجود درّاجة هوائية صغيرة في الحديقة !

وهمس لأخته : الم تقولي انه ليس لديها اولاد ؟!

فسمعته السيدة : الدرّاجة لك 

الصبي بدهشة : أحقاً ؟! 

السيدة : نعم ، لكن عليك مهمّة ريّ الأشجار كل صباح

الصبي بحماس : بالطبع سأفعل !! فهو اسهل من عملي بورشة السيارات .. فصاحبها رجلٌ متوحش ، اعتاد ضربي كل يوم 

السيدة : لا تقلق ، انا لا اضرب ابداً .. هيا الى الداخل ، لتناول عشائنا 

^^^


وبعد الأكل .. أصرّ الولد على النوم في غرفة اخته ، رغم ان السيدة جهّزت غرفةً خاصة له .. 

ونام الصغيران ، بعد ان تحدثا عمّا جرى في حياتهما بالشهرين الماضيين .. وهما يحمدان الله ان جمعهما على خيرٍ وسلامة 

***


ومرّت الأيام بشكلٍ روتيني .. الى ان وجدت السيدة ، مرام تبكي في المطبخ

- ماذا حصل ؟!

مرام وهي تمسح دموعها : تأثّرت حين سمعت ابنة اخيك تخبرك عن تسجيلها في كليّة الطب .. فأمنية امي ان اصبح طبيبة ، لمعالجة الفقراء مجّاناً 

- وهل كنت مجتهدة في دراستك ؟

- انا واخي كنا الأوائل دائماً ، لكن ابي لم يهمّه دراستنا مطلقاً 

السيدة : وماهو حلم اخيك ؟

- ان يصبح مهندساً معمارياً .. فرغم صغر سنه ، الا انه كان بارعاً بتحويل الكرتون الى مباني ورقية .. 

- حسناً ، غداً أعرف مستواكما الدراسيّ

مرام باهتمام : ماذا تقصدين ؟ 

- لا تستعجلي الأمور

***


في اليوم التالي .. أحضرت السيدة استاذاً خصوصيّاً لامتحان الولديّن .. وبعد خروجه من الصالة ، سألته السيدة عن مستواهما الدراسيّ ؟

- هما ذكيّان ، ويستوعبان الشرح سريعاً .. لكن ابتعادهما عن الدراسة ، جعلهما متأخريّن عن أقرانهما.

السيدة نجاة :

- وهل يمكن تعويض ذلك؟

الأستاذ : بالتأكيد !! يحتاجان إلى برنامجٍ مكثّف في المنزل خلال الأشهر المقبلة ، ثم يتابعان الدراسة بصورةٍ طبيعية.

- حسناً ، سأدفع ثمن كتبهما المدرسية 

الأستاذ : اريد فقط تذكيرك بأن المدارس الحكومية مغلقة بالحرب .. والمدارس الخصوصية ، أقساطها غالية.. 

نجاة مقاطعة : لا يهمّني سوى تعليم الولدين .. ابدأ بتدريسهما غداً 

***


وبعد شهور من دراستهما في المنزل .. التحقا مع بداية العام الجديد بمدرستهما الخاصة .. حيث راقبتهما السيدة وهما يركضان سعيدان بزيّهما الرسميّ ، قبل ركوبهما الحافلة المدرسية .. وهي تدعي لهما بالتوفيق والنجاح 

^^^

وهذا الشيء اغضب اقارب السيدة الذين قدموا الى منزلها ، لنصحها بعدم صرف مالها على تعليم خدمها ..

فسمع الولدان نقاشهم الحادّ .. وخافا ان يضغطوا على السيدة ، لمنعهما من الدراسة او طردهما من الفيلا !


لكن السيدة فاجأت الجميع بإعلان تبنيّها للولدين رسمياً ! مما ادّى لقطيعة بينها وبين اقاربها ، دون ان يهمّها ذلك مطلقاً ..

ونام الولدان تلك الليلة وهما سعيدان بأمهما الثانية .. فانتمائهما الى عائلتها ، حسّن نفسيتهما كثيراً 

***


وبعد اسبوع .. نادتهما السيدة ، لتريهما هويّتهما الجديدة بإسم عائلتها .. ليس هذا فحسب ، بل وظّفت خادمة اخرى ومزارع للإهتمام بالفيلا ، كيّ يتفرّغا لدراستهما 

مرام : ما تفعلينه لأجلنا كثير ، سيدة نجاة

- قولي ماما نجاة ، يا مرام

- آسفة ، يا امي الغالية

***


ولم تكتفي نجاة بمتابعة دراسة الولدين فحسب ، بل كانت تهديهما الألعاب والمكافئات المالية بعد ان رفعا رأسها بنتائجهما المبهرة .. 

***


بعد سنوات .. تخرّجت مرام من كلية الطب ، وأخوها من مجال الهندسة 

وأقامت لهما حفلةً ضخمة ، حضرها الأقارب والأصدقاء بعد تعودهم على مرام وأخيها كأبناء نجاة بالتبني ..


وبعد زواج مرام من زميلها الطبيب ، وخطبة احمد من زميلته المهندسة ..علما بوفاة امهما نجاة بسكتةٍ قلبية ، مما احزنهما كثيراً ..

^^^


وبعد العزاء .. اخبرهما المحامي برغبة امهما نجاة ، باجتماعهما دائماً في فيلتها بالعطل الرسمية والمناسبات العائلية مع اولادهما .. بعد ان سجّلت الفيلا مناصفةً بين الأخوين ..

وذكرت بآخر وصيتها ، التي قرأها المحامي عليهما :

((ارأيتما كيف ان استوداع امكما لم يذهب سدى))


وحين سمعت مرام ذلك ، إستغفرت ربها على اعتراضها السابق .. بعد ان فهمت بأن الإستيداع الربّاني : يعني عيش حياةٍ اختارها الله لهما .. والتي كانت اجمل بكثير مما يتخيلانه .. بعد ان وهبهما الله اماً ثانية حنونة ، غيّرت حياتهما للأفضل !


****** 

ملاحظة :

هذه القصة حقيقية .. ولليوم مازالت الطبيبة مرام وأخوها المهندس يعيشان في لبنان ، بعد زواجهما من لبنانيّن .. ولم يزورا مصر الا مرةً واحدة ، لحضور عزاء والدهما .. 

ورغم كبر سنهما ، الا انهما مازالا مُمّتنان لأمهما نجاة التي حققت جميع احلامهما بقلبها الحنون الطيب !

(كنت حضرت مقابلة لهما بالتلفاز ، لكني لا اذكر اسمائهما الحقيقية)


المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة  الخطيب الغيّور دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :  - وأين اجرة...