الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

شوربة العدس

تأليف : امل شانوحة 

الحصّالة النقدية 


- أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دوري لأتذوّقها ؟!

فنظر إليه والده بعينيه المُتعبتين : 

- قدرُك أن تكون إبن حمّال ، يا بنيّ .. بالكاد تكفي أجرتي لتسديد مصاريف المنزل.. ألا يكفي أنني ربيتك وحدي بعد وفاة أمك ؟ هذا بدل أن تنزل للسوق لمساعدتي .. فأنت بلغت العاشرة ، وبإمكانك العمل في إحدى المحال التجارية 

الصبي بضيق : 

- ربما سأفعل يا أبي .. فقط لأملك المال ، لشراء طعامٍ غير شوربة العدس المقرفة.

***


وفي يوم عمله الأول كأجير في نقل الأغراض بمتجر الحيّ ، أعطاه والده حصّالة حديدية .. ونصحه بادّخار أجرته ، للإنتفاع بها مستقبلاً  

فوافق الصبيّ على اقتراحه .. وأجّل حلمه بتذوّق الحلويات ، لحين امتلاء حصّالته الصغيرة بالمال.

***


إلاً ان القدر كان له رأيٌّ آخر .. فقد توفيّ والده بعد سقوط صندوقٍ ثقيل فوق رأسه ، أثناء تفريغه البضائع من الشاحنة.. 

ولعجز الصغير عن دفع إيجار بيته ، تمّ نقله الى دار الأيتام.

***


بعد بلوغه سن 18 .. تسرّح اخيراً من الدار ، ليكافح بالعمل في ثلاثة وظائف معاً ..مع وضع أجورها في حصّالةٍ ، تُشبه هدية والده الراحل ..

فقد اصبح مهووساً بفكرة : أن يصبح غنياً قبل بلوغه سن الخمسين .. وحينها سيشتري كل ما حُرم منه في طفولته وشبابه.. 


ومن أجل تحقيق هدفه ، عاد بإرادته إلى شوربة العدس الرخيصة ، لتوفير ماله .. فهي أشهى من العصيدة المقرفة التي كبر عليها في الميتم !

***


في سن الشباب .. حاول أصدقاؤه مراراً دعوته الى المطاعم .. لكنه رفض ، خوفاً من تعوّده على المذاق اللذيذ .. فيخسر بذلك مدّخراته التي جمعها ، لأجل ثرائه المستقبليّ .. حتى حينما يعزمونه على حسابهم ، يعتذر للسبب ذاته .. 

ولهذا ايضاً رفض فكرة الزواج ، مُبرّراً للآخرين : 

- لست بخيلاً كأبي ، لكن لديّ طموح بالثراء قبل أن أصبح عجوزاً 

***


وبالفعل ، أثمر ذكاؤه التجاري وساعات عمله الطويلة الى تحويله من أجيرٍ صغير إلى صاحب متجرٍ اتسع مع الأيام ، ليصبح أكبر سوبرماركت في المنطقة 

***


وبعيد ميلاده الخمسين .. وقف مزّهواً بنفسه امام اصحابه الذين دعاهم الى قصره (الذي اشتراه حديثاً) بجانب مائدةٍ طويلة مليئة بأفخر أصناف اللحوم والأطباق التي حلم بتذوّقها طوال حياته.. 

وألقى بغرور خطاباً عن عصاميته ، وبنائه ثرّوته بعد سنواتٍ من الصبر والشقاء .. ليكون الوحيد بين أقرانه الذي صنع مملكته بنفسه.


وبعد تلقيه التهاني من اصحابه .. وضع أول لقمة لحمٍ فاخر في فمه..

وماهي إلا لحظات ، حتى شعر بآلامٍ حادة ومفاجئة .. جعلته يسقط أرضاً ، وسط ذهول الحاضرين ! وينقلوه فوراً إلى المستشفى طوارئ.

^^^


وهناك ، صدمه الطبيب بعد ظهور نتائج الفحوصات : 

بأن معدته التي اعتادت لعقودٍ طويلة على التقشّف القاسي وتناول صنفٍ واحد ، فقدت قدرتها على إفراز الإنزيمات اللازمة لهضم أيّ طعامٍ آخر ! ولهذا تستوجب حالته الصحية ، تناول الشوربات لبقيّة حياته 


فعاد الرجل إلى قصره مكسور الخاطر ، وهو يشعر بقهرٍ كبير 

***


وفي ليلة رأس السنة .. وقف أمام نافذته الزجاجية ، وهو يراقب خدمه يتناولون أشهى المأكولات في حديقة قصره.. بينما يمسك بطبقٍ ساخن من شوربة العدس ، وهو يتمّتم بندمٍ وحسرة : 

((كنت أكرَهُ أبي ، لإجباري على تناول الشوربة طوال طفولتي.. ثم تناولتها في شبابي باختيارٍ مني.. والآن أصبحت وجبتي الإجبارية لما تبقى من حياتي ! ليتني عشت كل يومٍ بيومه .. فما حاجتي لثروةٍ لا يمكنني يوماً الإستمتاع بها))


ثم اخذ رشفة من شوربته .. وهذه المرة لم يشعر بطعمها ، بل كانت أشبه بسكين غرزت في روحه الحزينة !


الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

العروس المشؤومة

تأليف : امل شانوحة 

الحب المُقدّر


في مكتب السيد خليل بقصره الريفيّ ..

وضعت الخادمة القهوة امامه ، وهي تسأله : 

- سيدي .. هل يمكنني العمل اليوم بالحديقة بدلاً من زينب ؟

السيد : واين هي ؟ لما لم تأتي للقصر حتى الآن ؟

- اليوم يصادف وفاة خطيبها .. وعادةً تقضي نهارها في المقبرة

السيد باستغراب : هل كانت مخطوبة ؟!

- قبل عامين .. وللأسف توفيّ عريسها بالفرح ، من طلقةٍ طائشة أطلقها أحد المدعوين ابتهاجاً.

- لم اكن اعلم !.. هل كانت تحبه ؟

- كان ابن الجيران ، نشآ معاً منذ الطفولة.. وعقد والديهما خطبتهما منذ صغرهما 

- اذاً كان موتته صدمةً عنيفة لزينب ؟!

- من الجيد انها لم تفقد عقلها .. خصوصاً بعد انتشار اشاعة بقريتنا ، بأنها كانت نذير شؤمٌ عليه .. لهذا لم يتقدّم احد لخطبتها من بعده

السيد بضيق : وما ذنبها ؟! .. فعلاً القرويون يصدّقون أغرب الخرافات ! ..هل ذهبت للمقبرة الجنوبية ؟

- هي المقبرة الوحيدة في قريتنا.. وأظن زينب لوحدها الآن ، فهي ترفض ان يرافقها احد الى هناك.. فهل تسمح بعملي مكانها بالحديقة ؟ فهي وإن عادت باكراً ، ستكون نفسيّتها متعبة

السيد : حسناً ، إذهبي واعتني بالمشتل. 

^^^


وقد آثار كلام الخادمة فضوله ، جعلته يركب سيارته متوجهاً للمقبرة


وعندما دخل .. وجد زينب تسند رأسها باكية على قبر عريسها ، وهي تغني اغنيةً شعبية.. 

فاختبأ خلف الأشجار ، دون أن تشعر بوجوده.


وبعد انهائها الأغنية بصوتها العذب ، أكملت حديثها مع خطيبها المتوفي :

- حبيبي .. أتذكر عندما غنيت هذه الأغنية في صغرنا ، ووعدتني ان تغنيها بفرحنا ؟ .. للأسف ، لم اسمعها منك ثانيةً.. (ثم تنهدت بقهر) .. ليتك تعلم بالمصائب التي تراكمت فوقنا ، طوال السنة التي لم ازرك فيها ؟ .. فقد خسر أبي ثرّوته في البورصة ، ومات مقهوراً.. واضّطررت للعمل عند الرجل الذي اشترى مزرعتنا وبيتنا في المزاد ، بعد انتقالي مع أمي وجدتي وأختي الصغيرة الى ملحق الخدم بحديقة قصرنا ! اما السيد الذي اعمل عنده ، فلا ادري حقاً كيف أصفه ! فهو يحترم عائلتي ، لكنه يتعمّد القسوة عليّ .. كأنه يخشى تتطوّر عواطفه اتجاهي ، بعد معاناته مع طليقته في محاكم المدينة !.. (ثم شهقت ، وهي تضع يدها على فمها).. آه ! آسفة حبيبي ، لم اقصد ما قلته .. اعرف غيرتك الشديدة عليّ


ثم ازالت خاتم خطوبتها التي كانت تضعه في عقدها ، وهي تقول :

- هذه المرة سألبسه باليد اليسار ، لأني اعلن امامك : بقائي عزباء طوال حياتي ، الى ان نجتمع ثانيةً في الآخرة.


ووعدها هذا ، اغاظ خليل الذي لم يتوقع أن تكون مُتمسكة بالماضي إلى هذه الدرجة!


ثم نظرت زينب لساعة جوالها :

- يا الهي ! تأخر الوقت.. عليّ العودة إلى القصر قبل أن يغضب السيد.. فهو منحني فرصة العمل بتنسيق حديقته ، للإستفادة من شهادتي الزراعية..لذا سأودّعك على عجل ، قبل عودتي الى العمل


واثناء قراءتها الفاتحة امام قبره .. سارع خليل بالخروج من المقبرة ، والجلوس بسيارته محاولاً تهدئة نفسه.

^^^


وعندما خرجت من هناك ، شاردة الذهن .. أطلق بوق سيارته .. 

فالتفتت اليه بدهشة :

- سيد خليل ! ماذا تفعل هنا ؟

- كنت ازور قبر صديقٍ لي ، هل لديك مانع ؟

- لم اقصد سيدي

خليل : اذاً اركبي ، فورائك عملٌ كثير بالقصر

^^^


وفي الطريق ، ظلّت زينب صامتة وهي تنظر من النافذة بشرود .. 


وعند توقفه امام إشارة المرور ، لاحظ تحريكها للخاتم بتوتّرٍ وارتباك .. 

فشعر بالإنزعاج لفكرة : أن تظلّ صبية فاتنة ، وفيّة لرجلٍ ميت .. فهو هدر للجمال وسنوات العمر ! 

^^^


وبعد عودتهما للقصر ، سارعت زينب للحديقة للقيام بعملها 


وبعد ساعتين .. دخل خليل الى مشتله ، لرؤية ما انجزته من عمل .. ليسمعها تدنّدن نفس الأغنية التي غنتها بالمقبرة .. 

ثم توقفت عن الغناء ، وهي تُحدّث نفسها بصوتٍ مسموع :

- ارأيت حبيبي كيف اصبح مشتلنا جميلاً ؟ .. طبعاً !! فزوجتك بارعة بالزراعة

فتضايق خليل من كلامها ، قائلاً بنفسه بغيظ :

((مازالت تفكّر بذلك اللعين !)) 


وعند استدارتها ، تفاجأت بخليل خلفها ! وكادت تسقط فوق التربة المُبلّلة..

فأسندها ، بلفّ ذراعه حول خصرها .. لكنها أبعدته عنها بعنف ، معاتبة:

- لا تلمسني رجاءً .. انا امرأة متزوجة

فصرخ بعصبية : توقفي عن هذا الغباء !! خطيبك توفيّ وانتهى امره

- هو ميت بالنسبة لكم... لكنه سيبقى زوجي للأبد !! 

- انت تتوهمين !! فهو لم يصبح يوماً زوجك  

- وما دخلك انت ؟! 

- زينب اهدأي قليلاً ..أنت مازلت شابة ، لما تدفنين نفسك مع رجلٍ ميت؟ 

- لأني وعدّته ان اكون وفيّة له ، لآخر عمري ..

خليل بعصبية : وانا لن اسمح لك بذلك !!


وحاول نزع الخاتم من اصبعها بالقوة .. ليُفاجأ بصفعتها القوية :

- من انت لتزيل خاتم زواجي ؟!! ان كنت ستذلّني بالعمل لديك ، فأنا استقيل !!

خليل : لا يمكنك الإستقالة ، فأهلك بحاجة لراتبك

- سأعمل بمزرعةٍ اخرى !!

وخلعت مئزر العمل ، وخرجت من المشتل غاضبة ..


خليل بدهشة : المجنونة ! .. اساساً لما اهتم بخادمتي العنيدة ؟!

***


في اليوم التالي ، واثناء شربه القهوة في مكتبه .. لمح من نافذته ، زينب وهي تركب سيارة اجرة متوقفة خارج بوابة قصره !

فلم يجد نفسه الا وهو يلاحقها بسيارته ، الى ان نزلت في ارضٍ زراعيةٍ أخرى .. 


ثم راقبها من بعيد وهي تتفق مع صاحب المزرعة على العمل لديه ! 

فعاد غاضباً الى قصره ، بعد تأكّده من استقالتها

***


وعندما حلّ العصر .. انتابه القلق الشديد ، جعلته يقود للمزرعة المجاورة 


وهناك رأى زينب تشرح للمالك طريقة زراعة المحاصيل ، حسب معرفتها الزراعية ..

لكنه شعر بالرجل يقترب منها أكثر مما ينبغي.

ودون ان تنتبه ، أمسكها من الخلف..

فقاومته زينب بعنف ، وهو يحاول جذبها اليه 


فنزل خليل من سيارته مسرعاً .. وانهال على الرجل بلكمةٍ قوية ، أسقطته أرضا..وهو يصرخ مهدّداً :

- ان لمستها ثانيةً ، سأقتلك.. أفهمت !!

الرجل خائفاً : آسف سيد خليل ، لم اعرف انها تهمّك 

فرفع خليل يد زينب المرتبعة :

- هي زوجتي !! الا ترى الخاتم ؟!! 

فحدّقت زينب فيه بدهشة ! 

الرجل بخوف (فهو يعرف خليل القادم من المدينة ، وقوته بالسوق): 

- سامحني رجاءً ، لن اقترب منها مجدداً .. احلف لك 


فسحب خليل ذراع زينب الخائفة إلى سيارته

***


وفي الطريق ، سألها غاضباً : 

- ألم تجدي مكاناً آخر للعمل غير تلك المزرعة ؟

زينب : هو الوحيد الذي وافق على توظيفي ، بعد قراءة ايميلي  

خليل : طبعاً سيوافق بعد رؤيته لصورتك الجميلة بالملف 


وكانت المرة الأولى التي يمتدح فيها شكلها ! رغم انه عاملها بجفاء طوال الست شهور من شرائه املاك والدها بالمزاد العلني 


خليل : لن اسمح بعملك عند احدٍ غيري .. مفهوم !!

فسكتت زينب قليلاً .. قبل ان تسأله :

- اخبرته بأنني زوجتك ! لما فعلت ذلك ؟!

فردّ بعصبية : لأنك مصرّة على وضع خاتمك السخيف بيدك اليسار .. هيا أعيديه الى عقدك ، او ارميه بعيداً !!

زينب : هذا الخاتم يخصّني وحدي .. لا افهم سبب غضبك منه لهذه الدرجة!


فالتزم الصمت وهو يكاد ينفجر من الغيرة.. بينما تجاهلت زينب انفاسه الغاضبة وهي تنظر للحقول بصمت اثناء عودتهما للقصر

***


في الأيام التالية ، تعمّدت زينب الإبتعاد عن خليل .. 

فإذا طلب منها القهوة ، أرسلتها مع إحدى الخادمات.

وإذا دخلت إلى مكتبه ، بقيت رسمية معه.

وإذا تحدّث معها ، أجابته باختصار.


شيئاً فشيئاً بدأ خليل يفتقد جدالها وعنادها معه ، ووجودها قربه 

***


وذات يوم ، دخلت الخادمة الى مكتبه وهي تسأله : 

- هل طردّت زينب من العمل ؟ 

خليل باستغراب : لا ! لما تسألين ؟

- رأيتها تصعد الى علّية القصر(التي مازال فيها اغراض تخصّ زينب وعائلتها) باكية ، ومعها كيسٌ اسود وقارورة ماء ! ناديتها ، فلم تجبني .. بدت كئيبة للغاية !

^^^


مما اقلق خليل الذي سارع الى هناك .. لينصدم برؤية زينب بفستان عرسها (الذي احتفظت به منذ يوم الحادثة ، مع تغيّر لون بقع الدم مع الزمن) 

كانت تجلس على الأرض غائبةً عن الوعيّ ، وبجانبها ادويةً فارغة (تخصّ جدتها) ونصف قارورة ماء.. 

وورقة مكتوباً عليها : 

((سامحوني... لم أعد أحتمل الحياة دون حبيبي.. فقرّرت الذهاب اليه))


فعرف ببلعها الأدوية ، انتحاراً ! 

وحملها إلى سيارته ..وانطلق بها إلى المستشفى بأقصى سرعة.

***


وبعد ساعة .. خرجت الطبيبة وهي تخبره بأنهم انقذوها بآخر لحظة ، بعد غسل معدتها


وعندما دخل غرفتها.. جلس بجانب سريرها وهو يدعو لها بالشفاء العاجل 


لكن ما ان استيقظت ، وعرفت بنجاتها .. حتى صرخت عليه معاتبة:

- لما أنقذتني من الموت ؟!! كنت على وشك اللقاء بحبيبي.. 

خليل مقاطعاً بعصبية : اللعنة عليه !! اساساً انتحارك سيرميك في جهنم ، لا الجنة ..ايتها المتهورة العنيدة !!

زينب باكية : سيغفر الله لي ولوّ بعد حين ، فهو يعلم بانفطار قلبي بعد موت حبيبي الذي لا استطيع ..


وقبل ان تكمل كلامها ، تفاجأت بخليل يحضنها باكياً : 

- توقفي يا زينب !! انا اموت كل يوم ، غيرةً وشوقاً عليك .. ولن اسمح بهدر حياتك على شخصٍ ميت 

ثم أمسك وجهها بيديه :

- انت لي يا زينب !! انت لي وحدي

زينب بصدمة : لم اكن اعرف انك تحبني !

- أحببتك منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه بالمزاد.. لكني قاومت شعوري طوال الشهور الماضية ، خوفاً من الفشل ثانيةً بعد طلاقي المرير..

وإذّ بزينب تقول بحزم : 

- إذاً إثبت حبك الآن !! .. أحضر المأذون إلى هنا ، وإلاّ أحلف انني سأعيد محاولة انتحاري بأقرب فرصة !

^^^


وبالفعل أحضر خليل الشيخ والشاهديّن للمشفى ، لكتب كتابهما.. 

ومن بعدها ، اتصل بالعائلتين لإخبارهما بالزواج .. 

فكانت صدمة للجميع ! لأن أهله يعلمون خوفه من الزواج ثانيةً .. وعائلة زينب تعرف تعلّقها الشديد بخطيبها الراحل ! 

***


بعد انتهاء شهر العسل .. التقت زينب بالطبيبة وخادمة القصر في المطعم ، لشكرهما على وقوفهما معها ..

فصديقتها الطبيبة (من ايام الجامعة) تكفّلت بإخباره عن عملية غسل المعدة الوهمية 


اما الخادمة : فهي من أرسلت خليل للمقبرة ، باتفاقٍ مع زينب التي بدأت حوارها التمثيلي مع عريسها الميت ، فور لمحها لسيارته تتوقف بجانب المقبرة .. لكيّ تشعل نار الغيرة في قلبه.. فكما يقال : ((كل ممنوعٍ مرغوب))


كما تعمّدت العمل عند صاحب المزرعة المعروف بعشقه للنساء الجميلات ، لجعله ينوي الزواج من جديد 

^^^


لكن السرّان اللذان لا يعرفهما احد : 

اولاً : بأن والدها أجبرها على قبول خطبة ابن الجيران في صغرها ، رغم عدم انجذابها له مطلقاً 

وثانياً : هو اتفاقها مع عريسها (قبل وفاته) على انهاء زواجهما سريعاً ، بعد اكتشافها خيانته قبل يومين من العرس ! 

ومع ذلك اكملا الإحتفال ، كيّ لا يصدما اهاليهما .. بشرط عدم لمسها ، وتطليقها بعد شهرٍ واحد .. لكن الطلقة الطائشة انهت حياته ، قبل ان يعرف احد كرهها لعريسها الخائن !

لهذا لم تبكي فقداً لحبيبها ، بل لخسارة فرصتها ببناء حياةٍ جديدة بعد الفضيحة الإجتماعية (كونها نذير شؤم على العرسان) !


فقامت بالتخطيط مع صديقتيها للإيقاع بالسيد الوسيم القادم من المدينة ، الذي لن يهتم بخرافات القروين وشكوكهم الظالمة !

***


وبعد سنوات .. اصبح خليل زوجاً رائعاً ، وأباً حنوناً لولدين .. دون علمه بأن قصة عشقه ، كانت خطّة ذكيّة نفّذتها زينب قرب قبر رجلٍ خائن لم تحبه قطّ.


الأحد، 13 سبتمبر 2026

وحش المحيط

تأليف : امل شانوحة 

العلماء الفضوليين


حاول العالِم البحري جاهداً التواصل مع زملائه المتواجدين على السفينة ، بعد انزاله مع رفيقه داخل كرةٍ حديديّةٍ مجوّفة الى اعماق المحيط الهادئ .. والتي انفصلت ، عقب انقطاع الحبل الذي يربطها بالسفينة .. ليسقطا عشرات الأمتار ، قبل أن تستقرّ غوّاصتهما عند حافّة واديٍ سحيق.


وبعد فشله الإتصال بهم .. اطفأ العالم الآخر الأجهزة الإلكترونية ، في محاولة لتهدئة زميله الذي انتابه نوبة ذعرٍ شديدة..

- سنموت من قلّة الأكسجين !!

- اهدأ قليلاً ، فالهواء يكفينا يومين آخرين 

- وهذا اسوء !! لأننا سنحتضر ببطء في هذا الظلام الدامس.. رجاءً أضيء نورنا الخارجي من جديد

- أُفضّل التقليل من استهلاكنا البطارية ، لحين إيجاد زملائنا طريقة لإخراجنا من هنا

- وكيف ؟! فهم لا يملكون حبلاً يصل الى هذه الأعماق

- يمكنهم العودة للشاطئ ، وأحضار حبلٍ اطول.. فمن حسن حظنا ان غوّاصتنا لم تكمل غرقها في الوادي السحيق .. وإلا لوصلنا لأعمق نقطة في المحيط ، عندها سيسحقنا الضغط حتماً.. والآن حاول ان تهدأ .. ودعنا نستمتع بمراقبة الأسماك الغريبة بالخارج

- وكيف سنراها دون المصابيح الخارجية ؟ 

- ضوءنا سيخيفها.. دعها تقترب منا ، ونحن نصوّرها بالكاميرات الحسّاسة للظلام.. فنحن سنبقى هنا لبعض الوقت ، قبل ان يتمكّن زملائنا من اخراجنا من هذه الورطة

- ليتني كنت متفائلاً مثلك


وسرعان ما انشغل العالمان بتصوير الأنواع النادرة للأسماك ، لدرجة انهما نسيا أنهما عالقين في قاع المحيط.


لكن شيئاً ما حصل ، ارعب كيانهما ! بعد رؤيتهما لمخلوقٍ ضخم يصعد ببطء من قاع الوادي ! حيث ظلّ الكائن يقترب من غواصتهما ، الى ان وقف مباشرةً امام نافذتهما الزجاجية ! 


العالم الأول بقلق : ما هذا الشيء امامنا ؟! هل هو حبّارٌ ضخم ؟!

العالم الثاني بفزع : هل يعقل ان غوّاصتنا بحجم عينه فقط ؟! أضيء الأنوار فوراً!! 

- لا ، اخاف ان نرى مخلوقاً ارعب بكثير


وفي اللحظة التي ركّز فيها المخلوق عينيه عليهما ، شعر العالمان بدوارٍ مفاجئ.. قبل ان ينطفئ كل شيء داخل غواصتهما التي تحوّلت لكرةٍ مظلمة !

 ^^^


على متن السفينة ، كان الطبيب يراقب جهازاً متصلاً بخوذتي العالمين ، لقياس نشاطهما العصبي ، ثم ارسال البيانات إلى السفينة.

وإذّ به ينادي بقية العلماء بفزع :

- لقد توقفت الإشارتان في اللحظة نفسها !!

فسأله عالمٌ آخر باستغراب :

- أتقصد انهما ماتا معاً ؟!

الطبيب : لا ادري ، لكن اتصالي انقطع معهما تماماً !

- وماذا نفعل الآن ؟ هل نطلب من المروحية العودة لشاطئ.. فالحبل الطويل الذي يحضرونه ، لا فائدة منه بعد فشل تجربتنا

عالمٌ آخر : لا طبعاً !! حتى لوّ ماتا ، علينا إعادتهما.. على الأقل نراجع كاميراتهما ، فربما تحتوي على اكتشافاتٍ علمية لم يرها إنسان من قبل..وبذلك لا يذهب موتهما سدى 


وبالفعل وصلت المروحية الى السفينة ومعها الحبل الطويل في نهايته مغناطيس ضخم ، صُممّ لسحب الكرة الحديدية.

وبعد جهدٍ طويل ، نجح الفريق في انتشالها من اعماق المحيط

ليجدا العالمين مازالا يتنفسان ، لكنهما بغيبوبةٍ مؤقتة ..ربما من ضغط المحيط او من هول ما رأياه !

***


في مستشفى تابع للمختبر العلمي في العاصمة ، بقيّ العالمان فاقدَي الوعي لعدة ايام 


وقبل نهاية الإسبوع الأول .. استيقظ احدهما وهو لا يصدّق خروجه سالماً من جحيم البحر ! ومع ذلك يبدو عدم استقراره عقلياً ، بعد إخبار زملائه عن العين العملاقة التي سيطرت على عقليهما.


ثم وصف خروجهما طواعية من الغواصة ، دون اقنعة اوكسجين ! حيث قيّدهما المخلوق بإحدى اذرعته الكثيرة اثناء سحبهما للأسفل ، لأعمق نقطة في المحيط.. الى ان وصلا أخيراً إلى أرضيةٍ رمليةٍ مظلمة.


وهناك اضيئت عيناه لأول مرة ، ليشاهدا حجم المخلوق المرعب .. الأشبه بحبّارٍ عملاق يصل طوله لمبنى من عشرة طوابق ، ربما يعود لزمن الديناصورات ! 

والذي اوصلهما الى قصرٍ اسود موجود داخل كهفٍ عميق ..


ثم اطلق سراحهما ، قبل سباحته بعيداً عنهما.. فلم يكن امامها سوى اكمال السباحة عبر ممرٍ طويل تحيط به شعلات الضوء الزرقاء التي تصدر من عيون مخلوقاتٍ غريبة تسبح على جانبيه : أجسادها بشريّة من الأعلى ، لكن أجزاءها السفلية مغطّاة بزعانف غريبة.. لم يكونوا حوريات البحر ، بل اشبه بجن المحيط ! 

وظلّ العالمان يسبحان الى ان وصلا لصالة القصر .. في آخره عرشٌ ذهبيّ ضخم ، يجلس عليه كيانٌ شيطانيٌ مرعب 


فسأله عالمٌ آخر بذهول : أتقصد ابليس ؟!

ليردّ المريض : نعم !! وكان غاضباً من فضول البشر الذي اوصلنا اليه.. فحسب كلامه : انه ترك نعيم الدنيا لذريّة آدم.. واختار اسوء واصعب مكان للعيش مع ابنائه .. ومع ذلك تبعناه الى هناك !

- وماذا حصل بعدها ؟

- عرض علينا أن نكون من جنوده ، مقابل ثروةٍ ماليةٍ ضخمة.

- وهل قبلتما ؟

المريض : انا لم اتردّد برفض عرضه ، خوفاً من عصيان ربي.. لكن زميلي وافق على الفور ! وبعدها استيقظت بالمشفى.. مع اني ظننت انه سيقتلني ، بسبب تعابير وجهه الغاضبة حين سمع جوابي !

^^^


وبعد هذا الحوار ، استأذنهم المريض للعودة للنوم مجدداً من شدة ارهاقه .. فتوجه بقية العلماء الى مكتب المشفى

- هل تصدقون ما قاله ؟

- لا ، هو يهذي حتماً

- وماذا لوّ كان يقول الحقيقة ؟

- مستحيل !! لا احد يعرف مكان ابليس

- نحن نعلم انه يسكن البحار.. فلما لا يكون اختار اعمق نقطة بالمحيط الهادي ؟


فسكتوا قليلاً ، قبل ان يستنكر احدهم :

- لوّ كان كلامه صحيحاً ، لما تركه ابليس حياً بعد عصيان اوامره


ولم يكمل جملته ، حتى دخلت الممرضة وهي تصرخ فزعة :

- تعالوا بسرعة ، وانظروا ما حصل لزميلكم !!

^^^


فركضوا خلفها ، عائدين الى غرفة المريض الأول.. ليجدوا دمائه واشلائه ملطّخة على جدران الغرفه ، كأنه انفجر لأجزاء صغيرة ! 

وهناك عبارة مكتوبة بدمائه على الجدار :

((هذا جزاء من يخالف اوامري))

فنظروا لبعضهم برعب :

- يا الهي ! لقد قابل ابليس بالفعل 

^^^


ثم توجهوا مسرعين ، لرؤية ان كان زميله توفيّ ام لا.. ليجداه متربّعاً فوق سريره باستعلاء ، وعيونه تلمع بحديةٍ مخيفة 

فقال احد العلماء :

- اخيراً استيقظت !! خفنا عليك يا رجل

فظهر صوت المريض ، مخالفاً عن صوته الأصلي :

- انا ابليس المعظّم !! فبعد شعوري بالمللّ من عيشي بظلمة المحيط الخانقة ، قرّرت تجسّد هذا العالم .. وبذلك أتابع خططي بينكم.. فهل ستطيعون اوامري ؟ ام تفضّلون ان أصبغ ارضيّة المشفى بدمائكم ، كما حصل لزميلكم المتديّن؟!

فردّوا جميعاً بخوف : لا سيدي ، نحن طوع امرك !!

ابليس بابتسامةٍ مريبة : ممتاز !! اذاً لنبدأ بالأمر الأول ضمن سلّسلة طويلة من القرارات المصيرية ، التي ستجعلني أحققّ حلم حياتي بتدمير البشريّة جمعاء !!


ثم اطلق ضحكةً مجلّجلة امام العلماء الذين ارتجفوا خوفاً بعد ان تسبّب فضولهم بإخراج ارعب مخلوق من مخبئة ، لتدمير العالم كلّه! 


الجمعة، 11 سبتمبر 2026

التمثيل الهادف

تأليف : امل شانوحة 

المشهد المصيري


في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن خطيبته ؟ 

فأجابه الأستاذ :

- هي غائبة اليوم.. 

الممثل سعيد : هذا خطأي ، كان عليّ الإتصال بها قبل القدوم الى المعهد

الأستاذ : ما رأيك لوّ نستفيد من وجودك ، بإعطائك درساً عملياً للطلّاب ؟

فتحمّست الطالبات للفكرة ..


فوقف سعيد أمامهم ، وهو يسألهم بثقة:

- قبل أن أبدأ ، ما رأيكم بفيلمي الأخير ؟

فارتفعت أصوات الإعجاب والثناء.

فسألهم بغرور : 

- أفهم من ذلك ، أن لا أحد لديه نقد لدوري السابق ؟


فوقفت الطالبة مروى من الصفّ الخلفيّ ، وهي تقول :

- كان دورك جريء أكثر من اللازم 

فردّ سعيد :

- هذه طبيعة الأفلام الرومانسية.

مروى : ليس بالضرورة.. تستطيع تنويع أدوارك.. فأنت قدّمت طوال السنوات الماضية الشخصيّة ذاتها.. فلما لا تجرّب الدراما أو الأكشن ، او أيّ فيلم لديه فكرة هادفة ؟ 

فضحك سعيد :

- لوّ كان الأمر بيدي ، لفعلت.. لكن المخرجين يرونني مناسباً للأدوار الرومانسية.

فقالت إحدى الطالبات بإعجاب:

- لأنك أجمل ممثلٍ شاب بالوسط الفني ، وحنانك الفيّاض يساعد على نجاحك بتلك الأدوار الجميلة 

فالتفتت إليها مروى:

- وكيف عرفتي أنه حنون ؟ ألم تطلّقه زوجته السابقة بسبب الخيانة؟

فعاتب سعيد مروى :

- لوّ سمحتِ !! طليقتي توفيّت منذ فترةٍ وجيزة ، ولا أحب أن يتحدّث عنها أحد


فتدخل الأستاذ لتهدئة الوضع المتوتّر بالقاعة : 

- مروى !! لا داعي لإحراج ضيفنا.

فردّت بهدوء : اعتذر من الأستاذ سعيد .. كنت فقط أوضّح لزملائي ، بأن أدوار الممثل لا تعكس بالضرورة شخصيّته الحقيقية 

فأراد الأستاذ تغير الموضوع :

- حسناً ، لننتقل إلى التطبيق !! أستاذ سعيد .. إخترّ مشهداً من أعمالك ، تمثلّه مع أحد الطلاّب.


فاختار سعيد مروى التي نزلت اليه من المدرّج ..

وأراد تطبيق مشهدٍ رومنسي ، لكنها ابعدته عنها بعنف 

- لوّ سمحت !! لا أحب أن يلمسني أحد.

سعيد باستغراب : 

- وكيف اذاً ستنجحين في التمثيل ؟ فبعض المشاهد يتطلّب ذلك.

مروى :

- استطيع التمثيل دون تجاوز حدود الأدب والأخلاق 

فقالت إحدى الطالبات:

- هي تعتمد على والدها ، فهو مخرجٌ مشهور.

فسأل سعيد باهتمام :

- ومن والدك؟

مروى بفخر :

- أحمد مروان.

سعيد :

- آه اعرفه ! هو مخرجٌ بارع بالأفلام الإجتماعية.. لكن الواسطة ليست كل شيء ، يجب أن تمتلكي الموهبة والخبرة.

مروى : تتكلّم وكأنك خرّيج معهد التمثيل ، فأنت عملت بهذا المجال منذ صغرك 

سعيد : صحيح ، واخترت كلّية المحاسبة التي تخرّجت منها بتفوّق.

مروى : كان الأفضل لوّ اكملت بذلك المجال ، بدل تكرار الأدوار ذاتها.


فلاحظ الأستاذ ضيق الممثل ، فأسرع بالقول :

- سيد سعيد .. دعنا نغيّر المشهد

سعيد ساخراً :

- دعّ السيدة مروى تختار على ذوقها 

مروى : اذاً لنخترّ مشهد الزوجة حين عرفت بخيانتك 

فنظر سعيد اليها غاضباً ، لتردّ بابتسامةٍ باردة :

- قصدّت إفتتاحيّة فيلمك الأخير.

فردّ بغيظ :

- اذاً ابدأي المشهد


لتفاجئه بصفعةٍ قوية ، جعلت كل القاعة تشهق بصدمة !

لكنها لم تتوقف ، بل واصلت الحوار باتقانٍ شديد .. مُجبرةً سعيد على إكمال تمثيل دوره باحتراف.

ليعلو التصفيق بعد انتهاء المشهد 


سعيد معاتباً :

- مثّلتي بقوة ، لدرجة ان خدّي مازال يؤلمني.

مروى : الدور تطلّب ذلك.

ثم عادت الى مقعدها دون أن تعتذر !

***


في تلك الليلة ، رأى سعيد مناماً غريباً :

((طليقته المتوفاة وهي تقف أمامه ، وتشير الى فتاةٍ من بعيد : 

- تلك ستحتلّ قلبك قريباً

فظن انها تشير لخطيبته .. لكن ما ان اقتربت الفتاة ، حتى ظهرت الطالبة مروى !))


وقد اربكه المنام لدرجة إتصاله بخطيبته ريم ، ليخبرها بزيارته للمعهد غداً

***


في اليوم التالي ..حضر سعيد المحاضرة ، جالساً بجوار ريم.

وبعد قليل ..إختار الأستاذ مروى وريم ، لأداء مشهدٍ أمام الطلاّب.


بعد انتهاء المشهد.. طلب منهما تقويم أدائهما للمشهد

 فقالت مروى:

- تمثيل ريم يُذكّرني بالأفلام العربية القديمة.. ففيه شيء من التصنّع.

ريم غاضبة :

- ولما تتحدّثين كأنك ممثلة مشهورة ؟ اساساً لولا والدك ، لرسبتي من السنة الأولى

فردّت مروى:

- ولولا خطيبك الفنان ، لما وصلتِ لسنة التخرّج 

فتدخل المعلم :

- الأستاذ سعيد هو من سيقيّم أدائكما هذه المرة 

فنظر سعيد إلى ريم ومروى ، قائلاً : 

- لا تغضبي يا ريم .. لكن التمثيل الحديث يحتاج إلى عفويّة وتقمّص الدور ، كأنه يحصل معك فعلاً.. وهذا ما اتقنته مروى 

فغادرت ريم القاعة غاضبة ، ليلحق بها سعيد إلى ساحة المعهد.

^^^


وهناك عاتبته ريم بعصبية : 

- أحرجتني أمام الجميع!

سعيد : كان رأياً مهنياً بحتاً ، فأنا ..

مقاطعة :

- لا تتظاهر بالبراءة.. صديقتي أخبرتني ما حصل بينك وبين مروى في غيابي 

- لم يحصل شيء ! 

- وهل مدحتها قبل قليل لأن تمثيلها أعجبك ، ام لأنها أثارت اهتمامك ؟

وما ان ظهرت مروى من بعيد ، حتى غادرت ريم المعهد دون سماع اجابة خطيبها 


فاقتربت مروى من سعيد معتذرة :

- لم أردّ إثارة المشاكل بينكما !

سعيد : أتدرين انك ستخربين بيتي ؟ 

مروى : اذاً كان عليك مدح تمثيلها

- انا لا يعجبني أدائها منذ البداية .. اما انت..

- انا ماذا ؟

سعيد : مازلت خائفاً من التمثيل امامك بعد صفعتك القوية ! عليك ان تكوني اكثر انوثة ، ان كنت ستدخلين هذا المجال 

- لا تحاول اقناعي ، فأنا لن ابيع مبادئي لأجل الشهرة 

فتغيّر لون وجهه : 

- هل تُلمّحين أنني بلا شرف؟

مروى : انت أضعت موهبتك في الأفلام الهابطة

- هذا ما يطلبه الجمهور

- ربما حصل ذلك بالسبعينات والثمانينات ، عصر ازدهار التلفاز والسينما .. لكن بعد ظهور وسائل التواصل الإجتماعي ، إهتمّ الناس بالأفلام العائلية الهادفة التي تتحدث عن ابطالٍ حقيقين غيّروا العالم باختراعاتهم ومواقفهم الإنسانية 

سعيد : 

- وهل تكتبين مثل تلك القصص ؟

- بكل تأكيد !! ولديّ الكثير منها.

- اريد قراءة احداها 

مروى : معي واحدة بالفعل.

فاستلمها منها وهو يعدها بقراءتها بأقرب وقت ، ثم إعطائها رأيه المهني.

*** 


في اليوم التالي ، التقيا في ساحة المعهد.. وأعاد اليها القصة مبهوراً :

- الفكرة رائعة وعميقة للغاية !

مروى باهتمام : وهل ستعرضها على منتج ، كما وعدتني؟

- بل سأنتجها بنفسي ، ووالدك سيكون المخرج

مروى بصدمة :

- هل وافق ابي ؟!

- نعم .. بشرط !! ان تكوني انت البطلة

مروى : ولما لا ؟ فأحداث القصة نظيفة تماماً ، وذات رسالة راقية.

- وهذا ما يقلقني ، خوفاً من رفض جمهوري ..

مقاطعة : بل سيعجبهم رؤيتك بأدوارٍ جديدة تحترم عقولهم.

***


بعد شهور ، عُرض الفيلم.

وكانت المفاجأة أن الجمهور أحب سعيد بدوره الدراميّ .. ((فالقصة تدور حول رجلٍ يكافح لأجل عائلته ، متخذاً قراراً صعباً يغيّر حياتهم للأفضل.. اما مروى ، فمثّلت دور زوجته وام اطفاله التي ساندته رغم استقالته المفاجئة من عمله ، لملاحقة موهبته النادرة .. حيث أظهر الفيلم حبهما العفيف اللطيف ، دون مشاهد تخدش حياء المشاهدين)) 


وبعد عرض الفيلم ، انهالت على سعيد التعليقات الإيجابية وإشادات النقاد

أما مروى ، فتحوّلت إلى نجمةٍ صاعدة.. وعُرضت عليها عشرات الأدوار ، لكنها رفضت معظمها..

فقال لها والدها:

- للآن رفضتِ ثلاثة أفلام ممتازة!

ابي ، أدوارها لا تناسب معاييري ومبادئي.

والدها : لكن بطل إحداها مشهوراً جداً ، وسيفيد مشوارك الفني !

- لكنه معروف بتحرّشه بالممثلات خلف الكواليس. 


فسكت والدها بتفكيرٍ عميق ، قبل أن يبتسم بفخر:

- طالما تفكّرين بهذه الطريقة الواعية ، فأنا فخورٌ بك يا ابنتي


بهذه الأثناء .. دخل سعيد الى مكتب والدها :

- سمعتكما قبل قليل .. ما رأيك لوّ كنتُ انا البطل ، هل ستمثلين معي مجدداً ؟

مروى باستغراب :

- لكن الدور معروض على الممثل الشهير  

 سعيد : أخبرني المنتج قبل قليل عن رفضه الدور ، لانشغاله بأعمالٍ اخرى .. لهذا عرض الدور عليّ 

مروى بتردّد : المشكلة ان هناك عناق رومنسي بآخر الفيلم .. لهذا لن اقبل ان ..

سعيد مقاطعاً :

- الن تعانقي خطيبك ؟

ثم نظر لوالدها :

- هذا ان وافق والدك على زواجنا ؟ .. (ثم نظر لمروى التي التزمت الصمت)..فأنا وريم انفصلنا بعد عملي معك بالفيلم السابق ، كما تعلمين 

فأجاب الأب ، وهو ينظر لوجه مروى الذي احمر خجلاً :

- انا موافق ، بشرط أن تستمّرا في تقديم الفن النظيف معاً.

سعيد بحماس :

- اذاً اتفقنا

***


وتزوج سعيد ومروى.


ومع مرور السنوات .. أصبحا ثنائياً فنياً ناجحاً ، ومحبوباً من الجميع.. حيث أصرّ الجمهور على رؤيتهما معاً في ادوارٍ درامية راقية ..حتى أصبحا رمزاً لسينما النظيفة


وبسبب إصرارهما المستمر على المواضيع الهادفة ، أدركت شركات الإنتاج أخيراً أن الجمهور هو صاحب القرار الأول فيما يريد مشاهدته.. وطالما أن الأفلام العائلية الهادفة صارت تحقق أعلى الإيرادات والأرباح ، تغيّرت خيارات المنتجين والمخرجين جذرياً نحو الأفضل.

***


وبعد سنواتٍ طويلة من العمل السينمائي المشترك .. قرّر الممثلان المبدعان الإعتزال سوياً ، لتفرّغ لحياتهما الأسرية الخاصة


وفي آخر مقابلةٍ تلفزيونية لهما ، سأل المذيع سعيد:

- هل تندم على تركك الأدوار الرومانسية التي صنعت شهرتك؟

فنظر لزوجته مروى مبتسماً :

- على العكس... فلولا فتاةٌ شجاعة صفعتني يوماً أمام طلاّب معهد التمثيل ، لما اكتشفت براعتي الحقيقية في تجسيد أدوارٍ متنوعة وعميقة.. زوجتي هي من صنعَت مني ممثلاً متكاملاً 

مروى ممازحة ، وهي تنظر بابتسامة الى زوجها :

- لم أدري أن صفعتي ستغيّر حياته ومساره الفني إلى هذه الدرجة!

المذيع بإعجاب : بل أنتِ غيّرتي ملامح السينما كلها!

مروى بتواضع: الفضل يعود للجمهور الواعي الذي فضّل جودة الأفكار وسموّ الرسالة على الأفلام الهابطة.

زوجها سعيد بفخر : وأنتِ من تنبأتِ بذلك قبل الجميع!


وهكذا أثبتت مروى ما آمنت به منذ البداية :

((بأن الجمهور لا يتّبع بالضرورة ما يفرضه عليه المنتجون والمخرجون ، بل يمتلك القرار لاختيار الفن الراقي الذي يستحق المشاهدة والإستمراريّة لسنواتٍ طويلة)) 


الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

الجار الخفي

تأليف : امل شانوحة 

المتطفّل الحنون


انتقلت ديانا إلى مدينةٍ ساحلية ، برفقة ابنها الوحيد آدم (8 سنوات) بعد طلاقها من زوجها السكّير العنيف.. ولعدم امتلاكها الكثير من المال ، استأجرت منزلاً خسر مالكه رهانه للبنك 

من بعدها وجدت عملاً في مطعم للوجبات السريعة ، بدوامٍ ليليّ .. مما اجبرها على ترك آدم وحيداً في المنزل الذي تعوّد مع الأيام على السهر أمام التلفاز حتى يغلبه النوم.

***


وفي إحدى الليالي ، استيقظ آدم لدخول الحمام.. 

وبعد خروجه ، مرّ بجانب الصالة .. ليلمح رجلاً يراقبه من النافذة ، وهو يناديه :

- إفتح الباب ايها الصغير !! أعرف أنك لوحدك.


فركض آدم للإختباء بخزانة ملابسه بالغرفة ، متصلاً على جوال والدته الذي كان مغلقاً (بقانون العمل).. 

فأرسل رسالةً بصوته المرتجف : 

((أمي... تعالي بسرعة... هناك لصّ يحاول دخول المنزل... أنا خائفٌ جداً))


وهنا سمع صرير نافذة المطبخ تفتح ، بعد ان نسيت امه اغلاقها جيداً ..فضاقت انفاسه من شدة الرعب ، لمعاناته من الربو 


وفجأة ! خرج عجوز من خلف ملابسه ، حاملاً مسدسه .. وهو يشير بأصبعه على فمه ، كيّ يلتزم آدم الصمت 


وآخر ما سمعه الولد قبل إغمائه ، هو صوت الدخيل الخائف :

- ارجوك سيدي... لا تقتلني ! سأخرج فوراً

صوت العجوز مُهدّداً : إن عدّت الى هنا ثانيةً ، سأقتلك دون تحذير!!

***


في اليوم التالي ، استيقظ آدم على عتاب والدته بعد تبليل فراشه .. 

فحضنها خائفاً :

- هل امسكت الشرطة باللص ؟

ولم تفهم ما قصده ، الا بعد سماع رسالته الصوتية .. فأسرعت الى المطبخ ، لتجد النافذة العلوية مغلقة من الداخل !

فحاولت إقناع ابنها بأنه مجرّد كابوس .. 

كما لم تصدّق قصة العجوز الذي يعيش في خزانته !

***  


منذ تلك الليلة .. رفض آدم البقاء وحده ، وأصرّ ان تأخذه امه معها للعمل .. لكن رئيسها رفض طلبها .. فوعدت ابنها بتركيب قضبانٍ حديدية على النوافذ ، فور حصولها على راتبها.. مما هدّأه قليلاً 

***


وفي إحدى الليالي ، حاول زبون معاكسة ديانا بطريقةٍ وقحة.

وحين تجاهلته ، شدّها من ذراعها بقوة..

ليسمعا عجوزاً يقول من الخلف ، بنبرةٍ آمرة :

- خذ طعامك ، وارحل فوراً !!

استدار الرجل غاضباً : :

- ومن انت ايها الخرف ، لتأمرني ؟


فأزاح العجوز طرف معطفه ، مُظهراً مسدسه عند خصره.

ليسرع الرجل بأخذ طعامه ، والخروج من المطعم ..


ثم نصحها العجوز بانتظار شروق الشمس قبل عودتها لمنزلها ، خوفاً ان ينتظرها المتحرّش في الخارج ..

فشكرته على دفاعه عنها .. فقال على عجل :

- فعلت ذلك لأجل آدم

وخرج من المطعم .. دون ان تعرف كيف عرف اسم ابنها ، وهي لم تقابله من قبل!

***


بعد أسبوع .. تشاجرت ديانا مع آدم في طريق عودتهما من السوق بعد رفضها شراء الحلويات له ، لحاجتها توفير المال لإصلاح منزلهما القديم .. فنام باكياً تلك الليلة

^^^


في الصباح ، استيقظ ..ليجد كيساً كبيراً من الحلويات بجانب سريره!

فأراد شكر والدته ، التي وجدها نائمة .. فعاد الى غرفته ، لتناول الحلوى بجانب التلفاز..


وبعد ساعة .. دخلت اليه ، لترى أغلفة الحلوى حوله ! فظنّت انه سرقها من السوق دون علمها ، لكنه أكّد بعدم خروجه من المنزل دون اذنها .. 

فحاولت تجاهل الموضوع ، رغم غرابته ! 

***


لكن الأمر لم يتوقف هنا ، فقد صُدمت بعد ايام بوجود لعبة جنود من النوعية الغالية اسفل سريره !

وعندما استجوبته بحزم .. 

أخبرها ان صديقه جورج العجوز الذي يعيش في خزانته ، هو من احضرها له

امه بعصبية : 

- آدم !! لقد كبرت على الصديق الخيالي.. إخبرني الحقيقة ؟ 


لكنه أصرّ على روايته ! فخافت ان يكون طليقها عرف عنوان منزلها .. مما جعلها تترك كاميرا حاسوبها مضاءة اثناء نوم ابنها ، قبل ذهابها لدوامها المسائي ..

***


في الصباح .. عادت منهكة ، وذهبت مباشرةً للنوم.


وبعد ساعات.. استيقظت على ضحكات آدم.

فدخلت غرفته وهي تعاتبه على رفع صوت التلفاز 

آدم : لم يكن التلفاز .. بل ضحكت على نكات صديقي جورج


وقبل ان تعاقبه على كذبه ، رن جوال ابنها .. ليظهر رقم والده !

فأطفأت جواله على الفور !

ديانا برعب : الم تعدني بعدم الإتصال به ؟ أتريده ان يعرف عنواننا ، ويأتي ليضربني من جديد ؟!

آدم : لم اقل عنواننا .. اخبرته فقط ، ان منزلنا قريب من البحر 


وهنا تذكّرت كاميرا حاسوبها ، فأسرعت الى غرفتها لرؤية التسجيل الليليّ 

لتنصدم بخروج عجوز من خزانة ابنها ، وهو يهمس له :

- لنذهب للمطبخ لإعداد العشاء 


لم يكن وجه العجوز واضحاً بالفيديو ، لهذا أرادت الإتصال بالشرطة .. لكنها تذكّرت ان ابنها اخبرها بامتلاكه مسدس .. فطلبت منه اللعب بحديقة المنزل .. 


وبعد خروج الصغير ، امسكت سكين مطبخ وهي تبحث بخزانة ابنها .. الى ان اكتشفت باباً سريّاً ، خلفه يوجد ادراج تصل لقبوٍّ مظلم !

فنادت بعلو صوتها ، وهي ترتجف رعباً :

- اعرف انك تعيش اسفل منزلي !! اخرج قبل اتصالي بالشرطة 


وإذّ بها تسمع خطوات تصعد الدرج..

الى ان ظهر وجه العجوز على نور جوالها .. 

ديانا بصدمة : الست انت من حميتني من متحرّش المطعم ؟!

العجوز وهو يرفع يديه مستسلماً :

- نعم انا .. رجاءً إبعدي السكين عني

ديانا بعصبية :

- هذا منزلي !! أنا أدفع إيجاره ! ليس من حقك العيش هنا!

- وانا صاحب المنزل الذي خسرته ، لدفع علاج زوجتي المرحومة .. هل يمكننا التكلّم بهدوء ؟ فأنا لست لصاً ، بل ضابط محترم


وعندما عرفت أنه حارب بالفيتنام ، نادت ابنها .. ليجتمعوا معاً بالصالة ، لسماع قصة العجوز الذي أخبرهم انه تم اعتقاله بالحرب ، وأوشك على الموت من التعذيب .. الى ان خاطرت مراهقة فيتنامية لإنقاذه .. وبدوره هرّبها معه الى اميركا .. لكن اهله رفضوا استقبالها .. فعاش معها بهذا البيت بعد ان بنى لها غرفةً سرّية ، خوفاً من ان يقتلها مواطنٌ عنصريّ.. وقدّ زوّد القبو بأجهزة مراقبة ، من كاميرات مخفية بأرجاء البيت وخارجه .. وهذا ما سمح له بحماية آدم من الدخيل تلك الليلة .. كما استفاد من الكاميرات لمعرفة موعد خروجه واختبائه ، قبل عودة ديانا من عملها ..


العجوز : اعتذر منك ، لم استطع التخلّي عن بيتي الذي فيه الكثير من الذكريات مع زوجتي التي ماتت من السرطان بعد تحمّلها عقمي  

ديانا : رحمها الله .. لكن متى بدأت علاقتك بآدم ؟

فأجاب آدم : عدّت يوماً باكراً من المدرسة ، فوجدته بالمطبخ .. 

العجوز : كنت أعدّل على طبخاتك .. يعني ، أضيف بعض البهارات الآسيوية

ديانا : الآن فهمت لما كان طبخي اطيب في اليوم التالي !

آدم : ولا تنسي يا امي انه انقذني من اللصّ .. وبدوري وعدته بكتمان الأمر


العجوز وهو يمسح رأس الصغير :

- مقابل الحلويات والألعاب ، ايها المخادع الذكي

ثم قال لها :

- لديّ اقتراح ، سيدة ديانا ..ما رأيك ان ادفع نصف الإيجار مقابل استردادي غرفة ابنك ، فهي كانت غرفتي انا وزوجتي ..

ديانا : وهل لديك مدخولاً مادياً ؟

العجوز : كانوا طلبوا مني تدريب المجنّدين الجدد ، فرفضت الوظيفة بسبب احتضار زوجتي .. لكني أفكّر حالياً بقبول عرضهم 


وقبل ان تجيبه ، سمعا طرقاً عنيفاً على بابهم 

- افتحي الباب يا ديانا !! اريد رؤية ابني !!

ديانا برعب : هذا طليقي ، وهو سكران كعادته 

فأراد العجوز البقاء معها ، لكنها أصرّت على عودته لغرفته السرّية .. وطلبت من ابنها البقاء في غرفته ..


وما ان فتحت الباب ، حتى انهال عليها بالضرب والشتائم .. مما جعل ابنها يستنجد بالعجوز الذي احضر مسدسه ، مهدّداً طليقها بالطرد من بيته

الطليق باستهزاء :

- أتخلّيتي عني للزواج بهذا الخرف ؟!

لينصدم الجميع بآدم يقول وهو يحتضن العجوز :

- هذا جدي ، يا ابي 

الطليق بدهشة :

- ديانا ! الم تخبريني بوفاته وانت طفلة ؟

فسارع العجوز بالقول :

- امها ادّعت ذلك ، بعد اكتشافها علاقتي بأمرأةٍ اخرى .. لكن بعد طلاق ابنتي منك ، راسلتها وطلبت منها القدوم مع ابنها للعيش معي .. هل لديك مانع ؟


الطليق بعصبية : إبعد مسدسك عن وجهي !! فأنا باستطاعتي مقاومتك بسهولة 

ديانا : لا انصحك ، فوالدي كان ضابطاً عسكرياً .. وهو محترف باستخدام الأسلحة

العجوز : ارحل فوراً ، ولا تعدّ ثانيةً الى هنا 

الطليق : ليس من حقكما حرماني من ابني 

العجوز : إن تعالجت من ادمانك على الخمور ، لن أمنعك من رؤية حفيدي .. والآن اخرج ، فلست بمزاج لدفن جثتك الكريهة


فخرج الرجل مُجبراً من بيت طليقته.. 

بينما حضنت ديانا العجوز ، وهي تشكره على موقفه النبيل 


العجوز : هل غضبتي مني ، لادّعائي بأني والدك ؟

ديانا وهي تمسح دموعها :

- انا لم اقابل والدي ابداً .. ولوّ تخيّلته ، لتمنيته ان يكون قوياً وحنوناً مثلك

العجوز : وانا كان حلم حياتي ، ان يكون لديّ ابنة تتحمّل المسؤولية مثلك 

آدم : وماذا عني انا ؟!

فمسح العجوز على رأسه بحنان : 

- وكان حلمي ايضاً ، ان يكون لديّ حفيد مشاغبٌ مثلك 

***


مرّت الأشهر ، حصل فيها جورج على عمله بتدريب المجنّدين.. وتغيّرت حياة ديانا التي نقلت عملها للدوام النهاريّ ، بعد مساعدة العجوز بمصاريف المنزل .. حتى انها اخبرت زملائها بالعمل ان جورج هو والدها الحقيقي ..

أما آدم ، فأصبح يقضي معظم وقته مع جده الجديد الذي يعلّمه الصيد برحلاتهم البحرية.. بينما تراقب ديانا بسعادة ، تطوّر العلاقة بين العجوز وآدم بشكلٍ لطيف .. وهي تحمد الله على ظهور جارها الخفيّ الذي حرس ابنها ، وحمى بيتها ، وأنقذها من ماضيها العنيف .. ليصبح لديها بالنهاية ، العائلة المثالية التي تمنّتها طوال حياتها !


الاثنين، 7 سبتمبر 2026

نبضات متأخرة

تأليف : امل شانوحة 

دار المسنين


في عزاء جدتها .. جلست سميرة بعيداً عن المُعزّين ، وهي تنظر لصورة جدتها بعينين دامعتين 


فاقتربت منها صديقتها ، في محاولة لتخفيف عنها:

- لما أنت حزينة يا سميرة ؟ فجدتك ارتاحت أخيراً من عذاب مرضها الطويل.. وانت الآن بعمر الثلاثين ، وحان الوقت لتلتفتي إلى حياتك.

فمسحت سميرة دموعها :

- ومن قال إن جدتي اعاقت حياتي؟

- لم أقصد ذلك... لكنك تخصّصتي في التمريض ، للإعتناء بها .. وقضيت عشر سنوات في خدمتها .. والآن يمكنك الإستمتاع بالحياة 

سميرة بحزن :

- هي ربّتني بعد طلاق والدايّ اللذيّن أكملا حياتهما دوني ، وحمتني من الضياع.. ولم اردّ سوى القليل من فضلها عليّ 

- وبدورها اورثتك كل مالها..

سميرة مقاطعة :  

- مستعدة للتخلّي عن اموال الدنيا ، إن كان هذا سيعيدها الى حياتي 


بهذه الأثناء .. سمعتها إحدى المُعزّيات ، فاقتربت من سميرة وهي تقول :

- آسفة على تدخلي... لكن لديّ اقتراح يغيّر حياتك.


وأخبرتها بأنها موظفة في دار مسنين ، يعيش نزلائها العجائز حياةً قاسية 

..واقترحت على سميرة (كونها درست التمريض) ان تتطوّع للعمل هناك ، لتحقيق آخر آمانيهم بالحياة 

فأخذت سميرة منها رقم الدار ، وهي تعدّها التفكير بالأمر

***


في تلك الليلة ، شاهدت سميرة جدتها في المنام ..وهي تقول :

((هم بحاجة اليك .. عامليهم ، كما عاملتني يا صغيرتي))


وبسبب المنام ، تقدّمت مع بداية الشهر للعمل في دار المسنين.

فرفضت الإدارة طلبها ، بحجة عدم وجود وظيفة شاغرة.. 

لكن تبرّعها بجزء من ثرّوة جدتها للدار ، جعل المديرة تعيينها مُشرفة على بقيّة الممرّضات.. وهذا اعطاها حرّية التعامل مع النزلاء 

***


في البداية ، اكتفت سميرة بمراقبة الوضع من بعيد ..

وما رأته أحزنها جداً : 

فهناك خمسون مسناً يعيشون في غرفٍ منفردة ، يأكلون طعاماً بلا نكهة او طعم ، ويقضون معظم ساعاتهم في أسرّتهم بانتظار موتهم !

بينما تُنفّذ الممرّضات مهامهنّ على عجالة ، دون حديث أو تواصل إنساني.


فكان على سميرة اولاً ، قراءة ملفات النزلاء .. 

ومن بعدها ، خصّصت وقتاً لكل واحداً منهم .. الى ان عرفت قصصهم جميعاً 


فإحدى العجائز : عملت طبّاخة ماهرة ، قبل أن يؤول مطعمها الشعبي إلى حفيدها الذي نسِيها.

اما زميلتها : فعملت طوال حياتها بصنع الحلويات مع عائلتها التي تخلّت عنها بعد كبرها بالسن  !

والأخرى : بارعة في حياكة الصوف ، رغم آلام مفاصلها.

والرابعة : نشأت في مزرعة .. جعلتها خبيرة بالحيوانات ، خصوصاً المواشي


وهناك ايضاً رجلٌ عجوز موهوب بالرسم .. لكن منذ دخوله الدار لم يُسمح له بمسك الفرشاة ، منعاً للفوضى ! 

والآخر : كان ضابطاً صارماً بالحرب الأهلية.. وعصبيته الزائدة جعلت ابنائه يتخلّون عنه ، ونادراً ما يزورونه ! الشيء الوحيد الذي كان يهدّئه هو الشيشة ولعب الطاولة ، لكن الإدارة منعتهما عليه .. فصار نزيلاً لا يطاق ، لدرجة ان الممرّضات يحرصن على الإبتعاد عنه قدر الإمكان


اما اصغر النزيلات : فكانت بسن الستين ، كرّست حياتها لرعاية امها التي ماتت بعمر المئة.. ولعدم وجود من يعتني بها بعد إصابتها بالسكّري ، قدمت للدار طواعيّة ، بعكس النزلاء الآخرين.. 

اما اكبرهن سناً : فتجاوزت التسعين ، وحلمها الوحيد هو رؤية اصغر احفادها المتعلّقة به جداً.. 


بينما هناك نزيلة ، نادراً ما تتحدث مع الآخرين .. لتكتشف سميرة بانها موهوبة بتأليف القصص المتنوعة .. ولديها عشرات المؤلّفات التي احضرتها معها الى الدار ، دون ان تجرؤ يوماً على نشرها 

***


وذات صباح .. اعلنت المديرة للموظفين عن اجازتها لمدة شهر ، للإعتناء بوالدتها المريضة في القرية .. وهذا ما اعطى الفرصة لسميرة لتنفيذ خطتها .. فجمعت بقيّة الممرّضات ، وهي تقول لهن :  

- اعرف أن بعضكن يظن أنني حصلت على منصبي بعد تبرّعي للدار ، وربما معكن حق.. لكني لا أريد السيطرة على هذا المكان ، بل أريد ان تساعدونني بتغيره نحو الأفضل .. طلبي الوحيد هو السرّية التامة ، لحين عودة المديرة من اجازتها


ورغم ان معظمهن لا يحبونها .. لكن طالما ستتحمّل المسؤولية وحدها ، فلا مشكلة من مساعدتها

***


في صباح اليوم التالي .. دخلت سميرة الى غرفة الطبّاخة العجوز ، وهي تسألها عن رأيها بطعام الدار ؟ 

فأجابتها بامتعاض : 

- أتسمين تلك القذارة طعاماً؟

سميرة : اذاً ما رأيك ان تطعمي زملائك من وصفاتك اللذيذة ؟

العجوز : إقترحت ذلك مراراً على المديرة .. لكنها رفضت ، خوفاً من اذية نفسي بالسكين والنار ، كأني طفلةً بلهاء ! 

سميرة : هي بإجازةٍ الآن ، وانا المسؤولة عن الدار .. وسأساعدك مع بعض الممرّضات في المطبخ .. لكن عليك اولاً ان تخبريني بالأغراض التي تحتاجينها لقائمة الغداء ، على ان تحسبي الموظفين الثمانية ايضاً .. فنحن سنشارككم الطعام هذا اليوم .. كل ما عليك فعله هو اعطائنا تعليمات الطبخ ، وانا وزميلاتي ننفّذ طلباتك بالحرف الواحد 


فابتسمت العجوز لأول مرة منذ سنوات ، وهي تقول بحماس : 

- اذاً استعدوا لأشهى وليمة أكلتموها في حياتكم.. بشرط !! ان تساعدني زميلتي بإعداد صينية الكنافة ، فهي خبيرة بالحلويات

سميرة : موافقة ، وسأحرص ان تكون كمية السكر مناسبة لصحة الجميع

^^^


في وجبة الغداء.. ضجّت القاعة بالضحك والأحاديث الدافئة ، وسط أجواءٍ منزلية أبهجت الجميع.

لكن فرحتهم لم تدمّ طويلاً ، بعد دخول الطبيب الى القاعة.. والذي تفاجأ بالأكل الدسم والحلويات ! جعله يستدعي سميرة الى مكتبه غاضباً 

***


في مكتبه .. وبخها على تهوّرها : 

- تغيّبت ليومين فقط .. لتقومي بإطعام مرضى السكّري والضغط أطعمةً غير صحية ، مُعرّضةً حياتهم للخطر !!

سميرة : اليأس هو ما يقتلهم حقاً .. وتلك السعادة التي رأيتها على وجوههم ، هي التي ستحسّن نفسيّاتهم وصحتهم.. وإن كنت لا تصدّقني ، يمكنك فحصهم 

الطبيب : سأفعل بعد قليل .. وان ساءت حالتهم ، ستعاقبين على غلطتك المُستهترة

^^^


وبالفعل قام الطبيب بفحص ضغطهم وسكرهم ومؤشراتهم الصحيّة ، ليتفاجأ بتحسّنهم عن الفحص الماضي ! 

سميرة : قلت لك !! السعادة هي علاجهم

فتنهد الطبيب : 

- لكن هذا لا يعني أن نعطيهم السكر والملح بلا حساب.

سميرة : لا تقلق بهذا الشأن ، فصحتهم تهمّني .. لكني بالمقابل لن أقتل أرواحهم بحجّة حماية أجسادهم.

الطبيب : بجميع الأحوال ستتحمّلين وحدك المسؤولية امام الإدارة واهالي النزلاء

سميرة بتحدّي :

- أقبل بكل سرور !! 

***


في الأيام التالية .. حرصت سميرة على تحقيق أمنيات النزلاء الواحدة تلوّ الأخرى: 

حيث جمعت كبيرتهن مع حفيدها المفضّل ، بعد دفعها رشوة لأمه العنيدة (دون علم الجدة)

اما النزيلة الأخرى ، فاشترت لها قطة صغيرة ، لعشقها للحيوانات .. وهذا ما اعاد ضحكتها من جديد 

اما العجوز الأخرى : فاحتضنت سميرة شاكرةً على هديتها ، بعد ان اعطتها سنّارة وسلّة مليئة بالأصواف الملونة ، لمهارتها في الحياكة .. وبدورها وعدت سميرة بكنزةٍ وردية ، تناسب رقتها وطيبة قلبها 

اما العجوز الرسّام ، فأهدته لوحات وألواناً..فوعدها أن تكون اول رسماته .. حيث انشغل بالتلوين في غرفته وهو يدّندن فرحاً ، كطفلٍ سعيد بلعبته !


اما العانس الستينية ، فقد حققت حلمها بلبس فستان العرس .. 

حيث أقام النزلاء عرساً رمزياً لها .. بينما العروس تتراقص بخفة على انغام الموسيقى  

اما النزيلة الإنطوائية : فوعدتها بالتكلّف مادياً بنشر جميع قصصها ، ضمن كتبٍ تباع في المكتبات .. فطلبت العجوز ان تمهلها بعض الوقت ، لمراجعة القصص قبل تسليمها لدار النشر.. وبذلك امضت وقتها في غرفتها ، بتصحيح المسودّات التي كتبتها منذ وقتٍ طويل 

اما الضابط القاسي : فأهدته طاولة الزهر وشيشة ، بعد ان سمح له الطبيب بساعةٍ واحدة لتدخين يومياً .. والتي حسّنت مزاجه بشكلٍ ملحوظ ، جعلته يندمج في منافساتٍ مسلّية مع زملائه


وبذلك تحوّل الدار الى بيتٍ كبير مليء بضحكات العجائز الذين زادت روابط الصداقة بينهم بالأيام التالية

*** 


وذات يوم ، دخلت سميرة الى مكتب الطبيب ..لتجده ينهي المكالمة غاضباً 

سميرة : آسفة ! سآتي لاحقاً 

الطبيب وهو يحاول تهدئة نفسه : لا بأس ، ماذا تريدين ؟

- أريدك ان تمنع الممرّضات من إجبار النزلاء على ارتداء الحفاضات ، ما داموا قادرين على استخدام الحمام..

- إقتراحك ممكن نهاراً ، لكن ماذا عن الليل؟

سميرة : طلبت شراشف خاصة للحالات الطارئة.

- هذه الطلبيات مُكلفة مادياً  

- لا تقلق ، كلّه على حساب شركة جدتي 

- لا اريدك ان تنفقي ثروتك على هذا المكان.

سميرة : طالما سيسعد النزلاء ، فلا مشكلة عندي 

فتنهد بقهر : ليت كل النساء مثلك.

- اراك حزيناً .. هل تعاني مشكلة مع طليقتك ؟

الطبيب بضيق : هي تمنعني من رؤية ولدايّ ، بحجة عملي المرهق 

سميرة : اذاً إحضرهما إلى هنا ، فالعجائز يحبون الأطفال.. وبذلك تراهما دون ان يشغلانك عن عملك

طبيب : ابني في العاشرة وابنتي في السابعة ، ولا ادري ان كانا..

مقاطعة : صدّقني ، وجودهما سيفرح الجميع..  

***


في اليوم التالي ، جاء الولدان .. وسرعان ما اندمج الصبي مع اصعب النزلاء ، خصوصاً بعد إحضاره لعبة الجنود .. حيث بدأ الضابط بترتيبها بدقة على طاولته .. بينما يستمع الولد باهتمام لتفاصيل المعركة التي يرويها العجوز بحماس وهو يشرح خططه العسكرية.

أما الصغيرة : فجلست امام الكاتبة التي سردت لها اجمل قصة خيالية من تأليفها .. جعلت الطفلة تشجّعها على تحويلها الى كتاب مليء بالرسومات ، لتريها لزميلاتها بالمدرسة !


ورغم امضاء الطفلان ثلاث ساعات بالدار ، الا انهما لم يشعرا بالوقت وهما يتنقلان من نزيلٍ لآخر .. مما اسعد والدهما ، لسرعة اندماجهما مع العجائز الذين عدّوهما حفيداهما  

***


قبل نهاية الشهر .. حقّقت سميرة أمنية أخرى بعد نشرها قصص العجوزة ، مُوزعةً نسخاً منها على الموظفين والنزلاء .. مما ابكى النزيلة فرحاً ، بعد تحقيقها حلماً طال انتظاره 

***


وبعد ايام ، نفّذت سميرة آخر مفاجآتها.

بعد طلبها من العجائز التوجّه لحديقة الدار .. ليجدوا هناك ، لعبة تشبه الأفعوانية تدور ببطء حول المكان .. فتسابقوا على الركوب فيها .. 

وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم يتنزهون داخلها ، وضحكاتهم تملأ المكان


بينما الطبيب يراقبهم من نافذة مكتبه ، وهو يشعر بالفخر من إنجازات سميرة التي تكبر بعينه كل يوم 

***


وقبل عودة المديرة بيومٍ واحد ، أخذتهم سميرة في نزهةٍ قصيرة.

أكلوا فيها المثلّجات ، والتقطوا الصور ، وغنوا بحماس داخل الحافلة.

***


لكن في صباح اليوم التالي .. تعرّضت الكاتبة العجوز لوعكةٍ صحيةٍ طارئة ، نُقلت على إثرها إلى المستشفى.. حيث وافتها المنية ، قبل وصول المديرة بساعة ! ليعمّ الحزن الدار.


وقد حاول الطبيب مواساة سميرة التي لامت نفسها على النزهة التي أرهقت الكاتبة الراحلة ، قائلاً لها :

- هي ماتت سعيدة ، بعد تحقيقك اغلى امانيها.. ثم قصصها ستجعل اسمها خالداً في عقول الأجيال الجديدة 


لكن هذا لم يكن رأيّ المديرة التي غضبت كثيراً من التغيرات التي حصلت بالدار في غيابها !

صارخةً على سميرة في مكتبها :

- انت خالفتِ أنظمة الدار ، وأدخلتِ أطعمة ممنوعة ، وأحضرتِ الحيوانات ، وأقمتِ الحفلات ، وأحضرت العمّال لتركيب لعبة سخيفة بالحديقة ! وأخذت العجائز بنزهة لساعاتٍ طويلة ، أدّت لموت احدهم من شدة الإرهاق .. 

سميرة والدموع في عينها :

- معك حق .. لقد اخطأت فعلاً ..


وفضّلت عدم الدفاع عن نفسها ، بل نزعت بطاقة عملها بهدوء .. وقدّمت استقالتها ، لتخرج من المكتب دامعة العينين.

^^^


ثم توجهت سميرة الى غرفتها لترتيب اغراضها ، بينما وصل خبر إستقالتها للجميع 


وقبل خروجها من الدار .. تجمّع العجائز حولها ، وهم يطالبونها بعدم تركهم وحدهم 

قائلةً احدى النزيلات :

- انت من جعلتني ارى احفادي من جديد

الرسّام : وانا استعدّت موهبتي التي اوشكت على نسيانها

الضابط : وانا خفّت عصبيتي بسببك 

الطبّاخة : وانا جعلتني اطبخ من جديد.. كما حققتي حلم زميلتي بطباعة قصصها .. رجاءً لا تتخلي عنا .. فالحياة بالدار مملّة من غيرك 


فردّت سميرة بحزن : سامحوني جميعاً .. يبدو ان دوري معكم ، انتهى هذا اليوم 

ثم نظرت للطبيب :

- سلّم لي على اولادك 

وحملت حقيبة ملابسها ، وخرجت من الدار حزينة

***  


بعد رحيلها ، عادت الكآبة تُخيّم على الدار بعد إلغاء المديرة جميع الأنشطة ، وإعادة الأوضاع الصارمة والوجبات الغير لذيذة ! 

***


وخلال أسابيع قليلة ، تدهوّرت الحالة الصحية والنفسية للنزلاء بشكلٍ ملحوظ ! مما ازعج الطبيب الذي واجه المديرة بجرأة:

- هل كنتِ تفضلين عيش امك تجربة نزلاء الدار ؟ سميرة من أعادت لهم إنسانيتهم ، واستفادت من خبراتهم وتجاربهم ، دون إشعارهم بأنهم اشخاص منتهي الصلاحية .. أرجوكِ أعيديها ، فالجميع هنا بحاجة إليها

فطلبت المديرة وقتاً لتفكير بالموضوع 

***


وفي اليوم التالي ، جاء أطفال الطبيب إلى الدار..

وعندما علما برحيل سميرة ، عاتبا والدهما :

- لما لم تصرّ على بقائها هنا ؟

الطبيب : لم يكن بيدي فعل شيء 

لتفاجئه ابنته : هي امي الثانية ، لم تركتها تذهب 

الطبيب بدهشة : كنت اريدها فعلاً ان تصبح امكما ، لكني خفت ان يغضبكما ذلك !

ابنه : لا ابي ، نحن نحب الآنسة سميرة كثيراً .. إتصل بها ، لكيّ تعود الى هنا .. فنحن لم نرها منذ مدةٍ طويلة !

ابنته : نعم ابي ، اشتقنا اليها كثيراً 

الطبيب بابتسامة : اذاً سأتصل بها الآن

***


في وقت العصر .. وافقت سميرة على مقابلة الطبيب في الحديقة العامة 

وهناك سألته عن احوال الدار ؟

الطبيب : للأسف ، عاد كل شيء كما كان

سميرة بضيق : اذاً ضاع كل تعبي.

- لا اظن .. فالمديرة تفكّر جدّياً باعتماد طريقتك 

سميرة بدهشة : أحقاً؟

- نعم .. وعلى فكرة ، جميع النزلاء يوصلون سلامهم اليك .. حتى اولادي اشتاقوا اليك 

فسألته بابتسامةٍ ماكرة : فقط اولادك ؟

فأجاب بتردّد : وأنا أيضاً.. رجاءً عودي.

سميرة : الأمر متوقف على قرار المديرة 

- لا تقلقي ، سنجبرها على الموافقة 

ثم وقف وهو يقول : 

- وعندما تعودين... لديّ أمرٌ آخر أريد محادثتك بشأنه.

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأت المديرة بتجمّع النزلاء في الحديقة ، وهم يعلنون إضرابهم عن الطعام والدواء ، لحين عودة سميرة الى الدار ! 

وكان الطبيب واولاده معه .. 

حتى الممرّضات اللواتي عارضنها في البداية ، وقفن الآن في صفها!


فرضخت المديرة لمطالبهم بعد تضامنهم القوي ، خصوصاً ان موظفة التفتيش ستأتي للدار بعد ايام 

فتعالت تهليلات النزلاء وتصفيقهم ، فرحاً بقرارها .. ومع ذلك لم يقبلوا تناول الغداء الا من يد زميلتهم الطبّاخة ..


حيث شاركتهم المديرة لأول مرة الطعام في القاعة .. وقد أعجبتها الوجبة كثيراً ، لتشابه المذاق مع طبخ والدتها المرحومة.. 

وبسبب ذلك وكّلت العجوز بالمطبخ رسمياً ، بعد ان وعدتها بتعيين مساعدات لها .. بشرط الإلتزام بكميات السكر والملح المناسبة لكل مريض.

***

وفي يوم عودة سميرة ، تفاجأت بمكاتب وغرف الدار فارغة ! 

وعندما خرجت للحديقة ، وجدتهم مجتمعين هناك بملابسهم الأنيقة.

مع وجود كيكة كبيرة على الطاولة !


وأحد العجائز بزيّ الشيخ وهو يحمل دفتراً كبيراً ، ويقول :

- كنت كاتباً بالمحكمة الشرعية قبل تقاعدي .. وقد حصلت على اذنهم اليوم ، لعقد الزواج 

سميرة بارتباك :

- زواج من ، يا عم؟!



فتقدّم الطبيب منها ببذلته الرسمية .. ثم جثا على ركبته، مخرجاً خاتماً ذهبياً: 

((سميرة.. زميلتي الرائعة التي أنفقت ثرّوتها وقلبها لإسعاد الآخرين ، وحنانك الذي غمر طفلايّ.. هل تقبلين الزواج مني؟))


وقبل ان تجيبه ، صرخ ولداه وهما يقفزان بحماس : 

- رجاءً وافقي!!

فضحك الجميع.


إحمرّت وجنتا سميرة .. ثم ابتسمت بوجه الطبيب :

- نعم .. موافقة 

فصفّق الجميع لهما بسعادة 


بينما فتح الشيخ دفتره ، وهو يناديهما للجلوس بجانب الشاهدين : ((الضابط ، والرسّام)) :

- اذاً لنكتب الكتاب في الحال 


وبعد دقائق ، قال الشيخ بصوتٍ عالي : 

- أعلنكما زوجاً وزوجة !! 

فتعالت الزغاريد والتصفيق.


وهنا قال الطبيب لزوجته :

- كنتِ طوال الشهر الفائت تحققين اماني الجميع ، فهل تحققت امنيتك اليوم ؟

سميرة بابتسامة : نعم ، فقد اصبحت لديّ عائلة كبيرة

وهنا تذكّرت كلام جدتها : 

((لكلٍ منا رسالة بالحياة .. فحاولي ان تجدي مكاناً تنثرين فيه لطفك وحبك))


وهاهي اليوم وجدت مُهمّتها الحقيقية التي خُلقت لأجلها ، مُحققةً أمنية جدتها الراحلة على أحسن وجه.


شوربة العدس

تأليف : امل شانوحة  الحصّالة النقدية  - أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دور...