الجمعة، 9 أبريل 2021

عقوبةٌ تعسُّفيّة

 تأليف : امل شانوحة

 

السجين والفأر


في غرفة التحقيق ، إنتفض المتهم آدم (الخمسينيّ) غاضباً :

- انا مهندسٌ كهربائيّ محترم ، لا يحقّ لكم القبض عليّ هكذا !

المحقّق ساخراً : مُحترم ! كنت تنوي سرقة البنك المركزي ايها الخبيث ..  لذا ستبقى في السجن الإنفرادي مطوّلاً

آدم بدهشةٍ وقلق : لكنكم لم تحاكموني بعد ! فكم سنة سأسجّن هناك ؟

المحقق بابتسامةٍ لئيمة : مدى الحياة


آدم بذهول : مستحيل ! لم أسرق شيئاً ، كل ما فعلته إنني أصلحت إمدادات الكهرباء داخل البنك 

- وأثناء عملك ، حفظت الدهاليز المؤدية لمخزن ذهب الدولة .. وطالما اننا لا نستطيع حذف المعلومات من رأسك ، سنُبعدك عن أهلك وبقية المساجين لحين موتك 

آدم صارخاً بعصبية : هذا ظلم ! أريد محامياً الآن !!


المحقّق ساخراً : محامي ! يبدو انك شاهدت الكثير من الأفلام السينمائية.. فنحن وإن ظلمناك ، أهون من إنهيار قيمة عملتنا وتدهور إقتصاد بلادنا.. وإنقاذنا المجتمع ، أهم من حرّية مجرمٍ مثلك !! 

ثم نادى الحارس العجوز :

- إرمه في الزنزانة الإنفرادية في القبو ، فهي كفيلة بتأديب هذا اللصّ الماكر 

***


واقتاده الحارس الى زنزانةٍ مظلمة .. والتي ما أن دخلها آدم ، حتى سعل بشكلٍ متواصل لرطوبة جدرانها العفنة ! 


وبعد إقفال الباب عليه ، قال الحارس من الخارج :

- سأنزل اليك مرتين في اليوم لإحضار غدائك وعشائك .. فكثرة الأدراج تتعبني ، كما إني مصاب بالربو ويضيق صدري في هذا المكان الكئيب 


وتركه وحيداً هناك ، لا ينير ظلمة سجنه الا فتحةً صغيرة بالجدار .. فجلس آدم على السرير الصدئ ، وهو يستذكر ما حصل :


((فهو كان معروفاً بذكائه في مهنته ، لذا اختير لإصلاح اسلاكٍ تعطّلت في إحدى مكاتب البنك المركزي بسبب ماسٍّ كهربائيّ .. ولخوف المدير من تكرار الأمر وحدوث حريق يتلف أموال العملاء .. طلب من آدم فحص جميع الأسلاك ، من ضمنها انوار المخزن الرئيسي الذي يحوي اطنان الذهب التابعة لخزينة الدولة .. الا إن وجوده وحده هناك (بعد إنشغال الموظفين بعملهم) أغراه بفكرة سرقة بعض السبائك .. لكن كان عليه اولاً التخطيط الذهني للعملية .. فقام بحفظ الدهاليز المؤديّة للمخزن ، فهو يملك ذاكرةً فولاذيّة .. كما حفظ الأرقام السرّية للأبواب الحديديّة من خلال نغمتها الموسيقية (حين فتحها المسؤول امامه) فهو متعدّد المواهب ..وقرّر بعد عودته المنزل ، تنفيذ خطته بعطلة رأس السنة .. وفي الموعد المحدّد ، إستطاع الوصول بذكاء الى المخزن الرئيسي .. وقام بسرقة ثلاث سبائك ذهبية (بوزن كيلو لكل واحدةٍ منها) وضعها في حقيبته .. ولأنه لا يعلم بوجود ليزر خفيّ قرب باب المخزن ، إرتفعت أصوات الإنذار في ارجاء البنك ! الذي أغلق ابوابه أتوماتيكياً ..ورغم ذكاء آدم بمجال الكهرباء ، الا انه لم يستطع فتح باب المخزن الذي تغير رقمه السرّي فور حصول الإختراق ! فعلق هناك ، لحين وصول الشرطة الذين انتظروا ايضاً وصول مدير البنك الذي يحمل رقم الباب السرّي الجديد ، الذي أرسله الكمبيوتر على إيميله .. فقُبض على آدم متلبّساً ، وأُودع السجن)) 


لكن مالا يعلمه آدم : إن خطته الجريئة أربكت الإدارة العليا للبلاد ، حيث وصل الأمر لرئيس الدولة الذي طالب مدير السجن بأشدّ العقوبات عليه .. وذلك لأن تغير الممرّات والدهاليز والأماكن السرّية التي حفظها آدم مكلّفاً للغاية .. فكان الحلّ الأسهل هو إخفائه عن الوجود ، بعدم السماح له بالإتصال مع الآخرين .. لذلك أوكلوا الحارس العجوز (الذي يعاني من سمعٍ وبصرٍ ضعيفين) بإطعامه ، بعد تهديده بالإعدام إن تواصل مع آدم  أو أخذ معلوماتٍ سرّية منه ! كما منعوه من إعطاء السجين اوراقاً وقلم وحتى طبشور كيّ لا يرسم الخريطة الداخلية للبنك المركزي .. والأدهى إن رئيس الدولة أعطى اوامراً سرّية لمدير السجن بوضع سمٍّ مُخفّف في طعام آدم ، فبموته يقضون على المعلومات الخطيرة التي حفظها .. على أن يتمّ تنفيذ مخطّط القتل ، خلال شهرٍ واحدٍ فقط !)) 

***


ومرّت الأيام ، وآدم مازال مسجوناً في مكانٍ أشبه بالجحيم ! فبرودة القبو لا تطاق مساءً ، كما إن عصيدته الرديئة تسبّب له الغثيان دائماً.. حتى الشخص الوحيد الذي يراه (الحارس العجوز) يرفض البقاء معه ، بحجّة الربو ! 


وبذلك بدأ عقل آدم يتشتّت ، وخاف على نفسه من الجنون .. خاصة إن الأوراق والكتب هي ضمن الأشياء الكثيرة الممنوعة عليه : كما خروجه الى الساحة والإستحمام ، لمنعه الإختلاط مع بقية المجرمين المتشوقين لمعرفة المعلومات الخطيرة المسجّلة في ذاكرته .. فسرقة السجن المركزي هو حلم كل منحرف !

***


وبعد ايام .. إستيقظ ادم وهو يشعر بشيءٍ يتحرّك على قدمه ! فقفز فزعاً من سريره ، ليرى فأراً يحاول الهرب أسفل الزنزانة .. فأسرع اليه وحمله بين ذراعيه ، فهو متشوّق لأيّ كائنٍ حيّ يشاركه السجن .. وأسرع بإطعامه بقايا خبزه القاسي .. وأخذ الفأر يتناوله ، بعد زوال خوفه من آدم الذي ظلّ يمسح فرائه برفقٍ وحنان ..

***


بعد ثلاثة اسابيع .. .. إزدادت الصداقة بينهما ، حيث زاره الفأر من وقتٍ لآخر لمشاركته فتات الخبز .. 


وفي البداية إكتفى آدم برعايته ، الا انه في هذا اليوم قرّر التحدّث معه قبل نسيانه الكلام :


- مرحباً يا صديقي الفأر .. إسمي آدم .. مهندسٌ كهربائيّ .. الأمهر في البلاد كلها .. أعرف ما ستقوله .. كيف لشخصٍ متعلّم وذكيٍ أن ينتهي به المطاف هنا ؟ .. بصراحة بعد التفكير مراراً بجريمتي ، أجد انهم صائبون بالخوف مني .. فلوّ نجحت خطتي ، لما اكتفيت بسرقة بعض السبائك .. فأنا بطبعي طمّاع .. وربما استمرّيت لحين إفلاس دولتي تماماً.. لا تنظر اليّ هكذا ، فأنا أقول الحقيقية .. آه تسألني كيف تجرّأت على السرقة بوجود الكاميرات ؟ .. يبدو لم تركّز معي جيداً ، فأنا أخبرتك انني خبير بالكهربائيات .. لذلك كان سهلاً عليّ إختراع ماكينة صغيرة تشوّش الكاميرات أثناء وجودي بالبنك .. لكن الليزر اللعين أفسد خطتي ، فهو متصل برمزٍ موجود على السبائك .. وفي حال رُفعت عن الأرففّ دون إبلاغ الكمبيوتر الرئيسي بذلك ، فإن الليزر الخفيّ يعمل فوراً .. ولوّ علمت بوجوده ، لاخترعت شيئاً يبطله .. لكن لا ينفع الندم الآن ، فقد حكموا عليّ بالموت .. لا ليس الإعدام .. (ثم ضحك) .. كنت سأكون حديث الناس لوّ إن كهربائيّ أُعدم بالكرسي الكهربائي .. لكنهم لم يرغبوا بإثارة الإعلام لصالحي ، فأخبروهم إني مسجون لبضعة أشهرٍ فقط .. لكن كما واضح من زنزانتي المقرفة إنهم خطّطوا مُسبقاً لقتلي إما بمرضٍ جلديّ او نفسيّ ، أو إرغامي على الإنتحار .. آه آسف ! إسترسلت بالكلام ولم اسألك عن نفسك .. هل لديك عائلة ؟ .. لا ! اذاً انت أعزبٌ مثلي .. مع إن الفئران تتكاثر بسرعة .. (ثم فكّر قليلاً) .. ما رأيك أن أسمّيك : آرثر .. نعم ، كإسم الملك الإنجليزي العادل .. والآن يا آرثر ، هل يمكنني أن أطلب منك معروفاً ؟ .. اريدك ان تجلب لي قلماً .. نعم ، أيّ قلم .. اريد رسم مخطّط البنك على الحائط ، قبل أن أنساه تماماً .. لربما السجين الذي يحلّ مكاني يحفظه ، ويساهم بإفلاس دولتنا اللعينة بعد تسريحه .. ماذا قلت ؟.. لا يا صديقي ، لا أظنني سأخرج من هنا حيّاً .. لست متشائماً ، لكنها الحقيقة .. هيا يا عزيزي ، إحضر قلماً من مكتب الحرّاس.. هل يمكنك ذلك ؟ .. شكراً يا بطل !! انا مدينٌ لك 

***


وعاد الفأر الى الزنزانة بعد يومين ، وهو يحمل شيئاً في فمه ! 

آدم باهتمام : ماذا تحمل يا آرثر ؟ .. لا ! هذا ليس قلماً .. يا الهي لقد جرحت فمك .. دعني أمسحه بقميصي ..أعرف إن ثيابي قذرة ، لكني سأحاول إيقاف الدم .. لا تتحرّك ارجوك .. من اين أحضرتها ؟! .. تبدو شفرةً مُستخدمة .. هل سرقتها من سلّة النفايات ؟ .. لكن من الذي يستخدم آلة حلاقة قديمة ، بغيارات الشفرات ؟! .. ربما الحارس العجوز ..(ثم فكّر قليلاً).. أتدري يا آرثر .. ربما أستفيد منها يوماً ، شكراً لك .. سأعطيك بقايا خبزي مكافأةً لك .. سأفتّتتها قطعاً صغيرة ، بسبب فمك المجروح .. لا لن أطعمك من العصيدة ، فهي سيئةٌ جداً .. الخبز يكفيك .. وشكراً على الشفرة ، انا مدينٌ لك يا صديقي

*** 


بعد خروج الفأر من الزنزانة ، خبّأ آدم الشفرة أسفل سريره .. وسهر طوال الليل وهو يفكّر باستخدامها لأخذ الحارس العجوز رهينة ، بعد وضعها على رقبته .. وكان متحمّساً اثناء تخطيطه بدقة ، للحظة هروبه من هذا الجحيم 

***


لكن لسوء حظه ، منعت الإدارة الحارس من دخول الزنزانة ..وأمرته بتمرير صحن الطعام من الفتحة السفليّة للباب الحديديّ !

ولم تُجدي محاولات آدم لاستدراجه الى الداخل ، مما أفسد خطة الهروب


وفي ذلك اليوم ، أحسّ آدم بأن عصيدته زادت سوءاً ! فقد تقيّأ مراراً ، لدرجة انه لم ينتبه على دخول آرثر الى زنزانته .. واثناء تلوّيّ آدم في سريره من مغص معدته ، تناول الفأر بقايا عصيدته .. وعلى الفور انقلب على ظهره وهو ينتفض بقوة .. فانتبه آدم لما حصل ! ووضع الفأر في حضنه ، محاولاً إنقاذه بالضغط على معدته لإخراج ما أكله .. لكن الفأر مات على الفور ! فعرف آدم انهم وضعوا السمّ في طعامه .. وحين بدأت رؤيته تتغبّش وهو يشعر بدوارٍ شديد ، أخرج الشفرة من أسفل السرير ..قائلاً بغضب :

- أتريدون قتلي يا ملاعين ؟ اذاً سأنتقم منكم جميعاً !!

 

وجرح رسغ يده ، لرسم مخطّط البنك بدمائه ! محاولاً تجاهل آلام معدته المتزايدة .. 


وانتهى خلال دقائق من رسم كل الطرق السرّية المؤدية لمخزن البنك ، على الجدار ! 

ومن بعدها طرق باب الزنزانة بقوة ، منادياً الحارس :

- انا أنزف بغزارة !!.. الدم لا يتوقف !.. ارجوكم ساعدوني!!!!

 

وما أن استلقى على سريره ، حتى أغميّ عليه ..

***


حين استيقظ آدم .. وجد طبيب السجن يُخيّط جرح يده ..

فأمسك آدم ذراع الطبيب بيده السليمه ، وهو يهمس له :

- هل جوالك معك ؟

الطبيب بصوتٍ منخفض : نعم ، لماذا ؟!

- صوّر الجدار بسرعة !! فهو المخطّط السرّي للبنك المركزي .. هيا لا تتردّد .. صوّره ، قبل دخول الحارس الينا 


وبالفعل قام الطبيب بتصوير الجدار ، قبل لحظاتٍ من دخول مدير السجن وحارسه العجوز الى الزنزانة ، ليجدا الطبيب يلفّ الشاشّ حول يد آدم المصابة ، فسأله المدير :

- هل سيعيش ؟

الطبيب : علينا نقله فوراً الى المستشفى ، فهو يحتضر 

المدير بلؤم : اذاً دعه يموت !!

الدكتور بدهشة : ماذا !


وهنا انتبه المدير على رسمة الحائط !

- ما المرسوم هنا ؟

الطبيب : لا ادري سيدي ! وجدّت الشخبطة ، حين دخلت الزنزانة

فأمره المدير بغضب : أخرج فوراً !!

الدكتور باستغراب : لكني لم أُنهي عملي ، فأنا لم أعالج بعد أمغاص معدته!

فقال المدير للحارس : أخرجه حالاً !!


واقترب الحارس العجوز لسحبه من ذراعه ، مما أغضب الدكتور الذي خرج طواعيةً ، للعودة الى عيادته الصغيرة في الطابق العلويّ للسجن 


وبعد ذهابه ..طلب المدير من الحارس : إحضار إسفنجة ودلوّ ماء ، لمسح الدماء .. فأسرع العجوز لإحضارهم .. 


وبعد قليل .. وأثناء مسح العجوز الحائط ، جلس المدير على طرف سرير آدم الذي استعاد وعيه مُنهكاً .. قائلاً له بلؤم : 

- ذاكرتك القوية قضتّ عليك يا مسكين 

آدم مهدّداً بألم : قريباً سيعرف العالم إسمي !!

المدير : لا احد سيهتم بموتك ايها البائس المغرور


وسحب الوسادة من تحت رأس آدم .. ووضعها فوق وجهه ، وهو يضغط عليها بقوة .. مما جعل الحارس العجوز يتجمّد في مكانه ! 

فصرخ المدير عليه لإكمال المسح ، وهو مازال يضغط بكل قوته على رأس آدم الذي ظلّ جسمه ينتفض ، الى أن توقف عن الحراك  


فأزال المدير الوسادة .. لتظهر عينا آدم الجاحظتين ، مُعلنا موته ..

فقال له ساخراً :

- أخيراً مُتّ ، ومات سرّك معك ..

 

ثم قال للحارس الخائف :

- مبروك !! حصلت على تقاعدك المبكّر ، مع تعويضٍ مجزّي .. المهم أن لا تخبر أحداً بما حصل هنا ، والا ستلاقي مصيره

فأومأ العجوز رأسه بخوف ، وهو حزين على العقاب الظالم لآدم 

***


بعد سنة ..ضجّت البلاد بخبر سرقة ذهب الدولة من البنك المركزي ، ضمن عمليةٍ ضخمة ودقيقة للغاية !

وعلى الفور !! إنهار سعر العملة والبورصة ، وتدهور تدريجيّاً إقتصاد البلاد ! 

*** 


في جهةٍ أخرى من العالم ..إحتفل الطبيب مع افراد عصابته من جنسياتٍ مختلفة ، والذي اختارهم بعناية من الإنترنت المظلم (كخبراء في مجال الكمبيوتر والكهرباء والتقنيات ، وموظف جمارك متقاعد لتهريب المسروقات خارج الحدود) والذين تمكّنوا معاً من سرقة اطنان الذهب الى خارج البلاد ..


فسأل أحدهم الطبيب :

- الا تشعر بالذنب لما حصل في بلادك ؟

الدكتور : كنت طبيباً في سجنٍ سيء السمعة ، وبراتبٍ حقير لا يكفيني لآخر الشهر .. واليوم بفضل صورةٍ واحدة : إشتريت سلسلة من الفنادق الفخمة بدولٍ نامية ، فلما أهتم بالملاعيين ؟

زميله : المسكين آدم ، عاش فقيراً ومات مُعذّباً .. ونحن استفدنا من خريطته التي رسمها بدمائه ! 

الطبيب بلا مبالاة : قدره أن يُعاقب عنّا جميعاً


وضحك أفراد العصابة في سكرٍ وفجور ، دون ذرّة تأنيب ضمير ! 


الاثنين، 5 أبريل 2021

الإنسانيّة في زمن الحروب

 تأليف : امل شانوحة

أنت خصمي ، ولست عدوي


في عام 1945.. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وبدء تبادل الأسرى بين الدول المتحاربة .. وجد الضابط الروسي ضابطاً إلمانياً جريحاً ، مُستنداً على شجرة في الغابة ! 

فرفع الروسي مسدسه في وجهه ، بنيّة قتله.. بينما نظر اليه الإلماني بعينين دامعتين ، بعد أن أعياه نزيف قدمه .. 


ليتفاجأ بالروسي يرمي له قطعة خبز .. 

وقبل ان يستوعب الإلماني ما حصل ! أكلها بنهم لشدة جوعه .. فهو لم يتناول شيئاً منذ يومين ، بعد هروبه من المعتقل الروسي .. 


ثم جلس الروسي بجانبه وهو ينظر الى قدمه الجريحة .. وأخرج من حقيبة ظهره : علبة حديدية للإسعافات الأولية ، وهو يقول بالروسية:

- انا الطبيب فالنتين ، لا ادري إن كنت تفهمني 

فردّ الإلماني بلغةٍ روسية :

- وأنا كريستوف ، مترجم لغات .. أتقن اللغة الروسية والإنجليزية وبعضاً من الفرنسية

- ممتاز !! بإمكاننا التفاهم إذاً


كريستوف بقلق : أين فرقتك ؟!

فالنتين : أوهمت قائدي إنني ذاهب في مهمةٍ علاجية ، لكيّ أهرب من المعسكر .. فما عدّت أتحمّل الضغط النفسي هناك .. ماذا عنك ؟ 

- هربت من معتقلكم القريب من هنا ، فهم استخدموني لترجمة اوامرهم للسجناء الإلمان .. ولولا احتياجهم لي ، لعذّبوني كما فعلوا مع زملائي 


فسأله اثناء خياطة جرح قدمه : 

- إذاً كيف أصبت بهذا الجرح العميق ؟ 

كريستوف بألم : قفزت من فوق الأسلاك الشائكة للسجن 

- انت محظوظ انك لم تقطع عرق فخذك الأساسي ، والاّ لنزفت حتى الموت 

- الألم لا يطاق يا رجل ، هل معك خمر ؟

فالنتين : انا لا أشرب ، لكن معي سجائر .. 

وأعطاه سيجارة وكبريت ..


وبعد نفث كريستوف الدخان بارتياح ، قال باستغراب : 

- هذه اول مرة أرى عسكري لا يشرب ! 

فالنتين : انا بوسني مسلم 

- أحقاً ! لم أعلم انكم متورّطون بالحرب ايضاً ؟

- الإحصائية الأخيرة تؤكّد إن 75 الف مسلم بوسني ماتوا بهذه الحرب اللعينة


كريستوف مُستفسراً : الم تكونوا تحت قيادة الدولة العثمانية بالحرب العالمية الأولى ؟!

- نعم ..وبعد سقوط الخلافة ، حكمتنا المانيا .. واليوم تحكمنا يوغسلافيا بجنودها الشيوعيين الروس .. مع إن معظم سكّاننا متضامنين مع المانيا ، ربما لهذا أساعدك الآن 


وبعد أن ضمّد جراحه ، قال كريستوف مرتجفاً : 

- لا ادري كيف تتحمّلون برد روسيا ! 

- تعوّدنا على ذلك .. معي خيمة ، سأجهّزها في الحال .. فالشمس على وشك الغروب ، وسيزداد البرد مساءً ..

 

وبعد تجهيز الخيمة ، جلس الإلماني الجريح بداخلها .. بينما ذهب الروسي باتجاه الغابة .. 

***


بعد قليل .. سمع كريستوف طلقةً نارية من بعيد ، أرعبت كيانه ! 

ليعود فالنتين ومعه ارنب ، قائلاً بفخر :

- إصطدّته بطلقةٍ واحدة 

كريستوف : ليتك لم تطلق النار يا رجل ! فكلانا هاربين من الروس

- غريب كيف صادف هروبنا في اليوم ذاته ! لكن كان عليّ المجازفة ، فأنا جائعٌ ايضاً .. المهم سأذهب لتنظيفه وشوائه ، إبقى في الخيمة لحين عودتي 

***


بعد قليل .. دخل لإعطائه صحناً به لحم الأرنب المشويّ ..

كريستوف : الن تأكل ؟

فالنتين وهو ينظر لساعته :

- بقيّ دقيقتان

- على ماذا ؟!

فالنتين : على آذان المغرب ، نحن برمضان وانا صائم

- وكيف تستطيعون الصيام بزمن الحرب ؟!

- لم أصمّ وقت المعارك .. فالإسلام أعطانا الإذن للإفطار ، بشرط أن نقضيه لاحقاً .. حتى الصلاة ، يمكنني الجمع والتقصير إن لزم الأمر .. لكن طالما الأمور هدأت الآن ، فأفضّل الصيام .. آه ! الآن حان وقت الإفطار..


وبعد انهاء طعامهما .. خرج فالنتين من الخيمة ، وعاد وهو ينشّف ذراعيه مرتجفاً :

كريستوف معاتباً : لما بلّلت نفسك بهذا الجوّ البارد ؟!

- كنت اتوضأ .. سأصلي امامك ، هل عندك مانع ؟ أم أصلي بجانب شعلة النار في الخارج ؟ 

- لا الخيمة ادفأ لك .. وأنا سأحاول النوم قليلاً 

فالنتين : الأفضل أن تريح جسمك ، فأنت نزفت كثيراً ..


وبينما كان فالنتين يصلي بخشوع ، كان كريستوف يراقبه بذهول لرؤيته مندمجاً بعالم الروحانيات !

وحين سجد فالنتين ، سمعه كريستوف يبكي بقهر ! 


وبعد انهاء صلاته ، وقبل نومه .. سأله كريستوف :

- لما كنت تبكي ؟!

فتنّهد فالنتين بحزن : من ذنوبي 

- أيّة ذنوب ! أنت أنقذت عدوك لرفعة أخلاقك 

- أنت خصمي ولست عدوي .. فكلانا أخوين بالإنسانية ، لكن الظروف أجبرتنا على طاعة اوامر قادتنا .. ولو تُرك الأمر لنا ، لما تحاربنا مطلقاً .. لكن ضميري يؤنبني لذنبٍ آخر 


كريستوف باهتمام : ماهو ؟

- الم تسمع ما حصل بنساء المانيا ؟

كريستوف بقلق : ماذا حصل ؟!

فالنتين : بعد انتحار هتلر وانتهاء الحرب العالمية .. هجم الجيش الروسي على المانيا ، مُستغلين قلّة الذكور هناك ..و..

- وماذا !! إكمل 

- إغتصبوا نسائكم 

كريستوف بصدمة : ماذا !


فالنتين وهو يشعر بالعار : آخر ما سمعته من القادة الروس : إن جنودهم إرتكبوا أكثر من مليونيّ عملية إغتصاب ، لنساء إلمان تترواح أعمارهنّ بين (10سنوات و80 سنة) ..حيث في برلين وحدها ، حصل ما يقارب 100 الف حالة اعتداء .. و200 الف منهنّ ماتوا بسبب الأمراض المعدية والإلتهابات ..عدا عن مئات عمليات الإجهاض


فشدّ كريستوف قميص فالنتين بغضب : 

- ماذا تقول يا رجل ؟!! خطيبتي تعيش في برلين 

- من حقك أن تقتلني ، فالنقيب اللعين أجبرني على إيذاء إحداهنّ .. رغم انني أخبرته إن هذا مخالف لديني ، لكنه هدّدني بالقتل .. وكانت المرة الأولى لي ، وللمسكينة ايضاً .. وبسبب ما حصل ، إنهارت أعصابي وحاولت الإنتحار .. فأمروا بتسريحي .. وظننت انهم سيعيدوني الى البوسنة .. لكنهم غيّروا رأيهم ونقلوني الى هنا ، لمعالجة الجنود وبعض المعتقلين من جنسياتٍ مختلفة .. والآن أشعر بالذنب الشديد ، لدرجة انني لا أجرأ على النظر في عينيّ امي ، فأنا وعدّتها أن لا اؤذي الأبرياء .. فهي ربّتني انا واخوتي بعد وفاة ابي ، وعملت جاهداً في الحقل لأتخرّج طبيباً أعالج الناس ..وقبل التحاقي بالجيش الروسي .. أخبرتني انها تفضّل سماع نبأ موتي ، على ان أعود لها وحشاً ملطّخاً بالدماء .. 


كريستوف : الأهالي لا يعرفون ما نواجهه بالحرب ، فلا تقسو على نفسك .. (ثم تنهّد بضيق).. ليتك لم تخبرني بما حصل في بلادي .. فبسبب جنون العظمة لهتلر ، قُتل شبابنا واغتُصب نساءنا وتدمّرت بلادي تماماً 

- الأفضل أن لا نفكّر بالفظائع التي شهدناها بالحرب .. (وادار ظهره على فراشه).. لننمّ باكراً ، كيّ نهرب غداً الى مكانٍ أبعد من هنا 

- معك حق ، تصبح على خير 

*** 


في الصباح .. أيقظ الروسي الإلماني بفزع :

فالنتين : إستيقظ بسرعة !! كلاب الحرس الروسي في طريقهم الينا!

كريستوف بارتباك : حسناً ، دعني أفكّ الخيمة بسرعة


فسكت الروسي قليلاً ، قبل ان يقول : 

- لا ، عندي فكرة أفضل

وقام بنزع ملابسه ، وهو يقول للإلماني :

- لنبدّل ملابسنا بسرعة

كريستوف بدهشة : لماذا !

فرفع فالنتين المسدس في وجهه :

- لا تجادلني !! أعطني ملابسك ، وضع سلّسلتي حول رقبتك  


وبعد تبادل الملابس ، أعطاه فالنتين رسالة وهو يقول :

- كتبتها البارحة اثناء نومك .. فإن تمكّنت من الوصول الى العنوان المكتوب على الظرف ، إعطه لأمي ..

كريستوف : سنعود كلانا الى بيتنا ، لا تتشاءم هكذا يا رجل !

- لا أستطيع رؤيتها بعد الجريمة التي ارتكبتها بحق الفتاة البريئة ..قلّ لها أن تدعي لي كثيراً ، لعلّ الله يغفر ما سأفعله الآن 


ثم ألقى له التحيّة العسكرية ، قبل إطلاق النار على نفسه ! ليموت داخل الخيمة ..


بهذه اللحظات .. وصل الحرس مع كلابهم ، بعد تتبّعهم صوت الطلقة النارية .. 

ودخل النقيب الروسي ، ليجد كريستوف (بزيّ الجيش الروسي) وبجانبه القتيل فالنتين (بزيّ العسكري الإلماني) ..


وقبل أن ينطق كريستوف بكلمة ، أسرع النقيب بقراءة الإسم المنقوش على سلّسلته المعدنية :

- انت الضابط فالنتين ؟

فأجاب كريستوف بصوتٍ مرتجف ، وباللغة الروسية :

- نعم سيدي !!

- ماذا حصل هنا ؟


فأخبره انه أضاع فرقته بعد العاصفة الجوية التي حصلت الإسبوع الماضي .. وانه تفاجأ صباحاً بدخول هذا الإلماني الهارب الى خيمته ، فقتله على الفور ..

النقيب الروسي : أحسنت !! يبدو انه المترجم الإلماني الذي هرب من المعتقل .. وأنت !! تعال معنا لأخذك للمعسكر


فسأله كريستوف بخوف : أيّ معسكر ؟

(فهو لم يرغب بالعودة الى معتقل التعذيب ، كيّ لا ينفضح أمره) 

لكن النقيب أخبره إنه ذاهب مع فرقته الى العاصمة ، بعد انتهاء عملهم العسكريّ في هذه الحرب .. 

ففرح كريستوف بخبر تسريحه من الجيش ، فور وصولهم الى هناك


وحينما مرّت الشاحنة قرب الخيمة ، قام لا شعورياً بإلقاء التحيّة العسكرية على جثة فالنتين (الذي رفض النقيب دفنه) .. 

فعاتبه النقيب قائلاً :

- على من تلقي التحية ؟!

كريستوف بارتباك : آسف سيدي ، لم انتبه

- إن لم تقتل اللعين لكان قتلك !!

- صحيح سيدي ، أعتذر مجدّداً


وكتم حزنه على صديقه فالنتين الذي أنقذه من الموت بشتّى الطرق الممكنة  

***


بعد تسريح كريستوف من الجيش الروسي ، إنتقل مع فرقة الجنود العائدين الى وطنهم البوسنة.. 


وحين وصل الى العنوان الموجود على الظرف .. أعطى رسالة فالنتين الى امه التي انهارت باكية ، بعد أن اخبرها بما حصل 

- لما انتحر ابني ؟! الا يعرف ان هذا مُحرّم في الإسلام ؟

كريستوف : لم يستطع تحمّل الذنب يا خالة ، وهو يطلب منك أن تدعي له كثيراً

- انا امه ، وكنت سأسامحه على كل شيء .. ليتني لم أشدّد عليه قبل ذهابه ، هذا ذنبي 

- لا تلومي نفسك ، هو يحبك كثيراً ..

الأم وهي تسمح دموعها : كان ولداً مرضيّاً بالفعل ، رحمه الله ..


وبعد أن هدأت ، واستوعب صدمة وفاة ابنها البكر .. أصرّت أن يتناول كريستوف الطعام معها .. 

ومن بعدها ، قالت له :

- ابني طلب في رسالته أن اساعدك بالعودة الى المانيا

كريستوف باهتمام : وكيف ستفعلين ذلك ؟!

- مازال هناك سكّان مخلصين لإلمانيا .. سأرسلك إليهم ، وهم سيجدوا الطريقة المناسبة لإعادتك الى بلادك

***


وبالفعل إنتقل كريستوف مع مجموعة تجّار بوسنيين الى كرواتيا ثم نمسا ومنها الى المانيا ، برحلةٍ بريّة شاقّة إستغرقت عدّة شهور  

***


حين وصل أخيراً الى العاصمة برلين .. صدُم مما رآه ! فكل شيءٍ فيها مدمّر ، ولا تشبه المدينة التي تركها قبل عامين .. 

لكنه مع ذلك كان متحمّساً للوصول الى منزل خطيبته ، ليتفاجىء بوالدها يخبره إنه طردها من منزله ، دون توضيح السبب !


فذهب الى منزل اخيها الذي أخبره أنها تعيش عند خالتها ، بعد رفضها قتل ابنها الذي وُلد بعد اغتصابها من روسيّ 

كريستوف بضيق : ولما أنجبته ؟ لما لم تسقط الجنين كما فعلت الأخريات؟ 


الأخ : لا ادري .. لكنها إحتفظت به بعد ولادته ، لأن الطبيبة اضّطرت لإزالة رحمها الذي أصيب بالإلتهابات خطيرة .. لذلك لم تردّ التخلّي عن ابنها الوحيد .. وابي لم يتفهّم ذلك مطلقاً  

كريستوف : أعطني عنوان خالتك ، اريد رؤيتها في الحال

***


حين وصل هناك .. تفاجأ من منظر حبيبته الشاحب والمرهق ، وهي تحمل الطفل بين ذراعيها ! وقبل أن يقول أيّ شيء ، طلبت منه الرحيل باكية .. لكنه أصرّ على البقاء ، قائلاً في محاولة لمواساتها: 

- ما حصل ليس ذنبك .. وانا مصرّ على الزواج منك ، والإعتناء بطفلك ايضاً 

- لست مجبراً على ذلك ، فأنا أصبحت عاقراً بعد العملية

كريستوف : لن أتخلّى عنك ، فأنت السبب الذي جعلني أهرب من المعتقل وأقاوم الموت لكيّ نجتمع مجدّداً 


وبعد إصرارٍ منه .. تمّ زواجهما برضى والدها ، خاصة بعد تسجيل كريستوف الطفل بإسمه ..

***


وفي أحد الأيام ، وبينما كان كريستوف يتابع الأخبار من راديو الصالة ..سمع صراخ زوجته من غرفة النوم ! 


فذهب اليها ، ليجدها تمسك السلسلّة المعدنية بغضب :

- من اين حصلت على سلّسلة اللعين ؟!!

- ماذا تقصدين ؟!

- هذا هو الرجل الروسي الذي اغتصبني

كريستوف بصدمة : فالنتين ! هل انت متأكّدة ؟

- نعم !! هو أخبرني بإسمه الكامل المنقوش في السلّسة ، وطلب مني مسامحته .. ارجوك إخبرني انك قتلت اللعين ، وانتقمت لزوجتك 


فإذّ بها تتفاجأ بردّة فعله ! بعد إخراجه طفلها من مهده ، وتقبيله بسعادة وهو يقول :

- انت ابن البطل !! كم أنا فخور لأني تبنّيتك

- ماذا تقول يا رجل !

كريستوف : إجلسي لأخبرك القصة منذ البداية

وبعد أن أخبرها بكل شيء ..

 

زوجته بدهشة : أهو أخبرك إنني كنت اول امرأة في حياته ، وإنه انتحر لشعوره بالذنب لما فعله بي ؟!

- نعم ، وهو من أنقذ حياتي من موتٍ محتّم .. ولكيّ أردّ دينه ، سأربي ابنه كما كان يتمنّى ..

 

ويبدو إن شعور فالنتين بالذنب ! أراح نفسيّة زوجة كريستوف المتعبة ، خاصة بعد ازدياد تعلّق زوجها (كريستوف) بإبنها الصغير (آوليفر)

***


عندما كبر الولد ، أخبره كريستوف بقصة ابيه البطل .. 

وبعد بلوغ آوليفر سن الخمسين (عقب وفاة والديه ، وطلاقه من زوجته الإلمانية) قرّر الذهاب الى البوسنة (بعد انتهاء حربهم مع صربيا) للإطمئنان على عائلة والده الحقيقيّ ..

***


حين وصل هناك .. بحث عن عنوان جدته ، فدلّوه الناس على أرضها .. لكن جدته واربعة من إخوة والده ، توفّوا طبيعياً او بالحرب الأخيرة .. ولم يبقى سوى عمته العجوز ، وهي الأخت الصغرى لوالده .. 


وما أن أعطاها السلّسة ، حتى حضنته بالقبلات وهي تقول :

- لا أصدّق إن لدى اخي المرحوم ولداً ! ليت امي حيّة ، لسعدت بهذا الخبر .. 


فأخبرها أن والده بالتبنّي (كريستوف) أحضر له كتباً عن الإسلام منذ صغره ، وسجّله في مركز لتعليم اللغة البوسنية .. ولم يفهم السبب ! الا حينما كبر ، وأطلعه على الحقيقة قبل وفاته .. 


فقالت العمة : طالما انك مسلم وتعرف لغتنا جيداً ، فلن تعود الى المانيا.. ستتزوج هنا وتعيش معنا

- عمري 50 ومطلّق ، فمن ستقبل الزواج مني ؟ 

- الا تقول ان ابنك المراهق يعيش مع امه الآن

- نعم

العمة : اذاً ليس لديك احدٌ هناك بعد وفاة والديك ، لذا إبقى معنا !! فنحن عائلتك الحقيقية .. وهذه الليلة سأجمعك بأولاد عمومتك في حفلةٍ كبيرة

***


وبالحفل المسائيّ ، اندمج آوليفر مع أقاربه بسرعة .. خاصة بعد تقابله مع فتاة من معارفه ، أعجبته كثيراً .. 


ولم يمضي شهر ، حتى احتفل اهل قريته بزواجهما على الطريقة البوسنية .. ليكمل حياته مع زوجته وطفليه التوأمين اللذين يطالبانه كل مساء بإخبارهما بقصة لقاء الأجداد (فالنتين وكريستوف) تحت الشجرة في تلك الليلة الباردة .. كضابطين فرّقتهما الحروب ، وجمعتهما الإنسانيّة ! 


*******

ملاحظة :

إستوحيت الفكرة من هذا الفيديو القصير :


الجمعة، 2 أبريل 2021

المسخ

 تأليف : امل شانوحة

أسير الروح 


في آخر الليل .. عاد مايكل الى منزله ، لتستقبله امه مُعاتبة :

- لما تأخّرت كل هذا الوقت ؟! أقلقتني عليك .. ولما لا تردّ على جوالك ؟

- امي .. هذا هو اليوم الوحيد بالسنة أستطيع الخروج فيه من المنزل ، دون إخفاء وجهي بالقناع القماشيّ الذي صنعته لي 

- ولما انت حزينٌ هكذا ؟!

مايكل بقهر : لأن جارنا العجوز قال لي امام الأطفال : ألا تملك سوى هذا التنكّر المخيف ؟ إشتري زيّاً آخر غير وجه المسخ المقرف !! 

- ارجوك لا تبكي يا بنيّ


فمسح دموعه بعصبية : 

- هذه غلطتك امي !! كان عليك إجهاضي بعد أن أخبرك الطبيب إنني جنينٌ مشوّه ، لكنك أصرّيت على إنجابي .. وبسبب تمدّد جلد وجهي ، أصبحت أشبه الآيس كريم الذائب ! وطلقّك ابي ، وهجرتك عائلتك .. وانتقلنا الى هنا ، لأعيش طوال عمري مختبأً في المنزل .. وفي حال اضّطرت للخروج ، فأنا مُجبر على وضع قناعي السخيف الذي أخبرتِهم عنه : بأنه يحمي جلدي الرقيق من نور الشمس .. ولا يمكنني الظهور بشكلي الحقيقي الا في عيد الهالووين ،  لدرجة إن الأطفال اعتادوا وجهيّ القبيح الذي يرونه مرةً كل سنة ! 


الأم بحماس : هذا جيد !! أصبح لديك اصدقاء جدّد

- كفى يا امي !! لا تحاولي مواساتي .. فأنت درّستني في المنزل ، حتى لا أعاني من تنمّر التلاميذ .. وهآ انا حصلت على شهادة الماجستير في الآداب من الحاسوب ، دون أملٍ في توظفي في أيّ مكان .. حتى انت تعلّمتي التمريض ، كي لا نذهب للمستشفى .. أتذكرين كم مرة قطّبت جروحي ، وحقنتني بالإبر .. إن كنت أنتِ تشعرين بالعار بالخروج معي ، فكيف ألوم الناس ؟!

الأم بحزن : مايكل ارجوك ، لا تقسو على نفسك 

- الم تفكّري كيف سأعيش إن حصل لك مكروه ؟

- لا تقلق بهذا الشأن ، فكل معاشي التقاعديّ وضعته بحسابٍ بأسمك في البنك ..

مايكل مقاطعاً : وما الفائدة إن كنت لا أجرأ على الذهاب الى هناك ! أتمنى حقاً أن أموت قبلك ، لربما تعودين الى قريتك وعائلتك الذين هجرتِهم بسببي


وصعد السلّم متثاقلاً باتجاه غرفته ، فنادته :

- ألن تتعشّى معي ؟!!

مايكل بإحباط : جمعت الكثير من الحلوى .. سآكلها كلّها ، لربما رفعت معنوياتي المنخفضة ..

***


قبيل الفجر .. إستيقظت الأم بعد سماعها لشيءٍ يقع في الغرفة المجاورة ! فأسرعت الى هناك .. لتجد مايكل ينتفض بقوة ، بعد شنق نفسه بحلقة السقف 


فصعدت الى سريره ومعها المقصّ .. واستطاعت قصّ الحبل ، قبل ثوانيٍ من تسليمه الروح !  

وقامت بالتنفّس الإصطناعي ، وهي تصرخ عليه باكية :

- ماذا فعلت يا مجنون ؟! أتريد أن تقتلني ؟!! 


ورغم انه ظلّ فاقداً للوعيّ ساعتين ، الا انها لم تستطعّ أخذه على المستشفى .. وسهرت بجانبه طوال اليوم ، لحين إسترداد وعيه .. فهي المرة الثانية التي يحاول فيها الإنتحار ، بعد قصّ شراين يده بعمر المراهقة .. حينها قطّبت جروحه ، لكنه تسبّب بعطب أعصاب إصبعيه الصغيرين الذي لم يعدّ باستطاعته تحريكهما بعد تلك الحادثة !


اما محاولة الشنق ، فأدّت لفقده النطق عدة ايام ! 

وبعد دراسة امه حالته الصحيّة على الإنترنت وإحضارها الأدوية المناسبة له ، إستطاع تخطّى المرحلة الصعبة بإعجوبة ! 

ووعدها بعدم تكرار الأمر ثانيةً ..

***


واستمرّت حياته بروتينٍ مملّ بضعة سنوات ، كان قليلاً ما يخرج فيها من منزله ، مع إلتزامه التامّ بوضع قناعه القماشيّ (بخياطته الرديئة) المعروف لدى اهل منطقته : أنه ضروري لوقايته من حروق الشمس ! 

وقد حاول الناس التقرّب منه .. لكنه قليل الكلام ، وعادةً ما يهرب منهم سريعاً !

***


في الآونة الأخيرة .. إزداد خروجه من المنزل لإحضار الأدوية والتسوّق من السوبرماركت ، بعد مرض امه المفاجىء .. 

ليأتي اليوم الذي تحقّق فيه اسوء مخاوفه ، حين وجدها في فراشها دون حراك ! 

***


في جنازتها ..وقف مايكل المقنّع بعيداً عن الناس اثناء دفنها ..

وبدورهم قدّموا التعازي من بعيد : برفع اصواتهم كيّ لا يضايقوه  

وهو شكرهم بهزّ رأسه ، إمتناناً على وقوفهم معه في هذه المحنة .

***


مضت اسابيع بعدها ، إنتهت فيها مؤونة منزله .. فبحث مايكل عن المال في غرفة امه ، لكنها لم يجد شيئاً في حقيبتها وأدراجها .. 


فعلم إن عليه الذهاب للبنك لسحب المال .. ولأنه لا يوجد بنك في منطقته الفقيرة ، كان عليه الذهاب الى وسط البلد ..وهو لم يخرج من الحيّ الذي يسكنه من قبل ، مما أخافه جداً .. فالناس هناك لا تعلم شيئاً عن حالته المرضيّة ، وعن قناعه القماشيّ الذي سيخيفهم حتماً .. لكن لابد من المجازفة .. 


فركب سيارة امه (التي علّمته على قيادتها امام شاطى ، في لياليٍ متتالية بعمر المراهقة) ليقودها أول مرة وحده ، والى مكانٍ خارج منطقته الشعبيّة 

***


وخرج من بيته فجراً ، ليصل ظهراً الى وسط البلد .. وكما توقع ! تجمّد ناس في الطرقات ، فور خروجه من السيارة بقناعه الغريب (الذي يغطي معظم وجهه : ماعدا عينيه ، وفتحتين صغيرتين للتنفّس) 


وفور دخوله البنك ، أوقفه الحارس .. فأخبره انه قادم لسحب المال فقط .. لكن الحارس رفع مسدسه في وجهه ، وسط ترقّب وخوف العملاء والموظفين ..وأمره بإزالة قناعه فوراً !! 

فحاول مايكل التبرير له :

- أعاني من مشكلةٍ جلديّة ، وأتأذّى كثيراً من نور الشمس

الحارس : لا يوجد شمسٌ داخل البنك .. هيا إخلع القناع !!


وبعد إصراره على طلبه ، لم يجد مايكل حلاً : الا بأخذ العجوز التي بجانبه رهينة ، بعد دسّ يده في جيبه ..وغرز أصبعه في ظهرها ، لإيهام الجميع إنه يحمل مسدساً ! طالباً منهم الإنبطاح أرضاً ، فامتثلوا لأوامره وهم يرتجفون خوفاً .. بينما ظلّ الحارس يهدّده بالإستسلام ، وترك العجوز في حال سبيلها.. 


مايكل بغضب : لا اريد سوى مالي من حسابي الخاص ، الا تفهم !!

الحارس وهو مازال يوجّه مسدسه نحوه ، صارخاً بحزم : 

- دعّ السيدة ، واخرج يدك من جيبك .. وأزلّ القناع عن وجهك ، لن أكرر كلامي ثانيةً !!


ففكّر مايكل بإبقاء العجوز رهينة ، لحين وصوله الى سيارته والعودة الى منطقته .. 

لكن فور خروجه من باب البنك ، شعر بشيءٍ حارق يخترق ظهره .. ليخرّ على الأرض صريعاً .. وتعلو معها صرخات الذعر ممّن شهد الحادثة ! 

  

بعد هدوء الوضع .. تجمّع الناس حول الجثة المتواجدة خارج ابواب البنك .. وحين أزال الحارس قناع مايكل ، تراجعوا للخلف برعب من منظر وجهه المشوّه ! 


ليتفاجؤا بولدٍ صغير برفقة امه ، يشير اليه باكياً :

- لما قتلتم صديقي ؟!! هذا مايكل ، صاحب زيّ الآيس كريم الذائب الذي يلبسه كل عام في الهالووين .. هو طيبٌ جداً ، وجميع أصدقائي يحبونه 


وكانت أم الصبي جارةً لوالدة مايكل ، فقالت بحزن :

- يا الهي ! قديماً سألت امه عن سبب طلاقها .. فأخبرتني انها أنجبت أخاً أصغر لمايكل ، وُلد مسخاً .. ورغم توفيه رضيعاً ، الا ان زوجها وعائلتها قاطعوها ، فانتقلت الى منطقتنا .. لم أكن أعرف انها تقصد مايكل المسكين !

***


وسرعان ما انشر الخبر في منطقته : بأن صاحب القناع القماشيّ ، قُتل ظلماً ..خاصة انهم لم يجدوا سلاحاً في جيبه ، وكان هناك حساباً مليئاً بالمال بإسمه في البنك !

وبدأت الناس تتناقل الأخبار والحكايات عنه .. 

***


وفي يوم التأبين .. أخبرتهم سيدة : إنه أنقذها من متحرّشٍ بعد خروجها مساءً من عملها ، برميه الأحجار على المعتدي لحين هروبه 

وقالت الأخرى : إنه أنقذ طفلها من الموت برداً عند خروجه ليلاً ، بعد نسيانها قفل الباب الخارجيّ لمنزلها .. وأعاده اليها .. مع استغرابها لبسه القناع (الحامي من الشمس) رغم تأخّر الوقت !

وأخبرتهم العجوز الفقيرة : إنه داوم على شراء الطعام لها كل شهر ، لخمس سنواتٍ متتالية ! 


وأقاموا له جنازةً حاشدة ، ودُفن بجانب قبر امه ..

***


وحين دخلوا غرفته في منزل امه.. وجدوا دفاتر بها أشعاره الأدبيّة ، حيث كان موهوباً بكتابة الشعر ! واعتاد التوقيع أسفل قصائده بإسم : ((أسير الروح))

فتعّهد رئيس البلدية بنشر كتابه ، بذات الإسم الذي لقّب به نفسه ! 


واصطفّت الناس طوابير لاستلام النسخة الأولى من كتابه الأدبيّ ، الذي طُبع على غلافه : صورة قناعه القماشيّ الذي عاش فيه 40 سنة من حياته البائسة ! 

*******


ملاحظة :

إستوحيت قصتي بعد مشاهدتي لهذا الفيديو المؤثّر :

الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=an0T_SiQPOM

الثلاثاء، 30 مارس 2021

فيديو لقصة (كيف اهرب من هذا الجحيم)

 

قام الأستاذ (أحمد العبدلي) مشكوراً بتحويل قصتي (كيف أهرب من هذا الجحيم ؟) من ثلاث اجزاء ، الى فيديوهين يوتيوب .. هذا هو الجزء الأول من القصة .. أتمنى أن تعجبكم



الرابط :


الاثنين، 29 مارس 2021

خراب البيوت

تأليف : امل شانوحة

وسّوسة الأهل


في إحدى القرى الريفيّة .. عاش وليد مع زوجته الثانية (مرام) بانسجامٍ ووفاق .. ورغم إنجاب زوجته ابنها الثالث ، بالإضافة لرعايتها ولديّ زوجها من طليقته ..الا أن الحماة وابنتيها تصرّان على تطليقها ، مع انها تعاملهنّ جيداً ! ربما لأن وليد هو الإبن الوحيد ومدلّل أمه الأرملة ، والأخ الأصغر لأختين إحداهنّ مطلّقة والأخرى عانس .. 

وبعد ضغطٍ شديد من الأهل ، وافق وليد على طلبهنّ .. 


وفور إرساله زوجته الى اهلها في القرية المجاورة ، أسرعت امه وابنتيها بالسكن عنده ..حيث قمنّ بتدليله والإهتمام بمنزله وأولاده الخمسة بكل حماسٍ وسعادة ، بعد نجاح خطتهنّ !

***


وفي ظهر أحد الأيام .. دخل وليد الى المطبخ ليطلب من امه تحضير الغداء لأصحابه القادمين بعد ساعتين..

امه معاتبة : لما لم تخبرني بالعزيمة البارحة ؟!

- حصل الأمر صدفة .. دعي اخواتي تساعدنك ، ستجدين كل الأغراض في الثلاجة .. 

- لكن تنقصنا بعض الأشياء ! 

وليد : أكتبيها لي ، سأذهب للسوق لإحضارها


وأمضت الأم وبناتها ساعات في المطبخ وهنّ يعملنّ بجهد ، الى أن انتهت العزيمة ..وذهب الضيوف وهم يشكرون وليد على حسن الضيافة 

ونمنّ تلك الليلة متعبات من العمل الشاق

***


ولم يقتصر تعبهنّ على الطبخ فقط ، بل الإهتمام بأولاده ايضاً : فالكبير في سن 12 ، والصغير طفلاً لم يتمّ السنة .. 

ودائماً ما كان يتشاجر اولاد طليقته الأولى مع أخويهم الصغار (من زوجته الثانية) مما أتعب الجدة وهي تحاول تهدئة الوضع بينهم .. 


اما الأختان فانهمكا بتدريس الأولاد الكبار ، وترتيب المنزل كل يوم ..عدا عن ضيوف أخيهم الذي يحضرون مرتين في الأسبوع بين عزيمة غداءٍ او عشاء !


وإن اعترضنّ ، يتحجّج بأن زوجته مرام إهتمّت دائماً بضيوفه .. فترغمان على القيام بالواجب ، وهما تتأففّان من التعب 


ليس هذا فحسب ، بل اختار وليد أصعب الطبخات لعزائمه ! والتي تحتاج لثلاث ساعات على الأقل لإنهائها .. عدا عن اولاده الذين يرفضون أكل  أيّ شيء ، لذا عليهنّ طبخ اكلات إضافية للصغار ..


كما توجّب على اخته الصغرى الإستيقاظ مساءً لإدخال الأولاد الى الحمام ، بسبب تبوّلهم اللاّ إرادي ! وتنظيفها فراشهم وتحميمهم كل ليلة .. عدا عن بكاء الطفل المستمر بسبب ألم ظهور اسنانه 

***


وكأن كل هذه الأعمال المنزلية لا تكفيهنّ ! فكان عليهنّ الإهتمام ايضاً بالأرض الزراعية والزريبة التي ورثها وليد عن والده .. 


فأجبرت إحداهن على الإستيقاظ باكراً لإطعام المواشي ، بينما أشرفت الأم على العمّال اثناء سقيهم الأرض وقطف المحاصيل .. 

اما الأخت الصغرى فعليها إيصال اولاده الكبار الى المدرسة ، وإعادتهم ظهراً الى البيت .. 


وكلما إشتكين من كثرة العمل ، تنهّد امامهنّ ندماً على زوجته مرام التي قامت بكل تلك الأعمال برضا وطولة بال .. فيسارعنّ بتنفيذ طلباته ، كيّ لا يُعيدها الى عصمته !

*** 


وبعد شهرين ونصف من العمل المضني ، فاجأت الأم ابنها اثناء العشاء :

- وليد ..أعدّ زوجتك قبل انتهاء عدّتها 

ابنها بدهشة : أحقاً امي !

الأم : نعم ، تحدّثت مع أخواتك .. وفكّرنا كثيراً قبل اتخاذ هذا القرار 

الأخت الكبرى : نعم أخي ..تعبنا كثيراً في بيتك ، ولا ادري كيف قامت مرام بهذا العمل الجبّار وحدها !

الأخت الصغرى : وأنا لم يمرّ يوم دون تناولي أدوية الصداع بسبب مشاكل اولادك ومشاغبتهم المستمرّة ! كما أتعبوني بتدريسهم ، ورفضهم للطعام كل يوم 


وليد : أهذا قراركنّ النهائيّ ؟

الأم : نعم بنيّ .. مرام انسانةٌ طيبة ، ويشهد الله انها عاملتني بكل احترام ..وكانت رقيقة ومحترمة مع اخواتك .. 

ابنها : ألن تتدخلوا بيني وبينها ثانيةً ؟

الجميع : معاذ الله !!

الأخت الصغرى : بل سندعو اهي  أن يمدّها بالصحّة والعافية لتنفيذ طلباتك التي لا تنتهي ابداً


الأم : إسمع يا وليد .. غداً أوصلنا الى بيتنا ، ثم اذهب الى قريتها لتعيدها الى هنا

الأخت الصغرى بسعادة : أخيراً سنعود الى منزلنا !! لا أصدق متى أنام في سريري  

الأخت الكبرى : وأنا سأغفو كأهل الكهف ، دون ضوضاء الصغار المزعج

الأخت الصغرى : على الأقل في بيتنا نطبخ أكلات بسيطة ، بدل العزائم التي كسرت ظهرنا !


ففكّر وليد قليلاً ، قبل أن يقول : 

- موافق امي ، أنت تعرفين انني لا أعصي لك أمرا 

الأم برضا : أسعد الله قلبك يا بنيّ 

***


وبعد توصيل اهله الى بيتهنّ ، أعاد زوجته الى منزله .. ليستقبلها الأولاد بالأحضان والقبلات ..وبدورها كانت مشتاقة لهم ، خاصة لطفلها التي تركته طوال الفترة الماضية

***


وفي المساء ، في غرفة نومهما .. قال زوجها :

- اشتقت لك كثيراً يا مرام

- وانا حبيبي ، كنت خائفة أن يطول الأمر أكثر من ذلك

- كنت خطّطت مُسبقاً لإتعباهنّ قبل نهاية الشهور الثلاثة ، لكنهنّ إستسلمنّ قبل انتهاء العدة ! 

مرام : تتكلّم كأننا تطلّقنا بالفعل


وليد : إبقى الأمر سرّاً بيننا .. فأنا أقنعت الجميع إن زيارتك لأهلك ، كانت بسبب طلاقنا .. وفور قدوم اهلي الى بيتي ، أقمت عشرات العزائم لجميع اصحابي .. بعد إعطائي إجازة لعامل الزريبة ومشرف الحقل كعملٍ إضافيّ لهنّ .. لكن لا تقلقي ، إتصلت بالعمّال اليوم ليأتوا غداً صباحاً .. كما كنت اتفقت مع الأولاد على مضاعفة مشاغبتهم ومشاجراتهم طوال فترة وجودهن هنا .. كما طلبت من ابنائي الكبار ان يسكبوا الماء على فراشهم كل ليلة .. وقد تعبت اختي المسكينة بالتنظيف ورائهم .. ليتك رأيتي عينيها الناعستين وهي تستيقظ كل مساء لإدخالهم الحمام 


فضحكت زوجته : المساكين ، أشفقت عليهنّ بالفعل !

وليد : كان عليّ فعل ذلك ، فأنا أخاف إن ظلمتك أن يعاقبني الله بأمرأةٍ شريرة تقسو على اولادي .. ولأني لا استطيع إغضاب امي برفض طلبها المتكرّر بطلاقك ، فكّرت بهذه الطريقة لإفهامهنّ إنها حياتي الخاصة .. فهم طلّقوني من زوجتي الأولى ، ولن أسمح لهنّ بتدمير حياتي ثانيةً .. لهذا أشعرتهم كم انت زوجة رائعة وصبورة ، وتتحمّلين الكثير من الأعباء والمسؤوليات 


مرام : بالحقيقة مهمّتي ليست صعبة مع زوجٍ مُحبّ ، واولاد عقلاء كأولادنا الخمسة .. لكن خطتك أعجبتني ، فلأول مرة أشعر بسعادتهنّ وهنّ يهنّؤوني بالعودة لبيتي ، من خلال إتصالهنّ بي ! 

وليد : اذاً خطتنا نجحت ، والأجمل إن اختي تفكّر جدّياً بالرجوع الى طليقها ، فطلباته أقل مني بكثير على حسب رأيها .. يعني أصبنا عصفورين بحجرٍ واحد

 

وهنا دخل ابنه الكبير الى غرفتهما ، وهي يقول غاضباً :

- أخي وسّخ سريري !! وهذه المرة ليس تمثيلاً 

مرام : هآقد بدأنا 

وضحك الزوجان بسعادة .. 


الجمعة، 26 مارس 2021

تشاك الطيّار

 تأليف : امل شانوحة

 

نزهةٌ مخيفة


في منتصف الليل .. شعرت جاكلين برغبة لشراء الحلويات من البقالة الموجودة أسفل مبناها .. 

ففتحت نافذة غرفتها اولاً ، ثم جلست فوق الوسادة الحمراء المطرّزة وهي تنادي بصوتٍ مسموع :

- هيا تشاك !! خذني الى البقالة ..


فبدأت الوسادة تطفو باتجاه النافذة .. قبل تحليقها فوق الحيّ المظلم ، الخالي من أنوار الشوارع ..


وحين نظرت جاكلين للأسفل : رأت إبنة البوّاب الصغيرة تلعب في الساحة ، وسيارة تراقبها من بعيد !

فعلمت إن السائق ينوي خطفها ، فطلبت من تشاك أن يدنو منه ..


ورغم إن السائق لم يرى الوسادة الطائرة ، الا انه شعر بروحٍ ثقيلة تلاحق سيارته من جميع الأبعاد ! ففرّ هارباً من المنطقة .. بينما عادت الصغيرة الى بيتها بسلام 


جاكلين : أحسنت يا تشاك ، هآ نحن أخفناه .. (وهنا انتبهت على نور شقتها) .. ياه ! إبتعدنا كثيراً عن العمارة .. عدّ الى هناك !! فمازلت ألبس بيجامتي..


وهنا نطقت الوسادة من تحتها ، بصوتٍ رجوليّ أجشّ :

- ظننتك تريدين شراء الحلويات من السوبرماركت ؟

جاكلين : جميع المحلاّت مغلقة الآن ، فيما عدا بقالتنا الصغيرة .. وقد قاربنا على منتصف الليل ، لنذهب اليه قبل إغلاق دكّانه 


الا أن الوسادة انطلقت للأمام بسرعةٍ هائلة ! أوشكت على إيقاع جاكلين  التي تمسّكت بقوة بأطرافها القماشيّة .. مُغلقة عيناها من شدّة الرياح ، وهي تصرخ بخوف : 

- عمارتي بالخلف !! الى اين تأخذني يا مجنون ؟!


وفجأة ! توقفت الوسادة .. 

ففتحت عيناها ، لتجد نفسها امام مفترق طرق لشارعين مظلمين (دون إنارة) يفصلهما جبلٌ شاهق ! 

ولأول مرة شعرت بخوفٍ شديد ، وترجّته بصوتٍ متهدّج : 

- تشاك ارجوك ، أعدّني الى بيتي  


لكن الوسادة عادت للإنطلاق للأمام بسرعةٍ مهولة .. 

وكلما توقفا ، وجدت نفسها بمكانٍ موحشٍ أكثر (وكل ذلك حدث في تلك اللية الطويلة الباردة !) 


فمرة أوقفها تشاك فوق صحراءٍ قافرة مظلمة .. والمرة الثانية : توغلا في أعماق غابةٍ مهملة ، وأصوات الحيوانات والحشرات تحاول الهجوم على وسادتها .. وفي الثالثة : كانا فوق محيطٍ هائج ..والرابعة : في القطب الشمالي ، حتى أوشكت الموت برداً ..

فقال لها ساخراً : 

- لا تقلقي عزيزتي ، سأدفئك في الحال 


وانتقل سريعاً فوق فوهة بركان ، لتشعر جاكلين بالسخونة الحارقة اثناء سيرهما فوق شلاّلات من الحممّ النارية .. 

وما أن بدأت تسعل بقوة ، بسبب الأدخنة المنتشرة هناك .. حتى انطلقت الوسادة لمكانٍ أشدّ رعباً ، لتقف فوق مستنقعٍ لا يضيئه سوى أعين التماسيح الحمراء في الأسفل .. وبدأ يهبط ببطء نحوهم ، وجاكلين تصرخ باكية :

- تشاك ارجوك !! إبعدني عن تلك الوحوش 


فعاد للإرتفاع الى السماء .. فعاتبته غاضبة : 

- تشاك ايها اللعين !! كنّا اتفقنا على تنفذيك اوامري ، في مقابل إعارتك روحي للظهور كبشريّ والخروج من سجنك داخل الوسادة ، فماذا تغيّر اليوم ؟!! 

- هذا صحيح .. لكنك تبخلين عليّ بذلك ، وتكثرين طلباتك بزيارة أجمل الأماكن السياحية في العالم .. وبدوري حملتك فوق ظهري رغم ثقل وزنك ، وأخذتك الى فرنسا وايطاليا واميركا واليونان وتركيا وغيرها .. واليوم قرّرت أن أريك الجانب المظلم من عالمك  ..ومازال هناك مكانٌ أخير اريد زيارته معك 

جاكلين بخوف : لا تشاك ارجوك !


وأخذها لأكبر مقبرة بشريّة مهجورة ، مُنطلقاً على ارتفاعٍ منخفض حيث بإمكانها ملامسة الشواهد المتكسّرة .. 

فصرخت باكية :

- فهمت فهمت !! لن أطلب منك شيئاً بعد اليوم ، ارجوك أعدّني الى بيتي 

- لا ، مازال هناك مكانٌ رائع لم تريه الا في نشرات الأخبار


وانطلق كالصاروخ نحو السماء .. في الوقت الذي تحاول فيه التمسّك بكل قوتها بأطراف الوسادة ، بينما قدميها يحلّقان بالهواء الذي ازداد برودة كلما صعدا الى فوق .. 

وفجأة ! شعرت بجسمها يطفو بخفّة ، كأن لا جاذبية حولها 


فقال لها تشاك :

- إفتحي عينيك ، وانظري لجمال المنظر  

فرأت الكرة الأرضية اسفل منها !

جاكلين بخوف : يا الهي ! أأخرجتني من الدنيا ؟! 


تشاك : نعم عزيزتي .. (ثم تنهّد بضيق) .. أتدرين إن اجدادي القدامى كانوا يتنقلون بين السماء والأرض لاستراق السمع من الملائكة وإبلاغ المشعوذين بها .. لكن المهمّة أصبحت مستحيلة بعد ترصّدهم لنا بالشهب كلما اقتربنا من الجنة .. لهذا لن أرتفع اكثر .. فقط أردّت إختصار طلباتك .. فبدل أن آخذك برحلاتٍ سياحية حول العالم ، هآ انا اريك الأرض بأكملها .. يمكنك الإستمتاع برؤيتها قدر ما تشائين 


جاكلين : حسناً !! فهمت الدرس 

- إسمعيني جيداً .. لم أنسى فضلك بإخراجي من تلك الخرابة ، عقب فكّك السلاسل حول الوسادة التي سُجنت بها لقرون ..وكنت أخبرتك بأن رئيس الجن حكم بذلك ، بسبب طموحي الشاذّ بالتحوّل الى بشري مثلكم .. لكنك لم توفّي وعدك ، وأعرتني روحك لبضعة ساعاتٍ فقط ، خلال السنتين الماضيتين !


جاكلين : لأني شعرت بسكرات الموت بعد أخذك روحي ، وهذا أخافني جداً .. لكني أعدك أن أجدّد شروط إتفاقنا على ساعات تحرّرك ، ولن أضايقك بكثرة طلباتي بعد اليوم 

- وعد يا جاكلين !!

- أحلف بذلك يا تشاك 

- اذاً تمسّكي جيداً ، واغمضي عينيك .. سنعود سريعاً من حيث انطلقنا


وهبطت الوسادة باتجاه الكرة الأرضية .. وأغميّ على جاكلين من قلّة الأكسجين ..


وحين فتحت عيناها ، وجدت نفسها فوق سرير غرفتها ..

واول ما فعلته : هو أنها حملت الوسادة الحمراء بغضب ، متوجّهة نحو النافذة .. وهي تصرخ بعصبية :

- لا اريدك بحياتي بعد اليوم ايها اللعين ، كدّت تقتلني !!

تشاك بفزع : ماذا تفعلين يا جاكلين ؟! هذا ليس اتفاقنا 


جاكلين بعصبية : لم أعدّ أثق بك ، بعد تصرّفك الأرعن هذه الليلة!! 

- كنت أريك فقط الوجه الآخر لعالمكم !

- وتركت كل المناطق الرائعة ، لتأخذني لأرعب الأماكن ! الأفضل أن أتخلّص منك ، وأريح رأسي من همّك

تشاك : لحظة ! الا تريدين رؤية ملاهي والت ديزني ؟ سنصل هناك في الصباح 


فأخذت تفكّر قليلاً ، قبل أن تقول : 

- والت ديزني ! كيف لم تخطر في بالي من قبل ؟! .. حسناً خذني الى هناك ، لكنها آخر رحلة بيننا ..

- كما تشائين عزيزتي .. إجلسي فوق الوسادة ، واغمضي عينيك 


وحين شعرت إنها على وشك الخروج من نافذة غرفتها ، قالت بحماسٍ وغرور :

- هيا حلّق بي الى مدينة الأحلام ، يا عبدي المطيع !! 

- آسف جاكلين ، هذه المرة ستطيرين للأسفل


وألقى بالوسادة الى أسفل المبنى ، لتسقط جاكلين بقوة من الطابق الثالث !


واثناء احتضارها في بركة من دمائها ، خرج تشاك من الوسادة الحمراء وقد تحوّل لرجلٍ ضخم ! إقترب منها قائلاً : 

- إستعبدّتني لسنتين !! انت اسوء من الجن الذين حكموني بالسجن .. لذا قرّرت أنني لن أتذلّل لاستعارة روحك بضعة ساعاتٍ قليلة ، بل سأستولي على روحك للأبد !! وبذلك أستردّ حريتي خارج الوسادة النتنة 


جاكلين وهي ترتجف بقوة : تشاك ساعدني ارجوك ، لا يمكنني التنفّس

فاقترب من وجهها ، وهو يهمس بلؤم : 

- اذاً لا تتنفّسي مطلقاً


وقبل ابتعاده عنها ، تفاجأ بها تمسك قدمه ! جعلته يتعثّر بقوة ، ويسقط على وجهه .. ليتفاجىء بأنفه ينزف بغزارة ! وهي المرة الأولى التي يشعر فيها بالألم بعد تحوّله لبشريّ .. مما أغضبه جداً!! 


وفي ثوانيٍ ، عاد لهيئته القديمة : كماردٍ اسود مخيف بجناحين عملاقين ، وهو يصرخ غاضباً :

- يا حقيرة !! تعاملينني كعبد وانا المارد الطيّار الذي يهابه جميع الجن


وكان رؤيتها له بهيئته الحقيقية لأول مرة ، كافياً لإيقاف قلبها الذي يعاني من نزيفٍ داخلي بعد سقطتها العنيفة .. ففارقت الحياة على الفور !

  

بعد قليل .. سمع تشاك خطوات أناسٍ تركض باتجاه الجثة ، بعد سماعهم صراخه المخيف الذي أيقظهم في هذا الصباح الباكر .. 

فحلّق مُسرعاً نحو السماء ، بعد تخلّصه من سلطة جاكلين عليه طوال الفترة الماضية !  

***


بعد شهرين ، وفي حفلةٍ صاخبة .. إقترب رجلٌ وسيم من سيدةٍ مخمورة قائلاً :

- مارأيك لوّ نتفق على شيء ؟

- ماهو ؟

- علمت مؤخّراً إن ارواح البشر تنتهي صلاحيتها سريعاً .. ولأني لا اريد العودة كشبحٍ هلاميّ ، عليّ الإستيلاء على روحك مقابل خدماتي لك


فضحكت المرأة وهي ترفع كأسها : 

- هل انت كاتب او شاعر ؟ فكلامك غريب .. (وشربت قليلاً) ..دعني أعرّفك بنفسي ، اسمي ديانا .. وأنت ؟

- تشاك الطيّار

المراة بدهشة : طيّار !

- نعم ، يمكنني أخذك لأيّ مكانٍ تريدينه حول العالم

- وانا أعشق السفر 

- اذاً تعالي معي 

***


بعد خروجهما من البار ، سألته :

- اين سيارتك ؟

- هناك

فوجدت وسادة حمراء فوق الدرج ، فضحكت ساخرة :

- هل تنام فوقها كالقطة ؟

تشاك : إجلسي فوقها ، وسأحملك أين ما شئت

المرأة : أخاف أن يضحك الناس علينا 

- لا تقلقي ، لن يراك احد طالما انت برفقتي

- يبدو انني سكرت كثيراً ، فلا أفهم كلمة مما تقوله ! ومع ذلك سأنفّذ طلبك


وبعد جلوسها فوق الوسادة المطرّزة ، قال لها بابتسامةٍ خبيثة :  

- تمسّكي جيداً عزيزتي


ثم تحوّل تشاك الى دخانٍ كثيف ، إمتصّته الوسادة لداخلها .. لتبدأ بالإرتفاع عن الأرض ، قبل تحليقهما بعيداً نحو مصيرٍ مجهول .. والذي سيتكرّر حتماً مع سيدات أخريات ، كلما انتهت صلاحية روحهنّ المسلوبة ..وذلك لتحقيق حلمه الأبدي بالتحوّل لبشريّ طبيعيّ ، رغم احتفاظ تشاك بأفكار الجن الخبيثة التي تبشّر بجرائمٍ مستقبلية ستدوم طويلاً !

الثلاثاء، 23 مارس 2021

شطرنج شيطاني

 تأليف : امل شانوحة

كشّ ملك


في تسعينات القرن الماضي ، وفي إحدى القرى الأجنبية الهادئة .. أهدى الحفيد لعبة شطرنج لجده في عيد الميلاد ، قائلاً له :

- أعرف إن لديك شطرنج مصنوعة يدويّاً .. لكن هذه اللعبة الجديدة إكتسحت الأسواق ، يمكنك اللعب بها منفرداً مع الكمبيوتر .. وستكون مُحترفاً يا جدي إن ربحت عليه 


وفور تعلّم الجد طريقة اللعب ، إنغمس في المباراة .. تاركاً أحفاده الخمسة مشغولين بفتح هداياهم مع اهاليهم ..


وكان من وقتٍ لآخر يصدر الكمبيوتر صوتاً ، مُعلناً خطوته التالية 


الى أن سمعوا لحن الموت (كالرسوم المتحرّكة) مع عبارة :

((كشّ ملك))


فالتفتوا الى الجدّ الذي انحنى فجأة فوق اللعبة !

وضحك الصغار ظنّاً انه يمثّل الموت بعد خسارته المباراة ، لكنه لم يتحرّك بعدها !


فاقترب ابنه الشاب ، لهزّ كتفه بقلق :

- ابي ! هل انت بخير ؟

وحين رفع رأسه ، وجده مزّرقاً دون تنفّس ! 

فأسرعوا بنقله للطوارىء ، لكنه توفيّ تلك الليلة !  


وأظهر التشريح : إن موته المفاجىء بسبب توقف بطارية قلبه ! فاعتقدوا إن اندماجه الشديد باللعبة وتّر أعصابه ، وأثّر سلباً على نبضات قلبه 


فشعر الحفيد بالّلوم لشرائه الهدية لجده .. وواساه والداه أنه مات سعيداً اثناء إندماجه بلعبته المفضّلة

***


مع بداية العام الجديد .. أوقف البائع عربته المليئة بالألعاب قرب القهوة التي إجتمع فيها الرجال حول العجوز الخبير بالمواضيع السياسية .. 


وبعد إنهاء خطبته الحماسيّة ، عاد كلاً الى طاولته .. 

فاقترب منه البائع ليسأله :

- سيدي ، أتريد لعبة لأحفادك ؟


العجوز : ابني الوحيد يعيش في اميركا مع عائلته 

- قبل قليل إستمعت الى حديثك المشوّق .. ورجلٌ مثقفٌ مثلك ، يهوى حتماً ألعاب الذكاء كالشطرنج

- الا تفهم !! قلت أعيش وحدي ، فمع من سألعب الشطرنج ؟

البائع مبتسماً : يبدو لم تسمع بهذه اللعبة المتطوّرة 


ووضعها بين يديه ، شارحاً كيفية عملها .. فأعجب العجوز باللعبة ! خاصة إن سعرها مقبول ، واشتراها على الفور

***


بعد اسبوع ، في المقهى .. تساءل اصدقاء العجوز عن اختفائه المفاجىء .. وأرسلوا أحدهم الى منزله ، الذي اشتمّ رائحةً سيئة تفوح من الشقة ! 

فاتصل بالشرطة لاقتحام بيته .. ووجدوه ميتاً في سريره ، ولعبة الشطرنج بجانبه ! 


ولم يكترث أحد بطريقة موته ، ظنّاً أن عمره انتهى .. وقاموا بدفنه بجنازةٍ إقتصرت على الأقارب والأصدقاء المقرّبين منه

***


في إحدى المدارس ، أقيمت مسابقة شطرنج لطلاّب القرية .. وبعد تفوّق أذكاهم على منافسيه الصغار ، تحدّاه المدير للفوز على شطرنج الكمبيوتر  

وراقب الطلاّب في المسرح ، الطالب الذكي وهو ينافس تحرّكات الكمبيوتر المدروسة .. 


وحين أوشك على الفوز ، شعر بدوارٍ مفاجىء ! 

فضحك التلاميذ عليه ، ظنّاً بادّعائه المرض للهرب من الخسارة.. 

لكن بعد رؤيتهم الدماء تخرج من أنفه وفمه بغزارة ! ضجّ المسرح بصراخهم .. وأسرع المعلّم بنقله الى المستشفى ، وهو فاقد الوعيّ


وقد شُفيّ بعد عمليةٍ جراحيةٍ عاجلة ، لإغلاق ثقبٍ صغير في شريان قلبه (رغم صغر سنّه) .. ورجّح الطبيب أن يكون عيباً خلقيّاً منذ الولادة .. 

وعاد لمنزله ، بعد تناسي الجميع موضوع المباراة

***


عقب إنفصال طبيب القرية عن خطيبته ، أهداه أخوه المهندس لعبة الشطرنج الإلكترونية ليتسلّى بها ..


وفي عطلة نهاية الإسبوع ، شعر الطبيب بالضيق بعد إسترجاعه الذكريات مع حبيبته التي انفصلت عنه مؤخراً .. 

ولكيّ لا يغرق في احزانه ، أخذ يلعب بها في الصالة .. 


وبعد تعدّيه المرحلة الرابعة ، شعر بصداعٍ في رأسه ! الذي ازداد كلما انتقل لمرحلةٍ أقوى 

ولم يُوقف اللعب الا بعد سماعه رنين (البيجر) الخاص بالمستشفى ، الذي لم يظهر فيه رقم المتصل ! وتكرّر الأمر كلما استأنف اللعب 

 

كما لاحظ تشوّش التلفاز المزعج ، الذي يعود سليماً فور إطفائه اللعبة ! فعرف إن هناك إشعاعات قوية تخرج من الشطرنج .. فقرّر إيقاف مباراته الحماسيّة مع الكمبيوتر رغم قربه من الفوز ..


وتناسى الموضوع لعدة أسابيع بعد انشغاله بموت شخصيات مهمّة في قريته دون سببٍ مقنع ، وبأعمارٍ متفاوتة !


وبسبب تزايد عدد الوفيّات ، إنتشرت إشاعةٌ قوية بين القرويين بسبب مقوّلة بائع الألعاب لأحد الأطفال : حيث أخبره أن الشيطان إخترع اللعبة الإلكترونية بنفسه .. ومن يقترب من الفوز ، يقتله على الفور !


وأول المصدّقين بالإشاعة : هو طالب المدرسة الذي تذكّر الهلوسات التي هاجمت مخيّلته بعد تعدّيه المراحل الأولى في اللعبة ، وأخبر اصدقائه بذلك .. وبدورهم نقلوا مخاوفه لأهاليهم الذين فضّلوا كسر اللعبة لحماية ابنائهم من أذيّة الشياطين ! 


في المقابل تسبّبت الإشاعة بإشعال روح المغامرة لدى الشباب الذين تدافعوا لشراء اللعبة ، رغم ارتفاع سعرها بشكلٍ خيالي ! 

واضّطروا لشرائها من منزل البائع المتجوّل ليلاً ، بعيداً عن أنظار أهاليهم الصارمين بشأنها .. وأخذوا يتبارون سرّاً بينهم ، مُتراهنين على الفوز ضدّ الشيطان ! 


ولم ينفضح أمر الشباب الا بعد موت أذكاهم الذي كان يبعد خطوتين عن فوزه على الكمبيوتر ، او منافسه الشيطان كما يعتقدون !

 

ووصلت شكاوي الأهالي الى رئيس البلدية الذين طالبوه بسحب اللعبة من الأسواق فوراً .. لكنه لم يصدّق الخرافة ، واكتفى بالقول : إن الإشاعة نشرها الخاسرون باللعبة ، اما الفائزون فماتوا لأسبابٍ صحيّة فقط

***  


وفي إحدى الأيام .. واثناء مرور الطبيب بأحياء القرية ، سمع مراهقاً يتفاخر امام صاحبه بفوزه البارحة على شطرنج الشيطان 

فردّ صاحبه ساخراً : كاذب !! لوّ إنك ربحت ، لكنت ميتاً الآن ..

فاستغرب الطبيب من كلامه !

 

ثم مرّ بجانب رجلين يتكلّمان خارج القهوة ، قال أحدهما :

- ابي ايضاً توفيّ مباشرةً بعد لعبه شطرنج الكمبيوتر ! وهآ انت تخبرني إن العجوز الذي كنت آتي الى هنا لسماع آرائه السياسية ، توفي بجانب اللعبة ذاتها !

الرجل الآخر : مجرّد صدفة ، فاللعبة موجودة حالياً في كل منزل .. لكنها لم تقتل الجميع 

 

وهنا تذكّر الطبيب الإشعاعات القوية الصادرة من اللعبة ! وعاد سريعاً الى بيته ، لأخذها الى محل أخيه (مهندس الكهربائي) ..


وهناك أخبره المشكلة .. فقام المهندس بإزالة البراغي ، ورؤية اللعبة من الداخل : ليلاحظ رقاقةً تُستخدم عادةً لإصدار ذبذباتٍ قوية في أجراس الإنذار .. لكنها غير موصولة بسمّاعة اللعبة ، لذلك تؤثّر فقط على اللاعب القريب منها .. وهي من تسبّبت في تشويش التلفاز والبيجر كما بطارية قلب العجوز ، والرجل السياسي الذي أجرى سابقاً عملية دقيقة في دماغه .. كما أثّرت على الطالب المُصاب بفقر الدم ، وأدّت لثقبٍ في قلبه ! 


فطلب الطبيب من أخيه إخفاء تلك المعلومات ، لحين تأكّده من الفاعل ..

وذهب للسؤال عن اللعبة في محليّ الألعاب الوحيدين في القرية .. فأخبراه إنها لا تتواجد الا عند البائع المتجوّل ، رغم سعرها المرتفع! 

فأخذ يراقبه وهو يبيع اللعبة بالخفاء للشباب المتحمّسين لمنافسة ذكاء الشيطان ودهائه ..

***


بحلول المساء .. أوقف البائع عربته خارج كوخه الخشبي ، بعد إدخاله بقيّة الألعاب الى منزله.. 

ثم أقفل بابه من الخارج ، ومشى في طريقٍ فرعيّ .. 

فلحقه الطبيب وهو يراقبه عن بعد ، الى ان دخل مكتب رئيس البلدية!


فاختبأ الطبيب خلف الشجرة ، للإستماع الى ما يقولانه من النافذة المفتوحة 

حيث سأله رئيس البلدية : كم لعبة بعت اليوم ؟

البائع المتجول بسعادة : جميعها !!

- ممتاز !! وكم بقيّ لديك ؟

- لعبتان فقط .. عليك إحضار المزيد من المدينة ، ولا تنسى الرقاقات القاتلة لإضيفها لشريحتها الإلكترونية 


رئيس البلدية : لا !! سنتوقف هذه الفترة ، كيّ لا نثير شكوك الشرطة.. كما إنني حققت مرادي بموت أذكى عشرة أشخاص من أهل قريتي .. اما البقيّة فلم يتعدّوا المرحلة الرابعة في اللعبة ، وهذا يدلّ على غبائهم ..وهؤلاء لا يشكّلون تهديداً لمستقبلي المهني 

البائع : هل مازلت تنوي الترشّح للمجلس النيابيّ بعد شهر ؟

- بالطبع !! فأنا دفعت اموالاً كثيرة لشراء تلك اللعبة السخيفة ، على أمل أن تحقّق حلم حياتي 


البائع : انت بالفعل داهية .. فموت اذكياء القرية والمهتمّين بالسياسة ، سيسهّل عليك إغراء القرويين التافهين لانتخابك .. اذاً لم أكذب حين نشرت الإشاعة بأنهم يلاعبون الشيطان ، ايها الماكر

رئيس البلدية : إخفض صوتك !! فكلانا مُشترك بهذه الجريمة ، ووقوع أحدنا يعني انتهاء الآخر .. فكنّ حريصاً  


وهكذا فهم الطبيب الخطة المدبّرة التي نقلها لأخيه المهندس الذي سارع بدوره لتنبيه كبير القرية على حقيقة ما حصل ، والذي أصدر أمراً سريعاً بالقبض على رئيس البلدية وبائع الألعاب المتجوّل (الذي قدِمَ حديثاً الى قريتهم) لمحاكمتهما امام الجميع

***


وبالفعل زجّا في سجن التوقيف ليلاً ، دون إخبارهما بالتهمة الموجّهة اليهما! 


وفي صباح اليوم التالي .. جُمع اهالي القرية في السّاحة ، لسماع ما قاله المهندس عن التردّدات العالية للرقاقة المدسوسة في اللعبة .. كما شرح أخوه الطبيب ضررها على الدماغ ونبضات القلب ، خاصة على كبار وصغار السن 


ثم قال كبيرهم :

- كما سمعتم !! رئيس بلديتنا تآمر مع مساعده بائع الألعاب لنشر إشاعة (لعبة الشيطان) لقتل أذكيائنا والمهتمّين بالسياسة .. وبعد خسارتنا العديد منهم ، أبلغت شرطة المدينة بجريمتهما .. فأرسلوا دوريّة ، هي في طريقها الينا لاقتيادهما الى السجن المركزي..


وبعد ساعة.. تجمّع الناس حول المجرمين اثناء وضعهما بسيارة الشرطة ، وهم يرمون عليهما البيض والخضراوات العفنة ، ويطلقون الشتائم الغاضبة لما فعلاه بأذكيائهم العشرة الذين قتلوا غدرا ..


ولم يهدأ الوضع الا بعد خروج سيارة الشرطة من القرية ، متوجهة لمحاكمة المجرمين في قضاء المدينة

*** 


ولاحقاً صدر الحكم بالسجن عشرين سنة على بائع الألعاب الذي أضاف الرقاقة القاتلة الى الشطرنج قبل بيعها .. والسجن ثلاثين سنة لرئيس البلدية صاحب الفكرة الخبيثة التي أودت بحياة 10 اشخاص ابرياء .. 

***


بعد ثلاثة أشهر قضياها في السجن ، حصل رئيس البلدية على زيارته الأولى ..

وجلس امام الزجاج العازل ، رافعاً السمّاعة للحديث مع الرجل الغامض في الجهة المقابلة .. وبادر هو بالسؤال :

- من انت ؟ ومن أرسلك ؟


فأجابه الرجل ببذلته الرسمية : 

- لا علاقة لي بأهل قريتك  .. بالحقيقية ، مسؤولٌ مهم في الدولة أرسلني اليك

رئيس البلدية باستغراب : من هو ؟ ولما انا بالذات ؟!

- ستتعرّف عليه لاحقاً .. هو سمع بقضيتك ، وأعجبته فكرتك الجهنمية للقضاء على الأشخاص الذين تسبّبوا بخسارتك في الإنتخابات لثلاث مراتٍ متتالية 

- عليهم اللعنة !! لم يرضيهم شيء .. ليتني قضيت ايضاً على الطبيب وأخيه المهندس ، لأصبحت الآن نائباً في الدولة


الرجل : سنوظّفك برتبةٍ أعلى ، لكنها سرّية كيّ لا تثير الشبهات 

- ماذا تقصد بالسرّية ؟!

- يعني ستعمل معنا في المخابرات الدولية .. فنحن نرغب بالإستفادة من دهائك ومكرك للنيل من أعدائنا داخل وخارج الدولة  


رئيس البلدية بسعادة : أحقاً ! هذا أكثر مما طمحت اليه .. ماذا عن مساعدي..

الرجل مقاطعاً : تقصد بائع الألعاب المتجوّل ؟

- نعم ، هل سيخرج من السجن ايضاً ؟

- هو رجلٌ فقير ، قام بتنفيذ اوامرك فقط .. ونحن لا نريد أتباعاً ، بل مفكّرين محترفين مثلك .. لهذا إنسى امره ، ودعه يتعفّن بالسجن .. اما انت !! فعليك تجهيز نفسك للذهاب معي ، فالرئيس بانتظارك


رجل البلدية بحماس : رئيس البلاد !!

- ليس لهذه الدرجة ، بل رئيس المخابرات .. وفي حال أتحفتنا بخططك الإجرامية ، ربما تصل يوماً لرئاسة البلاد ، من يدري ؟!

رئيس للبلدية بفخر : لا تقلق سيدي ، لديّ الكثير من الخطط الماكرة

- ورئيسي متشوّق لسماع أفكارك .. هيا اذهب ورتّب أغراضك ، سأنتظرك خارج السجن 

***


وبعد سنوات .. وفي الوقت الذي عانى فيه بائع الألعاب الفقير من تنمّر المساجين ، كان رئيس البلدية غارقاً بالنعم بعد حصوله على رضى رؤسائه الذي خلّصهم من أعدائهم الواحد تلوّ الآخر بخططه الخبيثة ، الى أن لُقّب : بالعميل الشيطانيّ ! 

***


حالياً هو المرشّح الأقوى لرئاسة البلاد بعد تزوير هويّته وقيامه بعدة عمليات تجميلية جعلته شخصاً لا يمكن التعرّف عليه ، حتى من أهالي قريته الذين دعموه بقوة في الإنتخابات الجارية ، كما تمنّى طوال حياته ! 


عقوبةٌ تعسُّفيّة

 تأليف : امل شانوحة   السجين والفأر في غرفة التحقيق ، إنتفض المتهم آدم (الخمسينيّ) غاضباً : - انا مهندسٌ كهربائيّ محترم ، لا يحقّ لكم القب...