الأحد، 28 يونيو 2026

انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة 

بين الفقد والأمل


عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغم عقمها .. وبعد سنواتٍ طويلة من العلاج ، حملت اخيراً .. وكان كلا الزوجيّن ينتظران مولودهما الأول بفارغ الصبر .. 

وبشهرها الثامن ، ضجّ الإعلام بخبر وفاتها مع جنينها بحادث سير على الطريق العام .. مما افقد مراد صوابه ، خصوصاً بعد علمه بأن المُتسبّبة بالحادث : هي سارة (الآنسة ثلاثينية) التي دخلت بغيبوبة بعد الحادثة .. والتي عملت كسائقة حافلةٍ صغيرة ، تابعة لمدرسةٍ ابتدائيةٍ شعبية ..


وبعد انتهاء العزاء .. تردّد مراد على المشفى بانتظار استيقاظ سارة ، لمعرفة اسباب الحادث ..

حيث رشى الممرّض ، للسماح له بدخول غرفتها .. رغم منع الشرطة إقترابه منها ، بعد شعورهم بغضبه الشديد اتجاهها 

^^^


وخلال الليالي التي بقيّ ساهراً امامها ، خطرت بباله مراراً : فكرة خنقها بالوسادة حتى الموت .. فهي حرمته حب حياته ، ومن شعور الإبوّة .. 

رغم ان شرطة المرور والشهود أكّدوا قيامها بخطوةٍ جريئة بعد انحراف شاحنةٍ امامها .. ولكيّ تحمي 20 طالباً من موتٍ حتميّ ، خاطرت بحياتها بالإنحراف نحو اليمين .. مما أدّى لاصطدامها بسيارة زوجة مراد التي ماتت على الفور .. بينما صدمت سارة رأسها بزجاجها الأماميّ بعنف ، مُتسبّباً بغيبوبتها ..

لكن مراد لم يهتم بنجاة الطلّاب الفقراء ، بل صبّ اهتمامه على عقاب سارة التي دمّرت حياته.. ولهذا تكفّل بعلاجها ، لكيّ يضمن نجاتها !

***


وطوال شهر غيبوبتها .. جلس مراد بجانب سريرها لساعات ، وهو يتأمّل جمالها البريء.. مع عدم السماح لنفسه بتطوير مشاعره اتجاهها ، فهي بالنهاية قاتلة عائلته .. ولهذا خطّط طوال تلك الليالي ، بطريقة تجعلها تدفع الثمن غالياً ..

***


الى ان اتى يوم ، استيقظت فيه اخيراً .. لتجد اهلها بجانبها ، يُهَنِّئونها على السلامة ..لكن بنفس الوقت وجوههم قلقة ، كأنهم يخفون أمراً مريباً ! 


وبعد إصرارها على معرفة ما حصل.. اجاب اخوها :

- جميع الطلاّب بخير يا سارة ..أصيبوا بجروحٍ بسيطة ، وتعالجوا جميعاً.. لكن المشكلة بزوج المرأة الحامل التي ماتت بالحادثة ، فهو يصرّ..

فقاطعته بقهر : لم يكن امامي حلٌ آخر ، فالشاحنة انزلقت باتجاهي بعد انفجار إطارها !

- نعلم ذلك ..والشرطة اخبرت الرجل ببطولتك الجريئة ، لكنه مُصرّ على عقابك

سارة بخوف : هل سيسُجنني ؟!

اخوها : لا ندري بعد.. هو يرفض الكلام معنا.. حتى انني اخبرته باستعدادنا لرهن منزلنا ، لدفع تعويضٍ له.. لكن ذلك آثار غضبه .. وأخبرني انه ليس بحاجة لمالنا القذر !


وقبل إكمال كلامه ، دخل مراد الغرفة دون استتئذان ! وهو ينظر لسارة بحنق :

- اخيراً استيقظتي !! قدمت فور علمي بشفائك

سارة بارتباك : سيدي ، انا..

مراد مقاطعاً بلؤم : أغلقي فمك !! لم آتى لسماع تبريراتك عن الحادثة .. 


ثم فتح باب الغرفة وهو ينادي اشخاصاً من الخارج .. وما ان دخلوا ، حتى صُدمت عائلة سارة برؤية موظفٍ حكوميّ ورجليّن !

فسأله اخو سارة بقلق : مالذي يحصل ؟!

مراد : هذا كاتب عدل وشاهديّن .. سأتزوج سارة بالحال

وجاء كلامه صادماً للجميع !


سارة بارتباك : سيدي .. انا لا اريد الزواج مطلقاً

مراد بعصبية : أصمتي !! زواجك بي ، ليس خياراً.. بل أمر واجبٌ عليك.

سارة بقلق : وفي حال رفضت ؟

مراد : ارفع قضية تعويض ، تُفلسك انت وأهلك بعد بيع جميع املاككم

فصمت الجميع برعب !


ثم وجّه كلامه للموظف الحكومي : 

- رجاءً ، قم بواجبك

فجلس الموظف بجانب سريرها ، وهو يفتح دفتره :

- آنسة سارة ..هل توافقين على الزواج من السيد مراد ؟


فنظرت للعريس بعيونٍ دامعة .. فهي لا تعرف الرجل الذي يكبرها بعشرين سنة ! والذي كان واضحاً من عيونه الحادّة ، انه سيؤذيها بعد الزواج

لكنها ايضاً شعرت بخوف اهلها على مصيرهم الماديّ .. ولهذا وافقت مُرغمة بتوقيع عقد الزواج بيدها المرتجفة ! 


وبعد خروج الموظف والشاهديّن من الغرفة .. نظر مراد الى أهلها ، وهو يقول بحزم : 

- من اليوم ستنسون ان لديكم ابنة اسمها سارة التي سأجبرها على مقاطعتكم.. فنسبكم الوضيع لا يليق بمستوايّ الإجتماعي.. وإن حاولتم البحث عنها ، سأرسل من يحرق منازلكم !!

فالتزم الجميع الصمت برعب ، امام تهديده الغاضب !

مراد : والآن اريد البقاء وحدي مع عروستي القاتلة 

ثم سمح لهم بتوديعها للمرة الأخيرة


وبعد ذهابهم ، اقترب من سريرها مُهدّداً :

- سأجعلك تتمنّين الموت الف مرة.


ثم ازال المصل بعنف عن ذراعها ، جعلت الدماء تنفر منها وهي تحاول كتم ألمها

مراد بنبرةٍ آمرة : 

- هي إلبسي بسرعة !! سآخذك لمنزلي الجبليّ.. انتظرك بالخارج ، لا تتأخري


وبصعوبة نزلت من سريرها ، وهي مازالت تشعر بدوار المخدّر.. ولبست ثيابها وهي قلقة من قتلها ببيته الجبلي ، لكنه لم يترك خياراً آخراً امامها

^^^


في الطريق .. جلست تنظر من نافذتها بشرود ، وهي تتذكّر صراخ الطلّاب قبل لحظات من الحادثة.. محاولةً تجاهل انفاس العريس الغاضبة ، وهو يقود بسرعة باتجاه المنزل الذي سيكون سجنها قريباَ

^^^


بعد ساعتين ، وصلا الى هناك.. لكن جسمها كان متعباً للغاية ، لدرجة عدم قدرتها على الخروج من السيارة

مراد صارخاً : هيا اسرعي !! هل تمشين على قشر بيض ؟

سارة بإرهاق : جسمي مازال مُخدّراً بالأدوية ، وأطرافي خاملة..


وقبل ان تكمل عذرها ، تفاجأت بحمله لها ! ليس كعريس يحمل عروسته ، بل اقرب الى ذبيحة على وشك شوائها بالنار !

^^^


وبالفعل ما ان وصل لسرير غرفتها ، حتى رماها بعنف فوقه ..وهو يقول :

- ستُسجنين بهذا البيت ، الى ان تترجّيني على قتلك


ثم خرج ، وقفل الباب عليها من الخارج.. بينما انهارت سارة بالبكاء ، بعد تأكّدها بأنها ستعيش اسوء كوابيسها في الأيام القادمة 

^^^


بعد ساعة .. دخل عليها وهو يحمل صينية الشوربة :

- اريدك ان تستعيدي صحتك سريعاً .. لأن الأسابيع ، وربما الشهور القادمة لن تكون سهلة عليك


ثم خرج من غرفتها مجدداً .. وهذه المرة نسيّ إغلاق الباب ، بعد انشغاله بمكالمة على جواله..

فشربت حسائها ، وهي تستمع لمقتطفات من حديثه مع قريبه :

((انا اعرف كيف آخذ حقي منها.. لا تقلقوا بشأني ، لن ادخل السجن بسببها.. لكني سأجعلها تندم على اليوم الذي قتلت فيه حبيبتي))


فارتاحت قليلاً ، لمعرفتها بأنه لن يقتلها ويدفنها بالجبل.. خصوصاً بعد عثورها على ملف بخزانة غرفتها ، فيه شهادات تقدير : عن كونه افضل تاجرٍ بالبلد.. وهذا يعني انه لن يدمّر سمعته المهنية ، للإنتقام منها.. 

كما وجدت صورة تجمعه بزوجته الفاتنة ، حيث كان واضحاً نظرات الحب بينهما.. ولهذا أدركت حجم الألم في قلبه.. وقرّرت الصبر لأجل عائلتها

***


وفي الأيام التالية ، بدأ عقابه لها : من خلال إجبارها على تنظيف جميع غرف منزله ، كما اعتنائها بحديقته ، وترتيب صناديق عمله المتراكمة بالعلّية ، والطبخ له بالأصناف التي يختارها ، والإهتمام بكل الشؤون المنزلية .. 

بينما هو منشغلٌ بالعمل على حاسوبه ، اثناء مراقبته عملها الذي استمرّ منذ الصباح حتى المساء كل يوم !

***


وبعد اسبوعين من العمل المتواصل .. سمع مراد طرقاً على بابه ، بوقت العصر.. فاستغرب ذلك ! فهو لم يخبر اقاربه بأيّ منزلٍ من املاكه ، حبس سارة فيه


وعندما فتح الباب .. وجد رجلاً بدى عليه إرهاق السهر ، سلّمه طفلاً صغيراً وهو يقول:

- سيدي .. انا فلان الفلاني ، جاركم بالمنزل المجاور.. زوجتي بالسيارة تلد طفلنا الثاني .. ولا ادري اين اضع ابني البكر.. وكنا لمحنا زوجتك قبل ايام وهي تعتني بالحديقة.. رجاءً اعتنيا بإبننا ، ريثما نعود 

وأعطاه حقيبة اغراض الولد ..


وقبل ان يستوعب مراد المهمّة ! أطلقت زوجة الرجل صرخةً موجعة من السيارة ، جعلته يركض نحوها .. ثم قيادة سيارته مبتعداً!


فدخل مراد منزله ، وهو ينادي على سارة التي نزلت من العلّية .. لتنصدم بحمله لطفلٍ لم يتجاوز السنة .. وضعه في حضنها ، وهو يخبرها عن جاره الذي لم يره من قبل !

سارة : حسناً سأهتم به ، لحين عودته مع زوجته ومولدهما بالسلامة

فسلّم مراد الحقيبة لها : 

- وهذه اغراض الصبي

سارة : اذاً سأحضّر حليبه في الحال .. فالصغير يبدو جائعاً


وصار مراد يراقبها من بعيد .. وهي تدنّدن للطفل الذي تحمله بذراع ، وبيدها الأخرى تُحضّر حليبه على عجل بعد انفجاره بالبكاء

- حسناً حبيبي .. الطعام قادم .. إنتظر ريثما يسخن الحليب.


ثم دخلت معه الى غرفتها .. وفوق سريرها ، وضعت الوسادة على قدميها .. وهي تهزّ الصغير الذي تُشربه الحليب .. دون علمها بمراقبة مراد لهما من شقّ الباب ، وهو يسمعها تغني للطفل بصوتٍ أموميّ حنون 


فتركهما بمفردهما ، وعاد الى الصالة بعيونٍ دامعة وهو يتذكّر زوجته التي رغم حملها بعد علاجٍ طويل ..الا انها اخبرته : برغبتها تعين مربية لإبنهما ، دون تضيع وقتها بالإهتمام به ! 

بينما سارة تهتم بإبن الجيران كأنه طفلها ، وبكل حنانٍ ومحبة .. جعلت الصبي يعتاد عليها سريعاً ، رافضاً ترك حضنها طوال اليوم! 

***


وفي اليوم التالي .. اخذ مراد يراقبها وهي تحاول تعليم الطفل المشي بالحديقه ، وهي تشجّعه بلطفٍ ومثابرة :

- هيا يا صغيري .. عمرك قرابة سنة .. عليك تعلّم المشي ، لكيّ تُسهّل عمل والديك مع قدوم اخيك الصغير .. هيا يا بطل !! بضعة خطواتٍ اخرى


فلم يجد مراد نفسه الا وهو يقف بالجهة المقابلة للصغير .. وهو يفتح ذراعيه ، لتشجيعه على المشي.. 


وبعد مرور وقتٍ بالمحاولة ، ترك الصغير حضن سارة ..متوجهاً بتردّد نحو مراد الذي حضنه بفخر ، وهو يقبله بسعادة بعد خطواته الأولى.. بينما سارة تخفي فرحتها ، لرؤية الجانب الرحيم من مراد لأول مرة !


وبعد قليل.. اضّطرت لتحميم الصغير بعد توسيخ نفسه.. وعندما دخل مراد غرفتها ، سمعها تغني للطفل بالحمام .. قبل ان تناديه ، دون وعيٍ منها :

- مراد !! اعطني المنشفة الكبيرة

وكانت المرة الأولى التي تناديه بإسمه ، دون لقب سيد !


وعندما دخل الحمام.. وجدها بفستانها المبلول ، داخل حوض الإستحمام مع الصغير.. ورغم التصاق الفستان بجسمها الا انها لم تخجل منه ، فهو بالنهاية زوجها التي طلبت منه لفّ الصغير بالمنشفة ، وإلباسه ثيابه التي تركتها على سريرها .. بينما تكمل استحمامها على عجل..


فصار يُلبس الصغير ، وهو يتمّتم بصوتٍ مقهور : 

- كان المفترض ان اكون الآن أباً لطفلٍ جميل .. لكن القدر اخذ جنين زوجتي السابقة ، وأبدلني بك وبسارة.


وبعدها خرجت سارة وهي تلبس روب المنشفة .. واقتربت من مراد برائحتها الجميلة وشعرها المبلول ، وهي تربت على كتفه :

- بابا مراد.. الصغير يلبس قميصه بالمقلوب .. أعدّ الباسه له ، لحين اختيار ملابسي

وفتحت الدرج وهي تسأله :

- لم احضر الكثير من الغيارات معي.. فهل تسمح باستعارتي لملابس المرحومة؟

فأومأ برأسه ايجاباً ، وهو مازال منشغلاً بالصغير


فاختارت فستاناً ، وعادت للحمام .. ثم خرجت وهي تلبسه ..

وما ان رآها ، حتى قال بضيق :  

- الم تجدي غير فستانها الأحمر ؟

سارة باستغراب : وهل هناك مشكلة ؟!

- كنت اعشقها به

- حسناً سأغيّره بالحال

لكن بكاء الصغير المفاجئ ، جعلها تسارع بحمله وهي تقول : 

- لابد انه جائع.. سأطعمه اولاً .. ثم أغيّر الفستان 

مراد : لا داعي لذلك.. فقط اهتمي بالصغير


ثم اخذ جواله للإتصال بالمشفى المتواجد بالجبل ، على امل ان يكون جاره هناك..

وبعد ان اعطى مراد اسم جاره لموظف الإستقبال ، اوصله هاتفياً بغرفته..


فاعتذر الجار عن تأخره يومين.. طالباً المزيد من الوقت ، لعلاج مشكلةً صحية بمولوده الجديد ..فوافق مراد ، مرغماً على ذلك.. 


ثم ذهب للمطبخ ، لإخبار سارة بالأمر ..فأجابت :

- كان الله في عونهما.. 

ثم قبّلت الصغير الذي يشرب حليبه :

- اساساً تعوّدت على وجوده معنا

***


لكن في اليوم التالي ، ارتفعت حرارة الصغير.. فأحضر مراد الطبيب له ، والذي كتب لهم بعض الأدوية .. وطلب منهما التناوب على الإهتمام به ، لحين انخفاض حرارته ..

فأعطى مراد جواله الآخر لسارة (الذي احتفظ به بدرج مكتبه)..

- هذا سيكون رقمك الجديد ، لا تتصلي بأحد من معارفك القدامى .. سأذهب للصيدلية لإحضار ادوية الصغير .. وان احتجتما لشيءٍ آخر ، اتصلي بي فوراً 

^^^


وبعد عودته .. اضّطر مراد للبقاء بغرفة سارة ، لوضع الضمّادات الباردة على جبين الصغير.. ومن شدة تعب مراد ، نام بجانب سارة التي غفت وهي تحتضن الطفل المريض  

***


وفي الصباح التالي ، استيقظ الطفل نشطاً وهو يلامس وجههما .. فاستيقظ مراد وسارة منصدميّن من نومهما معاً ، بعد ثلاثة اسابيع على زواجهما ! 

ورغم انه شعورٌ جديد بالنسبة لسارة ، الا انها أحسّت بالطمأنينة بجانب مراد الذي لم يغادر السرير ، بل ظلّ يلاعب الصغير ويدغده .. بينما الطفل يضحك بسعادة ، بعد تعوّده على والديه الجديدين !


وهنا ادركت سارة ان عصبية مراد وغضبه منها بالفترة الماضية ، هي بسبب قهره على فقدان حبيبته وطفله الذي انتظر قدومه طويلاً .. ولذلك لم تعد خائفة منه ، بل تفهّمت جرحه جيداً 

^^^


ظهراً.. جلسا مع الطفل على طاولة الطعام ، وهما يتناوبان بإطعامه.. الى ان سمعا طرقاً على بابهما.. ليجدا الجار قدم مع زوجته التي تحمل طفلهما الثاني بالسيارة

- اعتذر عن الأيام التي قضاها ابني معكما.. لكن اليوم حتى سمحوا لنا بإخراج المولود من الحضّانة  

مراد : ان اردت ، يمكن لإبنك البقاء معنا فترةً اطول

الجار : لا داعي لذلك .. فحماتي قادمة بعد قليل ، لمساعدة ابنتها بالصغيريّن


ثم اخذ طفله الذي كان متعلّقاً برقبة سارة ، الا ان والده سحبه من حضنها ..وهو يقول له : 

- لا تبكي حبيبي .. فأمك بالسيارة .. الا تريد رؤية اخيك الصغير ؟


ثم شاهد مراد وسارة ، العائلة تذهب نحو منزلها المجاور .. وعادا للداخل وهما يشعران بفراغٍ كبير ، بعد ذهاب الصغير الذي قرّب المسافة بينهما


حيث حاول مراد إظهار تماسكه ، بتمثيل انشغاله بجواله.. 

بينما مسحت سارة دموعها وهي ترتّب المنزل من آثار الصغير الذي تعلّقت به كثيراً بالأيام الماضية

***


وفي المساء .. استيقظ مراد لشرب الماء ، ليجد سارة تبكي بالمطبخ وهي تحمل قبعة الصغير الذي تركها بسريرها 

مراد : يبدو انك تعلّقتي به !

سارة : جداً .. فأنا لطالما تمنّيت الأمومة

فردّ بقهر : وانا ايضاً رغبت الإحساس بالأبوّة ، الذي حرمتني انتِ منه

فتفاجأ بها تمسك يده بحنان :

- صدّقني لم يكن امامي حلٌ آخر .. فإمّا ان يموت 20 ولداً ، او اصطدم بسيارة زوجتك.. رجاءً سامحني.

فجلس امامها حزيناً :

- كانت حب حياتي.. لكن من خلال الأسابيع التي راقبتك فيها ، فهمت عيوب المرحومة

- ماذا تقصد ؟


مراد : الطبقة المخمليّة التي اعيشها ، تُجبرني على نوعٍ محدد من النساء.. وهن بالعادة انانيات ، يحببن قضاء وقتهن بالنادي وصالونات التجميل والتسوّق.. وعادةً لا يتحملن مسؤولية منزلٍ ومطبخٍ واولاد.. بل يتكلون على الطبّاخين والخدم والمربّيين.. وكان الأمر عادياً بالنسبة لي ..الى ان تذوّقت طعامك الشهي .. ورأيت ذوقك بترتيب المنزل وحدك ، دون خدمٍ بيننا.. كما عنايتك بالصغير وحنانك عليه .. وتمنّيت للحظة ، لوّ كنتِ فعلاً ام اولادي

سارة : انا اساساً زوجتك شرعاً .. هل نسيت ؟

فنظر اليها بدهشة :

- ألست غاضبة مني ، لزواجي بك بنيّة الإنتقام ؟!

- كان جرحك كبيراً ... فبيومٍ واحد ، خسرت زوجتك وطفلك الذي انتظرته طويلاً ... لهذا أتفهّم ألمك وصدمتك.. لكني لست شريرة ، ولم أتعمّد ايذاء احد.. بل تمنّيت كثيراً لوّ بقيت زوجتك حية ، وتوفيّت انا بالحادث 

مراد : لا تقولي هذا.. فأنت امرأة حنونة ، وسيدة منزلٍ رائعة.. هل تقبلين ان نفتح صفحة جديدة بحياتنا معاً ؟


سارة : إخبرني اولاً .. ماهي اللحظة التي جعلتك تقرّر ذلك ؟

فأجاب بتردّد : رؤيتك بحوض الإستحمام مع الطفل .. أغاظني جداً وجوده معكِ ! 

فسألته بابتسامة : هل غرت منه ؟!

- بصراحة نعم .. 

سارة : وانا أعجبني جانبك الرحيم الذي نجحت بتخبأته طويلاً ، الى ان فضحه الصغير المشاغب 

- أتدرين يا سارة .. الله ارسله الينا ، لتقريب المسافة بيننا

سارة : ما رأيك ان يكون لدينا طفلاً نرعاه ، كما اهتممنا بإبن الجيران ؟

مراد : موافق طبعاً !!

وحملها بحماس لغرفتهما ، ليبدأ شهر عسلهما الحقيقي ..

***


بعد اسبوع .. زار مراد وسارة عائلة الجار ، بعد شرائهما الهدايا للصغيريّن .. 

ثم ودّعتهم سارة قبل انتقالها الى قصر مراد في المدينة ، لبدء حياتهما الزوجية بعلاقةٍ صحية خالية من الخوف والرغبة بالإنتقام 

*** 


بعد عام ، وفور انجاب سارة لطفلها الأول .. سمح مراد بإعادة تواصلها مع عائلتها .. ليس هذا فحسب ! بل نقلهم الى منطقةٍ افضل ، بعد شراء منزلٍ كبيرٍ لهم.. كما ساهم بتوظيف بعض افراد اسرتها ، بمعمله الغذائيّ .. فهم بالنهاية اقارب ابنه الذي ملأ حياته سعادةً وفرحاً ، بعد ان اعطته سارة فرصةً أخرى للحياة !


الجمعة، 26 يونيو 2026

التلفاز الملون

تأليف : امل شانوحة 

العالم الرمادي


كان مخترعاً الكترونياً بارعاً ، لديه هوس السفر عبر الزمن.. ولكيّ لا يسخر منه زملائه ، أخفى اختراعه داخل قبو منزله


وفي صباحٍ باكر .. تجرّأ اخيراً على ضغط زرّ ماكينته التي جعلتها تدور بسرعة ، قبل ظهوره المفاجئ بإحدى شوارع لندن القديمة ! حيث دلّت اشكال المارّة على عودته لزمن الأربعينات : بسياراتهم الكلاسيكية ، وقبعات الرجال العالية ، وفساتين النساء المُحتشمة الذين التفتوا جميعاً اليه بدهشة ، كأنهم اكتشفوا عدم انتمائه لعصرهم! 


بينما كان هو اكثرهم استغراباً ، لأن ذلك الزمان تواجد بالفعل دون الوان ! حيث ظهرت المحلاّت التجارية والبشر بدرجاتٍ متفاوتة بين الأبيض والرمادي والأسود.. حتى الدماء التي خرجت من ركبة الصبي الذي تعثّر امامه ، سالت باللون الأسود الداكن! 


وحين التفت نحو انعكاسه على زجاج احد المتاجر : شاهد مظهره باللون الطبيعيّ وملابسه العصرية ! حينما سمع عجوزاً تقول للآخرين :

- عيناه مخيفتان ! هل هو بشري ، ام ملاك نزل من السماء ؟!


فاستوعب المخترع : بأن الفيديوهات القديمة المصوّرة عن هذا العصر ، لم تكن بسبب كاميرات الأبيض والأسود.. بل هم فعلاً عاشوا زمنهم بهاذيّن اللونين فحسب!


وعندما حاول شرح الألوان لهم ، لم يفهموا ما يعنيه .. حتى صغارهم لم يستطيعوا تخيّل عالمه المثاليّ الملوّن !

فظن أنهم فقدوا القدرة على تمييز الطيف اللونيّ عبر العصور..


حينها خطرت في باله فكرةً جنونية : 

((ماذا لوّ استطاع صنع جهاز يعيد تنشيط الجزء المسؤول عن رؤية الألوان داخل ادمغتهم ؟))

***


وفي الأيام التالية .. انشغل في منزله المستأجر ، لصنع اول تلفاز ملوّن يبثّ موجات لتفعيل ميزة الألوان في عقولهم 


وبالفعل تجمّعت الناس حول اختراعه الجديد ، وهم منصدمون من رؤية صورٍ ملوّنة : للسماء والمنتجات الزراعية والفساتين التي عرضها على شاشته ، مع كتابة اسماء الألوان اسفل منها على الشاشة.. والتي شاهدها الكبار والصغار وهم منذهلون من جمالها ، كأنهم اكتشفوا عالماً آخراً مخفياً عن حياتهم الكئيبة !


وكلما تعرّفوا على لونٍ جديد ، تلوّن عالمهم بذلك اللون.. وما ان انتهى الفيديو المصوّر المعروض على تلفازه الحديث ، حتى صُبغ عالمهم بجميع درجات الألوان التي شاهدوها لأول مرة في حياتهم !

***


وفي الأسابيع التالية ، عومل المخترع كبطلٍ شعبيّ.. وباتت حياته رائعة ، الى ان نبّهه احدهم : بأن الشرطة تلاحقه ، بعد مطالبة جميع المناطق المجاورة لنسخة عن تلفازه الملوّن الذي جعلهم اكثر انطلاقاً وحرّية ، بعيداً عن القيود الصارمة لحكومتهم التي أمرت بالقبض على المخترع المشاغب الذي غيّر مفاهيم الفن لدى الرسّامين والكُتّاب ، وصولاً للمناهج الدراسيّة.. حتى معدلات الإكتئاب والإنتحار انخفضت بشكلٍ غريب ، كأن البشرية في ذلك الزمن عاشت نصف حياةٍ فقط.


فلم يكن امام المخترع الا التهرّب من السجن ، عن طريق استخدام ماكينته المخبأة  التي اعادته لعالمه من جديد 

***


وفور وصوله للزمن الحاضر .. اكتشف المخترع ان احداث التاريخ تغيّرت تماماً : بعد رفض المواطنون الإنضمام للجيش ، للمشاركة بالحرب العالمية الثانية ! مُنقذين بعنادهم ملايين البشر من الموت الحتمي .. 


وكل هذا حصل بعد تحسّن نفسيّاتهم ، عقب انتشار التلفاز الملوّن الذي سبق عصر ظهوره الحقيقي بأعوام ، بعد سفر المخترع عبر الزمن .. وتمكنه من تجميل عالمهم بألوانٍ متوهّجةٍ لا نهائية ! 


الأربعاء، 24 يونيو 2026

التوأم الشرير

تأليف : امل شانوحة 

 خطيئة الطفولة 


استيقظ توأمان متطابقان داخل مستودعٍ مهجور ، وهما مقيدان على كرسيّن حديدين ..وامامهما رجلٌ مقنّع خلف زجاجٍ عازل ، يُحدّثهما بالميكروفون :

- اهلاً بكما في مسابقة الثراء السريع .. وشروط الفوز بها ، بسيطة.. فبعد قليل سأفكّ قيودكما.. وستجدان خلفكما ثلاثة اسلحة : مسدس وسكين وعصا حديدية.. يمكنكما اختيار ايّ سلاحٍ تريدانه.. وكل ما عليك فعله ، هو قتل شقيقك

فصرخ احدهما :

- هل جننت ؟!! نحن توأميّن ، يعني خُلقنا من رحمٍ واحد

المقنّع :

- هناك حقيقة كونية مخفية عن البشر : وهي أن احد التوأميّن يُخلق ملاكاً ، بينما الآخر شيطاناً.. ولهذا اخترعت هذه المسابقة ، للقضاء على النسخ الشريرة .. والآن سيدخل حارسي ومعه نظّارتيّن للواقع الإفتراضي ، ليرى كل منكما شهادة الآخر السرّية قبل اختطافكما.. وبعدها تقرّران من منكما الملاك ؟ ومن الشيطان الذي يجب التخلّص منه ؟ والناجي سيحصل على مليون دولار !!

^^^


وبالفعل وضع الحارس النظّارتين على عيون الشابين المُقيديّن ، ليريا فيديو مصوّر عن الشقيق الآخر : وهو يُدلي بموافقته على قتل اخيه الذي اتهمه بالغيرة ، وتحويل حياته لجحيم .. وانه سيتخلّص منه برحابة صدر ، مقابل حصوله على الجائزة المالية !


وما ان فُكّت القيود ، حتى سارع احدهما إلى الطاولة.. مُلتقطاً المسدس الذي أطلق منه النار على اخيه دون تردّد ! .. وفور تأكّده من موته ، انهار القاتل باكياً


ومن بعدها ، دخل المقنّع الى الغرفة لمواساته .. مُهنّئاً نجاحه بقتل توأمه الشرير ، واستحقاقه للمكافأة ! 

دون علم القاتل : بأن اعتراف اخيه مُصمّماً بالذكاء الإصطناعي ، لتزوير اعترافات ونوايا لم تحدث قط.

***


وهذه الحيلة الإلكترونية استخدمها المقنّع لقتل عشرات التوائم المُختطفين على مدار سنوات ، مُحققاً ثرّوةً طائلة من بيع بثّ مسابقاته الدموية على الإنترنت المظلم 


الى ان اتى يوم ، احضر رجاله توأميّن بعمر الخمسين..

وقبل بدء المسابقة ، قال احدهم للمقنّع خلف الزجاج :

- لحظة ! عرفتك من نبرة صوتك المميزة .. انت فلان الفلانيّ ، من ابناء حارتي القديمة الذي قتلت اخيك التوأم بعمر العاشرة

فتراجع المقنّع للوراء بصدمة ! قبل صراخه معترضاً :

- لم اقتله !! هو مات بحادث سير

الرجل : كنت متواجداً بالحيّ ، حين رأيتك تدفعه نحو الشارع بعد رفضه مشاركتك درّاجته ، فدهسته سيارةً مسرعة .. الهذا اخترعت هذه المسابقة ، لإعادة تمثيل جريمتك مراراً وتكراراً .. والإثبات لنفسك : أن أخاك كان شيطاناً يستحق الموت ، وأنك كنت الضحيّة دائماً ؟!

المقنّع : الجميع ارتاح من مشاغباته المؤذية ، حتى والدايّ

الرجل : انت تُزيّف الحقائق !! فأنا كنت صديق شقيقك الراحل الذي كان مسالماً كالملاك.. أما أنت !! فكنت مُعقّداً نفسياً ، يملأ قلبك الغلّ والحقد ..لأن والداك فضّلاه عليك ، لذكائه ولطفه


وكلامه هذا اغاظ المقنّع ، لدرجة اقتحامه المستودع وإفراغ رصاصاته في صدر الرجل الذي كشف سرّه الطفولي.. بينما انتفض التوأم الآخر رعباً ، بعد رؤية اخيه يموت أمام عينيه !


ثم رمى المقنّع حقيبة الجائزة امام الناجي ، وهو يقول : 

- اخوك الشرير قتله لسانه الطويل.. خذّ الجائزة وارحل ‍!! وان اخبرت احداً بمسابقتي ، فسأرسل رجالي لقطع لسانك ويديّك.. هيا اغرب عن وجهي !!

^^^


ثم توجه المقنّع نحو مكتب سكرتيره الذي يُدير غرف البثّ والتحكّم ، وسأله بقلق :

- هل سمع احد من حرّاسي ما قاله ذلك الأحمق ؟

السكرتير : لا سيدي ..انا فقط من يراقب كاميرا المستودع

المقنّع بارتياح : اذاً إحذف اسمي الذي نطقه ذلك المتهوّر ، ثم أعطني الشريط المُعدّل


وما ان حذف السكرتير المقطع من الفيديو ، حتى أطلق المقنّع رصاصة على مؤخرة رأسه .. ثم وقف بجانب جثة سكرتيره ، وهو يقول :

- وهاهي الحقيقة تموت مع الشاهد الأخير

^^^


ثم خرج من هناك ، وهو يُطالب حرّاسه بدفن الجثتيّن خلف المستودع المهجور..


بعدها عاد لمكتبه.. مُخرجاً صورةً قديمة ، جمعته مع اخيه التوأم قبل الحادثة بعام.. والتي جعلته يستذكر صرخة اخيه الأخيرة .. وجسده الذي انتفض لدقائق ، اسفل عجلات السيارة.. 


فانسابت دمعة على خده ، سرعان ما مسحها بعنف .. وهو يخاطب الصورة بلؤم : 

- انا لم اقتله !! بل تخلّصت من نسختي الشريرة .. لأنني خُلقت ملاكاً ، بينما هو حتماً الشيطان بيننا .. ووالدايّ وإن كانا لم يُعبّرا يوماً عن حبهما لي ، الا انهما فضّلاني عليه دائماً .. لأني ابنهما البكر ، والأحقّ بعاطفتهما وثرّوة املاكهما 


ثم حمل جواله .. مُتصلاً بمساعده ، بنبرةٍ خالية من الندم والمشاعر :

- إبحث لي في الأحياء العشوائية عن توأميّن جديدين .. اريد بدء مسابقتي التالية بأسرع وقتٍ ممكن 


ثم خرج من مكتبه .. بعد تخبئة صورة طفولته مع اخيه ، في خزنةٍ مُحكمة الإقفال .. وهو مازال مُصرّاً على  تشويه حقيقة الماضي !


الاثنين، 22 يونيو 2026

نهضة من تحت الركام

تأليف : امل شانوحة 

اليتيم البطل


كبر الشاب سليمان وهو لديه عقدةٌ مُبهمة من الظلام ، فرغم تجاوزه العشرين الا ان جسده ينتفض عند انقطاع الكهرباء المفاجئ ، لهذا اعتاد النوم مع انارة غرفته ! 

كما يرفض تدفئة جسمه باللحاف السميك مهما اشتدّ برد الشتاء ، مُعلّلاً ذلك لوالديه : بأنه يشعر كأن بلاطة اسمنتيّة فوق صدره ، تمنعه التنفّس !

ورغم اعراضه الغريبة .. الا ان والديّه اليهوديّن لم يعترضا ابداً ، بل تفهّما معاناته بصبرٍ ولطف

^^^


لكن الأمور بدأت تضح ، بعد شجاره مع والده العسكري الذي يُلحّ على التحاقه بالجيش .. مع إصرار سليمان برفضه قتل الفلسطينيين ، طالما مُلتزمي البقاء في الجانب الآخر من الجدار الفاصل.. بل ويعتبر قصفهم من وقتٍ لآخر ، هو تعدّي على حرّيتهم الشخصيّة

ومن دون انتباه ، صرخ والده باستحقار :

- أُصولك القذرة ، تجعلك تدافع عن اولئك الملاعيين !!


فسارعت الأم بسحب زوجها من الغرفة ، وهي تعتذر من ابنها الذي لم يفهم كلامه !

وبسبب غموض ردّات ابيه العنيفة بالآونة الأخيرة ، تنصّت على غرفة والديّه..

ليسمع امه تعاتب والده :

- هل جننت ؟! ستفضح كل شيء

زوجها بعصبية : الا تسمعين إعتراضه على إبادة العرب ؟! لابد ان دمه الفلسطيني يحنّ لأهله


وما ان قال والده ذلك ! حتى عادت لذاكرة سليمان مُقتطفات من ماضيه : ((وهو يصرخ بخوفٍ شديد ، تحت ركام شقته التي تحطّمت بقصف العدو ، وهو ممددّ بجانب جثة والده الحقيقيّ ..عالقاً لساعات تحت ركامٍ بارد في عتمةٍ خانقة (والتي تسبّبت بعقده النفسيّة السابقة)  

ثم تذكّر المُسعف الأجنبي وهو يقول (بلغةٍ عربيةٍ ركيكة) في سيارة الإسعاف:

- طالما قُتل جميع افراد عائلتك ، فسأنقلك لأسرةٍ جديدة.. وهناك ، لن تشعر بالخوف مطلقاً))


فتمّتم سليمان بصدمة :

- هل كنت فعلاً طفلاً فلسطينيّاً ، تم بيعي لعائلةٍ يهودية ؟ الهذا أتذكّر اناشيدهم الوطنية ، مع سهولة تعلّمي للغة العربية من الإنترنت ؟!


ثم عاد الى غرفته .. وهو يتصرّف ، كأنه لم يسمع شيئاً (حتى لا يثير شكّ والديه بالتبني) بانتظار اكتشافه الحقيقة كاملةً

***


بعد يومين ، خرج والديّه لتناول العشاء بالمطعم .. بينما اعتذر عن مرافقتهما ، لشعوره بالنعاس


وبعد ذهابهما .. أسرع لعلّية منزله ، بحثاً عن مستندات او صورٍ تذكّره بالماضي


وبعد قليل ، وجد صندوقاً مُغبرّاً بإحدى الزوايا .. بداخله ورقة بيع بيتزا بمئة الف دولار !

فتساءل بدهشة : هل اشترى والدي البخيل ، بيتزا مصنوعة من الذهب ؟!


ثم تذكّر الأخبار الأخيرة عن جزيرة أبستين : ووصفهم الأولاد المخطوفين بالبيتزا

سليمان : يا الهي ! هذا عقد بيعي .. لكن ممّن اشتروني ؟!

وكان مكتوباً اسفل العقد ، اسم المُسعف الأمريكي الذي عمل مع (UN) في غزة


وهنا استذكر شيئاً آخر :

((مبناه ذوّ الطلاء البني الداكن ، قبل قصفه .. والذي كان يعرفه من خلال النخلة الكبيرة بجانبه ..التي كلما رآها والده الحقيقي من بعيد (وهو يقود سيارته) يقول لأبنائه الثلاثة :

- تلك نخلة جدكم !!

فتردّ امه (الجدة) التي تركب بجانبه :

- زوجي اعتاد رميّ بذور التمر من الشرفة ، باتجاه الساحة الرمليّة القريبة من المبنى.. وفي يومٍ ماطر ، نمت النخلة وحدها.. فهو لم يزرعها بيده قطّ))


وهنا قال سليمان (وهو مازال بالعلّية) : 

- نعم تذكّرت !! كان لديّ اخٌ كبير ، وأختٌ صغيرة ما تزال طفلة بحضن امي.. وإسمي الحقيقي كان.. ياربي ذكّرني به.. آه نعم !! عزّام.. هذا هو اسمي !! عزّام ، وليس سليمان.. والمسعف الحقير باعني لعائلتي اليهودية ! لكن كيف سأعود الى وطني ؟!

***


وفي الأيام التالية ، بحث مطوّلاً بالإنترنت المظلم .. الى ان وجد ضابطاً اسرائلياً خائناً يعمل على إدخال وإخراج الناس من الجزء البعيد عن المراقبة ، في الجدار العازل بين الدولتيّن !

فتواصل معه ، لإدخاله سرّاً الى فلسطين .. فطلب مبلغاً من المال.. اضّطر بسببه عزّام لبيع سيارته (دون علم والديّه بالتبني) لدفع ثمن المرور ، لذلك العميل الذي ادخله من الجدار وهو ينبّهه :

- فور تعدّيك لهذا الخط ، لا يمكنك الرجوع ابداً الى اسرائيل

فاكتفى سليمان بالقول : 

- ربما يوماً ما ، أجد طريقة للعودة الى هنا 

وكتم عبارة : ((بعد عودة الأرض لأهلها ، ولوّ طال الزمن))

^^^


ثم انطلق عزّام مشياً على الأقدام مسافةً طويلة ، الى ان اوقفته دوريّة فلسطينية

الشرطي : لما تمشي وحدك بهذا الشارع ، البعيد عن المنازل والمتاجر ؟

عزّام : انا فلسطيني ، تهجّرت بعمر ٦ سنوات الى لندن (فهو لم يرد اخباره بأنه قادم من اسرائيل)


ثم اردف قائلاً :

- اذكر شيئاً واحداً عن منطقتي القديمة .. هو انني كنت بمدرسة صلاح الدين الأيوبي الإبتدائية ، التي كانت تبعد شارعاً واحداً عن بيتي القديم.. فهل يمكنك إيصالي الى هناك ؟


فوافق الشرطي الفلسطيني على توصيله الى منطقته .. والتي ما ان نزل فيها ، حتى عادت اليه الكثير من ذكرياته : كلعبه الكرة مع اخيه الأكبر بالشارع القريب من المدرسة.. والدكّانة القديمة التي كان يشتري الحلوى منها


لكنه تجمّد فور رؤيته النخلة الطويلة قرب المبنى الذي أُعيد بنائه ، مع بقاء جزءاً مدمّراً منه : وهي الشقة التي هبطت فوق عائلته !

وما ان وضع يده على النخلة والدموع في عينيه ، حتى سمع بوّاب العمارة يقول :

- انا زرعتها بنفسي !!

ليسمع امرأة عجوز (تجاوزت الثمانين) تقول ، وهي تحمل اكياس الخضار:

- بل زوجي اعتاد رميّ بذور التمر بالفسحة الرملية للمبنى ، جعلتها تنمو وحدها بيومٍ ماطر 


وما ان سمعها عزّام ، حتى ناداها بسعادة : 

- جدتي !! الحمد الله انك بخير

واحتضنها ، وسط صدمتها هي والبواب !


الجدة بدهشة : من انت ايها الشاب ؟!


فأخذها بعيداً عن حارس المبنى ، وهو يقول : 

- انا عزّام يا جدتي ، الا تتذكّرينني ؟

- عائلة ابني ماتوا جميعاً ، بعد قصف شقتهم

(وأشارت الى الجزء المُهدّم من المبنى)

عزّام : لكني لم امت يا جدتي ، بل باعني مُسعفٌ اجنبي لعائلة بالتبني

(وأخفى موضوع اليهود)

الجدة : حفيدي عزّام لديه وحمة سوداء على بطنه

فرفع قميصه على عجل .. وما ان رأت الوحمة ، حتى احتضنته باكية :

- حبيبي عزّام !! اخبرني المسعفون انهم لم يجدوا جثتك مطلقاً ! ولولاك ، لما كنت حية اليوم 

عزّام مستفسراً : لم افهم !

الجدة : في تلك الليلة .. بكيت كثيراً ، رغبةً بمصّاصٍ من الحلوى .. فرفض والدك احضارها قبل موعد نومك.. لكني غافلته ، ونزلت الى الدكّان لشرائها لك.. وقبل وصولي للعمارة ، قصف العدو الشقة .. لأن والدك كان من المناضلين الشجعان.. وبذلك أنقذتني حلواك من الموت ! وفي نفس الوقت جعلتني اعيش 14 سنة ، وانا اتمنى لوّ انني متّ معكم.. واليوم فقط عرفت حكمة ربي من بقائي حية ، للإجتماع ثانيةً بحفيدي الغالي !!


وحضنها عزّام باكياً ، وهو يعد بتعويضها عن وحدتها السابقة.. 

هامساً بأذنها : عن رغبته الإنضمام للمقاومة ، كوالده البطل  


دون علمها بسرقته للمخطّطات العسكرية (لأبيه اليهوديّ) لمعركتهم القادمة.. والتي  ينوي إفشالها تماماً ، بعد معرفته بنقاط تمركّز العدو .. والتي ستجعله لاحقاً : قائد المقاومين الذي سيرهب الأعداء لسنواتٍ طويلة!


السبت، 20 يونيو 2026

غرفة الغميضة

تأليف : امل شانوحة 

الحقيقة المخفية


اسرع المراهق (16 سنة) بالبحث عن غرفة يختبئ فيها داخل الفيلا ، بينما أخويّه التوأميّن (6 سنوات) يبحثان عنه ، لربح لعبة الغميضة 


فلم يجد نفسه الا وهو يحشر نفسه في خزانة زوجة ابيه ، بعطرها الذي يفوح من ملابسها المُتكدّسة هناك ..


والتي فجأة ! دخلت غرفتها مسرعة ، يتبعها سائق العائلة  

ومن شقٍّ صغير بين بابيّ الخزانة ، استطاع المراهق رؤية زوجة ابيه وهي تتحدّث بصوتٍ منخفضٍ ومتوتّر:

- ألم أعطك المال البارحة ؟ لما دخلت المنزل ؟! 

فردّ السائق : أتيت لأجل ولدايّ .. فأنا لا يكفيني رؤيتهما نصف ساعة صباحاً ونصف ساعة ظهراً ، أثناء توصيلهما للمدرسة

زوجة الأب بالخوف : إخفض صوتك ، فإبن زوجي بالمنزل اليوم .. ومن حسن حظنا ، انه هو ووالده لم يلاحظا التشابه الكبير بينك وبين التوأميّن ! 


فقال المراهق بنفسه بصدمة : 

((ماذا ! التوأمان ليسا شقيقايّ !))


السائق : وجود ذلك الصبيّ يُزعجني ، فهو يراقب كل شيء.. علينا التخلّص منه قريباً 

فاتسعت عينا المراهق رعباً ! 


ثم اقترح السائق خطة خطفه ، وطلب فدية من والده .. لكن عشيقته طلبت التريّث ، ريثما تجد حلاً افضل 


وبعد خروجهما من الغرفة ، بقيّ المراهق متجمّداً داخل الخزانة من هول ما سمعه ! 

وعندما خرج أخيراً ، ركض التوأمان وهما يعانقانه بفرح : 

- أمسكنا بك !! 

لكنه هذه المرة شعر بالبرود اتجاههما ! فهو لم يرى في ملامحهما ، سوى وجه السائق الخائن !


وعاد الى غرفته ، وهو يفكّر بطريقة لإخبار والده الحقيقة.. خاصة ان زوجة أبيه كانت صديقة أمه المُقرّبة التي نشرت الإشاعات الكاذبة عنها ، لجعل والده يطلّقها ظلماً للزواج بها ! 

لهذا قرّر مراقبة الخائنيّن ، لحين حصوله على دليلٍ قاطعٍ ضدّهما 

***


بنهاية الإسبوع ، طلبت زوجة أبيه الذهاب إلى المول .. فسارع المراهق باستئذان والده لزيارة امه ..

فاقترحت عليه توصيله بطريقها 


لكن ما لا تعرفه ، أن المراهق لم يدخل منزل أمه أصلاً !

ففور ابتعادها بسيارة السائق ، حتى ركب سيارة والدته (التي يملك مفتاحاً احتياطياً لها) وانطلق خلفهما.. الى ان توقفا أمام فندقٍ فاخر.


فدخل خلف زوجة ابيه والسائق بحذر .. واختبأ قرب البوفيه المفتوح ، لتصويرهما معاً .. وهما يمسكان أيدي بعضهما ، ويضحكان كعاشقيّن.


وبعد دقائق ، صعدا إلى إحدى الغرف.. فأرسل الفيديو إلى والده.

^^^


بأقل من ساعة...

اقتحم الأب الفندق غاضباً .. 

وما ان فتح السائق باب الغرفة مرتدياً روب الاستحمام ، حتى انهال عليه باللكمات.. بينما حاولت حماية عشيقها بجسدها المُبلّل.. 

وبصعوبة التقط الزوج المخدوع أنفاسه ، ناظراً إليها باحتقارٍ مُقززّ 

ثم طلّقها بالثلاث ، مع اعلان حرمانها من كافة حقوقها الماديّة 

***


وبعدها عاد إلى الفيلا مكسور الكبرياء ، ليجد ابنه المراهق في انتظاره ..

فاقترب منه بعينيه الحمراوتيّن ، مُمسكاً كتفيّه بعنف:

- متى عرفت بخيانتها ؟!!

فأخبره بكل ما سمعه ، اثناء وجوده بالخزانة ! 


فتراجع الأب للخلف ، بصدمة : 

- التوأمان... ليسا من صُلبي ! 

ابنه بحزن : يمكننا التأكّد بعد اجرائك الفحص الطبّي

ورغم رفض الأب التصديق... الا ان تحليل الحمض النووي أكّد الحقيقة المؤلمة 

***


بعد أيام ، وقف الأب أمام منزلٍ شعبيّ في حيّ الفقراء ..

لتفتح زوجته السابقة الباب ، وهي تبدو منهكة بعد خسارة ثرّوته وسمعتها .. لتفاجأ به يدفع التوأميّن نحوها ، وهو يقول ببرود:

- هذان ابنا عشيقك... لا علاقة لي بهما

وقبل نطقها بكذبةٍ جديدة ، رمى نتائج الفحص بوجهها وغادر.

***


ثم عاد الى الفيلا لأخذ ابنه ، والذهاب معه الى منزل زوجته الأولى : المرأة التي ظلمها وطلّقها ظلماً .. 

وبعد ان اخبرها بما حصل ، ترجّاها بصوتٍ مكسور : 

- رجاءً سامحيني 


فنظرت إليه بمرارة ، وهي تتذكّر سنوات القهر التي أمضتها وحدها.. لتفاجأ بإبنها المراهق يحتضنها بقوة ، وهو يترجّاها ان تسامح والده لأجله 

ورغم علمها بأن بناء الثقة من جديد ، لن يكون سهلاً .. لكن لأجل ابنها وبيتها ، قرّرت منحه فرصةً أخيرة 


بينما شكر المراهق ربه على تلك الصدفة التي جعلته يختار غرفة زوجة ابيه للعبة الغميضة ، والاّ لعاشت عائلته في كذبةٍ نجسة طوال حياتهم !


الخميس، 18 يونيو 2026

الوحش الرومنسي

 تأليف : امل شانوحة

الضحية الأخيرة


كانت الشرطية (الثلاثينية) فخورة بنفسها ، لاتقان عملها في قسمٍ خاص بالشرطة ..فهي توهم المتحرّشين بأنها مراهقة ساذجة ، لايقاعهم بشرّ اعمالهم ، والإمساك بهم بالجرم المشهود


وخلال الأعوام الثلاثة ، قبضت على الكثيرين منهم ..الى ان سلّمتها الإدارة مهمّة محادثة شابٍ مشبوه ، لم يتردّد بإرسال صورته الفاتنة!

وكما توقعت .. كان حواره مُنمّقاً ومحترماً ، كأنه ينتقي كلماته للإيقاع بها

***


لكن بعد ايام من محادثاته الرومنسية ، توقف عن التفاخر بمغامراته العابرة.. وصار يشاركها همومه بعد اطمئنانه لها : مُتحدثاً عن طفولته القاسية من والديّن مُنفصلين ، مع وصف عذابه بالتنقل بين منازل الأقارب والمربيين.. وحينما أغرم للمرة الأولى ، صدم بوفاة حبيبته قبل اسابيع من عرسهما ! عدا عن مرضه الذي ابقاه بالمستشفيات لفترةٍ طويلة.. وبسبب معاناته المتواصلة ، وجدت الشرطية نفسها تتعاطف معه رغماً عنها ! 

ولأنها درست علم النفس قبل التحاقها بالشرطة ، آمنت باحتياج بعض المنحرفين الى من يتفهّم مشكلتهم وعقدهم النفسيّة .. ولهذا ظنت انه باستطاعتها علاجه.. 

***


ومع مرور الوقت .. صارت تنتظر مكالماته ، وهي مهتمة بتفاصيل حياته.. الى ان صارت تفكّر به ، حتى بعد انتهاء دوامها !


وفي يوم ، سألته ممازحة : 

- ماذا لوّ التقينا ، ورفضّت إقامة علاقة معك .. ماذا ستفعل لكسر عنادي؟

فأجابها بغرور :

- لم تستطع امرأة حتى اليوم ، مقاومة وسامتي .. وفي حال افترضنا ، ان احداهن تمنّعت عن ارضاء رغباتي ...

وسكت قليلاً ، قبل ان يقول :

- فالمخدّر في شرابها ، سيحلّ المشكلة .. تماماً كما حصل مع بعض حبيباتي المراهقات 


وهنا سقطت السمّاعة من يدها بعد شعورها بوخزٍ في قلبها ، مع دمعةٍ حارة على خدها ! فهو لم يكن شاباً وحيداً ومجروحاً ، كما ظنت .. بل كان يخفي مكره ، تحت قناع العاشق المكلوم..

ورغم انها تمنت قوله ذلك ، تباهياً بانتصاراته الواهمة .. الا ان النقيب الذي دخل مكتبها ، أكّد ان اعتراف المشبوه المُسجّل ، يُطابق الأدلة التي جمعها الفريق ضده بالأسابيع الماضية ! 

كما وعدها بمكافئة عن جهودها السابقة ، بعد ارساله دوريّة الى عنوان المتحرّش للقبض عليه..

فطلبت من رئيسها الخروج باكراً من عملها ، مُدعيةً ألماً في معدتها

***


وفي منزلها .. انهارت باكية فوق سريرها ، بعد تعلّقها بالمشتبه به التي حادثته يومياً لمدة شهرين متواصلين (بحواراتٍ مُسجّلة بقسم الشرطة) ورغم انتصارها على ذلك المحترّش الماكر الا انها شعرت بخيبة املٍ كبيرة.. 


لكنها بالنهاية أدركت : ان الحب ليس علاجاً لجميع الأشخاص المدمّرين عاطفياً .. فبعض جروح الماضي لا تصنع ضحايا ، بل احياناً تحوّلهم لوحوش عديمي الرحمة والضمير ! 


الثلاثاء، 16 يونيو 2026

لانش بوكس المدرسي (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

الحفاظ على النعمة


داخل الثلاجة .. تنهّدت نصف شطيرة الجبنة بحزن : 

- أخشى ان ينتهي أمري في سلّة النفايات ، فلا أحد يُكمل طعام طلّاب المدارس .. خصوصاً ان صغير العائلة ، كان مريضاً الأسبوع الماضي.


فهزّت فتات البسكويت رأسها موافقة .. بينما تمّتمت عبوة العصير النصف المشروبة بضيق :

- احد اولادهم لديه عادةً سيئة بترك القليل مني ! وبسببه ، علقت هنا بانتظار مصيري الغامض 


وهنا تحدّث صحن الزعتر من الرفّ العلوي :

- في الماضي ، كانت الأمهات تكتفي بشطائر الزيت والزعتر للمدارس.. فرغم بساطتي ، الا انني لم أعدّ يومياً إلى الثلاجة .. كما انني طعامٌ صحيّ ، أفيد تركيز الصغار بدروسهم .. لا ادري متى اخترعوا فكرة اللانش بوكس المرهقة للأمهات ، وعديمة الفائدة للأولاد ؟!

فقالت علبة جبنة المثلثات:

- وأنا أيضاً ، كنت الوجبة المثالية لطلّاب المدارس.. لكن بعد كورونا ، أمرت الإدارات ببقاء الطلاّب في فصولهم ، منعاً من اختلاطهم بالملاعب.. لهذا اخترعوا اللانش بوكش التي تقهر الأولاد ، لتميّز احدهم عن الآخر.. لكن ما فائدة ان يستبدلوني بأصنافٍ متعدّدة ، طالما تعود معظم وجباتهم الفاخرة الى الثلاجة او ترمى بالنفايات ؟! 

الخبز الأجنبي : 

- معك حق ، فالأطفال أحياناً يلعبون بالطعام أكثر مما يأكلونه.

فردّ الخبز العربي :

- في الماضي ..تكفّلت الجدّات بإطعام الصغار دون السماح لهم بالتحرّك من جانبهن ، لحين انهاء صحنهم بالكامل .. ولهذا الجيل الماضي اكثر صحة من الجيل المُتربي على الطريقة المُدلّلة الحديثة!


ومن باب الثلاجة ، قال مرطبان الشوكولا (نوتيلا) بثقة : 

- اما انا ، فلم يتغيّر وضعي كثيراً .. فالأطفال يحبونني كثيراً ، والأمهات يجدونني خياراً سهلاً وسريعاً في صباحهن الباكر 

فاعترضت الطماطم من درج الثلاجة :

- لكنك لست خياراً صحياً لهم .. وطعمك يصبح سيئاً بعد انتهاء صلاحيتك

فردّ مرطبان الشوكولا بعصبية : 

- جميعنا لدينا تاريخ انتهاء .. فلا تنقصوا قيمتي ، غيرةً مني.. فأنا اعطي النشاط للأولاد ، لمتابعة يومهم الدراسيّ الطويل ..ولن أضرّ صحتهم لوّ استعملوني باعتدال 

فقال الخس من الدرج :

- الجيل الذي نشأ على الطعام الصحي ، افضل بكثير من الجيل الجديد الذي يعتمد على الطعام المُصنّع 

وأشار الى كيس الأندومي الذي ردّ بامتعاض :

- كنت متأكداً انكم ستنتقدونني بالنهاية.. فأنا عدوّ الأطباء والأمهات.. لكن لا احد يستطيع الإنكار انني الحلّ السريع لإشباع الصغار ، خصوصاً ابناء الأمهات الموظفات


فاعترضت قطعة اللحمة :

- لكنك مليء بالملح الصيني ، المُسبب للكثير من الأمراض المُسرطنة

فرد الأندومي غاضباً :

- اساساً مالذي اتى بكِ الى الثلاّجة ، فعادةً مكانكِ في الفريزر ؟!

اللحمة : أنزلتني صاحبة المنزل لتذويب الثلج عني ، وطبخي لأولادها بعد قليل.. ثم انا الملكة بينكم ، خصوصاً بعيد الأضحى.. والجميع يفضّلني دون منافس

فرد الحليب :

- لا تفرحي كثيراً ، فعندما أخرجوني من الثلاّجة قبل قليل : سمعت الزوجيّن يقرّران حميةً صحيّة قريبة.. حيث سيعتمدان على الخضار فقط

فتساءل مرطبان الشوكولا بقلق :

- وماذا عني ؟!

الحليب : اظنك ستبقى خياراً مناسباً لأولادهما

الشوكولا بارتياح : جيد .. خفت أن أُرمى ، وانا مازلت مُمتلئاً النصف ! 

وهنا قال صحن السلطة بفخر :

- المهم انهما لن يستغنيا عني ، وقريباً سأصبح طعامها المفضّل 

الخبز : 

- انتِ اساساً تفسدين خلال يومين ، فلما كل هذه الغطرسة ؟ ثم ما سرّ النصف ليمونة الموجودة في معظم الثلاّجات العربية ؟!

فردّت النصف ليمونة :

- سيستعملونني قريباً ، انا اؤمن بذلك

فقالت الشطيرة :

- او تفسدين كبقايا طعام المدارس ، ونُرمى جميعاً بالنفايات


وهنا فتحت الأم الثلاّجة .. وبدأت بجمع فتات اولادها طوال الأيام الماضية (التي اعادوها من المدرسة) .. 

لتجتمع البقايا بكيسٍ واحد ، وهم قلقين على مصيرهم ! 

^^^


ثم ذهبت الأم مع عائلتها بنزهةٍ بحريّة.. وهناك ، طلبت من ابنائها رميّ بقايا الطعام للأسماك !


وقبل غرق الفتات بالبحر ، ودّعوا بعضهم على عجل : 

- على الأقل لم ترمينا بسلّة النفايات ، وسنُطعم مخلوقاتٍ اخرى.. وبذلك تكون العائلة حافظت على نعمة الله.. 

البسكويت بارتياح : اللهم لا اعتراض ، والحمد الله على كل شيء


انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة  بين الفقد والأمل عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغ...