الأحد، 1 نوفمبر 2026

الصورة المخيطة

تأليف : امل شانوحة 

الجارة الحقودة


مع بداية فترة الإمتحانات النهائية.. إنشغلت مريم (17 سنة) بدراستها ، إلى حدّ نسيانها تناول الطعام ! رغم تحضير امها لوجباتها المفضّلة التي وضعتهم على مكتبها.. قبل اغلاقها الباب بهدوء ، لئلاّ تشتّت انتباهها.


وعندما تعود بعد ساعات ، تجد الطعام برد أو فسد !

فتعاتب ابنتها على عدم تناولها لقمةً واحدة منها .. فتخبرها مريم بعدم ملاحظتها الطبق من الأساس ! 

***


ومع مرور الأيام.. امتلأت غرفة مريم بالأطباق المُتراكمة والشطائر المُتعفنة ، بينما جسدها يضعف تدريجياً.. 


الى ان خرجت ذات يوم من غرفتها مُترنّحة .. واتجهت إلى المطبخ ، حيث كانت أمها تعدّ الغداء.


جلست على الطاولة ، وعلى وجهها علامات الإنهاك الشديد..

قائلةً بتعب :

- أمي رجاءً ، أطعميني بيديك.. فلا أدري ما يحدث معي ! كلما وضعت الطعام في فمي ، إنشغلت بالدراسة أو شعرت بغثيانٍ يمنعني من ابتلاعه.. لقد خسرت ثلاثة كيلوغرامات منذ بداية الإمتحانات ، ولم أعد أتناول سوى الماء.. أرجوكِ أطعميني بنفسكِ ، قبل موتي جوعاً في أيّة لحظة !


فشعرت الأم بغصّةٍ موجعة ، وسارعت برفع ملعقة الطعام نحو ابنتها .. سرعان ما سقطت من يدها بعد لمحها لثانيتيّن ، شيئاً ارعبها بشدة !

ففم ابنتها مقفلاً بخيطٍ أسودٍ على طول شفتيها ، كأنها خياطةً جراحيّة ملعونة !


وعلى الفور !! أطبقت الأم يدها فوق فم ابنتها ، وبدأت بتلاوة المعوّذات ..

مريم باستغراب :

- ماذا هناك يا امي ؟!

الأم بحزم : لا تتفوهي بكلمة ، لحين انتهائي من الدعاء 


واصلت الأم القراءة ، الى ان ارتخى الخيط المشدود .. قبل تلاشيه في الهواء كدخانٍ اسود ! 

وسرعان ما استعادت الفتاة شهيّتها ، مُمسكةً الملعقة وهي تأكل من الطبق امامها بنهمٍ لم تعرفه منذ أيام !


كانت تمضغ بسرعة ، وتطلب سكب المزيد في صحنها .. بينما كتمت الأم دموعها وهي تشكر الله (في قلبها) على شفاء ابنتها من ذلك العمل الخبيث !

دون اخبارها بما رأته ، كيّ لا تُلهيها عن دراستها 

^^^


لكن الأم لم تستطع الإحتفاظ بالسرّ طويلاً ، وأخبرت جارتها المُقرّبة بما حصل .. وهي تسألها بعصبية :

- من المجرم الذي سحر ابنتي ، وحرمها من الطعام لأيام ؟ لولا أن ستر الله انكشف لبضعة ثواني ، لكنت فقدتها للأبد !!

فسألتها جارتها بقلق : 

- هل زارتك جارتنا الجديدة حفيظة ، قبل موعد الإمتحانات ؟

ـ نعم .. وطلبت من مريم تدريس ابنتها ، لأنها بنفس مرحلتها الدراسية .. لكن ابنتي اعتذرت ، لعدم تفرّغها لتعليم غيرها 

الجارة : وهل تركتهما بمفردهما ؟

- لبعض الوقت ، اثناء اعدادي القهوة 

- اذاً اسألي مريم بما حدث اثناء غيابك .. حينها تنكشف الحقيقة

^^^  


بعد انتهاء الإتصال .. دخلت غرفة ابنتها التي كانت تدرس بجهد ، وسألتها عن الجارة حفيظة ؟

مريم : سألتني عن مستوايّ الدراسيّ ، فأريتها شهاداتي المتفوّقة .. وعندما رفضت تعليم ابنتها الكسولة ، طلبت البوم صوري 

الأم : وما دخلها بصورك ؟!

- لا ادري .. لكن ما ان أعطيتها ايّاه ، حتى طلبت كوب ماء.. فتركتها تتصفّحه لوحدها 

- مريم !! هاتي الإلبوم فوراً 


وفتشته الأم صفحةً صفحة ، الى ان اكتشفت إختفاء احدى الصور .. حينها فهمت بأن حفيظة أخاطت فم الصورة ضمن طقوسٍ شيطانية ، إنعكس سلباً على ابنتها بعد فقدان شهيّتها تماماً ! 

لكنها لم تخبر مريم بشيء (كيّ لا تخيفها) وتركتها تُكمل دراستها .. 

بينما سارعت الى شقق الجيران ، لإنذارهم من الساحرة الخبيثة.

^^^


إنتشر الخبر في المبنى ، كالنار في الهشيم.. وسرعان ما تبادلت النساء شكوكهن حول التصرّفات الغريبة لجارتهن الجديدة .. خصوصاً تجوّلها بحرّية في بيوتهن .. حتى ان بعضهن شاهدوها تبحث في نفاياتهم ، او سلّة ملابس عائلاتهم الوسخة ! 


وبعد السؤال عن تاريخ حفيظة في منطقتها القديمة ، تأكّدوا جميعاً من امتهانها الشعوذة ! ولم يعد أحد يشعر بالأمان بوجودها بينهم 

فاجتمع السكّان ..مواجهين المرأة بما سمعوه ، ومطالبينها بمغادرة المبنى فوراً.


في البداية ، أنكرت التهمة الباطلة .. وبعد ايام من العزلة ، ادّعت التوبة والندم من مهنتها المشينة ! 

ورغم انفضاح سرّها ، الا انها رفضت الرحيل .. لهذا اتفق الجميع على مضايقتها ، لإجبارها على المغادرة : كرميهم النفايات امام بابها ، وقطع الكهرباء والماء عنها .. ومنعها من ركن سيارتها في موقف المبنى ..

***


وفي احدى الأيام .. وبعد عودة ابنة حفيظة باكية الى شقتها (بعد سماعها اتهامات اولاد الجيران السيئة عن أمها في المدرسة) لم يعد باستطاعة حفيظة البقاء ، بعد شهرين من معاملتهم السيئة معها.. 


وبعد حزم امتعتها (فور انتهاء دراسة ابنتها) 

وقبل قيادتها السيارة ، مغادرةً المبنى نهائياً .. قالت للبواب :

- إخبر جاراتي العزيزات ، انني مازلت احتفظ بأغراضهن الخاصة ! وقريباً سيندمن على ما فعلنه معي 

^^^ 


وقبل صعود الحارس ، لإبلاغهن برسالة حفيظة المسمومة.. إخترقت فرحة احتفال الأم بنجاح مريم ، صرخة ابنتها من الغرفة ! 


فأسرعن الى هناك ، ليروها تحمل صورة بيدها المرتجفة .. 

مريم بفزع : امي !! عادت صورتي المسروقة .. وجدتها فوق مكتبي .. لكن انظري المكتوب عليها 


وكان مرسوماً خطوطاً حمراء على اطرافها الأربعة ، مع كلمة (حادث سير)

مريم باكية بخوف : هل ستُقطع يدايّ وقدمايّ بحادث سير ؟ هل هذا مستقبلي الذي ينتظرني ، يا امي ؟!


فنظرت النّسوة للأم برعب ! دون علمهن بالحارس الذي يقف عند باب الشقة ، حاملاً تهديد حفيظة الأخير.. الذي سيجعل الجميع أهدافاً ، لحقدٍ شيطانيّ لن يرحمهم لسنواتٍ طويلة !


الجمعة، 30 أكتوبر 2026

محاكمة الهالوين

تأليف : امل شانوحة 

مُتْ أيها القاتل


عاد الطبيب الشاب الى قرية والده ، بعد سنوات من بقائه في العاصمة .. حيث امضى ليلة 31 اكتوبر بالعمل على حاسوبه بصالة منزله .. قبل سماعه طرقات على بابه !


وحين فتح .. وجد اولاداً صغار بأزياء الهالوين المخيفة ، وهم يسألونه من خلف اقنعتهم :

- حلوى ام خدعة ؟!!

فابتسم لهم .. ثم حمل السلّة الموجودة على الطاولة ، وملأ سلالهم بالحلويات .. فشكروه ، وابتعدوا عن بيته

فعاد لإكمال عمله ، قبل ان يُفاجأ بارتطام بيضة على نافذته ! 


ففتح الباب ، ليجد ذات الأولاد يرشقون نوافذ صالته بالبيض .. ولم يتوقفوا الا بعد صراخه عليهم ، غاضباً :

- ايها المشاغبون !! الم اعطكم الحلوى قبل قليل ، لما توسّخون منزلي ؟

ليصرخ كبيرهم :

- مُتّ ايها القاتل !!

وسرعان ما ردّد الأطفال خلفه ، نفس العبارة .. دون فهم الطبيب ما يقصدونه !


وبعد رحيلهم ، عاد الى حاسوبه وهو مشتتّ الذهن :

- لما يقولون لطبيب بأنه قاتل ؟ ..لا افهم شيئاً ! كما انني عُدت هذا الصباح الى قريتي ، فلما هذا الإستقبال المشين ؟! وهل قالوا ذلك بعفويّة ، ام هي وصية أهاليهم ؟!


وحاول تجاهل ما حصل ، بإكمال عمله على الحاسوب .. قبل انطفاء كهرباء منزله! 

فأضاء جواله ، لتأكّد من علبة الكهرباء الرئيسية داخل منزله :

- غريب ! كل الفيوزات سليمة.. أيُعقل أن الصغار تجرّؤوا على العبث بالكهرباء من الخارج ؟ لا ، مستحيل ! فالصندوق الحديدي مرتفع ، ولا يطالونه 


وخرج لرؤية ما حصل ..

لينصدم ببالغين يلبسون ازياء هالوين ، وهم يحيطون بمنزله : 

بعضهم يعبث بصندوق كهربائه .. والبعض الآخر ، يتعّمد خدش طلاء سيارته الجديدة بمفاتيحه الحادة .. بينما تجرّأ شخصٌ مقنّع على إشعال النار بالأعشاب اليابسة لحديقته ! 


ليسارع الطبيب بفتح صنبور المياه ، وإخماد الحريق بخرطوم الحديقة قبل وصول النيران الى منزله الخشبيّ !


وبعد انهائه المشكلة ، صرخ بوجوههم غاضباً :

- أهكذا تستقبلون ابن الجرّاح الذي داواكم طوال حياته ؟!!

فردّ احد البالغين المُقنّعين :

- هو لم يؤذينا ، كما فعلت انت 

الطبيب بارتباك :

- ماذا تقصدون ؟!

فرد احدهم : 

- علمنا ما حصل بالماضي .. فوالدك قبل وفاته ، إعترف بكل خطاياكم

الطبيب بقلق : اعترف بماذا ؟!

فردّت امرأة : 

- بأنه أجبرك على امتهان الطب مثله ، رغم فشلك في امتحانات الجامعة بالعاصمة... وانه زوّر شهادتك ، لتساعده في عيادتنا ! وأن الأشخاص الخمسة الذين زعم والدك وفاتهم بسبب سوء حالاتهم أو مضاعفات العمليّة ، ماتوا بالحقيقة بسبب أخطائك الشنيعة ، ويديك المرتجفتين داخل غرفة العمليات 

ثم اشارت للصغار بزيّ الهالوين :

- هؤلاء اولاد واحفاد قتلاك الخمسة


فارتجف الطبيب الشاب بعد انفضاح سرّه الذي اخفاه طويلاً :

- والدي أجبرني على امتهان وظيفته ، رغم عدم جدارتي في ذلك الحين .. هذا صحيح !! لكن بعد انتقالي للعاصمة ، تدرّبت على يد اطبّاءٍ أكفّاء .. لأصبح حالياً من الدكاترة الجيدين ، دون ان يموت احد من مرضايّ .. أحلف لكم!!  

فاعترضت عجوز ، بعد ازاله قناعها للهالوين :

- وماذا تنفعني مهارتك اليوم ، بعد قتلك ابني الوحيد ؟!

ثم اشارت لأحد الصغار :

- انت قتلته ، قبل ان يشهد ولادة ابنه .. إخبرني ما ذنب الصغير بأن يولد يتيماً؟ 

الطبيب : لم يكن ذنبي ! بل ذنب والدي .. ألا تتذكّرون قساوته وصرامته معي بعد وفاة أمي ، وانا بعمر الثامنة ؟ ام انكم لا تستوعبون حجم الرعب والهلع الذي واجهته داخل غرفة العمليات ، وهو يأمرني بقسوة أن أشقّ أجساد مرضاكم المُخدّرين ؟ .. في ذلك الوقت ، ماذا كان بمقدوري فعله ؟!


فردّت احدى النسوة : كان عليك الإعتراض ، او الهرب من عيادته .. او الشكوى لأحدنا ، عمّا تعانيه معه.. لا ان تجازف بأرواح ابنائنا!!

فطأطأ الطبيب رأسه : انا آسف .. اعتذر منكم جميعاً .. لكن احلف أنني اصبحت طبيباً بارعاً .. اسمحوا لي بتعوضيكم عن اخطائي الماضية 


فردّ رجلٌ بعصبية : وهل تظن أموالك ستعوّضنا عمّن فقدانهم ؟ ام تريد ان نسمح لك بعلاجنا بالمجّان ؟ نحن لا نثقّ بك من الأساس !! وأتينا جميعاً الليلة ، لنفهمك بأنك غير مُرحبٌ بك بيننا 

امرأة بضيق : 

- ارحل فوراً عن قريتنا !! فوجودك بيننا يفتح جراحنا ، ويجدّد أحزاننا على من فقدناهم 

الطبيب :

- حسناً ، سأرحل غداً صباحاً 

فردّت احدى الأمهات :

- بل الليلة !! نريد الإستيقاظ غداً ، دون رؤيتك بيننا 

وبدأ الصغار يردّدون معاً :

- قاتل !! قاتل !! قاتل !!

الطبيب :

- وماذا عن بيت والدي ؟

فردّ أغنى رجل في القرية : 

- انا أشتريه بسعر السوق.. أعطني رقم حسابك البنكي في العاصمة ، وسأحوّل لك ثمنه قريباً .. كل ما نطلبه منك ، ان لا تترك أثراً ورائك ..فأنت لم تعد من اهل قريتنا بعد اليوم


فوعدهم الطبيب بالرحيل فوراً .. فتركوه ، وعادوا الى منازلهم .. بينما اكمل ليلته بحزم امتعته .. 

^^^


ولم يبزغ الفجر الا وهو يشُقّ طريقه نحو العاصمة بسيارته المُخربشة ، مُحملاً بوزر ذنبٍ لا يُغفر.. بعد عيشه أفظع ليلة هالوين في حياته كلها !


الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

المقامرة الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

الخدعة القاتلة


في ذلك المساء ، طرق رجلٌ منزل امرأة حامل في شهرها الأخير.

وما ان فتحت الباب ، حتى دفعها للداخل .. قائلاً بقسوة :

- مدير النادي ارسلني لخطفك ، بعد ان راهنتي على طفلك بالمقامرة الأخيرة

فبكت نادمة :

- ظننت انني سأربح .. ارجوك ، لا اريده ان يعطي طفلي لزوجته العاقر

- كان عليكِ سماع نصيحتي بالإقلاع عن عادتك السيئة قبل وصولك للهاوية 

- حالياً ليس معي سوى ربع الدين ، وأعدك بدفع الباقي لاحقاً 

وأدارت ظهرها ، لأخذ ظرف المال من درج مكتبها.. 


وهنا انتبه على بنطالها المُبلّل ، فقال باستغراب : 

- هل أخفتك لهذه الدرجة؟!

فوضعت يدها على بطنها ، وهي تتنفّس بصعوبة :

- يا إلهي... أنا ألدّ الآن!

فسألها بارتباك :

- مازلتي ببداية شهرك التاسع .. هذا ما قلته بسهرة الأمس !

فردّت بألم : 

- بعض الأطفال يولدون قبل موعدهم  


وفجأة ! أطلقت صرخةً مدويّة ، وهي تنحني من شدة الألم :

- رجاءً خذني إلى المستشفى ، رحمةً بأيام صداقتنا المدرسيّة!


ففكّر قليلاً ، قبل ان يقول بتردّد :

- حسناً ، إحضري حقيبة الولادة.. اخاف ان يرسل مديري حرّاسه الآخرين ، بعد تأخري باتمام المهمّة 

- حقيبتي جاهزة.. لكن رجاءً إنتظرني في سيارتك ، ريثما أغيّر ثيابي المُبلّلة.


فخرج الرجل من منزلها .. وقبل ركوب سيارته ، لمح دفترها مرمي فوق كومة نفاياتٍ خارج حديقتها.. مكتوباً على غلافه :

((مذكّراتي))


فاعتراه الفضول ، لفتح آخر صفحاته .. وكان مكتوباً فيه : 

((غداً سيأتي حبيبي الأول لاختطافي .. الرجل الذي أحببته في مرحلة الثانوية .. لكن الحياة فرّقت بيننا ! بعد ان رفض اهلي علاقتنا البريئة ، بسبب فقره .. ومن شدّة حزنه ، ترك الدراسة .. وتشاجر مع والده بعد خسارة منحته الدراسيّة التي كسبها بتفوّقه ، وطرده من منزله ! بينما زوّجوني اهلي ، لمحامياً نرجسياً.. علّمني القمار ، ثم طلّقني بعد حملي.. وبذلك خسرت حبي الأول .. وخسرت زوجي ، والد طفلي .. وأخشى خسارة ابني ايضاً بسبب ديوني.. كم أتمنى الموت الآن))


فتسارعت انفاسه ، بعد معرفته بأن حبيبته لم تنسه يوماً .. رغم أنها السبب في انضمامه لعصابة القمار ، بعد أن أُغلقت الأبواب في وجهه!


وما ان رآها تخرج من المنزل ، حتى سارع بحمل حقيبتها .. ثم أسندها بحنان الى ان أجلسها على الكرسي الأمامي ، وسط دهشتها !

ثم انطلقا نحو المستشفى.

^^^


بعد دقائق ، نظر في مرآته العلويّة .. ليلاحظ سيارةً تلاحقه !

فقال بقلق:

- انهم يقتربون منا.. 

- إتصل بهم ، أليسوا زملائك بالعصابة ؟

فأخرج جواله من جيبه ، قبل ان يقول بضيق :

- اللعنة ! إنقطع شحنه  

فأخرجت جوالها من حقيبتها :

- اذاً اتصل من جوالي 

فردّ بعصبية :

- لا احفظ ارقامهم .. وهذا ذنبي !! لاخلاصي بالعمل لرجلٍ يشكّ حتى بزوجته .. كان عليّ الاتصال به ، لإخباره بتأخري .. الآن سندفع حياتنا ثمناً لهذه الغلطة


وهنا انتبه بأن السيارة التي تلاحقه ، أصبحت خلفه تماماً .. فقال لها برعب:

- إختبئي فوراً أسفل المقعد ، قبل استخدامهم المسدسات


ورغم آلامها ، الا انها حشرت نفسها بصعوبة .. بعد سماعها إنكسار الزجاج الخلفيّ ، عقب اختراق الرصاصة الأولى سيارتهما !

مما اجبره على الإنعطاف نحو مفرقٍ جبليّ ، وسط وابلٍ من الرصاص ! 


واثناء تغطية وجهها من شظايا الزجاج ، سمعت صرخته المُتألمة .. ومع ذلك تابع القيادة الى ان تخلّص من مطارديه ، متوقفاً في الشارع المقابل لمدخل الطوارئ


وعندنا خرجت المرأة من مخبئها ، وجدته شاحب الوجه ..وقد تحوّل قميصه الأبيض للون الأحمر ، بعد اختراق رصاصةٍ غادرة صدره !

ليقول بصوتٍ شبه مسموع :

- إسمعيني جيداً .. ستجدين في صندوق سيارتي ، حقيبةً جلديّة .. جمعت فيها ديون المقامرين ، قبل وصولي الى منزلك .. ويبدو أن مديري ظنّ بسرقتي ماله ، بعد تأخري بخطفك .. وطالما احتضر الآن ، فخذي انت الحقيبة ..وبعد ولادة طفلك ، قودي سيارتي الى خارج المدينة ، وابني حياةً نظيفة.. فقط عديني بأن لا تقامري ثانيةً .. (وأخذ نفساً عميقاً).. الوداع يا حبيبتي الأولى والأخيرة 

وقبل ان تجيبه ، سقط رأسه فوق المقوّد دون حراك !


وبعد تأكّدها من موته ، نظرت للجهة المقابلة من الشارع :

- جيد اننا بعيدان عن كاميرا المستشفى الخارجية التي لم تصوّر الجثة 


واستغلّت ظلمة الليل ، لسحب السائق إلى المقعد الخلفي .. بينما وضعت حقيبة المال بجانبها ، وتابعت القيادة نحو قمّة الجبل.. 


وهناك ! ألقَت الجثة نحو وادٍ سحيق .. ثم رمت بطنها الإسفنجيّ المُنتفخ .. وهي تقول بارتياح : 

- إنتهت المسرحية على خير.. 


وبعدها تابعت القيادة نحو المدينة ، وهي تنظر لرزم المال المُكدّسة في الحقيبة .. 

قائلةً بحماس : 

- والآن !! إلى لاس فيغاس.. سأقضي الليل كلّه ، أمام طاولات القمار.. فلديّ ما يكفي لأصبح مليونيرة .. وهذه المرة ، سيبتسم لي الحظ حتماً !!

^^^


ما حصل خلف الكواليس (الحقيقة الكاملة) :

((هذه المرأة كانت بالفعل حاملاً ، عندما طلّقها زوجها المحامي .. لكنها فقدت جنينها بعد شهرين.. ولأنها أصبحت مُدمنة على القمار ، لم تخبر طليقها بالحقيقة .. بل اشترت غيارات حوامل إسفنجيّة (تستخدمها الممثلات) لإجباره على دفع النفقة ، حتى موعد الولادة المزعوم.. بينما تُنفق ذلك المال على القمار.

ولأنها راهنت على طفلها (الغير موجود) في مقامرتها الأخيرة ، كان عليها التخطيط لخدعةٍ جديدة.. مُستغلةً المشاعر الصادقة لحارس الزعيم الذي تعمّدت بألاّ تعطي عنوان منزلها الا له ، لعلمها بعزوفه عن النساء من بعدها.


ولهذا تعمّدت ترك دفتر مذكّراتها فوق النفايات ، في مكانٍ قريب من ركن سيارته .. على امل ان يدفعه الفضول ، لقراءة آخر ما كتبته .. ولوّ انه قرأ الصفحات الأولى ، لاكتشف أنه دفتر ملاحظات قانونية قديم ، لطليقها المحامي.


أما انفجار الماء : فكان بالوناً صغيراً ، دسّته داخل بطنها الإسفنجيّ ..ثم ضغطت عليه ، لخداع الحارس بلحظة المُخاض .. مُراهنةً على شهامته في نقلها للمشفى ، وتهريبها من العصابة.


كل شيء كان محسوباً ، ما عدا مقتله بتلك الرصاصة التي فتحت لها أبواب الثرّوة مع استيلائها على سيارته الفارهة .. وبنفس الوقت تخلّصت من العصابة المرعبة ، وحب الحارس الساذج لها)) 

^^^


ثم ضغطت على دوّاسة الوقود ، وهي تقول بحماس :

- هذه المرة ..اما أن أصبح مليونيرة ، او اموت على طاولة القمار..


وتابعت طريقها نحو لاس فيغاس .. كإمرأةٍ أفسدت عادتها السيئة روحها ، حتى انعدم ضميرها الإنسانيّ .. بعد ان اصبحت المقامرة هاجساً خطيراً يُهدّد حياتها كل يوم !


الاثنين، 26 أكتوبر 2026

عقبات الحياة

تأليف : امل شانوحة 

المشوار المرهق 


فتحت عيناها بإرهاق .. لتجد نفسها تقود في طريقٍ طويلٍ مظلم ، لا تدري كيف وصلت اليه !

وعندما عدّلت مرآتها العلوية .. تفاجأت بثلاثة أشخاصٍ يجلسون في المقاعد الخلفيّة ، وهم يخفون وجوههم بأقنعةٍ مريبة ! 

أحدهم يبدو صبياً لم يتجاوز العاشرة .. والثاني : رجلٌ في منتصف العمر .. أما الثالث : فيبدو عجوزاً من انحناءة ظهره !

فأدارت رأسها ، لسؤالهم عما يفعلونه بسيارتها ؟ 

لتنصدم بصراخ الصبي عليها :

- تابعي السير دون النظر الينا !! 

قبل ان يقول الرجل بحزم : إبقي دائماً على الطريق الرئيسيّ ، فالإنعطافات ممنوعة!! 

العجوز بامتعاض : أخبرتكما بأن هذه الفتاة ستُتعبنا ، فهي ضعيفة الشخصيّة ومتردّدة باتخاذ القرارات المهمّة


فتساءلت بنفسها بقلق :

((يتحدثون عني ، كأنهم يعرفونني جيداً ! لكن من هم ؟ ولماذا يخفون وجوههم بالأقنعة ؟! ولما يصرّون على هذا الطريق المخيف ، الذي يمتدّ بلا نهايةٍ واضحة!))


حاولت في البداية إقناع نفسها بأنه كابوسٌ مزعج .. لكنها لاحظت بأن السيارة تسير حسب حركة مقودها ، كأنها تعيش تجربةً حقيقةً مخيفة !

^^^


بعد دقائق .. ظهر أمامها مُنعطفٌ فرعيّ ، فأرادت التوجه اليه .. 

لكن ما إن أدارت مقودها .. حتى هجم الصبي من خلفها وهو يمسك ذراعيها ، ليعيدها الى الطريق الطويل !

فصرخت عليه ، وهي تحاول الإفلات منه:

- ابتعد عني ايها المشاغب !!

لتسمع العجوز يقول بنبرةٍ آمرة : 

- لما تصرّين على معاندتنا ؟!! إستمرّي بالسير للأمام .. هل مازال عقلك الأحمق لا يستوعب الأوامر البسيطة ؟!


فاستعادت السيطرة على سيارتها المُترنّحه .. مُجبرةً على متابعة السير في الطريق المظلم ، بعد ان فاتها المنعطف الجانبي !


ليتابع الصبي مضايقتها وهو يقلّد صوتها المرتجف ، ويشدّ شعرها من الخلف لتشتيت انتباهها ! 

حتى انفجرت غاضبة : 

- ايها اللعين ، لن أسمح لك بإيذائي بعد اليوم !!


فساد الصمت فجأة داخل السيارة ! قبل ان يُزيل الصبي قناعه ، ليظهر زميلها المُتنمّر بالمدرسة الإبتدائية الذي اعتاد جعلها محطّ سخرية بين الطلّاب .. لدرجة تحويل دراستها الى جحيم .. بعودتها كل يوم الى بيتها ، وهي تبكي بصمت !


وقبل ان تستوعب بقائه بذات العمر ! صرخ الصبي بغيظ :

- أتظنين أنك أصبحت قوية الآن ؟ لطالما كنت فتاةً ضعيفة ، وسهلٌ استفزازك .. وستبقين كذلك ، لما تبقى من حياتك المزرية !! 


ثم فتح النافذة المجاورة له .. بعد انتزاعه من جسدها ، روحاً مضيئة .. خرجت على هيئتها الصغيرة وهي ترتدي مئزر المدرسة ، وتحمل حقيبتها على كتفها ، والخوف واضح في عينيها الصغيرتين !

بعدها قفز الصبي من النافذة نحو الشارع المظلم ، وهو يشدّ ذراع روحها الصغيرة!


ورغم غرابة ما حصل ، الا ان الرجليّن المُقنّعين أمراها بمتابعة القيادة ، كأن شيئاً لم يحصل !

^^^


وبعد مسافةٍ طويلة ، ظهر منعطفٌ آخر يؤدي إلى طريقٍ مضاء بأعمدة النور ..

وقبل تحريك مقودها ، أمسك العجوز كتفها من الخلف بعنف : 

- الى أين تظنين نفسك ذاهبة؟!


وعندما حاولت تجاهله ، ومتابعة توجهها نحو المنعطف .. إنحنى فوقها وهو يمسك المقود ، ويعيده بالقوة للطريق المظلم ..وهو يقول بحزم :

- ستبقين حيثما اريد انا !! فلا أحد يعرف مصلحتك أكثر مني


بهذه اللحظة ، تذكّرت صوته ! فهو ليس غريباً عنها ، بل هي ذات النبرة الحازمة التي سمعتها طوال سنوات طفولتها ومراهقتها .. 

والدها الذي منعها الدفاع عن افكارها التي تعارض آرائه الصارمة! 

فقالت بضيق :

- من حقي التعبير بحرّية ، واختيار الحياة التي تناسبني .. فأنا لم أعدّ صغيرة!!


فأزال قناعه بعصبية ، ليظهر وجه والدها بعينيه القاسيتين : 

- انت ابنتي ، وعليك تنفيذ اوامري !! فأنا أعرف الصواب ، ولا يحق لك مخالفتي ابداً !!


فشعرت بشيءٍ ينكسر داخلها .. لكن هذه المرة لم يكن روحها ، بل القيد الصدئ الذي ربطها به لسنواتٍ طويلة..

- اعرف انك ابي ، ويحقّ لك نصحي .. لكن لا تجعلني اشعر بأن احلامي لا قيمة لها عندك !


وكلامها هذا ، زاد من غضبه.. لدرجة قفزه من السيارة رغم سرعتها ! 

لكنه لم يخرج ، قبل سحبه روحاً مضيئة من جسدها : ظهرت على هيئتها المراهقة بشعرها الطويل ..وأحلامها الضائعة التي تخلّت عنها ، خوفاً من عقابه ! 


وكادت توقف السيارة لمعرفة مصير والدها ، لكن الرجل الأخير المُقنّع أجبرها على مواصلة السير.

^^^


ومع مرور الوقت ، شعرت بالنعاس والإرهاق .. فبدأ الرجل يُكرّر كلماتٍ مسمومة ، سمعتها من قبل !

- انت لا تستطيعين العيش من دوني.

- لن يحبك أحد كما أحببتك.

- كل ما فعلته كان لمصلحتك.

- انظري إلى نفسك ! من سيقبل بأمرأةٍ محطّمةٍ مثلك ؟


كل كلمة منه ، اعادت إليها ذكرى اليمة ! فهذا الرجل هو طليقها الذي احبته بكل جوارحها ، وظنت انه العوض عن متاعبها السابقة .. لكنه استغلّ حبها ، لتحطيم ما تبقى من ثقتها بنفسها .. حتى جعلها تعتذر عن اخطائه معها ! فهي أمضت معه سنوات وهي تحاول إرضاءه ، حتى نسيّت كيف ترضي نفسها.


وفي ظلّ يأسها (من محاولته إبقائها تحت سيطرته) ظهر أمامها منعطفٌ صغير يبدو سيوصلها الى مكانٍ آمن.


وما ان ادارت مقودها .. حتى هجم الرجل من خلفها ، وهو يُبقي يديها ثابتتيّن على الطريق السريع : 

- ايّاك ان تنعطفي الآن !! فأنت ستتوهين دون توجيهاتي الحكيمة


وبعد ان أضاع عليها المفرق الجانبي .. تابعت مراقبة الطريق الطويل المظلم امامها ، بعد ادراكها شيئاً لم تفهمه طوال حياتها !

فهي من اوجدت اولئك الثلاثة في المقاعد الخلفية لسيارتها ، بعد ان سمحت لهم بالتدخل في قرارات حياتها ! لكنها بالنهاية ، هي من تقود الرحلة ..


حينها استجمعت قواها ، صارخةً بحزم :

- هذه سيارتي .. وأنا وحدي من يتحكّم بقيادتها !!


فصُدم الرجل ، وأزال قناعه ببطء ! ليظهر وجه طليقها الذي احبته بكل اخلاص ، رغم سنوات الخوف والخذلان..

والذي نظر إليها بازدراء ، وهو يقول : 

- ستندمين على اليوم الذي تركتني فيه!

فردّت عليه بابتسامةٍ مُنكسرة :

- ندمت فعلاً على كل ايامي الضائعة معك 


فاشتعل غضباً .. وفتح الباب بعنف ، قبل قفزه للخارج .. بعد نزعه من جسدها ، آخر روحٍ مضيئة داخلها : لأمرأة في عزّ شبابها ، وهي تلبس فستان الزفاف بعيونها الخجولة التي تفيض حباً وحناناً وأملاً بمستقبلٍ زاهر ، بعد الظن بزواجها من رجلٍ يحيمها ويعوّضها عن كل ما فاتها !

^^^


وبعد رحيل الأشخاص السامّين عن سيارتها ، نظرت في مرآتها العلوية : 

لترى نفسها في الخمسينيات من عمرها ، بوجهها الشاحب وعينيها المُرهقتين ..وقد اختلط الشيب مع سواد شعرها المُهمل !


حينها فهمت ما انتزعوه منها أولئك الثلاثة ، بعد قتلهم نسخها القديمة : الطفلة التي تحلم بالدراسة دون خوف من المتنمّرين .. والمراهقة التي أرادت التفكير بحرّية .. والشابة التي حلمت بالحب العظيم ! 

جميعهم حطّموا براءتها وطيبة قلبها وثقتها بنفسها.


ومع ذلك مازالت تقود سيارتها بثقة ، بعد اختفاء من يُملي عليها الأوامر القاسية !

وهنا ظهر آخر طريقٍ فرعيّ امامها ، بشارعٍ مليء بالأضواء المُبهجة ! 


وهذه المرة ، أدارت مقودها دون تردّد .. وكلما سارت بذلك المنعطف ، كلما ادركت انها اتخدت القرار الصحيح .. فذلك الشارع الفرعي ، اوصلها الى مدينةٍ هادئة .. بشوارع النظيفة ، وشرفات منازلها المزينة بطريقةٍ ودودة !

فشعرت فوراً بالإرتياح بعد خروجها من الشارع الطويل الكئيب ، وكأن عالمٍ مريح في انتظارها .. عالمٌ لا تعرفه ، لكنها لا تخشاه.


وابتسمت للمرة الأولى منذ بداية الرحلة ، قائلةً لنفسها:

((صحيح أن الماضي قتل نسخي القديمة .. لكني لم اعدّ : الطفلة الخائفة .. ولا المراهقة التي تنتظر الإذن لتعبّر عن احلامها .. ولا الشابة التي عليها التضحية بنفسها ، لإرضاء حبيبها النرجسيّ .. ربما ما خسرته ، لن استعيده ثانيةً .. لكني لن اسمح لأحد ان يقود حياتي بدلاً مني ))


وضغطت على دوّاسة الوقود ، وهي تُكمل سيرها نحو المدينة المضيئة.. بعد ان تحوّلت الى نسختها الأقوى ، التي كان ينبغي ان تكون عليها منذ البداية !


السبت، 24 أكتوبر 2026

السم بالعسل

تأليف : امل شانوحة 

النصائح الملغومة 


خارج غرفة مدير الجامعة ، جلس الحارسان على كرسيّن متجاورين .. فعملهما لم يقتصر على حراسة الباب .. بل يشمل إعداد القهوة ، واستقبال الضيوف .. ونقل القرارات إلى مكاتب الأساتذة .. وتنفيذ كل ما يحتاج إليه المدير.


الحارس الأول : اسمه احمد (بعمر الثلاثين) ، والثاني : فؤاد (بعمر الأربعين).. كلاهما يحملان الشهادة الثانوية فقط ، قبل تعينهما بالجامعة براتبٍ زهيد .. 


ولأن أحمد يطمح لتغيير حياته ، فقد قرّر الإستفادة من الخصم المُخصّص للموظفين لمتابعة دراساتهم الجامعية .. وسجّل في كلية الحقوق التي تخرّج منها مدير الجامعة ..مستغلّاً فترات جلوسه الطويلة امام باب المدير ، لتلخيص مواده القانونية .. 


بينما الحارس فؤاد ، فقد تعمّد دائماً الإستهزاء من مجهود زميله الطموح : 

- انت تضيّع وقتك وصحتك على شهادةٍ لن تنفعك .. فبالنهاية لن تجد وظيفةً لائقة ، وستعود للعمل حارساً هنا ..

احمد : كنت نصحتك ببداية العام أن تسجّل معي ، فنحن نهدر ساعاتٍ طويلة بالجلوس امام باب المدير دون فعل شيء .. فلما لا تستغلّ هذا الوقت ، بشيءٍ يفيدك؟ فالشهادة ستزيد من راتبك .. إستفدّ من الخصم المُخصّص للموظفين

فؤاد : ايّة دراسة يا رجل ، كبرت على هذه الأمور التافهة .. اصلاً لم احصل على شهادتي ، الا بعد اعادة الثانوية العامة للمرة الرابعة .. واريد الإستمتاع بوقت فراغي .. فكلانا من الطبقة الكادحة ، والوظائف بهذا البلد تحتاج الى واسطة قوية ..  ولهذا اخبرك دائماً بأنه لا فائدة من طموحك.. وستدرك يوماً صحّة كلامي ، لكن بعد فوات الأوان


فتجاهل احمد نقده الهدّام ، وتابع دراسة مواده القانونية 

^^^


فالتجأ فؤاد لحيلةٍ اخرى ، وهي جمع زملائه (من الحرّاس وعمّال النظافة بالجامعة) للإستهزاء من دراسة احمد وهو بعمر الثلاثين ..

فؤاد : انت بمقام والد اولئك الطلاّب الذين سيشغلون معظم المناصب الإدارية فور تخرّجهم ، بينما تصل أنت لسِن التقاعد مبكراً

لكن احمد لم يهتم لضحكاته الساخرة مع بقية العمّال ، وتابع دراسته بجهد 

^^^


الى ان وصل احمد لفترة امتحانات السنة الأولى .. فطلب اجازة اسبوعين بلا راتب ، لتفرّغ للمذاكرة .. رغم تحذيرات فؤاد بعدم إهدار مدّخراته.

^^^


وفي يوم النتائج .. نجح احمد بتقدير جيد ، دون حمله مواد للسنة الثانية .. 


وبدل ان يُهنّئه فؤاد ، قال ساخراً :

- حسناً يا بطل ، أثبتَّ قدرتك على منافسة الصغار.. فتوقف عن دفع الأقساط ، لأنه بجميع الأحوال لن تواصل الدراسة حتى التخرّج

^^^


وعندما أصرّ احمد على تجاهله ، استعمل فؤاد اسلوباً قذراً : وهو نقده امام مدير الجامعة ، مُتهماً اياه بالإهمال في وظيفته .. وترك معظم العمل على عاتقه ، بحجة انشغاله بالدراسة... واقترح على المدير استبداله بحارسٍ آخر 

^^^


لكن المدير كان فخوراً بإكمال احمد دراسته ! 

لهذا استخدم فؤاد طريقةً اخرى : وهي وضع الملح بقهوة المدير بدل السكر ، ونسب الغلطة لأحمد الذي اخذت الدراسة كل تركيزه ! 

فألحّ احمد على المدير بمراجعة كاميرا المطبخ ، التي أظهرت فؤاد اثناء وضعه الملح!

فصرخ المدير على فؤاد معاتباً :

- هل تعتقد أن الجامعة مكان لتصفية حساباتك الشخصية ؟! كيف سأثق بك بعد اليوم .. من الأفضل ان تحزم اغراضك وتغادر .. 

فسارع احمد بالقول : 

- أرجوك سيدي ، لا تفصله.. ربما تصرّف بطيش ، لكنه لن يكرّر ذلك.


فاكتفى المدير بتوجيه إنذار إلى فؤاد ، مُحذّراً من تكرار سلوكه المشين 

ليخرج فؤاد من المكتب وهو أكثر حقداً على أحمد ، رغم مساعدته بهذه الورطة ! 

^^^


وصار يتعمّد طريقةً اخرى : وهي تشغيل الموسيقى بمطبخ الجامعة ، لمنع احمد من الدراسة هناك .. مما اجبره على مراجعة دروسه على الدرج رغم برودته ايام الشتاء ، مع اصوات الطلّاب في الممرّات التي تشتّت تركيزه .. ومع ذلك استمرّ بدراسته بصبرٍ ، وأملٍ بمستقبلٍ افضل  

***


وذات يوم ، حاولت طالبة التودّد لأحمد .. لكنه تجاهلها ، مُركّزاً في كتابه.. 

وبعد ذهابها الى القاعة ، نصحه فؤاد :

- انت اصبحت كبيراً ، وعليك التفكير بالزواج .. وتلك الصبية مناسبة لك ، فهي من عائلةٍ فقيرة مثلك .. برأيّ صاحبها ، افضل من ملاحقتك وهمٍ لن يتحقق .. انظر اليّ !! لديّ ثلاثة اولاد ، وأنت ما زلت تركض وراء شهادةٍ جامعية لن تجدي نفعاً عليك ! صدّقني ، احاول نصحك .. لأنك ان تابعت اهمال عملك ، فسيوظفون غيرك 

احمد بامتعاض : أرجوك احتفظ بنصائحك لنفسك.. فأنا أعرف مصلحتي جيداً 

فؤاد : يا سلام ! يبدو كبر رأسك بعد نجاحك بالسنة الأولى .. كنت اخبرتك سابقاً أنك لن تجد عملاً ادراياً ، بعمرك هذا .. يا رجل ، حتى ثمن روب التخرّج لا تملكه .. فكّر في والدتك وأدويتها الغالية.. أمك أولى بهذا المال من كتبٍ لن تنفعك!

احمد بعصبية : الن تكفّ عن نصائحك المسمومة !! إهتم بغيري ، وفرّغ طاقتك السلبية عليه 

فؤاد : طاقتي السلبية ! هذا كلامٌ كبير .. ابدأت تتفلّسف علينا ، ايها المثقف العجوز .. رحم الله والدك الذي ترجّاني لتوظيفك معي بالجامعة


فلم يردّ أحمد عليه ، بل حمل كتبه نحو درَجه المفضّل.. بينما راقبه فؤاد وهو عاجز عن فهم سرّ ارادته الصلبة !

***


بمرور السنوات ، نجح احمد من مرحلةٍ لأخرى .. مواصلاً العمل والدراسة معاً ، الى ان أنهى دراسته الجامعية بنجاح.


وبيوم التخرّج .. راقب فؤاد بامتعاض زميله احمد وهو يستلم شهادته بروب التخرّج ، بينما امه تصفّق له بفخر بين الأهالي .. 


وبعد الحفلة .. حاول فؤاد إحراجه وسط الخرّيجين ، بسؤاله الساخر:

- من أين شحذت بدلتك ؟ 

ثم مضى ضاحكاً 


فقال زميله :

- لا تزعج نفسك يا احمد .. فهو يغلي من الغيرة بعد رؤيتك ناجحاً 

احمد : لا بأس ، فسمومه لم تعد تؤثّر عليّ .. وأحمد الله ان والدك القاضي ، وافق على توظيفي عنده بشركة المحاماة

صديقه : طبعاً !! فأنا اخبرته عن ذكائك وتفوّقك الدراسيّ .. 

احمد : لا اصدق متى يأتي الغد ، لكيّ استقيل من وظيفتي الحالية 

^^^


وبالفعل فرح فؤاد بخبر استقالة احمد ، وهو يخبر بقية زملائه ساخراً:

- يظن الغبي انه سيصبح محامياً مشهوراً ، لمجرّد حصوله على الشهادة الورقية ! سيبحث طويلاً قبل ان يعود الينا مذلولاً ، لإعادته حارساً كما كان

***  


بعد شهور .. توظف حارسٌ شاب مكان احمد ، فنصحه فؤاد :

- لا تكن غبياً كالحارس السابق وتضيّع وقتك بالدراسة ، فتهمل عملك وتطرد كما حصل مع احمد 

فردّ الحارس الجديد :

- أحمد لم يُطرد ! فقد سمعت أن صاحب شركة المحاماة أرسله بمنحة إلى فرنسا على حسابه ، لإكمال دراساته العليا مع ابنه بعد تفوقه الباهر

فؤاد بصدمة :

- فرنسا ! أيعقل أنه ما زال يطارد وهم النجاح ؟! 

***


ومرّت السنوات ، بلغ فيها فؤاد سن الستين .. وفي يومه الأخير قبل التقاعد ، استدعاه مدير الجامعة الجديد الى مكتبه 

فذهب متثاقلاً ، وهو يقول بنفسه : 

((حتماً سيحيلني على التقاعد)) 


وعندما دخل ، صُدم بوجود أحمد وهو يلبس طقمه الرسميّ .. 

ولم يصدق بوجود اسمه على لوحة المكتب ، تحت عنوان : رئيس الجامعة! 

فقال بتلعثم :

- مبروك احمد .. أقصد ، مبروك سيدي المدير! اكيد طلبتني الى مكتبك ، لطردي من عملي بعد كبري بالسن 

احمد : بل مدّدتُ خدمتك لسنتين إضافيتين ، حتى تُنهي ترتيبات تقاعدك بهدوء.. وبعد قليل سيصل ضيوفي لتهنئتي ، وأودّ منك أن تعدّ لهم قهوتك اللذيذة .. لكن لا تحسب حسابي ، فأنا لا أشرب القهوة كما تعلم

^^^


فخرج فؤاد من المكتب مقهوراً .. وحين مرّ بجانب الدرج ، تأمّل المكان وهو يتذكّر احمد يراجع دروسه باهتمام ، غير آبه باستهزائه وتحبيطه ! بينما أمضى هو سنواتٍ طويلة يُكرّر الوظيفة ذاتها ، رافضاً استغلال الفرص لتحسين حياته .. ولم يكتفي بذلك ، بل حاول إقناع أحمد بفعل الشيء ذاته !


في تلك اللحظة ، لم يشعر فؤاد بالغيرة او الحقد.. بل الحزن العميق على سنين عمره التي أُهدرها بأمورٍ تافهة ! 

وهنا ادرك بأن الخسارة الحقيقية ليست في البدء متأخراً.. بل الشعور بالندم لعدم المحاولة ، حتى ينفد كل وقتك بالحياة !


الجمعة، 23 أكتوبر 2026

العمر المستعار

تأليف : امل شانوحة 

العقد الملعون


ذات يوم.. قدمت صديقة سمر ، للإطمئنان عليها بعد وعكةٍ صحية : 

- أتعلمين ؟ كلما رأيت نوال ، تذكّرتك ! أَيُعقل أن قريبتك الستينية تسافر حول العالم ، بعد شفائها من جميع امراضها المزمنة .. بينما أنت في الثلاثينات ، تبدين كعجوز بالكاد تخرجين من منزلك ؟ فهل اتفقتما سرّاً على تبادل الأرواح بينكما ؟


تلك المزحة من صديقتها ، جعلت سمر تستعيد ذكرياتها .. مُتسائلة عن اللحظة التي تدهورت فيها حياتها .. ففي السابق عُرفت بحيويتها المطلقة ، وحبها لتنزه والسفر دون يأسٍ او خمول.. لكنها فجأة تزايدت امراضها وشعورها بالإحباط الذي جعلاها حبيسة المنزل .. حتى أصبح استمتاعها بالحياة ، حلمٌ صعب المنال ! 

^^^


وبعد تفكيرٍ عميق .. تذكّرت انه قبل 10 اعوام ، أهدتها قريبتها نوال عقداً ذهبياً فخماً .. طلبت منها الإحتفاظ به ، كونه ارثاً عائليّاً .. فبقيّ في علبته المخمليّة دون مساس ! 


فاستجمعت قواها ، للنهوض متثاقلة عن سريرها .. وبدأت البحث بخزانتها عن العقد القديم.. 

وعندما وجدته ، اخذته لدى الصائغ بعد قرارها الجريء بإزالة احجاره الكريمة .. 


وماهي الا لحظات ، حتى سألها الصائغ بقلق : 

- هل كنت تعرفين بوجود اوراقٍ صغيرة مخفيّة خلف الأحجار ؟!

وحدّقت سمر مصدومة بالطلاسم السحريّة المكتوبة بخطوطٍ صغيرة!  

^^^


فجمعت القصاصات ، وذهبت عند شيخ معروف بفكّه الأسحار .. وبعد قراءته الرقية الشرعية ، احرق الطلاسم ..وهو ينصحها بالحفاظ على الأذكار 


وما ان خرجت سمر من الجامع ، حتى شعرت بالنشاط والحيوية تعود لجسدها .. وهي تلتقط انفاسها بحرّية ، بعد إزاحة صخرةٍ ثقيلة عن صدرها! 

لكنها لم تخبر أحداً بما حصل .. خوفاً من وصول الخبر لنوال ، فتجدّد لها اسحاراً قاتلة هذه المرة ! 

***


بعد ايام .. وبينما كانت سمر تستمع بنزهةٍ طويلة لوحدها ، وصلها خبر نقل نوال إلى المستشفى بعد سقوطها مغميةً عليها ، اثناء رقصها بحماس بإحدى الأعراس ..فقرّرت زيارتها لاكتشاف الحقيقة كاملةً 

***


عندما دخلت الغرفة .. وجدت نوال مستلقية على السرير ، وقد شحب وجهها .. وكأنها عادت عجوزاً مريضة ، كما كانت في السابق ! والتي ما إن رأت وجه سمر يشعّ نضارةً ، حتى سألتها غاضبة : 

- بأيّ حق تكسرين عقدي الذهبيّ ؟!!

سمر بغيظ : يعني تعترفين بأنك سحرتني ، لتستمتعي بشبابي .. بينما عانيت لسنوات من روحك الهرمة ؟!!

نوال : وما ذنبي ان ولدّت مع مرضٍ لا علاج له ، أضاع كل شبابي .. وعندما رأيت فيديوهاتك وانت تسافرين من منطقةٍ لأخرى .. شعرت بالظلم والقهر ، وانه من حقي الإستمتاع قليلاً بالحياة 

سمر : الم تكفك عشر سنوات من حياتي ، يا نوال ؟! ولولا شكّي بأمرك عن طريق الصدفة ، لاستمرّت معاناتي حتى آخر حياتي .. الم تشفقي عليّ وانا حبيسة المنزل؟ او على جمالي الذي ذبل كل يوم ، وانا طريحة الفراش؟!

نوال : الحياة ليست عادلة مع الجميع

فاقتربت سمر منها ، وهي تقول بحنق :

- وهآ انا استعدّت شبابي أخيراً .. ولن أدفع بعد اليوم ثمن أنانيتك .. ومهما حصل معك ، لن اشفق عليك ابداً 


وغادرت الغرفة .. تاركةً نوال قلقة على مصيرها القادم ، دون شعورها بتأنيب الضمير بما فعلته بسمر !

***


لم تمضي أيام ، حتى تدهوّرت صحة نوال.. الى ان أعلن الأطباء وفاتها.


وحين وصل الخبر لسمر ، شعرت بارتياح بعد موت قريبتها الشريرة التي سلبت اجمل سنوات حياتها دون وجه حق ! 

***


ومنذ ذلك اليوم ، بدأت سمر بتعويض ما فاتها .. مُسافرةً لأجمل المدن التي حلمت طويلاً بزيارتها ، وهي تصرف ما دّخرته على التسوّق والسياحة .. لكنها لم تكرّر خطأها السابق : بنشر تلك الفيديوهات بجروب العائلة والأصدقاء ، مُحتفظةً بالذكريات الجميلة لنفسها  


فرغم سنواتها الضائعة ، الا انها واست نفسها بأن العمر لم ينتهِ بعد ، وانه مازال لديها فرصة تعويض ما فاتها 

اما تجربتها مع نوال ، فجعلتها دقيقة باختيار الأشخاص الذين يستحقون مشاركة حياتها .. فبعض الخيارات الخاطئة ، لا تمنحنا المديح الزائف والهدايا .. بل تأخذ منا ، ما لا نستطيع يوماً تعويضه.


الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

وسادة الندم

تأليف : امل شانوحة 

الحفيد الأول


في منزلٍ ريفيٍّ تركي .. جمع مراد والداه وإخوانه المراهقين الثلاثة ، واخته الوحيدة وزوجته لإخبارهم بموضوعٍ مهم .. قائلاً وهو منهار بالدموع : 

- هناك سرّ عليّ البوح به ، قبل ان تصيبني جلطة او انتحر

والده باهتمام : ماذا هناك ، بنيّ ؟

امه بقلق : إخبرنا مراد ، فحالتك سيئة منذ ايام !

فأخذ نفساً طويلاً ، قبل ان يقول : 

- لديّ طفل


وجاء الخبر صادماً للجميع ، خصوصاً زوجته زينب التي لم تستطيع الإنجاب منذ زواجهما قبل خمس سنوات !

ثم شرح لهم : انه بعد وفاة اخيه الصغير عقب دهسه بسيارةٍ مسرعة ، أفرط بشرب الكحول.. وقبل وصوله مُترنّحاً الى منزل والديه (الذي يعيش فيه مع زوجته وإخوانه) اوقفته (بيرين) جارته الأرملة ، وأدخلته بيتها.. 

وفي الصباح ، تفاجأ بنومه في سريرها ! وحصل شجارٌ بينهما ، بعد استغلالها سكره.. لكنها اخبرته بعشقها له منذ الطفولة.. وانها تزوجت عجوزاً ، عقب زواجه بزينب ، عقاباً لنفسها على حبها المستحيل .. وبعد وفاة زوجها ، استمرّت بالتقرّب منه بعد تأخّر زينب عن الإنجاب .. وحين لمحته سكراناً ، ارادت استغلال الفرصة .. لكنه أكّد كرهه لها منذ صغرهما .. وهدّد بأذيتها ان أخبرت زينب بخيانته لها ، فهو يعشقها بجنون.. وبعد ذلك الشجار ، سافرت بيرين لمدينةٍ اخرى ، وارتاح من شرّها لعدة شهور.. الا انها قبل ايام ، عادت مع طفلٍ تدعي انه ابنه ! فأصرّ على اجراء فحص الأبوّة ، ليثبت التقرير نسبه له..


ثم نظر مراد الى وجه والديه المصدومين من خيانته :

- ابي.. امي.. الصغير يشبه اخي المرحوم ، كأنه هو.. وهي تمنعني رؤيته قبل زواجي بها.. (والقانون التركي يمنع الزواج بأكثر من امرأة) .. فماذا عليّ فعله ؟!


وهنا فاجأت زينب الجميع بوقوفها وهي تزيل خاتم زواجها ، وتضعه على الطاولة امام مراد .. قائلةً بكسرة كبرياء:

- سأنتظرك انا ووالدي غداً صباحاً في المحكمة.. واحضر السافلة معك.. لكيّ تطلّقني ، وتتزوجها بالحال.. فأنا فشلت بمنحك طفلاً طوال السنوات الماضية ، ومن حقك ان تصبح اباً

فسارع مراد باحتضانها وهو منهار بالبكاء :

- احلف أنني لم احب أحداً سواك ، ولم أخنك بأرادتي.. رجاءً لا تتركيني ، دعينا نفكّر بحلٍ سوياً  

لكنها ابعدته عنها ، وهي تقول بحزم :

- اراك غداً بالمحكمة

ثم نظرت لأخته الصغرى هازال (12 عام) :

- رجاءً ، رتّبي اغراضي بحقيبةٍ كبيرة .. وسأرسل غداً أخي لأخذها

ثم خرجت من منزل العائلة ، متوجهة الى بيت اهلها وهي منهارة بالبكاء 


لتبدأ عائلة مراد بلومه على غلطته الفادحة ، حتى إن كانت غير مقصودة.. قبل ان توقف الأم عتابهم ، بسؤالها المفاجئ :

- هل حقاً ابنك ، يشبه المرحوم اخوك ؟

مراد : نعم امي ، كأنه هو

الأم : اريد رؤيته

وهنا وقف الأب ، وهو يقول بحزم :

- سترينه غداً بعد عودتنا من المحكمة.. وانت يا مراد ، أحضر عشيقتك معك.. فبعد توديعنا اليوم ابنتنا الغالية ، نستقبل غداً المرأة التي هدمت بيتك.


وذهب كل واحدٍ الى غرفته للنوم ، وهم متضايقين مما حصل .. 

بينما قامت هازال (الأخت الصغرى) بدخول غرفة مراد ، لحزم امتعة زينب ..وهي تراقب دموعه ، وهو يبكي بقهر فوق وسادة زوجته !

***


في الصباح ، اجتمعت العائلتان في المحكمة.. وحين سأل القاضي مراد :

- هل توافق على تطليق زوجتك زينب ؟ 

بالكاد خرجت الكلمات من فمه ، وهو يبكي بمرارةٍ شديدة : 

- للأسف ، مجبور على ذلك .. (ثم بلع ريقه بصعوبة) .. زينب .. انت طالق 

وما ان قالها .. حتى خرجت زينب مع والدها ، دون الإلتفات نحوه


بينما سارعت العشيقة (بيرين) بالجلوس مكانها ، وهي تقول للقاضي بحماس :

- جاء دوري !! إكتب كتابنا بالحال


بينما والد مراد ينظر اليها باحتقار ، لجرأتها وعدم شعورها بذنب هدمها لزواجٍ سعيد !

***


وبالفعل قدمت بيرين مع مراد ووالده الى منزل العائلة ، وهي تجرّ حقيبتها الكبيرة التي رفض اخوانه مساعدتها فيها


وبعد قليل .. وضعت الأم وابنتها هازال طعام الغداء على الطاولة .. 

فسارعت بيرين بالجلوس اولاً ، قبل الوالدين .. وهي تشرب الشوربة على عجل ، وتقول : 

- منذ الصباح لم اتناول شيئاً 


وجلست تأكل بشهيّة .. والجميع ينظر اليها باشمئزاز ، فلا احد مُتقبّل رحيل زينب (الكنّة الرائعة) واستبدالها بهذه الرخيصة !


وعلى طاولة الطعام ، سألتها حماتها :

- لما لم تحضري طفلك معك ؟ 

- هو مع قريبتي ، ستحضره بعد قليل

^^^


وبعد الغداء ، وصل الصغير ( بعمر 3 اشهر) فسارعت بيرين بوضعه في حضن حماتها .. والتي ما ان رأته ، حتى انهمرت دموعها : 

- يا الهي ! انه فعلاً يشبه المرحوم ابني.. كم تمنيّت لوّ ان زينب أنجبته

فردّت بيرين بعصبية : حماتي !! كنّتك السابقة عقيمة.. وانا من ولدّته ، لا تنسي ذلك ابداً 


لكن الحماة تجاهلت كلامها ، ونادت الأعمام لرؤية المولود .. 

فاقتربوا من الصغير على مضضّ .. لكن ما ان رأوه ، حتى علت الإبتسامة على وجوههم .. فهو نسخة طبق الأصل عن اخيهم المتوفي قبل عام ! 

وسرعان ما تناقلوا الطفل بينهم بمحبة ، رغم كرههم لأمه

***


ومرّت الأيام ، حاولت فيها بيرين جاهدة الإندماج بينهم .. بمساعدتها حماتها في المطبخ .. وتدليل حماها الذي تجاهلها مع ابنائه.. وملاعبة الأخت الصغرى التي رفضت الكلام معها.. فالطفل هو السبب الوحيد لتحمّل وجودها الثقيل بينهم !

***


مرّت الشهور على مراد ، وهو يعيش جسداً بلا روح ! 

وفي إحدى الليالي.. سمعت هازال بكاء اخيها الأكبر ! 

فتنصّتت على باب غرفته .. لتسمع عتاب زوجته :

- أمازلت تبكي عليها حتى الآن ؟! 

مراد بقهر : لا اريد لزينب ان تتزوج ذلك الرجل ، فهو معروف بقسوته وسوء طباعه ..وهي ناعمة كالورود

بيرين بلؤم : لا احد يتزوّج مطلّقة وعقيمة

مراد بعصبية : كفّي عن قول عقيمة !! فالفحوصات أكّدت انها طبيعية .. كل ما هنالك ، ان الله لم يقدّر لها ان تنجب ابني

- اذاً لا تحرمها الأمومة مع رجلٍ آخر 

- ليس من ذلك البغيض الذي سيؤذيها حتماً


وعادت الأخت الى غرفتها وهي حزينة على ما حلّ بمنزلهم الذي كان دافئاً وسعيداً قبل قدوم بيرين التي دمّرت حياة اخيها ، وأبعدته عن حبيبته زينب التي ستؤذي نفسها بزواجها من رجلٍ سيء ! 

وأمضت ليلتها وهي تدعو الله ان تُحل الأمور قريباً 

***


بعد ايام.. سمع الجميع صرخة بيرين التي خرجت باكية من غرفتها ، وهي تحمل رضيعها : 

- انه لا يتنفس .. ساعدوني !!


وهجم الإخوة نحوها ، وكل واحدٍ يحاول إنعاش الصغير بوجهه المزّرق .. قبل ان يسارع مراد بنقله للمشفى .. ليعلن الطبيب وفاته (مُرجّحاً الموت المفاجئ الشائع لدى الرضّع  (SIDS

***


وفي اليوم التالي .. اجتمعت العائلة الحزينة في المقبرة مع بقية المُعزّيين ، لدفن الصغير.. 

وما ان ردموا التراب فوقه ، حتى التفت مراد نحو زوجته المنهارة بالبكاء (ليس فقط لموت طفلها ، بل لعلمها بانقطاع صلة الوصل بينها وبين حبيبها) 


قائلاً مراد بصوتٍ مسموع : 

- لقد مات من كان يربطني بك .. انت طالق يا بيرين !!


وقبل ان يحاول والده وإخوته إقصائه عن قراره ، سارع بركوب سيارته ..تاركاً طليقته منهارة تماماً ، بعد خسارة زوجها وطفلها بالوقت ذاتها .. 

^^^


بينما انطلق مراد كالمجنون نحو المحكمة .. 

واقتحم القاعة ، قبل ثواني من اجابة زينب (زوجته الأولى) لسؤال قاضي :

- هل توافقين على الزواج .. 

فيصرخ مراد :

- اعترض !!


والتفت الحضور لطليقها الأول ، الذي اقترب منها باكياً : 

- زينب !! دفنت ابني قبل قليل.. وطلّقت بيرين في المقبرة .. قسماً بالله أنني لم ألمسها طيلة شهور زواجنا الشكليّ ، ويمكنكِ سؤال إخوتي الذين شهدوا نومي على كنبة الصالة طوال تلك الفترة .. فأنا لم أحب أحداً غيركِ.. رجاءً عودي إليّ!!


فسارع عريسها بلكمه بقوة :

- ايها السافل !! أتخطب عروستي امامي ؟!

وعندما حاول ضربه مجدداً ، اوقفته زينب بإجابتها على سؤال مراد: 

- سيدي القاضي !! رجاءً أعدني الى حبيبي وزوجي السابق مراد

فسارع مراد باحتضانها ، رغم نزيف وجهه من اللكمة القوية


بينما خرج العريس متضايقاً مع اهله ، بعد تبادلهم الشتائم مع مراد وزينب اللذين جلسا بجانب القاضي المذهول مما حصل !

مراد بسعادة : رجاءً سيدي .. إكتب كتابنا من جديد

***


وفي تلك الليلة ، ورغم حزنهم على فقدان حفيدهم الأول .. الا ان العائلة اجتمعت مع زينب (كنتهم الأولى) وهم يتناولون العشاء بارتياح ، بعد تخلّصهم من كابوس بيرين التي سافرت لقرية أهلها بعد حزم امتعتها 

***


ولم يمرّ عام حتى حدثت المعجزة الطبّية ، وأنجبت زينب مولودها الأول !

***


وفي احدى الليالي ، بينما الجميع يلاعبون الحفيد بسعادة 

دخلت هازال (الأخت) الى غرفتها .. وأخرجت وسادة صغيرة من درجها ، عليها قطرات دمٍ من انف ابن مراد الأول ، بعد إطباقها الوسادة على وجهه حتى الموت

وهي تدعي بخوف : 

((يارب سامحني ..كان عليّ قتل ابن الوضيعة ، لأعيد زينب الى مراد قبل زواجها من رجلٍ آخر .. وهاهم عائلتي سعداء بالحفيد الجديد .. فهل ستسامحني ربي على جريمتي التي ارتكبتها بحسن نيّة؟)) 


ثم اخفت الوسادة بدرجها ، وهي تقول بحزم : 

- هذا السرّ سيُدفن معي للأبد !! 


الصورة المخيطة

تأليف : امل شانوحة  الجارة الحقودة مع بداية فترة الإمتحانات النهائية.. إنشغلت مريم (17 سنة) بدراستها ، إلى حدّ نسيانها تناول الطعام ! رغم تح...