الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة 

سنوات الندم


استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها ! 

لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عجل ! 

فسألته بنعاسٍ واستغراب:

- هل نحن مسافران إلى مكانٍ ما ؟!

فردّ ببرود :

- انت ستبقين هنا ، وانا سأعود إلى زوجتي.

بصدمة : ماذا ! الم تقل لأهلي إنك طلّقتها ؟!

- قلت ما يلزم ، ليوافقوا على زواجنا.

- ولما تهجرني بعد شهر العسل ؟!

- ما كنت انوي الزواج بك اصلاً ، لكنك الوحيدة التي تحدّيتني .. فكل النساء اللواتي تعرّفت عليهن بالإنترنت ، قضيت معهن وقتاً ممتعاً وانتهى الأمر .. لكنك رفضتِني لشهورٍ طويلة ، ولم تتجاوبي معي إلا بعد خطوبةٍ رسمية .. وبدوري قبلت التحدّي !! 

- يعني تزوّجتني ، فقط لتنتصر عليّ ؟!

- بالضبط !! وكنت محظوظاً بموافقة اهلك على زواجنا السريع .. 


ثم وضع الحقيبة على الأرض ، وهو يقول بغرور اثناء ارتداء معطفه : 

- إحمدي ربك انني بقيت معك لشهرٍ كامل .. والآن عليّ اللحاق بالطائرة .. لكن اولاً ، سأنهي زيجتنا المزيفة .. عزيزتي رؤى ، انت ط.. 

فقاطعته بحزم : لا !! يمكنك السفر والعودة لعائلتك ، لكن ايّاك ان تطلّقني .. اخاف ان يجبرني اهلي على الزواج من بعدك ، وانا لا ارغب في ذلك 

- وكيف ستبرّرين غيابي ؟

- هم يعلمون أنك لم تستقيل من عملك في الغربة ، لهذا سأخبرهم على موافقتك بقائي بجانبهم.. (ثم تنهّدت بضيق)..لا تقلق ، سأجد حجّةً مُقنعة في كل مرة.

- المهم ان لا تنتظري عودتي 

فردّت بحزن : 

- عدّ في حالةٍ واحدة .. إن علمت يوماً بوفاتي .. فتعال وكفّني بنفسك ، حتى لا يلمسني رجلٌ آخر.

فقال بانزعاج :

- يا الهي على تشاؤمك ! اساساً انت كبيرة في السن ، ولن يتزوجك أحد


ثم حمل حقيبته وهو يقول : 

- فور وصولي الى هناك ، سأغيّر رقم هاتفي وأُغلق حساباتي القديمة .. فلا تحاولي الوصول إليّ

بحزن : وانا سأفعل الشيء ذاته

فقال ببرود :

- على فكرة ، كتبت الشقة بإسمك قبل ايام .. إعتبريها تعويضاً لك عن كل شيء.

وتركها غارقة بالدموع 


وخرج من العمارة ، واضعاً الحقيبة في سيارته.. 

لكن قبل أن يُدير المحرّك ، تذكّر مفتاح منزله في الغربة.

فعاد منزعجاً الى الشقة ، لعدم رغبته برؤيتها من جديد ..


وبهدوء تسلّل للداخل .. وقبل إلتقاط مفتاحه والمغادرة ، سمع بكائها من الغرفة !

فقال بسخرية :

((كانت تتظاهر بالقوة ... وهاهي تنهار أخيراً))


وقاده فضوله لتلصّص من شقّ الباب..

فرآها ترتدي ثياب الصلاة ، وهي تدعي بقهر : 

- حسبيّ الله ونعم الوكيل... يارب أرني فيه قوتك ، واكسر غروره .. واجعله يعرف قيمة من ظلمها.


فشعر بالقشعريرة تسري في جسده.. قائلاً بنفسه بقلق :

((يا خوفي أن يستجيب الله لها !))

ثم غادر مسرعاً الى المطار

***


عاد إلى الغربة ، إلى زوجته الأولى وابنته اللتان ظنّتا بعودته من رحلة عمل.


ومع الأيام .. حاول عيش حياته بصورةٍ طبيعية ، لكن شيئاً ما تغيّر داخله !

فهو يتذكّر دون إرادته : طعام رؤى واهتمامها به ، وحنانها عليه كأنه طفل بين يدي أمه.

***


وفي إحدى الليالي ، حاول الإتصال بها .. لكن هاتفها وحسابها القديم مغلقان ! فعلم تنفيذها لما وعدت به .. 

فقال لنفسه:

((على الأقل ، تقبّلت فراقنا بهدوء !))

لكن شيئاً داخله لم يصدّق ذلك.

***


بعد ايام ، شاهد حلماً أفزعه .. بعد رؤيته رؤى تُزّف لرجلٍ آخر !

لكنه عاد لتبرير نفسه :

- لما أهتم بمصيرها ؟! فأنا من تركتها بإرادتي 

***


وبعد شهرين ، مرض بشدة.. فاكتفت زوجته بوضع الأدوية بجانبه ، وأخذت ابنتها للسوق ! 

وهنا تذكّر رؤى بعد اصابته بالحمى ، قبل انتهاء شهر العسل .. وكيف أعدّت له الطعام والمشروبات الساخنة ، وهي تراقب حرارته بخوفٍ حقيقيّ ومحبةٍ غامرة.


ولأول مرة ، شعر بالندم :

- لما تسرّعت بهجرها ، وقطعت وسائل التواصل معها ، وليس لديّ الجرأة لمواجهة أهلها ؟ وكلّه بسبب غروري الأعمى!

***


مرّت سنوات لم تكن رحيمة معه .. فزوجته اكتشفت علاقاته القديمة عبر الإنترنت ، وأنهت زواجهما أمام المحكمة بعد حصولها على نصف ممتلكاته ، وحضانة ابنتهما..

أما عمله الفني والأدبي ، فتراجع تدريجياً بسبب نفسيّته المتدهوّرة.


وفي كل مرة تحلّ به مصيبةٌ جديدة ، يتذكّر دعاء رؤى المقهورة !

ومع ذلك ينكر بعناد:

- مجرّد صدفة... حظٌ سيء ليس اكثر ! 

***


بعدها اجبرته الحياة على العودة الى بلده وحيداً .. ولكيّ يعيد ثقته بنفسه ، حاول التعرّف على نساءٍ جدد .. ومن دون ارادته ، كان يقارنهن برؤى .. باحثاً عن روحها الدافئة التي فرّط فيها بغباء.

***


وفي أحد الأيام.. وصلته دعوة لحضور حفلٍ عربيّ ، لتكريم المبدعين الصغار من مختلف الدول العربية.

وبسبب شهرته القديمة في المجال الأدبي ، أُختير عضواً في لجنة التحكيم.


فجلس على مقعده ، حتى أُعلن اسم الفائز بالجائزة الكبرى في مجال الشعر والأدب .. وكان طفلاً في الثامنة يحمل اسمه الثلاثي!


وما إن اقترب الفائز الصغير لاستلام درع التكريم .. حتى اندفع لاحتضانه بسعادةٍ غامرة:

- كنت اعرف أنك ستحضر حفلتي ، يا أبي.. اشتقت إليك كثيراً !!

 

وقبل أن يستوعب المفاجأة ! رأى أهل رؤى يتقدمون نحوه ، وهم يهنّؤونه على السلامة والشفاء.. 

فالتفت حوله مذهولاً ! قبل لمحه رؤى تقف بعيداً ، وهي تراقب الموقف بعيونٍ دامعة.. والتي اقتربت منه ، لسحبه من ذراعه .. والتحدّث معه جانباً: 

- ابنك يشبهك كثيراً ، فهو موهوبٌ مثلك بالشعر 

- كيف حصل ذلك يا رؤى ؟!

- علمت بحملي بعد رحيلك بأيامٍ معدودة .. ولتغيّرك رقم جوالك ، لم أستطع التواصل معك.. فأخبرت أهلي : أن الطبيب منعك من السفر بعد آلام كليتك المفاجئة .. وأنك مُجبر على البقاء في الغربة ، لحين إيجاد متبرّع ينقذك من الغسيل الدوري.. وأخبرتهم أنك رفضت لحاقي بك ، لراحة طفلنا الذي سجّلته بإسمك ، لعدم وجود طلاقٍ رسميّ بيننا 


فنظر إليها مصدوماً : 

- أفعلتِ كل هذا دون علمي؟!

- نعم ، لأني فهمت أنك أصغر أبناء عائلتك .. المُدلّل الذي اعتاد الحصول على كل شيء.. وعندما رفضتك في البداية ، شعرتَ أن كبرياءك جُرح .. فتزوّجتني دون نيّة إكمال حياتك معي ، بل تحدّياً بإخضاع المرأة التي رفضتك.

فقال لها بقهر :

- لا تقلقي ، الله استجاب لدعائك بعد خسارتي كل شيء

- صحيح أنني دعوت عليك في بداية الإنفصال ، من شدة قهري .. لكن ما إن علمت بحملي ، حتى توقفت.. فأنت أهديتني الأمومة ، وهي أكبر أمنياتي في الحياة .. ولهذا السبب ، حرصت طوال السنوات الماضية على تربية ابنك على احترامك وتقدير معاناتك بالغربة لأجلنا .. وأوهمته بإرسالك الهدايا والمصروف له ، حفاظاً على المحبة بينكما

- وانا اريد تعويضه عن سنوات بعدي عنه .. لكن كيف افعل ذلك؟ 

- عدّ الى بيتك ، فنحن لم نتطلّق من الأساس

فقال بصدمة : أحقاً ! ظننتك سترفضين 

فردّت بابتسامةٍ حنونة : 

- لنذهب الى بيتنا ، فقد فاتك الكثير.

***


وعادوا معاً إلى الشقة الصغيرة.. 


وفي تلك الليلة ، وبينما كانت رؤى تعدّ العشاء .. نافس ابنه الذي تحدّاه بقصيدةٍ شعرية من تأليفه .. 

حينها أدرك أخيراً : إن انتصاره الوهمي ، أضاع أجمل سنوات عمره.. 

بينما المنتصر الحقيقي ، هي رؤى التي فازت بصبرها وأمومتها .. وحافظت على دفء بيتها ، بعد تقبّلها عودة زوجها التائب الذي ينوي تعويضها بحياةٍ زوجيةٍ مليئةٍ بالإخلاص والمحبة الدائميّن


الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الإستيداع الإلهي

كتابة : امل شانوحة 

القدر الرحيم


في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة..

فأسرعت إليها .. لتجدها شاحبة الوجه ، محاولةً التقاط أنفاسها بصعوبة..

وبجانب سريرها ، وقف اخوها احمد (12 سنة) خائفاً بعد اشتداد مرض امه .. والتي احتضنتهما بحنان : 

- أريدكما أن تتماسكا... وأن تبقيا معاً مهما حدث.


ثم ردّدت الشهادتين ، قبل ان تدعي بصوتٍ متعب : 

- ((استودعتكما الله الذي لا تضيع ودائعه))

وبعدها فارقت الحياة !

***


والدهما الذي اعتاد قضاء لياليه في حانةٍ شعبية ، لم يهتم مطلقاً لوفاة زوجته المريضة او احتياجات ولديّه ! 

ولهذا لم تمضي أسابيع على انتهاء العزاء ، حتى فاجأهما بزواجه من إحدى راقصات الحانة المعروفة بسمعتها السيئة !


وكما توقع الولدان ، فقد خطّطت لتخلّص منهما .. 

بدايةً بإخراجهما من المدرسة ، رغم تفوّقهما الدراسيّ .. ثم إجبار الصغير على العمل في ورشة تصليح سيارات ، معروفٌ صاحبها بقسوته مع العمّال ! 

بينما خيّرت مرام بالعمل معها في المرقص ، او السفر كخادمة لدى سيدة ثريّة في لبنان 


فحاولت مرام إسترحام والدها :

- رجاءً ابي ، دعني أكمل دراستي... بقيت ثلاثة شهور على تخرّجي من الثانوية .. فأنا وعدت امي المرحومة بأن اصبح طبيبة ، وعلاماتي تخوّلني للحصول على منحةٍ دراسية في كلية الطب .. الا يكفي ان زوجتك حرمت اخي من تعليمه ؟ 

الأب بلا مبالاة : 

- دراستك لن تنفعني بشيء .. هيا إحزمي امتعتك !! فغداً يصل محامي السيدة ، لأخذك الى منزلك الجديد في لبنان .. فهي دفعت ثمنك مقدّماً


فذهبت باكية الى غرفتها ، بعد ان باعها والدها بالرخيص !

***


في الصباح الباكر ، استيقظ الأب قبل تمكّن ابنته الهرب من منزله .. فضربها بعنف ، وحبسها بالغرفة .. لحين وصول المحامي ظهراً .. 

ثم إجبرها على التوجه معه الى المطار ، دون السماح بتوقفهما امام الورشة لتوديع اخيها !

***


في الطائرة .. نظرت مرام من النافذة الى بلدها مصر ، وهي تختفي بين الغيوم ! 

فهمست بقهر :

- إلهي ! ألم تستودعنا أمي لديك قبل وفاتها ، فلما تخلّيت عني وعن اخي ، لما لم تحمينا من أبي وزوجته الفاسقة ؟


وظلّت تبكي حتى غلبها التعب ، فنامت طوال الرحلة.

***


بعد هبوط الطائرة في لبنان.. أوصلها المحامي إلى فيلا جبلية (بعيداً عن ضوضاء الحرب الأهلية) 

حيث استقبلتهما سيدة في أواخر الخمسينيات تدعى نجاة ، أرملة تعيش وحدها دون ابناء .. 


وبعد ذهاب المحامي ، إصطحبتها إلى غرفتها التي كانت أجمل بكثير من غرفتها القديمة ! بعد ان ملأت السيدة خزانتها بالملابس الجديدة والحاجيات الشخصية.

وبعدها أصرّت نجاة على تناول مرام الطعام معها ..

ثم سمحت لها بالنوم باكراً ، بسبب ارهاقها من السفر 

*** 


في الأيام التالية ..اكتشفت مرام أن العمل في الفيلا ليس شاقاً..فالسيدة نجاة تستعين بخادمتين ، لتنظيف فيلتها مرتين في الشهر .. 

ولذلك اقتصر عمل مرام على بعض الترتيبات البسيطة ، ومساعدة نجاة في الأمور اليومية.

كما شعرت بالإمتنان للسيدة التي حرصت على معاملتها كإبنة ، وليس كخادمة عندها .. وهو احترام لم تعتده من قبل ! 

***


في العطل الإسبوعية .. كانت تصطحبها معها الى السوق ، لشراء كل ما يلزمها .. ثم تتناولان الغداء في المطعم .. واحياناً تدخلان السينما ، بفترات هدوء الحرب 


وخلال عودتهما من احدى النزهات (حيث اعتادت نجاة قيادة سيارتها بنفسها) شعرت بحزن مرام التي التزمت الصمت طوال الطريق 

- مابك عزيزتي ؟! الم تعجبك النزهة ؟

فمسحت مرام دموعها :

- أشعر بالقهر ، لأنني استمتع بوقتي معك .. بينما اخي الصغير يعاني من عمله بالورشة ، مع خدمته لزوجة ابي اللئيمة

فأصرّت السيدة على معرفة قصتها منذ البداية ..

فأخبرتها مرام بكل شيء عن حياتها السابقة 


وحين وصلتا الى الفيلا .. قالت نجاة مبتسمة :

- تأكّدي يا مرام ان دعوة امك لم تذهب سدى ، وستدركين ذلك قريباً

***


بعد اسبوعين ، عصراً .. اخذتها السيدة الى المطار .. وما ان رأته من بعيد ، حتى بكت مرام خوفاً ..

السيدة : مابك ؟!

مرام بقلق : هل فعلت شيئاً ضايقك ، سيدتي ؟

- لا ابداً ، لما تقولين ذلك ؟!

- اذاً لماذا تعيدينني الى بلادي ؟ لا اريد العيش مع زوجة ابي ثانيةً 

فضحكت السيدة : 

- اهدأي يا مرام ، نحن ذاهبتان لاستقبال احدهم في المطار

فتنفّست مرام الصعداء ، وعادت ابتسامتها من جديد

^^^


في الداخل ، وبعد مرور نصف ساعة إنتظار .. ظهر اخوها مع المحامي .. فأوشكت مرام على الإغماء من هول المفاجأة ! 

وركضت اليه ، لاحتضانه.. لينهارا معاً بالبكاء ، بعد فراق دام شهرين كاملين


بهذه الأثناء ، تكلّمت السيدة مع المحامي جانباً :

- والده الطمّاع لم يقبل هذه المرة الا بضعف الثمن

السيدة : وهل وقّع على التنازل القانوني عن حضانة الولدين وحقوقه الأبوية؟

المحامي : نعم ، بعد أن شرحت له تبعات الموضوع 

فتنفّست نجاة بارتياح : 

- جيد.. لا أريده ان يستخدم ابنيّه للضغط عليّ ، أو ابتزازهما مستقبلاً.. ورجاءً لا تنسى متابعة الإجراءات القانونية التي اتفقنا عليها مسبقاً  

المحامي : سأخبرك بعد تسجيلهما رسمياً بدائرة النفوس 

^^^


ووصلت نجاة مع الولدين الى الفيلا الجبلية مساءً ، بعد تجاوزهم العديد من الحواجز العسكرية التابعة لأحزابٍ متعددة .. 

فاستغرب الصبي وجود درّاجة هوائية صغيرة في الحديقة !

وهمس لأخته : الم تقولي انه ليس لديها اولاد ؟!

فسمعته السيدة : الدرّاجة لك 

الصبي بدهشة : أحقاً ؟! 

السيدة : نعم ، لكن عليك مهمّة ريّ الأشجار كل صباح

الصبي بحماس : بالطبع سأفعل !! فهو اسهل من عملي بورشة السيارات .. فصاحبها رجلٌ متوحش ، اعتاد ضربي كل يوم 

السيدة : لا تقلق ، انا لا اضرب ابداً .. هيا الى الداخل ، لتناول عشائنا 

^^^


وبعد الأكل .. أصرّ الولد على النوم في غرفة اخته ، رغم ان السيدة جهّزت غرفةً خاصة له .. 

ونام الصغيران ، بعد ان تحدثا عمّا جرى في حياتهما بالشهرين الماضيين .. وهما يحمدان الله ان جمعهما على خيرٍ وسلامة 

***


ومرّت الأيام بشكلٍ روتيني .. الى ان وجدت السيدة ، مرام تبكي في المطبخ

- ماذا حصل ؟!

مرام وهي تمسح دموعها : تأثّرت حين سمعت ابنة اخيك تخبرك عن تسجيلها في كليّة الطب .. فأمنية امي ان اصبح طبيبة ، لمعالجة الفقراء مجّاناً 

- وهل كنت مجتهدة في دراستك ؟

- انا واخي كنا الأوائل دائماً ، لكن ابي لم يهمّه دراستنا مطلقاً 

السيدة : وماهو حلم اخيك ؟

- ان يصبح مهندساً معمارياً .. فرغم صغر سنه ، الا انه كان بارعاً بتحويل الكرتون الى مباني ورقية .. 

- حسناً ، غداً أعرف مستواكما الدراسيّ

مرام باهتمام : ماذا تقصدين ؟ 

- لا تستعجلي الأمور

***


في اليوم التالي .. أحضرت السيدة استاذاً خصوصيّاً لامتحان الولديّن .. وبعد خروجه من الصالة ، سألته السيدة عن مستواهما الدراسيّ ؟

- هما ذكيّان ، ويستوعبان الشرح سريعاً .. لكن ابتعادهما عن الدراسة ، جعلهما متأخريّن عن أقرانهما.

السيدة نجاة :

- وهل يمكن تعويض ذلك؟

الأستاذ : بالتأكيد !! يحتاجان إلى برنامجٍ مكثّف في المنزل خلال الأشهر المقبلة ، ثم يتابعان الدراسة بصورةٍ طبيعية.

- حسناً ، سأدفع ثمن كتبهما المدرسية 

الأستاذ : اريد فقط تذكيرك بأن المدارس الحكومية مغلقة بالحرب .. والمدارس الخصوصية ، أقساطها غالية.. 

نجاة مقاطعة : لا يهمّني سوى تعليم الولدين .. ابدأ بتدريسهما غداً 

***


وبعد شهور من دراستهما في المنزل .. التحقا مع بداية العام الجديد بمدرستهما الخاصة .. حيث راقبتهما السيدة وهما يركضان سعيدان بزيّهما الرسميّ ، قبل ركوبهما الحافلة المدرسية .. وهي تدعي لهما بالتوفيق والنجاح 

^^^

وهذا الشيء اغضب اقارب السيدة الذين قدموا الى منزلها ، لنصحها بعدم صرف مالها على تعليم خدمها ..

فسمع الولدان نقاشهم الحادّ .. وخافا ان يضغطوا على السيدة ، لمنعهما من الدراسة او طردهما من الفيلا !


لكن السيدة فاجأت الجميع بإعلان تبنيّها للولدين رسمياً ! مما ادّى لقطيعة بينها وبين اقاربها ، دون ان يهمّها ذلك مطلقاً ..

ونام الولدان تلك الليلة وهما سعيدان بأمهما الثانية .. فانتمائهما الى عائلتها ، حسّن نفسيتهما كثيراً 

***


وبعد اسبوع .. نادتهما السيدة ، لتريهما هويّتهما الجديدة بإسم عائلتها .. ليس هذا فحسب ، بل وظّفت خادمة اخرى ومزارع للإهتمام بالفيلا ، كيّ يتفرّغا لدراستهما 

مرام : ما تفعلينه لأجلنا كثير ، سيدة نجاة

- قولي ماما نجاة ، يا مرام

- آسفة ، يا امي الغالية

***


ولم تكتفي نجاة بمتابعة دراسة الولدين فحسب ، بل كانت تهديهما الألعاب والمكافئات المالية بعد ان رفعا رأسها بنتائجهما المبهرة .. 

***


بعد سنوات .. تخرّجت مرام من كلية الطب ، وأخوها من مجال الهندسة 

وأقامت لهما حفلةً ضخمة ، حضرها الأقارب والأصدقاء بعد تعودهم على مرام وأخيها كأبناء نجاة بالتبني ..


وبعد زواج مرام من زميلها الطبيب ، وخطبة احمد من زميلته المهندسة ..علما بوفاة امهما نجاة بسكتةٍ قلبية ، مما احزنهما كثيراً ..

^^^


وبعد العزاء .. اخبرهما المحامي برغبة امهما نجاة ، باجتماعهما دائماً في فيلتها بالعطل الرسمية والمناسبات العائلية مع اولادهما .. بعد ان سجّلت الفيلا مناصفةً بين الأخوين ..

وذكرت بآخر وصيتها ، التي قرأها المحامي عليهما :

((ارأيتما كيف ان استوداع امكما لم يذهب سدى))


وحين سمعت مرام ذلك ، إستغفرت ربها على اعتراضها السابق .. بعد ان فهمت بأن الإستيداع الربّاني : يعني عيش حياةٍ اختارها الله لهما .. والتي كانت اجمل بكثير مما يتخيلانه .. بعد ان وهبهما الله اماً ثانية حنونة ، غيّرت حياتهما للأفضل !


****** 

ملاحظة :

هذه القصة حقيقية .. ولليوم مازالت الطبيبة مرام وأخوها المهندس يعيشان في لبنان ، بعد زواجهما من لبنانيّن .. ولم يزورا مصر الا مرةً واحدة ، لحضور عزاء والدهما .. 

ورغم كبر سنهما ، الا انهما مازالا مُمّتنان لأمهما نجاة التي حققت جميع احلامهما بقلبها الحنون الطيب !

(كنت حضرت مقابلة لهما بالتلفاز ، لكني لا اذكر اسمائهما الحقيقية)


السبت، 19 سبتمبر 2026

سباق الذات

تأليف : امل شانوحة 

المتسابقون المقنّعون


فتح جاك عينيه ! ليجد نفسه داخل ملعبٍ رياضيّ ، واقفاً عند خط البداية بجانب ستة رجال يرتدون ملابس رياضية سوداء ، وأقنعةً بيضاء تخفي وجوههم .. 

ورغم عدم لبسه للقناع مثلهم .. لكنه لاحظ وجود سمّاعة صغيرة مثبّتة في أذنه ، كبقيّة المشتركين .. كأنها شرطٌ أساسيّ في هذه المسابقة الغريبة !


والأغرب عدم وجود جمهور في الملعب ولا لوحات إعلانية ، ولا حتى ساعة تشير إلى موعد بدء السباق.. فقط مضمار طويل يمتدّ أمامهم ، وينتهي عند بوّابة ذهبية تلمع من بعيد !

ولم يمنحه المسؤول (الذي يراقبهم وحيداً من مقاعد المدرّبين) فرصة لسؤال الآخرين عمّا يحصل ، بعد إطلاق صافرته


وسرعان ما ركض الرجال الستة في منافسةٍ شرسة .. دفعت جاك للركض خلفهم ، دون فهمه بما يجري حوله ! 

^^^


في البداية ، كانوا جميعاً أسرع منه.. الى ان لاحظ المتسابق الأول الذي يسبقه بخطواتٍ قليلة ، يتراجع بعد ان خفّت طاقته ! 


وإذّ بجاك يسمع شكوى ذلك المتسابق المنهار في اذنه ، وهو يقول بألم : 

- المشاكل العائلية ارهقتني .. لا اشعر بالأمان في منزل طفولتي 

فتمّتم جاك في نفسه : 

((كان عليك تعلّم إيجابيات اهلك ، ونسيان سلبيّاتهم لتكمل السباق !))


ثم التفت جاك اليه ، بعد توقفه عن الجري .. لينصدم بأن المتسابق الخاسر ازال قناعه .. ليظهر مدى تشابهه معه ، كأنه انعكاسه في المرآة !


لكن سرعان ما استعاد جاك توازنه ، مُكملاً مسابقة الركض الغريبة 

^^^


بعد مسافةٍ أخرى ، تجاوز متسابقاً ثانياً بعد سماع شكوته من السمّاعة: 

- سخروا مني طوال دراستي... ومازلت أسمع نقدهم الجارح في رأسي!

فقال جاك في نفسه بضيق : 

((المتنمّرون لم يعودوا حولك .. كان عليك تجاهل أصواتهم لربح السباق))


ثم خلع الخاسر الثاني قناعه ، ليظهر ايضاً شبهه الكبير بجاك بنظراته المكسورة.

فحاول جاك تجاهل ما يحصل ، وهو يواصل الركض نحو البوّابة الذهبية

^^^


وعندما تجاوز المتسابق الثالث ، سمعه يقول بقهر : 

- خدعتني المرأة الوحيدة التي أحببتها في حياتي ... ولا أستطيع محو جرحها العميق في قلبي ! 

فقال جاك بضيق في نفسه : 

((يا رجل ، يوجد غيرها ! فهي لم تكن مُقدرة لك .. هيا قفّ ، واكمل السباق !!)) 


ليظهر الوجه ذاته (الشبيه بجاك) بعد ازالة قناعه !

لكن بال جاك كان مشغولاً بالوصول للنهاية ، بما تبقى من قوته

^^^


وعندما تجاوز المتسابق الرابع ، سمعه يقول (من السمّاعة) :

- لست مناسباً لربح السباق .. انا فاشل !! الجميع يصفني هكذا 

فرد جاك : 

((ما كان عليك تصديق حقدهم وغيرتهم منك)) 


وهذه المرة لم يهتم بتشابهه معه (بعد إزالة قناعه) .. فالمسابقة كلها ، عبارة عن كابوس غير منطقي بالنسبة له ! 

^^^


اما المتسابق الخامس الذي صار خلفه ، فسمعه يقول بندم : 

- هو اذاني اولاً ، ومع ذلك أشعر بتأنيب الضمير لفضح اسراره ! 

جاك : 

((أشغلت نفسك بالإنتقام ، وأهملت هدفك بالحياة))


وبعد ان رأى التشابه بينهما بعد ازالة قناعه ، تمّتم جاك بلا مبالاة :

- تماماً كما توقعت !

^^^


وحين تجاوز بصعوبة المتسابق السادس والأخير ، الذي توقف بإرادته قبل خطواتٍ قليلة من خط النهاية .. وهو يتنفّس غاضباً :

- لما ينتقدني الجميع؟!! لما يحقدون عليّ ؟!! لما لا يعترفون بنجاحي؟!

فردّ جاك في نفسه : 

((لأنك جعلت رأيهم ، أهم من رأيك بنفسك))


وعندما ظهر الوجه ذاته ، بعد إزالة المتسابق الأخير قناعه .. 

قال جاك بنفسه بخوف :  

((ترى كم شبيهٌ لي في هذا العالم ؟! وكيف استطاعوا جمعهم بهذه المسابقة المريبة ؟! والأغرب أن آلامهم ومشاكلهم انتقلت إليّ ، كأنها أحمالٌ ثقيلة أُلقيت على عاتقي!)) 


ثم نظر إلى البوّابة الذهبية التي تبعد خطواتٍ قليلةٍ عنه ، باذلاً آخر ما تبقى من قوته.. الى ان تمكّن وحده من عبور خط النهاية !

^^^


وحين توقف جاك لالتقاط انفاسه .. سمع تصفيق المسؤول الذي اقترب منه مُهنّئاً ، ومعه الميدالية الذهبية التي وضعها على صدر جاك .. وهو يقول بفخر :

- احسنت يا بطل !! لقد فزت عليهم جميعاً 


فنظر جاك خلفه ، ليرى المتسابقين الستة يواسون بعضهم على الخسارة :

- فزت على من ، سيدي ؟ وكيف تمكّنت من إحضار جميع اشباهي الى هذه المسابقة ؟!

المسؤول بابتسامة :

- انت لم تفزّ على غرباء ، بل فزت على نفسك.


ثم اشار للمتسابقين الستة ، وهو يكمل كلامه :

- في الحياة ، لست مضّطراً لمنافسة أشخاص آخرين .. فدائماً سيكون هناك من هو أغنى منك ، أو أشهر ، أو أسرع وصولاً لأهدافه .. لكن المنافسة الحقيقية والوحيدة ، هي مع نسخك الماضية 

جاك بصدمة :

- هل كانوا جميعاً نسخاً مني ؟!


المسؤول : 

- نعم !! فالمتسابق الأول : كان نسختك الخائفة التي ظلّت اسيرة ذكريات طفولتها.. والثاني : نسختك الضعيفة التي صدّقت تنمّر الآخرين.. والثالث :  نسختك المكسورة التي أغلقت قلبها بعد خيبتك العاطفية .. والرابع : نسختك التي سمحت للفشل أن يحدّد قيمتها.. والخامس : نسختك التي شعرت بالندم وتأنيب الضمير ، بعد انتقامك من صديقك الخائن .. أما السادس والأخير : فهي نسختك الغاضبة ، من عدم تقدير المحيطين لمواهبك واحلامك !

جاك بقلق : وماذا عني ؟ كيف تصفني الآن ؟


فربت المسؤول على كتفه ، بفخر : 

- نسختك الحالية هي التي استوعبت الدروس والخيبات الماضية ، ولهذا استحقيت الفوز.. ليس لأنك الأقوى بينهم ، بل لأنك الوحيد الذي رفض التوقف ، وأكملت المسير من حيث توقف الآخرون.. فكل إنسان يصنع نسخاً متعدّدة من ذاته طوال رحلته في هذه الدنيا .. والقرار المصيري ليس في تجنّب السقوط ، بل استخلاص أفضل نسخة ممكنة من حصيلة التجارب الصعبة التي مرّرت بها طوال حياتك


ثم فتح المسؤول البوّابة الذهبية ، التي ظهر خلفها طريقٌ طويل مجهول !

وهو يقول لجاك :

- السباق الحقيقي يبدأ اليوم .. فهيا انطلق للإمام ، واصنع المستقبل الذي حلمت به دائماً .. ولا تقلق من شيء ، فأنت تنطلق بأقوى نسخة من ذاتك.. النسخة التي لا تعرف الإنكسار والإحباط 


فانطلق جاك للإمام بكل شجاعة ، بعد فهمه لمغزى السباق :

((فهو لم يتوجّب عليه هزيمة العالم... بل عليه فقط التغلّب على نسخه القديمة التي كادت تسرق منه مستقبله الواعد ونجاحه المشرق))


مذكرات قاتل

تأليف : امل شانوحة 

انتقام لقيط


إقتحمت الشرطة منزل الشاب الغامض ، اثناء جلوسه بهدوء في غرفته .. فطلبوا منه الإستسلام : 

- جاك اندرسون !! انت موقوف بتهمة قتل امرأتين 

جاك بدهشة : امرأتان فقط !

- ماذا تقصد ؟

جاك : قتلت اكثر من عشرين امرأة ، وثلاثة رجال .. وكتبت تفاصيل الجرائم في مذكّراتي .. سأعطيها لك الآن


وعندما حاول فتح درج مكتبه .. صرخ الشرطي عليه ، وهو يوجّه سلاحه نحوه :

- إيّاك ان تتحرّك !! 


فرفع جاك يديه ، بينما يبحث الشرطي عن دفتره داخل درجٍ مليء بأغراضه العشوائية.. 

فغافله جاك بشرب سمٍّ محفوظ في فصّ خاتمه الكبير ، جعلت جسمه ينتفض بحركاتٍ لا ارادية .. الى ان خرجت رغوةً بيضاء من فمه !

وحاولت الشرطة إسعافه ، لكنه مات قبل وصولهم للمشفى 

***


في مركز الشرطة .. قرأ المحقّق مذكّرات جاك التي فيها اهم الأحداث التي حصلت في حياته القصيرة ، بعد انتحاره بسن 25 !

كاتباً في صفحتها الأولى :

((كبرت في الميتم وانا راضي تماماً بقدري ، بعد وفاة والدايّ بحادث سير وانا طفلٌ صغير .. لهذا لم اكن معقّداً كبقية رفاقي ، بل عشت منطلقاً ومحبّاً للحياة .. وكنت انتظر بفارغ الصبر بلوغي سن 18 لأسرّح من الدار .. بعكس اصدقائي الذين تمنّوا ان يتم تبنيهم من قبل العائلات التي زارتنا بشكلٍ دوريّ 

في عمر 9 سنوات ، فقد المدير اعصابه من كثرة شقاوتي وشكاوي المعلمين ضدي .. فأخرج صندوقاً من الأرشيف ، عليه اسمي (جاك اكس) .. موضحاً أن (أندرسون) مجرّد لقبٌ وهمي ، يُمنح لأطفال الميتم 


ومن داخل الصندوق المُغبرّ ، أخرج شريط فيديو قديم .. 

وقبل ان يُديره ، قال بلؤم :

- على فكرة يا جاك .. والداك لم يموتا بحادث سيارة 

فأجبته بدهشة : ماذا تقصد ؟!

- أنظر الى الشاشة .. هل ترى السيارة الحمراء ؟ .. فيها والديك .. انظر كيف نزلت امك وهي تحملك داخل بطانية ، وترميك في حاوية النفايات قبل ابتعادها مع ابيك ..

فقلت بصدمة : حاوية نفايات !

- نعم ، التي بجانب الدار .. رمتك عصراً .. وفي آخر الليل ، عثر عليك الحارس بعد سماع بكائك.. كنت شبه متجمّد من البرد والجوع.

فصرخت وانا انتفض غضباً : 

- لا !! انت تكذب .. ذلك اللقيط ليس انا 

- بلى انت !! ارأيت يا جاك .. حتى والديك لم يطيقانك منذ ولادتك ، وكأنك ابن شيطان .. فكل مشاغباتك اليوم تدلّ على ذلك .. ليتنا تركناك تموت تلك الليلة 


وتركني منهاراً بالبكاء في القبو حتى الصباح ، بعد قتله لكل آمالي وأحلامي.. فبعد اكتشافي الحقيقة تحوّلت من طفلٍ شقيّ ، إلى كائنٍ كئيب فقد شهيته وشغفه بالحياة.. 

سنواتٌ طويلة كرهت فيها المدير ، وتمنيت لوّ انني انتقمت منه ، لكن اجله سبقني.. الشيء الوحيد الذي خفّف عني هو العائلة الطيبة التي تبنّتني ، والتي أشعرتني بالمحبة والأمان اللتين افتقدتهما طويلاً

لكن والدايّ بالتبني لم يعيشا طويلاً .. ماتت امي بسني 13 بعد معاناتها مع السرطان .. ووالدي توفيّ بسني 19 بعد حادثة في ورشة عمله .. ليعود إليّ شعور اليتم المرير من جديد ! 

ومع ذلك ورثت منهما مالاً ، ساعدني على إكمال دراستي... وكانت اموري على ما يرام .. الى ان حصل شيء غيّر مسار حياتي ، وأعاد شبح الماضي من جديد .. وحصل ذلك بعد عودة جارتي الحامل من مشفى التوليد دون طفلها ! 

لم اعرف ما حصل ، الا بعد سماعي بالصدفة صديقتها تتحدّث عن بيع طفلها ، لشراء سيارة جديدة.. مما اشعل داخلي نيران الذكريات ومرارة حاوية النفايات.

في تلك الليلة ، ارتكبت أول جريمة في حياتي.. بعد تسلّلي إلى منزل جارتي وهي نائمة .. وتعمّدت ترك غازها مفتوحاً ، ثم عدت بهدوء إلى منزلي.. وفي الصباح ، أعلنت الشرطة بأن وفاتها حادثٌ منزلي.


الغريب انني لم اشعر بالندم ! بل شعرت بإنجازي لعدالةٍ مؤجلة.

كانت تلك ضحيّتي الأولى ، فهل ستكون الأخيرة ؟ .. حقاً لا ادري!))

***


في الصفحة التالية ، وبتاريخٍ مغاير (يدلّ على مرور سنة كاملة على تلك الجريمة)

كتب جاك : ((لم اكتب منذ وقتٍ طويل بسبب انشغالي بالدراسة .. وإن كنتم تتساءلون ؟ فقد تخرّجت اخيراً من اختصاص المحاسبة .. واحاول ايجاد عملٍ في شركةٍ محترمة .. لكن للأسف ، لم أتوظّف حتى اليوم .. لهذا احرص على عدم صرف الكثير من ثرّوة والدايّ التي اوشكت على الإنتهاء.. ومن الضروري إيجاد دخلٍ جديد قبل نهاية العام .. اراكم قريباً))

***


في الصفحة التي تليها ، والتي دوّنها بعد ثلاثة اشهر من نصّه الأخير ..قال فيها :

((ارتكبت قبل قليل جريمتي الثانية .. أتدرون ما حصل ؟ .. قبل اسبوع رأيت بالصدفة إحدى زميلاتي بالثانوية حاملاً بشهرها الأخير .. وعندما باركت لها .. شكت همها ، برفض حبيبها للطفل.. فأخبرتها بأنني على استعداد لتربيته .. لكنها لم تأخذ كلامي محمل الجدّ ! 

وبعد ولادتها ، قرّرت زيارتها وانا مصمّم على اخذ الولد منها .. لكن قبل ركن سيارتي ، وجدتها تقود سيارتها بعيداً .. فلحقت بها ، الى ان وصلت الى منزلٍ كبير .. دخلت اليه مع طفلها ، وخرجت بعد قليل من دونه ! فاتجهت اليها ، بالوقت الذي كانت تتحدث فيه بجوالها مع حبيبها .. وسمعتها تطمئنه على بيعه لعجوز تتسلّى به ، بدل كلبها الميت ! فشعرت بنارٍ تحرق جسدي .. وعاد إليّ شعور اليتم القديم.. فأنا لم أعد أرى طفلها بيدين عجوز بالكاد تستطيع الإعتناء بنفسها ، بل رأيت نفسي ارتجف داخل بطانيتي في حاوية النفايات ! 

وبدأت بمراقبة الأم المهملة لأيام ، الى ان ذهبت لمنزل حبيبها .. وفي آخر الليل ، وبعد تأكّدي من نومهما .. سكبت البنزين حول المنزل الذي اشعلته من الخارج ، وأسرعت بالهرب .. لأعلم في الصباح التالي ، بعثور الأطفاء عليهما متفحّمين بالداخل .. المشكلة ان التحقيق الجنائي كشف أن الحريق مُفتعل ، وهم يقومون الآن بتحرّياتهم للقبض على الفاعل .. ورغم اتخاذي الحيطة بوضع القناع على وجهي ، وإزالة لوحة سيارتي التي أخفيتها في كراج منزلي .. مع ذلك سألازم بيتي احتياطاً ، لحين انتهاء الأزمة.. 

أتدرون ما الغريب في الموضوع ؟ 

بدأت أشعر أنني صاحب رسالة قيّمة في الحياة !))  

***


ثم بدأت الصفحات تتوالى عن جرائم اخرى : لأناسٍ تخلّوا عن اطفالهم ، فقتلهم جاك دون ترك دليلٍ خلفه ..خاصة المراهقات الحوامل دون زواج.. 

فهو لم يعد يرى نفسه قاتلاً ، بل منقذاً للأطفال في عالمٍ قاسي لا يرحم الضعفاء


ومع تعدّد جرائمه ، لم يعد بحاجة لسببٍ مهم .. يكفي أن يرى طفلاً يعاني من اهمال والديه ، لجعلهما يدفعان الثمن غالياً !

^^^


لكن داخل مذكّراته ، ذكر قصتين استثنائيتين :

أحدهما قصة رجل حبس ابنه 20 سنة في قبو منزله في المنطقة المجاورة ، حيث اقتيد الأب الى السجن والشاب الى مستشفى المجانين .. وحين قرأ جاك قصتهما بالصحيفة : تنكّر بهيئة طبيب لدخول المصحّ ، لحقن الشاب بإبرة هواء .. اما والده ، فدفع المال لأحد المساجين ليقوم بطعنه اثناء استحمامه .. وعللّ جاك في مذكّراته قيامه بالجريمتين بقوله )) لعلمي المسبق بأن الشاب لن يشفي من جروحه النفسية مهما عالجوه ، اردّت ان اريحه كلّياً من عذابه .. اما والده القاسي ، فقد استحق الموت بجدارة))


اما القصة الثانية : فهي قصة والدان مدمنان ، علّما ابنهما (10 سنوات) تدخين مارجوانا معهما ! 

وذكر جاك في دفتره : ((كان بودّي انقاذ الصبي بعد قتل والديه الأحمقين بمسدسي .. لكني أطلقت عليه رصاصة الرأفة ، لإرساله للجنة .. واراحته من رحلة علاجٍ ميؤوسٍ منها))

^^^


وكان من ضمن جرائمه .. تعقّب جاك لوالديه الحقيقيين ، من خلال رقم لوحة السيارة القديمة (بأرشيف الميتم) 

كاتباً في مذكّراته : ((إقتحمت منزل ابي ليلاً ، وواجهته بالحقيقة .. فتوسّل اليّ بحماية عائلته الجديدة .. فقرّرت العفو عنه ، بشرط ان يدلّني على مكان امي .. فأخبرني انها مازالت تعمل بذات البار الذي التقى بها قبل 20 عاماً ، وأعطاني العنوان .. فخرجت من منزله بهدوء .. رغم انني تمنيت لوّ طلب مني ازالة القناع ، لرؤية وجه ابنه الذي رمته حبيبته السابقة في النفايات امام انظاره .. لكنه لم يسألني حتى عن اسمي ! فكتمت غيظي ، وأسرعت الى ذلك البار .. واختطفت امي بعد خروجها المتأخر من العمل .. وفي زقاقٍ مظلم ، اخبرتها من اكون .. وسألتها ان كان أنّبها ضميرها على رميّ طفلها بالزبالة ؟.. أتدرون ماذا اجابتني ؟ .. وانت أيّ واحدٍ منهم ؟ فهي لا تتذكّر اين تركت اخوتي الثلاثة ، بعد تخلّيها عنهم ! ..حينها فقدت السيطرة على نفسي ، وخنقتها بيدايّ بكل قوتي .. وبعد موتها ، أدركت بأني لم اعرف عناوين اخوتي ! فحملت جثتها ورميتها بأقرب حاوية نفاية ، كما فعلت بأطفالها الأربعة الغير شرعيين ..لليوم لا اصدق بأن امي سيئة لهذه الدرجة .. لهذا قرّرت انقاذ اكبر قدرٍ من الأيتام ، من قسوّة الكبار الذين لا يستحقون لقب الأمومة والأبوة .. وهذا سيكون هدفي بالحياة)) 

^^^


في آخر مذكّراته كتب التالي :

((كنت أعتقد أنني أقتل الآخرين ، لغيظي من تخلّيهم عن أطفالهم.. لكن الحقيقة أنني قتلتهم ، كرهاً للطفل الموجود بداخلي الذي ظلّ يسأل طوال حياته : لماذا لم يحبني أحد ؟!

لكني عرفت متأخراً : أنه لا يوجد شيء خاطئ في ذلك الطفل.. بل الخطأ كان في والديّه عديميّ المسؤولية.. وفي المدير الذي قتل الرحمة بقلبيّ الصغير.. وبكل شخص لم يساعد طفلاً بحاجةٍ اليه .. 

واليوم فقط !! أعلن خطئي بتحويل ألمي ، إلى رخصة قتلٍ عشوائية .. فأنا لست بطلاً ، بل قاتل متسلّسل.. ورغم كل ذنوبي ، لن أعاني في السجون ، بل سأضع حداً لحياتي بيدي))


وكان هذا آخر ما كتبه في مذكّراته التي نُشرت لاحقاً .. لتتحوّل قصة جاك إلى قضية هزّت الرأيّ العام في مجتمعه الذين انقسموا بين رافضين لجرائمه ، وبين متعاطفين مع طفولته المُحطّمة دون سندٍ له 

***


لاحقاً ، أدّت القضية إلى مراجعة واسعة لطرق التعامل مع الأطفال المُتخلّى عنهم.

حيث أصبحت دور الرعاية أكثر حرصاً على عدم استخدام تاريخ الطفل العائلي لإذلاله أو معاقبته .. مع التأكيد للطفل ، بأن لا ذنب له بوجوده في الميتم .. 


ويبقى السؤال : 

((أين تبدأ مسؤولية المجرم ؟ وأين تنتهي مسؤولية المجتمع التي صنعت جراحه ، مُحولةً غضبه الى سلّسلة من جرائم انتقامه الدموية؟!))


الجمعة، 18 سبتمبر 2026

الطفل المحظوظ

تأليف : امل شانوحة 

الهدية الأخيرة


في منتصف الشهر .. جلس الوالدان في الصالة ، وهما يتناقشان مصاريف المنزل 

قائلةً الأم بقلق:

- مازالنا في نصف الشهر ، ولم يتبقى شيء من معاشك ! كيف سندفع المصروف اليومي لمدرسة الأولاد ؟

تنهّد الأب بضيق : 

- إصلاح السيارة صرف معظم راتبي .. أفكّر بالإستدانة من زميلي حتى نهاية الشهر 


وقبل إكمال حديثه ، دخل ابنهما الأكبر وهو يحمل كيساً من رقائق البطاطس ..

قائلاً بحماس:

- أمي !! وجدت داخل الكيس ، مغلّفاً أسود .. وحسب الإعلان ، فهو يعني جائزةً مالية.

ابتسمت الأم : 

- اذاً افتحه ، ربما ربحت عشرة ريالات.

الإبن :

- الجوائز تتراوح بين 10و 50و 100ريال .. أما الجائزة الكبرى : فهي 500 ريال.. هيا افتحيه !! فيدايّ متسختان من الشيبسي.


وما ان فتحت الأم المغلّف ، حتى اتسعت عيناها بدهشة ! 

وهي تبتسم بحماس : 

- هذه 500 ريال!

فتنفّس زوجها الصعداء :

- الحمد لله... جاء الفرج.

ليسارع ابنهما بالقول : 

- لحظة !! اشتريت كيساً آخر من المدرسة.. سأحضره حالاً ، لربما ربحنا جائزةً أخرى

الأب ضاحكاً : 

- لا تكن طمّاعاً يا بنيّ ، يكفينا ما رزقنا الله.


لكن الصبي عاد بعد دقائق ، وهو يحمل مغلّفاً أسوداً آخر.

فتحته الأم ، لتنصدم بربحهم للجائزة الكبرى من جديد !

فقال الولد مبتسماً : 

- هيا ، ماذا تنتظران ؟ إذهبا إلى السوبرماركت قبل إغلاقها .. فالثلاّجة فارغة منذ أيام ، وأنا سأبقى مع إخوايّ حتى تعودا


تردّد الوالدان قليلاً ، قبل ذهابها لشراء كل ما يلزم المنزل حتى نهاية الشهر.

***


بعد ايام .. عاد الإبن من المدرسة ، وهو يحمل حلوى تكفيه هو وأخويّه 

فسأله والده باستغراب : 

- أعطيتك ريالاً واحداً مع الشطيرة.. فمن أين اشتريت كل هذه الحلوى؟!

الصبي بابتسامة :

- يوجد في مدرستي انشطةٌ متعددة ، وقد اخترت العمل في المقصف.. فخيّروني بين مكافأةٍ مالية في نهاية الشهر ، أو أخذ بعض الحلوى يومياً.. فاخترت الحلوى لأشاركها مع إخوايّ ، وبذلك أوفّر عليك جزءاً من مصروف المنزل


ومنذ ذلك اليوم.. صار إخويّه ينتظران عودته من المدرسة كل ظهيرة ، ليفاجئهما بأنواعٍ جديدة من الحلوى اللذيذة

***


ولم تتوقف مفاجآته عند هذا الحد : 

فقد فاز لاحقاً في مسابقةٍ علميّة ، أربحته لعبة تركيبٍ كبيرة (ليغو) شاركها مع إخويه


وبعد شهر.. فاز ببطولة الشطرنج بين المدارس ، جعلته يكسب صندوقاً مليئاً بالدفاتر والأقلام .. مما اسعد والده الذي عانى ذلك الشهر من ضائقةٍ مالية ، منعته من شراء مستلزمات اولاده المدرسية.


وبعد فترة ، سمع والديه يتحدثان عن حاجتهم إلى ملابس جديدة .. 

فعاد في اليوم التالي بقسيمة شراء من متجرٍ معروف بمنطقتهم ، بعد فوزه بمسابقةٍ رياضية.

***


ومع مرور الأشهر .. اعتاد اهله على فوزه في مسابقات الصحف وبرامج التلفاز ، وسحوبات المشروبات الغازية .. وحتى العروض التجارية التي ترافق المنتجات الجديدة !

وبذلك كسبوا غسالةً جديدة ، ودرّاجة لأخيه الصغير .. مع مبالغ مالية ، ومجموعة من الأجهزة المنزلية... حتى لقبته عائلته : بالولد المحظوظ !

***


لكن كل شيء تغيّر بعد مدح امه لحظه العجيب وسلّسلة انتصاراته ، امام قريبتها الحقودة التي لم تفزّ يوماً بالمسابقات التي اشتركت فيها لسنواتٍ طويلة ! 


ليصاب الصبيّ بحمى شديدة ، نُقل (بعد عجزّ والديه عن إخفاض حرارته) الى الطوارئ

^^^


وفي غرفة المشفى .. إجتمع والداه وإخويّه حول سريره ، وهم يدعون له بالشفاء وعيونهم تفيض من الدمع ..

فقال الصبي بصوتٍ مرهق :

- الآن يمكنني كشف السرّ الذي أخفيته عنكم طوال السنة الفائتة 

فاستمعوا له باهتمام ..

- انا لست ولداً صغيراً كما تظنون ، بل رجلاً كهلاً عائداً من المستقبل 


فظن والداه ان الحمّى أفقدته صوابه ! لكنه اكمل قائلاً :

- بالحقيقة ، جميعكم عشتم حياةً فقيرة .. مات والدايّ اولاً ، ثم اخوايّ بحادثين متفرّقين ، دون أن تذوقوا طعم الراحة أو نِعم الحياة... وبقيت وحدي بعمر الأربعين قبل ان تشتري الحكومة منزلنا القديم ، لإقامة مشروع سكّة حديد.. فاستثمرت التعويض في البورصة.. واشتريت بالربح مطعماً صغيراً .. وبعد سنوات صار له فروع كثيرة ، جعلني من أثرياء البلد .. لكني عشت وحيداً من دونكم ، كما أشغلني العمل عن الزواج والإنجاب .. وعندما كنت احتضرّ في قصري بعمر السبعين ، إتصلت بالمحامي لتوزيع ثرّوتي على الجمعيّات الخيريّة ، لعدم وجود وريثٍ لي.. وبانتظار قدومه مع الأوراق الرسمية ، ظهر لي ملاك وهو يسألني عن أمنيتي الأخيرة ؟! فطلبت منه أن يعيدني طفلاً بزمن الماضي ، لأمنحكم الحياة التي حُرمتم منها ، ولأعوّضكم عن سنوات الشقاء.. وكل تلك الجوائز التي ظننتموها حظاً وافراً ، لم تكن سوى جزءاً من ثرّوتي ، جلبتها معي لرسم البسمة على وجوهكم.


ثم نظر الى الشاشة التي تقيس نبضاته المنخفضة :

- يبدو أن طاقتي نفدت ! وسأعود الآن إلى عمري الحقيقي.

وأغمض عينيه .. ليرتفع رنين جهاز القلب ، مُعلناً وفاته !


وفجأة ! كبرت ملامحه بسرعة...وشاب شعره...وامتلأ وجهه بالتجاعيد..لتبدو هيئته ككهلٍ كبير ، ممدّداً على السرير الطبّي ..


وقبل ان يستوعب اهله هول الصدمة ، أو يدركوا حقيقة ما جرى ! بدأت أجسامهم تتلاشى في الهواء ، الى ان اختفوا جميعاً من الغرفة .. فهم رحلوا قبل موته بسنوات! 


ليدخل الطبيب على صوت الجهاز ، ويجد العجوز ميتاً وعلى وجه ابتسامة الرضا .. فهو رغم عدم تغيّره القدر ، الا انه نجح بمنح عائلته حياةً أسعد مما عاشوه في واقعهم المرير !


الخميس، 17 سبتمبر 2026

حمامة السلام

كتابة : امل شانوحة 

قصة حقيقية ، تصلح للأطفال فوق سن 10

البطلة (شير آمي)


كانت رؤيتها مشوّشة من آثار غبار القنابل التي عبقت في سماء المعركة .. وأنفاسها مكتومة من آلام رصاصةٍ استقرّت في صدرها.. وساقها شبه مبتورة ، تتأرجح في الهواء .. بينما تمسك بكل قوتها برسالة الإنقاذ بقدمها الأخرى .. وهي تطير بصعوبةٍ بالغة بجناحها المكسور ، بعد فقدها الكثير من دمائها.


كل شيء كان يدعوها للإستسلام ، خاصة بعد أن لمحها جنود العدوّ الذين حاولوا إغرائها بالطعام لتهبط في معسكرهم.. لكنها أبت إلا أن تتمّ المهمّة ، ولوّ كلّفتها حياتها.. فهي الأمل الأخير لمئات الجنود الأمريكيين المُتمركزين خلف خطوط العدو ، الذين حاصروهم في صباح الرابع من تشرين الأول عام 1918 فوق غابة الأرجون الفرنسية.


والأسوأ من ذلك ، أن مدافع جيشهم الأمريكي قصفت موقعهم عن طريق الخطأ في تحديد مكان كتيبتهم التي انقطعت عنها جميع وسائل الإتصال .. 

مما أجبر قائدَهم الرائد تشارلز ويتلسي على استخدام آخر حمامٍ زاجلٍ لديه .. وهي الحمامة شير آمي (أيّ الصديق العزيز) بعد أن ربط رسالة الإستغاثة بقدمها ، جاء فيها :

((نحن على الطريق الموازي للنقطة 276.4.. مدفعيتكم تقصفنا مباشرةً.. أرجوكم أوقفوا القصف)) 


وبدورها كافحت الحمامة الشجاعة رصاصات العدو التي استهدفتها مباشرةً ، إلى أن نفّذت مهمّتها المستحيلة !

وفور قراءتهم الرسالة ، أوقفت القوات الأمريكية قصفها الخاطئ .. مُرسلةً جنودها لإنقاذ كتيبتهم الضائعة ، الذين عثروا عليهم متعبين وجائعين وجرحى... لم يتبقى منهم سوى 194 ناجياً ! 

^^^


وبعد إسعاف الحمامة الشجاعة ، وتركيب قدمٍ خشبية لمساعدتها على التوازن بدل رجلها المبتورة.. عادت مع الجنود إلى الولايات المتحدة ، وتمّ الإعتناء بها إلى أن ماتت عام 1919.. وحُفظ جسدها بعد تكريمها كبطلة حرب ، لتُعرض لاحقاً في متحف سميثسونيان

***



وبعد مئة عام ، وفي نزهةٍ مدرسيّة إلى المتحف.. وقف الطلاّب امام الحمامة المُحنّطة التي وُضع حول رقبتها وسام الشرف .. بينما يستمعون باهتمام لشرح أستاذهم حول بطولتها الجبّارة والنادرة.


ثم ختم الأستاذ كلامه :

((مهما صادفتم ظروفاً صعبة ، تمنعكم من تنفيذ مهامكم في الحياة .. فتذكّروا الحمامة شير آمي التي أصيبت في صدرها وجناحها ، وخسرت قدمها .. ورغم كل آلامها ، أصرّت على إيصال الرسالة ، وإنقاذ الكتيبة من موتٍ محقّق.. وبذلك استحقّت بجدارة وسام البطولة))


وهنا أدرك الصغار أن أعظم الأبطال ليسوا دائماً من يحمل السيوف والبنادق ، بل أحياناً يكون البطل.. مجرّد حمامةٌ شجاعة تحمل رسالة السلام !


الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

شوربة العدس

تأليف : امل شانوحة 

الحصّالة النقدية 


- أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دوري لأتذوّقها ؟!

فنظر إليه والده بعينيه المُتعبتين : 

- قدرُك أن تكون إبن حمّال ، يا بنيّ .. بالكاد تكفي أجرتي لتسديد مصاريف المنزل.. ألا يكفي أنني ربيتك وحدي بعد وفاة أمك ؟ هذا بدل أن تنزل للسوق لمساعدتي .. فأنت بلغت العاشرة ، وبإمكانك العمل في إحدى المحال التجارية 

الصبي بضيق : 

- ربما سأفعل يا أبي .. فقط لأملك المال ، لشراء طعامٍ غير شوربة العدس المقرفة.

***


وفي يوم عمله الأول كأجير في نقل الأغراض بمتجر الحيّ ، أعطاه والده حصّالة حديدية .. ونصحه بادّخار أجرته ، للإنتفاع بها مستقبلاً  

فوافق الصبيّ على اقتراحه .. وأجّل حلمه بتذوّق الحلويات ، لحين امتلاء حصّالته الصغيرة بالمال.

***


إلاً ان القدر كان له رأيٌّ آخر .. فقد توفيّ والده بعد سقوط صندوقٍ ثقيل فوق رأسه ، أثناء تفريغه البضائع من الشاحنة.. 

ولعجز الصغير عن دفع إيجار بيته ، تمّ نقله الى دار الأيتام.

***


بعد بلوغه سن 18 .. تسرّح اخيراً من الدار ، ليكافح بالعمل في ثلاثة وظائف معاً ..مع وضع أجورها في حصّالةٍ ، تُشبه هدية والده الراحل ..

فقد اصبح مهووساً بفكرة : أن يصبح غنياً قبل بلوغه سن الخمسين .. وحينها سيشتري كل ما حُرم منه في طفولته وشبابه.. 


ومن أجل تحقيق هدفه ، عاد بإرادته إلى شوربة العدس الرخيصة ، لتوفير ماله .. فهي أشهى من العصيدة المقرفة التي كبر عليها في الميتم !

***


في سن الشباب .. حاول أصدقاؤه مراراً دعوته الى المطاعم .. لكنه رفض ، خوفاً من تعوّده على المذاق اللذيذ .. فيخسر بذلك مدّخراته التي جمعها ، لأجل ثرائه المستقبليّ .. حتى حينما يعزمونه على حسابهم ، يعتذر للسبب ذاته .. 

ولهذا ايضاً رفض فكرة الزواج ، مُبرّراً للآخرين : 

- لست بخيلاً كأبي ، لكن لديّ طموح بالثراء قبل أن أصبح عجوزاً 

***


وبالفعل ، أثمر ذكاؤه التجاري وساعات عمله الطويلة الى تحويله من أجيرٍ صغير إلى صاحب متجرٍ اتسع مع الأيام ، ليصبح أكبر سوبرماركت في المنطقة 

***


وبعيد ميلاده الخمسين .. وقف مزّهواً بنفسه امام اصحابه الذين دعاهم الى قصره (الذي اشتراه حديثاً) بجانب مائدةٍ طويلة مليئة بأفخر أصناف اللحوم والأطباق التي حلم بتذوّقها طوال حياته.. 

وألقى بغرور خطاباً عن عصاميته ، وبنائه ثرّوته بعد سنواتٍ من الصبر والشقاء .. ليكون الوحيد بين أقرانه الذي صنع مملكته بنفسه.


وبعد تلقيه التهاني من اصحابه .. وضع أول لقمة لحمٍ فاخر في فمه..

وماهي إلا لحظات ، حتى شعر بآلامٍ حادة ومفاجئة .. جعلته يسقط أرضاً ، وسط ذهول الحاضرين ! وينقلوه فوراً إلى المستشفى طوارئ.

^^^


وهناك ، صدمه الطبيب بعد ظهور نتائج الفحوصات : 

بأن معدته التي اعتادت لعقودٍ طويلة على التقشّف القاسي وتناول صنفٍ واحد ، فقدت قدرتها على إفراز الإنزيمات اللازمة لهضم أيّ طعامٍ آخر ! ولهذا تستوجب حالته الصحية ، تناول الشوربات لبقيّة حياته 


فعاد الرجل إلى قصره مكسور الخاطر ، وهو يشعر بقهرٍ كبير 

***


وفي ليلة رأس السنة .. وقف أمام نافذته الزجاجية ، وهو يراقب خدمه يتناولون أشهى المأكولات في حديقة قصره.. بينما يمسك بطبقٍ ساخن من شوربة العدس ، وهو يتمّتم بندمٍ وحسرة : 

((كنت أكرَهُ أبي ، لإجباري على تناول الشوربة طوال طفولتي.. ثم تناولتها في شبابي باختيارٍ مني.. والآن أصبحت وجبتي الإجبارية لما تبقى من حياتي ! ليتني عشت كل يومٍ بيومه .. فما حاجتي لثروةٍ لا يمكنني يوماً الإستمتاع بها))


ثم اخذ رشفة من شوربته .. وهذه المرة لم يشعر بطعمها ، بل كانت أشبه بسكين غرزت في روحه الحزينة !


هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...