الثلاثاء، 28 يوليو 2026

مسابقة الجوهرة

تأليف : امل شانوحة 

فيديو عن مقدمة برنامج (كريستال ميز) 


في تسعينات القرن الماضي.. إنشهر برنامج المسابقات (كريستال ميز) الذي تابعه الملايين .. حيث يتوجّب على المتسابقين الفوز بكريستالات من عدة غرفٍ تحوي تحدّياتٍ مختلفة.. لحين وصولهم للقبّة الماسيّة في نهاية البرنامج ، لتقاسم الجائزة المالية 


وفي احدى حلقاتها الإستثنائية .. إجتمع ١٢ مغامراً ، إكتشفوا بالصدفة انتماء كل واحدٍ منهم لبرجٍ فلكيّ مختلف !

 

في البداية .. تنافس ٣ شباب على قيادة المجموعة ، من الأبراج التالية : الأسد والعقرب والحمل

فاعترض العقرب :

- برج الحمل ، معروفٌ عنك قراراتك متهوّرة .. وإن اصبحت قائدنا ، سنخسر المسابقة سريعاً

فدافع عنه برج الأسد :

- صحيح ان ذكائك يا عقرب استراتيجي ، لكنك تفقد اعصابك سريعاً .. اما انا ، فقائدٌ بالفطرة ..والجميع يعلم عني ذلك

العقرب ساخراً : اذاً اتحفنا بقراراتك الحكيمة 

الاسد : دعنا اولاً نكتشف تحدّي الغرفة الأولى .. ومن بعدها أحدّد المشترك القادر على حلّ لغزها

^^^


وبعد الإتفاق على كون الأسد قائدهم .. 

نظر المتسابقون الى الغرفة الأولى ، من خلال نافذتها الزجاجيّة الخارجية: 

ليروا عشر حبالٍ ملونة ، متشابكة بشكلٍ مُعقّد .. وكل حبلٍ ينتهي بمفتاحٍ مختلف.. والمطلوب : هو تحرير الحبل الأحمر ، لفتح قفل صندوقٍ زجاجيّ يحوي الجوهرة الأولى..

فقال الأسد :

- هذه التحدّي يحتاج لصبرٍ وقوّة تحمّل .. والأفضل توكيل المهمّة لبرج الثور 


فدخل الثور الى الغرفة بثقة ، بعد طلبه الهدوء من زملائه

ثم جلس على الأرض ، وهو يفكّ العقدة تلوّ الأخرى دون استعجال.. وحين اوشك التوقيت على الإنتهاء ، ارتبك قليلاً .. وحبس الجميع أنفاسهم ، خوفاً من احتجازه بالغرفة .. لكنه ظلّ متماسكاً ، رغم الوضع المُتوتّر .. وأنهى تحرير الحبل الأحمر ، مستخدماً مفتاحه لفتح الصندوق..

ثم خرج وهو يرفع الجوهرة ، وسط تصفيق زملائه.

^^^


في الغرفة الثانية : تواجد حاسوب ، عليه عشرات المسائل الرياضية الصعبة .. وحلّها سيؤدي إلى تحريك الجوهرة ، داخل أنبوبٍ زجاجيّ طويل نحو المخرج 

فرفع الجدي يده ، قائلاً بفخر :

- انا خبير بالمسائل الحسابية

الأسد : اذاً اثبت ذلك بالحال  


وبالفعل تمكّن الجدي بوقتٍ قياسيّ من حلّ معظم المسائل الرياضية .. لكنه تعثّر في إجابة المسألة الأخيرة .. فأخذ نفساً طويلاً ، مُستعيداً تركيزه التحليلي قبل طباعته الناتج الصحيح .. عندها تدحرجت الكريستالة الى يده .. وخرج الى اصدقائه منتصراً بالجوهرة الثانية 

^^^


ثم توجهوا للغرفة الثالثة ، المليئة بالأسلاك الكهربائية وبطاريات ومفاتيح تشغيل..

ودون تردّد ، دخل الدلو الى الغرفة ..وهو يقول لزملائه :

- لا تخافوا ، الإبتكار هو اختصاصي  


وسرعان ما أوصل الأسلاك بهدوء ، وهو يدنّدن مستمتعاً بالعمل .. الى ان تمكّن من اضاءة المصباح الأحمر 


ليخرج بعد قليل .. وهو يعطي الجوهرة للأسد ، ويسأله ممازحاً : 

- هل يمكنني العودة للغرفة ؟ فاللعبة كانت ممتعة بالفعل 

الأسد : لا وقت نضيعه ، علينا انهاء بقية الغرف

^^^


وفي الغرفة الرابعة :

ظهرت على الشاشة صورٌ لفساتين قديمة ، ملتقطة بكاميرا الأسود والأبيض ..وعلى المشترك تحديد لونها الأساسي

فقال قائد الأسد :

- أقترح دخول برج الحوت ، فهم معروفين بحدسهم القوي


وبالفعل استطاعت المتسابقة من خلال ظلال الصور وتدرّجات اللون الرمادي ، من تخمين الوان الفساتين الحقيقية التي فشلت في إظهارها الكاميرات القديمة.. 

وخرجت بعد مضيّ نصف الوقت ، منتصرة بالجوهرة

^^^


في الغرفة الخامسة.. كانت اللعبة عبارة عن بطاقاتٍ تُقلب اوتوماتيكاً لبضعة ثواني ، قبل انغلاقها من جديد   

وعلى المتسابق العثور على البطاقتيّن المتشابهتين ضمن المجموعة


وهنا رفعت الصبية يدها ، وهي تقول لقائدها :

- لا احد لديه قوّة الحفظ مثلي.. فعقل برج السرطان أشبه بذاكرة فيل

فوافقوا جميعاً على دخولها الغرفة..


وبالفعل استطاعت بسهولة كسب المسابقة ، قبل نهاية توقيت المسابقة

^^^


في الغرفة السادسة ، إحتوت على ميزانٍ ضخم وأكياس بأوزانٍ مختلفة.. 

فنظرالأسد للعقرب ، وهو يقول :

- أنت أقوانا جسداً ، وأشدّنا إرادة 

العقرب بغرور : وانا على قدر المسؤولية


دخل الغرفة ، وبدأ بحمل الأوزان الثقيلة أولاً.. ثم أعاد توزيعها بذكاء ، حتى رجّحت إحدى كفتيّ الميزان .. فتدحرجت الجوهرة إليه.


ورغم خروجه من الغرفة متعباً ، الا انه كان فخوراً بإنجازه 

^^^


أما الغرفة السابعة ، فكانت أرضيّتها تتبدّل ألوانها بسرعة .. وعلى المشترك القفز فوق البلاطات الخضراء ، قبل تحوّلها إلى الأحمر.

فقال الحمل متحمّساً :

- لا احد لديه سرعة اتخاذ القرار ، مثلي !! وانا قادر على الفوز بالمسابقة

الأسد : كنت سأختارك بجميع الأحوال.. هيا ادخل يا بطل ، وأرنا براعتك


وبالفعل تمكّن بسرعة من تجاوز الممرّ الملون .. لكن في القفزة الأخيرة كاد يفقد توازنه ، الا انه تدارك نفسه .. وانتزع الجوهرة التي خرج بها من الغرفة ، قبل ثوانٍ من انتهاء توقيت المسابقة 

^^^


في الغرفة الثامنة .. كان فيها جدار تسلّق ، تظهر مقابضه وتختفي باستمرار.. وفي حال سقط المتسابق نحو الشباك اسفل الجدار ، فأنه سيعلق داخل الغرفة ويُحرم من الوصول للمسابقة النهائية 


ورغم وجود مخاطرة جسدية ، الا ان القوس أصرّ على اتمام المهمّة

حيث تمكّن بسرعة الوصول للأعلى .. لكن الإختفاء المفاجئ للمقبض تحت يده ، جعله يقفز قفزةً جريئة نحو القمّة التي انتزع منها الجوهرة .. قبل نزوله بسرعة باتجاه الباب ، متجنباً صافرة نهاية المسابقة بثواني قليلة !

^^^


الغرفة التاسعة : كانت عبارة عن مكتبٍ فوضويّ.. وعلى المتسابق اكتشاف مكان الجوهرة المخبأة بين مقتنياته المتعددة .. 

العذراء بثقة : الدقّة والتحليل البوليسي ، هي موهبتي

الأسد : اذاً ادخل .. ونحن سنلتزم الصمت ، لتركيزك بالأدلة


وعندما دخل العذراء .. وجد مكتوباً على السبورة جملة ، هي طرف الخيط لحلّ اللغز :

((معي تسافر عبر العصور والأفكار))  

فقال العذراء بصوتٍ عالي ، ليسمعه زملائه من خارج الغرفة

- الجملة تشير الى الكتب !! 


ثم توجّه للمكتبة ، وبدأ بقراءة أغلفتها .. الى ان وجد رسالة اخرى مُلصقة بإحداها:

((معي تتذوّق البارد والساخن))


فتوجه بسرعة ناحية الأكواب المكدّسة بزاوية الغرفة .. وهو يرفع كل واحدة منها ، للنظر اسفل قاعدتها .. الى ان وجد الرسالة التالية :

((تراني من الخارج جميلة ، لكني اعاني من وحدتي المظلمة))


توقف العذراء لثوانٍ ، وهو ينظر حوله بتركيزٍ شديد ..تحت ضغط الوقت المتبقي ، قبل صراخه بحماس :

- إنها اللوحة الزيتية !! 


والتي عثر خلفها ، على خزنةٍ في الجدار.. وعندما فتحها ، وجد بداخلها الجوهرة .. فخرج من الغرفة مُهلّلا ، بعد حلّه اللغز لوحده

^^^


وفي الغرفة العاشرة : كان بداخلها شاشة كمبيوتر ! 

وعلى المتسابق إجراء حوارٍ كامل مع الحاسوب ، بحيث تكون جميع الردود على هيئة اسئلة .. وأيّ جملة خبرية ، تعني الخسارة الفورية..

الأسد بقلق : من يستطيع منافسة ذكاء كمبيوتر ؟!

فرفع الجوزاء يده : 

- سرعة الكلام والمناورة اللفظية ، هي ملعبي .. دعني أُجرّب حظي

فأدخله الأسد ، رغم شكوكه بإمكانية احد التغلّب على ذكاء الآلة ..


وفور ضغط الجوزاء زرّ البدء ، سأله الكمبيوتر ساخراً :

- هل تظن أنك ستغلبني ؟ 

الجوزاء : وهل تشكّ في قدرتي على ذلك ؟ 

- ألا تعرف براعتي بمعالجة النصوص ؟ 

- وهل مهارتك تمنعك الوقوع في الخطأ ؟


واستمرّ الجدال بينهما لدقيقتين .. الى ان سمح النظام البرمجي بفتح قفل الدرج الذي بداخله الكريستالة .. 

ليخرج الجوزاء بالجوهرة العاشرة ، وسط ذهول زملائه !

^^^


في الغرفة 11 : تواجد بداخلها مدير البرنامج ذاته ، الذي اخبرهم من خلال الميكروفون : 

- لن يحصل على الجوهرة ، إلا من يقنعني بحوارٍ دبلوماسيّ راقي 


ورغم عدم فهم المتسابقون لنوع المسابقة ! الا ان الميزان أصرّ على الدخول ، وكله ثقة بنجاحه

- انا لديّ الذكاء الإجتماعي التي ستجعل المدير يسلّمني الجوهرة بكل قناعة


فأدخله الأسد الغرفة .. حيث أجاب الميزان على أسئلة المدير المُستفزّة بلباقةٍ عالية .. جعلته يبتسم ، وهو يسلّمه الجوهرة  

^^^


بنهاية غرف الألغاز .. جمَع الفريق 11 كريستالة التي منحتهم 55 ثانية ، داخل القبّة الماسية الضخمة ..


حيث بدأت المراوح العملاقة بقذف مئات الرقاقات الذهبية في الهواء .. وكان أمامهم دقيقة واحدة ، لجمع أكبر عددٍ منها.


فبدأ الجميع بالقفز ، في محاولة للإمساك بالرقاقات المتطايرة.. 

ماعدا الأسد الذي فضّل التمدّد فوق فتحة المروحة ، بعد فتح ازراره.. جعلت الهواء يدفع الرقاقات ، لتتجمّع معظمها داخل قميصه ! 

الى ان توقف كل شيء مع صافرة النهاية 

^^^


ثم بدأ المذيع بعدّ الرقاقات التي جمعوها ، دون تجاوز احدهم العشر رقاقات 

وحين جاء دور الأسد ، رفع قميصه .. ليسقط عددٌ كبيرٌ منها ، يوازي ضعف المطلوب بالمسابقة ! 


فتعالت الصيحات والتصفيق للأسد الذي أثبت أن القيادة الحقيقية هي بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب .. مع استغلال مواهبهم الخاصة ، حسب ما يميّز ابراجهم المختلفة 

***


لاحقاً ، سُجّلت هذه الحلقة رقماً قياسياً في نسب المشاهدة .. الى ان أصبحت من أكثر حلقات ((كريستال ميز)) شهرةً في تاريخ برامج المسابقات الترفيهية حول العالم !


الأحد، 26 يوليو 2026

مخيّم المهجرون

فكرة امي : آمنة الخالدي
كتابة : امل شانوحة 

الأحلام المدمّرة


كان مخيم المهجّرين ممتلئاً بالخيام المهترئة ، التي تعود ملكيتها لمواطنين ينتمون لطوائف مختلفة وأحزابٍ تابعة لبلدٍ يعاني من حربٍ اهلية ..


وبسبب اختلاف معتقداتهم وانتمائاتهم الحزبية ، لم تتوقف المشاحنات بعد وصولهم للمخيّم .. وعادةً ما تتحوّل نقاشاتهم اليومية الى اتهامات وتخوين ، يعيدهم لأجواء الحرب التي فرّوا منها ! 

***


وبذلك العصر.. قرّر ثلاثة آباء من طوائف مختلفة التخلّي عن تعصبهم الدينيّ والحزبيّ ، وشرب الشاي معاً الذي سخنه احدهم فوق موقد المازوت أمام خيمته.. وهم يراقبون ابنائهم يلعبون كرة القدم فوق أرضٍ موحلة ، وهم يضحكون ويتعثرون ثم ينهضون من جديد ، دون اهتمامهم بطائفة وحزب الولد الآخر .. بل اعتادوا مقاسمة العابهم وطعامهم ، وحتى حلواهم التي توزّع من وقتٍ لآخر من الجمعيات الإنسانية ، وكأنهم إخوة متحابين !


فقال أحد الآباء بحسرة:

- لا ادري كيف صدقنا كلام زعمائنا الحزبيين الذين ورطّونا في حربٍ تافهة .. بينما هرّبوا أبناءهم وأموالهم إلى الخارج ، دون اهتمامهم لآلاف المهجرين الذين يعيشون في مخيّماتٍ متفرقة ؟!

فردّ الثاني : 

- ليتنا تعلّمنا الإندماج الوطني من هؤلاء الصغار


وقبل أن يشارك الأب الثالث الحوار ، ارتفع صوت الزغاريد من الجهة الأخرى من المخيّم ! حيث انشغلت النسوة بزفّ العروس التي خاطوا لها فستاناً ابيضاً بسيطاً.. ولم يدم العرس اكثر من بضعة دقائق ، قبل دخول العروس الى خيمة زوجها وهي تحمل بقجة ملابسها .. 

ثم ساد الهدوء في المخيّم من جديد ، كأن شيئاً لم يكن ! 


فنظر الرجال الثلاثة إلى بعضهم ، قبل ان يقول أحدهم:

- هل لاحظتم دموع العروس ؟

فأجاب الثاني بشفقة :

- لابد أنها حلمت بهذه اللحظة طوال عمرها... لكنها لم تتخيّل أن يكون زفافها بهذا البؤس.. كان الله في عونها

وأضاف الأب الثالث ، وهو يراقب الأطفال الملطّخين بوحل المخيّم:

- الحرب حطّمت أحلامنا جميعاً 

ثم ساد الصمت بينهم 

***


وفي تلك الليلة...استيقظت أمٌ مهجّرة على همسات ولديّها ، وضحكاتهما الخافتة داخل الخيمة..

فعاتبتهما بنعاس :

- هيا ناما !! لقد تأخر الوقت

ابتسم ابنها الأكبر ، قائلاً : 

- تأخر الوقت على ماذا ، يا أمي ؟ هل لدينا مدرسة صباحاً ؟ نحن هنا لا نفعل شيئًا سوى الأكل واللعب والنوم... دعينا نسهر قليلاً ، فلا مستقبل نخسره


فشعرت الأم بوخزٍ في قلبها من شدة قهرها على ولديّها اللذين نزحا معها للمخيّم ، قبل أيامٍ فقط من موعد امتحاناتهما النهائية ، بعد ان تحوّلت مدينتهم إلى أنقاض.

وهنا قال صغيرها :

- امي ، لم تسألينا لماذا كنا نضحك 

فسألته : ولماذا ؟

ابتسم ابنها ببراءة :

- كنت أقول لأخي ، إننا ارتحنا أخيراً من ترتيب غرفنا كل صباح.. فهنا لا توجد أسرّة نُرتّبها ، ولا خزائن نعيد الملابس إليها.. وحتى الاستحمام أصبح نادراً ، لقلّة مياه المخيّم.. برأيّ الحياة هنا أسهل بكثير


وانفجر الشقيقان بالضحك مجدداً .. بينما ادارت الأم ظهرها ، حتى لا يريا دموعها وهي تتذكّر منزلها المرتّب ، بمفروشاته الجميلة التي اختارتها بنفسها .. وغرف ولديّها المليئة بكتبهما المدرسية والعابهما المتنوعة .. لكن كل ذلك اختفى بثواني بصاروخٍ غادر !


وأدركت أن الحرب لا تهدم البيوت فقط ، بل تهدم الأحلام والمستقبل والرغبة بالحياة... بينما يواصل من اشعل الفتنة حياتهم بشكلٍ طبيعي خارج الخيام ، دون اهتمامهم بمن دفع الثمن غالياً لقراراتهم المتهوّرة !


الجمعة، 24 يوليو 2026

خيارات الوفاة

تأليف : امل شانوحة 

الرحلة الأخيرة


في منتصف الرحلة الجويّة .. ظهر صوت قائد الطائرة ، وهو يقول بارتباك :

- أيها السادة الركّاب ... أعتذر منكم... أحد أفراد الطاقم يهدّدني بسلاحه ، ويجبرني على الهبوط فوق البحر ! ادعوا الربّ أن يُنجينا من هذا البلاء


وفجأة ! حلّ مكانه صوت المضيف الإرهابيّ ، وهو يقول ببرود :

- نلتقي قريباً في الجحيم


واثناء ارتفاع صرخات الركّاب ، أسرع جاك بربط حزام امانه.. قبل تتطايّر من حوله من مقاعدهم مع انقلاب الحقائب من المخازن العلوية ، فور الهبوط الإجباري نحو الأسفل !

وقبل ان يستوعب جاك ما يحصل ، حلّ الظلام فور ارتطام الهيكل بسطح البحر


وبثواني ! خلت مقصورة درجة رجال الأعمال (التي يجلس فيها) من الركّاب ! مع بقائه وحده مُثبّتاً بكرسيه ، اثناء غرقه ببطء نحو عمق البحر 

وآخر شيءٍ صرخ به ، قبل انقطاع انفاسه :

- لا اريد الموت غرقاً !!!!


ليستيقظ في مقعده والعرق يتصبّب من جبينه ، على صوت المضيفة التي تربت على كتفه : 

- استيقظ لوّ سمحت ، فأنت ترعب الركّاب بصراخك


فعدّل جلسته وهو يتنفّس الصعداء ، بعد علمه بسلامة رحلته الجويّة .. محاولاً تجاهل نظرات الإنزعاج من بقية الركّاب ، بعد صراخه من كابوسه المفزع


وكان اول ردّة فعلٍ لجاك ، ان فكّ حزام مقعده (الذي كان مُثبّتاً اثناء غفوته)

بهذه الأثناء .. لمح رجلاً يلبس عباءة وشماغٍ اسوديّن ، قادماً من مقصورة ركّاب الدرجة الأولى.. حيث بدى وكأنه انتقل من العصور الماضية ، بعيونه الكحيلة الحادة وزيّه الشعبي القديم !

والذي ظلّ يركّز نظره على جاك .. الى ان وصل بجانب كرسيه 


ثم انحنى نحوه .. دون تمكّن جاك من التحرّك ، كأنه التصق بكرسيه من الموقف المرعب ! 

وهمس بإذن جاك :

- لم يكن كابوساً ، بل كانت رؤية قدريّة.. فجميع الركّاب سيموتون خلال دقائق ، بعد غرق الطائرة بالبحر 

فسأله جاك مرتجفاً :

- من انت ؟!

- ملك الموت


وكانت ابتسامته المرعبة ، كفيلة بجعل جاك يصرخ بعلوّ صوته :

- لا اريد الموت الآن !! رجاءً أجّلني لزمنٍ آخر

- توقيت الوفاة لا يتأخّر ثانيةً واحدة .. وقد قُدّر موتك اليوم في هذه الرحلة الجوية .. الشيء الوحيد الذي يمكنك اختياره ، هو طريقة موتك داخل الطائرة .. وطالما لم يعجبك الموت غرقاً ، يمكنك تجربة اسلوباً آخر

فرد جاك بيأس :

- ايّ شيء اهون من غرقي في ظلام البحر الموحش

فصفّق الملك بيديه..


ليفتح جاك عينيه مع اختفاء الرجل الغامض ! فظن انه رأى كابوساً آخر.. الا ان امله تلاشى ، بعد سماعه صرخات ركّاب الدرجة السياحية.. 


ولم يمضي وقتٌ طويل حتى دخل رجلٌ مقنّع الى مقصورة رجال الأعمال بعد فتح ازرار قميصه ، لتظهر قنبلةٌ موصولة بجسمه .. وهو يصرخ مهدّداً :

- سأفجّر نفسي وأقتلكم جميعاً ، ايها الكفار الملاعيين !!

فتمّتم جاك بضيق :

- رائع ! سأموت هذه المرة مُنفجراً لأشلاءٍ صغيرة

وقبل ان يكمل جملته ، علت تكبيرات الإرهابي الذي دمّر الطائرة بالحال


وهنا فتح جاك عينيه ، بعد سماعه صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار هذه الطريقة لموتك ؟

جاك : لا طبعاً !! لا اريد ان أتحوّل لذرّات تتطاير بالهواء

الملاك مُتأفّفاً :

- يبدو انك ستتعبني.. حسناً اذاً ، لنخترّ طريقةً اخرى

ثم صفّق بيديه


ليفتح جاك عينيه وهو يشعر بانكتام انفاسه ، بعد تصاعد دخان من مقصورة الدرجة الأولى ! حيث فهم من صراخ المضيفة : ان ثريّاً سكراناً اطفأ سيجارته بالخطأ في كأس الويسكي ، أدّت لاشتعال ملابسه ! 

بينما تحاول المضيفة الأخرى اطفائه ، مع علوّ صرخاته المؤلمة.. 


وبأقل من دقيقتين ، اشتعلت مقاعد مقصورة الدرجة الأولى بالكامل ..مع صعوبة تنفّس بقية ركّاب مقصورتيّ الدرجتين التاليتين ، اللتين امتلئتا بالدخان الكثيف 

كما ان وصول الدخان الى مقصورة الطيّار ، جعلت الطائرة تترنّح يميناً ويساراً مع بكاء الركّاب الخائفين 


وقبل ثواني من وصول النار الى جاك ، استيقظ مرتعباً على صوت ملك الموت يسأله :

- هآ ، ما رأيك ؟ هل تختار...

جاك مقاطعاً بعصبية :

- ومن الأحمق الذي يفضّل الموت احتراقاً ؟!

الملك ساخراً :

- معك حق ، ليس من العدل ان تحترق دنيا وآخرة.. اذاً ما رأيك بهذه الطريقة؟


وأكمل جاك الكابوس ذاته.. لكن هذه المرة تمكّن الهرب من النيران بآخر لحظة ، بعد نجاح المضيفون من إخمادها بطفايات الحريق المخصّصة للطوارئ .. لكن تدافع ركّاب مقصورة الدرجة الأولى للهرب من الدخان الكثيف ، أوقعت جاك ارضاً وهو يصرخ متألماً بعد دهسه بالأرجل.. 


وقبل لفظ انفاسه الاخيرة بعد تكسّر عظام ظهره ، استيقظ من كابوسه مرتعباً ! ليُسرع بشدّ عباءة ملك الموت بعصبية :

- بالتأكيد لا اريد الموت دهساً بالأقدام ، كأنني حشرةٌ قذرة !! 

الملك :

- اهدأ قليلاً.. عليك اختيار احد الطرق السابقة ، لكتابتها بتقرير موتك

جاك : وهل انا الوحيد الذي سيموت بهذه الرحلة ؟

- بل جميع الركّاب

- اذاً لماذا تركّز عليّ ؟

الملك : انظر مجدداً


وأشار الى الركّاب خلفه.. لينتبه جاك لأول مرة ، بوجود ملائكة الموت بجانب كل راكب ، وهم يعطونه الخيارات لطريقة الوفاة !

جاك بدهشة : كم عزرائيل يوجد في الدنيا ؟!

الملك : واحد فقط .. وانا وزملائي ، جنوده .. هو يعطينا قائمة بأسماء الأشخاص الذين علينا قبض ارواحهم كل يوم .. ونحن ننفذ اوامره ، حسب ما كتبه الله في اقدارهم 

جاك : وهل مكتوب بالسجلّ الذي تحمله ، طريقة موتي ؟


فقلّب الملك صفحات ملف جاك الذي يحمله : 

- مكتوبٌ عندي .. تاريخ وفاتك ، والمكان الذي سأقبض روحك فيه.. ولهذا انت مُلزم بالموت ضمن هيكل الطائرة.. وليس لديك خيارات كثيرة لطريقة الوفاة

جاك بيأس : انا احاول فقط إختيار أقلّها إيلاماً

- هذا موت يا عزيزي.. سيؤلمك خروج الروح من جسدك لبضعة دقائق ، قبل شعورك بالراحة الأبدية.. لذا استرجل قليلاً ، ودعني أُنهي مهمّتي بسلام


فمسح جاك دمعته .. ثم أخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول بحزن :

- طالما موتي مقرّراً هذا اليوم بجميع الأحوال ، فأريد طريقة اكثر رحمة من الموت غرقاً او حرقاً او تفجيراً او دهساً بالأقدام


ففكّر الملك قليلاً ، قبل ان يقول : 

- حسناً ، يوجد طريقةٌ اسهل .

وعاد لتصفيق يديه من جديد


وعندما فتح جاك عينيه.. وجد نفسه في مقعده وهو يمسك بطنه متألماً ، بجانب طعامه المتبقي على الصينية.. وهو ينادي المضيفة صارخاً:

- ماذا يوجد بالطعام ؟!! فبطني يتمزّق من الألم 

فصارت تعدّد له المكونات المكتوبة في قائمة الغداء .. الى ان اوقفها منصدماً :

- ماذا قلتي ؟! هل الدجاج مطبوخ بالفول السوداني ؟

المضيفة : نعم سيدي.. على الطريقة الهندية

جاك : انا لديّ حساسية منه.. احتاج لحقنتي فوراً ، والا سأموت في الحال


فساعدته بإنزال حقيبته الصغيرة من المخزن العلويّ فوق مقعده.. الا انه تفاجأ بأن محلول حقنة (الإبينيفرين) انكسر بضغط الهواء ! 

فصار يتلوّى بألم ، قبل ظهور ملك الموت من جديد :

- هآ يا جاك.. هل تفضّل الموت بهذه الطريقة ، لكيّ اكتبها في تقريري..

لكن جاك قاطعه ، بعد إمساك عباءته بعنف :

- لا طبعاً !! لا اريد الموت مسموماً.. إلغي الطريقة بالحال ، فمعدتي تكاد تنفجر !!


وفجأة ! اختفت جميع آلامه .. بينما الملك يتأفّف بجانبه :

- لقد اتعبتني يا جاك ! إخترّ ايّة طريقة .. وعشّ التجربة كاملةً ، لحين خروج روحك تماماً.. وبذلك تنتهي وظيفتي معك ... (ثم اشار بيده) ..انظر خلفك


فرأى جاك جميع الركّاب موتى في مقاعدهم !

الملك : جميع زملائي انهوا مهمّاتهم ، وعادوا للسماء ..وانت مازلت متردّداً باختيار طريقة موتك ! وكل ما عليك فعله ، هو تحمّل الألم قليلاً ..الى ان ينتهي عذابك بهذه الدنيا المتعبة


ففكّر جاك قليلاً ، قبل ان يقول :

- نعم وجدتها !! فقدان الوعيّ حتى الموت

الملك مستفسراً : وكيف سيحصل ذلك ؟

جاك : دعّ الطائرة تهبط بسرعة للأسفل بشكلٍ عاموديّ..وسيؤدي تغيّر الضغط داخل المقصورات الى جعل جميع الركّاب ، بمن فيهم الطيّار يفقدون وعيهم.. وبذلك نموت جميعاً اثناء نومنا دون رعبٍ او ألم

- حسناً ، كما تشاء يا جاك.. سأكتب الطريقة المختارة في تقريري.. وبعد قليل اسحب روحك معي الى السماء.. القاك لاحقاً


ثم اختفى الملاك مع إغماض جاك عينيه ..ودموعه تسيل على خده ، لعلمه بعدم وصوله مطلقاً الى وجهته او رؤية اهله من جديد..


وفجأة ! شعر بتغيّر ضغط الهواء .. جعلت الأصوات من حوله تضعف ، والوجوه تتلاشى .. قبل استسلامه لنومته الأبدية 


الأربعاء، 22 يوليو 2026

الحرارة المختلفة (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

البيئات المتناقضة


في شحن الطائرة ، تمّ نقل بعض الطيور المميزة الى حديقة حيواناتٍ جديدة.. حيث تواجد صقرٌ صحراويّ مع بطريق تشعر بالحرّ الشديد ، وهي تلوّح بمروحتها الورقيّة بانزعاج :

- لا !! لم اعدّ أتحمّل هذه الحرارة

وتوجهت نحو المكيّف المتواجد هناك ، وأدارته لأعلى درجة تبريد .. ثم عادت الى مكانها ، وهي تقول بارتياح :

- هكذا افضل !!


لكن البرد الذي تزايد بمخزن الطائرة ، جعل الصقر يتلحّف بالبطانية بعد استيقاظه من غفوته وهو يشعر بالبرد الشديد ! وحين لاحظ برودة المكيف ، اسرع الى هناك لإطفائه


لتعانده البطريقة بتشغيله من جديد ! 

فيعود الى هناك ، لإطفائه وهو يهدّدها :

- احلف ان ادرته ثانيةً ، بأن آكلك

البطريقة : اساساً انت غريب الأطوار.. فجناحاك قويان ، ويمكنك التحليق بهما لأجمل الأماكن ..ومع ذلك فضّلت البقاء بحرارة الصحراء الخانقة ، التي تندر فيها المطر والبحيرات .. عدا عن الثعابين والعقارب المخيفة !

الصقر : تتكلّمين وكأنك تعيشين في الجنة.. بينما الدببة والحيتان تهدّد حياتك كل يوم ، عدا عن البرودة القاتلة بالقطب الجنوبي

- على الأقل لدينا مياهٌ عذبة

- وانا لديّ شمسٌ تدفئني طوال النهار

- يبدو كلانا منسجماً ببيئته الصعبة !

الصقر بقلق : المهم ان يراعي مسؤولي حديقة الحيوان ، إختلاف طبائعنا


ففكّرت قليلاً وهي تمسح عرقها ، قبل ان تقترح عليه تشغيل المكيف على درجة متوسطة تناسبهما معاً .. 

فوافق على اقتراحها.. 

وبذلك لم تعد البطريقة تشعر بالحر ، ولم يعد الصقر يرتجف من البرودة


ثم تحدثا لبقية الرحلة عن البحار المتجمّدة والكثبان الرملية .. ومخاطر الصحراء والعواصف الثلجية .. والنجوم والحيوانات التي شاهداها طوال حياتهما.

^^^

وفور هبوط الطائرة في المطار ، تعاهدا على البقاء صديقين مقربيّن 

وآخر ما قاله الصقر بهذه الرحلة الجوية : 

- في حال سافرت يوماً الى القطب الجليديّ ، سأحرص على إحضار اسمك بطانية معي

البطريقة ممازحة : وانا .. في حال فقدت عقلي وسافرت لعالمك المخيف ، فسأربط في خاصرتي اقوى مكيف صحراويّ


ثم سلّما على بعضهما بعد ان نشأت بينما علاقة فريدة ، جعلتهما من أعزّ الأصدقاء بعد استقرارهما في حديقة الحيوان .. عقب إدراكهما بأنه حتى لوّ اختلفنا في الطباع والأذواق ، مازال بإمكاننا إيجاد جوانب مشتركة بيننا !


الاثنين، 20 يوليو 2026

زنزانة بلا مفتاح

تأليف : امل شانوحة 

الحرّية المشروطة


استيقظ من نومه بعد شعوره ببردٍ مفاجئ ، ليجد نفسه في زنزانةٍ حجريّة ! 

فتساءل بخوف :

- كيف وصلت الى هنا ، بعد ان كنت نائماً في بيتي الدافىء ؟!


وحاول مراراً تذكّر جريمته التي اوصلته للسجن ، دون جدوى ! فلا يوجد بعقله سوى ذكريات طفولةٍ عادية ، وسنوات من الدراسة المتواصلة ، وبحثه المتواصل عن وظيفةٍ لائقة !


واثناء استغراقه بالتفكير ، سمع مفتاحاً يُدار في قفل بابه الحديديّ ...

لينصدم برؤية الحارس الذي يشبهه تماماً ، كأنه اخوه التوأم !

فسأله برعب : من انت ؟!

فأجابه الحارس وهو يشير لزيّه الرسمي :

- الا ترى بأني سجّانك ؟

فخاف الرجل ان يسأله عن سرّ التشابه بينهما : 

- ولما أحضرتموني الى هنا ؟ فأنا لم ارتكب ايّ ذنبٍ يستحق السجن عليه !

الحارس : انت الوحيد الذي يعرف الإجابة

- لكني لا اتذكّر شيئاً !

فوضع الحارس بين يديّ السجين ، ملفاً ورقياً وهو يقول :

- هذا سيجعلك تتذكّر ماضيك 

وقبل خروجه من الزنزانة ، التفت للسجين قائلاً : 

- على فكرة !! يمكنك الخروج من هنا متى تشاء ، فأنت وحدك تملك مفتاح حرّيتك .. لكن عليك اولاً ، تمزيق جميع الأوراق التي دوّنتها بنفسك 


فنظر السجين لداخل الملف ، ليجد ان اوراقها مكتوبة بخطّ يده ! 

فقال بدهشة :

- لا اذكر انني كتبتها من قبل ! فما هي بالضبط ؟ 

السجّان : مذكّرات حياتك .. ولا تظن انه سيكون سهلاً التخلّص منها .. والآن سأدعك بمفردك ، لتقرأها بعناية .. وسأراك مجدّداً ، بعد انهاء مهمّتك 

وبعد خروج الحارس ..


فتح السجين الملف على الصفحة الأولى .. ليجد مكتوباً فيها :

((كنت بعمر الخامسة حين ضربت امي يدي بقوة ، بعد كسري مزهريّة الجيران))   


فقال السجين :

- طبيعي ان تضربني امي ، كنوع من اعتذارها للجيران بعد تحطيمي مزهريّتهم الفاخرة .. حتى لوّ آلمت يدي ، تبقى ذكرى سخيفة .. ولهذا لا داعي للإحتفاظ بها ، داخل ملف مذكّراتي


لكن عندما حاول تمزيق الورقة ، شعر بوخزٍ في قلبه !

وإذّ بعقله يستذكر ما حصل معه قبل عام ، عندما اوقع فنجان القهوة بإحدى مقابلات العمل.. فسارع لمسح القهوة من الأرض ، وهو يعتذر مراراً من المدير الذي طمأنه بأن عامل النظافة سيهتم بالأمر ..مما جعله يبدو مرتبكاً وضعيف الشخصية ، أدّت لخسارته فرصة العمل ! 


وهنا فهم السجين ان الملف يحوي ذكريات من ماضيه ، أثّرت سلباً على مستقبله بعد تسبّبها بعقدةٍ نفسيةٍ دائمة ! 

فهو لليوم يحرص على عدم ارتكاب الأخطاء ، خوفاً من العقاب ! تماماً كما كان في صغره يرفض اللعب خارج منزله .. خوفاً من كسره لشيءٍ جديد ، يُعرّضه لتوبيخ امه التي احرجته امام الغرباء !


فأخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول :

- يمكننا التعلّم من اخطائنا التي نرتكبها من وقتٍ لآخر .. ولهذا اسامح نفسي ، وأسامح امي ايضاً


وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة بسهولة .. ليشعر على الفور بارتياحٍ نفسيّ ، بعد اختفاء عقدة الذنب اخيراً


ثم قرأ الورقة الثانية التي حصلت له بسن السابعة ، حين تعرّض لمتنمّري مدرسته الذين رموا طعامه فوق الملعب .. وأمروه بتناولها ، رغم تلوّثها بالتراب !

 

فأغاظته تلك الذكرى التي حاول كثيراً نسيانها .. لكنه ايضاً لم يستطع تمزيق الورقة .. وهنا تذكّر كيف عاش بعدها مهووساً بالنظافة ، يرفض تناول الطعام في أيّ مطعمٍ قبل رؤية مطبخه .. ووسّوسته هذه ، جعلته يُطرد أكثر من مرة ، بسبب إصراره على طلبه الغريب !

فتنهّد قائلاً : 

- صحيح انني مرضت بعد حادثة المدرسة ، لكنني بخيرٌ الآن.. ويمكن لمناعتي تحمّل بعض الطعام الغير نظيف

وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة..


ثم قرأ الورقة التالية التي تتحدّث عن حبه الأول بسن المراهقة ، حين قدّم وردة لزميلته التي دهستها بقدمها باستحقار .. وهي تسخر منه امام الطلاّب:

- لست وسيماً او ذكياً ، لتتجرّأ على الإقتراب مني.. إخترّ فتاةً تناسب مستواك الوضيع ، ايها التافه !! 

فضحك الجميع ، ساخرين منه


فأسرع السجين لتمزيق الورقة ، لكنه لم يستطعّ ايضاً !

وهنا تذكّر جارته التي تحبه منذ مدةٍ طويلة .. ورغم انه يبادلها المشاعر ، الا انه لم يجرأ يوماً على اخبارها بذلك 


فقال مبتسماً : حتماً جارتي المرحة لن تجرحني كتلك المتغطرسة.. وفي حال خرجت من هذا المأزق .. سأستجمع قوايّ لخطبتها .. وأتمنى فعلاً ان تكون من نصيبي

وبعد قراره الجريء ، استطاع تمزيق الورقة بسهولة


ومع كل ورقة قرأها : تذكّر حادثاً سيئاً حصل له في الماضي ، أثّر على تصرّفاته المستقبلية.. ولم يستطع تمزيقها الا بعد الغفران لنفسه ، ولقسّوة والديه ولسوء فهم الناس من حوله..

الى ان بقيّ داخل الملف ، قصاصاتٍ ورقيةٍ صغيرة


وبهذه اللحظة ، دخل الحارس لاستلام الملف.. وما ان رأى محتواه الجديد ، حتى قال للسجين بفخر :

- احسنت !! الآن يمكنك الخروج  

السجين بتردّد : عفواً ، سؤالٌ اخير.. لما تشبهني بهذا القدر ؟!

الحارس بابتسامة : لأنني انت

- لم افهم !

الحارس : أنت من سجنت نفسك داخل ذكريات ماضيك ، حتى أصبحت عقدك النفسية قضباناً تحرمك من لذّة الحياة .. لكن طالما عالجت مشاكلك بنفسك ، صار بإمكانك الإنطلاق نحو مستقبلٍ افضل

وقبل أن يسأله عن شيءٍ آخر ، اختفى كل شيء !

^^^


واستفاق الرجل على صوت منبه جواله ، وهو مستلقي فوق سرير غرفته !

- أكان مجرّد حلم ؟!

ثم نظر للساعة ..

- يا الهي ! لديّ مقابلة عمل


وأسرع بتجهيز نفسه لوظيفة العمر التي استطاع لأول مرة الإجابة على اسئلة المدير بطلاقةٍ وثقة ، جعلته ينال الوظيفة بجدارة !

^^^


فعاد الى منطقته ، للإحتفال مع جارته التي ما ان انهت قطعة الكعكة التي أحضرها معه .. حتى فاجأها بجثوه على ركبته ، رافعاً اليها خاتم الخطوبة .. وهو يقول بابتسامةٍ حنونة : 

- اعرف انني توظفت اليوم ، لكني اريد اكمال حياتي معك .. فأنت الوحيدة التي أحبّتني دون شروط.. وأنت من دعمتني.. 


وقبل ان يكمل كلامه ، سحبت الخاتم من العلبة ووضعته بإصبعها.. وهي تجيبه بحماس :

- بالطبع موافقة !! فأنا انتظر هذه اللحظة منذ سنوات

فسارع باحتضانها ، بعد انتهاء عقدته من النساء اخيراَ

***


وبالفعل حياته اصبحت اسهل ، بعد علاج نفسه من كل المعوّقات النفسية التي عطّلت حياته لسنوات .. والفضل يعود لمنامٍ غريب ، كان أشبه بعلاجٍ روحي !


ومنذ ذلك اليوم.. لم يعد الماضي زنزانة يعيش فيها ، بل درساً يدفعه للمضيّ قدماً نحو مستقبلٍ واعد بالإنجازات العظيمة !


السبت، 18 يوليو 2026

اسطورة الأبراج الأربعة

تأليف : امل شانوحة 

كوخ العرّاف


فور وصول شيخ العرّافين الى المنطقة الريفية (وبسريةٍ تامة عن اهالى القرى المجاورة) تجمّع في كوخه المخفي بالغابة ، ثمانية نسّوة من الساحرات المبتدئات الراغبات بتعلّم خبرته الطويلة بالشعوذة .. 

فطلب منهن اثبات قوتهن من خلال اختيارهن لضحايا ، يقمن بسحرهم خلال اسبوعٍ واحد .. 


فاختارت إحداهن قريبةً لها ، تغار منها .. بينما اختارت الأخرى ، جاراً محبوباً بين الناس.. بينما وقع اختيار الأخريات على أشخاصٍ عُرفوا بجمالهم أو مكانتهم الكبيرة داخل المجتمع..

***


وبعد اسبوع ..عادت اربعة من الساحرات الى كوخ العرّاف ، وهن يخبرنه عن انجازاتهن .. حيث قالت كبيرتهن بفخر :

- طلبت من جارتي ان تُريني صور ابنائها .. ثم استغلّيت دخولها المطبخ ، لسرقة صورة ابنها البكر المعروف بوسامته .. وعندما عدّت الى شقتي ، قصصت صورة وجهه ، وألصقتها على لعبتي الصوفية التي اقوم كل ليلة بغرز الدبابيس بكل جزءٍ فيها .. لأستمتع بسماع صرخاته الموجوعة طوال الليل

الساحرة الأخرى : اما انا ، يا شيخي .. فاستخدمت شال قريبتي التي نسته في منزلي ، لدفنه بإحدى المقابر .. ولم ينتهي الإسبوع الا وفسخت خطوبتها من رجلٍ ميسور الحال في قريتنا

- اما انا !! فدسّست السحر داخل طعامٍ ، قدمته لعرسانٍ جدد .. والآن هما متخاصميّن ، وعلى وشك الطلاق قريباً  

- يبدو انني الأخبث بينكن.. فقد استأذنت بدخول حمام قريبتي التي تضع فيه سلّة غسيلها ، فسرقت قميص طفلها الصغير .. وهو الآن بالمشفى بين الحياة والموت ، بعد ان ربطت جزءاً من قميصه المسحور بقدم طائرٍ .. الله وحده يعلم اراضيه الآن 

فقال العرّاف :

- احسنتن جميعاً !! وقد استحقيتن خبرتي التي سأعلّمها لكم ، خلال الشهور الثلاثة القادمة

فهلّلت النّسوة الأربعة بسعادةٍ واعتزاز 


العرّاف : لكن اولاً ، إخبروني عن سبب تغيّب زميلاتكن الأربعة ؟!

فارتبكن قليلاً ، قبل ان تقول احداهن :

- لا ندري صحة ما حصل ، لكن هذا ما رواه اهالي القرية .. فالأولى دخلت الى بيت رجلٍ كانت تحبه بصباها.. مُستغلةً وجوده وحده بالمنزل ، دون عائلته الذين باتوا عند جدتهم .. 

العرّاف بحزم : إختصري القصة !! 

- حسناً ، سأحاول .. وفي ذلك المساء ، وقبل ان تنفث تعويذتها في وجهه النائم .. استيقظ من غفوته على صراخها ! ليجد ظلاً اسوداً يرفعها عن الأرض ، بعد إطباق قبضته على رقبتها بقوة .. الى ان فارقت الحياة

العرّاف باهتمام : وهل وصف الظلّ ؟

- يقول انه سمع صوت اصطكاك الحديد ، كأن ورشة تعمل في وقتٍ متأخر!

فهزّ العرّاف رأسه ، وهو يقول :

- الآن فهمت ما حصل .. لكني لن اخبركن الحقيقة ، قبل سماعي اعذار بقية الساحرات الغائبات عن مجلسي هذه الليلة 


فقالت الأخرى : اذاً دعني اخبرك عن زميلتنا الثانية .. حيث شهد احدهم برؤيتها تلاحق عجوزاً لأذيته .. لكن حصل العكس تماماً .. فالشاهد يؤكّد : ان ظلاً اسوداً خرج من جسد العجوز ، وركض بشكلٍ معاكس حتى ارتطم بها .. فأطلقت صرخةً مدويّة ، قبل وقوعها ميتة على الأرض

العرّاف : توقعت ذلك.. إخبروني عن الثالثة ؟ 

ورغم فضول تلميذاته لمعرفة ما يخفيه من معلومات ، الا انهن انتظرن توقيته المناسب


فقالت المرأة الأخرى : انا سأخبرك عن الساحرة الثالثة الغائبة لهذه الليلة .. فهي اخبرتني بنجاحها بسرقة فستان قريبتها التي كانت تنوي رميه بالبحر .. وفضولي جعلني الاحقها للشاطئ تلك الليلة .. وقد رأيتها تجذف بقاربٍ خشبيّ بكل قوتها ..الى ان وصلت لعرض البحر .. لكن قبل رميها الفستان المسحور ، احلف أنني رأيت شيئاً يجذبها بقوة للأسفل .. وقد ناديت بعلوّ صوتي لعمّال الميناء لإنقاذها .. لكنهم وجدوا قاربها فارغاً ، دون أثرٍ لجثتها !


العرّاف : حسناً ، لا يهم .. ماذا عن الرابعة ؟

- اظنها بمشفى المجانين ، بعد محاولتها ايذاء مراهقة فاتنة .. لكن سرعان ما ابتعدت عن الضحية ، قبل غرز كتفها بالدبوس المسحور .. وهي تعلن بصوتٍ جهوريّ عن كل اسماء من آذتهم بالسحر في حياتها !

العرّاف باهتمام : هل فضحت نفسها ؟!

- نعم ! وكان الأهالي على وشك ضربها حتى الموت .. لكن صراخها المتواصل ، وبكائها النادم .. جعلهم يتصلون بالإسعاف ، لنقلها لمشفى الأمراض العقلية .. فماذا برأيك حصل لها ، رغم انها كانت أشدّنا خبثاً ؟!


وهنا قال شيخ العرّافين بعد تعديل جلسته : 

- ما لا تعرفونه ، ان هناك ابراج لديها قرائن قوية

- هل تقصد الأبراج الفلكية ، يا شيخي ؟!

العرّاف : نعم !! فعلم الفلك مُعقدٌ وغامض ، لهذا بعض الأساطير صحيحة .. فزميلتكن الأولى : يبدو انها حاولت سحر حبيبها السابق الذي كان من برج الجدي ..فالأسطورة تقول : ان قرين الجدي هو حارسٌ من الجحيم .. يحمي صاحبه بصمت .. وحين يحاول احد ايذائه .. فأنه يخرج من الظلّ ، بوجهٍ لا ملامح له.. وصوتٌ أشبه بحشرجة الحديد


فصمتن تلميذاته بذهول ! قبل ان تسأله احداهن ، وهي تبلع ريقها برعب :

- وماذا بشان الثانية ، يا شيخي ؟!

العرّاف : الثانية حاولت اذيّة ذلك العجوز الذي يبدو انه من برج العقرب .. فقرين ذلك البرج معروف بحبه للإنتقام.. وهو عادةً يتحرّك عكس مشيّ صاحبه.. ويتميز بأصابعه الطويلة السوداء كالفحم 

- والثالثة ، ماذا حصل لها ؟

العرّاف : لابد انها حاولت سحر قريبتها من برج الحوت .. فقرين ذلك البرج ، يسكن البحار .. حيث يظهر ظلّه الرمادي تحت السطح ، بعينين لا بؤبؤ لهما .. وكل من يحاول ايذاء صاحبه ، يسحبه لأعماق البحر 

- وماذا عن زميلتنا التي فقدت عقلها ؟

العرّاف : تلك حتماً ، حاولت ايذاء مراهقة من برج السرطان .. وقرينها انتقم عن طريق تذكير المشعوذة بماضيها الأليم مراراً وتكراراً ، الى ان فقدت عقلها 


الساحرة العجوز بقلق : ما نسمعه يا شيخنا مخيفٌ للغاية .. هل علينا معرفة ابراج الضحايا قبل سحرهم ؟!

العرّاف : من بين الأبراج الإثني عشر .. تلك الأبراج الأربعة وحدها ، من يُقال لديها قرناء أشدّاء.. ولوّ صادف أن اخترتنّ أحد أصحابها ، لواجهتن مصير زميلاتكن البائسات

- يبدو ان هناك علمٌ سرّي لا نعرفه بعد !

العرّاف : ولهذا قدمت الى قريتكن ، لتعليمكن جميع خفايا الشعوذة

احدى الساحرات : اذاً لنبدأ الدروس يا معلمي ، وكلنا اذانٌ صاغية 

الساحرة الأخرى بحماس : نعم شيخي !! نريد ان نصبح أفضل السحرة بكل القرى المجاورة 

العرّاف بحزم : اذاً إخرجن كراريسكن ، لبدء الدرس الأول !!! 


الخميس، 16 يوليو 2026

التشابه المخيف

تأليف : امل شانوحة 

انعكاس الأدوار


لم يستطع وليد النوم ، رغم ارهاقه بعد يوم عملٍ طويل .. وطالما غداً يوم عطلته ، قرّر متابعة السهر حتى الصباح .. ولأنه يعيش وحده ، أعدّ قهوته .. وخرج لشرفة غرفته ليشربها ، مستمتعاً بنسمات الليل الباردة .. 

ومع اول رشفة قهوة ، واول نفثة دخان من سيجارته .. لاحظ شاباً يقف بالبقعة المظلمة من الشارع دون حراك .. وحين ركّز وليد نظره اليه .. مشى الظلّ بضعة خطوات باتجاه عامود الإنارة الخافتة .. وهو يرفع بصره نحو الطابق الثالث (شقة وليد) 


حيث ظهر شكل الشاب بوضوح ، والذي يشابهه بالعمر وملامح الوجه .. والأغرب من ذلك ، انه يلبس ذات البيجاما في وسط الشارع !

فظن وليد ان ارقه ، جعله يتوهّم ذلك .. قبل ان يلوّح له الشاب بيده ، بابتسامةٍ مريبة .. أشعرت وليد بقشعريرةٍ باردة سرت في جسده مع ارتفاع نبضات قلبه ، جعلته يسارع بنزول الأدراج لاكتشاف اللغز ..


لكن ما ان وصل للشارع ، حتى اختفى الشاب تماماً ! 

فأخذ يبحث عنه بين السيارات المتوقفة ، الى ان سمع صافرةً حادّة قادمة من عمارته ! 


وحين رفع نظره للأعلى ، إنصدم برؤية ذلك الشبيه يقف على شرفته .. وهو يرتشف قهوته ، وينفث دخان سيجارته بهدوءٍ مُستفزّ ! 

فتساءل وليد بقلق ، اثناء ركضه عائداً الى شقته :

((هل تركت باب شقتي مفتوحاً ؟!))


وحين دخل منزله .. اقترب بحذر من شرفته ، وهو يرفع عصا مكنسته .. ليجد ان الشرفة خالية تماماً ! 

وللحظة ظنّ ان ارهاقه ، تسبّب بهلوسته .. لكن عندما رأى سيجارته المنتهية ملقاةً على الأرض ، والتي لا يزال يتصاعد منها خيط دخانٍ رفيع.. وكوب قهوته مشروبة بالكامل .. 

لم تعد قدماه تحملانه ، وانهار رعباً ..وهو يتساءل برعب :

((هل كان توأمي ، ام جني ؟! ام قريني ، اراد ممازحتي بتبادل الأدوار؟!))


وأيّاً تكن الحقيقة وراء ذلك الشبيه ! فقد نجح تماماً في زرع الرعب بقلب وليد ، لدرجة جعلته يحزم حقيبته مع بزوغ الفجر.. تاركاً شقته والحيّ والمدينة بأكملها ، هرباً من انعكاسه المريب !


مسابقة الجوهرة

تأليف : امل شانوحة  فيديو عن مقدمة برنامج (كريستال ميز)  في تسعينات القرن الماضي.. إنشهر برنامج المسابقات (كريستال ميز) الذي تابعه الملايين ...