الأحد، 13 أكتوبر 2019

التلاعب بالعقول

تأليف : امل شانوحة

 
السيطرة على الآخرين

((نحن نستخدم 10% فقط من قدرات عقلنا .. هل تريد ان تصل الى نسبة 100 % ؟ .. سجّل معنا في دورة العالم النفسي جون اندرسون , الذي سيعلّمك خلال شهرين فقط : القدرة على تحريك الأشياء عن بعد – فتح العين الثالثة – الإسقاط النجمي – السيطرة على الآخرين – وتقوية الحاسّة السادسة .. تكلفة الدورة 400 دولار .. وخصم خاص لطلاّب الجامعات ب 200 دولار , مع شهادة موثّقة بنهاية الدورة .. ويمكنك التسجيل في إحدى الدوامين : النهاري والمسائي .. إن همّك الأمر , راسلنا على هذا الإيميل))

لفت هذا الإعلان المميز إنتباه الطالبة جاكلين التي رأته إضافةً مهمّة لشهادتها في علم النفس .. فقامت بالتسجيل بعد دفعها المبلغ بواسطة كرت البنك الذي اعطاه لها والدها لإكمال دراستها بالمدينة , بعد تفوقها الدراسيّ بإحدى القرى البريطانية
***

مرّ شهر على حضورها محاضرات الأستاذ جون المسائية , التي آثارت فضولها بالماورائيات كبقية العشرين شخصاً المسجّلين في الدورة , الذي كان معظمهم من طلّاب الجامعات ..

وفي إحدى الأمسيات .. عاتبها الأستاذ جون على غيابها ليلة البارحة .. فاعتذرت بسبب إنشغالها ببحثٍ دراسيّ .. 
فردّ عليها الأستاذ : 
- لا بأس جاكلين .. والآن سأعرّفك على طالبنا الجديد آدم الذي انضمّ الينا البارحة .. (ثم ركّز الأستاذ في عينيّ جاكلين , قائلاً) : إنتباه!!!!

فغابت جاكلين عن الوعيّ , قبل دخول آدم القاعة !
***

فجأة ! وجدت نفسها في موقف السيارات الموجود اسفل المعهد .. 
فقالت بدهشة وهي تتلفّت حولها : 
- لا اذكر انني نزلت الى هنا ! .. كم الساعة ؟
وكان موعد الدورة إنتهى منذ ربع ساعة ..
- غريب ! لا اذكر شيئاً عن تلك المحاضرة .. مالذي يحصل معي ؟!

وهنا لمحت شاباً يركض باتجاهها , وهو يحمل سكيناً حادّاً .. صارخاً بغضبٍ شديد :
- سأقتلك يا لعينة !!!  

فلم تجد نفسها الا وهي تهرب بأسرع ما يمكنها حول سيارات الموقف ذوّ الإنارة الخافتة , وهي تصرخ بعلوّ صوتها طالبةً النجدة .. وبالوقت ذاته تحاول البحث عن سيارتها الحمراء , دون جدوى! 

ثم توقفت لثواني لالتقاط عصا بيسبول وجدته في إحدى الزوايا , فحملته معها لتدافع به عن نفسها إن لزم الأمر

وبعد عدّة لفّاتٍ هستيريّة حول الموقف .. فاجأها الشاب بتغير مساره ليصبح في مواجهتها , رافعاً السكين في وجهها ! 
وبدورها رفعت العصا نحوه لتحمي نفسها , وهي تقول باكية وبفزعٍ شديد: 
- خذّ حقيبتي واتركني اعيش , ارجوك !!

فقال بغضبٍ وقهر :
- لا اريد مالك يا حقيرة !! اريد الإنتقام منك لدهسك حبيبتي 
جاكلين بدهشة : ماذا ! انا لم ادهس احداً في حياتي , أحلف لك 
- بل انت قاتلة خطيبتي , وسأنتقم منك الآن !!
وهجم نحوها .. 
وقبل ان يتعاركا , سمعها صوتاً من الميكرفون يقول بصوتٍ عالي:
- CUT !!!!

ثم ارتفع صوت تصفيقٍ عالي .. 
وبدورهما تجمّدا في مكانهما , حين رأيا الأستاذ جون يتقدّم نحوهما برفقة تلاميذ صفّه ! .. قائلاً لجاكلين بابتسامةٍ مستفزّة : 
- جاكلين عزيزتي , أعرّفك بالطالب الجديد آدم ..(وأشار على الشاب حامل السكين) .. 
جاكلين بصدمة : ماذا ! أكان كل هذا تمثيلاً ؟!
الأستاذ : بالحقيقة لا , فآدم متأكد تماماً إنك قاتلة خطيبته .. 

ثم اقترب من آدم الذي مازال متجمّداً في مكانه , وهمس في اذنه :
- آدم .. ستستيقظ بعد قليل , مُتناسياً كل ما قلته لك البارحة : بأن جاكلين هي السائق الذي دهس حبيبتك تلك الليلة .. فقاتل خطيبتك مازال مجهولاً حتى هذه اللحظة .. وغضبك الذي تشعر به الآن سينتهي تماماً بعد سماعك للرقم ثلاثة .. 1 – 2 – 3 .. إرمي السكين , واستيقظ وانت تشعر بسعادةٍ غامرة !!

وبالفعل ! رمى آدم السكين من يده , وهو ينظر اليهم بابتسامةٍ غبية 

فصرخت جاكلين على الأستاذ بعصبية : 
- ألكيّ تثبت قدرتك في السيطرة على عقول الآخرين , إستخدمتني طعماً لهذا المجنون ..(وأشارت على آدم).. الذي كان بإمكانه قتلي؟!!
الأستاذ : لا يمكنه إيذائك , فقد راقبتكما جيداً من خلال كاميرات الموقف برفقة التلاميذ .. فأنا لن أورّط نفسي بجريمة قتل , وكنت سأوقفه بالوقت المناسب
جاكلين بتهكّم : وكيف ستراقبنا لوّ كنا خرجنا الى الشارع ؟
الأستاذ بثقة : لن تفعلا , لأني أمرتكما اثناء تنويمكما مغناطيسياً بأن تبقيا تحت انظاري .. تماماً كما أمرتك بأخذ عصا البيسبول بالمكان الذي وضعته لك , وبأن لا تري سيارتك الحمراء التي مرّرتي بجانبها عدّة مرات

وفجأة ! دوّى صدى طلقتين ناريتين متتاليتين من الموقف العلويّ للمبنى .. فارتعب الجميع , بما فيهم الأستاذ الذي اصفرّ لونه !

ثم رأوا حارس الموقف يركض بفزع نحو الأستاذ وهو يقول :
- لقد قتل أحد طلاّب دروسك الصباحية زميلته , قبل ان ينتحر!
الأستاذ وهو يبلع ريقه بخوف : يا الهي ! كيف نسيت امرهما ؟!
جاكلين بعصبية : ماذا ! هل قمت بالحيلة ذاتها هذا الصباح , وتركتهما يلاحقان بعضهما طوال هذه المدة ؟! .. وحتماً انت من اعطيته المسدس , كما وجّهتني لأخذ عصا البيسبول .. اليس كذلك؟ 
فالتزم الأستاذ الصمت , فأكملت قائلةً بغضب : 
- احلف إن الأمر لن يمرّ هكذا , وسأبلّغ عنك الشرطة
وهنا رفع الأستاذ صوته قائلاً للجميع : إنتباه !!!
***

إستيقظت جاكلين بعد قليل داخل قبو المبنى , برفقة زملائها العشرين الذين استيقظوا على التوالي وهم يشعرون بالإرتباك ! 
- اين نحن ؟!

وهنا أُضيئت شاشةٌ كبيرة معلّقة بالسقف , ليظهر الأستاذ في غابةٍ مظلمة وهو يصوّر نفسه بالجوال اثناء دفنه لحارس الموقف , قائلاً لهم :
- لا تخافوا , فأنا لم اقتله .. (ثم تنهّد بضيق) .. سأخبركم بالمشكلة التي نواجهها : هذا الصباح , حضر طالبان باكراً .. فنوّمتهما مغناطيسياً .. وطلبت من الشاب قتل زميلته ثم الإنتحار , لأني أردّت تجربة الفكرة قبل إشراككم بالحدث .. وقبل إيقاظهما , دخل مدير المعهد ليخبرني عن مشكلة بالعمل .. فأطفأت الكاميرا وانشغلت معه .. ثم قدم بقية الطلاّب ونسيت امر الطالبين تماماً ! ولأن حارس الموقف أهمل عمله في مراقبة كلا الموقفين , إعتبرته متورّطاً معي بالحادثة .. لهذا قمت اولاً بتنويمكم مغناطيسياً كيّ تتوجهوا طواعيّةً للقبو الذي قمت بإقفاله من الخارج بإحكام .. اما الحارس فأمرته بحذف فيديوهات المراقبة لهذا اليوم , ثم الذهاب معي الى الغابة لدفن الطالبين .. من بعدها أمرته بحفر قبره والإنتحار بمسدسي .. وبعد إنتهائي من دفنه , أتفرّغ لكم 

فسألته جاكلين بقلقٍ شديد :
- هل ستقتلنا جميعاً ؟
الأستاذ بلؤم : وهل تظنّي بأني سأجازف بمهنتي وسمعتي بالإفراج عنكم لكيّ تشهدوا ضدّي بالمحكمة , وأعيش بقية عمري في السجن ؟
فقال أحد الطلاّب : انت خبير في التنويم المغناطيسي , فلما لا تحذف ذاكرتنا , لنعود الى بيوتنا بعد نسيان امرك تماماً ؟  
الأستاذ : وما يدريني بأنكم لم تخبروا اهاليكم بمكان الدورة .. هل سألاحق جميع معارفكم لأحذف تلك المعلومات .. لا طبعاً لن اجازف !!

فقال له شاب مفتول العضلات مُهدّداً : 
- لن تستطيع قتلنا جميعاً ايها المتعجرف , ولوّ اقتربت منّي سأدقّ عنقك بيديّ هاتين !! 
الأستاذ : ومن قال انني سأقتلكم بنفسي .. (ثم صرخ).. إنتباه !!

وقبل ان يبدأ بتنويمهم مغناطيسياً مباشرةً بعد هذه الكلمة , أسرعت جاكلين بإطفاء سمّاعة اذنها التي تُخفيها تحت شعرها الكثيف (حيث لا يعلم أحدٌ منهم إنها صمّاء).. 

ثم راقبت بصمت وجوه الطلاّب التي تجمّدت تعابيرهم فجأة , وهم ينظرون الى الشاشة بانتباهٍ شديد ! 
فعلمت بأنه يأمرهم بقتل بعضهم البعض , كما فعل مع الطالبين النهاريين .. فعزمت على تقليدهم كيّ لا تلفت إنتباه جون اليها..
وبعد إنهاء اوامره , إنطفأت الشاشة .. 

فتغيّرت ملامح الطلاب لقسمين : النصف الأقوى جسديّاً تحوّلت نظراتهم الى حقدٍ وغضبٍ عارم .. بينما النصف الثاني , فقد تنحّى جانباً وهو يشعر بخوفٍ شديد !
وحين رأت جاكلين فتاةً طويلة تنظر اليها بتمعنٍ ولؤم , علمت بأنها  ستكون قاتلتها 

فاضاءت سمّاعتها من جديد , لتسمع صوت الأستاذ يقول من الميكرفون :
- سنبدأ التجربة بعد العدد ثلاثة .. 1 – 2 – 3 !!!!

وفجأة ! توجّه نصفهم الى بوّابة القبو المغلقة , لأخذ السكاكين المرمية اسفل الباب .. لينطلقوا بعدها صارخين بغضب نحو ضحاياهم 
فعلمت جاكلين بأن الأستاذ هو من وضع لهم الأسلحة .. 

وبدأ كل قاتل يلاحق ضحيته في ارجاء القبو الكبير المعتم , وجاكلين من بينهم ..لكنها استطاعت مقاومة قاتلتها , بعكس الضحايا الآخرين الذين لم يدافعوا بقوة عن انفسهم بعد ان أمرهم الإستاذ بالإستسلام لمصائرهم البائسة !

وانتهت المعركة بإصابة جاكلين في خاصرتها .. 
وحينما انتبهت بأن جميع الضحايا فارقوا الحياة , أتقنت دور الميتة دون حِراك
  
ثم تجمّع القتلة ثانيةً امام بوّابة القبو , لأخذ مسدس الإستاذ الذي مرّرهُ لهم من اسفل الباب .. ليقوم كل واحدٍ منهم بقتل الآخر دون أدنى مقاومة .. الى ان قام الأخير بالإنتحار !
*** 

مرّت ساعة كاملة , وجاكلين مازالت تمثّل إنها مقتولة 
الى ان إنقتحت بوّابة القبو اخيراً , ليدخل الأستاذ مع رجلٍ ضخم .. وقاما سويّاً بحمل الجثث ورميها داخل شاحنةٍ مغلقة .. 

وبعد تحرّك الشاحنة , نهضت جاكلين من اسفل الجثث التي تلطخت بدمائها .. لكنها لم تستطع القفز من خلفيّة الشاحنة التي كانت تتحرّك بسرعة باتجاه الغابة المظلمة .. 

وحين توقفت الشاحنة , أسرعت جاكلين بالإستلقاء دون حراك بجوار الجثث .. 
***

بعد ساعة .. كانت جاكلين داخل حفرةٍ كبيرة في أرضٍ رطبة .. وحين فتحت عيناها , رأت الرجل والأستاذ يردمان التراب عليهم وهما يتحدّثان :
الرجل : من حسن حظّك انني حفرت هذه الحفرة صباحاً لأعمال البلديّة , والاّ لكان من الصعب إخفاء كل هذه الجثث قبل بزوغ الفجر 
الأستاذ : وانا بالمقابل دفعت لك مبلغاً ضخماً لتخليصي من هذه الورطة 
- برأيّ تسرّعت كثيراً بقتلهم 
- كنت اريد تصوير تجربتي لاستخدامها في رسالة الدكتوراه الثالثة , لكن موت الطالبين النهاريين أفسد جميع مخطّطاتي ..وكان لابد ان أتخلّص من جميع الشهود

الرجل مُمازحاً : وما يدريك إنني لن أشهد ضدّك ؟
فرمى الأستاذ المجرفة , ليمسك بقميص الرجل غاضباً : 
- حينها أنوّمك مغناطيسياً لتقتل جميع عائلتك وتنتحر !!! 
الرجل بخوفٍ وصدمة : وهل ستفعل ذلك بصديق طفولتك يا رجل؟!
- انا لا امانع حتى بقتل إبني الوحيد , فسمعتي اهم شيءٍ في حياتي .. هل فهمت ؟!! 
- بدأت أخاف منك يا جون !

فعاد الأستاذ لحمل مجرفته وإكمال الردم وهو يقول : 
- لا تقلق , فأنا وعدّتك أن أحذف ذاكرتك دون ان اؤذيك .. لكن إيّاك ان تهدّدني ثانيةً , فأعصابي تالفة بما فيه الكفاية
- حسناً سأنهي المهمّة , ثم أوصلك الى بيتك 
الأستاذ : لا !! عدّ وحدك بشاحنتك .. فسيارتي أوقفتها بجانب قبر الحارس 
- كما تشاء 
***

حين سمعت جاكلين صوت محرّكاتٍ من بعيد , أسرعت بكل طاقتها بحفر التراب الرطب صعوداً للأعلى , حيث تبعد متراً عن سطح الأرض 
وحين خرجت من القبر الجماعيّ , تنفّست الصعداء بعد ان أوشكت على الإختناق  

ورغم الظلام الدامس , إستطاعت الخروج من الغابة .. 
وحين وصلت لشارع الفرعيّ , لمحت نور سيارة من بعيد .. فلوّحت لها , صارخةً بعلوّ صوتها :
- أنقذوني !!!

فإذّ بالسيارة تنحرف نحوها بسرعة , لتدهسها مِراراً .. الى ان سُويّ لحمها بالإسفلت ! 

ثم ابتعدت السيارة التي كان بداخلها الأستاذ , وبجانبه حاسوبه :
- جيد انني لم ابتعد عن هنا قبل حذفي لإعلانات دورتي بالإنترنت مع سجلاّت الطلّاب , والا لما كنت رأيتها وهي تخرج من الغابة !  
ثم نظر الى ساعته :
- الغريب انها بقيت حيّة لخمس دقائق تحت التراب , هذا رقمٌ قياسيّ ! .. المسكينة , كانت لتُصبح غطّاسة بارعة 

ثم فتح درج سيارته : وأخرج منه كروتاً لبنوكٍ مختلفة , مع قصاصات ورقية ..
- سأقوم الآن بسحب اقساطهم الجامعية بعد ان كتبوا لي ارقامها السرّية اثناء تنويمهم المغناطيسي , فبهذه الثروة الصغيرة استطيع تأمين رحلتي السياحية 

ثم انطلق لأقرب صرّاف آلي , قبل مغادرته البلاد !  

الأحد، 6 أكتوبر 2019

البيتزا المخيفة

تأليف : امل شانوحة

الدليفري الخبيث !

في ظهر ذلك اليوم .. نزلت الخادمة (شاهدة) من سيارة السيدة ليلى لشراء الخضار .. 
وبعد قليل ..لحقتها السيدة لشراء فاكهتها المفضلة , وهي تلبس ثياباً فاخرة وقلادةً ذهبية ثمينة , لفتّت انظار البائع نحوها !
وفور ملاحظة الخادمة لنظراته الطامعة , طلبت من سيدتها العودة الى السيارة لحين دفع الحساب .. 

وبعد ذهابها , قالت للبائع :
- انه عقدٌ مزيف
البائع باستنكار : أحقاً ! يبدو لي حقيقياً وغالي الثمن
شاهدة : لا ابداً .. هي تحب ان تبدو كإمرأةٍ ثريّة , لكنها لا تملك شيئاً .. حتى انها لم تدفع أجرتي عن الشهرين الماضيين .. أعانني الله على تصنّعها المزيّف
وأخذت منه الأكياس , ثم ركبت السيارة..

في الطريق .. نصحت سيدتها بلبس العقد في المناسبات الخاصة فقط .. 
لكن ليلى رفضت خلعه , لأنه الذكرى الوحيدة من امها التي خسرت ثروتها بالبورصة , ولم تترك لها سوى الشقة التي تعيش فيها , وهذا العقد الذي رفضت ليلى بيعه بأصعب ظروفها المادية .. لأن معاش والدها التقاعدي بالكاد يكفي مصاريف حفلاتها الإجتماعية مع اصدقائها القدامى من الطبقة الراقية
***

بنهاية الإسبوع .. عزمت ليلى اصدقائها على العشاء في منزلها , كعادتها في بداية كل شهر .. 
ووصل عامل التوصيلات وهو يحمل ثماني علب بيتزا للحفلة .. ففتحت ليلى له الباب , لانشغال شاهدة بخدمة الضيوف .. 
فارتبك العامل فور رؤيته لعقدها الذهبي الغالي , وكادت العلب تقع منه .. قبل ان تسرع شاهدة بأخذها .. 

وحين لاحظت الخادمة إرتباكه , ارادت إخباره بنفس الحيلة السابقة التي استخدمتها مع بائع الخضار لحماية سيدتها من عيونهم الحاسدة ونواياهم الخبيثة , لكنها كانت منشغلة بالحفلة .. فدفعت له الثمن واغلقت الباب في وجهه , وهو مازال متجمّداً في مكانه !
***

في اليوم التالي ظهراً .. تفاجأت شاهدة بعامل البيتزا امام بابهم ..
شاهدة باستغراب : نحن لم نطلب بيتزا اليوم !
العامل : هذا عرضٌ مجاني , لشراءكم البارحة كميةً كبيرة..
شاهدة مقاطعة : مازالت ثلاجتنا مليئة ببقايا الحفلة .. يمكنك أخذ العرض الى عائلتك 
العامل : هل يمكنك ان تنادي سيدة المنزل لأتكلّم معها ؟
- هي نائمة الآن 
ففكّر قليلاً ثم قال : حسناً .. هل يمكنني دخول حمامكم ؟ فأنا أوصّل الطلبات منذ الصباح

فخافت شاهدة من إصراره على دخول المنزل الذي يحاول تفحّصه جيداً بنظراته المُقلقة .. فأسرعت بالقول :
- هناك مطعم بآخر الشارع , أدخل هناك
وأقفلت الباب في وجهه للمرة الثانية 
***

بعد يومين .. عادت شاهدة من السوق , لتجد ليلى تأكل البيتزا في الصالة .. فسألها باستغراب :
- كنت طبخت لك قبل ذهابي , فلما طلبتي طعاماً جاهزاً ؟! الم تعجبك الفاصولياء ؟
ليلى : لم أذقها بعد , فرائحة البيتزا المجانية أغرتني لتناولها 
شاهدة بقلق : ماذا ! هل عاد الرجل المخيف ثانيةً ؟
- من تقصدين ؟!
- عامل البيتزا 

ليلى : حرامٌ عليك , هو رجلٌ لطيف وذوق للغاية .. (ثم تنهّدت) .. وابتسامته غاية في الروعة 
- سيدتي ! لا تنخدعي بلسانه المعسول , فأنا رأيت نظراته الخبيثة لعقدك وبيتك .. وأظنه يخطّط لأمرٍ مريب.. فحدسي لا يخطأ ابداً , صدّقيني
- لا تبالغي يا شاهدة .. (ثم وقفت) .. هيا قومي بترتيب الأغراض في الثلاجة .. وانا سأرتاح في غرفتي , لأنني أكلت كثيراً
وذهبت دون ان تُعير إهتماماً لتحذيرات الخادمة 
***

بعد اسبوع .. إستيقظت شاهدة مساءً على ضحكات ليلى .. 
وبعد إنهائها المكالمة , سألتها :
- هل كنت تكلّمين إحدى صديقاتك ؟
ليلى : لا , انه سمير 
- من سمير ؟! لا اذكر إن من اقاربك أحداً بهذا الإسم !
- سمير , عامل البيتزا
شاهدة بخوف : ماذا ! كيف حصل على رقم جوّالك ؟!
- انا أعطيته له
- ولماذا !

ليلى : تعطّلت سيارتي هذا الصباح على الطريق الفرعيّ , فقام مشكوراً بتغير الإطار
- وهل ظهر لك من العدم ؟
- كان يمضي في طريقه , حين رآني متوقفة وسط الشارع .. فركن دراجته الناريّة وساعدني
شاهدة : وهل ثُقبت عجلتك الخلفيّة ؟
ليلى بدهشة : نعم ! كيف عرفتي ؟
- برأيّ اللعين كان يراقبك منذ خروجك من المنزل .. وحين اقترب من خلفيّة سيارتك , ثقبها بشيءٍ حادّ .. ثم ابتعد مسافةً عنك , ليعود ويقترب بحجّة تقديم المساعدة

فضحكت ليلى ساخرة : كان عليك العمل كمحقّقة يا شاهدة , فخيالك واسعٌ جداً .. اساساً لما يقوم بكل هذه الحيلة ؟
- قلت لك سابقاً بأنه ينوي سرقة عقدك 
ليلى بضيق : يا الهي ! ما مشكلتك مع العقد ؟! ..أتدرين ؟ كثرة خوفك عليه , سيجعلني أشكّ بنواياك انت يا شاهدة
شاهدة بصدمة : سيدة ليلى !
- أمزح أمزح .. المهم أعطيت الرجل رقمي لأدفع له مكافأة بسيطة , فحينها لم أكن سحبت راتب والدي بعد .. ولأنه رجلٌ شهم ولطيف , رفض المال .. وقال ان مساعدته لسيدة جميلة مثلي , هي اجمل مكافأة

شاهدة بسخرية : وبالطبع صدّقتي كلامه السخيف على الفور
ليلى بعصبية : شاهدة !! بدأت تضايقيني بتدّخلك في شؤون حياتي
- آسفة , لم أقصد ذلك .. لكن مستواك أرفع بكثير من ان تُصاحبي عامل توصيلات من الطبقة الكادحة

فتنهّدت ليلى بضيق : تتكلّمين وكأنني مازلت غنية .. أتدرين يا شاهدة .. حين كنت صبية في مثل عمرك , رفضت أغنى وأرقى العرسان .. لكني اقتربت الآن من سن الخمسين , فمن برأيك سيتزوج عانساً مفلسة ؟ .. لهذا رجاءً دعيني أستمتع قليلاً , فليس هناك أجمل من غزل الأحباء 

ثم اتجهت نحو غرفتها , وهي تقول ساخرةً : 
- ورجاءً توقفي عن مشاهدة البرامج البوليسية التي أفقدّتك الثقة بكل من حولك .. تصبحين على خير يا محقّق كونان
***

بعد شهر .. إستيقظت شاهدة في منتصف الليل , بعد عودة ليلى من سهرتها المسائية مع اصدقائها ..
وحين دخلت الصالة .. وجدتها مع صديقتها وزوجها , بالإضافة الى عامل البيتزا سمير ! 
وكانت صديقتها تضحك وتقول :
- صديقك الجديد خفيف الظلّ يا ليلى

وكانت امامهم علبة بيتزا كبيرة أحضرها سمير معه , والذي قال فور رؤيته الخادمة :
- إسمك شاهدة , اليس كذلك ؟ 
لكن الخادمة لم تجيبه , وظلّت تنظر اليه بنظراتٍ قلقة .. فتابع قائلاً:
- خذي قطعة بيتزا , فهي مازالت ساخنة 
شاهدة بامتعاض : لا شكراً 
فوضع لها قطعة بالصحن , وهو يقول :
- هيا لا تتدلّلي علينا .. إخترت لك اكبر قطعة 
فأجابته شاهدة بانفعال : قلت لا اريد !!
ليلى بغضب : شاهدة !! تعالي معي
***

في غرفة نوم ليلى .. عاتبتها قائلةً :
- لا تعاملي سمير هكذا , فهو أصبح صديقي
شاهدة بدهشة : لا أصدّق ان السيدة ليلى , بنت الأصل والفصل تقبل بمصاحبة عاملٍ تافهٍ كهذا ! فهو ..
ليلى مقاطعة بغضب : كلمةٌ اخرى يا شاهدة , وسأستغني عن خدماتك
شاهدة بصدمة : ماذا ! أبعد خدمة امي لوالدتك طوال حياتها , وخدمتي لك منذ ان كنت في العاشرة من عمري .. تريدين الآن الإستغناء عني لأجل سارقٍ خبيث
- وعلى أيّ اساس تتهمينه بالسرقة , هو لم يُخطىء بشيء ! 

شاهدة : ليس بعد , لكنه بالتأكيد ينوي سرقتك .. ولكيّ أثبت لك خبث نواياه , ضعي عقدك في الدرج قبل ان تعودي اليه .. فإن سألك عنه , فهذا يعني ان العقد هو همّه الوحيد .. ونيته سيئة اتجاهك
ليلى بعصبية : حسناً !! سأثبت لك بأنه رجلٌ مغرمٌ بشخصيتي فقط 
ونزعت عقدها ووضعته في الدرج , قائلةً لخادمتها : 
- هل ارتحت الآن ؟!!
ثم ذهبت الى الصالة .. 
***

فتنصّتت شاهدة جيداً عليهم .. 
وكانت شكوكها في محلّها , حين لاحظ سمير على الفور إختفاء العقد .. فسألها ممازحاً :
- هل أتعب العقد الثقيل رقبتك ؟
وقبل ان تُجيبه , سقطت صديقتها على الأرض اثناء قيامها الى المطبخ لغسل يديها ..
فاعتذر الزوج من ليلى قائلاً : يبدو انها شعرت بالدوار لإفراطها بالشرب في الحفلة , الأفضل ان آخذها للمنزل
ليلى : دعها تتمدّد على الكنبه لترتاح قليلاً , وانهي انت طعامك ..من بعدها يمكنكما الذهاب .. اساساً انا ايضاً أشعر بالنعاس , مع اني لا اذكر انني أكثرت من الشرب ! 

في هذه اللحظات .. كانت شاهدة تراقب غرفة ليلى من الشرفة التي اختبأت فيها .. وللمرة الثانية كان شكّها في مكانه , حين سمعت سمير يقول من بعيد :
- اين الحمام ؟ .. آه هناك , شكراً 

لكنه لم يدخل الحمام , بل دخل خلسةً الى غرفة ليلى وبدأ البحث في الأدراج .. 
فقالت شاهدة في نفسها :
((مسكتك يا حقير !! الحمد لله انني أخفيت العقد في جيبي , والاّ لكان سرقه .. ليت جوّالي معي , لصوّرته بالجرم المشهود .. لربما تتعلّم ليلى الغبية بأن لا تضع ثقتها الزائدة بالغرباء))  

وحين لم يجد سمير العقد في الدرج , تغيّرت ملامحه .. وأحسّت شاهدة (التي تراقبه بخفاء) بأنه يكتم غضبه بصعوبة .. 
ثم توقف قليلاً امام باب الغرفة .. قبل ان يعود الى الصالة وهو يتصنّع الإبتسامة
***

مضت ربع ساعة , وشاهدة مازالت تسمع ضحكات الضيوف .. 
من بعدها , هدأ الوضع تماماً ! .. فدخلت شاهدة الى الصالة بحجّة تنظيف المائدة .. لتتفاجأ بنوم ليلى وصديقتها , ومقاومة الزوج للنعاس بصعوبة .. بينما كان سمير في كامل نشاطه ! 

وقد أخافتها نظراته الحادّة وهو يرفع لها الصحن , قائلاً :
- صدّقيني يا شاهدة .. البيتزا لذيذة جداً , لا تفوتيها عليك  
لكنها أسرعت ناحية ليلى , لتسندها بصعوبة وهي تترنّح .. قائلةً لسمير :
- سآخذ السيدة الى غرفتها لتنام , فالوقت تأخّر كثيراً .. لهذا لوّ سمحت , أوصل الزوجين الى بيتهما .. وستراكم السيدة ليلى في يومٍ آخر .. تصبحون جميعاً على خير

حين أدخلتها الغرفة .. ارادت شاهدة إقفال الباب عليهما , لأنها تعلم مسبقاً بأن سمير لن يغادر البيت بسهولة .. لكنها ارتعبت حين لم تجد المفتاح في مكانه ! وعلمت بأنه أخفاه في جيبه .. 

فعادت لإسناد ليلى بكل قوتها , وأخذها الى غرفتها الصغيرة بآخر الردهة 
وهناك قامت شاهدة بقفل بابها بحذرٍ شديد , كيّ لا تلفت إنتباه سمير الذي مازال في الصالة ..

وكان لغرفتها حمامٍ صغير , شبّاكه الزجاجيّ يطلّ على شرفة غرفة ليلى , فأغلقت نافذته بإحكام .. 

ثم أخذت جوّالها وهي ترتجف لإحساسها بخوفٍ شديد , فسرقته لمفتاح غرفة ليلى يدلّ بأنه ينوي على شيءٍ أسوء من السرقة ! 
وتمّتمت بنفسها , وهي تضغط على رقم الشرطة : 
((لابد انه دسّ منوماً في البيتزا التي أصرّ على إطعامي منها , كيّ انام مثل ليلى وصديقاها .. فهو رفض مشاركتهم الطعام بحجّة ألمٍ في معدته)) 

وما ان أجاب الشرطي على إتصالها , حتى همست قائلةً : 
- أنقذونا ارجوكم
الشرطي : ما الحالة الطارئة لديكم ؟
شاهدة بصوتٍ منخفض : هناك دخيل في بيتنا , وهو ينوي قتلنا
- ما العنوان ؟
فأعطته العنوان , وهي تقول :
- رجاءً اسرعوا 
- اين انتم الآن ؟
شاهدة : انا وسيدة المنزل مختبئتين في الغرفة , وهناك ضيفين محتجزين معه في الصالة .. اوو يا الهي !!
- ماذا حصل ؟
شاهدة بخوف : انه ينادي عليّ , ارجوكم إسرعوا
- الشرطة في طريقها اليكم 

في هذه اللحظات .. طرق سمير باب غرفتها وهو يقول :
- شاهدة !! كوني فتاةٌ مطيعة وافتحي الباب
لكنها لم تجيبه ..
سمير من خلف الباب , وبتردّد : عزيزتي ..إن أردّت ..نتشارك الأرباح ؟
فقالت شاهدة في نفسها : ((اللعين , كان ظنّي به صحيحاً))

ثم عمّ الصمت المرعب , قبل ان يكسر سمير شبّاك حمامها الصغير الزجاجيّ من شرفة غرفة ليلى , صارخاً عليها بغضب :
- إفتحي بابك يا لعينة !!! 

وحين لمحت مسدّساً بيده , أسرعت بدحرجة ليلى (الغائبة عن الوعيّ) خلف الجدار , كيّ لا يصيبها شيء في حال اطلق النار عليهما من شبّاك الحمام (الملاصق لغرفتها) 

وأدرك سمير بأنه لا يستطيع إصابتهما من هناك , فعاد ليقف خلف بابها وهو يهدّدها قائلاً : 
- إن لم تفتحي الباب فوراً , سأقتل صديقيّ ليلى 
فأجابته شاهدة : لا يهمّني أمرهما .. اساساً ان أطلقت النار في هذا الوقت المتأخّر , سيسمعك الجيران ويتصلون بالشرطة 

فسكت قليلاً , ثم قال :
- أتدرين ! معك حق .. شكراً لأنك نبّهتني .. لكن مالا تعرفينه عني , إنني دخلت السجن في مراهقتي بتهمة السرقة , فقد كنت بارعاً في فتح الأقفال .. لهذا سأفتح قفل بابك بطريقتي السحريّة , وحينها لن أرحمك يا شاهدة
  
وبدأ يحاول فتح القفل بسكينته الحربية التي أخرجها من جيبه .. فخافت شاهدة كثيراً , وحاولت إيقاظ ليلى التي لم تحرّك ساكناً ! .. وحين ارادت التكلّم ثانيةً مع الشرطة , وجدت جوالها فرغ شحنه 
- اللعنة ! أهذا وقتك !!

ثم بحثت في درجها عن شيءٍ حادّ تدافع به عن نفسها , فلم تجد سوى مشطاً بطرفٍ رفيعٍ وطويل
وهنا سمعته يقول من خلف الباب :
- قاربت على فتح القفل يا شاهدة .. وحينها سأستمتع بالإعتداء عليك الى ان تبوحي بمكان العقد وبقيّة اموال ليلى التافهة

وهنا خطرت ببال شاهدة فكرةً ذكية , فقالت له :
- العقد معي يا سمير !!
- أحقاً ! يعني سرقته قبلي يا ماكرة  
- نعم !! وسأفتح الباب ان وعدّتني بمقاسمة سعره بيننا  
سمير : إفتحي اولاً لأراه 
- لن أفعل !! ويمكنك رؤيته من فتحة الباب 

وما ان لمحت عينه تقترب من فتحة القفل , حتى أسرعت بإدخال طرف المشط فيه .. لتعلوّ صرخاته المؤلمة : 
- فقعتي عيني يا لعينة !!!!

ثم سمعته يجهّز المسدس للإطلاق , فأسرعت بالإبتعاد عن الباب الذي اطلق عليه رصاصتين , قبل ان توقفه الشرطة التي اقتحمت الشقة , ليستسلم على الفور وهو مازال يتلوّى من الألم..

واثناء تقيّده بالأغلال , فتحت شاهدة الباب للشرطة وهي ترتجف قائلةً :
- السيدة ليلى لا تتحرّك سيدي , فاللعين خدّرها مع صاحبيها
فقال سمير بلؤم قبل خروجه من الشقة :
- لم يكن مخدّراً ايتها الخادمة , بل سُمّاً قاتلاً  

ووقعت كلماته كالصاعقة على شاهدة التي ركضت نحو ليلى محاولةً إيقاظها بشتّى الطرق , لكنها أصبحت جثةً هامدة !
***  

في مركز الشرطة .. إستجوب المحقّق شاهدة المنهارة من الحزن  
- أعرف انك مصدومة من وفاة السيدة ليلى وصديقاها 
شاهدة وهي تمسح دموعها : ليلى كانت أختي الكبرى , فأنا تربّيت معها في قصر امها.. وبعد موت والدتها .. طلبت مني امي خدمتها , وانتقلت معها الى شقتها الصغيرة ..
- وخدمتها لعشر سنوات براتبٍ زهيد ؟ 
شاهدة : هي كانت تدفع لي معظم الشهور .. لكن عندما تبالغ في مصروف حفلاتها , اضطّر للعمل في شقق الجيران لأصرف عليها 
المحقّق : بالطبع ستفعلين , طالما انها كتبت الشقة بإسمك في وصيّتها 

شاهدة بصدمة : ماذا ! لم اكن اعلم ذلك مطلقاً , أحلف لك 
المحقّق : أحقاً , اذاً لماذا وجدنا عقدها الذهبي في جيبك ؟ 
- أخبرتك أكثر من مرة انه لم يكن امامي متسعاً من الوقت لإخفاء العقد , فسمير كان ينوي قتلنا جميعاً 
- أتدرين .. لولا ان الجيران شهدوا بمحبتك وحرصك الدائم على ليلى , لظننتك شريكة سمير في الجريمة ..واختلفتما على تقسيم العقد بينكما
شاهدة : أحلف بالله انني أتمنى الشحاذة بالطرقات , وتعود السيدة ليلى للحياة ثانيةً
وانهارت بالبكاء المرير..
***

بعد ايام من التحقيقات المتواصلة , إقتنع المحقق اخيراً ببراءة شاهدة .. وأخرجها من الحجز ..

ولاحقاً حكمت المحكمة على سمير بالسجن المؤبّد لقتله ثلاثة اشخاص .. ورغم هذا , فإن تهديداته بالإنتقام منها اثناء المحاكمة أرعبتها كثيراً , ممّا اضطرها لبيع شقة ليلى (التي ورثتها بعد تطبيق الوصيّة) وشراء بيتاً لها في قريتها , الذي تزوجت فيه بعد شهور من الحادثة  
***

بعد مرور ثلاثين سنة .. عاشت شاهدة حياةً هادئة مع حفيدها بعد طلاق والديه , وسفر ابنها مع زوجته الثانية للخارج .. 

في عصر ذلك اليوم .. دخل حفيدها (7 سنوات) الى المنزل , وبيده قطعة حلوى .. فسألته باستغراب :
- انا لم اعطك مالاً , فمن اين أتيت بالحلوى ؟!
الحفيد : رجلٌ اعطاني قطعتين لي ولك , لكني أكلت الإثنتين .. آسف جدتي 
شاهدة معاتبة : الم أقل لك بأن لا تأكل شيئاً من الغرباء ؟
- هو عجوزٌ لطيف 
شاهدة : الم تره بالقرية من قبل ؟
- لا أظنه من هنا 
فأحسّت شاهدة بخوفٍ مُفاجىء , يُشابه إحساسها تلك الليلة !
فسألته بقلقٍ شديد : هل هو أعور ؟

وقبل ان يُجيبها , سقط الولد على الأرض دون حراك .. فأسرعت جدته لإيقاظه .. 

بهذه اللحظات .. سمعت صوت رجلٍ خلفها , يقول وهو يلوّح بسكينته الحربية :  
- هذه المرة نجحت بفتح قفل بيتك يا شاهدة 
شاهدة بخوفٍ شديد : سمير ! كيف خرجت من السجن ؟!
- حُسن سيرة وسلوك .. كما إن إيجادك بقريتك لم يكن صعباً , فإسمك مميزٌ جداً .. وقد أخبرتني جارتك الحسودة انك مازلتي تحتفظين بعقد ليلى , فأين أخفيته ؟ هذا إن لم ترغبي بالموت كحفيدك  
فصرخت بفزع , وهي تهزّ جسده الصغير : 
- حفيدي !! هيا استيقظ ارجوك !! ... هل خدّرته يا حقير ؟!!
سمير : هل فقدّت سمعك ؟ .. انا لا أخدّر أحداً , بل اقتل فوراً  

وهنا حاولت الهرب نحو غرفتها , الا انه هجم عليها من الخلف لينحر رقبتها بعنف .. ولأنه في اواخر الستينات , فيده المرتجفة لم تقتلها على الفور !

وصارت تتلوّى بألمٍ على الأرض وهي تراقبه بعينيها الزائغتين وهو يثير الفوضى في غرفتها , الى ان أخرج العقد من صندوقٍ صغير في خزانتها , قائلاً بفرحٍ وارتياح :
- وأخيراً وجدّت عقدي الغالي !!

وكان هذا آخر ما شاهدته , قبل ان تُسلّم الروح ! 

الخميس، 3 أكتوبر 2019

مسرحيتان للأطفال

تأليف : امل شانوحة 


مسرحيتان للمرحلة الإبتدائية

طلبت مني إدارة مدرسة إبتدائية في بيروت ان اكتب لهم مسرحية عن التلوّث البيئي .. فكتبت هذه الفكرتين .. وهي محاولتي الأولى في كتابة مسرحيات للأطفال .. آمل ان تعجبكم

الفكرة الأولى :
أهمية الشمس في حياتنا , وتأثير التلوّث على مستقبلنا البشريّ

المسرحية :
المشهد الأول :
نهض ولد من السرير , وهو ينظر الى ساعة يده باستغراب :
- الساعة العاشرة ! كيف هذا ؟!.. نمت البارحة الساعة 12 ليلاً , والآن العاشرة صباحاً , ومازلنا في المساء ! .. لأرى جوّالي , لربما ساعتي معطّلة

لكنه وجد جوّاله معطّلاً ! 
- غريب ! لما لا يعمل ؟ مع اني شحنته قبل نومي !.. (وهنا يسمع صرخات من خارج المسرح).. ماذا يحصل في الخارج ؟! 

المشهد الثاني :
اولاد مجتمعون في الشارع (المسرح) وهم ينظرون الى السماء المظلمة (الى فوق) باستغراب .. فيقترب منهم نفس الصبي في المشهد الأول ويسألهم :
- مالذي يحصل ؟!
فيجيبه احدهم :
- قرِبنا من وقت الظهيرة , ولم تشرق الشمس بعد !
فسألهم : لربما هناك كسوفاً للشمس ؟
- غير معقول ان يطول الكسوف كل هذا الوقت 

وهنا يقترب ولد ببذلة طيّار , فسألوه :
- الم تكن لديك رحلة اليوم , فلما عدّت باكراً ؟!
الطيّار بحزن : لن يكون هناك رحلات طيران بعد اليوم , وأصبحت انا وزملائي عاطلين عن العمل 
- لماذا ؟!
- الم تسمعوا الأخبار ؟ قبل ايام حذّرونا من تدمير التلوّث الصناعي لطبقة الأوزون , بعد ان كوّنت أدخنة المصانع سحباً سوداء بإمكانها إخفاء نور الشمس للأبد .. عدا عن الإنفجار الشمسي الذي حصل البارحة , ودمّر معه كل الأقمار الصناعية في الفضاء
- ماذا يعني ذلك ؟!
الطيّار : يعني انه ستتعطّل جميع وسائل الإتصالات , وستتوقف الملاحة الجوّية , ولن نرى شمساً ولا مطراً بعد اليوم 
- وما علاقة المطر في الموضوع ؟
الطيّار : الم تتعلّم في المدرسة إن المطر يتكوّن من تبخّر البحيرات والأنهار , وهذا لن يحصل الاّ بأشعة الشمس ؟
- لكن مزروعاتنا لن تنمو بدون مطر .. هذا يعني اننا سنموت جميعنا من الجوع !
الطيّار : بل إحتمال ان تحصل مجاعات حول العالم
- يالها من مصيبة ! .. سأذهب فوراً لتسوّق المعلّبات والأكل المجفّف لعائلتي 
- وانا ايضاً
- خدوني معكم !!!

المشهد الثالث :
الأولاد تتشاجر لبعض الوقت على الخضار البلاستيكية والمعلّبات .. الى ان قام أحدهم بسرقة الطعام والهروب الى خارج المسرح .. فيلحقه البائع بالعصا

المشهد الرابع :
طبيب يفحص عجوز بعيادته ..
ولد بلحيةٍ بيضاء : دكتور .. عظامي تؤلمني , وأحسّ بخمولٍ وتعبٍ شديد
ولد برداءٍ ابيض : هذا طبيعي .. فغياب الشمس قلّل فيتامين د في عظامنا , لهذا نشعر جميعنا بالإرهاق .. (يكتب وصفةً طبية في دفترٍ يحمله).. ..سأصفّ لك بعض المنشّطات 

المشهد الخامس :
الأولاد يرفعون في المظاهرة شعارات لحماية الأرض من التلوّث.. 
يصرخ أحدهم : أوجدوا حلاً لمشكلة التلوّث , نريد ان نرى الشمس!! 
الثاني : نريد فاكهة لذيذة , فالخضار التي تزرعونها في المزارع البلاستيكية على ضوء المولّدات ليس لها طعم ! 

فحاول الشرطي إبعادهم بالعصا بالقوة .. 
فغضب احدهم ورمى منظفاً كيماوياً (علبة فارغة) بالنهر (عبارة عن مسبح مطاطي صغير به ماء) .. وهو يصرخ قائلاً :
- لا نريد منظفّات تضرّ ببيئتنا .. شباب !! ارموا ما معكم في النهر لنجبرهم على إغلاق مصانعهم بالقوة 
فيقوم كل ولد برميّ علبة منظّف فارغة في المسبح المطاطي

المشهد السادس :
ولد يجلس خلف الطاولة بطقمه الرسمي , فيقترب منه سكرتيره ليخبره بقلق :
- سيدي , الأخبار سيئة .. الجهلة من عامّة الناس رموا بالمخلّفات الكيماوية في البحيرات والأنهار , ممّا أدّى لتلوّث مياه الشرب
الوزير : ما هذه المصائب التي تنهال علينا ! ..(يفكّر قليلاً).. اذاً لم يعد امامنا الا تحليّة مياه البحر 
- هناك مشكلة أخرى سيدي .. فمنتجات مزارعنا البلاستيكية لا تكفي الجميع 
- علينا ان نقوم بتوعية الناس عن أهمية تنظيف الشوارع والشواطىء من القمامة 
- وما الفائدة سيدي ؟ فالتقارير الفلكية أطلعتنا بأن الشمس لن تشرق ثانيةً قبل سنواتٍ طويلة
الوزير : على الأقل ينعم احفادنا بدفء الشمس , بعد إختفاء فصل الصيف وشعورنا بالبرد طوال الوقت .. لهذا ابدأوا فرواً بحملات التنظيف , وإلزموا الجميع على المشاركة فيها 

المشهد السابع :
الأولاد ينظفون الأوساخ من فوق المسرح

المشهد الثامن والأخير :
الأولاد في المشاهد السابقة أصبحوا عجائز بلحى بيضاء وعصيّ يتكأون عليها , ومعهم اولاد اصغر سناً .. جميعهم يرقصون فرحاً حول فتاة تلبس شمس من كرتون .. وفتاةٌ اخرى تلبس غيمة , في طرفها قطرة ماء .. ويقولون سعداء : 
- عادت الشمس والمطر اخيراً !! لتحيا أرضنا الغالية

على جانب المسرح .. ام تسأل ابنها : 
- هل ستعود للسهر ثانيةً ؟
- بل سأنام باكراً لأستمتع بنور الشمس أكبر وقتٍ ممكن  
- أحسنت بنيّ , والآن دعنا ننزل الى الشارع لنشارك الناس فرحتهم بالرقص تحت المطر

وينتهي المشهد : بالأولاد يدورون حول الشمس والغيمة في حلقةٍ كبيرة , مُمسكين بأيديهم وهم يغنون بسعادة لانتهاء الأزمة البيئية الخطيرة 

النهاية

ملاحظة : فقط الأم بآخر مشهد والشمس والغيمة من الفتيات , اما بقية الممثلين من الأولاد
***************

الفكرة الثانية : (فكرة امي)
يضلّ النحل طريقه للخليّة بسبب موجات الجوّالات .. عدا عن موته بسبب هجمات الدبابير المتكرّرة والمبيدات الحشرية .. 
والنحلة هي الحشرة الوحيدة المسؤولة عن تلقيح المحاصيل الزراعية .. 
لذلك على البشر الإختيار بين إسرافهم في استخدام الجوّالات , او خسارتهم لمصدر غذائهم الوحيد في المستقبل
رابط المقال : عن تأثير الجوّالات على النحل
http://f.zira3a.net/t26592

المسرحية :
المشهد الأول :
ولد يلبس ثياب نحلة , ويمشي بشكل عشوائي في المسرح .. ثم يدور تائهاً حول نفسه , وهو يغلق أذنيه قائلاً : 
- ماهذا الرنين العالي ؟ من اين يأتي ؟ لا اسمع شيئاً !!
وهنا يمرّ ولد بجانب النحلة وهو يتكلّم بالجوال .. فتصرخ النحلة :
- آآخ , تردّدات الجوّال تأذيني !!!!
وتقع النحلة على الأرض ميتة دون حراك

ثم تدخل نحلتان من طرفا المسرح , وهما تطيران تائهتين .. حيث صرخت إحداها بفزع : 
- اين الخلّية ؟!! الم تكن هنا هذا الصباح ؟ ..كيف أضعت طريقي؟!
وتصرخ الأخرى : اين انا ؟ ...انا اين ؟!!

الى ان تصتدما ببعضهما , وتتلوّيان على الأرض حتى تسكن حركاتهما وتموتا

المشهد الثاني :
تسأل ملكة النحل كبير الحرّاس عن النحلات المفقودات :
- هناك أكثر من نحلةٍ ضائعة .. وقد حلّ المساء ولم يعودوا بعد الى الخليّة!
فيجيبها بحزن : 
- سيدتي , شبكات الإتصالات تضللّ طريق عودتهم .. واحياناً يموتوا من تردّداتها العالية .. هذا عدا عن الذين يعودوا الينا مُسمّمين من المبيدات التي تُرشّ على المزروعات 
ملكة النحل بقلق : هذه مشكلة كبيرة ! أمعقول ان البشر لا تعرف أهميتنا لطعامهم ؟!

وهنا يدخل حارس الخليّة فزعاً :
- سيدتي !! الدبابير تهجم علينا
ملكة النحل بخوف : 
- ليس ثانيةً ! حاولوا ان تدافعوا عن خليّتنا بكل قوتكم !! 
كبير الحرّاس : لا تقلقي , سندافع عنك حتى آخر نحلةً فينا

المشهد الثالث :
اولاد يلبسون ازياء اشجار وزهور واقعين على الأرض .. وفلّاح يمسك مجرفته , وينظر اليهم بحزن .. فيقترب صديقه ويسأله :
- لما ماتت مزروعاتك ؟!
الفلاّح بقهر : اعداد النحل لم تعد كافية لتلقيحهّم , لهذا لم يثمروا .. فأدّى ذلك الى يباسها 
- وما الحلّ ؟
- اذا اختفى النحل من الوجود , فلن يكون هناك خضار ولا فواكه بعد اليوم
- هذه مشكلة خطيرة ! 

المشهد الرابع :
مظاهرات في الشارع لأولاد يحملون لافتات :
- لا نريد أكلاً معلّباً ومثلّج , نريد فواكه وخضراوات طازجة!!
- أنقذوا النحل قبل ان نموت جوعاً !!
- أوقفوا الجوّالات , واحموا اسراب النحل !!

المشهد الأخير :
ولد يلبس جوّال من الكرتون , وامامه فتاة بزيّ نحلة تمسك سلّة الفواكه والخضار البلاستيكية , وهي تقول للجمهور :
- من برأيكم أهم ؟ .. الجوّال ..(وتشير عليه) ..أم انا وطعامكم .. القرار يعود اليكم ..(وتشير الى الجمهور) .. 

النهاية

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

الوحدة 731

تأليف : امل شانوحة


 
تجارب لا إنسانية  

في الحرب العالمية الثانية .. أخبر الطبيب الشاب (هيرو) والده سعيداً , بخبر تعينه في فرقةٍ طبية تابعة للجيش الياباني .. ورغم قلق الأب على حياة ابنه الوحيد , الا انهما مُجبران على إطاعة اوامر الإمبراطور (هيروهيتو)..

وتمّ نُقل هيرو الى جبهة القتال التي سرعان ما أثبت فيها براعته بعد علاجه مئات الجنود المصابين , ولهذا استدعيّ للإنضمام الى دائرة كيمبايتاي السياسية ومختبر أبحاث الوقاية من الأوبئة لإجراء ابحاثٍ طبية , ممّا جعله يشعر بالتفوّق والفخر 
***

في ذلك المساء .. أيقظه حارسان ملثّمان , طلبا منه إحضار اغراضه للذهاب معهما الى الوحدة الطبية ..
وفي الطريق ..عصبا عينيه , بحجّة سرّية مكان المختبرات 

ووصلوا الى هناك مع بزوغ الفجر .. وفور إزالة العصابة عن عينيه , أدرك بأنه في معسكر لتعذيب أسرى الحرب ! بعد ان رآهم مكدّسين بالآلاف خلف الأسلاك الشائكة , بوجوههم البائسة : الأكثرية من الصينيين , والبعض الآخر كوري ومنغولي , والقليل منهم روس .. حيث تمّ فصل الرجال عن النساء والأطفال الذين كانوا يصرخون من شدّة الجوع والبرد

فمشى بخطواتٍ متعثّرة وأنفاسٍ ثقيلة الى داخل الوحدة 731 .. 

وبعد إجتماعه بأعضاء الفرقة الطبية , إكتشف بأنهم مختصّون بتطوير الأسلحة البيولوجية .. 
من بينهم أطباء مشهورين , كان يعدّهم يوماً قدوته بإكتشافاتهم العلاجية !

كما اجتمع هناك مع اطباء وممرضين متطوعيّن تخرّجوا مثله حديثاً , وتمّ اختيارهم بناءً على مهارتهم العلاجية في ساحة المعارك 

وقد سُمح له بالإستراحة في ثكنة الجنود لحين إستدعائه لمهمّته الأولى التي لم يكن متحمّساً لها البتّة , بل كان يتمنّى حدوث معجزة تُعفيه من التورّط مع فرقة التعذيب التي تخالف مبادئه الإنسانية التي أدخلته الطب في المقام الأول
***

أيقظه الحارس بعد ساعتين , طالباً منه اللحاق به .. بعد ان أمره بلبس الرداء الأخضر المعقّم , ووضع الكمّامة على فمه ..

حين دخل غرفة الجراحة .. تفاجأ بالأطباء يزيلون رحم صبية صينية دون تخدير , بناءً على اوامر رئيسهم (شيرو إيشي) ! 
فصرخ هيرو مرتجفاً :
- لما لم تعطوها مخدّراً ؟!!
فأجابه الجرّاح (كن يواسا) : هل انت احمق ؟! نحن نقوم بإختبارات على قدرة الإنسان لتحمّل الألم.. ثم هي من الأعداء
- هي بشرٌ مثلنا !!
- كلمةٌ اخرى وسنزيل رحمك انت ايضاً
فضحك الأطباء ساخرين منه , بينما همس أحدهم :
- اسكت يا هيرو قبل ان يعذّبوك معهم

فوقف مرتجفاً وهو يراقب الجراحة الوحشية , مع شعوره بالخزيّ والعجز عن مساعدة الصبية المسكينة التي أغمي عليها من شدّة الألم .. 

بعد عملية الإستئصال , طلب منه الجرّاح (يواسا) تخيط جرحها , بينما ذهب مع بقيّة افراد فرقته للقيام ببتر اطراف سجينٍ آخر دون تخدير

وبصعوبةٍ بالغة استطاع هيرو إنقاذ حياتها بعد فقدها الكثير من الدماء , مُتمّتماً بحزن :
- سامحيني .. فقد عجزتُ عن مساعدتك .. لكني أعدك بأن أخرجك من هذا الجحيم في القريب العاجل
***

في ذلك المساء .. تقيّء هيرو كثيراً بعد مشاهدته سلسلة من التعذيبات المتلاحقة للمساجين , دون التفريق بين عجوزٍ وسيدة وطفلٍ رضيع ! والذين حقنوا بأمراضٍ مختلفة قاتلة .. ثم تركوا ليموتوا ببطءٍ وألمٍ شديد 

واثناء تقلّبه في الفراش , أتته فكرة عن كيفية تهريب بعض المساجين من هذا المعتقل ..

فاستغلّ نوم الجنود والأطباء للذهاب الى خلفيّة المعسكر , بعد ان لمح سابقاً كوخاً صغيراً لأخشاب التدفئة تابعة لثكنتهم , بعكس المساجين الذين تركوا في العراء القارص .. 

وهناك استطاع الوصول الى فراغٍ موجود خلف الأخشاب , وبدأ بحفر جدار الكوخ بآلةٍ طبية حادّة , دون إصدار إيّةِ ضوضاء .. الى ان تمكّن قبل شروق الشمس من إحداث فتحةٍ صغيرة كافية لإخراج يده الى خارج المعسكر .. ثم أخفاها جيداً بقطع الخشب , ليعود مُسرعاً الى الثكنة .. 
***

واستمر على مدى اسابيع بحفر تلك الحفرة , الى ان أصبح في إمكان سجينٍ هزيل الخروج منها زحفاً , مع حرصه على إخفاء المخرج جيداً عن أعين الجنود والمراقبين طوال هذه المدة ..
ومن جهةٍ أخرى , حاول التملّص قدر الإمكان من المهام اللا انسانية الموكلة اليه , بحجّة المرض او قلّة شجاعته التي جعلته محطّ سخرية زملائه .. 

كما نجح في استبدال حقن السموم بالأدوية المفيدة لبعض المحظوظين من المعتقلين .. وتخفيف الحرارة بغرف التعذيب .. وإشراب المساجين المقيدين في العراء بعض الكحول لتدفئتهم ..وكذلك تخدير بعضهم قبل عمليات البتر الموجعة .. كل هذا بعيداً عن أعين زملائه الأطباء الذين اصبحوا يتفنّنون بأساليبهم الإجرامية , بحجّة تطوير الأبحاث العلمية التي ستخدم دولتهم في المستقبل !
*** 

في ظهر أحد الأيام .. واثناء وجود هيرو بساحة المعتقل , سقط صاروخٌ للأعداء خلف ظهره دون ان ينفجر .. فأصيب هيرو ببعض الجروح السطحية من الأحجار التي تساقطت عليه بعد أن أحدث الصاروخ حفرةً عميقة .. فاستغلّ الحادثة لإيهام رؤسائه بأنه فقد السمع تماماً , لكنه مازال في استطاعته قراءة شفاههم 

وبهذه الحيلة الذكية لم يعودوا يهتموا بإخفاء اسرارهم قربه (خاصة ان كانوا يتكلمون خلف ظهره) , دون ان يعلموا بأنه يسجّل في ذاكرته كل اقتراحاتهم التعذيبية التي كانت تُسعد رئيسهم المجرم (شيرو إيشي).. 

كما استطاع التنصّل من مهمّامه الجراحية بعد إدعائه رجفة اليدين الذي تسبّب بها سقوط الصاروخ المفاجىء , لهذا عُيّن مترجماً لإتقانه ثلاث لغات منها اللغة الصينية , التي أوهمهم بأنه يفهمها بسهولة من حركة شفاه المعتقلين 
***

في ظهر احد الأيام .. واثناء قراءة هيرو ملف الأسرى الجددّ الذين إقتيدوا الى المعسكر .. تفاجأ بوجود خاله معهم (فهو نجح في إخفاء نسبه الصيني من ناحية والدته المتوفاة منذ التحاقه بالجيش) 
حيث تمّ فرزه في غرفة التعذيب الخاصة بشرب المياه المالحة .. 

وبعد ايام , أُصيب الخال بإعياءٍ شديد كبقية المساجين .. 
من جهته .. أصرّ هيرو على الإشراف على هذا العنبر بالذات , لسهولة المهمّة بالنسبة لبقية التعذيبات ((مثل : حرق ودفن المساجين احياءً , وتثليجهم في غرفٍ مبرّدة , والأبر البيولوجية السامة , وتقطيع وتذويب الأطراف بالأسيد , والتباري بسيف ساموراي على تقطيع رؤوسهم !))  
..فقبل رئيسه ذلك 

واثناء وجوده هناك , حرص على إشراب خاله المياه العذبة , كما إعطائه الأدوية المناسبة لعلاجه من الجفاف .. طالباً منه تقليد بقية المساجين اثناء إحتضارهم عطشاً .. 

وحين رأى نظرات الإستغراب في عينيّ خاله (لتفضيله على البقية) ازال الكمّامة عن وجهه .. فانفجر الخال غاضباً لاشتراكه معهم في تعذيب بنيّ جنسه ! 
فهمس له هيرو : بأنه مجبرٌ على ذلك , وأنه سيحاول تهريبه هذا المساء .. وكل ما عليه فعله : هو تمثيل إحتضاره كبقية رفاقه .. 
***

في صباح اليوم التالي .. سأله النقيب عن السجين المفقود , فأخبره هيرو انه دفنه بنفسه في المقبرة الجماعية بعد إنفجار مصرانه في آخر الليل , وانتشار الرائحة المقززة في ارجاء العنبر .. 

فصدّق كذبته وقيّد في سجلّه موت الخال , دون ان يعلم بأنه قام بتهريبه مساءً من فتحة كوخ الخشب ..ليُكمل سيره بألمٍ واعياء , متوغّلاً الغابة المهملة باتجاه قريته القريبة 

ولم يكن الخال هو الوحيد الذي قام بتهريبه , بل ايضاً الصبية التي بالكاد التأم جرحها العميق .. كما مراهقيّن توأم كان سيُجرى عليهما عملية جراحية لدراسة قزحية العين , بعد قلعها من محجرها دون تخدير.. وسيدة مع طفلتها التي أنجبتها حديثاً .. 

وقد أثار إختفاء 6 مساجين شكوك أحد المراقبين الذي قام بالتدقيق في ملفّات الأطباء المتطوعين .. وهذا ما جعله يكتشف الأصول الصينية للطبيب هيرو ! 

وعلى الفور !! تمّ القبض عليه واستجوابه بالضرب والصعق الكهربائي , الى ان اعترف مُجبراً بمخرج كوخ الخشب .. 
فعُدّوه خائناً , ورموه مع المعتقلين الذين لم يعرفوا بأنه من ضمن الفريق الطبي المسؤول عن تعذيبهم , لحرصه الدائم على إخفاء وجهه بالكمّامة التي لم يكن يزيلها الا قبل النوم في ثكنة الجنود .. بعكس زملائه الفخورين بعملهم الإجرامي , والتي انطبعت ملامحهم في ذاكرة المساجين للأبد ! 
***

وفي الوقت الذي قضاه هيرو في العراء خلف الأسلاك الشائكة بانتظار تحديد مصيره , قام بحفر اسماء وعناوين اصدقائه الأطباء في لوحٍ خشبي وجده هناك , بعد ان كان حفظها بذاكرته العبقرية من خلال قراءته لملفاتهم السرّية اثناء إنشغالهم بالعمليات الجراحية
***

في صباح اليوم التالي .. استيقظ بعد إحساسه بنصل السيف يجرح خاصرته ! وحين استفاق , إقتاده الحارس الى غرفةٍ جراحية كبيرة , إجتمع فيها جميع الأطباء لرؤية رئيسهم (شيرو إيشي) يقوم بنفسه بعقاب الخائن ..عن طريق تشريحه بالكامل وهو حيّ , بدءاً بتقطيع اطرافه وصولاً لأعضائه الثانوية قبل الرئيسية , كيّ يبقى هيرو حيّاً اطول وقتٍ ممكن اثناء التعذيب !

وبعد ربطه بالسرير الطبي , أغمض هيرو عيناه وهو يدعو ربه ان تحدث معجزة تنقذه من هذه النهاية المؤلمة ..

وفجأة ! دوّى انفجارٌ هائل بعد سقوط صاروخ صيني في ساحة المعتقل ,  جعلت الأطباء يفرّون مرتعبين باتجاه مركباتهم , بعد ان أخبرهم الحارس بهجوم المتظاهرين الصينين بالسيوف باتجاه المعسكر .. 
فهربوا سريعاً من البوابة الخلفية , متوغلين بالغابة القريبة .. 

وتمّ إنقاذ هيرو مع من تبقى حيّاً من المعتقلين من قِبل الثوار الصينين .. رغم ان معظم المساجين توفوا لاحقاً بعد عجز الأطباء الصينين عن علاجهم من امراضهم البيولوجية .. 

امّا الناجون منهم , فأكملوا حياتهم بعاهاتٍ مستديمة وإعاقاتٍ وحروق ونفسياتٌ مدمّرة بسبب ما واجهوه في الوحدة 731 التي أُغلقت تماماً بعد تفتيشها جيداً من قبل الجنود الصينين , الذين اكتشفوا بأن الطبيب (شيرو إيشي) أخذ معه نتائج التجارب قبل هروبه , لاستخدامها لاحقاً بالحرب البيولوجية اليابانية

وعاش هيرو فترة مع الصينين , دون علمهم بأن والده ياباني او انه احد اطباء معسكر التعذيب .. والأغرب انه عاش في منزل عائلة الصبية التي أنقذها (فهي لا تعرف شكله) والتي عانت من العرج والعقم لإستئصالهم رحمها بوحشيةٍ لا مثيل لها !  

بعد شهرين .. إستطاع هيرو التسلّل الى خارج القرية مساءً , مُتجهاً نحو ثكنة عسكرية يابانية .. 
وبعد فترةٍ وجيزة , عاد معهم الى اليابان بعد خسارتهم الحرب 
***

مرّت سنوات على انتهاء المعارك , وأصبح هيرو في الستينات من عمره .. وذات يوم إستفزّه خبر قرأه بالصحيفة : عن تكريم الطبيب (ساتوشي أومورا) بجائزة نوبل لاكتشافاته الطبية .. 

فمزّق الجريدة بغضب , واتصل بأحد معارفه النافذين لتدبير كرت حضوره الحفل العلمي
***

في الحفل .. جلس هيرو مغتاظاً وهو يستمع لخطبة الطبيب عن بطولاته في الحرب , وتجاربه التي ساعدت البشريّة ! 

وحين قدّموا له الجائزة وسط تصفيق الجميع , لم يستطع هيرو التحمّل اكثر بعد تذكّره التعذيبات التي كان أجراها (ساتوشي) على اطفال المعتقلين ! 

فجلس غاضباً في سيارته التي أوقفها قرب الباب الخارجي للحفل , بعد ان ازال لوحتها الرقمية في الموقف دون ان يلاحظه احد .. 

وفور خروج الطبيب (ساتوشي) من الحفل , مُستعرضاً جائزته الذهبية امام الصحفيين .. قام هيرو باختراق الصفوف بسيارته , ودهسه بقوة قبل هروبه بعيداً , وسط صدمة الجميع !
***

عاد هيرو بعد الحادثة الى قبو كوخه الريفيّ .. واضاء نوراً خافتاً في مكانه السرّي الذي اخفاه عن عائلته واصدقائه .. 

وعلى جداره وضع لوحاً فيه صورة 12 طبيب إشتركوا في معكسر التعذيب .. بعضهم قام بشطبه , بعد علمه بموتهم بحوادث عادية او بأمراضٍ مزمنة .. ولم يتبقى منهم سوى خمسة اطباء مجرمين .. 

ثم قام بشطب صورة ساتوشي بعد سماعه الخبر من مذياعه القديم , الذي أعلن موت العالم دهساً من قبل مجهولٍ مُقنّع .. 

وهنا نظر هيرو الى السرير الحديدي الموجود في قبوه , وبجانبه ادوات جراحية قديمة أُستخدمت بالحرب العالمية , التي كان اشتراها قبل سنوات من ثائرٍ صيني سرقها من الوحدة 731 .. 
قائلاً في نفسه :
- سأعذّب الأربعة الباقيين بنفس إقتراحاتهم اللعينة 

وأخرج لوحاً خشبي محفور من درجه (كان أخذه من المعسكر المهجور) بالإضافة الى ملفّات اولئك الأطباء .. وهو يقول : 
- لي سنوات الاحقكم ايها الملاعيين , الى ان استطعت اخيراً جمع المعلومات عنكم .. ومعرفة عناوينكم بعد تغير اسمائكم ايها الجبناء .. وأعدكم بأنه قريباً ستتمنّون الموت الف مرة

وأطلق ضحكةً مجلّجلة , تردّد صداها في ارجاء القبو المعتم !
*******

ملاحظة :
1- حصل الطبيب (ساتوشي أومورا) في عام 2015 على جائزة نوبل , لكنه لم يكن ضمن الفريق الطبي لوحدة 731 , لأنه كان حينها ما زال صبياً فهو من مواليد 1935.. الا انني ذكرت اسمه لأنه أكبر الأطباء اليابانيين الخمسة الحاصلين على جائزة نوبل

2- الطبيب (كن يواسا) كان أحد اطباء وحدة 731 .. اما مؤسّس الوحدة فهو الجرّاح سيء السمعة (شيرو إيشي) , بناءً على اوامر الإمبراطور(هيروهيتو) .. وجميع المعلومات التاريخية بالقصة صحيحة .. اما بطل القصة : هيرو , فهو الضابط الياباني (هيرو أونودا) ويعدّ آخر جندي استسلم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية , حيث ظلّ مختبئاً في أدغال الفلبين لمدة 30 عاماً ..لكنه ليس طبيباً , الا انني اخترته لأنه يعدّ بطلاً من ابطال الجيش الياباني  

2- الوحدة اليابانية 731 لم تكن الوحيدة التي قامت بتجارب وحشية , فهناك ايضاً التجارب الطبية النازية والسوفيتية .. وجميعها أُجريت على الأسرى الضعفاء بغرض إكتشاف قنابل بيولوجية للفوز بالحرب العالمية , ولوّ كلّفهم ذلك الإستغناء عن مبادئهم الإنسانية ! 

الأحد، 15 سبتمبر 2019

الحنان الأمومي

تأليف : امل شانوحة


الإبن العاقّ

في ظهر ذلك اليوم , واثناء إنشغالها في المطبخ .. دخل عليها ابنها الشاب بلباسه القوطيّ , بعد ان كانت طردته من منزلها قبل شهور لإدمانه المخدرات ! 
واقترب منها بعينيه الزائغتين , مُطالباً إيّاها بالمال لشراء الهيروين  

فسألته وهي ترتجف : 
- كيف دخلت الى هنا بعد تغيري لقفل الباب ؟!
فرفع سكيناً نحيفاً في وجهها , قائلاً بفخر : 
- أصبحت خبيراً في فتح الأقفال , خاصّة المحال التجارية 
بدهشة وخوف : هل بدأت تسرق ايضاً ؟!
- وكيف سأعيش بعد أن طُردّت من ورشة النجارة , ومنعتي عنّي المصروف ؟
- رجاءً يا جوزيف , أخرج من هنا حالاً

فلوّح سكينته في وجهها , مُهدّداً : 
- ليس قبل ان تعطيني عقدك الذهبي ..
فتراجعت للخلف بخوف , وهي تمسك عقدها بكلتا يديها : 
- هذا عقد المرحومة امي , ولن أفرّط به لأجل مدمنٍ مثلك 
فهجم عليها صارخاً بغضب : اذاً سآخذه بالقوّة !!

وتشابكا بالأيدي اثناء محاولته نزع عقدها بعنف .. وحين حاولت الهرب من المطبخ , فاجأها بطعنةٍ قوية في ظهرها .. أسقطتها ارضاً , محاولةً بجهد إلتقاط انفاسها المتسارعة ..
لكن هذا لم يمنعه من سحب العقد من رقبتها , والهرب لخارج المنزل .. تاركاً والدته تنزف حتى الموت !

في هذه اللحظات .. علت أصوات الدقّات 12 لساعة الحائط في الصالة .. ومع كل رنّة , أعادتها ذاكرتها الى حدثٍ مهم حصل في حياتها , كشريطٍ سريع مرّ امام عينيها المغلقتين : ((حيث رأت حفل زفافها بوالده .. ثم ولادتها له .. وشجارها مع زوجها بعد إكتشاف خيانته .. ثم تطلّقها منه في المحكمة.. وتوديعه الأخير لإبنه المراهق , قبل سفره للخارج مع حبيبته .. وعلاقتها بإبنها المراهق التي تدهورت كثيراً بعد الطلاق .. حيث عادت ذاكرتها الى يوم طردها ابنها (15 سنة) من غرفتها , بعد دخوله المتكرّر عليها وهو يحاول إضحاكها بنكته السخيفة .. ثم صراخها عليه في عمر 18 بعد تأخّره بالسهر مع اصدقائه .. امّا الشجار الأعنف فكان في عمر العشرين , حين تجرّأ على سؤالها عن سبب كرهها له ؟ فأخبرته : بأنه نسخة عن والده , وسيكون حتماً خائناً لزوجته المستقبلية وأباً سيئاً لأطفاله .. ثم تذكّرت كيف تغيّرت معاملته لها بعد هذه المشاجرة .. وقراره الصادم بترك الجامعة في سنته الأخيرة , والعمل كأجير في إحدى الورشات ..وانخراطه مع شلّة شباب أفسدوه بالمخدرات .. ثم اليوم الذي طردته فيه من بيتها , بعد تشبّهه بعبّاد الشياطين وتصرّفاتهم المرعبة)) .. 

وفجأة ! توقفت ذكرياتها مع انتهاء الرنّة 12 للساعة ..
فقالت في نفسها بحزن , وهي تلتقط نفسها الأخير : 
((قتلني ابني العاقّ ! وأصبحت الآن مستعدة للرحيل , فخذني اليك يا إلهي)) 
ثم أغمضت عيناها .. 

لكن حين فتحتهما من جديد .. رأت نفسها واقفة في غرفة نومها .. وقبل ان تستوعب ما حصل , فتح ابنها الباب وقد عاد الى سن العشرين ! وكان يستأذنها بأدب للخروج مع اصدقاء جامعته .. لكنها ما زالت تشعر بالخوف منه , فأجابته وهي ترتجف : 
- رجاءً أخرج من غرفتي يا جوزيف  
فسألها باستغراب : ما الخطب يا امي ؟!

ودون إرادةٍ منها , تحوّل خوفها لغضبٍ مفاجىء (لعلمها بأنه قاتلها في المستقبل) :  
- فقط اريدك ان تغرب عن وجهي !!
فسألها باستغراب وحزن : لما تعاملينني هكذا يا امي ؟! 
فإذا بها تُعيد ذات الإجابة التي قالتها له قبل سنوات , وبأنه شبيه والده الخائن ..
فخرج من المنزل وهو يشتعلّ غضباً ! 

وفجأة ! تبدّل الزمان والمكان .. فإذا بها تعود الى المطبخ في زمن الحاضر , وهي تلبس فستانها الأحمر الذي قُتلت فيه ! 
فنظرت بخوف الى ساعتها , لتجدها الساعة 12 الا عشر دقائق .. فعلمت بأن جوزيف قادماً اليها بعد قليل .. فأرادت الهرب بسرعة من المنزل .. لكن قبل فتحها باب المطبخ .. دخل عليها جوزيف وهو يحمل السكين .. فتراجعت للخلف , وهي تفكّر في نفسها بفزع: 
((الأحداث تتكرّر من جديد ! فهل سيقتلني مرة اخرى ؟)) 

وقبل ان يتفوّه بأيّةِ كلمة .. أسرعت بنزع عقدها وإعطائه له , وهي تقول بخوفٍ شديد :
- خذه وارحل من هنا , ارجوك 
فوضع العقد في جيبه , وهو متفاجىء بنجاح خطته بهذه السرعة ! قائلاً لها:
- ممتاز ! .. على فكرة , سأنام هذه الليلة في سريري , فقد اكتفيت من نومي بالشارع 

فأسرعت بالقول : لا !! لا اريدك في بيتي
فاقترب منها وهو يقول بلؤم : هذا منزل والدي , وليس بيتك
فلم تجد نفسها الا وهي تردّ عليه بعصبية : 
- اللعنة عليك وعلى والدك الخائن !!
فإذا به يهجم عليها , صارخاً بغضب : 
- قلت لك الف مرة بأن لا تشتمي والدي !!!

وطعنها بقوّة , لتختلط صرخاتها مع دقّات الساعة 12 ..
وبينما كانت تحتضر على ارضيّة المطبخ , كان ابنها في طريقه الى محل الذهب لبيع العقد .. 

واثناء إستماعها للرنّة العالية الأخيرة للساعة , لامت نفسها قائلةً :
((لقد أفسدت فرصتي الثانية بالحياة .. فأرجوك يا ربي , هبّني فرصة أخرى , فأنا لا اريد الموت)) 

وحين فتحت عيناها .. وجدت نفسها في غرفتها , في نفس اليوم الذي تشاجرت فيه مع ابنها العشرينيّ الذي اراد الخروج مع اصدقائه .. 
فأجابته هذه المرة , دون النظر اليه : 
- إذهب اينما تشاء 

وقد ضايقه جوابها الجافّ الغير مبالي , فأغلق بابها بغضب ..واتجه نحو الباب الخارجيّ .. 
وهنا تذكّرت امه حلقةً نفسيّة شاهدتها بالتلفاز : عن حاجة اولاد المطلقين الى اهتمامٍ مُضاعف .. 

ورغم انها مازالت خائفة منه , الا انها لحقته قبل خروجه من المنزل واحضنته من الخلف بحنان .. ممّا جعله يحتضنها هو الآخر , بعد ان انهار بالبكاء :
- كنت احاول منذ إنفصالك عن والدي إضحاكك وإخراجك من كآبتك , لكنك لم تعطيني أيّة فرصة ! .. فأنا لا اريدك ان تكرهينني فقط لأني اشبه والدي في ملامحه , فطباعي مختلفة تماماً عنه .. ولا ذنب لي بما فعله بنا !

فبكت امه وهي تقول : 
- سامحني بنيّ لأني اهملتك لوقتٍ طويل , لكن الطلاق دمّرني كثيراً 
جوزيف : امي كلانا ضحيّة والدي , فلا داعي للعيش في آلام الماضي .. دعينا نعيش حياتنا سعيدين 
- وكيف !
- ما رأيك لو نخرج الآن للتسوّق ؟ .. انا وانت فقط 
- وماذا عن اصحابك ؟
جوزيف مبتسماً : سأتصل وأعتذر منهم , لا تقلقي .. هيا جهّزي نفسك , لأننا سنمضي اليوم كلّه في الخارج 

ثم مرّت أحداثٌ سريعة في خيال الأم عن علاقتها بإبنها التي تحسّنت كثيراً بعد ذلك اليوم , وكيف أصبح باراً بها .. وكيف كانت سعيدة بتخرّجه , وباللحظة التي أعطائها فيها اول هدية من راتبه في شركةٍ هندسيةٍ محترمة .. كما إحتفالاتهما سويّاً بأعياد الميلاد ورأس السنة .. 

وفجأة ! توقفت الذكريات , لتجد نفسها في المطبخ بفستانها الأحمر المشوؤم .. فنظرت الى ساعتها بفزع , لتجد الساعة قاربت على 12 ظهراً .. فأرادت الهروب من المنزل , قبل قيام ابنها بقتلها .. لكن ما ان فتحت الباب الخارجيّ , حتى ظهر ابنها برفقة سيدة جميلة وهما يحملان علب البيتزا , حيث قال لأمه مبتسماً :
- أردّت انا وزوجتي الإحتفال معك بمناسبة حملها

الأم بدهشة : ماذا ! هل تزوجت ؟!
جوزيف باستغراب : امي ! هل أُصبت بالزهايمر المبكّر , ام هي خدعة اول ابريل ؟ 
زوجته : خالتي .. هل سنبقى على الباب ؟ فالبيتزا أحرقت يدايّ
الأم بارتباك : آه آسفة , ادخلا ..

واثناء وضع الزوجان الصحون لبدء تناول الطعام , كانت الأم تستمع لدقّات الساعة 12 بارتباكٍ شديد .. 
لكن فزعها تبدّد , بعد مرور خمس دقائق على موعد قتلها !

فجلست على الطاولة لتناول طعامها , وهي تقول بنفسها باستغراب:
((لقد نجحت في تغير الأحداث ! ..كل ما كان عليّ فعله هو إحاطة ابني بالحنان والإهتمام , الذي أعطاه وأعطاني فرصةً أخرى بالحياة .. فشكراً لك يا ربي لاستجابتك دعوتي))

ومسحت دمعتها دون ان يلاحظ ابنها وزوجته ذلك , لانشغالهما بحوارٍ حول تنظيم حياتهما لاستقبال طفلتهما الجديدة , اللذان قرّرا تسميتها بإسم جدتها التي ما زالت مندهشة لتغيّر مستقبلها الفجائي المُتجه نحو السعادة المطلقة التي لطالما حلمت بها ! 

الجمعة، 13 سبتمبر 2019

رسومات طفوليّة

تأليف : امل شانوحة


خيالٌ يغيّر الواقع !

طلبت معلمة الصفّ الثالث الإبتدائي من الطلاّب رسم طقسهم الحارّ .. فرسم الجميع شمساً ساطعة .. ما عدا جيم (8 سنوات) فضّل رسم المطر .. وما ان انتهى من تلوين لوحته , حتى هطلت امطارٌ غزيرة ! .. فأسرع الطلبة الى خارج الفصل , بعد ان سمحت لهم المعلمة بذلك .. 

بينما اقترب جيم منها وهو يحمل رسمته , قائلاً بفخر :
- انا من جعلتها تُمطر , أنظري الى رسمتي ..
فابتسمت المعلمة : يالها من صدفةٌ جميلة يا جيم , والآن إنزل الى الساحة للعب مع اصدقائك
فنزل مغتاظاً لأنها لم تصدّقه ..
*** 

في المنزل .. وبينما كان جيم يدرس في غرفته , سمع نقاشاً حادّاً بين والديه .. فتذكّر ما حصل معه في الفصل .. فأخرج كرّاسته ليرسمهما متعانقين , وقلباً كبيراً فوقهما .. 

وفجأة ! إختفى صوت الشجار .. وحين تلصّص من شقّ الباب , رآهما يضحكان بسعادة في الصالة ! 
فابتسم قائلاً في نفسه :
((فعلتها ثانيةً ! يبدو ان رسوماتي تغيّر كل شيء .. لكني لن أخبر أحداً , كيّ لا يسخروا مني))
***

في يوم العطلة , ذهب مع والده الى السوق .. وحين مرّا بجانب محل لبيع الحيوانات , أعجبته قطة صغيرة .. لكنه رفض شرائها له ! 

واثناء إنشغال والده بوضع الأغراض في صندوق السيارة .. اسرع جيم بإخراج كرّاسته الجديدة التي اشتراها للمدرسة ..ورسم نفسه وهو يحتضن القطة .. 

فإذّ بوالده يتجه نحو المحل (وكأنه منوّم مغناطيسياً) .. ليعود الى السيارة , حاملاً القطة ذاتها التي أعجبته ! .. فعاد جيم الى بيته سعيداً بهديته 
*** 

ومرّت الأيام .. إستطاع جيم من خلال رسوماته : جعل امه تطبخ له الطعام الذي يحبه , مع السماح له بتناول الكثير من الحلويات (على غير عاداتها الصحيّة) .. كما قبل والده مضاعفة مصروفه المدرسيّ , دون أدنى إعتراض ! 

وكذلك استخدم قدرته الخارقة لإجبار طالبة جميلة على تغير مقعدها والجلوس بجانبه , لتصبح بعد فترة صديقته المقرّبة .. دون أن يُخبرها بسرّ رسماته التي تغيّر الواقع دون سببٍ واضح ! 
*** 

وذات يوم , طلبت المعلمة من الصفّ رسم إعصارٍ قويّ .. فرفض جيم القيام بالواجب , معللاً خوفه من أن تتسبّب رسمته في تدمير المدرسة والمنازل التي حولها .. فسخر الطلاب منه , وعاقبته المعلمة بالطرد من الفصل

واثناء وقوفه هناك , رسم غاضباً في كرّاسته : موت المعلمة بحادث سير , لإحراجه امام اصدقائه 
***  

في صباح اليوم التالي , واثناء إستعداده للذهاب للمدرسة .. أخبرته امه بأن المديرة ارسلت إعلاناً على جوّالات الأهالي : بأن اليوم عطلة 
جيم بدهشة : كيف ! فنحن لدينا امتحانٌ مهم 
فأجابته امه بتردّد : معلمة الرسم .. ماتت البارحة بحادث سيارة 

فتراجع جيم للخلف بدهشة ! .. ثم انهار باكياً بين احضان امه :
- لم اقصد قتلها !!
- لم أفهم !
فأخبرها بشأن رسمته .. فربتتّ على ظهره بحنان :
- جيم , لا شأن لك بالحادث .. وإن كان ما تمنّيته شيئاً سيئاً , الا انه قدرها .. فقمّ بتبديل ملابسك كيّ نذهب للعزاء .. فبيتها لا يبعد كثيراً عن هنا , وزوجها صديق والدك
***

في العزاء .. رأى جيم ابنة المعلمة الصغيرة وهي تبكي لفراق امها , فأحسّ بذنبٍ كبير .. وأخرج كرّاسته (التي أصرّ على جلبها معه) وبدأ برسم معلمته وهي تحتضن ابنتها .. 

وانتظر طويلاً , لكنها لم تعدّ الى بيتها !.. فاقترب من والده الذي كان يقدّم التعازي لصديقه (زوج المعلمة) وهمس له : 
- رسمت المعلمة حيّة , لكنها لم تعدّ الى الآن .. لماذا ! 
فأجابه والده بصوتٍ منخفض : الأموات لا يعودون الى الحياة يا جيم ..(ثم اعطاه مفاتيح السيارة) .. قلّ لأمك ان تعيدك الى المنزل , لأني سأبقى قليلاً مع صديقي 
***

بعد خروجهما من منزل العزاء .. طلب جيم من والدته ان تأخذه الى قبر معلمته ..

وفي السيارة .. رسم جيم معلمته في الجنة , قائلاً في نفسه بحزن : 
((طالما انني لم أستطع إعادتها الى الدنيا , سأتمنى لها السعادة في السماء))
***

حين تركته امه بجانب القبر (بناءً على طلبه) وضع رسمته امام الشاهد , وهو يمسح دموعه :
- رجاءً سامحيني يا معلمتي , أعدك ان لا ارسم شيئاً سيئاً بعد اليوم 

وقد أثّرت الحادثة كثيراً على جيم الذي بدأ يحرص على إنتقاء رسماته , آخذاً عهداً على نفسه بأن لا يستخدم موهبته للإنتقام من الأشخاص الذي يكرههم  
***

وفي إحدى الأيام ..أخذته امه الى عيادة جارهم طبيب الأسنان لقلع سنّه .. وبعد عودته , دخل غرفته وهو يقول :
- ليس عدلاً ان يعاني الأطفال من هكذا اوجاع !

وأخرج كرّاسته ليرسم طفلاً بأسنانٍ بيضاء سليمة , كاتباً فوقها :
((اسنان صحيّة لكل اطفال العالم)) 
***

بعد شهرين , زارهم جارهم  .. فسمعه جيم وهو يشتكي من قلّة العمل (لأنه مختصّ فقط بأسنان الأولاد) حتى بات يُفكّر بالإنتقال من المنطقة , لعلّه يجد عملاً في مكانٍ آخر .. 

فأسرع جيم الى غرفته ومزّق تلك الرسمة .. ثم ذهب الى جاره (الذي يحبه) وألحّ عليه بفتح عيادته لاستقبال المرضى من جديد ..
والده معاتباً : جيم !! جارنا يعلم ما عليه فعله , فلا تتدخّل في شؤون الكبار
جيم : رجاءً ابي , انا متأكّد ان اموره ستتحسّن غداً
الطبيب : ولما تعتقد ذلك يا جيم ؟
فاضطّر جيم للكذب :  شاهدت ذلك في المنام , واحلامي لا تكذب ابداً
فابتسم الطبيب بحنان : حسناً , لأجلك فقط سأأجّل فكرة السفر قليلاً 

وبالفعل لم تمضي ايام الاّ وامتلأت عيادته بالأولاد الذين قدموا مع اهاليهم لإصلاح اسنانهم المسوّسة .. 

ممّا أراح جيم من تأنيب الضمير .. فهو وان كان يتمنى الصحّة للجميع , الا انه لا يرضى بتوقف آلاف الأطبّة والممرّضين عن مزاولة عملهم الإنسانيّ ! 
*** 

وفي أحد الأيام  .. رأى امه تبكي اثناء محادثتها لأخيها الأكبر المُنخرط في الجيش .. وبعد إغلاقها الهاتف , إقترب منها جيم قائلاً:
- هل تريدينني ان أُحضر خالي عن طريق رسمه عائداً الينا بالطائرة؟
فابتسمت امه بحزن : ليت الأمر بهذه السهولة يا جيم , لكنه يُحارب على الجبهة , وأخاف ان يُقتل هناك 

ثم دخلت غرفتها باكية .. فذهب الى غرفة اخته الكبرى وسألها عن الحرب الذي يُشارك خالهما فيها .. فأخبرته بأن الوضع خطير ومعقّد , وربما تستمر الحرب لسنواتٍ طويلة .. فسألها : 
- لوّ افترضنا انك تملكين موهبةً سحريّة , فماذا ستطلبين ؟ 
فكّرت قليلاً , ثم قالت : السلام العالميّ 
جيم : وماذا يعني ذلك ؟!
اخته : يعني لا حروب على وجه الأرض 

وبعد دخول غرفته , قال في نفسه : ((الآن عرفت ما عليّ رسمه)) 
وأخرج كرّاسته وألوانه , ورسم كرةً أرضيّة بابتسامةٍ عريضة !
***

في اليوم التالي .. ضجّت الصحافة والعالم بخبر المصالحة الفجائية بين الدولتين المتخاصمتين ! حيث ظهر الرئيسان في مقابلةٍ على الهواء مباشرةً يسلّمان على بعضهما , بعد ان وقّعا معاهدة سلام بينهما .. 

ومع ذلك لم يعدّ خال جيم الى الوطن , رغم مرور اسبوعان على انتهاء الحرب ! ..فسأل اخته عن السبب 
فأجابته : حتى لو انتهت الحرب يا جيم , فسيبقى خالي مُرابطاً مع فرقته على الحدود لفترة من الزمن , لحين تأكّد الطرفان من نواياهما السليمة بعد المعاهدة المريبة التي حصلت بينهما !

جيم : ومتى ستنتهي الحروب نهائياً ؟
- الأمر مستحيل يا اخي ! فمصانع الأسلحة في الدول العظمى ستُشعل المعارك من جديد لأهدافٍ مالية , ممّا سيؤدي يوماً لدمار العالم
جيم : أتقصدين مصانع القنابل ؟! 
- نعم , والآليات الحربيّة من طيران ودبّبابات وغيرها .. (ثم نظرت اليه) .. لما انت مُهتم بهذه الأمور ؟! فحينما كنت في عمرك لم يهمّني سوى اللعب مع اصدقائي 
جيم : هذا لأنك لا تملكين موهبتي 
فسألته بسخرية : وماهي موهبتك ايها العبقريّ ؟ 
- ستعرفونها لاحقاً 
وخرج من غرفتها , وهو يفكّر بطريقة لإحلال السلام العالميّ 
***

وفي غرفته .. رسم إنفجاراً لمصنعٍ كبير , وتدمّر طائرة ودبّابة حربيّة .. ثم كتب فوقها : السلام العالميّ.. (مُتضمناً أخطاءً إملائية) 

وماهي الا ايام .. حتى أذاعت قنوات الأخبار : إنفجار مئات المصانع الضخمة للإسلحة حول العالم ! مُرجّحين بأنها اعمال ارهابية , أدّت لاختفاء قرى بكاملها عن الخريطة بعد إنفجار القنابل النوويّة للمصانع القريبة منها .. وأُعلنت حالة الإستنفار في الدول القريبة , خوفاً من خطر وصول الإشعاعات النوويّة اليها .. 

وشاهد جيم مع اهله في التلفاز : خطابات رئيس دولته وهو ينصح السكّان بضرورة شراء الأقنعة الواقية , والإستعداد للعيش شهوراً في ملاجىءٍ مُخصصّة ضدّ الإشعاعات , والتي تقوم الحكومة ببنائها على قدمٍ وساق ..

ورغم حالة الفزع التي اصابت العالم , الا ان جيم وحده كان يعلم بأن حلّ أزمة التلوّث النوويّ ليس بهذه الصعوبة .. 

وداخل غرفته .. قام برسم الكرة الأرضية وهي تسعل بقوة , لتُخرج دخّاناً ساماً , أطلقته نحو الفضاء .. 

وهذا ما حصل بالفعل خلال شهرٍ واحد , حيث أكّد علماء الطبيعة إختفاء آثار الغازات السامة بعد ارتفاعها بعيداً عن غلاف الكرة الأرضية , خلافاً لخصائصها الكيميائية التي من الصعب تبديدها بهذه السهولة !  

وعمّت الإحتفالات ارجاء العالم لانتهاء هذه الأزمة العصيبة .. ومن بعدها عُقدت إتفاقيات بين رؤساء الدول بعدم فتح مصانع الأسلحة من جديد , حمايةً لكوكب الأرض ..

ورغم هذا الإنجاز الكبير , الا انه لم ينتهي القتل بين الناس ! حيث تفاجأ جيم بمقتل صاحب البقالة القريبة من بيته , بعد سطوٍّ مسلّح حصل ليلة البارحة .. 
فسأل والده محتاراً :
- ابي , لما نقتل بعضنا البعض ؟! الا يوجد حلّ ليعمّ السلام والمحبة بين البشر ؟
- هذا مستحيل يا جيم , فالشيطان لن يسمح بذلك .. فعمله هو التفريق بيننا الى يوم القيامة 
فقال جيم بنفسه بدهشة : ((آه ابليس ! كيف لم أفكّر به من قبل)) 

وأسرع الى غرفته , ليرسم ابليس ميتاً .. 
وبعد ان أنهى رسمته , قال بارتياح : 
- أعتقد بموته سيختلف ابنائه الشياطين فيما بينهم , ويتركونا وشأننا ليعمّ السلام في كل الدنيا

وفجأة ! ظهر له ابليس في الغرفة , وهو يقول غاضباً :
- لقد تجاوزت حدودك يا جيم !! فأنا منعت ابنائي من عقابك لصغر سنك , على أمل ان تنتهي موهبتك الغريبة قريباً .. لكن بعد تجرّأك عليّ , قرّرت عقابك بنفسي

وعجز جيم عن الصراخ لفزعه الشديد من منظر ابليس المرعب , الذي سحبه من ذراعه بقوة .. واختفيا سويّاً من الغرفة !

ليظهر لاحقاً في كرّاسة الصبي : رسمةً جديدة لجيم وهو مسجون داخل قفصٍ مُعلّق فوق فوهة نارٍ ضخمة , بجانب عرش ابليس السعيد بانتصاره على الولد المشاغب 
وفي اسفل الرسمة , كُتبت عبارة : 
((THE END))

التلاعب بالعقول

تأليف : امل شانوحة   السيطرة على الآخرين ((نحن نستخدم 10% فقط من قدرات عقلنا .. هل تريد ان تصل الى نسبة 100 % ؟ .. سجّل معنا في دورة...