تأليف : امل شانوحة
صفقة اللاعودة
في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ متهالك على أطراف المدينة..
وقبل طرقها الباب ، سألتها بنبرةٍ حاسمة :
- هل انت مستعدة ؟ فهو قرارٌ لا رجعة فيه
شيماء بحماس : انا مستعدة !! اريد الحفاظ على شبابي اطول مدةٍ ممكنة
صديقتها بامتعاض :
- لم يكن هذا هو الهدف الذي أخبرتني به سابقاً !
شيماء بحنق : آه صحيح .. فأنا قدمتُ معك ، بنيّة تدمير كل من اذاني من الأقارب والأصحاب
- احسنت !! لا تنسي فكرة الإنتقام ابداً
^^^
ثم دخلتا الصالة المتهالكة.. حيث جلست النساء ينتظرن دورهن للدخول الى المشعوذ الجديد الذي ذاع صيته بين سكّان المنطقة ..
وحين جاء دورهما قبيل الفجر ، تقدّمت شيماء بخجل:
- مرحباً يا شيخنا ..
فرد غاضباً :
- هل ترينني شيخاً ، ايتها الجاهلة ؟!!
فسارعت صديقتها بالقول :
- اعتذر عنها ، سيدي المشعوذ .. فهي المرة الأولى التي تُقدم بها على هذا العمل
فسأل الساحر شيماء :
- ومن تريدين سحره ؟ زوجك وحماتك ، ام حبيبك ؟
وكادت تجيبه ، لولا ان سبقتها صديقتها بحماس :
- بل تريد شيئاً اعظم !!
المشعوذ بعصبية :
- أصمتي انت !! ودعيها تخبرني بما تريد
شيماء بارتباك :
- اريد بيع روحي للشيطان
فإذّ بالنار امامه تشتعل فجأة ! مما ارعبها..
ليردّ الساحر بسعادة :
- ممتاز !! هذا يعني ان العالم السفلي رحّب بقرارك الجريء
شيماء مُبرّرة طلبها :
- ارغب في ذلك .. لأني سمعت ان من تبيع روحها ، تُحافظ على شبابها الدائم دون امراض او مصائب تحلّ بها
الساحر وهو مُنشغل برميّ اعشابٍ معينة بالنار :
- لا يوجد شيء دون ثمن .. والآن أصمتي ، لحين تحضيري الكيان لأخذ روحك
شيماء برعب :
- ماذا ! انا لا اريد الموت
فهمست لها صديقتها :
- لن تموتي ، هو فقط يساوم الشياطين على روحك.. ستفهمين ما اقصده لاحقاً
ثم بدأ الساحر يتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة ، مع ارتفاع أصواتٍ تبدو كأنها خرجت من تحت الأرض !
وفور انهاء تعويذته التي نفخها على وجه شيماء ، حتى شعرت بدوارٍ مفاجئ..
^^^
وحين فتحت عينيها.. وجدت نفسها داخل مصعدٍ زجاجيّ ينزل ببطء نحو أرضٍ ملتهبة بالنيران.. وفي المصعد المقابل : رأت شبيهتها تصعد مبتسمة ، كأنها تشكرها على تحريرها !
وظلّت شيماء ترتجف من هول ما يحدث ، الى ان فتحت صديقتها باب المصعد .. فاحتضنتها بقوة ، خوفاً من أشكال الجن والشياطين المنتشرين بين ممرّات باطن الأرض الممتلئ بشعلات النار !
شيماء بخوف : اين انا ؟!
صديقتها : انت في العالم السفلي
- ولما أنزلنا الساحر معاً الى هنا ؟!
صديقتها :
- نزلتي لوحدك .. فأنا هنا منذ خمس سنوات
شيماء : لا ، غير صحيح ! كنا معاً في منزل الساحر ..هل نسيتي ؟!
- تلك قرينتي التي استبدلتُ روحي معها قبل اعوام ، بعد بيع نفسي للشيطان ..وأكيد هي من أقنعتك بفعل الخطأ ذاته
شيماء بقلق : خطأ !
- تعالي نتكلّم بعيداً عن هؤلاء الملاعين
^^^
وأخذتها الى كهفٍ صغير ، قائلةً بصوتٍ منخفض :
- بيع الروح يعني : أن تحلّ قرينتك مكانك في الدنيا ، بينما تُسجنين أنتِ هنا.. هي ستعيش حياتك ، وتنتقم من جميع اعدائك
شيماء بخوف : وهل ستؤذي زوجي وأولادي ؟!
- الجن لا تعرف الرحمة ، وليس لديهم ذرّة ضمير … لذا ستحرص على تدمير المحيطين بكِ بلا استثناء ، كما حصل مع معارفي
شيماء : آه صحيح ! كيف لم انتبه لذلك.. فأنت طلقتِ زوجك ، وتخلّيتي عن اولادك الثلاثة بعد معاداتك جميع اقاربك.. مما أجبرك بالنهاية على العمل كخادمة في مدرسة اطفال
- لا طبعاً !! الملعونة قرّرت ذلك ، لخطف الصغار كقرابين لإبليس من وقتٍ لآخر
شيماء : وبالفعل اختفى خمسة طلّاب من تلك المدرسة قبل اعوام .. وينوي الأهل اغلاقها للأبد ، بعد فشل الشرطة باكتشاف الفاعل .. أأنت من فعلتِ ذلك ؟!
فردّت صديقتها بعصبية :
- بل قرينتي يا امرأة ! الا تفهمين ؟!!
شيماء بقلق : يعني من احتلّت جسدي ، ستشوّه سمعتي في الدنيا ؟!
- طبعاً !! وتصبحين منبوذة ، كما حصل معي
شيماء : وكيف عرفتي بمصيرك ، وانت عالقة هنا ؟
فأخرجت من جيبها ، بلّورة صغيرة :
- هذه ستريك كل ما تفعله شبيهتك في غيابك.. لكن نصيحتي ألا تراقبي ، لأنك ستندمين على كل لحظة بعتي فيها روحك. .. خاصة بعد رؤية دموع اولادك المقهورين ، وصدمة اهلك بأخلاقك التي ستسوء حتماً بعد هذه الليلة.. كما ستسحر الملعونة كل معارفك ، لوقف رزقهم ونصيبهم.. وهو أمرٌ محبطٌ للغاية
شيماء بندم : لم اكن انوي فعل هذا ! كنت فقط غاضبة من شقاوة اولادي ، وتهديد زوجي بالزواج بأخرى ، وتفضيل اهلي لإخوتي عليّ ..لكني لم اردّ إيذائهم لهذه الدرجة !
- الغضب والحقد والحسد هو المنحدر التي انزلقنا به جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق) .. لكن الندم لم يعد ينفعنا الآن ، فقد خسرنا الدنيا والآخرة
ثم وضعت يدها على كتفها :
- والآن إخبريني.. هل كان الأمر يستحق التخلّي عن روحك الطاهرة ؟
فسكتت شيماء والدموع في عينيها..
فأكملت صديقتها الكلام :
- إمسحي دموعك ، فهي لن تُكفّر ذنبك وعارك.. ولوّ كانت تفعل ، لأغرفت نفسي بالدموع.. ليس امامنا سوى ترك قرائنا تُفسدان كل الروابط التي بنيناها طوال حياتنا ، ونحن نراقبهما بيأسٍ شديد .. (ثم شدّت ذراعها) .. والآن دعيني أُعرّفك على عالم الملاعين الذي ستبقين فيه لفترةٍ طويلة .. فحياتك الآن كجنية ، قد يمتدّ لقرون
شيماء بصدمة : قرون !
- نعم.. الم ترغبين بطول العمر دون مرضٍ او مصائب ؟ وهآ انت حصلتي على مرادك
وهنا صرخت عليهما رئيسة الجن من خارج الكهف :
- هاي انتما !! كفاكما ثرّثرة ، وعودا فوراً الى عملكما
الصديقة بارتباك : حاضر سيدتي !!
وبعد ذهاب الجنية ، سألتها شيماء بقلق :
- ايّ عملٍ تقصد ؟!
الصديقة بقهر : البشر مهانون هنا ، يعني نحن بمقام عبيدهم.. وهذا يعني بأن كل الأعمال المرهقة ستكون من نصيبنا ، حتى آخر يومٍ من عمرنا
^^^
ثم أخذتها لمطبخٍ ضخم ، حيث يُشوى الأطفال كقرابين لإبليس !
وهناك أدركت شيماء أن خلودها المزيّف لن يكون سوى عذابٍ أبدي ، وأن صفقتها لم تكن سوى ((صفقة اللاّعودة))






