الأربعاء، 12 أغسطس 2026

توأم الجن

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

قوة النقيضين


في غابر الأزمان ولد التوأم **الغاشر والعاشز في إحدى عوالم الجن المنسية، وكان بينهما رابطة دم سحرية، إذا ابتعدا عن بعضهما أكثر من ميل واحد، يبدأ جسداهما بالذوبان. 

صفة أحدهما وهو الغاشر أنه لا يطيق المكوث في مكان، والآخر العاشز مهنته تتطلب التخفي والسكون لشهور.

 فالغاشر جني بدوي، ضخم المنكبين، يرتدي درعاً من جلد السقنقور، طبعه الغشر وهو الهجوم المباشر، يكره الانتظار، ويريد دائماً الترحال في الفيافي.

 أما العاشز جني من العمّار من الذين يسكنون البيوت المهجورة، نحيل، عيونه لا ترمش، متخصص في العشوزة وهي فن التسلل لسرق أسرار البشر دون أن يشعروا به.


تلقى العاشز مهمة من حكيم القبيلة، فعليه أن يسكن في قبو مهجور لقصر تاجر بشري لمراقبته، فالتاجر يمتلك خريطة لمناجم الكبريت الأحمر، 

- فعلى العاشز أخذ هذه الخريطة وإيجاد الكبريت الأحمر وإحضاره إلى ملك الجن الأقهب لإخفاءه عن السحرة من البشر لئلا يتسببوا في أذية الجن والسيطرة عليهم - ، وأساس مهمة العاشز المراقبة التي تتطلب سكوناً تاماً لمدة سبعة أيام.

لكن الغاشر مجبر على البقاء معه في نفس القبو الضيق بسبب رابطة التوأم.


وفي القبو المظلم، الرطب، المليء بالخفافيش، التصق العاشز بالسقف كأنه جزء من الخشب، والغاشر يتحرك بضيق يميناً ويساراً، وصوت أنفاسه يكاد يفضح المكان.

احتد غضب الغاشر من الوضع، 

غاشر: سأجن يا عاشز! المكان يضيق عليّ كأنه قبر، دعني أخرج لأحطم صخرة واحدة خارج الأسوار وأعود.. رئتاي تحترقان!

العاشز دون أن يحرك عضلة: اثبت يا غاشر، لو خرجت سأذوب أنا هنا كالشمع، ولو تحركت أنت، سيعرف التاجر أن القبو مسكون، الغشر لا ينفع مع البشر، بل يحتاجون إلى المكر والعشوزة.

غاشر: مكرك هذا سيقتلنا مللاً! سأكسر عنق هذا التاجر وآخذ الخريطة في ثانية، وننتهي.

عاشز: وقتها سيحضر الرقاة والكهنة ويُطرد كل جن القبيلة من هذه المنطقة، اصبر، القوة ليست دائماً في القبضة.


بعد مرور أيام الأسبوع وفي آخر يوم لهما في القصر، والتوأم ما زالا في القبو، دخل لصوص من البشر لسرقة التاجر، والأصعب في الأمر أن اللصوص ليسوا لصوصاً عاديين، بل كان معهم بخور مغربي يطرد الجن العمّار.

أشعل اللصوص البخور، وبدأ الدخان يتسرب للقبو، والعاشز بدأ يضعف، فالبخور يحلل قواه السحرية القائمة على التخفي.

عاشز بصوت متقطع: غاشر.. الدخان.. سيسلبني القدرة على الاختفاء.. سأظهر أمامهم إن دخلوا للقبو للبحث عن الخريطة.. سيقتلونني بتمائمهم.

لمعت عينا غاشر ببريق الغشر،

غاشر: أخيراً! جاء وقتي، ابقَ أنت خلفي، سأريك كيف تكون حماية الأخ.


كسر غاشر حاجز الاختباء واستغل قدرته الجسدية الهائلة، فخرج من القبو في لمح البصر، وقام بالغشر الجسدي، فضرب الأرض بقدمه ضربة زلزلت أركان القصر، ثم جسّد نفسه كخيال أسود ضخم واندفع نحو اللصوص، مستخدماً الرعب المادي بدل السحر، فقلب الطاولات، وحطم الأثاث فوق رؤوسهم، وصرخ صرخة هزت أبدانهم، ففروا هاربين تاركين سلاحهم وبخورهم.

عاد الهدوء إلى القبو وتنفس عاشز الصعداء. 


عاشز: لقد فضحتنا.. الآن سيعرف الجميع أن القصر مسكون بجن غاشر.

ضحك غاشر بملء فيه،

غاشر: فليعرفوا! على الأقل نحن أحياء، مكرك كاد أن يجعلنا رماداً تحت أقدام اللصوص، أحياناً يا أخي، تحتاج من يكسر الباب بدلاً من أن يحاول فتحه بمفتاح صدئ.

عاشز: ربما.. لكن لولا هدوئي طوال الأسبوع لما عرفنا أين يخبئ التاجر الخريطة، لقد رأيته يضعها في بطانة معطفه حين ظن أنه وحده.

غاشر: إذاً، تمت المهمة، أنت تأخذ المعلومة، وأنا أحميك، والآن.. يمكننا الخروج من هذا القبو اللعين. 


بدأت الرحلة الحقيقية عندما غادر التوأم القصر المهجور، يحملان سر الكبريت الأحمر.

بينما كان التوأم يسيران في القفار، كان التوتر سيد الموقف، ضرب الغاشر الأرض بهراوته الحجرية، العاشز ينسلّ كظل الغاشر، وعيناه تجوبان الأفق.

غاشر: توقف عن هذا الالتواء يا عاشز! تمشي كأنك تخشى إيقاظ الأرض، نحن جن، والبرية لنا، ارفع رأسك واضرب بقديمك!

تنهد عاشز بصوت خافت،

عاشز: الأرض لها آذان يا غاشر، وهذا الطريق يحرسه خُطّاف الأنفاس، لو سمعوا جلبة هراوتك، سيطبقون علينا من تحت الرمل، العشوزة هي أن تمر دون أن تدري بك الريح.

ضحك غاشر بسخرية وقال: 

خُطّاف الأنفاس؟ فليأتوا! سأجعل من عظامهم وقوداً لنارنا، القوة هي التي تفتح الطريق، وليس الهمس في أذن الرمل.


جلس التوأم عند نار صغيرة في وسط الصحراء التي اشعلاها بقدرتهما السحرية، فتح عاشز الخريطة أمام النار الصغيرة، بدأت الخطوط تتحرك كأنها عروق حية. 

عاشز : انظر.. الخريطة تقول إن الكبريت الأحمر ليس معدناً يُحفر، لكنها دموع الجبل تقطر من سقف منجم الظلمات السبع مرة كل مئة عام، واليوم هي الليلة الموعودة.

غاشر: دموع؟ حسبته حجراً يمنحنا القدرة على تحويل النحاس لذهب، وسحق الأعداء. 

عاشز: هو كذلك، لكنه سائل في بدايته، إذا لمسه هواء الفجر تجمد وأصبح ياقوتاً يغلي، علينا الوصول قبل الشروق. 


وصل التوأم إلى فتحة المنجم؛ وهي فجوة سوداء ينبعث منها ريح كرائحة البارود، ومنطر جدران المنجم كأنها مرايا من الكريستال الأسود.

عاشز: هنا تبدأ لعبتي، المتاهة مصممة لتضليل من يعتمد على بصره، لا تلمس الجدران يا غاشر، فهي تمتص القوة الجسدية.

شعر غاشر بالاختناق،

غاشر: أكره هذه الأماكن.. أشعر أن الجدران تقترب مني، عاشز، لا تبتعد عني، رابطة التوأم بدأت تؤلمني.


وبينما كان الأخوة يتجولان في المنجم، فجأة! ظهر حراس المنجم، وهم من الغيلان الصخرية، ضخام بلا عيون، أجسادهم مغطاة بملح سام.

غاشر: أخيراً! شيء يمكنني ضربه!

اندفع غاشر بغشرته المعهودة، ووجّه ضربة هائلة لأول غول، لكن الملح السام تطاير وأصاب ذراع غاشر فبدأت تؤلمه.

صرخ عاشز : تراجع! هؤلاء يتغذون على الصدام، دعني أعميهم بالوهم!

استخدم عاشز عشوزته، وبدأ يدور حول الغيلان بسرعة تجعل الهواء يصفر بلحن معين، فبدأت الغيلان تضرب بعضها البعض ظناً منها أن العدو بينهم. 


في تلك اللحظة، سحب عاشز أخاه غاشر من وسط المعمعة.

سار التوأم حتى وصلا إلى قاعة واسعة، في وسطها عمود من الكريستال يقطر منه سائل أحمر يتوهج بنور شيطاني، لكن المفاجأة لم تكن في الكبريت وحده.

تحت قطرات الكبريت، وجدا هياكل عظمية لملوك الجن القدامى، جالسين في حلقة، وكل واحد منهم يمسك بمرآة تعكس وجه الآخر.

غاشر: ما هذا؟ هل ماتوا وهم ينتظرون الكبريت؟


تفحص عاشز المكان بدقة وهو يقول: لا.. انظر إلى عيونهم، لقد تحولوا إلى حجر، الكبريت الأحمر ليس جائزة، إنه فخ، من يلمسه بمفرده دون أن يكون معه نقيضه، يتجمد مكانه للأبد. 

غاشر: إذاً، لو جئتُ وحدي وحاولت أخذه بقوتي..

عاشز: لكنت الآن هيكلاً حجرياً يزين هذه القاعة، ولو جئتُ أنا بمكري، لما استطعت عبور بوابة الغيلان.

مد غاشر يده الضخمة: خذه أنت بمكرك يا عاشز، وأنا سأحمل الوعاء وأحميك بصدري حتى نخرج.

عندما لمس عاشز الكبريت، اهتز المنجم، وبدآ بالتوجه للخارج وهما يدركان أن قوتهما ليست في التفرد، بل في الرابطة التي كانت تضايقهما.

كان التوأم يظنان أن العودة للاحتفال، ولا يعلمان ما سيواجهانه من صراع للبقاء ضد السلطان.


حين وصلا إلى مشارف وادي الدخان، مقر ملك الجن الأقهب، كان الحرس بانتظارهما، الملك الأقهب ملك من ملوك الجن الذين يسكنون في الأودية، وعيونه ترى ما تحت الرمل.

جلس الأقهب على عرش من عاج الفيلة المسحور، وبجانبه سيافوه بوجوههم المغطاة بالنحاس.

الملك الأقهب: غاشر.. عاشز.. التوأم المنبوذ، جئتما بما عجزت عنه جيوشي، ضعوا الكبريت الأحمر في مبخرة الخلود وارحلا بسلام.

همس عاشز لغاشر وهو يرى غدر الملك في لمعة عينيه. 

عاشز: لا تسلمه القارورة يا غاشر، فيده ترتجف طمعاً، وسيفه خلف ظهره ينتظر إشارة.

تقدم غاشر بخطوات تهز القاعة

غاشر: يا ملكنا، الكبريت الأحمر له ثمن، نحن خاطرنا بأرواحنا في منجم الظلمات، والآن تريد أخذه بكلمة؟

الملك لم يرد بالكلمات، بل أشار بإصبعه، فانطلقت رماح الظل من الجدران نحو التوأم.

صرخ عاشز: الغدر!. 


في جزء من الثانية، استخدم عاشز عشوزته القصوى؛ فجعل جسده وجسد أخيه شفافين كالسراب، فمرت الرماح من خلالهما لتصيب حرس الملك الواقفين خلفهما!

غاشر وهو يشتعل غضباً: تريد دمنا؟ خذ غضبي إذاً!

هجم غاشر بغشر لم يره أحد من قبل، فضرب أعمدة العرش الرئيسية، فانهارت السقوف الرخامية فوق رؤوس الجنود، مما أحدث فوضى عارمة.


بينما كان الحطام يتساقط، كان عاشز ينسج خيوطاً من الوهم حول الملك، مما جعله يرى جيشاً كاملاً من التوائم يحيط به.

صرخ الملك الأقهب بجنون وهو يلوح بسيفه في الفراغ: أين أنتما؟ سأحرق الوادي بمن فيه!

تكلم عاشز بصوت يتردد من كل زاوية

عاشز: أنت ملك على الأجساد يا أقهب، لكنك لا تملك سلطاناً على الروح التي يمنحها الكبريت، طمعك هو من قتلك.


ظهر غاشر فجأة خلف الملك، وهو يمسك بياقته الضخمة: بضربة واحدة يمكنني سحق تاجك فوق رأسك، لكننا لسنا قتلة ملوك، نحن أحرار البرية.

بدلاً من قتل الملك، قام عاشز بحركة عاشزة عبقرية، فوضع قارورة في يد الملك، فظن الأقهب أنه استسلم.

غاشر: ماذا فعلت؟ هل سلمته الكنز؟ 

ابتسم عاشز وهو يجر أخاه للخارج: اركض يا أخي ولا تنظر خلفك!


حين فتح الملك القارورة ليغتسل بالكبريت الأحمر، انفجر في وجهه بخور الطرد المغربي الذي أخذه غاشر بعد أن تركه اللصوص البشر في قصر التاجر! صرخ الملك وهو يشعر بقواه السحرية تتبخر، بينما كان التوأم يختفيان في عمق الصحراء.

توقف التوأم فوق تلة عالية، وعاشز يخرج القارورة الحقيقية من طيات ثوبه.

غاشر: لقد خدعته بالبخور! مكرك هذا أخطر من هراوتي يا عاشز.

عاشز: وهراوتك هي من حطمت عرشه ومنحتني الوقت لأستبدل القوارير، الآن، ماذا سنفعل بهذا الكنز؟

غاشر ناظراً إلى الأفق: سندفنه في مكان لا يصل إليه ملك طماع ولا إنسي جشع، سنبقى نحن حراسه.. الغاشر الذي يحميه بدمه، والعاشز الذي يخفيه بمكره.


وهكذا، تحول التوأم من مجرد جنيين منبوذين إلى أسطورة الصحراء، الحارسان الخفيان لأعظم سر في عالم الجن.

****

ملاحظة :

تسمية الغاشر مأخوذة من قناة القصة الأخيرة من قصة فيها قط أسود أعمى اسمه غاشر. 

أما تسمية العاشز مأخوذة من العواشز قبيلة من الجن يعيشون في صحراء الصمان وسط الجزيرة العربية والعوشز هو نبات العوسج الصحراوي تعيش قبيلة الجن في منابت هذا الشجر

هذا من الموروث الشعبي المتناقل شفهياً والله أعلم بصحته.


الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

القرية الموبوءة

تأليف : امل شانوحة 

الحجز الصامت


في مشرحة القرية .. سأل المحقق طبيب التشريح عن الجثة المشوّهة (التي وجدوها خارج الغابة) فور انتهائه من معاينتها .. 

فأجابه الطبيب بحزم : 

- اغلق جميع مخارج القرية فوراً !!

المحقق بقلق : مالذي يحصل ؟!

الطبيب :

- يوجد اسفل الغابة ، مختبرٌ بيولوجيّ سرّي.. كنت أحد الباحثين فيه ، قبل طردهم لي .. بعد رفضي تصنيع سلالة معدّلة وراثياً من البكتيريا القاتلة ، لتحويلها لاحقاً إلى سلاحٍ بيولوجيّ لخدمة بلادنا عسكرياً .. رغم انني حذّرتهم باستحالة السيطرة عليها .. (ثم أشار إلى الجثة) .. أترى وشم كتفه ؟

المحقق : نعم 


فأزال الطبيب روبه الأبيض ، كاشفاً قميصه :

- وانا ايضاً لديّ ذات الوشم ، كبقية العلماء العشرة المشاركين بالمختبر السرّي.. (ثم نظر للجثة) .. لا استطيع معرفة من يكون ، بعد تشوّه وجهه بشكلٍ مقزّز .. وأظنه أُصيب بالمرض أثناء التجارب ، فهرب خوفاً من احتجازه .. لكنه انهار قبل ابتعاده عن الغابة 

المحقق بقلق : وهل يوجد مرضٌ جلديّ يشوّه الجسد بهذه السرعة ؟! 

- هي نسخة معدّلة صُممت لتنتشر بسرعة ، وتقتل بغضون أسابيع قليلة.. لهذا يمنع علينا جميعاً مغادرة القرية الموبوءة

المحقق : لكني غير مصاب بالمرض ؟!

- طالما دخلت المشرحة ، فأنت تحمل المرض .. وكذلك فريق الشرطة الذين أحضروا الجثة الى هنا 

فشحب وجه المحقق :

- لكن زوجتي على وشك ولادة طفلنا الأول في المدينة

الطبيب بحزم : إيّاك الذهاب اليها !! إذا خرج المرض من قريتنا ، فلا يستطيع أحد إيقافه.. سأحاول التواصل مع من تبقّى من علماء المختبر ، لإيجاد العلاج قبل فوات الأوان..

***


في تلك الليلة.. استيقظ المحقق على مكالمة زوجته وهي تخبره بفرح عن ولادة ابنه .. ولشدة سعادته ، انطلق بسيارته الى المدينة لرؤية مولوده الجديد الذي ما ان حضنه وقبله ، حتى تذكّر تحذيرات الطبيب 

فأعاد الطفل الى زوجته وهو يتصبّب عرقاً ، ويعتذر عن اضطراره العودة للقرية سريعاً دون اخبارها بالمرض المعدي 

^^^


وما ان دخل قريته ، حتى طوّقها الجيش من جهاتها الأربعة .. 

ولم يكتفوا بإغلاق الطرق ، بل قطعوا الإتصالات .. واضعين السكّان المذعورين تحت الحجر الصحيّ بأوامر سرّية من الحكومة ، بعد تأكيد المختبر عن وقوع تسرّبٍ بيولوجيّ.

***


وبمرور الأيام ، تزايد عدد الوفيّات بالقرية 

وبعد أسبوعين.. كان المحقق يحتضر ، والذي همس للطبيب الذي قدم لمعاينته : 

- سامحني ، لقد خالفت أوامرك... وذهبت إلى زوجتي ، وحملت طفلي بين ذراعي.. رجاءً إرسل من يطمئن عليهما 

^^^


وفي أقل من ساعة ، وصلت فرق الطوارئ إلى المدينة..

ليجدوا الزوجة متوفية ، بينما طفلها سليماً معافى !

حيث أظهرت الفحوصات : أنه يحمل طفرةً جينية نادرة ، جعلت جهازه المناعيّ يقضي على العدوى قبل انتشارها بجسده الصغير ! وبذلك تحوّل دمه إلى الأمل الأخير..


ومن خلاله ، نجح العلماء في إنتاج العلاج ..وإنقاذ من تبقى من سكّان القرية ، بعد موت نصفهم تقريباً !

بعدها أُُحرق المختبر السرّي ، وأُغلقت مشاريعه للأبد.. وظن المسؤولون أن الكارثة انتهت.. لكنهم لم يعلموا بالسرّ الذي حمله المحقق معه إلى قبره..

فهو اثناء خروجه من مستشفى الولادة ، صادف حبيبته السابقة التي جاءت لزيارة إحدى قريباتها.. تبادلا كلماتٍ قليلة ، قبل ان تفاجئه بعناقٍ أخير !

بعدها بأيام ، سافرت برحلةٍ سياحية الى الهند ..


حيث انتشر المرض الجلدي بين السكّان سريعاً ، أطلقوا عليه مصطلحاً طبياً آخراً ! دون ربطه بمرض القرية الذي بقيّ ملفه من اسرار الحكومة .. وكلّه بسبب المحقق الذي لم يتحمّل شوقه ، لرؤية مولوده الجديد

***


ولم يمضي العام.. حتى أصبح ذلك الوباء أعظم كارثة عرفتها البشرية ، بعدما حصد أرواح الملايين .. وانتشر من دولةٍ إلى أخرى ، الى ان غطّى معظم أنحاء العالم ! 


الأحد، 9 أغسطس 2026

قصص محمد بيومي آل غلاب في مدونتي

قصص مشتركة : من أفكار الأستاذ محمد ، وكتابة أمل شانوحة


1- كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الأول 

https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_15.html

كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الثاني

https://www.lonlywriter.com/2018/05/blog-post_6.html

كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الثالث 

https://www.lonlywriter.com/2018/05/3.html


2- سحر وراثي

https://www.lonlywriter.com/2020/10/blog-post_6.html


3- ألحان من عالم آخر

https://www.lonlywriter.com/2017/10/blog-post_13.html


4- جبل الذهب

https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_29.html


5- معركتي مع المارد

https://www.lonlywriter.com/2017/10/blog-post.html


6- التميمة الملعونة

https://www.lonlywriter.com/2025/10/blog-post_29.html


قصص من تأليف محمد بيومي آل غلاب :


7- البستاني الصامت

https://www.lonlywriter.com/2025/12/blog-post_30.html


8- اللعنة العلمية

https://www.lonlywriter.com/2026/01/blog-post.html


9- أشرعة الحرية

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post.html


10- العهد الأسود

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_06.html


11- رماد الأكوان

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_09.html


12- توأم الجن 

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_12.html



رماد الأكوان

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

احتراق الأبعاد


في القرن الخامس والثلاثين، وتقريباً عام 3450 للميلاد، كان البشر يسكنون السدم الاصطناعية، لكن طرأت مشكلة في مادة الكون. 

فقد اكتشف العلماء أن النسيج الزمكاني بدأ يتأكسد. 

الفضاء يحترق فعلياً، لكنه لا يحترق بنار الأوكسجين التي نعرفها، إنه يحترق بنار الـ entropy الاعتلاج التي تأكل الأبعاد.


كانت الكابتن نايا تراقب من نافذة سفينتها إيغدراسيل منظراً مرعباً، فقد رأت وهجاً أرجوانياً باهتاً يلتهم النجوم. 

النجم الذي يلمسه هذا الوهج لا ينفجر، إنه يذوب كشمعة، تاركاً وراءه فراغاً أبيض بارداً.

أصدر جهاز الذكاء الفضائي صوتاً:

هذا ليس مجرد حريق يا نايا، إن الفضاء نفسه يحترق، القوانين الفيزيائية التي تثبت الجزيئات معاً بدأت بالتفكك. 

ردت نايا بتوتر: كان الفضاء قديماً يُعرف بسكونه القاتل، لكنه الآن يصرخ، فالقطاع الذي فيه السفن الفضائية لم يعد مظلماً؛ لقد استحال إلى جحيم مستعر من البلازما الأرجوانية التي تلتهم المادة والزمن.


خلف الستار الملتهب، ظهرت كائنات من الطاقة المظلمة المكثفة داخل دروع من مادة لا توجد في جدولنا الدوري، كائنات يطلق عليها المطهرون، تبدو سفنهم كأسراب من الجراد المعدني العملاق، وهذه الكائنات تطلق خيوطاً حارقة تمزق الروابط الذرية للأشياء، محولةً الكواكب الصلبة إلى سحب من الغاز المشتعل لتتغذى عليها.

بينما كانت الكابتن نايا وزميلها المهندس سام يحاولان الصمود على متن السفينة إيغدراسيل، التقطوا إشارة من كويكب مهجور، فاتجهوا سريعاً إلى الكويكب. 


بعد الهبوط في الكويكب تتبعوا الإشارة، فوجدوها صادرة من قبو مهجور، فبحثوا عن مكان القبو حتى وجدوه، فخرجت امرأة عرفت نفسها لهم بـ إيلارا، وهي عالمة فيزياء خمسينية، كانت تُعتبر مجنونة لأنها تنبأت بهذا الحريق قبل عقود.

كانت إيلارا تبدو شاحبة، عيناها تعكسان ضوءًا فضياً غريباً. 

قالت بصوت يرتجف بوقار:

أنتم تحاولون إطفاء حريق بمسدس ماء، المطهرون لا يحرقون الفضاء لأنهم أشرار، هم يفعلون ذلك لأن كونهم الأصلي قد مات، وهم يحاولون تحويل كوننا إلى بيئة حرارية تناسب بقاءهم.

سام: وما العمل؟ أساطيلنا تتبخر!

إيلارا: مفتاح التغلب على المطهربن ليس في القوة، سنتغلب عليهم بالتردد، فلديهم قلب مركزي يسمى النواة الحارقة، إذا استطعنا إدخال فيروس فيزيائي يغير ثبات الجاذبية هناك، سينهار الحريق على نفسه.


أقلعت سفينة إيلارا مع إيغدراسيل من الكويكب، واجتمعت بقايا الأساطيل البشرية حول إيغدراسيل، آلاف السفن ضد ملايين الجراد المعدني، كان المشهد مهيباً، فالسماء مشحونة ببرق كوني لا يتوقف.

نايا عبر أجهزة اللاسلكي: إلى كل الطيارين، نحن لا نقاتل من أجل الأرض اليوم، نحن نقاتل من أجل حق الكون في البقاء بارداً ومظلماً! احموا سفينة إيلارا حتى تصل إلى المركز!


بدأت المعركة، كانت سفن البشر تسقط كالفراشات المحترقة، أما سفن المطهرين كانت تمر عبر الدروع وكأنها سكاكين ساخنة تمر في الزبدة.

فجأة، اهتزت السفينة إيغدراسيل بعنف أطاح بالجميع أرضاً، وظهر بث مباشر لكن كان في أذهانهم كصوت حاد غير مسموع داخل رؤوسهم:

(الصمت كان جميلاً، لكن المادة هي الشوائب التي تعيق نقاء الكون، نحن النار، وأنتم مجرد وقود سيتلاشى لتبدأ شمسنا الأبدية). 

سام وهو يمسك برأسه: كابتن! إنهم داخل عقلي! النظام الدفاعي ينهار، الحرارة الخارجية وصلت لدرجة صهر التيتانيوم. 


وخلال ثوانٍ انفجر المحرك الأيمن! صرخ سام: إنهم يحيطون بنا!

نايا: إيلارا، هل أنتِ جاهزة؟

ردت إيلارا بحاسوب مركبتها ذهنياً: خمس ثوانٍ... النواة أمامنا مباشرة!. 


وسط ألسنة اللهب التي كادت تذيب هيكل إيغدراسيل، ظهرت النواة الحارقة، وهي كرة شمسية هائلة الحجم، تدور حولها آلاف الكائنات الطاقية كأنها في طقس ديني مخيف.

أطلقت إيغدراسيل القذيفة التي صممتها إيلارا، عندما وصلت القذيفة إلى النواة لم تنفجر مباشرة، فقد حصل سكون مطبق، وفجأة، بدأت الألوان الأرجوانية تبهت، والحرارة تنخفض بشكل حاد.

إيلارا: لقد غيرتُ قوانين الفيزياء حول النواة... الفضاء بدأ يرفض وجودهم.


بدأ المطهرون يصرخون بشكل جماعي، صرخة تردد صداها في عقول الطاقم، ثم بدأت أجسادهم تتفتت إلى غبار بارد، لكن الثمن كان باهظاً؛ فالسفينة إيغدراسيل كانت في قلب الانهيار الجاذبي.

سام: نايا.. الجاذبية تسحبنا للداخل! سنختفي معهم!

نايا بابتسامة هادئة: على الأقل، سنختفي في فضاء بارد وسلام.


وفي هذه الأثناء حدثت المعجزة. 

فبعد أن غيرت إيلارا قوانين الفيزياء وتفتت أجساد المطهربن؛ لأنهم من مادة مظلمة رفض الفضاء وجودهم بعكس مركبات البشر، فقد نجت سفينة إيغدراسيل ومئات السفن الفضائية من الانهيار والتلاشي.


بعد حوارات ومناقشات بين السفن الفضائية عبر الذكاء الفضائي، اقترحوا التوجه نحو الثقب العظيم، وهي نقطة يُعتقد أنها تؤدي إلى كونٍ فتيّ لم يمسه الحريق بعد. 

كانت الرحلة سباقاً مع الزمن، خلفهم.. كانت مجرة درب التبانة تتلاشى، لتتحول إلى سحب من الغبار المتوهج... إلى رماد كوني.

بينما كانت السفينة تعبر سديم الأندروما، رأوا أن الأجرام تحولت إلى ذرات، والذرات إلى مجرد ذبذبات تائهة.


وصلت سفينة إيغدراسيل مع عشرات السفن المتبقية إلى حافة الثقب العظيم. نظرت نايا خلفها للمرة الأخيرة، فلم يعد الفضاء بالمعنى المعروف، فقط مساحات شاسعة من الرماد البارد الذي يملأ ما كان يوماً ما سماءً مليئة بالنجوم.

لقد انتهى عصر الضوء، وبدأ عصر الرماد.


عندما عبرت السفينة إلى الجانب الآخر، وجدوا فضاءً صامتاً، ينتظر أول ذرة لتشتعل فيه الحياة.

خمد الحريق بعد مئات السنين، وعاد الفضاء أسود كما كان، لكنه لم يعد فارغاً، الرماد الذي خلفه الاحتراق بدأ يتجمع ليشكل نجوماً جديدة، نجوماً زرقاء غريبة لم يرها البشر من قبل.


في سجلات التاريخ الكوني، كُتب أن احتراق الفضاء كان النهاية لعصر، والبداية لكونٍ هجين، حيث تعلم البشر أن النور ليس دائماً علامة على الحياة، وأن الظلام قد يكون أحياناً هو الملاذ الأخير.


السبت، 8 أغسطس 2026

وريث الشيطان

تأليف : امل شانوحة 

تربية امي


وقف مراهقٌ عربي (18 سنة) أمام عجوزٍ اوروبيّ ، داخل مكتبٍ فخم وهو يرتجف خوفاً .. بعد اختطافه من رجالٍ مجهولين ، نقلوه بطائرةٍ خاصة الى ايطاليا !

حيث قال العجوز والسيجار بفمه :

- أظن والدتك علّمتك لغتنا ، طالما درست في جامعتنا ؟

فأجاب المراهق بصوتٍ مرتجف:

- نعم سيدي 

- وهل تعرف من أكون ؟

- لا اعرفك ، ولا اعرف لما انا موجودٌ هنا ! فقد كنت بطريقي الى جامعتي ، قبل ان يخطفني رجالك 

العجوز : وماذا تدرس ؟

- المحاماة 

فردّ العجوز بحزم : لا !! هذا الإختصاص يعارض عملي


ورغم استغراب الشاب من ربط دراسته بعمله ! الا انه سأله بقلق :

- وماهو عملك سيدي ؟!

فردّ العجوز بفخر : رئيس المافيا الإيطالية

فبلع الشاب ريقه برعب ! قبل ان يتابع العجوز اسئلته :

- إخبرني قليلاً عن حياتك ؟

فأجاب المراهق بنبرةٍ حزينة :

- عشت يتيماً منذ صغري .. أما أمي ، فماتت قبل أيام .. بعد ان صدمتها سيارةٌ مسرعة ، دون عثور الشرطة على السائق المتهوّر الذي ..

العجوز مقاطعاً بلؤم : انا من ارسلت ذلك السائق 

المراهق بصدمة :

- انت قتلت أمي ؟! 

- قتلت الخائنة التي عادت مع إبني الصغير الى بلدها دون اذني 


صرخ المراهق بعصبية : 

- عن من تتكلّم ؟!! ابي مات قبل ولادتي 

- امك كذبت عليك ، لتحميك مني .. فأنا رأيتها بالصدفة اثناء ذهابها الى جامعتها ، وأعجبني حياؤها وتمسّكها بحجابها.. فأمرت رجالي بخطفها.. ولليوم اعتبرها أشرس امرأة عرفتها بحياتي ، لشدّة مقاومتها لي ! وبالنهاية حجزتها في قبو قصري ، لحين ولادتك ..وعندما بلغت السادسة ، ساعدها أحد حرّاسي للهرب معك إلى المغرب.. وقد دفع ذلك الحارس حياته ، ثمناً لخيانته

فصرخ المراهق غاضباً :

- ايها اللعين !! بأيّ حق تُدنّس شرف امي ؟


فردّ العجوز ببرود :

- دعك من الماضي ، فهي ماتت وانتهى امرها .. المهم الآن !! أحضرتك الى هنا للإنتقام لأخيك الكبير الذي قُتل على يد العصابة المنافسة .. ولأنك وريثي الوحيد .. سأعيد تأهيلك وتدريبك ، لحين توليّك زعامة المافيا من بعدي.

فقال المراهق بحزم:

- أفضّل الموت على أن أصبح مجرماً مثلك !!

- يبدو أن أمك لم تحسن تربيتك ، لتهين والدك هكذا 

ثم نادى حرّاسه لسجنه بقبو القصر ، لبدء تجهيزه لمهام عصابته القادمة

***


وبدأت سنوات جحيم المراهق ، كأنه داخل معسكر إعتقال .. خضع فيه كل يوم لتدريباتٍ عنيفة على القتال والرماية والدفاع عن النفس.. 

وفي المساء ، يُجبر على حفظ معلوماتٍ خطيرة من ملفاتٍ ضخمة : عن طرق تهريب الأسلحة ، وغسل الأموال ، وتجارة المخدرات ، وأساليب السيطرة على العصابات المنافسة 

وإن رفض التعلّم ، يُعاقب بالحرمان من الطعام أو الجلد أو الحبس داخل خزانةٍ حديديةٍ ضيّقة .. وبذلك استطاعوا كسر عناده .. لكنهم فشلوا في الوصول إلى روحه التي حصّنتها أمه بالقيم الدينية 


ولأنه ادرك خطورة مواجهتهم .. تظاهر بالإندماج والحماس لأفكارهم الشريرة ، لإنهاء كابوسه الذي استمرّ ثلاث سنوات !

*** 


ببلوغه سن 21 ، حان وقت امتحانه النهائي.. وحضر العجوز اختبارات ابنه القتالية والتخطيطيّة التي اجتازها الشاب ببراعة ، أذهلت افراد العصابة ! 


فأخذه والده الى مكتبه للإحتفال بنجاحه ..

وهناك قال العجوز ، وهو يملأ كأس الخمر :

- اخيراً اصبحت الإبن الذي حلمت به دائماً .. فأخوك الأكبر ضيّع حياته على القمار والنساء الرخيصات .. اما انت !! فأفضل منه بكثير ، وتستحق زعامة المافيا من بعدي


ثم شرب قليلاً من خمره ، قبل ان يكمل كلامه :

- والآن !! حان وقت مهمّتك الأولى.. عليك قتل ابن زعيم العصابة المنافسة ، إنتقاماً لأخيك


وقبل البدء بشرح خطته ، إختنق بنوبة سعالٍ عنيفة.. وتحوّل وجهه للون الأزرق ! فأمسك جواله ، لاستدعاء الحرس لإسعافه .. 


لكن ابنه فاجأه بسحب الهاتف من يده ، ورميه بعيداً .. وهو يقول بصوتٍ منخفض :

- لا داعي لأن ألوّث يدي بالسلاح او الدهس ، كما فعلت بأمي .. يكفي وضع السم في شرابك ، لتخلّص من شرورك.. ولا تقلق ، فلا احد من رجالك او معارفك سيطالب بتشريح جثتك ، لأن موتك هو نهاية كابوسهم .. ولهذا ساعدني احدهم بإحضار السمّ الذي وضعته بشرابك ، قبل خروجك من حمام مكتبك .. اما عن أموالك : فسأتبرّع بها للجمعيات الخيرية ، لأني لا اريد مالك الحرام .. وبالنسبة للمعلومات الخطيرة التي أجبرتني على حفظها طيلة السنوات الماضية : فسأرسلها لإيميل الشرطة الإيطالية ، للقبض على رجالك وأنصارك ، وحتى اعدائك.. ولن انتظر انتهاء مراسم دفنك وعزائك ، بل سأعود فوراً إلى بلدي الذي سأعيش فيه مُحترِماً الدين والقانون ، كما ربّتني امي  


فحاول العجوز بما تبقى من قوته النهوض عن كرسيه ، لخنق ابنه .. لكن قواه خارت فجأة .. ليسقط جثةً هامدة ، خلف مكتبه الفخم ! 


وبعد ان هدأ الوضع ، وتنفّس الشاب الصعداء.. 

أخرج من محفظته : صورة والدته المُحجبة .. وهو يقول ، والدموع بعينيه: 

- هآ انا تخلّصت يا امي من الوحش الذي سرق حياتنا .. إنتقمتُ منه ، دون السماح له بتدمير القيم الدينية التي ربّيتني عليها 


ثم مسح دموعه .. وغادر القصر ، متوجهاً الى المطار.. نحو الحرّية التي دفع ثمنها غالياً ! 


الخميس، 6 أغسطس 2026

العهد الأسود

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 

الحارس الجديد


ارتفع صوت خالد بعد استيقاظه بفزع مستعيذاً بالله. 

يا إلهي إنه كابوس مرعب. 

رأى في كابوسه جدّه المتوفى قبل عشرين عاماً يناديه، وقد ظهر له بشكل مرعب من داخل بيته القديم في القرية القديمة الواقعة وسط جبال السروات، التي هجرها جده وأهل القرية منذ أربعين سنة وسكنوا المدن القريبة .. 

قرر خالد – الباحث في التاريخ الشعبي – أن يقضي ليلة في بيت جده القديم الذي أُغلق منذ أربعين عاماً، بعد أن دفعه فضوله لاستكشاف بيت الجد بعد كابوسه المرعب، فقد كان يرى أن الخوف هو مجرد جهل بالواقع.

***

بعد عدة ساعات من السير في الأودية وبين الجبال وصل خالد إلى قرية جده المهجورة، عندما دخل البيت الذي عرفه بوصفه كما رآه في الكابوس، وجد رائحة العفن العتيق والتراب تملآن المكان، أشعل مصباحه الصغير، وبدأ يتجول في الردهة الطويلة. 

توقفت خطواته عند باب خشبي مزخرف بنقوش غريبة لم يرها من قبل طوال فترة بحوثه في التاريخ الشعبي القديم. 

بينما كان خالد يحاول فتح الباب، سمع صوتاً هادئاً أتى من خلفه مباشرة:

الصوت: لا تفتح باباً لا تملك مفتاحه يا خالد.

التفت خالد بذعر، ليجد رجلاً مسناً يرتدي ثياباً ناصعة البياض رغم غبار المكان، وعيناه مائلتان للاحمرار بشكل غير طبيعي.

تقطعت أنفاس خالد من المفاجأة،

خالد: من أنت؟ وكيف دخلت؟ الباب كان مقفلاً!

ابتسم الرجل المسن ببرود، وقال: أنا لستُ من دخل.. أنت من دخلت مملكتنا، اسمي منصور، وأنا حارس هذا العهد منذ أن كان جدك طفلاً.

شعر خالد ببرودة شديدة تسري في جسده، التفت بعينيه نحو الحائط خلف منصور، فقد استرعى انتباهه ظل منصور على الحائط لا يتحرك معه، وكأنه رأى ظلاً لشيء ضخم بقرون ملتوية.

توتر خالد قليلاً، لكنه تماسك قائلاً: مملكتكم؟ جدي قال إن هذا البيت ملك لعائلتنا.

منصور: البيوت تبنى بالطين، لكنها تُسكن بالعهود، جدك عقد عهداً ألا يقترب أحد من الغرفة الغربية مقابل الحماية والرزق.. واليوم، أنت وضعت يدك على المقبض المحرم.


فجأة، انطفأ الفانوس، وساد الظلام الدامس، وبدأ خالد يسمع همسات بأصوات متعددة، بعضها يشبه صوت أمه، وبعضها أصوات حيوانات مفترسة.

شعر خالد بيد باردة كالجليد تمسك بكتفه، وصوت يهمس في أذنه اليسرى. 

الصوت هامساً بعدة نبرات: هل تريد رؤية ما بالداخل؟ العيون البشرية لا تتحمل الحقيقة، لكننا سنعيرك أعيننا للحظة.

صرخ خالد: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! اتركوني وشأني!

منصور يضحك بصوت يهز الجدران: الكلمات تحميك إذا كان قلبك يؤمن بها، لكنك دخلت هنا باحثاً عن الفضول، والفضول هو طعامنا المفضل.


انفتح الباب الخشبي من تلقاء نفسه، وانبعث منه ضوء أخضر باهت، رأى خالد من ورائه وليمة عظيمة، والجالسون حولها كائنات طويلة جداً، جلودهم تشبه رقوق الجلد القديمة، وعيونهم في منتصف جباههم، يأكلون بصمت مرعب، وعندما دخل خالد، توقفوا جميعاً ونظروا إليه في وقت واحد.

أدرك خالد أنه ليس في غرفة، بل في بوابة لعالم آخر، حاول التراجع، لكن الأرض تحت قدميه أصبحت كأنها رمال متحركة.


دخل خالد الغرفة الغربية، فاهتز المكان وكأن الجدران تتنفس.. الضوء الأخضر الباهت قادم من عروقٍ مشعة في جلود الكائنات الجالسة. 

كان منصور واقفاً خلف خالد كظله، لكن ملامحه بدأت تتغير، لتصبح أكثر حدة وعيناه أكثر اتقاداً.

منصور بصوتٍ أجش يتردد في أركان الغرفة: تقدم يا خالد.. الضيوف لا يحبون الانتظار، وأنت اليوم لست باحثاً، أنت الوليمة التي تأخرت أربعين عاماً.

خالد كان يرتجف، لكن فضوله القاتل دفعه للنظر إلى أحد الجالسين، كائن ضخم يرتدي خاتماً يشبه خاتم جده تماماً.

خالد: هذا الخاتم.. لقد رأيته في صور جدي القديمة! هل سرقتموه منه؟

الكائن الضخم دون أن يفتح فمه: السرقة شأن الصغار منكم أيها البشر، نحن لا نسرق، نحن نسترد الأمانات. 

جدك استعار منا الوقت ليعيش طويلاً، والثمن كان ذريته.. كان أنت.

تراجع خالد للخلف واصطدم بصدر منصور الصلب. 

خالد: جدي لم يكن ساحراً ! بل كان رجلاً صالحاً، والجميع يعرف صلاحه.

ضحك منصور بسخرية قائلاً: الصلاح والفساد موازين بشرية لا تهمنا، هو أراد حماية عائلته من الفقر، ونحن أردنا ممرًا لعالمكم، العهد كان بسيطاً (يسكن هذا البيت، ويمنع أي إنسان من دخول هذه الغرفة، وفي المقابل، نمنحه الذهب الذي يراه في أحلامه)، لكنك جئت بجهلك وكسرت القفل.

صرخ خالد في وجه الكائن الضخم: ماذا تريدون مني الآن؟ خذوا البيت، خذوا الخاتم، واتركوا لي حياتي!


وقف الكائن الضخم ببطء، ليظهر طوله الفارع الذي يلامس السقف. 

الكائن: الحياة هي عملتنا الغالية، انظر إلى مائدتنا.. هل ترى هذا الإناء؟

نظر خالد، فرأى إناءً زجاجياً يحتوي على دخان رمادي يتحرك بعنف.

الكائن: هذا صوت جدك، لقد احتفظنا به هنا ليكون جزءًا من مائدتنا، والآن، نحتاج صوتاً جديداً ليحيي سهرتنا.

استجمع خالد شجاعته: لن تأخذوا مني شيئاً! بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء..

قاطعه منصور بصرخة غاضبة: تتلفظ بالأسماء وأنت في دارنا؟ الكلمات سلاح، لكنك دخلت هنا منزوع السلاح بفضولك! لقد انتهى وقت الكلام يا ابن البشر.


في تلك اللحظة، اقترب الكائن الضخم ومد يده الطويلة ذات الأظافر السوداء نحو حنجرة خالد، وبينما كان خالد يفتح فمه ليصرخ بأعلى صوته، شعر ببرودة تجمد حباله الصوتية، وكأن أحداً يسحب الهواء من رئتيه بآلة حادة.

همس منصور في أذن خالد للمرة الأخيرة: لا تقلق.. لن تموت، ستعيش طويلاً كما عاش جدك، لكنك ستكون الصدى الذي يسكن هذه الجدران.. أنت الآن الحارس الجديد.


في هذه الأثناء كان خالد مغيباً عن الوعي جزئياً، رأى منصورًا يُخرج من طيات الظلام لفافة من الرق لا تشبه الورق، بل قطعة من جلدٍ باهت مائل للزرقة، تبدو وكأنها انتزعت من كائن حي لا يزال ينبض.

فرد منصور اللفافة، ووضعها أمام عيني خالد، تعجب خالد برعب من منظرها، لأن كلماتها كانت منقوشة بمادة الزئبق المظلم التي تتحرك فوق الجلد كأنها ديدان صغيرة. 

وخط اللفافة لم يكن عربياً ولا سريانياً، اللفافة كانت مكتوبة بالخط القديم المحرم، وهو رموز هندسية حادة تبدو وكأنها تتغير كلما أمعنت النظر فيها.

كانت تنبعث من اللفافة رائحة تشبه مزيجاً من الكبريت والياسمين العفن، وفي وسطها ختم كبير يمثل دائرة يتوسطها فراغ ينتظر توقيع الحارس الجديد للعهد. 


بدأ منصور يشرح لخالد – الذي كان يراقب بعجز – كيف يُوثق هذا النوع من العهود الأزلية.

منصور: هذا الرق ليس من جلد ماعز، إنه جلد الذكرى.. يُؤخذ من كائن عاش مائة عام من الوحدة.

نظر منصور إلى الكائن الضخم، فقام الكائن بغرز ظفره في راحة يده، لتسيل مادة سوداء لزجة، كل ذلك وخالد مازال في غيابه الجزئي.

منصور: الكتابة هنا ليست بالكلمات، الكتابة بالنية، الحبر هو دم العهد، وهو مادة لا تجف أبداً، بل تظل حية تمتص طاقة من يوقع عليها.

بدأ منصور يحرك يده فوق الجلد دون أن يلمسه، وبدأت الرموز تشتعل بلون أرجواني.

منصور للحبر والجلد: أيتها الأرض السفلى، اشهدي.. روح بروح، وصمت بصمت، العمار لا يغدرون، لكنهم لا ينسون، من كسر القفل، صار هو القفل.


هنا جاء وقت الخطوة الأخيرة وهي الأصعب، فقد أمسك منصور بيد خالد المرتجفة، وقرب إصبعه الإبهام من الختم الذي يتوسط اللفافة.

منصور: التوقيع لا يكون بالاسم، فالأسماء تضيع مع الزمن، التوقيع يكون بالأثر النفسي.. ضع إبهامك هنا لتترك ذكرى خوفك في قلب العهد، وبذلك تصبح أنت الضامن للباب.


بمجرد أن لامس إبهام خالد الختم، شعر بكهرباء شديدة تسري في عروقه، ورأى الرموز تتحرك من الجلد لتنتقل وتُحفر على معصمه هو، لتختفي تحت جلده تماماً وتصبح وشماً غير مرئي إلا في ضوء القمر.

همس خالد بجهد: ماذا.. فعلتم.. بي؟

منصور: لقد أصبحت الآن المداد الذي سيكمل كتابة التاريخ في هذا البيت، العهد لا يكتمل إلا إذا صار الموقّع جزءاً من الورق.


انطفأ الضوء الأخضر فجأة، وغرق كل شيء في صمتٍ مطبق، صمتٍ لم يقطعه سوى صوت ارتطام جسد خالد بالأرض، الذي سيحمل معه سراً لن ينطق به أبداً. 

منصور: اختر يا خالد.. إما أن تبقى خادماً للعهد هنا، أو تخرج وتترك لنا أثرك. 

خالد: ما هو الأثر؟

منصور: صوتك.. لن تتحدث مرة أخرى، لكي لا تروي ما رأيت.

غاب خالد وهو ساقط على الأرض عن الوعي تماماً. 

***

في الصباح الباكر، وجد المارة بجانب القرية من أهل القرى المجاورة خالدًا ملقىً أمام مدخل القرية . 

كان جسده سليماً، لكن شعره تحول بالكامل إلى اللون الأبيض، عندما حاولوا سؤاله عما حدث، فتح فمه ليتحرك لسانه دون أن يخرج أي صوت، سوى حشرجة تشبه ريحاً تهب في بئر مهجور.

***

إلى اليوم، يزعم العابرون بجانب تلك القرية أنهم يسمعون صوتاً يشبه صوت شاب، ينادي من الداخل: لا تفتحوا الباب.. العهد لم ينتهِ بعد.


الأربعاء، 5 أغسطس 2026

الأحصنة والحمار (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

حيوان الحظيرة


داخل حظيرة المزرعة التي تحوي ثلاثة أحصنة وحمار.. 

ابتدأ الحديث ، حصان السباق بفخر: 

- أنا أجملكم وأسرعكم.. وصاحب المزرعة يهتم بي أكثر منكم ، لأني أجعله يفوز بالعديد من الكؤوس والجوائز المالية

فاعترض حصان المزرعة :

- وإن خسرت سباقاً ، يعاقبك بالحرمان من الطعام.. أما أنا !! فلا يستطيع الإستغناء عني ، لأنه يستخدمني للإجتماع بأصحاب المزارع المجاورة

فقال الحصان البرّي بغرور : 

- كلاكما خضعتما لسيطرته وقيادته.. اما انا !! فوُلدت حرّاً في البراري ، وسأبقى حرّا.. وإن حاول وضع السرج على ظهري ، سأركله وأهرب كما افعل كل مرة

فحذّره حصان السباق :

- إن بقيت على عنادك ورفضك للترويض ، قد يبيعك لرجلٍ أشدّ قسوةٍ منه

حصان المزرعة:

- معه حق .. فالله خلقنا لخدمة الإنسان ، وعلينا تأدية واجبنا دون مللٍ او اعتراض


وفي هذه اللحظة .. اقترب الحمار منهم ، وهو يسألهم : 

- هل تسمحون لي بمشاركة حديثكم ؟

فضحكت الأحصنة الثلاثة عليه .. قائلاً أحداها باستهزاء :

- وماذا ستقول أيها القصير ، وأنت مشهور بالغباء ؟!


فردّ الحمار غاضباً :

- بل أنا أذكى منكم !! يكفي أن يدلّني الإنسان على الطريق مرةً واحدة ، لأحفظه طوال حياتي.. كما أنقل بضائعه بصبرٍ وثبات .. ولا اتعب سريعاً مثلكم .. ولا تنسوا ميزتي الفريدة ، بتحذير الناس من وجود الشياطين..

حصان المزرعة مقاطعاً بسخرية :

- الناس ينزعجون من نهيقك ، أكثر من خوفهم من الجن والشياطين!


لكنهم توقفوا عن الضحك ، فور دخول صاحب المزرعة مع رجلٍ آخر الى الزريبة ، وهو يشير الى احصنته : 

- أمرّ بضائقةٍ مالية هذه الأيام ، لذا قرّرت بيع أحصنتي الثلاثة.. فحصاني البرّي : فشلت في ترويضه .. وحصان المزرعة : أصبح كبيراً في السن .. أما حصان السباق : فأصيبت قدمه ، ولم يعد باستطاعته المشاركة في المسباقات القادمة 

فسأله الرجل:

- وهل ستبيع الحمار أيضاً ؟

صاحب المزرعة وهو يمسّد شعر حماره : 

- لا أستطيع الإستغناء عنه .. فهو ينقل بضائعي بصبرٍ بين الطرقات والقرى التي حفظها جيداً.. وهو أكثر من يساعدني في العمل.

***


لاحقاً راقب الحمار الأحصنة الثلاثة وهي تُقاد إلى شاحنةٍ ، لنقلها إلى مالكها الجديد..

فأطلق نهيقاً طويلاً ، مودّعاً اصحابه القدامى المغرورين 


وهنا أدركت الأحصنة بأن لا يستهينوا بأحد .. فالقيمة الحقيقية لا تكون بالجمال والقوة والشهرة .. بل بالإخلاص والصبر ، والإعتماد عليها عند الحاجة..

وهو شيء عرفه الحمار قبلهم ، من خلال حكمته المتواضعة الرزينة


توأم الجن

تأليف : محمد بيومي آل غلاب قوة النقيضين في غابر الأزمان ولد التوأم **الغاشر والعاشز في إحدى عوالم الجن المنسية، وكان بينهما رابطة دم سحرية، ...