تأليف : امل شانوحة
المغامر الجريء
ورث جاك ثروةً طائلة عن والده .. وبدل صرف ماله بالطرق التي يستخدمها معظم الأثرياء ، قرّر ان ينفقها بحل الغازٍ تهم البشريّة !
وكانت وجهته الأولى الى جزيرة نورث سنتينل التي يعيش سكّانها الأصليون منعزلين عن العالم الخارجي ، ويقاتلون كل غريب يحاول الإقتراب من جزيرتهم
لكن لجاك رأيٌّ آخر .. حيث استأجر قارباً أبقاه على مسافةٍ آمنة بعيداً عن شاطئهم ، لا تصل اليه أسهمهم ..
ووضع فوق قاربه شاشةً ضخمة ، عرض عليها إعلاناً متكرّراً لأحد انواع الشوكولا.. مما اثار اهتمام اطفال القبيلة الذين شاهدوا الإعلان باهتمام ..
وبعدها ارسل جاك قارباً صغيراً يتحكّم به عن بعد ، مُحمّلاً بنفس نوع الشوكولا.. جعلت الأطفال يفتحون الصناديق بحذر .. وما ان تذوّقوا اول لقمة ، حتى سارعوا بحمل الواح الشوكولا الى اهاليهم
كرّر جاك الموضوع اكثر من مرة ، حتى تعوّدت القبيلة على مذاق الشوكولا الحلو .. بعدها انقطع عنهم لفترة .. قبل ظهور جاك بقاربه المُحمّل بصناديق الشوكولا ، وهو يجذف ببطء نحو شاطئهم الذي امتلأ بأفراد القبيلة ..
لكن هذه المرة لم يوجهوا اسلحتهم عليه ، بل استقبلوه بالإبتسامات والتهليلات المرحّبة.. بينما صغارهم يقفزون حماساً ، بانتظار وصوله اليهم!
وحينما وصل ، سارع بتوزيع الشوكولا عليهم .. قبل ان يحظى بيومٍ كاملٍ معهم ، وهم يحتفلون به على طريقتهم .. كل هذا تم تصويره من خلال كاميرا صغيرة مثبّتة بقبعة جاك ..
وفي الصباح التالي ، ودّعوه جميعاً وهو متوجه بقاربه الى السفينة الكبيرة التي تنتظره بعرض البحر .. وبذلك اثبت للعالم ان احترامه لحدود القبيلة ، هو ما جعلهم ودودوين معه.. وبذلك حلّ اللغز الأول بسلام
***
بعد ذلك توجه إلى تركمانستان ، تحديداً بوّابة الجحيم : الحفرة الغازية المشتعلة منذ سنواتٍ طويلة.
كانت خطته بسيطة ، وهي تطبيق اجراءات السلامة المستخدمة عند احتراق طنجرة الزيت في المطبخ ..
قائلاً للمسؤول هناك :
- اذا غطينا قدراً مشتعلاً بقماشةٍ مبلولة ، نقطع عنها الأكسجين ، فينطفئ اللهب.. لما لا نقوم بالشيء ذاته مع الفوهة ، على ان نختار قماشاً مضاداً للحريق ؟
فوافق المسؤول بعد ان وعده جاك بالتكفّل بمصاريف التجربة كاملةً
وبالفعل ، نجح الغطاء المبلول بإخماد الحريق ، بعد تصاعد الدخان من جوانب الفوهة .. مما سمح لدولتهم الإستفادة من الغاز الطبيعي اخيراً ، كمصدر للطاقة.
***
ثم انتقل جاك الى جبال الهيمالايا التي تحوي جثث متسلقيها الذين لقوا حتفهم قبل سنوات .. وتم تركهم هناك ، لأن انتشالهم عمليةً بالغة الخطورة مع تكلفة مادية ضخمة
ففكّر بحلّ المشكلة بطريقةٍ سهلة : وهو إنشاء مسارات إنزلاقية آمنة من البلاستيك ، تشبه زحاليق ملاعب الصغار .. لمساعدة فرق الإنقاذ على إنزال الجثامين للإسفل .. وهو سيتكفّل بمصاريف المهمّة ، بالإضافة لدفع اجرة متسلقين محترفين وفرق إنقاذ مدرّبة..
وقد ساعد فصل الصيف بإنجاح العملية ، وإنزال اكثرية الجثامين بعد اسابيع من وصول المتسلقين المحترفين للقمة .. بينما تعسّر الوصول لبعض الجثث المُنحشرة بين شقوق الجبل الشاهق
وبنهاية المهمة .. اقترح جاك إقامة جنازة جماعية رمزية ، تُبث عبر التلفاز.. تكريماً للأبطال الذين دفنوا بشكلٍ لائق ، وسط دموع اهاليهم الذين انتظروا هذه اللحظة منذ سنواتٍ طويلة
***
في المهمة التالية : اشترى طائرة درون احترافية ، مزوّدة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار..أطلقها في ممرّات الكهوف الضيقة ، وفوق مدينة تشيرنوبل المهجورة ، وغابات الأمازون ليلاً ، وجزيرة الأفاعي البرازيلية التي يصعب على الإنسان الإقتراب منها .. ناشراً عشرات الفيديوهات المثيرة للإهتمام عبر وسائل تواصله الإجتماعي ، التي استقطبت ملايين المشاهدين
***
بعدها اشترى غواصة صغيرة ، مجهزة بكاميرات محترفة لتفسير اسطورة مثلث برمودا .. استطاعت كشف جزءاً من الحقيقة الغامضة ، قبل غرقها
***
وفي مشروعٍ آخر.. طلب من تقني محترف ، صنع كرةً فولاذية مضيئة غير مجوّفة تتحمّل ضغط المحيط .. مجهزة بكاميرات حرارية ، يمكن تحريكها بواسطة الأقمار الصناعية .. يتم إرسالها لأعمق نقطة بالمحيط .. والتي نجحت بالفعل بتصوير مخلوقاتٍ بحريةٍ غريبة ، لم يسبق للعلماء اكتشافها من قبل !
***
حتى الأعاصير : صمّم لها بالوناً مرناً شديد التحمّل ، فيه كاميرات وأجهزة قياس.. لتصوير ما يحدث داخل الأعاصير ، بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.
***
لاحقاً ، انتقل فضوله للفضاء.. مقترحاً على علماء الناسا : صنع كرةً مطاطية مرنة تتحمّل أقسى الضغوطات دون انفجارها.. بداخلها كاميرات وأجهزة استشعار ، يتم ارسالها قرب الثقب الأسود .. لعلّها تصوّر الجهة المقابلة من ذلك الثقب !
فسألوه عن سبب صرفه ملايين الدولارات على تجربة ، نسبة فشلها اكبر من نجاحها بكثير :
- وماذا ستكسب في المقابل ، استاذ جاك ؟
جاك : المعرفة ، وكشف الغاز الكوكب الذي نعيش فيه
فوعدوه بدراسة اقتراحه بجديّة ، طالما سيتكفّل بكافة المصاريف
***
في هذه الأثناء ، انتقل فضوله لحلّ اكبر لغزٍ بشري :
((ماذا يوجد خلف جبال أنتاركتيكا ؟))
مستأجراً طائرةً شراعية مجهزة بكاميرات تتحمّل اقسى درجات البرودة ، في مهمّة انتحارية لتجاوز سلسلةٍ جبليةٍ نائية ، وتصويرها من الجو.
لكن قبل انطلاق رحلته ، اوقفته السلطات التي صادرت معدّاته..
ولم يكتفوا بذلك ، بل وجّهوا له تهمةً خطيرة : بخرقه القيود المفروضة على المنطقة وزعزعة الأمن القومي.
من بعدها اختفى الشاب الثريّ جاك دون محاكمة او مقابلاتٍ اعلامية ، حتى اهله واصدقائه لم يعرفوا مصيره !
وبذلك اصبح لغز اختفائه ، اكبر مما اكتشفه بماله وجرأته النادرة..
***
وفي إحدى المقالات عن انجازاته ، خُتمت بعبارة :
((كان بإمكان السيد جاك عيش حياة الأثرياء المريحة ، لكنه فضّل انفاق ثروته في مطاردة المجهول..
فهل مازال حياً بأحد السجون الدولية ؟ ام تمّ اعدامه ، بعد اكتشافه شيئاً عظيماً لا تسمح الحكومات بإظهاره للعلن ؟!))






