الأحد، 9 أغسطس 2026

قصص محمد بيومي آل غلاب في مدونتي

قصص مشتركة : من أفكار الأستاذ محمد ، وكتابة أمل شانوحة


1- كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الأول 

https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_15.html

كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الثاني

https://www.lonlywriter.com/2018/05/blog-post_6.html

كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الثالث 

https://www.lonlywriter.com/2018/05/3.html


2- سحر وراثي

https://www.lonlywriter.com/2020/10/blog-post_6.html


3- ألحان من عالم آخر

https://www.lonlywriter.com/2017/10/blog-post_13.html


4- جبل الذهب

https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_29.html


5- معركتي مع المارد

https://www.lonlywriter.com/2017/10/blog-post.html


6- التميمة الملعونة

https://www.lonlywriter.com/2025/10/blog-post_29.html


قصص من تأليف محمد بيومي آل غلاب :


7- البستاني الصامت

https://www.lonlywriter.com/2025/12/blog-post_30.html


8- اللعنة العلمية

https://www.lonlywriter.com/2026/01/blog-post.html


9- أشرعة الحرية

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post.html


10- العهد الأسود

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_06.html


11- رماد الأكوان

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_09.html



رماد الأكوان

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

احتراق الأبعاد


في القرن الخامس والثلاثين، وتقريباً عام 3450 للميلاد، كان البشر يسكنون السدم الاصطناعية، لكن طرأت مشكلة في مادة الكون. 

فقد اكتشف العلماء أن النسيج الزمكاني بدأ يتأكسد. 

الفضاء يحترق فعلياً، لكنه لا يحترق بنار الأوكسجين التي نعرفها، إنه يحترق بنار الـ entropy الاعتلاج التي تأكل الأبعاد.


كانت الكابتن نايا تراقب من نافذة سفينتها إيغدراسيل منظراً مرعباً، فقد رأت وهجاً أرجوانياً باهتاً يلتهم النجوم. 

النجم الذي يلمسه هذا الوهج لا ينفجر، إنه يذوب كشمعة، تاركاً وراءه فراغاً أبيض بارداً.

أصدر جهاز الذكاء الفضائي صوتاً:

هذا ليس مجرد حريق يا نايا، إن الفضاء نفسه يحترق، القوانين الفيزيائية التي تثبت الجزيئات معاً بدأت بالتفكك. 

ردت نايا بتوتر: كان الفضاء قديماً يُعرف بسكونه القاتل، لكنه الآن يصرخ، فالقطاع الذي فيه السفن الفضائية لم يعد مظلماً؛ لقد استحال إلى جحيم مستعر من البلازما الأرجوانية التي تلتهم المادة والزمن.


خلف الستار الملتهب، ظهرت كائنات من الطاقة المظلمة المكثفة داخل دروع من مادة لا توجد في جدولنا الدوري، كائنات يطلق عليها المطهرون، تبدو سفنهم كأسراب من الجراد المعدني العملاق، وهذه الكائنات تطلق خيوطاً حارقة تمزق الروابط الذرية للأشياء، محولةً الكواكب الصلبة إلى سحب من الغاز المشتعل لتتغذى عليها.

بينما كانت الكابتن نايا وزميلها المهندس سام يحاولان الصمود على متن السفينة إيغدراسيل، التقطوا إشارة من كويكب مهجور، فاتجهوا سريعاً إلى الكويكب. 


بعد الهبوط في الكويكب تتبعوا الإشارة، فوجدوها صادرة من قبو مهجور، فبحثوا عن مكان القبو حتى وجدوه، فخرجت امرأة عرفت نفسها لهم بـ إيلارا، وهي عالمة فيزياء خمسينية، كانت تُعتبر مجنونة لأنها تنبأت بهذا الحريق قبل عقود.

كانت إيلارا تبدو شاحبة، عيناها تعكسان ضوءًا فضياً غريباً. 

قالت بصوت يرتجف بوقار:

أنتم تحاولون إطفاء حريق بمسدس ماء، المطهرون لا يحرقون الفضاء لأنهم أشرار، هم يفعلون ذلك لأن كونهم الأصلي قد مات، وهم يحاولون تحويل كوننا إلى بيئة حرارية تناسب بقاءهم.

سام: وما العمل؟ أساطيلنا تتبخر!

إيلارا: مفتاح التغلب على المطهربن ليس في القوة، سنتغلب عليهم بالتردد، فلديهم قلب مركزي يسمى النواة الحارقة، إذا استطعنا إدخال فيروس فيزيائي يغير ثبات الجاذبية هناك، سينهار الحريق على نفسه.


أقلعت سفينة إيلارا مع إيغدراسيل من الكويكب، واجتمعت بقايا الأساطيل البشرية حول إيغدراسيل، آلاف السفن ضد ملايين الجراد المعدني، كان المشهد مهيباً، فالسماء مشحونة ببرق كوني لا يتوقف.

نايا عبر أجهزة اللاسلكي: إلى كل الطيارين، نحن لا نقاتل من أجل الأرض اليوم، نحن نقاتل من أجل حق الكون في البقاء بارداً ومظلماً! احموا سفينة إيلارا حتى تصل إلى المركز!


بدأت المعركة، كانت سفن البشر تسقط كالفراشات المحترقة، أما سفن المطهرين كانت تمر عبر الدروع وكأنها سكاكين ساخنة تمر في الزبدة.

فجأة، اهتزت السفينة إيغدراسيل بعنف أطاح بالجميع أرضاً، وظهر بث مباشر لكن كان في أذهانهم كصوت حاد غير مسموع داخل رؤوسهم:

(الصمت كان جميلاً، لكن المادة هي الشوائب التي تعيق نقاء الكون، نحن النار، وأنتم مجرد وقود سيتلاشى لتبدأ شمسنا الأبدية). 

سام وهو يمسك برأسه: كابتن! إنهم داخل عقلي! النظام الدفاعي ينهار، الحرارة الخارجية وصلت لدرجة صهر التيتانيوم. 


وخلال ثوانٍ انفجر المحرك الأيمن! صرخ سام: إنهم يحيطون بنا!

نايا: إيلارا، هل أنتِ جاهزة؟

ردت إيلارا بحاسوب مركبتها ذهنياً: خمس ثوانٍ... النواة أمامنا مباشرة!. 


وسط ألسنة اللهب التي كادت تذيب هيكل إيغدراسيل، ظهرت النواة الحارقة، وهي كرة شمسية هائلة الحجم، تدور حولها آلاف الكائنات الطاقية كأنها في طقس ديني مخيف.

أطلقت إيغدراسيل القذيفة التي صممتها إيلارا، عندما وصلت القذيفة إلى النواة لم تنفجر مباشرة، فقد حصل سكون مطبق، وفجأة، بدأت الألوان الأرجوانية تبهت، والحرارة تنخفض بشكل حاد.

إيلارا: لقد غيرتُ قوانين الفيزياء حول النواة... الفضاء بدأ يرفض وجودهم.


بدأ المطهرون يصرخون بشكل جماعي، صرخة تردد صداها في عقول الطاقم، ثم بدأت أجسادهم تتفتت إلى غبار بارد، لكن الثمن كان باهظاً؛ فالسفينة إيغدراسيل كانت في قلب الانهيار الجاذبي.

سام: نايا.. الجاذبية تسحبنا للداخل! سنختفي معهم!

نايا بابتسامة هادئة: على الأقل، سنختفي في فضاء بارد وسلام.


وفي هذه الأثناء حدثت المعجزة. 

فبعد أن غيرت إيلارا قوانين الفيزياء وتفتت أجساد المطهربن؛ لأنهم من مادة مظلمة رفض الفضاء وجودهم بعكس مركبات البشر، فقد نجت سفينة إيغدراسيل ومئات السفن الفضائية من الانهيار والتلاشي.


بعد حوارات ومناقشات بين السفن الفضائية عبر الذكاء الفضائي، اقترحوا التوجه نحو الثقب العظيم، وهي نقطة يُعتقد أنها تؤدي إلى كونٍ فتيّ لم يمسه الحريق بعد. 

كانت الرحلة سباقاً مع الزمن، خلفهم.. كانت مجرة درب التبانة تتلاشى، لتتحول إلى سحب من الغبار المتوهج... إلى رماد كوني.

بينما كانت السفينة تعبر سديم الأندروما، رأوا أن الأجرام تحولت إلى ذرات، والذرات إلى مجرد ذبذبات تائهة.


وصلت سفينة إيغدراسيل مع عشرات السفن المتبقية إلى حافة الثقب العظيم. نظرت نايا خلفها للمرة الأخيرة، فلم يعد الفضاء بالمعنى المعروف، فقط مساحات شاسعة من الرماد البارد الذي يملأ ما كان يوماً ما سماءً مليئة بالنجوم.

لقد انتهى عصر الضوء، وبدأ عصر الرماد.


عندما عبرت السفينة إلى الجانب الآخر، وجدوا فضاءً صامتاً، ينتظر أول ذرة لتشتعل فيه الحياة.

خمد الحريق بعد مئات السنين، وعاد الفضاء أسود كما كان، لكنه لم يعد فارغاً، الرماد الذي خلفه الاحتراق بدأ يتجمع ليشكل نجوماً جديدة، نجوماً زرقاء غريبة لم يرها البشر من قبل.


في سجلات التاريخ الكوني، كُتب أن احتراق الفضاء كان النهاية لعصر، والبداية لكونٍ هجين، حيث تعلم البشر أن النور ليس دائماً علامة على الحياة، وأن الظلام قد يكون أحياناً هو الملاذ الأخير.


السبت، 8 أغسطس 2026

وريث الشيطان

تأليف : امل شانوحة 

تربية امي


وقف مراهقٌ عربي (18 سنة) أمام عجوزٍ اوروبيّ ، داخل مكتبٍ فخم وهو يرتجف خوفاً .. بعد اختطافه من رجالٍ مجهولين ، نقلوه بطائرةٍ خاصة الى ايطاليا !

حيث قال العجوز والسيجار بفمه :

- أظن والدتك علّمتك لغتنا ، طالما درست في جامعتنا ؟

فأجاب المراهق بصوتٍ مرتجف:

- نعم سيدي 

- وهل تعرف من أكون ؟

- لا اعرفك ، ولا اعرف لما انا موجودٌ هنا ! فقد كنت بطريقي الى جامعتي ، قبل ان يخطفني رجالك 

العجوز : وماذا تدرس ؟

- المحاماة 

فردّ العجوز بحزم : لا !! هذا الإختصاص يعارض عملي


ورغم استغراب الشاب من ربط دراسته بعمله ! الا انه سأله بقلق :

- وماهو عملك سيدي ؟!

فردّ العجوز بفخر : رئيس المافيا الإيطالية

فبلع الشاب ريقه برعب ! قبل ان يتابع العجوز اسئلته :

- إخبرني قليلاً عن حياتك ؟

فأجاب المراهق بنبرةٍ حزينة :

- عشت يتيماً منذ صغري .. أما أمي ، فماتت قبل أيام .. بعد ان صدمتها سيارةٌ مسرعة ، دون عثور الشرطة على السائق المتهوّر الذي ..

العجوز مقاطعاً بلؤم : انا من ارسلت ذلك السائق 

المراهق بصدمة :

- انت قتلت أمي ؟! 

- قتلت الخائنة التي عادت مع إبني الصغير الى بلدها دون اذني 


صرخ المراهق بعصبية : 

- عن من تتكلّم ؟!! ابي مات قبل ولادتي 

- امك كذبت عليك ، لتحميك مني .. فأنا رأيتها بالصدفة اثناء ذهابها الى جامعتها ، وأعجبني حياؤها وتمسّكها بحجابها.. فأمرت رجالي بخطفها.. ولليوم اعتبرها أشرس امرأة عرفتها بحياتي ، لشدّة مقاومتها لي ! وبالنهاية حجزتها في قبو قصري ، لحين ولادتك ..وعندما بلغت السادسة ، ساعدها أحد حرّاسي للهرب معك إلى المغرب.. وقد دفع ذلك الحارس حياته ، ثمناً لخيانته

فصرخ المراهق غاضباً :

- ايها اللعين !! بأيّ حق تُدنّس شرف امي ؟


فردّ العجوز ببرود :

- دعك من الماضي ، فهي ماتت وانتهى امرها .. المهم الآن !! أحضرتك الى هنا للإنتقام لأخيك الكبير الذي قُتل على يد العصابة المنافسة .. ولأنك وريثي الوحيد .. سأعيد تأهيلك وتدريبك ، لحين توليّك زعامة المافيا من بعدي.

فقال المراهق بحزم:

- أفضّل الموت على أن أصبح مجرماً مثلك !!

- يبدو أن أمك لم تحسن تربيتك ، لتهين والدك هكذا 

ثم نادى حرّاسه لسجنه بقبو القصر ، لبدء تجهيزه لمهام عصابته القادمة

***


وبدأت سنوات جحيم المراهق ، كأنه داخل معسكر إعتقال .. خضع فيه كل يوم لتدريباتٍ عنيفة على القتال والرماية والدفاع عن النفس.. 

وفي المساء ، يُجبر على حفظ معلوماتٍ خطيرة من ملفاتٍ ضخمة : عن طرق تهريب الأسلحة ، وغسل الأموال ، وتجارة المخدرات ، وأساليب السيطرة على العصابات المنافسة 

وإن رفض التعلّم ، يُعاقب بالحرمان من الطعام أو الجلد أو الحبس داخل خزانةٍ حديديةٍ ضيّقة .. وبذلك استطاعوا كسر عناده .. لكنهم فشلوا في الوصول إلى روحه التي حصّنتها أمه بالقيم الدينية 


ولأنه ادرك خطورة مواجهتهم .. تظاهر بالإندماج والحماس لأفكارهم الشريرة ، لإنهاء كابوسه الذي استمرّ ثلاث سنوات !

*** 


ببلوغه سن 21 ، حان وقت امتحانه النهائي.. وحضر العجوز اختبارات ابنه القتالية والتخطيطيّة التي اجتازها الشاب ببراعة ، أذهلت افراد العصابة ! 


فأخذه والده الى مكتبه للإحتفال بنجاحه ..

وهناك قال العجوز ، وهو يملأ كأس الخمر :

- اخيراً اصبحت الإبن الذي حلمت به دائماً .. فأخوك الأكبر ضيّع حياته على القمار والنساء الرخيصات .. اما انت !! فأفضل منه بكثير ، وتستحق زعامة المافيا من بعدي


ثم شرب قليلاً من خمره ، قبل ان يكمل كلامه :

- والآن !! حان وقت مهمّتك الأولى.. عليك قتل ابن زعيم العصابة المنافسة ، إنتقاماً لأخيك


وقبل البدء بشرح خطته ، إختنق بنوبة سعالٍ عنيفة.. وتحوّل وجهه للون الأزرق ! فأمسك جواله ، لاستدعاء الحرس لإسعافه .. 


لكن ابنه فاجأه بسحب الهاتف من يده ، ورميه بعيداً .. وهو يقول بصوتٍ منخفض :

- لا داعي لأن ألوّث يدي بالسلاح او الدهس ، كما فعلت بأمي .. يكفي وضع السم في شرابك ، لتخلّص من شرورك.. ولا تقلق ، فلا احد من رجالك او معارفك سيطالب بتشريح جثتك ، لأن موتك هو نهاية كابوسهم .. ولهذا ساعدني احدهم بإحضار السمّ الذي وضعته بشرابك ، قبل خروجك من حمام مكتبك .. اما عن أموالك : فسأتبرّع بها للجمعيات الخيرية ، لأني لا اريد مالك الحرام .. وبالنسبة للمعلومات الخطيرة التي أجبرتني على حفظها طيلة السنوات الماضية : فسأرسلها لإيميل الشرطة الإيطالية ، للقبض على رجالك وأنصارك ، وحتى اعدائك.. ولن انتظر انتهاء مراسم دفنك وعزائك ، بل سأعود فوراً إلى بلدي الذي سأعيش فيه مُحترِماً الدين والقانون ، كما ربّتني امي  


فحاول العجوز بما تبقى من قوته النهوض عن كرسيه ، لخنق ابنه .. لكن قواه خارت فجأة .. ليسقط جثةً هامدة ، خلف مكتبه الفخم ! 


وبعد ان هدأ الوضع ، وتنفّس الشاب الصعداء.. 

أخرج من محفظته : صورة والدته المُحجبة .. وهو يقول ، والدموع بعينيه: 

- هآ انا تخلّصت يا امي من الوحش الذي سرق حياتنا .. إنتقمتُ منه ، دون السماح له بتدمير القيم الدينية التي ربّيتني عليها 


ثم مسح دموعه .. وغادر القصر ، متوجهاً الى المطار.. نحو الحرّية التي دفع ثمنها غالياً ! 


الخميس، 6 أغسطس 2026

العهد الأسود

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 

الحارس الجديد


ارتفع صوت خالد بعد استيقاظه بفزع مستعيذاً بالله. 

يا إلهي إنه كابوس مرعب. 

رأى في كابوسه جدّه المتوفى قبل عشرين عاماً يناديه، وقد ظهر له بشكل مرعب من داخل بيته القديم في القرية القديمة الواقعة وسط جبال السروات، التي هجرها جده وأهل القرية منذ أربعين سنة وسكنوا المدن القريبة .. 

قرر خالد – الباحث في التاريخ الشعبي – أن يقضي ليلة في بيت جده القديم الذي أُغلق منذ أربعين عاماً، بعد أن دفعه فضوله لاستكشاف بيت الجد بعد كابوسه المرعب، فقد كان يرى أن الخوف هو مجرد جهل بالواقع.

***

بعد عدة ساعات من السير في الأودية وبين الجبال وصل خالد إلى قرية جده المهجورة، عندما دخل البيت الذي عرفه بوصفه كما رآه في الكابوس، وجد رائحة العفن العتيق والتراب تملآن المكان، أشعل مصباحه الصغير، وبدأ يتجول في الردهة الطويلة. 

توقفت خطواته عند باب خشبي مزخرف بنقوش غريبة لم يرها من قبل طوال فترة بحوثه في التاريخ الشعبي القديم. 

بينما كان خالد يحاول فتح الباب، سمع صوتاً هادئاً أتى من خلفه مباشرة:

الصوت: لا تفتح باباً لا تملك مفتاحه يا خالد.

التفت خالد بذعر، ليجد رجلاً مسناً يرتدي ثياباً ناصعة البياض رغم غبار المكان، وعيناه مائلتان للاحمرار بشكل غير طبيعي.

تقطعت أنفاس خالد من المفاجأة،

خالد: من أنت؟ وكيف دخلت؟ الباب كان مقفلاً!

ابتسم الرجل المسن ببرود، وقال: أنا لستُ من دخل.. أنت من دخلت مملكتنا، اسمي منصور، وأنا حارس هذا العهد منذ أن كان جدك طفلاً.

شعر خالد ببرودة شديدة تسري في جسده، التفت بعينيه نحو الحائط خلف منصور، فقد استرعى انتباهه ظل منصور على الحائط لا يتحرك معه، وكأنه رأى ظلاً لشيء ضخم بقرون ملتوية.

توتر خالد قليلاً، لكنه تماسك قائلاً: مملكتكم؟ جدي قال إن هذا البيت ملك لعائلتنا.

منصور: البيوت تبنى بالطين، لكنها تُسكن بالعهود، جدك عقد عهداً ألا يقترب أحد من الغرفة الغربية مقابل الحماية والرزق.. واليوم، أنت وضعت يدك على المقبض المحرم.


فجأة، انطفأ الفانوس، وساد الظلام الدامس، وبدأ خالد يسمع همسات بأصوات متعددة، بعضها يشبه صوت أمه، وبعضها أصوات حيوانات مفترسة.

شعر خالد بيد باردة كالجليد تمسك بكتفه، وصوت يهمس في أذنه اليسرى. 

الصوت هامساً بعدة نبرات: هل تريد رؤية ما بالداخل؟ العيون البشرية لا تتحمل الحقيقة، لكننا سنعيرك أعيننا للحظة.

صرخ خالد: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! اتركوني وشأني!

منصور يضحك بصوت يهز الجدران: الكلمات تحميك إذا كان قلبك يؤمن بها، لكنك دخلت هنا باحثاً عن الفضول، والفضول هو طعامنا المفضل.


انفتح الباب الخشبي من تلقاء نفسه، وانبعث منه ضوء أخضر باهت، رأى خالد من ورائه وليمة عظيمة، والجالسون حولها كائنات طويلة جداً، جلودهم تشبه رقوق الجلد القديمة، وعيونهم في منتصف جباههم، يأكلون بصمت مرعب، وعندما دخل خالد، توقفوا جميعاً ونظروا إليه في وقت واحد.

أدرك خالد أنه ليس في غرفة، بل في بوابة لعالم آخر، حاول التراجع، لكن الأرض تحت قدميه أصبحت كأنها رمال متحركة.


دخل خالد الغرفة الغربية، فاهتز المكان وكأن الجدران تتنفس.. الضوء الأخضر الباهت قادم من عروقٍ مشعة في جلود الكائنات الجالسة. 

كان منصور واقفاً خلف خالد كظله، لكن ملامحه بدأت تتغير، لتصبح أكثر حدة وعيناه أكثر اتقاداً.

منصور بصوتٍ أجش يتردد في أركان الغرفة: تقدم يا خالد.. الضيوف لا يحبون الانتظار، وأنت اليوم لست باحثاً، أنت الوليمة التي تأخرت أربعين عاماً.

خالد كان يرتجف، لكن فضوله القاتل دفعه للنظر إلى أحد الجالسين، كائن ضخم يرتدي خاتماً يشبه خاتم جده تماماً.

خالد: هذا الخاتم.. لقد رأيته في صور جدي القديمة! هل سرقتموه منه؟

الكائن الضخم دون أن يفتح فمه: السرقة شأن الصغار منكم أيها البشر، نحن لا نسرق، نحن نسترد الأمانات. 

جدك استعار منا الوقت ليعيش طويلاً، والثمن كان ذريته.. كان أنت.

تراجع خالد للخلف واصطدم بصدر منصور الصلب. 

خالد: جدي لم يكن ساحراً ! بل كان رجلاً صالحاً، والجميع يعرف صلاحه.

ضحك منصور بسخرية قائلاً: الصلاح والفساد موازين بشرية لا تهمنا، هو أراد حماية عائلته من الفقر، ونحن أردنا ممرًا لعالمكم، العهد كان بسيطاً (يسكن هذا البيت، ويمنع أي إنسان من دخول هذه الغرفة، وفي المقابل، نمنحه الذهب الذي يراه في أحلامه)، لكنك جئت بجهلك وكسرت القفل.

صرخ خالد في وجه الكائن الضخم: ماذا تريدون مني الآن؟ خذوا البيت، خذوا الخاتم، واتركوا لي حياتي!


وقف الكائن الضخم ببطء، ليظهر طوله الفارع الذي يلامس السقف. 

الكائن: الحياة هي عملتنا الغالية، انظر إلى مائدتنا.. هل ترى هذا الإناء؟

نظر خالد، فرأى إناءً زجاجياً يحتوي على دخان رمادي يتحرك بعنف.

الكائن: هذا صوت جدك، لقد احتفظنا به هنا ليكون جزءًا من مائدتنا، والآن، نحتاج صوتاً جديداً ليحيي سهرتنا.

استجمع خالد شجاعته: لن تأخذوا مني شيئاً! بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء..

قاطعه منصور بصرخة غاضبة: تتلفظ بالأسماء وأنت في دارنا؟ الكلمات سلاح، لكنك دخلت هنا منزوع السلاح بفضولك! لقد انتهى وقت الكلام يا ابن البشر.


في تلك اللحظة، اقترب الكائن الضخم ومد يده الطويلة ذات الأظافر السوداء نحو حنجرة خالد، وبينما كان خالد يفتح فمه ليصرخ بأعلى صوته، شعر ببرودة تجمد حباله الصوتية، وكأن أحداً يسحب الهواء من رئتيه بآلة حادة.

همس منصور في أذن خالد للمرة الأخيرة: لا تقلق.. لن تموت، ستعيش طويلاً كما عاش جدك، لكنك ستكون الصدى الذي يسكن هذه الجدران.. أنت الآن الحارس الجديد.


في هذه الأثناء كان خالد مغيباً عن الوعي جزئياً، رأى منصورًا يُخرج من طيات الظلام لفافة من الرق لا تشبه الورق، بل قطعة من جلدٍ باهت مائل للزرقة، تبدو وكأنها انتزعت من كائن حي لا يزال ينبض.

فرد منصور اللفافة، ووضعها أمام عيني خالد، تعجب خالد برعب من منظرها، لأن كلماتها كانت منقوشة بمادة الزئبق المظلم التي تتحرك فوق الجلد كأنها ديدان صغيرة. 

وخط اللفافة لم يكن عربياً ولا سريانياً، اللفافة كانت مكتوبة بالخط القديم المحرم، وهو رموز هندسية حادة تبدو وكأنها تتغير كلما أمعنت النظر فيها.

كانت تنبعث من اللفافة رائحة تشبه مزيجاً من الكبريت والياسمين العفن، وفي وسطها ختم كبير يمثل دائرة يتوسطها فراغ ينتظر توقيع الحارس الجديد للعهد. 


بدأ منصور يشرح لخالد – الذي كان يراقب بعجز – كيف يُوثق هذا النوع من العهود الأزلية.

منصور: هذا الرق ليس من جلد ماعز، إنه جلد الذكرى.. يُؤخذ من كائن عاش مائة عام من الوحدة.

نظر منصور إلى الكائن الضخم، فقام الكائن بغرز ظفره في راحة يده، لتسيل مادة سوداء لزجة، كل ذلك وخالد مازال في غيابه الجزئي.

منصور: الكتابة هنا ليست بالكلمات، الكتابة بالنية، الحبر هو دم العهد، وهو مادة لا تجف أبداً، بل تظل حية تمتص طاقة من يوقع عليها.

بدأ منصور يحرك يده فوق الجلد دون أن يلمسه، وبدأت الرموز تشتعل بلون أرجواني.

منصور للحبر والجلد: أيتها الأرض السفلى، اشهدي.. روح بروح، وصمت بصمت، العمار لا يغدرون، لكنهم لا ينسون، من كسر القفل، صار هو القفل.


هنا جاء وقت الخطوة الأخيرة وهي الأصعب، فقد أمسك منصور بيد خالد المرتجفة، وقرب إصبعه الإبهام من الختم الذي يتوسط اللفافة.

منصور: التوقيع لا يكون بالاسم، فالأسماء تضيع مع الزمن، التوقيع يكون بالأثر النفسي.. ضع إبهامك هنا لتترك ذكرى خوفك في قلب العهد، وبذلك تصبح أنت الضامن للباب.


بمجرد أن لامس إبهام خالد الختم، شعر بكهرباء شديدة تسري في عروقه، ورأى الرموز تتحرك من الجلد لتنتقل وتُحفر على معصمه هو، لتختفي تحت جلده تماماً وتصبح وشماً غير مرئي إلا في ضوء القمر.

همس خالد بجهد: ماذا.. فعلتم.. بي؟

منصور: لقد أصبحت الآن المداد الذي سيكمل كتابة التاريخ في هذا البيت، العهد لا يكتمل إلا إذا صار الموقّع جزءاً من الورق.


انطفأ الضوء الأخضر فجأة، وغرق كل شيء في صمتٍ مطبق، صمتٍ لم يقطعه سوى صوت ارتطام جسد خالد بالأرض، الذي سيحمل معه سراً لن ينطق به أبداً. 

منصور: اختر يا خالد.. إما أن تبقى خادماً للعهد هنا، أو تخرج وتترك لنا أثرك. 

خالد: ما هو الأثر؟

منصور: صوتك.. لن تتحدث مرة أخرى، لكي لا تروي ما رأيت.

غاب خالد وهو ساقط على الأرض عن الوعي تماماً. 

***

في الصباح الباكر، وجد المارة بجانب القرية من أهل القرى المجاورة خالدًا ملقىً أمام مدخل القرية . 

كان جسده سليماً، لكن شعره تحول بالكامل إلى اللون الأبيض، عندما حاولوا سؤاله عما حدث، فتح فمه ليتحرك لسانه دون أن يخرج أي صوت، سوى حشرجة تشبه ريحاً تهب في بئر مهجور.

***

إلى اليوم، يزعم العابرون بجانب تلك القرية أنهم يسمعون صوتاً يشبه صوت شاب، ينادي من الداخل: لا تفتحوا الباب.. العهد لم ينتهِ بعد.


الأربعاء، 5 أغسطس 2026

الأحصنة والحمار (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

حيوان الحظيرة


داخل حظيرة المزرعة التي تحوي ثلاثة أحصنة وحمار.. 

ابتدأ الحديث ، حصان السباق بفخر: 

- أنا أجملكم وأسرعكم.. وصاحب المزرعة يهتم بي أكثر منكم ، لأني أجعله يفوز بالعديد من الكؤوس والجوائز المالية

فاعترض حصان المزرعة :

- وإن خسرت سباقاً ، يعاقبك بالحرمان من الطعام.. أما أنا !! فلا يستطيع الإستغناء عني ، لأنه يستخدمني للإجتماع بأصحاب المزارع المجاورة

فقال الحصان البرّي بغرور : 

- كلاكما خضعتما لسيطرته وقيادته.. اما انا !! فوُلدت حرّاً في البراري ، وسأبقى حرّا.. وإن حاول وضع السرج على ظهري ، سأركله وأهرب كما افعل كل مرة

فحذّره حصان السباق :

- إن بقيت على عنادك ورفضك للترويض ، قد يبيعك لرجلٍ أشدّ قسوةٍ منه

حصان المزرعة:

- معه حق .. فالله خلقنا لخدمة الإنسان ، وعلينا تأدية واجبنا دون مللٍ او اعتراض


وفي هذه اللحظة .. اقترب الحمار منهم ، وهو يسألهم : 

- هل تسمحون لي بمشاركة حديثكم ؟

فضحكت الأحصنة الثلاثة عليه .. قائلاً أحداها باستهزاء :

- وماذا ستقول أيها القصير ، وأنت مشهور بالغباء ؟!


فردّ الحمار غاضباً :

- بل أنا أذكى منكم !! يكفي أن يدلّني الإنسان على الطريق مرةً واحدة ، لأحفظه طوال حياتي.. كما أنقل بضائعه بصبرٍ وثبات .. ولا اتعب سريعاً مثلكم .. ولا تنسوا ميزتي الفريدة ، بتحذير الناس من وجود الشياطين..

حصان المزرعة مقاطعاً بسخرية :

- الناس ينزعجون من نهيقك ، أكثر من خوفهم من الجن والشياطين!


لكنهم توقفوا عن الضحك ، فور دخول صاحب المزرعة مع رجلٍ آخر الى الزريبة ، وهو يشير الى احصنته : 

- أمرّ بضائقةٍ مالية هذه الأيام ، لذا قرّرت بيع أحصنتي الثلاثة.. فحصاني البرّي : فشلت في ترويضه .. وحصان المزرعة : أصبح كبيراً في السن .. أما حصان السباق : فأصيبت قدمه ، ولم يعد باستطاعته المشاركة في المسباقات القادمة 

فسأله الرجل:

- وهل ستبيع الحمار أيضاً ؟

صاحب المزرعة وهو يمسّد شعر حماره : 

- لا أستطيع الإستغناء عنه .. فهو ينقل بضائعي بصبرٍ بين الطرقات والقرى التي حفظها جيداً.. وهو أكثر من يساعدني في العمل.

***


لاحقاً راقب الحمار الأحصنة الثلاثة وهي تُقاد إلى شاحنةٍ ، لنقلها إلى مالكها الجديد..

فأطلق نهيقاً طويلاً ، مودّعاً اصحابه القدامى المغرورين 


وهنا أدركت الأحصنة بأن لا يستهينوا بأحد .. فالقيمة الحقيقية لا تكون بالجمال والقوة والشهرة .. بل بالإخلاص والصبر ، والإعتماد عليها عند الحاجة..

وهو شيء عرفه الحمار قبلهم ، من خلال حكمته المتواضعة الرزينة


الأحد، 2 أغسطس 2026

أشرعة الحرية

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 

ملحمة الحب


في قلب بيريتوس (بيروت حالياً) عام 1000 قبل الميلاد، حيث تتقاطع الأزقة الضيقة لتصب في الميدان الكبير، وسوقها سيمفونية من الفوضى المنظمة، رائحة خشب الأرز الخام تمتزج بملوحة البحر، وصياح الباعة يختلط بقعقعة العربات. 


وفي زقاق خلفي يفوح برائحة النشر وورق البردي، كانت الفتاة الجميلة 'عنّات' بثوبها الحريري الأرجواني الفاخر الذي يستخرج صباغه من محار الموركس محاصرة من قبل جنود آشوريين الذين أتوا لمهمة عسكرية وتجارية، كان الجنود الآشوريون يحيطون بها بوجوههم القاسية ودروعهم البرونزية.

اندفع شاب من ورشته، كان الغبار الخشبي لا يزال عالقاً على قميصه الكتاني، لكن نظراته كانت حادة كإزميله. 

وقف بجسده الفارع حائلاً بين الجنود و'عنات' ، وشد قبضتيه حتى ابيضت مفاصله.

الجندي الآشوري وهو يزأر بلهجة ثقيلة وغريبة:

ابتعد أيها النجار القذر! هذه المرأة لم تدفع ضريبة العبور لقائدنا.. والجمال له ضريبة مضاعفة عندنا!

الشاب الفينيقي 'حيّام' بصوت هادئ وثابت:

هذه بيريتوس الحرة، أرض البحر والأرز، وليست إقطاعية تابعة لأحد. ليس لكم حق في فلس واحد هنا.. اتركها وشأنها وارحلوا بسلام.


ضحك الجندي الآشوري بسخرية،

- أتتحدانا أيها الصعلوك؟ يبدو أنك ستبني تابوتك الخاص اليوم!

لم ينتظر 'حيّام' طويلاً؛ فبما أن حركة الجنود بطيئة بسبب دروعهم الثقيلة، وهو خفيف كالبحارة، تبادل معهم اللكمات في اشتباك سريع وعنيف، وبضربة متقنة من ذراعه القوية، طرح أولهم أرضاً، ثم عاجل الآخر بركلة دفعته نحو أكوام السلال المجاورة. 

فرّ البقية وهم يلوحون بأسلحتهم ويتوعدون بالعودة بجيش لا يُقهر.


التفت 'حيّام' نحو 'عنات'، فرآها تلفظ أنفاسها بصعوبة، وهي تحاول ترتيب ثوبها الحريري الأرجواني الذي تضرر في زحام الباعة المجاورين والمارة، نظرت إليه بإعجاب لم تستطع إخفاءه خلف بريق عينيها.

عنات بصوت يرتجف رقةً وامتناناً:

شكراً لك أيها الغريب الشجاع.. لقد خاطرت بحياتك من أجل فتاة لا تعرفها.

حيّام يلتقط قبعته من الأرض، ويبتسم بتواضع:

هذا واجب كل من يجري في عروقه دم فينيقي، اسمي حيّام.. نجار بسيط في أحواض المدينة.

عنات وهي تستعيد هدوءها:

وأنا 'عنات'، ابنة التاجر 'متّن'، لن ينسى والدي هذا المعروف، أرجو أن تتقبل دعوتي لزيارة منزلنا هذا المساء، ليشكرك بنفسه.

تجاذبا أطراف الحديث بسرعة، وبدا بينهما الإعجاب حتى نمى بينهما الحب بسرعة البرق. 


انصرفت 'عنات'، لكن عطر الأرجوان ظل عالقاً في هواء الزقاق، بينما وقف 'حيّام' ينظر في أثرها، مدركاً أن حياته الهادئة بين أخشاب الأرز قد انتهت للأبد، وأن عاصفة أكبر من عواصف البحر في طريقها إليه.

***

خلف الأسوار العالية لمنزل التاجر 'متّن'، حيث تضاء الشموع المعطرة برائحة اللبان، كان الترف يملأ المكان، لكن البرود كان سيد الموقف. 

وقف 'حيّام' في القاعة الكبرى، يشعر بضآلة حجمه أمام التماثيل العاجية والأعمدة المزخرفة، لكنه بكل شجاعة واحترام تجرأ وطلب يد 'عنات' من أبيها دون خجل، بينما كان 'متّن' يتفحصه بنظرات تقطر كبرياءً.

متّن بلهجة جافة، وعيناه مسمرتان نحو الشرفة المطلة على الميناء:

شكراً لك على شجاعتك أيها الشاب، لقد أنقذت بضاعتي الأغلى، لكن.. لنكن واقعيين، الشجاعة لا تبني القصور، ابنتي 'عنات' مخطوبة لـ 'بعل-إيسر'، شريكي الذي يزن ذهبه وزن سفن الأرز.

حيّام رافعاً رأسه، وبصوت تملؤه العزة:

أعلم مقامي يا سيدي، فأنا نجار أبني السفن التي تحمل تجارتكم، لكن الحب لا يعترف بالطبقات ولا بالصكوك التجارية، 'عنات' وأنا...

متّن يقاطعه بغضب وقد احمرّ وجهه:

يكفي! أنت نجار تعمل بيديك ويعلو وجهك غبار الخشب، و'بعل-إيسر' يملك أسطولاً يسيطر على الموج، هذا الزواج هو ميثاق يضمن بقاء اسم عائلتنا وتجارتنا الأرجوانية، اخرج من قصري، ولا تطأ قدماك عتبة هذا المنزل ثانية!

خرج 'حيّام' والحرقة تنهش صدره، لكن الليل كان يخفي في طياته خطة أخرى.

***

في مساء اليوم التالي ذهبت 'عنات' إلى أسوار المدينة، للقاء حبيبها 'حيّام' ليتبادلا وعود الوفاء، وفي هذه الأثناء كانت هناك أعين تراقب في الظلام، وعقول تحيك الدسائس خلف الأبواب الموصدة. 

في ركن ناءٍ من غرفة التجارة ببيريتوس، حيث تزدحم الرفوف بلفافات البردي وعينات الأرجوان، جلس 'بعل-إيسر'، وهو يفكر بروية غير طامح لقلب 'عنات' حباً فيها، بل لأنها الجوهرة التي تنقصه للسيطرة على إمبراطورية والدها التجارية.


في تلك الغرفة المخنوقة برائحة الحبر والذهب، استقبل 'بعل-إيسر' ضيفه، جندياً آشورياً بملامح غليظة، تفوح منه رائحة النبيذ الرخيص والجشع.

'بعل-إيسر' بصوت خافت وماكر، وعيناه تلمعان كأفعى في العتمة:

القائد الآشوري لا يزال يبحث عن ذاك المتطاول الذي أهان كبرياء جنوده في السوق، أليس كذلك؟

الجندي الآشوري يمسك بكيس من العملات الذهبية، يزنه في يده بابتسامة صفراء:

بالتأكيد.. القائد 'سنحاريب' رجل لا ينام على ضغينة، إنه يريد رأس ذلك الفتى ليعلقه على بوابات الميناء عبرة لكل فينيقي يظن أن أسوار مدينته ستحميه.

اقترب 'بعل-إيسر' من الجندي الآشوري أكثر، هامساً بسمومه:

اسمه 'حيّام'.. نجار بسيط يدّعي الشرف، لكنه في الحقيقة لص يحترف سرقة أخشاب الأرز الملكية ويحرض العمال على التمرد ضد سلطة القائد، ستجده الليلة عند أسوار المدينة في حوض بناء السفن، وحيداً تحت جنح الظلام.

الجندي الآشوري يهز رأسه بحقد وهو يغلق كيس الذهب:

معلوماتك دقيقة وذهبيّة كعملاتك أيها التاجر، سنعتني بأمره قبل بزوغ الفجر، وبموته سيخلو لك الطريق لتكون السيد الوحيد على تجارة الأرجوان.. وعلى ابنة 'متّن'.

ضحك 'بعل-إيسر' ضحكة مكتومة، بينما كان يراقب الجندي وهو يختفي في أزقة المدينة، لم يكن يعلم أن القدر كان قد بدأ بالفعل في تحريك أحجاره، وأن الشاب الذي ظنه صيداً سهلاً، سيتحول إلى ربان يقود سفينة الحرية نحو أفق لا تصله خناجر الغدر. 

***

في الجانب الآخر، عند أسوار المدينة العتيقة حيث تتكسر الأمواج، تسللت 'عنات' كظل هارب، كان وشاحها يرفرف خلفها وهي تركض نحو 'حيّام' الذي كان ينتظرها بلهفة.

عنات بصوت مخنوق بالدموع، وهي تتشبث بذراعه:

لا يمكنني يا 'حيّام'.. لا يمكنني تحمل فكرة أن أكون ملكاً لـ 'بعل-إيسر'. 

إنه رجل ذو قلب بارد كحجر الصوان، ومخادع لا يرى فيّ سوى صفقة رابحة، لذلك أحببتك أنت.

حيّام يمسح دموعها بيده الخشنة:

يجب أن نجد حلاً يا حبيبتي، سأواجه الموج والعواصف، وسأبني لكِ وطناً من الأرز، أنا مستعد للمخاطرة بكل شيء، حتى بحياتي، لنكون معاً.

عنات بنبرة مرتعشة من الخوف:

احذر يا 'حيّام'.. لقد سمعتُ ما لا يجب سماعه! 

حيام بتوتر: وماذا سمعتي؟ هيا أخبريني. 

عنات: عندما كنت في طريقي إليك مررت بغرفة التجارة، سمعت 'بعل-إيسر' يهمس في أذن جندي آشوري، إنه ينسج لك فخاً من الانتقام، ويستغل حادثة السوق ليحولك من بطل إلى طريد، اهرب قبل أن يطبق الفخ عليك.

***

في ليلة اكتمال القمر، كانت بيريتوس تتزين لاحتفال زفاف مشؤوم، وبينما كان 'بعل-إيسر' يوزع النبيذ في الردهات السفلية احتفالاً بانتصاره الوشيك، كان 'حيّام' يتسلق جدران قصر 'متّن' كظلٍّ لا يُرى.

قفز إلى شرفة 'عنات'، التي كادت تصرخ من الدهشة والخوف.

عنات بهمس محموم: 'حيّام'! الحراس في كل زاوية، وأبي قد عجل بموعد الزفاف، هذا قدري الذي اضطررت لقبوله .. أنت تلقي بنفسك في المهلكة!

حيّام يمسك يدها بعزم: المهلكة هي بقاؤكِ هنا، لقد باع 'بعل-إيسر' رأسي للآشوريين، والوقت ينفد، سفينة عمي 'أدوني- بعل' تترقب الإشارة، هل تثقين بي؟

ترددت 'عنات' للحظة، نظرت إلى القصر الذي ولدت فيه، ثم إلى عيني حيّام الصادقتين.

عنات: أثق بك أكثر من أي شيء في هذا العالم!


لكن لحظة الهروب قُطعت بصرخة مدوية؛ كان 'بعل-إيسر' يقف عند مدخل الشرفة، وجهه يتشنج غضباً.

بعل-إيسر: خيانة! أمسكوا بالعبد النجار!

استل 'حيّام' سيفه، وفي مبارزة خاطفة تحت ضوء القمر، تمكن من جرح كتف 'بعل-إيسر'، مما أفسح لهما طريقاً للهرب عبر الأزقة المظلمة، بينما كان صوت أبواق الإنذار تملأ سماء المدينة. 

^^^

قبل الهروب إلى الميناء، كان 'حيّام' و'عنات' يشتركان في سر صغير لا يعرفه حتى والدها التاجر' متّن' . 

كان 'حيّام'، بفضل عمله كنجار يتعامل مع مختلف التجار والبحارة، قد تعلم نظام كتابة جديد ومبتكر، كان التجار الفينيقيون يطورونه لتبسيط سجلاتهم، على عكس الأنظمة المسمارية أو الهيروغليفية، كانت هذه الأبجدية تتكون من عدد محدود من الرموز الصوتية البسيطة.

***

وفي مخزن صغير في الميناء، اضطرا لدخوله متخفين من الجنود الآشوريين عرض 'حيّام' ألواحاً طينية صغيرة على 'عنات'. 

حيّام: انظري يا 'عنات'، هذا هو المستقبل، أبي كان يستخدم عشرات الرموز لحساب شحنة واحدة، أما أنا فأستخدم هذه الـ 22 إشارة فقط.

عنات تنظر بدهشة إلى الرموز المحفورة: "مثل "ألف" و "بيت"؟ إنها بسيطة جداً!

حيّام: بالضبط.. التجارة في بيريتوس مزدهرة جداً، وسفننا تصل إلى كيميت (مصر حالياً) وهيلاس (اليونان حالياً) وهيسبانيا (إسبانيا حالياً)، فنحتاج إلى طريقة سريعة ودقيقة لتوثيق العقود، البضائع، والكميات، هذا النظام الجديد يجعل التجارة أسهل وأسرع بكثير من أي نظام آخر.

عنات: هل تعلمت هذا بنفسك؟

حيّام: لقد ساعدني عمي 'أدوني-بعل'، إنه سلاحنا السري للتفوق في التجارة.

حيّام بعد استيعابه مرور الوقت: هيا يا 'عنات' لا وقت لدينا. 

^^^

وبينما كان 'حيّام' و'عنات' يركضان نحو الميناء، خطرت لـ 'عنات' فكرة.

عنات تسحب حيّام إلى الخلف للحظة: انتظر! 'بعل-إيسر' ، قبل أن نهرب، رأيته يخفي لفيفة في صندوق التجارة الخاص بوالدي!

حيّام: ليس لدينا وقت يا 'عنات'، الجنود خلفنا!

عنات: قد تكون دليلاً يدينه هو وينقذ سمعتك أنت! يجب أن نحضرها!

^^^

قبل 'حيّام' رأي 'عنات' بتوتر، فعادا بسرعة فائقة عبر الأزقة إلى منزل التاجر 'متّن'، تسللا إلى غرفة التجارة، و'بعل-إيسر' كان قد غادر للتو لمطاردتهما، بحثت 'عنات' بخفة على اللفيفة المخبأة في الصناديق، فعثرت عليها بسرعة، وعندما فتحا اللفيفة وجدا أنها كانت مكتوبة بالأبجدية الفينيقية الجديدة، وهي عبارة عن تعليمات مرسلة للقائد الآشوري 'سنحاريب' بشأن 'حيّام'.

عنات بصوت يرتجف: إنها خطة كاملة! هو من رتب كل شيء، حتى إنه استخدم الأبجدية الجديدة لضمان السرية التامة!

حيّام: هذا يثبت براءتي، لكنه لن ينقذنا هنا، لن يصدق والدك أبداً ما دمنا في بيريتوس، يجب أن نأخذ هذه الوثيقة كدليل لرحلتنا الجديدة.

أخفى' حيّام' اللفيفة في حزامه، وهربا مرة أخرى نحو السفينة.

^^^

وصل 'حيّام' و'عنات' إلى الميناء الذي غمره ضجيج الفوضى واختلطت فيه أصوات الأمواج بصرخات البحارة. كانت سفينة 'أدوني-بعل' تتمايل على الرصيف كأنها خيلٌ جامح ينتظر إشارة الانطلاق.

بصوتٍ رعدي يملأ الأرجاء، صرخ القبطان 'أدوني-بعل' في طاقمه:

ارفعوا المرساة! حطموا القيود! أسرعوا، فظلال الحرس تقترب من الرصيف!

^^^

ومع أول تحرك للسفينة مبتعدةً عن اليابسة، انشق الزحام عن مشهدٍ مهيب؛ وصل الجنود الآشوريون يتقدمهم 'بعل-إيسر' بوجهه المليء بالغل، والتاجر 'متّن' الذي غطى الانكسار ملامحه. 

وقف القائد 'سنحاريب' على حافة الصخور، يلوح برمحه في الهواء كشيطانٍ غاضب، صارخاً بوعيدٍ زلزل الميناء:

لن تفلتوا أيها الفينيقيون! سلموا الهارب وإلا جعلت من مدينتكم رماداً تذروه الرياح!


وسط هذا الوعيد، برز صوت 'متّن' مخنوقاً بالعجز والحسرة، وهو يمد يده نحو السفينة التي بدأت تشق عباب الماء:

عنات! عودي يا ابنتي.. لا ترحلي، لقد خدعكِ هذا النجار!

وقفت 'عنات' على مؤخرة السفينة، تتشبث بالحبال والدموع تشق طريقها فوق وجنتيها، لكن صوتها جاء حاداً وقوياً، ردت على والدها بكلماتٍ كانت بمثابة إعلان استقلالها:

بل أنت من خدعني يا أبي! لقد بعتَ قلبي لرجلٍ لا قلب له، واليوم أشتري حريتي بالبحر!


التفتت 'عنات' لترى 'حيّام' واقفاً خلف الدفة كالصخرة، عيناه مثبتتان على الأفق حيث تغيب الشمس، بينما أشار عمه 'أدوني-بعل' بيده نحو الغرب المجهول، هاتِفاً بلهجة المنتصر:

إلى البحر الواسع يا أحفاد صور وصيدون! حيث لا تصل يد الطغاة ولا تُحكم القيود.. وجهتنا قرطاجة!

^^^

على متن سفينة 'أدوني-بعل'، وبعد الهروب الملحمي، واجهوا العواصف، لكن وجود اللفيفة ودراية 'حيّام' و'عنات' بالأبجدية الجديدة منحهم ميزة حاسمة.


وفي وسط البحر وعباب الأمواج أثناء عاصفة عنيفة مفاجئة على سطح السفينة، البحارة يركضون بتوتر. 

'أدوني-بعل' يصرخ وسط الرياح لحيّام: الرياح ضدنا! لا أستطيع قراءة الخرائط النجمية بوضوح!

أحاط بعض البحارة بـحيّام وعنّات.. 'حيّام' يمسك بالدفة بقوة، بينما 'عنات' تمسك بلوح طيني محفورعليه توجيهات الأبجدية الجديدة: استخدمي الرموز التي تعلمناها يا 'عنات'! ما هو رمز التيار الجنوبي؟

عنات: إنه حرف 'ميم'! يقول إن علينا الانحراف 10 درجات جنوباً الآن!

حيّام يعدل الدفة: توجهنا صحيح! هذه الأبجدية أنقذتنا من التحطم!

***

وبعد إسبوع وصلوا أخيراً إلى قرطاجة (تونس حالياً)، وبفضل معرفتهم العميقة بالصناعة الأرجوانية (خبرة عنات) ونظام الكتابة التجارية الفعال (خبرة حيّام)، أسسوا تجارة مزدهرة في المستعمرة الجديدة. 

أصبحت الأبجدية الفينيقية هي اللغة المشتركة لجميع التجار في قرطاجة، مما ساهم في ازدهار المدينة وانتشار الأبجدية في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط.

***

في سوق قرطاجة الجديد، 'حيّام' و'عنات' أصبحا تجاراً مرموقين. 

حيّام وهو يوقع عقداً كبيراً مع تاجر إغريقي باستخدام الأبجدية الفينيقية: من كان يظن أن الهروب من الظلم في (بيريتوس) سيجعلنا نبني إمبراطورية تجارية هنا؟

عنات تنظر بحب وفخر: الحب والشجاعة هما ما قادا سفينتنا، والأبجدية هي شراعنا الذي لا يغرق أبداً.

استخدم 'حيّام' و'عنات' القسيمة المظلمة التي أدانت 'بعل-إيسر' كوثيقة تأسيسية لشركة عائلتهم الجديدة، دليلاً على أن العدالة يمكن أن تنتصر حتى في أصعب الظروف، وأن الابتكار التجاري الفينيقي غير وجه العالم.

^^^

بعد أن عرف التاجر 'متن' والد 'عنات' ببراءة 'حيّام' وتورط شريكه' بعل-إيسر' بتواطئه مع الآشوريين، طرد شريكه' بعل – إيسر' منهياً شراكته معه، وأرسل رسالة يبارك فيها زواج ابنته بـ 'حيّام'.

عاد 'حيام' و'عنات' بعد يوم عمل إلى منزلهما بعد وصول مباركة التاجر 'متن' على زواجهما، احتضنا بعضهما بكل سعادة وهما يبتسمان بحب كبير.


الخميس، 30 يوليو 2026

اساليب التحقيق الجنائي

تأليف : امل شانوحة 

المتهم الداهية

 

في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ


وبعد نقله الى مركز الشرطة (الوحيد بتلك المدينة الصغيرة) .. دخل عليه محققٌ شاب ، عُيّن حديثاً بفضل نفوذ والده (مدير المركز).. حاملاً في يده دفتراً صغيراً ، دوّن فيه ملاحظات من كتاب ((عشر اساليب للتحقيق الجنائي)) الذي أهداه له والده.

 

بينما المشتبه مُقيّد اليدين ، وهو يستمع بهدوء للمحقق الذي سأله :

- انت قدمت الى مدينتنا ظهراً ، وقبضنا عليك مساءً بمحطّة الحافلات قبل عودتك الى العاصمة التي اتيت منها.. فهل انتهت مهمّتك بعد قتل زوجتك الخائنة وعشيقها ؟


فأجاب الرجل بنظراتٍ ثابتة ، دون ارتباك : 

- أعتقد أنكم فحصتم هاتفي الموجود بحوزتكم الآن.. وتعلمون ان زوجتي اخبرتني : بأن عملها بتزيين حفلة تخرّج مدرسة طلّابكم ، لم ينتهي بعد .. وستبقى الليلة في مدينتكم

المحقق : اذاً لماذا لحقت بها الى هنا ، طالما اخبرتك انها ستعود غداً عصراً الى العاصمة ؟

- قدمت دون إخبارها ، لمساعدتها في عملها الشاقّ 

المحقق : ثم ماذا حصل ؟ 

- ذهبت للمدرسة ، فوجدتها مغلقة .. واتصلت بزوجتي مراراً ، دون اجابة.. وبحلول المساء ، أرسلت زوجتي رسالة تخبرني : أنها تتسوّق أغراض الحفل ، وانها ستبيت عند صديقتها .. ومن بعدها أقفلت هاتفها.. فشعرت أنه لا فائدة من بقائي ، وتوجّهت للمحطّة.. فقد مللّت التجوّل وحدي في مطاعمكم الشعبية طوال النهار 


المحقق : وعندما مُنعناك من صعود الحافلة ، وأخبرناك بالجريمة .. لم تحزن كثيراً ، حسب شهادة الشرطي الذي اعتقلك

فتنهّد المتهم بضيق : كنت بحالة ذهولٍ تام .. فمنذ الصباح وانا أخطّط لإسعاد زوجتي .. لأعرف لاحقاً بأنها لم تكن تتردّد على مدينتكم لأجل العمل ، بل لرؤية حبيبها القديم الذي يعمل ناظراً بتلك المدرسة ! فهل تريدني ان انهار بالبكاء ، بعد الخبر الصادم ؟

المحقق : وهل علمت بعلاقتهما قبل توجّهك للمحطّة ؟

- اعلم ما تريد الوصول له .. والجواب لا ، الشرطي هو من اخبرني بذلك .. وأدرك بأنني المشتبه الأول بالجريمة .. لكن لا تنسى ان عشيق زوجتي .. أقصد الناظر ، كان متزوجاً ايضاً .. فلما لم تشكّوا بزوجته ؟

المحقق : الكاميرات أكّدت وجودها بالمطعم ، لحظة الجريمة 

- ومالذي يمنع ان تكون وكّلت قاتلاً مأجوراً لقتله مع عشيقته .. ولهذا تعمّدت التواجد في مطعمٍ مُراقب بالكاميرات لحظة الجريمة ، ليكون دليلاً على برائتها ؟ 

- لا تطرح الأسئلة عليّ !! فقط اجب دون مماطلة

الرجل : حسناً .. إطرح بقية اسئلتك ، وسأجيب عليها بصدقٍ وشفافية 


وهنا حاول المحقق استخدام تقنية ((الإرباك بالأسئلة العشوائية)) فسأله عن لون فستان الضحيّة ، وآثار الطين التي وجدوها في مسرح الجريمة .. ظناً منه : أن المتهم سينكر ويبرّر باندفاعٍ واضح ، يفضح جريمته 

لكن الرجل اكتفى بهزّ رأسه ببرودٍ مخيف ، كأنه يرتدي قناعاً نفسياً صلباً ! مما زعزع ثقة المحقق بنفسه .. والذي قرّر استخدام تقنيةً أخرى ، تسمى ((تغيير التسلّسل الزمني))


ولهذا طلب من المشتبه به : إعادة ذكر جميع تصرّفاته بالمدينة ، لكن هذه المرة يحكيها من النهاية الى البداية .. لاعتقاده ان الكاذب يحفظ قصته بترتيبٍ معين ..وعندما يُطلب منه عكسها .. يفشل عقله في معالجة التفاصيل الدقيقة ، فتظهر الثغرات.. 


لكن المشتبه به فاجأه ، بسرد ذات الأحداث دون تغير التفاصيل .. 

وبعدها سأل المحقق ساخراً : 

- هل تريد هذه المرة ان اذكر الأحداث من الوسط للبداية ، ام من الوسط للنهاية؟

فصرخ عليه المحقق غاضباً : 

- فقط أعدّ ما فعلته بمدينتنا من جديد !!


وكان المحقّق يخطّط لاستخدام اسلوبٍ جديد ، يُعرف بالإستجواب بالمقاطعة ..

فكلما حاول المشتبه به شرح قصته ، يقاطعه المحقق بسؤالٍ مفاجئ وتفصيلٍ تافه لتشتيت تركيزه ، ومنع عقله من حياكة الأكاذيب .. بغرض إحباطه وتوتيره ، لعله يناقض كلامه ويفضح جريمته 

لكن المتهم فاجأه بردة فعلٍ غير متوقعة ، بعد التزامه الصمت !

 

المحقق بعصبية : تكلّم !! لما لا تجيب على اسئلتي ؟

المتهم بثقة : لا يمكننا التكلّم نحن الأثنين ، اما ان تتحدث انت او انا .. وطالما تعرف السيناريو مُسبقاً ، فاكتب في تقريرك ما تشاء.


ففكّر المحقق بنفسه ، وهو يراجع ملخّص الكتاب الموجود في دفتره بارتباك :

((يا الهي ! فشل هذا الأسلوب ايضاً .. اذاً سأستخدم تقنية : الصمت التكتيكي.. وسأطرح عليه سؤالاً ، ثم أصمت لفترةٍ طويلة .. مُثبّتاً نظري في عينيه ، لخلق ضغطٍ نفسي لا يطاق .. يُجبره على الكلام ، فقط لكسر الهدوء المزعج ..وغالباً ما سيقول شيئاً يدينه))


وبعد السؤال الذي طرحه المحققّ ، التزم الصمت .. 

ومرّت دقيقة.. ثم دقيقتان.. 

ليفاجئه المتهم بقوله بسعادة :

- لقد رمشت عيناك .. خسرت اللعبة !!


ثم ضحك بعلوّ صوته ، مُستفزّاً المحقق الذي توجّه نحو الباب .. وهو يسمع المتهم يقول ساخراً : 

- لا ، تعال !! الى اين تذهب ؟ ..دعنا نلعبها هذه المرة مع رهانٍ ماليّ ، ما رأيك ؟


فعاد المحقق غاضباً ، وهو يضرب قبضته بقوة على الطاولة .. مستخدماً هذه المرة (تقنية ريد) الأشهر عالمياً .. والتي تعتمد على الضغط النفسي ، عبر اتهام الشخص مباشرةً بالجريمة ..ومنعه من الإنكار المتكرّر ، لكسر ارادته ...ثم تقديم تبرير اخلاقي للجريمة ، لجعل الإعتراف يبدو سهلاً


وبعد ان انهال عليه المحقق بالشتائم والتهديد بأقسى العقوبات .. هدّأ من نبرة صوته ، وهو يقول للمتهم :

- أكيد تدمّرت جميع احلامك وذكرياتك ، بعد ان رأيتها بالسرير مع رجلٍ آخر.. اليس كذلك ؟ 

فابتسم المتهم قائلاً :  

- هل انتهت جميع تقنياتك ، ام لديك المزيد من الأساليب السخيفة ؟ لأني بصراحة أفضّل لعبة الصمت الطويل .. على الأقل ، لا يتعب عقلي من اسئلتك التافهة

^^^


فخرج المحقق من الغرفة وهو يشعر باليأس ، متوجهاً الى مكتب والده (مدير الشرطة)

الإبن يائساً : ابي ، اريد مساعدتك.. فذلك المتهم العنيد ، يُفقدني صوابي 

وأخبره بفشل اساليب التحقيق السابقة معه..


فقال الأب الخبير لإبنه : 

- إذاً حان وقت دمج الأساليب.. سنستخدم تقنية : سنّارة التعاطف ، عبر تكتيك (الشرطي الطيب والشرطي السيء).. سأدخل أنا ، كأب متفهّم.. وتدخل أنت بعدي ، صارخاً ومتوعداً بأشدّ العقوبات.. لكيّ يلجأ إليّ ، هرباً منك

^^^


وفي غرفة التحقيق .. 

دخل المحقق العجوز ، وهو يقول للمتهم بنبرةٍ أبويّة دافئة:

- انا أعرف ان خيانة الزوجة ، تدمّر الرجولة .. وأعلم أنك ارتكبت الجريمة في لحظة غضبٍ اعمى .. وأيّ رجلٍ في مكانك ، سيفعل الشيء ذاته .. فإن اعترفت لي بتفاصيل الجريمة ، أضمن لك تخفيف الحكم ..


في هذه اللحظة .. اقتحم الإبن الغرفة وهو يصرخ مُهدّداً بالمشنقة وبأقصى العقوبات ، مُمثلاً دور الشرطي السيء


وبعد انتهاء المسرحية بين الأب وابنه .. فاجأهم المتهم بالقول : 

- بصراحة يُعجبني اسلوب المحقق الشاب ، اكثر منك ايها العجوز .. لأنك برّرت جريمة القتل بإسم الشرف ، وهذا ينافي مبادئي.. لكن طالما تفكّر بهذه الطريقة ، فلابد ان حظيت بعلاقاتٍ عاطفيةٍ فاشلة بحياتك .. اليس كذلك ؟


وكلامه هذا ، أفقد المدير العجوز صوابه .. فاندفع نحو المتهم ، مُمسكاً بطرف قميصه : 

- إسمع ايها التافه !! نحن نملك دليلاً قاطعاً ضدك ، فبصمة يدك ظهرت بمسرح الجريمة .. والأفضل ان تعترف ، لتخفيف مدة سجنك 

فأجاب المتهم ببرود : 

- اليس عيباً أن تكذب في مثل سنك ؟ فأنا اساساً لا املك بصمات ، بعد احتراق اصابعي بمختبر مدرستي الثانوية ، إثر تجربةٍ كيميائيةٍ فاشلة .. يمكنكما التأكّد من التقرير الطبي الموجود بأرشيف مشفى العاصمة.. (ثم عدّل جلسته بغرور) .. يبدو ان أسلوب الأدلّة الوهمية ، لم ينفع معي أيضاً.. هل بقيت لديكما حيلٌ أخرى ؟

فنظر الأب لإبنه ، وهو يقول بغيظ : 

- خذه إلى الغرفة الباردة.

^^^


وهذه المرة نُقل الى غرفةٍ ضيقةٍ باردة ، بها مصباحٌ أصفر يرمش باستمرار دون توقف ! والهدف هو الإنهاك الجسدي والنفسي ، لكسر عناد المشتبه به.. وإجباره على الإعتراف بالجريمة .. 


بينما الأب وابنه يراقبانه من خلف المرآة العاكسة للغرفة .. ليتفاجأن بالمتهم يسند رأسه على الطاولة .. ويغرق بالنوم العميق ، كأنه بفندقٍ مريح ! 

مما ضايق الأب الذي طلب من الحرس ، نقله الى الزنزانة .. 


فقال ابنه مُعترضاً : لا يمكننا الإستسلام الآن 

الأب : سأضع شرطياً متخفياً معه بالزنزانة .. فالمجرمون عادةً يتباهون بأفعالهم امام زملاء السجن ، ظناً انهم في امان.. وهو الأسلوب العاشر والأخير الذي نستخدمه مع ذاك العنيد المُستفزّ

^^^


وطوال الليل .. حاول المُخبر السرّي التقرّب من المتهم ، وهو يسأله بفضول عن تفاصيل الجريمة .. لكن المتهم ظلّ ملتفتاً نحو الجدار ، وهو يجيبه بإرهاق:

- لا اعرف شيئاً عن الموضوع .. والآن اسكت ، ودعني انام قليلاً 

^^^


وبعد فشل جميع المحاولات والأساليب التقنية.. وبسبب غياب الدليل المادي :((لعدم وجود بصمات القاتل او سلاح الجريمة .. كما ان بقع الطين التي عثروا عليها بمسرح الجريمة ، لم يطابق حذاءه .. وكاميرات المطاعم الشعبية ، اظهرت تجوّله هناك)) مما اجبر الشرطة على إطلاق سراحه ، وتقييد القضية ضدّ مجهول !


ليسارع المتهم بالعودة لمنزله بالعاصمة ، بعد انتهاء مراسم دفن زوجته وعشيقها بمقبرة المدينة الصغيرة

***


بعد عدة أشهر.. نشر كتاباً (دون ذكر اسمه) على الإنترنت المظلم ، يشرح فيه التقنيات العشرة المستخدمة باستجوابات أجهزة الأمن ، وكيفية التغلّب عليها .. 

وقد حقّق كتابه ، مبيعات خيالية بين شبكات الجريمة المنظّمة.

***


وفي إحدى الأمسيات .. سأله صديقه بصوتٍ منخفض : 

- إخبرني الحقيقة .. هل أنت من قتلت زوجتك وعشيقها ؟


فارتشف الرجل قهوته بهدوء .. ثم أجاب جملته التي هزمت المُحققيّن:

- لا أعرف شيئاً عن الموضوع.


ويبدو ان الرجل الداهية قرّر أخذ سرّه معه إلى القبر ، دون ان يعرف احد ما حصل تلك الليلة !


قصص محمد بيومي آل غلاب في مدونتي

قصص مشتركة : من أفكار الأستاذ محمد ، وكتابة أمل شانوحة 1- كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الأول  https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_...