الثلاثاء، 31 مارس 2026

الروح البديلة

تأليف : امل شانوحة 

صفقة اللاعودة


في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ متهالك على أطراف المدينة.. 

وقبل طرقها الباب ، سألتها بنبرةٍ حاسمة : 

- هل انت مستعدة ؟ فهو قرارٌ لا رجعة فيه 

شيماء بحماس : انا مستعدة !! اريد الحفاظ على شبابي اطول مدةٍ ممكنة

صديقتها بامتعاض :

- لم يكن هذا هو الهدف الذي أخبرتني به سابقاً !

شيماء بحنق : آه صحيح .. فأنا قدمتُ معك ، بنيّة تدمير كل من اذاني من الأقارب والأصحاب

- احسنت !! لا تنسي فكرة الإنتقام ابداً

^^^


ثم دخلتا الصالة المتهالكة.. حيث جلست النساء ينتظرن دورهن للدخول الى المشعوذ الجديد الذي ذاع صيته بين سكّان المنطقة .. 


وحين جاء دورهما قبيل الفجر ، تقدّمت شيماء بخجل:  

- مرحباً يا شيخنا .. 

فرد غاضباً :

- هل ترينني شيخاً ، ايتها الجاهلة ؟!!

فسارعت صديقتها بالقول :

- اعتذر عنها ، سيدي المشعوذ .. فهي المرة الأولى التي تُقدم بها على هذا العمل

فسأل الساحر شيماء :

- ومن تريدين سحره ؟ زوجك وحماتك ، ام حبيبك ؟

وكادت تجيبه ، لولا ان سبقتها صديقتها بحماس : 

- بل تريد شيئاً اعظم !!

المشعوذ بعصبية :

- أصمتي انت !! ودعيها تخبرني بما تريد

شيماء بارتباك :

- اريد بيع روحي للشيطان

فإذّ بالنار امامه تشتعل فجأة ! مما ارعبها..

ليردّ الساحر بسعادة :

- ممتاز !! هذا يعني ان العالم السفلي رحّب بقرارك الجريء

شيماء مُبرّرة طلبها :

- ارغب في ذلك .. لأني سمعت ان من تبيع روحها ، تُحافظ على شبابها الدائم دون امراض او مصائب تحلّ بها

الساحر وهو مُنشغل برميّ اعشابٍ معينة بالنار :

- لا يوجد شيء دون ثمن .. والآن أصمتي ، لحين تحضيري الكيان لأخذ روحك

شيماء برعب :

- ماذا ! انا لا اريد الموت

فهمست لها صديقتها :

- لن تموتي ، هو فقط يساوم الشياطين على روحك.. ستفهمين ما اقصده لاحقاً


ثم بدأ الساحر يتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة ، مع ارتفاع أصواتٍ تبدو كأنها خرجت من تحت الأرض ! 

وفور انهاء تعويذته التي نفخها على وجه شيماء ، حتى شعرت بدوارٍ مفاجئ.. 

^^^


وحين فتحت عينيها.. وجدت نفسها داخل مصعدٍ زجاجيّ ينزل ببطء نحو أرضٍ ملتهبة بالنيران.. وفي المصعد المقابل : رأت شبيهتها تصعد مبتسمة ، كأنها تشكرها على تحريرها ! 


وظلّت شيماء ترتجف من هول ما يحدث ، الى ان فتحت صديقتها باب المصعد .. فاحتضنتها بقوة ، خوفاً من أشكال الجن والشياطين المنتشرين بين ممرّات باطن الأرض الممتلئ بشعلات النار !

شيماء بخوف : اين انا ؟!

صديقتها : انت في العالم السفلي

- ولما أنزلنا الساحر معاً الى هنا ؟!

صديقتها :

- نزلتي لوحدك .. فأنا هنا منذ خمس سنوات

شيماء : لا ، غير صحيح ! كنا معاً في منزل الساحر ..هل نسيتي ؟!

- تلك قرينتي التي استبدلتُ روحي معها قبل اعوام ، بعد بيع نفسي للشيطان ..وأكيد هي من أقنعتك بفعل الخطأ ذاته

شيماء بقلق : خطأ !

- تعالي نتكلّم بعيداً عن هؤلاء الملاعين

^^^


وأخذتها الى كهفٍ صغير ، قائلةً بصوتٍ منخفض :

- بيع الروح يعني : أن تحلّ قرينتك مكانك في الدنيا ، بينما تُسجنين أنتِ هنا.. هي ستعيش حياتك ، وتنتقم من جميع اعدائك 

شيماء بخوف : وهل ستؤذي زوجي وأولادي ؟! 

- الجن لا تعرف الرحمة ، وليس لديهم ذرّة ضمير … لذا ستحرص على تدمير المحيطين بكِ بلا استثناء ، كما حصل مع معارفي

شيماء : آه صحيح ! كيف لم انتبه لذلك.. فأنت طلقتِ زوجك ، وتخلّيتي عن اولادك الثلاثة بعد معاداتك جميع اقاربك.. مما أجبرك بالنهاية على العمل كخادمة في مدرسة اطفال

- لا طبعاً !! الملعونة قرّرت ذلك ، لخطف الصغار كقرابين لإبليس من وقتٍ لآخر

شيماء : وبالفعل اختفى خمسة طلّاب من تلك المدرسة قبل اعوام .. وينوي الأهل اغلاقها للأبد ، بعد فشل الشرطة باكتشاف الفاعل .. أأنت من فعلتِ ذلك ؟! 

فردّت صديقتها بعصبية :

- بل قرينتي يا امرأة ! الا تفهمين ؟!!

شيماء بقلق : يعني من احتلّت جسدي ، ستشوّه سمعتي في الدنيا ؟!

- طبعاً !! وتصبحين منبوذة ، كما حصل معي

شيماء : وكيف عرفتي بمصيرك ، وانت عالقة هنا ؟


فأخرجت من جيبها ، بلّورة صغيرة :

- هذه ستريك كل ما تفعله شبيهتك في غيابك.. لكن نصيحتي ألا تراقبي ، لأنك ستندمين على كل لحظة بعتي فيها روحك. .. خاصة بعد رؤية دموع اولادك المقهورين ، وصدمة اهلك بأخلاقك التي ستسوء حتماً بعد هذه الليلة.. كما ستسحر الملعونة كل معارفك ، لوقف رزقهم ونصيبهم.. وهو أمرٌ محبطٌ للغاية

شيماء بندم : لم اكن انوي فعل هذا ! كنت فقط غاضبة من شقاوة اولادي ، وتهديد زوجي بالزواج بأخرى ، وتفضيل اهلي لإخوتي عليّ ..لكني لم اردّ إيذائهم لهذه الدرجة !

- الغضب والحقد والحسد هو المنحدر التي انزلقنا به جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق) .. لكن الندم لم يعد ينفعنا الآن ، فقد خسرنا الدنيا والآخرة 

ثم وضعت يدها على كتفها : 

- والآن إخبريني.. هل كان الأمر يستحق التخلّي عن روحك الطاهرة ؟

فسكتت شيماء والدموع في عينيها..

فأكملت صديقتها الكلام :

- إمسحي دموعك ، فهي لن تُكفّر ذنبك وعارك.. ولوّ كانت تفعل ، لأغرفت نفسي بالدموع.. ليس امامنا سوى ترك قرائنا تُفسدان كل الروابط التي بنيناها طوال حياتنا ، ونحن نراقبهما بيأسٍ شديد .. (ثم شدّت ذراعها) .. والآن دعيني أُعرّفك على عالم الملاعين الذي ستبقين فيه لفترةٍ طويلة .. فحياتك الآن كجنية ، قد يمتدّ لقرون

شيماء بصدمة : قرون !

- نعم.. الم ترغبين بطول العمر دون مرضٍ او مصائب ؟ وهآ انت حصلتي على مرادك


وهنا صرخت عليهما رئيسة الجن من خارج الكهف :

- هاي انتما !! كفاكما ثرّثرة ، وعودا فوراً الى عملكما

الصديقة بارتباك : حاضر سيدتي !!


وبعد ذهاب الجنية ، سألتها شيماء بقلق :

- ايّ عملٍ تقصد ؟!

الصديقة بقهر : البشر مهانون هنا ، يعني نحن بمقام عبيدهم.. وهذا يعني بأن كل الأعمال المرهقة ستكون من نصيبنا ، حتى آخر يومٍ من عمرنا

^^^


ثم أخذتها لمطبخٍ ضخم ، حيث يُشوى الأطفال كقرابين لإبليس ! 

وهناك أدركت شيماء أن خلودها المزيّف لن يكون سوى عذابٍ أبدي ، وأن صفقتها لم تكن سوى ((صفقة اللاّعودة)) 


الأحد، 29 مارس 2026

حارس البذور الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

الطعم الأصلي


في جزيرةٍ نرويجيةٍ باردة ، بنيّ مخزنٌ جليدي معروف بإسم (قبو يوم القيامة) يحفظ آلاف البذور الأصلية للنباتات ، تحسّباً لأيّ كارثةٍ طبيعية تصيب العالم  


وفي إحدى الأيام ، حدثت عاصفةٌ شمسية .. عطّلت معها الأقمار الصناعية ، وشبكات الإتصال والكهرباء حول العالم .. ومن بينها ، كاميرات المراقبة الخاصّة بالقبوّ الجليدي.

وهي الفرصة التي انتظرها المزارع آدم الذي يرفض الطعام المُصنّع الذي فرضته الحكومات منذ عقود ، ضمن النظام الغذائي العالمي الذي يعتمد على بذورٍ مُعدّلة جينياً ، تُزرع وفق قوانين صارمة على الدول الزراعية !


ووسط الفوضى الإلكترونية ، تسلّل آدم إلى القبو المتجمد .. سارقاً بعناية من الحافظات الباردة ، حفنة بسيطة من البذور المتنوعة : قمحٌ قديم ، تفاحٌ برّيّ ، موزٌ أصلي .. وبذور بطيخٍ ، كان جدّه يصف طعمه كالعسل.. 


عاد بها إلى أرضه .. وأخفاها في بيوتٍ بلاستيكية ، بدت للعيون الإلكترونية (طائرات درون لمراقبة الحقول) مجرّد مشاتل زهور 

***


مرّت شهور ، الى ان تمكّن آدم من خبز اول رغيفٍ من القمح الأصلي .. عندما تذوقه ، وجد طعمه مختلفاً ! ليس كالخبز الصناعي الذي اعتاده الناس ، بل نكهته تبدو فعلاً من نتاج الأرض ! 

ثم جاء التفاح والبطيخ والموز بنكهاتٍ لم يعرفها الجيل الجديد من قبل..

***


وبقيّ آدم محتفظاً بسرّه لسنوات .. الى ان حصل تسونامي ضخم ، أغرق الجزيرة النرويجية التي تضم القبو الجليدي.. ليفقد العالم النسخ الأصلية للبذور الطبيعية ، مما أحبط العلماء الذين ساد الحزن واليأس بينهم 

***


لكن بعد أشهرٍ قليلة .. انتشرت إشاعة عن خبز آدم المميز ، وفواكهه بمذاقها القديم الأصلي !  

فتوافد المزارعون لتذوّق نتاج ارضه .. جعلت عجائزهم يبكون شوقاً ، بعد تذكّر الطعم الذي اعتادوا تناوله صغارا ! 

وترجّوا آدم لإعطائهم بذوره الأصلية ، لزراعتها في اراضيهم 


وبعد تردّد ، وافق على طلبهم .. لتبدأ ثورةٌ صامتة : حقولٌ صغيرة تنبت من جديد .. أطفالٌ يولدون بأجسادٍ قوية ، بعيونهم اللّامعة ، لا يعرفون المرض إلا نادراً ! 


الا ان الحكومات الكبرى لم ترضى بهذا العصيان ، وحاولت إعادة النظام الغذائي الموحّد.. لكن الناس الذين ذاقوا الطعم الحقيقي ، رفضوا العودة للمزروعات المزيفة.. 


وهكذا ، انتشرت الحقول الطبيعية حول العالم.. وصار آدم رمزاً لمقاومة الأرض .. حيث نُصب له تمثالاً بعد وفاته ، يحمل لقباً خالداً: 

((حارس البذور الأخيرة)) 


الجمعة، 27 مارس 2026

كهف الخطايا

تأليف : امل شانوحة 

اصدقاء الجحيم


دخل المغامرون الخمسة كهفاً غامضاً ، لاكتشاف اسراره : طبيبٌ ومصوّر ، برفقة شابٍ مع خطيبته وصديق طفولته.. 

وما إن توغّلوا في أعماق الكهف .. حتى انهارت صخرةٌ ضخمة خلفهم ، سدّت المدخل وحبسهتم في ظلامٍ دامس! 


وارتجّ المكان بصوت انهيارٍ حجريٍ ضخم ، جعلهم يتفرّقون مذعورين بين ممرّات الكهف المُتشعبة ... 

لكن الرعب الحقيقي بدأ ، بعد دويّ طلقةٍ نارية ! ورغم تردّدهم وخوفهم ، توجهوا لمصدر الصوت .. لينصدموا برؤية خطيب الصبية مقتولاً بطلقٍ في رأسه ! 


وبما أن مدخل الكهف مسدود ، يعني احدهم استغلّ ارتباك الآخرين للقيام بجريمته.. فمن يكون ؟! 

وسرعان ما اشتدّ الخلاف بين الرجال الثلاثة ، بينما الصبية مازالت منهارة بالبكاء بجانب جثة خطيبها..


ثم خرجوا من الشق الذي فيه الجثة .. وبدأوا بتفتيش حقائب بعضهم ، لإيجاد دليلٍ على صاحب السلاح الذي مازال مُلقى بجانب رأس القتيل !

فقال المصور : لوّ لم تقع كاميرتي لحظة انهيار الحجر ، لاكتشفت اللغز

صديق القتيل : تقول هذا ، لإبعاد الشبهة عنك

المصور : ولما اقتله ، وانا بالكاد اعرفه ؟!

الطبيب : على كلٍ سنكشف القاتل ، بعد اخذ الشرطة بصماته على المسدس

الصبية بيأس : هذا إن خرجنا من هنا احياءً

صديق القتيل : كلامك صحيح .. فنحن منشغلين بالجريمة ، بدل إيجادنا مخرجاً من الكهف الخانق

الطبيب بقلق : اذاً لنسرع ، قبل موتنا جوعاً وعطشاً 

الصبية : الا تحملون طعاماً في حقائبكم ؟!

فوضع الصديق حقيبته على الأرض ، وهو يقول لهم : 

- من الأفضل إخراج ما لدينا من مؤونة ، لمقاسمتها بالتساوي لحين انتهاء الأزمة


فأخرج المصور شطيرةً صغيرة مع علبة عصير..

الصديق : أهذا كل ما لديك ؟!

المصور : أقنعني القتيل بأن المغامرة لن تدوم أكثر من ساعتين ، لهذا لم أردّ إثقال حقيبتي .. ماذا عنكِ ؟

الصبية : احضرت فاكهة مُقطّعة ، وشايّ بالنعنع .. لقيامي بحميّةٍ غذائية قبل عرسي

ثم عادت للبكاء مجدداً ، وهي تقول بحزن :

- وهاهو حظيّ العاثر يُفقدني عريسي بجريمةٍ غامضة .. ترى ماذا سيفكّر المعازيم بي ؟ اكيد سيتشاءمون مني !

الصديق بعصبية : لا تفكري بأحد !! ولنركّز على طريقة للخروج من هذا المأزق 

الطبيب : الغريب ان القاتل ترك مسدسه بجانب القتيل ! لما يفعل شيئاً غبياً كهذا ؟! 

المصور : ربما ارتبك بعد اضاءة جوالاتنا


الصبية وهي ترفع جوالها عالياً : 

- ليت بإمكاني التقاط إشارة ولوّ ضعيفة ، لاتصلت فوراً بالنجدة

الصديق وهو يعيد حمل حقيبته : 

- حتماً لن نجد ونحن عالقين هنا ، لذا فلنتابع السير للجانب الآخر من الكهف

الصبية مُعترضة : لحظة ! ماذا بشأن حبيبي ؟ هل سنتركه هنا ؟

الطبيب : الشرطة ستتكفّل به ، بعد مسكها القاتل القذر !!

الصبية : تتكلّم وكأنك خارج الشبهات

- انا طبيب ..ولن أضيّع جهودي بالدراسة والأبحاث ، لقتل رجلٍ لا اعرفه جيداً

الصبية : كيف لا تعرف خطيبي الذي يتعالج لديك منذ شهور ؟

الصديق بدهشة : هل كان صديقي مريض ؟ ما علّته ؟

الصبية : أخبرني انه مرضٌ بسيط ، يحاول الشفاء منه قبل العرس

المصور : طالما انت طبيبه ، فما كان مرض القتيل ؟

الطبيب : لا ، هذه اسرار مرضى

المصور بعصبية : ايّة اسرار !! الرجل مات ، او بالأصح قُتل .. وكل معلومة ستفيدنا بحل اللغز

فتنهّد الطبيب بضيق : كان لديه سرطان بالمخ.

الصبية والصديق بصدمة : ماذا !


الطبيب : لديه ورمٌ صغير ، يمكن استئصاله .. لكنه خاف من المخاطرة ، بعد ان اخبرته باحتماليّة ان تُؤثّر العملية على حركته المستقبليّة

الصبية بندم : ليتني انتبهت .. فهو بالآونة الأخيرة صار يتعثر كثيراً ، ويجد صعوبة بالنهوض من الكرسي !

الطبيب : كنت حدّدت له موعد العملية بنهاية الإسبوع.. لكنه أصرّ على القيام بهذه المغامرة اولاً.. ولأني صديقه منذ ايام المدرسة ، وافقت على مرافقته .. ماذا عنك ؟ فأنت تدّعي صداقته ، رغم انني لا اعرفك جيداً !

المصور : كنت زميله بالنادي الرياضي الذي بدى مهوساً بالتدرّب فيه بالآونة الأخيرة .. والآن فهمت ، أنه كان مرعوباً من شلله بعد العملية .. وعندما اخبرته عن هوايتي بالتصوير ، دعاني لهذه المغامرة .. ماذا عنك ؟ متى اصبحت صديقه ؟


الصديق : انا وهو وخطيبته ، كنا معاً بدار الأيتام

الطبيب والمصور بصدمة : أحقاً ذلك ؟!

الصديق : نعم ، لكن تبنّتنا عائلات مختلفة ..وبسبب وسامته ، تبنته اسرةٌ ثرية .. اما انا وهي ، فتبنّتنا عائلتان فقيرتان 

الصبية : وهو ظلّ يبحث عني ، الى ان وجدني ..وخطبني

الطبيب : وماذا عنك ؟ كيف اعدّت التواصل مع القتيل بعد ان فرّقتكما الحياة ؟ 

فأشار الصديق الى الصبية :

- انا بقيت على تواصلي معها منذ طفولتنا .. لأن العائلتان اللتان تبنتنا ، كانت لديهما صلة قرابة .. لهذا كنا نلتقي في المناسبات العائلية

الطبيب : ولما لم تخطبها انت ، بدلاً من القتيل ؟

فنظر الصديق والصبية لبعضهما بارتباك..

الصديق بغيظ : لأنه اغنى مني ، ويستطيع ان يُعيّشها كأميرة كما تستحق


وهنا فاجأهما المصور بالقول :

- واضح انك تحقد عليه ، بعد خطبته لها  

الصديق بعصبية : ماذا تحاول الوصول اليه بكلامك المستفزّ ؟ 

المصور : بأنك استغليّت الظلام لقتل منافسك ، على امل استعادة حب طفولتك

الصديق بغضب : لا اسمح لك بهذه الفرضيّة المؤذية !!

فالتفت المصور الى الصبية : 

- اذاً اعترفي انت !! الم تكوني تقابلين صديقه دون علمه ؟ فأنا شهدّت خلافك مع القتيل بالنادي ، بعد ان أمرك الإبتعاد عن صديقه ، لشعوره بالغيرة من علاقتكما السابقة

فالتزمت الصمت ، والإرتباك واضحٌ عليها .. فنظر المصور للطبيب ، وهو يقول بابتسامة نصر : 

- اظننا وجدنا الفاعل


ليفاجأ بصديقها يخنقه بقوة : 

- لا اسمح لك باتهامي بقتله ، او اتهامها بخيانته ايها اللعين !!

فقال المصور بصوتٍ مخنوق ، وهو يحاول ازالة قبضته عن رقبته: 

- يبدو ان القتل يسري في دمك ! على كلٍ ستحقّق الشرطة بالجريمة بعد خروجنا من هنا

فقالت الصبية للمصور بغضب : 

- تتكلّم وكأنك بريء !! الم تكن تطالبه بدينك ، بعد خسارته للعبه قمار في منزلك ؟ .. فهل تخلّصت منه ، بعد عجزه عن دفع مالك ؟ خاصة انه طلب مني تأجيل العرس ، لحين سفره عند اخيه (من العائلة المتبناة) والتديّن منه ، لإنهاء علاقته بك نهائياً  


الطبيب باستغراب : هل حقاً كان القتيل مدمن قمار ؟!

الصبية بغضب : ربما بسببك !! فأنت اخبرته عن احتماليّة شلله بعد العملية ، او موته ببطء ان لم يفعلها .. وبظلّ ذلك الإحباط ، توجه للمقامرة ..على امل ترك بعض المال لي ، في حال إعاقته وخسارة عمله

الطبيب بثقة : من واجبي إخباره بوضعه الصحي كاملاً

المصور : وما يدرينا انك تقول الحقيقة .. فربما لم يكن مصاباً بشيء ..واردّت دفعه للإنتحار ، للحصول على خطيبته الفاتنة التي يبدو يهمّها مصلحتها الشخصية فحسب

وهنا صرخ الصديق : لا اسمح لك بإهانة حبيبتي !!

فنظر المصور للطبيب : هل سمعت ؟! لقد اعترف انها حبيبته .. اذاً هو القاتل !!


فعادا لتعارك بينهما ، ليسمعا الصبية تقول بصدمة : 

- هل يُعقل انه انتحر ؟!

فتجمّد الرجال الثلاثة في اماكنهم !

الطبيب : لما لم نفكّر بهذه الفرضيّة من قبل ؟!

الصديق : ولما ينتحر قبل انتهاء المغامرة ؟! فهو كان متحمّساً جداً لاكتشاف الكهف  

الصبية : ربما أوهمنا بنشاطه .. لكنه بالحقيقة مُدمّراً ويأساً من مرضه ، لدرجة إقدامه على الإنتحار ..خاصة ان المسدس ظلّ بجانبه

المصور : وربما عرف بخيانتكِ مع صديقه ، فأنهى حياته البائسة

الصديق بعصبية : لا اسمح لك بإهانتها !! فعلاقتي بها انتهت ، بعد خطوبتها منه 

المصور : اذاً تعترف انكما كنتما على علاقة ، قبل ان يأتي القتيل ويحرمك منها

الطبيب : توقفوا جميعاً !! ولنعد للجثة .. وهذه المرة سأفحصه جيداً ، لمعرفة ان كان قُتل ام انتحر

^^^


وبالفعل عادوا لشقّ الكهف .. ليكتشف الطبيب (بعد تقريب نور جواله من القتيل) اثر البارود واضحاً على اصابعه.. كما وجود المسدس قرب يده ، يُثبت انتحاره

واثناء صدمتهم بما حصل ! تفاجأوا بالمصور يفتّش جيوب القتيل

الصبية : ماذا تفعل ؟! أتبحث عن مالك ، ايها المقامر الشجع ؟!!

المصور : لا يا غبية .. لكن المنتحرين عادةً ، يتركون رسالة وداع

وبالفعل وجد رسالته ، بمحفظة بنطاله :

((اكرهكم جميعاً : خطيبتي الخائنة ، وصديق طفولتي الغادر ، زميلي المقامر ، وطبيبي الذي سرق أملي بالحياة ! لهذا اخترت انهاء حياتي امامكم .. بعد دفع ما تبقى من مالي لتقنيّ سينمائي ، لإيقاع حجرةً خشبية فور دخولنا.. متزامناً مع صوت الإنهيار الضخم ، لإخافتكم وتوريطكم بقتلي.. على امل انهاء حياتكم بطريقةٍ او بأخرى. فأنتم اقرب الناس اليّ ، واسوء من عرفتهم بحياتي.. القاكم بالجحيم ، يا اصدقاء السوء !!))


وبعد انهاء الرسالة التي قرأها المصور بصوتٍ عالي ، قال لهم :

- يبدو انه خطّط منذ البداية لقتلنا ! بعد اصراره على احضارنا سكيناً حادة ، لحماية انفسنا من الحيوانات المفترسة داخل الكهف.

الطبيب : دعكم من كل هذا.. فهو قال برسالته : ان الحجرة التي سدّت المدخل مصنوعة من الخشب

الصديق : كيف لم نفكّر بإزاحتها من قبل !

^^^


واسرعوا الى هناك ، ليتساعدوا بإزاحتها عن بوّابة الكهف ..

ثم خرجوا إلى النور ، لكنهم لم يخرجوا أبرياء.. 


المصور وهو يشير بأصبعه بدهشة : تبدو كأنها حجارةً حقيقية !

الصديق : فعلاً ، من صنعها مبدعٌ للغاية .. لكن ما اهميّة ذلك ؟

المصور : في حال اعدناها مكانها ، سيختفي الكهف خلفها .. وبذلك نتخلّص من هذه المصيبة

الصبية بصدمة : ماذا ! الن تبلغوا الشرطة عن وفاة خطيبي ؟

الطبيب : ان فعلنا ذلك ، نخسر اعمالنا.. فببحث الشرطة في سجلّي الطبي ، سيعلمون تورّطي بأشياء غير قانونية

الصبية : أهذا يعني بأن خطيبي لم يكن يحتضر فعلاً.. وأوهمته بذلك ، للحصول على اعضائه وبيعها بالسوق السوداء ؟

الطبيب بارتباك : كيف عرفتي ! أقصد .. لا لم ..

الصبية بعصبية : كنت اشكّ بك منذ البداية .. فأحد معارفي نبّهني منك ، بعد خسارة كليّته بعمليةٍ أجريتها له ، رغم انه مصاب بكسور من حادث سير.. والآن انفضحت!!

الطبيب بلؤم : لا تتكلّمي وكأنك بريئة ، ايتها الخائنة !! لا تنسي ان خطيبك كان من عائلةٍ ثرية ، وسيدمرونك ان عرفوا بانتحاره بسبب خيانتك


الصبية بحزن : لكنه سيتعفّن بالداخل !

الطبيب : وفي المقابل نتخلّص من هذه الورطة

المصور : انا اعترض !! فترك الجثة ، أمرٌ غير قانوني

الطبيب غاضباً : لا تتكلّم عن القانون ، ايها المقامر !! أتريد لشرطة اكتشاف ابتزازك للأثرياء الذين تتصيّدهم من الصالة الرياضة ، لاستدراجهم للعب القمار في منزلك ؟

فسكت ممتعضاً.. 

وعندما حاول الصديق الإعتراض ، اسكته الطبيب بالقول :

- وانت ايضاًَ لم تكن صديقاً جيداً له ، بعد خيانة ثقته

فسكت الصديق بضيق ..


المصور : اظن كلام الطبيب صحيحاً .. من الأفضل العودة الى بيوتنا ، واغلاق هذا الموضوع تماماً

الصبية : وماذا بشأن المعازيم ؟

المصور : أخبريهم انك تركته ، بعد اكتشاف خيانته لك .. ورفضك المتكرّر لاعتذاره ، أجبره على السفر خارج البلاد 

الصديق بقلق : لا يعجبني الوضع بتاتاً 

المصور بابتسامةٍ ماكرة : لما لا ؟ فبعد اليوم لن يمنعك احد من العودة لحبيبتك السابقة


فرضخوا جميعاً للأمر .. وتساعدوا بجرّ الحجرة الخشبية ، لإغلاق بوابة الكهف من جديد .. مُتفقين على الصمت ، وعلى دفن الجريمة داخل كهفٍ كشف أقنعتهم الحقيقية القذرة !


الأربعاء، 25 مارس 2026

اعترافٌ هاتفيّ

تأليف : امل شانوحة 

الخط المفتوح


اتصل بزوجته كعادته قبل انتهاء دوامه الإداريّ ، سائلاً على عجل :

- هل تريدين شيئاً من الخارج قبل عودتي للمنزل ؟ 

فأجابت بهدوء :

- لا شكراً 

- حسناً ، أراكِ لاحقاً 

فسألته بارتباك : 

- لحظة ! ألم تنسى شيئاً ؟ 

- مثل ماذا ؟ 

فسمع تنهيدتها ، وهي تقول بنبرةٍ حزينة : 

- لا شيء ... سلام


أنهى المكالمة ، واضعاً جواله جانباً وهو مازال يقود سيارته .. لينتبه أن زوجته نست إغلاق خطها ! 

فسمعها تبوح لصديقتها بما لم تجرؤ يوماً على قوله : 

- اليوم هو عيد زواجنا 25… كنت أعلم أنه سينسى

فحاولت صديقتها مواساتها : 

- رجاءً لا تحزني

فردّت الزوجة بصوتٍ مُرهق :

- هذه ليست المرة الأولى التي يتجاهل اموراً تُهمّني .. فهو يعاملني كأمٍ لأولاده فحسب .. فأنا لم أعد أشعر بحبه منذ سنوات.. فكل حديثه معي عن الأولاد ودراستهم ، وحاجات المنزل ، وعزائم أصدقائه وأقاربه التي أنهكت صحتي…كأنني موجودة هنا ، لخدمتهم جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق)..حتى عندما أمرض ، يُحضر دوائي .. ثم ينتقل للنوم في غرفة الضيوف كيّ لا يُصاب بالعدوى ، دون حتى الدعاء لي بالشفاء العاجل ! 

فقالت صديقتها : 

- لكن أولادك كبروا الآن.. اثنان تخرّجا من الجامعة ، وهذه هي السنة الأخيرة لإبنك الصغير..


الزوجة بقهر : 

- وهذا ما يُصبّرني .. لكنه فور تخرّجه هذا العام ، سأطلب الطلاق ..وأعود إلى منزل أهلي ، لأستعيد ما تبقّى من عمري.. على الأقل أرعى والديّ العاجزيّن ، بدل إهدار صحتي على رجلٍ لا يكترث لوجودي.. (ثم سكتت قليلاً) .. مع اني لا الومه ، فهو بالنهاية ذنبي ! دلّلته كثيراً حتى شعر أنه الملك وأنا جاريته..

فأجابت صديقتها:

- هذا لأنك تنازلتي كثيراً .. تركتِ دراستك العليا ، واستقلتِ من عملك بعد ولادة ابنك الأول.

- أردّت الإهتمام به وبأولادي الثلاثة.. وفي المقابل أهملت نفسي وصحتي وجمالي.. أشعر وكأنني بئرٌ فرغ من مياهه ، بعد أن أغدقت العطاء على أسرتي ، دون أن يفكّر أحدهم بملئه من جديد !


سكتت للحظة ، ثم أردفت بحزم:

- لكني اكتفيت !! فبعد تخرّج صغيري ، سينتهي واجبي تجاه عائلتي.. سأطلّق والدهم ، وأعود إلى منزل طفولتي…على الأقل أستعيد حرّيتي بإكمال دراستي ، او العودة لوظيفتي السابقة … هذا في حال وجدت عملاً بعد ان قاربت على سن الستين.

فأمسكت صديقتها يدها : 

- تعالي نشرب الشايّ في الحديقة ، لربما تتحسّن نفسيّتك قليلاً 


ثم أختفى صوتهما بعد خروجهما من الصالة .. بينما بقيّ الزوج يقود سيارته بشرود ، بعد أن أفزعه ما سمعه ! فهي لم تشتكي يوماً من تصرّفاته المزعجة .. وهاهي تنفجر مرةً واحدة ، دون علمه بأن صمتها الطويل يُخفي انكساراً مؤلماً ! 

^^^


غيّر وجهته ، وعاد إلى البيت مُحمّلاً بما لم يفعله منذ سنوات : كعكة ، باقة زهور ، وعلبةٌ مخمليّة.. فنظر الأولاد الثلاثة اليه باستغراب ، بينما حدّقت زوجته بهداياه بدهشة ! 


ثم اقترب منها ، لإلباسها العقد الذهبيّ .. بعدها قبّل جبينها قائلاً :

- كل عام وأنتِ زوجتي الحبيبة… وأم أولادي… وشريكة حياتي.

فامتلأت عيناها بالدموع وهي تعانقه بامتنان ، كأنها لا تصدّق ما حدث ! 


ثم همس في أذنها بلقبٍ قديم لم تسمعه منذ ايام الخطوبة : 

- هل ظننتِ أنني نسيت عيد زواجنا 25 ، يا بطتي الصغيرة ؟ 


وبسبب خطوته المفاجئة ، تبدّلت أجواء المنزل .. حيث امتلأت سهرتهم بالضحكات والنكات .. بينما استمع الأبناء باهتمام لذكريات ابيهم مع امهم التي وصفها بحبه الأول والأخير 

***


وفي المساء .. نامت زوجته مُطمئنة على صدره ، كأن سنوات تعبها انتهت بعد ليلته الحنونة..  

أما هو : فنام قرير العين ، سعيداً بإنقاذ زواجه من طلاقٍ وشيك ! 

^^^


غير مُدرك بأن زوجته تعمّدت ترك هاتفها مفتوحاً ، كمحاولةٍ أخيرة لإحياء حُبٍ يحتضر ! 


الاثنين، 23 مارس 2026

كتاب العائلة السحري (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

حب القراءة


في ذلك المساء الهادئ ، صرخ ولدٌ (8 سنوات) بعصبية : 

- انا اكره معلمتي !!

امه مستفسرة : لما يا لؤي ؟! 

- لأنها اعطتنا مهمّة قراءة قصة ما ، وتلخيصها بعد عطلة نصف السنة .. انها عطلة !! لما عليّ ان أقرأ ؟! 

- القراءة تُنمي عقلك ومخيّلتك .. ثم لديك شهرٌ كامل ، لحلّ الواجب المطلوب .. اقرأ قليلًا كل يوم ، وستجد الأمر ممتعاً.. هيا قم واخترّ قصة من مكتبة والدك .. 

- مازال لديّ وقت لفعل ذلك

الأم : على الأقل اخترّ كتابك ، قبل حلول موعد نومك  


فبدأ بتصفّح القصص الموجودة بمكتبة صالة منزله ، بينما عائلته مجتمعة حول التلفاز .. 

لؤيّ بتأفّف : 

- جميع الكتب بلا صور ، ما هذا المللّ ؟!


وهنا سمع صوتاً غريباً خلف النافذة :

- طالما لا تحب الكتب… فسأجعل حياتك كتاباً 

ليلمح ساحرةً عجوز ، تلوّح بعصاها نحوه .. وهي تضحك ساخرة !


وفجأة ! اختفت عائلته مع المكتبة .. ولم يبقى سوى كتابٌ ضخم أمام التلفاز المعطّل عنوانه : ((عائلة لؤيّ)) 

ففتح الكتاب بيدٍ مرتجفة ، ليجد مكتوباً في الصفحة الأولى : 

((إهداء الى ابننا البكر : لؤيّ)) 


اتسعت عيناه ، وهو يفتح الصفحة التالية .. ليجد عبارة مكتوبة بخط يد امه (التي لطالما ساعدته بحلّ واجباته المدرسيّة) : 

الأم : هي مقدّمة الكتاب ، فبها تبدأ كل الحكايات.


ثم وجد الملخّص : 

الجد : هو حكمة السنين التي سأنقلها اليك في سطورٍ قليلة..


ومن شدة ارتباك لؤي ، فتح الصفحة الأخيرة من الكتاب الضخم ، ليجد الفهرس بخطّ يد والده : 

الأب : هو من ينظّم فصول حياتك ، ويرشدك للطريق الصحيح 


فبدأ بتصفّح الكتاب : ليجد ان كل فصلٍ يروي حكمة أو ذكرى أو موقفاً من حياة عائلته .. كأن الكتاب موسوعة أسريّة : تتضمّن قصصاً حزينة ومضحكة ، وكشف اسرار وتجارب سابقة لهم.. مع وجود رسمات لأخته الصغرى !  


وقبل اخذ الكتاب لغرفته ، لبدء قراءة الفصل الأول .. لاحظ جملة تحذيرية ، مكتوبة من الساحرة :

((ستبقى عائلتك على قيد الحياة ، ما دُمت تقرأ كل يوم))

فسارع الاستلقاء في سريره ، لقراءة الكتاب ..وإزالة اللعنة ، لإعادة عائلته من جديد 


قرأ بدايةً بصوتٍ مرتجف .. ثم بصوتٍ أوضح… ثم بحماس ، الى ان غلبه النوم 

^^^


في الصباح.. اكتشف أن عائلته ما زالت مُختفية ، وباب منزله مغلقاً بإحكام! 

لم يشعر بالجوع أو العطش ، كأنه مسجون داخل مهمّة واحدة : وهي إنهاء الكتاب الذي ما ان فتحه ، حتى لاحظ تجدّد صفحاته بقصصٍ مختلفة : كوصفة كعكة أمه المميزة ، وموقف طريف لوالده ، وذكرى قديمة لجده المحارب ، ورسومات مُعبّرة من أخته الصغيرة التي كان يتجاهلها سابقاً ! 

^^^

كل يوم…كانت صفحات أخرى تُضاف للكتاب الضخم ! 

وكل فصل يكشف له ، جانباً جديداً من حياة أحبائه.. 


ومع الوقت ، زاد شوقه لأسرته بعد شعوره بقيمتهم.. حتى تعوّد على القراءة قبل نومه .. ولم يعد يتذمّر من ضخامة الكتاب ، وكثرة القصص التي فيه 


واستمرّ هكذا ، حتى مرّ شهر العطلة .. 

حينها ظهرت الساحرة امام سريره ، وهي تقول بابتسامة : 

- يبدو انك تعلّمت درسك يا لؤيّ .. فالكتب لا تسرق بهجة الحياة .. بل تُفهمنا كيف نعيشها ، من خلال الإستفادة من تجارب غيرنا 

ثم لوّحت بعصاها ، قبل اختفائها من الغرفة .. مع ارتفاع صوت التلفاز بالصالة !

***


فقفز لؤي من سريره .. ليجد والداه وجده واخته يشاهدون مسلسلهم المفضل.. فصار يعانقهم بشوقٍ كبير ، وسط دهشتهم !

الأم : هل شاهدت كابوساً مفزعاً ؟ فأنت لم تنم اكثر من ساعة ! 

لؤيّ بدهشة : ماذا ! أيعني هذا إن عطلتي لم تنتهي بعد ؟!

اخته : لا اخي ، مازال امامنا شهر للعودة للدراسة .. هل نسيت ؟!

***


ومنذ ذلك اليوم .. صار لؤيّ اول من يفتح كتاباً في عائلته ، بعد اعتياده على قراءة القصص قبل النوم .. بل ويطلب ان تكون هداياه ، كتباً جديدة ! 


ورغم ان الساحرة الغامضة لم تعد تظهر في منامه .. الا ان مكتبة لؤيّ الخاصة ، أخذت تكبر كل يوم ، مع رجاحة عقله وتفكيره !


الاثنين، 16 فبراير 2026

جنة أنتاركتيكا

تأليف : امل شانوحة 

لغز الحدود الجليديّة


التقطت كاميرات المراقبة (الموجودة على حدود القطب الجنوبي) قارباً صغيراً يقترب من جبالها الجليديّة الشاهقة التي لم يجرؤ احد على اكتشافها بعد ! 


وخلال ساعة .. تواجد المغامر مُكبّل اليدين في مقرٍّ عسكريّ ، للتحقيق معه .. حيث سأله الضابط في غرفةٍ منعزلة : 

- ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ 

فأجابه المغامر بثقة : كنت عائداً الى وطني 

الضابط بلؤم : وهل وطنك خلف نهاية العالم ؟

المغامر ساخراً : ومن الأحمق الذي أخبركم ، أن جبالنا هي نهاية العالم ؟

الضابط بعصبية : أجبّ اسئلتي دون فلسفةٍ زائدة !! 

- اذاً دعني أُخبرك الحقيقة كما هي .. (وعدّل جلسته) .. أتدري انني أمضيتُ عاميّن باكتشاف مدنكم وقراكم .. ولا ادري حقاً كيف تتحمّلون العيش في هذا الجحيم ! 

الضابط : تتحّدث وكأنك قادمٌ من النعيم.

فردّ بابتسامة : هذا صحيح .. ففي عالمي الموجود خلف جبال أنتاركتيكا ، يعيش الفرد فيها ما يقارب مئتيّ عام.. فلا أمراض معديّة او أوبئة خطيرة ، وكأن الجراثيم والفيروسات لا تعيش في طقسنا الدافئ على مدار السنة ! 

الضابط باستنكار : أتريد إقناعي ان الطقس خلف الجبال الجليديّة ليس قارصاً ، كما نعاني هنا لأشهر طويلة ؟ 

المغامر بحزم : دعني أُكمل وصف عالمي ، ثم أحكم بنفسك !! 


فسكت الضابط ممتعضاً ، بينما تابع المغامر كلامه بفخر : 

- في عالمي .. لكل رجلٍ ، زوجةً واحدة .. يختارها عن يقينٍ واقتناع ، لأنها توأم روحه.. فيعيشان معاً في وئامٍ وسلام ، دون خيانةٍ او مللّ .. فنسائنا لا تعرف العنوسة والطلاق ، حيث تنعدم لدينا الخصومات الزوجيّة.. كما تُرزق كل عائلة بولدٍ وبنت.. فنحن لا نعاني من العقم او فيض الذريّة.. ليس هذا فحسب ، بل لا نعرف شيئاً عن الحشرات والحيوانات المفترسة .. فنحن لدينا فقط : الأغنام والأبقار والطيور المسالمة والأحصنة والأسماك اللذيذة .. عدا ان حياتنا خالية من الحسد والسحر والشعوذة ، كأن الشياطين لم تكتشف عالمنا المسالم ! ولأننا جميعاً عمّال ومزارعين دون وجود اثرياء بيننا ، فكلاً منا راضي برزقه وقدره .. لهذا تنعدم عندنا السرقات والقتل ، والجرائم عموماً

فقال الضابط ساخراً : إن كان كلامك صحيحاً ، فلما تركت جنتك وأتيت الينا ؟

المغامر : لأن شبابنا شعروا بالمللّ ، وأرادوا اكتشاف ما وراء الجبال.. فنصحتهم بتركي إكتشاف عالمكم اولاً .. واليوم قرّرت العودة لتحذيرهم برفع علوّ الجبال الحدوديّة ، وتعزيز التيّارات المائية ، كيّ لا تصلوا إلينا.. لأنكم إن عرفتم بجنتنا ، ستغزونها وتلوّثون نقاءها ، كما فعلتم بعالمكم.

الضابط مهدّداً : انت لم ترى جحيمنا بعد !! وإن لم تعترف بالحقيقة ، فسأرسلك للسجن أو مستشفى المجانين.

المغامر بضيق : لقد اكتفيت من غبائكم وغطرستكم.


وأخرج من جيبه قلماً معدنياً ، ضغط زرّه العلويّ .. مُجمّداً الضابط في مكانه ، قبل خروجه من غرفة التحقيق .. ثم هربه من المقرّ العسكري ، بعد تجميده جميع الحرس المتواجدين هناك !

***


استفاق المحقّق مع حرسه بعد ساعة ، ليسارعوا بمراجعة تسجيلات المراقبة.. ويروا المغامر يُبحر من جديد نحو الجبال ! مُخرجاً ذات القلم الذي خرج منه شعاع ليزر .. شقّ الجبل ، فاتحاً به نفقاً طويلاً .. ليختفي مع قاربه داخله ، بعد اغلاق بوّابته الخفيّة من جديد !  

***


منذ ذلك اليوم ، حاولت الحكومات إختراق جبال أنتاركتيكا بلا جدوى بعد ازدياد ارتفاعها ، واشتداد تيّاراتها المحيطة بها .. وكأن المغامر حذّر شعبه فعلاً من سكّان الأرض عديمي الأخلاق والإنسانيّة ! 

***


وفي اجتماعٍ مُغلق لعلماء الطبيعة .. 

قال أحدهم : إن كانت هناك جنة خلف جبال القطب الجنوبيّ ، فهل يُعقل وجود جهنم خلف جبال القطب الشماليّ يكون اسوأ من عالمنا ، مليء بالأشرار والقتلة والمجانين ، والأوبئة والوحوش البرّية .. بحيث نبدو جنة مقارنةً بهم ؟! 

فساد الصمت بين العلماء ! 

ثم سأل أحدهم : 

- ماذا لوّ أرسلوا هم أيضاً مغامراً لاستكشاف عالمنا؟

فردّ الآخر بوجهٍ شاحب: 

- حينها سيغزوننا ، ويفنوننا جميعاً ! 

فسأل الآخر : أتظنون أن أولئك هم يأجوج ومأجوج المذكورين بالكتب السماوية ؟

فتبادلوا نظرات الرعب بينهم ! 

بينما تنهّد كبير العلماء ، قائلاً : 

- لنترك ذلك للمستقبل .. ولنحاول عيش كل يومٍ بيومه ، قبل أن تُفتح علينا ابواب الجحيم من كل حدبٍ وصوب ! 


وأنهوا اجتماعهم وهم يتمنّون : ان لا يعيشوا في ذلك الزمن ابدا !


السبت، 14 فبراير 2026

حفل التكريم

تأليف : امل شانوحة 

الصف الأمامي


حصلت عجوز على بطاقة دعوة مجانية ، لحضور حفل تكريم للكتّاب العرب.. لم تعرف من أرسلها ! لكنها شعرت بالحماس والفرح ، لأن حلم حياتها هو حضور مناسبة تُنقل على الشاشات ووسائل التواصل الإجتماعي .. لهذا ارتدت أفضل ما لديها ، وصبغت وجهها بألوان زينة لا تناسب عمرها .. 

وذهبت إلى القاعة بخطواتٍ واثقة ، كأنها من ستُكرّم هناك ! 


فاستقبلها مُنسّق الحفل الذي قادها إلى مقعدها.. لتتفاجأ أنه بالصف الأمامي ، رغم عدم تعرّفها بعد على الفائزين الموهوبين !


لم تمضي دقائق .. حتى جاءت صبية ، أجلسها المنظّم بجانبها.. 

ثم جلس شابٌ وسيم بالمقعد الثالث بجانبهما.. ولأنهم غرباء ، التزموا الصمت بانتظار الحفل التكريمي 


ثم بدأ المذيع بإعلان أسماء الفائزين التسعة الأوائل من الكتّاب العرب.. 

وتوالت الأسماء والتصفيق .. دون معرفة الثلاثة أيّاً من المُكرّمين ، او سبب دعوتهم الى الحفل ! 


وحين أُعلن اسم الفائز الأول .. تجمّدوا في أماكنهم ، فالإسم معروفاً لديهم !

المذيع بصوتٍ جهوريّ : 

- نجلاء سعادة !! هي أفضل كاتبة عربية لعام 2027.


تصبّبت العجوز عرقاً ، فالفائزة قريبتها التي حاربتها لسنوات .. واستعانت بالسحر والشعوذة ، لتحطيمها بكل الطرق ! فقط لأن العرّافة أخبرتها يوماً : إن مستقبل نجلاء سيعلو على أبنائها. 

لهذا أنفقت مالها ، لاستدعاء اللعنات المتتالية .. لكن مصير نجلاء الذي تعثّر مطولاً ، رفض تغيّر ما قُدّر له ! 


أما الصبية التي جلست بجوارها : فكانت من أشدّ متابعي مدوّنتها قسوة.. ناقدة شرسة ، لا تترك قصة دون اتهام .. ولا سطراً دون التشكيك بسرقته من الذكاء الإصطناعي .. والتي نصحتها مراراً بالتوقف عن الكتابة ، والبحث عن وظيفةٍ مربحة ، مُدعيّةً حرصها على مستقبلها ! 


أما الشاب : فهو كاتبٌ منافس .. تظاهر بالحب ، لتعليقها به .. ثم هجرها ببرودٍ مُتعمّد ، لإطفاء موهبتها .. فدعته الليلة ، ليشهد العكس.


اعتلت نجلاء المسرح ، لتسلّم الجائزة.. ثم اعطاها المذيع الميكروفون لإلقاء كلمة .. فنظرت مباشرةً للصف الأول.

قائلةً بهدوء : 

((أريد من الجمهور شُكر هؤلاء الثلاثة)) 


فاقتربت الكاميرا منهم ، مُظهرةً وجوههم المرتبكة على الشاشة العملاقة.

وأكملت نجلاء كلامها : 

((فهم بنقدهم المُدمّر ، وأعمالهم السحريّة ، وغرامهم المزيّف… كانوا السبب في استمراري بالكتابة.. لولاهم ، لما أصرّيت على الانتصار.. رجاءً حيّوهم !! فهم السبب في تواجدي معكم الليلة)) 

 

فتعالت اصوات الاستنكار والهمسات الغاضبة من القاعة !

ونهض الثلاثة مرتبكين ، يجرّون خطواتهم نحو المخرج وسط استهجانٍ علنيّ..


وفور خروجهم المُهين ، ارتفع التصفيق صاخباً .. إحتفالاً بكاتبةٍ دفعت ثمن موهبتها ألماً وقهراً ، الى ان وصلت لقمّة النجاح !


الروح البديلة

تأليف : امل شانوحة  صفقة اللاعودة في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ مت...