تأليف : امل شانوحة
المتهم الداهية
في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ
وبعد نقله الى مركز الشرطة (الوحيد بتلك المدينة الصغيرة) .. دخل عليه محققٌ شاب ، عُيّن حديثاً بفضل نفوذ والده (مدير المركز).. حاملاً في يده دفتراً صغيراً ، دوّن فيه ملاحظات من كتاب ((عشر اساليب للتحقيق الجنائي)) الذي أهداه له والده.
بينما المشتبه مُقيّد اليدين ، وهو يستمع بهدوء للمحقق الذي سأله :
- انت قدمت الى مدينتنا ظهراً ، وقبضنا عليك مساءً بمحطّة الحافلات قبل عودتك الى العاصمة التي اتيت منها.. فهل انتهت مهمّتك بعد قتل زوجتك الخائنة وعشيقها ؟
فأجاب الرجل بنظراتٍ ثابتة ، دون ارتباك :
- أعتقد أنكم فحصتم هاتفي الموجود بحوزتكم الآن.. وتعلمون ان زوجتي اخبرتني : بأن عملها بتزيين حفلة تخرّج مدرسة طلّابكم ، لم ينتهي بعد .. وستبقى الليلة في مدينتكم
المحقق : اذاً لماذا لحقت بها الى هنا ، طالما اخبرتك انها ستعود غداً عصراً الى العاصمة ؟
- قدمت دون إخبارها ، لمساعدتها في عملها الشاقّ
المحقق : ثم ماذا حصل ؟
- ذهبت للمدرسة ، فوجدتها مغلقة .. واتصلت بزوجتي مراراً ، دون اجابة.. وبحلول المساء ، أرسلت زوجتي رسالة تخبرني : أنها تتسوّق أغراض الحفل ، وانها ستبيت عند صديقتها .. ومن بعدها أقفلت هاتفها.. فشعرت أنه لا فائدة من بقائي ، وتوجّهت للمحطّة.. فقد مللّت التجوّل وحدي في مطاعمكم الشعبية طوال النهار
المحقق : وعندما مُنعناك من صعود الحافلة ، وأخبرناك بالجريمة .. لم تحزن كثيراً ، حسب شهادة الشرطي الذي اعتقلك
فتنهّد المتهم بضيق : كنت بحالة ذهولٍ تام .. فمنذ الصباح وانا أخطّط لإسعاد زوجتي .. لأعرف لاحقاً بأنها لم تكن تتردّد على مدينتكم لأجل العمل ، بل لرؤية حبيبها القديم الذي يعمل ناظراً بتلك المدرسة ! فهل تريدني ان انهار بالبكاء ، بعد الخبر الصادم ؟
المحقق : وهل علمت بعلاقتهما قبل توجّهك للمحطّة ؟
- اعلم ما تريد الوصول له .. والجواب لا ، الشرطي هو من اخبرني بذلك .. وأدرك بأنني المشتبه الأول بالجريمة .. لكن لا تنسى ان عشيق زوجتي .. أقصد الناظر ، كان متزوجاً ايضاً .. فلما لم تشكّوا بزوجته ؟
المحقق : الكاميرات أكّدت وجودها بالمطعم ، لحظة الجريمة
- ومالذي يمنع ان تكون وكّلت قاتلاً مأجوراً لقتله مع عشيقته .. ولهذا تعمّدت التواجد في مطعمٍ مُراقب بالكاميرات لحظة الجريمة ، ليكون دليلاً على برائتها ؟
- لا تطرح الأسئلة عليّ !! فقط اجب دون مماطلة
الرجل : حسناً .. إطرح بقية اسئلتك ، وسأجيب عليها بصدقٍ وشفافية
وهنا حاول المحقق استخدام تقنية ((الإرباك بالأسئلة العشوائية)) فسأله عن لون فستان الضحيّة ، وآثار الطين التي وجدوها في مسرح الجريمة .. ظناً منه : أن المتهم سينكر ويبرّر باندفاعٍ واضح ، يفضح جريمته
لكن الرجل اكتفى بهزّ رأسه ببرودٍ مخيف ، كأنه يرتدي قناعاً نفسياً صلباً ! مما زعزع ثقة المحقق بنفسه .. والذي قرّر استخدام تقنيةً أخرى ، تسمى ((تغيير التسلّسل الزمني))
ولهذا طلب من المشتبه به : إعادة ذكر جميع تصرّفاته بالمدينة ، لكن هذه المرة يحكيها من النهاية الى البداية .. لاعتقاده ان الكاذب يحفظ قصته بترتيبٍ معين ..وعندما يُطلب منه عكسها .. يفشل عقله في معالجة التفاصيل الدقيقة ، فتظهر الثغرات..
لكن المشتبه به فاجأه ، بسرد ذات الأحداث دون تغير التفاصيل ..
وبعدها سأل المحقق ساخراً :
- هل تريد هذه المرة ان اذكر الأحداث من الوسط للبداية ، ام من الوسط للنهاية؟
فصرخ عليه المحقق غاضباً :
- فقط أعدّ ما فعلته بمدينتنا من جديد !!
وكان المحقّق يخطّط لاستخدام اسلوبٍ جديد ، يُعرف بالإستجواب بالمقاطعة ..
فكلما حاول المشتبه به شرح قصته ، يقاطعه المحقق بسؤالٍ مفاجئ وتفصيلٍ تافه لتشتيت تركيزه ، ومنع عقله من حياكة الأكاذيب .. بغرض إحباطه وتوتيره ، لعله يناقض كلامه ويفضح جريمته
لكن المتهم فاجأه بردة فعلٍ غير متوقعة ، بعد التزامه الصمت !
المحقق بعصبية : تكلّم !! لما لا تجيب على اسئلتي ؟
المتهم بثقة : لا يمكننا التكلّم نحن الأثنين ، اما ان تتحدث انت او انا .. وطالما تعرف السيناريو مُسبقاً ، فاكتب في تقريرك ما تشاء.
ففكّر المحقق بنفسه ، وهو يراجع ملخّص الكتاب الموجود في دفتره بارتباك :
((يا الهي ! فشل هذا الأسلوب ايضاً .. اذاً سأستخدم تقنية : الصمت التكتيكي.. وسأطرح عليه سؤالاً ، ثم أصمت لفترةٍ طويلة .. مُثبّتاً نظري في عينيه ، لخلق ضغطٍ نفسي لا يطاق .. يُجبره على الكلام ، فقط لكسر الهدوء المزعج ..وغالباً ما سيقول شيئاً يدينه))
وبعد السؤال الذي طرحه المحققّ ، التزم الصمت ..
ومرّت دقيقة.. ثم دقيقتان..
ليفاجئه المتهم بقوله بسعادة :
- لقد رمشت عيناك .. خسرت اللعبة !!
ثم ضحك بعلوّ صوته ، مُستفزّاً المحقق الذي توجّه نحو الباب .. وهو يسمع المتهم يقول ساخراً :
- لا ، تعال !! الى اين تذهب ؟ ..دعنا نلعبها هذه المرة مع رهانٍ ماليّ ، ما رأيك ؟
فعاد المحقق غاضباً ، وهو يضرب قبضته بقوة على الطاولة .. مستخدماً هذه المرة (تقنية ريد) الأشهر عالمياً .. والتي تعتمد على الضغط النفسي ، عبر اتهام الشخص مباشرةً بالجريمة ..ومنعه من الإنكار المتكرّر ، لكسر ارادته ...ثم تقديم تبرير اخلاقي للجريمة ، لجعل الإعتراف يبدو سهلاً
وبعد ان انهال عليه المحقق بالشتائم والتهديد بأقسى العقوبات .. هدّأ من نبرة صوته ، وهو يقول للمتهم :
- أكيد تدمّرت جميع احلامك وذكرياتك ، بعد ان رأيتها بالسرير مع رجلٍ آخر.. اليس كذلك ؟
فابتسم المتهم قائلاً :
- هل انتهت جميع تقنياتك ، ام لديك المزيد من الأساليب السخيفة ؟ لأني بصراحة أفضّل لعبة الصمت الطويل .. على الأقل ، لا يتعب عقلي من اسئلتك التافهة
^^^
فخرج المحقق من الغرفة وهو يشعر باليأس ، متوجهاً الى مكتب والده (مدير الشرطة)
الإبن يائساً : ابي ، اريد مساعدتك.. فذلك المتهم العنيد ، يُفقدني صوابي
وأخبره بفشل اساليب التحقيق السابقة معه..
فقال الأب الخبير لإبنه :
- إذاً حان وقت دمج الأساليب.. سنستخدم تقنية : سنّارة التعاطف ، عبر تكتيك (الشرطي الطيب والشرطي السيء).. سأدخل أنا ، كأب متفهّم.. وتدخل أنت بعدي ، صارخاً ومتوعداً بأشدّ العقوبات.. لكيّ يلجأ إليّ ، هرباً منك
^^^
وفي غرفة التحقيق ..
دخل المحقق العجوز ، وهو يقول للمتهم بنبرةٍ أبويّة دافئة:
- انا أعرف ان خيانة الزوجة ، تدمّر الرجولة .. وأعلم أنك ارتكبت الجريمة في لحظة غضبٍ اعمى .. وأيّ رجلٍ في مكانك ، سيفعل الشيء ذاته .. فإن اعترفت لي بتفاصيل الجريمة ، أضمن لك تخفيف الحكم ..
في هذه اللحظة .. اقتحم الإبن الغرفة وهو يصرخ مُهدّداً بالمشنقة وبأقصى العقوبات ، مُمثلاً دور الشرطي السيء
وبعد انتهاء المسرحية بين الأب وابنه .. فاجأهم المتهم بالقول :
- بصراحة يُعجبني اسلوب المحقق الشاب ، اكثر منك ايها العجوز .. لأنك برّرت جريمة القتل بإسم الشرف ، وهذا ينافي مبادئي.. لكن طالما تفكّر بهذه الطريقة ، فلابد ان حظيت بعلاقاتٍ عاطفيةٍ فاشلة بحياتك .. اليس كذلك ؟
وكلامه هذا ، أفقد المدير العجوز صوابه .. فاندفع نحو المتهم ، مُمسكاً بطرف قميصه :
- إسمع ايها التافه !! نحن نملك دليلاً قاطعاً ضدك ، فبصمة يدك ظهرت بمسرح الجريمة .. والأفضل ان تعترف ، لتخفيف مدة سجنك
فأجاب المتهم ببرود :
- اليس عيباً أن تكذب في مثل سنك ؟ فأنا اساساً لا املك بصمات ، بعد احتراق اصابعي بمختبر مدرستي الثانوية ، إثر تجربةٍ كيميائيةٍ فاشلة .. يمكنكما التأكّد من التقرير الطبي الموجود بأرشيف مشفى العاصمة.. (ثم عدّل جلسته بغرور) .. يبدو ان أسلوب الأدلّة الوهمية ، لم ينفع معي أيضاً.. هل بقيت لديكما حيلٌ أخرى ؟
فنظر الأب لإبنه ، وهو يقول بغيظ :
- خذه إلى الغرفة الباردة.
^^^
وهذه المرة نُقل الى غرفةٍ ضيقةٍ باردة ، بها مصباحٌ أصفر يرمش باستمرار دون توقف ! والهدف هو الإنهاك الجسدي والنفسي ، لكسر عناد المشتبه به.. وإجباره على الإعتراف بالجريمة ..
بينما الأب وابنه يراقبانه من خلف المرآة العاكسة للغرفة .. ليتفاجأن بالمتهم يسند رأسه على الطاولة .. ويغرق بالنوم العميق ، كأنه بفندقٍ مريح !
مما ضايق الأب الذي طلب من الحرس ، نقله الى الزنزانة ..
فقال ابنه مُعترضاً : لا يمكننا الإستسلام الآن
الأب : سأضع شرطياً متخفياً معه بالزنزانة .. فالمجرمون عادةً يتباهون بأفعالهم امام زملاء السجن ، ظناً انهم في امان.. وهو الأسلوب العاشر والأخير الذي نستخدمه مع ذاك العنيد المُستفزّ
^^^
وطوال الليل .. حاول المُخبر السرّي التقرّب من المتهم ، وهو يسأله بفضول عن تفاصيل الجريمة .. لكن المتهم ظلّ ملتفتاً نحو الجدار ، وهو يجيبه بإرهاق:
- لا اعرف شيئاً عن الموضوع .. والآن اسكت ، ودعني انام قليلاً
^^^
وبعد فشل جميع المحاولات والأساليب التقنية.. وبسبب غياب الدليل المادي :((لعدم وجود بصمات القاتل او سلاح الجريمة .. كما ان بقع الطين التي عثروا عليها بمسرح الجريمة ، لم يطابق حذاءه .. وكاميرات المطاعم الشعبية ، اظهرت تجوّله هناك)) مما اجبر الشرطة على إطلاق سراحه ، وتقييد القضية ضدّ مجهول !
ليسارع المتهم بالعودة لمنزله بالعاصمة ، بعد انتهاء مراسم دفن زوجته وعشيقها بمقبرة المدينة الصغيرة
***
بعد عدة أشهر.. نشر كتاباً (دون ذكر اسمه) على الإنترنت المظلم ، يشرح فيه التقنيات العشرة المستخدمة باستجوابات أجهزة الأمن ، وكيفية التغلّب عليها ..
وقد حقّق كتابه ، مبيعات خيالية بين شبكات الجريمة المنظّمة.
***
وفي إحدى الأمسيات .. سأله صديقه بصوتٍ منخفض :
- إخبرني الحقيقة .. هل أنت من قتلت زوجتك وعشيقها ؟
فارتشف الرجل قهوته بهدوء .. ثم أجاب جملته التي هزمت المُحققيّن:
- لا أعرف شيئاً عن الموضوع.
ويبدو ان الرجل الداهية قرّر أخذ سرّه معه إلى القبر ، دون ان يعرف احد ما حصل تلك الليلة !

















