تأليف : امل شانوحة
المهمّة الغامضة
في مساءٍ هادئ .. كانت العائلة في طريقها إلى منزلها ، قبل أن تبدأ مصابيح الطريق بالإنطفاء الواحدة تلوّ الأخرى ، إلى أن تزاحمت السيارات بالشارع المظلم.
وفجأة ! ظهرت دوّامة نورانية في السماء ، أشبه بزوبعةٍ مضيئة ! تبعتها رياحٌ عاصفة هزّت الأشجار واللّافتات..
لتتعالى معها صيحات الناس ، بعد قيام الزوبعة بسحب الأطفال من بين أذرع أهاليهم من الشوارع ونوافذ السيارات وأبواب المنازل المجاورة.. حيث شاهد الجميع صغارهم يُسحبون بسرعةٍ مهولة نحو السماء !
وعندما اقتربت العاصفة فوق سيارة العائلة ، قفزت الأم للمقاعد الخلفية حاضنةً طفلتها الصغيرة (5 سنوات) التي ارتفعت عن مقعدها .. بينما كان ابنها المراهق (14 سنة) يتشبّث مرعوباً بحزام الأمان..
هذا المشهد المرعب أجبر والدهما على الإستدارة بسيارته التي قادها فوق الرصيف ، محاولاً الإبتعاد عن مركز العاصفة..
ومع ذلك ظلّت قوةٌ خفيّة تحاول إنزال النوافذ المقفلة أوتوماتيكياً ، وسحب الطفلة من بين ذراعيّ والدتها ! دون معرفة الأب إن كان ما يحدث ظاهرةً طبيعية ، أم تجربة علمية خرجت عن السيطرة ، أم سلاحاً جديداً أطلقه عدوّ مجهول !
لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً للجميع : العاصفة تترصّد الأطفال فقط!
بقيادةٍ متسرّعة ومليئة بالذعر ، وصل الأب أخيراً إلى منزل والديه..
وهناك طلب من أختيّه إغلاق جميع النوافذ والأبواب التي أسندوها بالمفروشات ، بعد أن أخبر الجدّين بدوافع العاصفة المريبة.
وفي الخارج ، تحوّلت المدينة إلى جحيم.. فالآباء يصرخون بأسماء أطفالهم المختطفين من قبل ظاهرةٍ غامضة ! تاركين سياراتهم في الشوارع ، مع انعدامٍ تام للكهرباء وشبكة الإتصالات عن كل المنطقة..
^^^
وفي أقل من ساعة ، وصلت الدوّامة فوق منزل العائلة الأرضيّ.. واهتزّت معها النوافذ والأبواب بعنف .. بعد ان حوّلت العاصفة الزرقاء ليلهم إلى نهار ، رغم تعدّيهم منتصف الليل!
ومع ذلك ظن الجميع أن العاصفة ستنتهي مع تباشير الصباح .. لكنها استمرّت لعدة أيامٍ متتالية ، دون تمكّن فرق الإنقاذ من اقتحام المنطقة الموبوءة..
ورغم خروج بقية السكّان من منازلهم بأمان .. إلا أن هذه العائلة تحديداً ، حوصرت داخل بيتها ! وكأن العاصفة تنتظر ابنتهم لإنهاء مهمّتها ، بعد اختطاف بقية أطفال المنطقة.
في الداخل.. حاول سبعة أشخاص تقليل طعامهم وشرابهم ، وحساب كل لقمة وقطرة ماء يشربونها في اليوم ، وهم يتعهّدون بحماية الطفلة حتى الرمق الأخير.. بعد ان تناوبوا على حراستها ، ماسكين بقبضتهم الحبل الذي ربطوه فيها ، بعد ان طفى جسدها عن الأرض طوال هذه الفترة !
وما اخافهم اكثر ، هو صراخ الطفلة وهي تشير للنافذة :
- إفتحوها بالحال !! اريد الإلتحاق بأصدقائي الصغار
^^^
لكن في اليوم السابع ، لم يبقى شيء في المنزل يمكن تناوله..
واجتمعت العائلتان في ممرٍّ ضيق ليس فيه نوافذ .. وجلسوا صامتين في الظلام، يستمعون إلى هدير العاصفة العنيدة التي لا تبارح مكانها.
وبعد نومهم جوعى .. إستيقظ المراهق في منتصف الليل من شدّة جوعه ، وهو ينظر بحنق لأخته النائمة .. فهي منذ ولادتها نالت النصيب الأكبر من اهتمام والديه ورعايتهما ، حتى إن جميع الألعاب والحلويات والملابس الجديدة كانت لها وحدها. فقال لنفسه بضيق:
((لن أموت جوعاً بسببها))
واقترب بحذر ، لفكّ الحبال عنها .. ثم حملها بهدوء ، متوجهاً نحو الشرفة..
وبعد وضعها في الخارج ، وهي مازالت نائمة .. أغلق الباب ، وجرّ الكنبة خلفه ..
بعدها استلقى بجانب عائلته (التي تغطّ في سباتٍ عميق من شدة تعبهم) كأنه لم يفعل شيئاً!
^^^
في الصباح ، استيقظ الجميع بعد عودة الكهرباء إلى منزلهم..
وأول ما لاحظوه هو الهدوء التام ، فلا صوت لرياحٍ عاصفة بالخارج !
وأوشكوا على الهتاف بسعادة بعد انتهاء الأزمة ، لولا انتباه الأم على اختفاء ابنتها!
وعلى الفور !! بدأوا البحث عن الطفلة في جميع الغرف وتحت السرائر وخلف الأبواب .. والمراهق يبحث معهم ، مُدّعياً خوفه على مصير أخته.. قبل أن يتأكّدوا من اختطافها من قبل العاصفة التي اختفت تماماً.
فخرجوا مصدومين من المنزل .. للإجتماع ببقية الأهالي في الشارع ، بوجوههم المتعبة والحزينة بعد خسارة أبنائهم .. عقب اعلان رئيس بلديتهم : عن اختفاء جميع اطفال منطقتهم دون أثرٍ لهم ، كأنهم تبخروا بالسماء !
وفجأة ! صرخ أحدهم وهو يشير إلى الغيوم التي تشكّلت على هيئة عبارة:
((اطفالكم معنا بمهمّةٍ خاصة))
فساد الصمت بينهم .. دون أن يعرف أحد من كتبها ، أو ماهو مصير أطفالهم ، أو ماهيّة المهمّة الموكولة لصغار السن الذين لا يفقهون شيئا !
في تلك اللحظة .. شعر المراهق بعظم ذنبه ، عقب تخلّيه عن أخته بعد ان اعترته مشاعر الغيرة والغضب..
وبينما الجميع ينتظرون قدوم شرطة المدينة للتحقيق بالأمر ، عاد المراهق إلى منزل جده.. ثم خرج إلى الشرفة التي وضع فيها أخته ، ليجد حذاءها واقعاً هناك.
وأثناء انهياره بالبكاء ، انتبه على أثر قدمٍ صغيرة مطبوعة بالطين على حافّة الشرفة.. كانت بنفس مقاس أخته ، لكنها أشبه بحوافرٍ غير بشريّة!







