الجمعة، 28 أغسطس 2026

نور البراءة

تأليف : امل شانوحة 

اللطخة البيضاء


وقفت سعاد مصدومة من وجودها وحدها داخل مدرستها الثانوية بعد انصراف جميع الطالبات ! مما اجبرها على استعارة جوال ابنة الخادمة (فرّاشة المدرسة) .. لتتفاجأ بتسجيلٍ صوتيّ من امها ، تقول بقلق :

((إذهبي فوراً إلى منزل خالتك... لا تعودي إلى البيت ! إذا أتيتِ إلى هنا ، سيقتلك والدك دون رحمة))


فأرسلت سعاد رسالةً صوتية لأمها ، وهي تمسح دموعها:

((أمي... لا أعرف ماذا سمعتما عني ، لكني لم أفعل أيّ ذنب.. فهناك شيءٌ مرعب يحدث معي طوال النهار.. ففي الفسحة ، جلست بجانبي طالبة لم أرها من قبل.. أهدتني قطعة شوكولا.. ما إن أكلتها ، حتى شعرت بمغصٍ شديد في بطني.. فركضت إلى حمام الملعب ، اثناء صعود بقية الطالبات إلى الفصول.. ورأيت الخادمة تمنع طالبة أخرى من دخول الحمام ، لأنه معطّل.. لكنها سمحت لي بالدخول ! وما إن دخلت ، حتى حاول شخص فتح باب الحمام عليّ.. نظرت إلى أسفل الباب ،  فرأيت حذاءٍ أسود لرجل ، عليه لطخة طلاءٍ بيضاء! فصرخت بأعلى صوتي ، جعله يفرّ هارباً.. لكني تمكنت من اللحاق به ، قبل خروجه من المدرسة .. وأحلف أنه شبيه ابن خالتي ! لا ادري فعلاً ان كان هو ام لا ، لكنه أسقط رزمة من المال ، مازالت معي .. ثم عدت إلى فصلي ، دون إخبار احد بما حصل.. وفي الحصة الأخيرة ، أجبت على سؤال المعلمة .. فكافأتني بحلوى .. رغم أن طالبات أخريات أجبن أيضاً ، لكنها لم تعطِ الحلوى إلا لي.. الغريب انني غفوت فور تناولها ، كأن بداخلها منوّم .. وعندما استيقظت ، وجدت المدرسة خالية تماماً.. وجوالي مسروق من حقيبتي .. وباب المدرسة مغلق بإحكام .. ولولا دفعي المال لإبنة الخادمة ، لما سمحت لي باستعارة جوالها .. ومع ذلك نسيت جميع الأرقام ، ماعدا رقم هاتفنا الأرضي ..والآن أنا لوحدي في المدرسة... رجاءً أخرجاني قبل مغيب الشمس.. أنا خائفةٌ جداً))


وما ان سمعت أمها الرسالة ، حتى أسمعتها لزوجها الذي كان ينتظر غاضباً قدوم ابنته سعاد ، وبيده السكين .. 

وغضبه كان بسبب ابن خالتها الذي اخبره : انه رأى ابنته صباحاً وهي تقفز من سور المدرسة ، ثم تصعد إلى سيارة شابٍ غريب !

***


ونزل الوالدان مسرعان باتجاه متجر ابن خالتها القريب من المدرسة..

لينتبها على الفور ، للطخة البيضاء على حذائه الأسود ! 

فانهال الأب ضرباً عليه ، رغم انكار الشاب إقتحامه لمدرسة البنات .. الى ان هدّدته ام سعاد :

- ابنتي تحتفظ برزمة المال التي سقطت منك بساحة المدرسة ، وعليها بصماتك التي ستدينك لاحقاً 


فاعترف بأن أمه اتفقت مع بقية الأطراف على هذه الخطة التي لم يعرف سببها .. فدوره انحصر بإخافة سعاد فحسب ! 

صرخ الأب:

- ستدفع ثمن ذلك ، ايها الحقير !! 

^^^


وأسرع مع زوجته لداخل المدرسة .. وهناك سمعا صرخات ابنتهما من الطابق العلوي !

ليجدا مقنّعاً يحاول تمزيق ملابسها ، بينما تقاومه بكل قوتها ..


فأطبق الأب يداه على رقبة الرجل ، الى ان أغميّ عليه .. بينما سارعت الأم باحتضان ابنتها الخائفة التي اخبرتها بأنها هربت من المقنّع بين الممرّات ، الى ان تمكّن بعد ساعة من الإمساك بها !

فضمّها الأب وهو يشعر بتأنيب الضمير من تصديقه الإشاعة الكاذبة قبل ساعات !

^^^


وصلت الشرطة بعد دقائق.. واقتيد الرجل المقنّع وابن الخالة إلى التحقيق.

وكذلك قبضوا على الخالة التي اعترفت بعد الضغط عليها من المحقق ، بأنها مشعوذة جديدة .. وأن كياناً شيطانياً ظهر لها ، وأخبرها بأن ابنة أختها ستصبح عندما تكبر من أشد أعدائه.. لامتلاكها قدرة استثنائية على التأثير في الناس من خلال حديثها وخطاباتها التحفيزيّة ، وإنها ستكون من عمّال النور المميزين .. ولهذا لم تكن الخطة قتلها ، بل إطفاء نورها بالخوف وتدنيس طهارتها ! وفي المقابل سيكافئها الشيطان بثروةٍ مالية ان نجحت بتدمير سعاد نفسياً ! 


ومع اكمال التحقيقات ، اكتشفت الشرطة بأن سعاد لم تكن الضحية الأولى. .بل هناك بلاغات قديمة لفتيات تعرضن لسيناريوهات مشابهة ، كن ضحايا لمشعوذات أخريات نفذن خططهن لترويع فتيات صغيرات وتحطيمهن نفسياً.

***


لاحقاً ، انتشرت القضية في البلاد.. أدّت لغضبٍ شعبي بعد مطالبتهم بإعدام المشعوذات الحقودات ..

اما سعاد : فأصبحت من المتميزات بالخطابة .. وحرصت على التنقل بين المدارس لتنبيه الطالبات من اذى الأقارب قبل الغرباء ! 


وفي إحدى ندواتها ، ختمت كلمتها بالقول :

((لم يكن الخوف من الموت طعناً ، بل من اشاعةٍ كاذبة تُصدّق قبل سماع الحقيقة))


الخميس، 27 أغسطس 2026

ليلة العمر

تأليف : امل شانوحة 

 

اسرار الفساتين البيضاء


يعتبر ((ليلة العمر)) أشهر محل لتأجير فساتين الأعراس في المدينة..

ففي داخله عشرات الفساتين البيضاء فوق دمى العرض ، بمختلف الموديلات والتطريزات المميزة .. 

***


في المساء ، وبعد إغلاق المحل .. إلتفتتّ المالكانات لبعضهما ، لإجراء حديثٍ مهم بينهن ..

بادئةً احداهن الحوار ، بفخرٍ واعتزاز :

- كم كانت العروسة التي استأجرتني محظوظة بحياتها .. فهي لم تتوقف عن الضحك والإبتسام طوال ارتدائها لي ، بعد زواجها من حبيبها الذي احسنت اختياره .. فرغم مرور عامان على عرسها ، وولادتها لطفلةٍ جميلة .. الا انها مازالت تُخبر صديقاتها بأنني كنت فال خير ، وجلبت السعادة لحياتها.


فردّت فستانٌ أخرى تقف منعزلة في زاويةٍ مظلمة:

- انا عكسك تماماً .. فمن ارتدتني ، تطلّقت بعد شهر بسبب خلافٍ بين اهلها واهل العريس على ديون حفل الزفاف ! ولهذا لم تعد الفتيات تستأجرنني ، لاعتباري نذير شؤمٍ عليهن .. وكأني انا من يتحكّم بمصيرهن وقدرهن.

فحاولت فستانٌ أخرى مواساتها :

- البشر غريبون ! يعلّقون أخطاءهم وحظوظهم على قطعة قماش.


فردّت أخرى :

- إحمدي ربك ، فأنا أسوأ حالاً منكن جميعا!


فاستمعن لها باهتمام ، قبل إكمال قصتها :

- من حسن حظي انني لم أتلطّخ بدماء العروسة ، بعد اكتشاف العريس بأنه لم يكن اول رجلٍ بحياتها ! ومنذ ذلك الحين .. رُميت في هذا الركن ، كأن وصمة العار التصقت بي للأبد.


ساد المحل صمتٌ ثقيل.. قبل ان تتحدث الفستان الرابع التي كانت مميزة بتطريزاتها البرّاقة : 

- قصتي أشدّ قسوة.. صحيح أنني الأفضل بينكن ، من حيث القماش الفاخر والتصميم الراقي ..الا ان من ارتدتني ، بلّلته بدموعها .. فهي كانت مراهقة صغيرة ، أجبرها اهلها على الزواج من ثريٍّ عجوز .. ولهذا عدّتني كفنها المشؤوم ! وانا لست مثلكن ، لأن العريس لم يستأجرني .. بل اشترى قماشي وزينتي من افضل الماركات العالمية .. لكن اهلها الطمّاعون باعوني لهذا المحل ، للإستفادة من ثمني .. تماماً كما باعوا ابنتهم الصغيرة !


فقالت الفستان الخامس :

- اما انا !! فلم تبكي العروس التي لبستني ، لكني شعرت بضيق انفاسها وارتجاف اطرافها وتعرّقها الشديد ، كلما التقت عيناها بحبيبها الذي جلس بين المعازيم مصدوماً وهو يرى حبيبته تُزفّ لرجلٍ آخر .. اما هي ، فكانت مجبرة على تصنّع الإبتسامة لزوجها ، بينما انفاسها تختنق طوال الحفل ! صحيح لم تتساقط دموعها ، لكنها أحرقتني من الداخل..


فسكتن جميعاً بحزن ، قبل ان تقول الفستان الأخير :

- دورنا ان نُستأجر لليلةٍ واحدة ، ثم نُعاد في اليوم التالي إلى هذا المحل.. لذا لا يهم إن كنا جميلات ، ولوّ طُرّزنا باللؤلؤ والزخارف البرّاقة .. او كان ذيلنا اطول من بقية الفساتين.. فليس أجمل فستان هو من يلمع أكثر... بل الفستان الذي ترتديه امرأة ، كُتب لها القدر أجمل حكاية ! 


فوافقن جميعاً على كلامها ، قبل ان يستدرنّ نحو الواجهة .. ويلتزمنّ الصمت ، مع قدوم التاجر الذي لا يعلم بتأثّر فساتين العرس بمصير زبونات متجره ! 


الأربعاء، 26 أغسطس 2026

امرأة بلا ماضي

تأليف : امل شانوحة 

الذاكرة المنسية


بعد إدخال الزوجة الضيافة إلى غرفة الجلوس ، طلب منها زوجها إحضار بلاي ستيشن للعب مع صديقه

 فسألته باستغراب : 

- الم تطلب مني إخفاء الجهاز ، بعد ان اصبحت مهووساً به ؟!

- لا يهم .. إذهبي واحضريه


فعادت لغرفتها ، وهي تتمّتم بضيق :

- هو يعلم ان صحتي ليست بخير اليوم .. ومع ذلك يريدني ان احضر اللعبة من فوق الخزانة ، رغم شعوري بالدوار ! 


ثم وضعت السلّم الخشبي ، في محاولة لإنزال الصندوق الكرتوني الذي بداخله بلاي ستيشن .. لكنها لم تنتبه لعكّاز زوجها الحديديّ الذي فوقه (استخدمه قبل شهرين ، عندما أصيبت ساقه) الذي سقط بقوّة على رأسها ، مُتسبباً بجرحه 


في صالة المنزل .. سمع الزوج وصديقه صوت وقوعٍٍ عنيف للسلم ، فهرعا مذعوريّن للداخل.. 

ليجداها ممدّدة على الأرض ، والسلم فوقها .. والدماء تسيل من رأسها ! 

فحاول الزوج إيقاظها ، بهزّ جسمها بعنف .. لولا إصرار صديقه بأخذها فوراً للمستشفى

^^^


في الطريق ..

جلست المرأة في المقعد الخلفي ، مُسندةً رأسها على فخذ زوجها الذي يحاول ايقاف دمائها بالمناديل .. بينما صديقه يقود السيارة ، وهو يسأله بقلق : 

- هل تتنفس ؟

فوضع الزوج يده أمام أنفها ، قبل ان يجيبه برعب : 

- لا... لا تتنفس!

فصرخ صديقه:

- ماذا تنتظر؟ أنقذها بالحال !!

فأحنى الزوج رأسه ، لإجراء التنفس الإصطناعي.. 

وإذّ بها تنتفض فجأة ، وهي تبعده عنها بفزع :

- ماذا تفعل ؟!! 

ثم نظرت حولها بدهشةٍ مفزعة : 

- أين أنا؟!

وهنا رأت الدماء على المناديل ! فوضعت يدها على رأسها ، وهي تشعر بالألم :

- ماذا فعلتما بي؟!

فردّ الزوج بانزعاج :

- كفّي عن هذه السخافات !! فأنت جرحت رأسك ، بعد سقوطك من السلم..

فجلست بعيدةً عنه ، وهي تسأله بخوف : 

- ومن انت يا رجل ؟ ولما حاولت تقبيلي قبل قليل ؟ 

فساد الصمت بالسيارة ! 


فأجاب صديقه بقلق :

- هذا زوجك ، وكان يحاول إنعاشك .. الا تتذكرينه ؟!

فردّت بدهشة :

- وهل انا متزوجة ؟!

ثم انتبهت على خاتم اصبعها :

- يبدو ذلك ! 

فقال الزوج لصديقه ببرود:

- إنها تبالغ.

فردّ صديقه بعتاب :

- لقد سقطت من علوّ مترين ، ووقع السلّم على رأسها.. لابد ان الإصابة أضرّت بذاكرتها .. وكلّه بسببي ! ليتني لم أصرّ على لعب بلاي ستيشن معك

فسألت المرأة باستغراب:

- وما علاقة الجهاز بجرح رأسي ؟!

فأجاب زوجها : 

- اللعبة كانت في صندوقٍ فوق الخزانة ..هل تذكرتي الحادثة الآن؟

المرأة بقلق :

- لا .. لا اتذكر شيئاً 

فقال الصديق:

- لا تقلقي ، سنصل الى المشفى بعد قليل .. وهناك سيتبين كل شيء.

^^^


بعد الفحوصات.. خرج الطبيب من غرفة الأشعة ، وهو يقول للزوج: 

- مجرّد ارتجاجٌ بسيط .. لكنه يبدو اصاب جزء الذاكرة في دماغها! 

الزوج بقلق :

- ومتى ستتذكّرني؟

الطبيب : الأمر بيدك .. عليك تذكيرها بالماضي الجميل.. يعني المواقف العاطفية بينكما ايام الخطوبة وشهر العسل ، فهي وحدها ما يعلق بذهن المرأة.

^^^


فعادت الى المنزل مع زوجها المحتار بطريقة تصرّفه معها .. خصوصاً بعد إصرارها على البقاء وحدها بغرفتها التي أقفلتها بإحكام .. فهو بالنسبة لها ، رجلٌ غريبٌ عنها!

***


في الأيام التالية ، إضّطر لتغير معاملته معها .. فهو لم يعد يرفع صوته ، او يعطيها اوامر صارمة .. بل صار يستشيرها ويأخذ اذنها ، قبل فعله شيء..


ومع مرور الأيام .. حدث شيءٌ لم يتوقعه ، حين بدأ يكتشفها من جديد .. فهي لم تعد زوجته الباهتة الصامتة التي اعتاد عليها .. بل صارت تناقشه وتعارضه بجرأة .. وتخبره النكات وهي تضحك من قلبها .. وتطلعه على أحلامها .. وتشاركه طموحها ومواهبها التي لم يعلم عنها سابقاً ! كما صارت تهتم بمظهرها ، وتختار ملابسها بنفسها.. وتمازحه بروحها الطفولية وعفويتها الجميلة !


مما جعله يستذكر سنواتهما الماضية ، بعد إجبارها على التصرّف كزوجةٍ هادئة ومطيعة .. بعد ان نصحه الأقارب والأصدقاء قبل الزواج : بطمس شخصيتها تماماً ، وتحقير آرائها وأحلامها .. ومنعها من الخروج والإختلاط بالناس .. وجعل كلمته دائماً هي الأولى والأخيرة 


وبعد تنفيذ نصائحهم ، تحوّلت زوجته إلى امرأة تخاف اعتراضه وإغضابه .. خصوصاً بعد اجبارها على الإستقالة من عملها الذي تحبه .. وإبعادها عن اهلها واصدقائها .. كما كان ينصحها باستعلاء ، بالتفكير بكلامها الف مرة قبل التحدث اليه وإضاعة وقته بآرائها التافهة .. كل ذلك ، رغبةً بخلق زواجٍ بلا مشاكل .. لكنه بالحقيقة صنع بيتاً بلا روحٍ او حياة !  


اما بعد الحادثة ، فصارت تفاجئه بطباعها الجميلة كل يوم.. والأغرب أنه بدأ يعشق هذه المرأة الجديدة.. او بالأصح ، يكتشف حقيقتها بعد خمس سنوات من الحياة الرتيبة المملة ! 

***


ذات مساء ، وهما يشاهدان التلفاز .. سألته بجرأة : 

- هل لديك مشكلة صحية تمنعنا من الإنجاب ؟

فنظر اليها بصدمة :

- ماذا قلت ؟!

- هذا الصباح ، وجدت ملفي الصحي بخزانتي .. وكانت نتائجي جيدة ، لكني لم اجد فحوصاتك ضمن الملف ..

فقاطعها بعصبية :

- هذا يعارض رجولتي !!


ورفع صوت التلفاز لقطع محادثتها .. لكنها أطفأت الجهاز ، وهي تسأله بحزم : 

- نحن متزوجان منذ خمس سنوات ..الا تريد أن تصبح أباً ؟

- كيف وانت تمنعيني الإقتراب منك ؟

- لا تغير الموضوع .. غداً نذهب معاً إلى الطبيب لإجراء .. 

مقاطعاً بعصبية :

- ارفض ان اصبح موضع سخرية أمام الناس.

فأمسكت يده بحنان : 

- لن يعرف أحد.. وإن كان هناك شيء يحتاج إلى علاج ، فسأقف إلى جانبك.. فكلانا اقترب من سن الأربعين ، ولا أريد تضيع المزيد من الوقت.

ففكّر مطولاً ، قبل ان يوافق بتردّد

^^^


وجاءت النتائج مطمئنة..

فهو لم يكن لديه مرضٌ خطير ، بل مجرد عارضٌ بسيط يتطلّب علاجاً بسيطاً

ولأنه وافق على الفحوصات والعلاج ، سمحت بعودته الى غرفتها ..

***


وبعد شهرين ، علم بحملها.. فاحتضنها سعيداً ، وهو يعدها بحفلةٍ عائلية 


وفي الحفل ، لاحظ الجميع تغير طباع الزوجة .. فهي لم تعد صامتة ومنزوية بالمناسبات .. بل ظهرت متألقة بثوبها الفخم ، وهي تضحك بطلاقة وتشارك احاديث الجميع بثقةٍ واعتزاز 

اما زوجها ، فلم يعد يقاطعها أو يأمرها بإذلال امام الغرباء .. بل ينظر إليها باحترام وبابتسامةٍ حنونة ، كأنهما عروسان جدد !

^^^


بعد انتهاء الحفل ، وفي غرفة النوم..

قال الزوج بنبرةٍ نادمة :

- اريد الإعتذار عن سنوات قسوتي معك .. كنت أظن أنه بجعلك مطيعة لكل أوامري ، سأعيش حياةً هادئة.. لكني كنت مخطئاً.. فعندما فقدتِ ذاكرتك ، ظهرت أمامي امرأة لم أعرفها من قبل ! امرأة قوية ومرحة ، لها أحلام وطموح وآراءً سديدة ... واكتشفت أنني أحب هذه المرأة ، أكثر من زوجتي التي أطاعتني بكل شيء ! ليتني عرفت جوهرك الحقيقي منذ البداية.

فأسندت رأسها على كتفه بدلال : 

- المهم أنك عرفتني الآن.. وطالما اصبحت لطيفاً معي ، وتحترمني امام الناس .. فهذا يكفيني..


فحضنها بحنان ، دون علمه بما تخفيه عنه :

((فهو يظنها فاقدة الذاكرة .. لكنها بالحقيقة قبل الحادثة بيوم ، التقت بصديقتها من أيام الجامعة..وجلستا في أحد المطاعم..

لتتفاجأ بصديقتها تسألها بأسى :

- ما الذي جرى لكِ ؟ لما تحولتِ إلى امرأةٍ كئيبة وذابلة ، مقارنةً بأيام الجامعة؟!

ثم أرتها مقاطع فيديو قديمة لهما : وهما تضحكان وتمرحان بحرّية 

متسائلةً بحرقة:

- أين ذهبت تلك الروح الجميلة ؟! 

ثم نصحتها بوضع حدٍ لزوجها النرجسي ، او الطلاق منه

 

فعادت الزوجة الى منزلها مهمومة ، بعد تأكّدها بأنها بعلاقةٍ غير صحية ..


وبعد ان وقع العكّاز من فوق الخزانة ، جارحاً رأسها .. خطرت ببالها ، إسقاط السلم بقوة .. ثم الإستلقاء تحته .. لإيهام زوجها بوقوعها من ارتفاعٍ كبير ، متسبباً بفقدان ذاكرتها ..


ثم بدأت خطتها بعد استيقاظها بسيارة صديق زوجها ، مُدعيةً نسيان الماضي .. او بالأصح ، ناكرةً للوحش الذي صنعته بيدها طوال الخمس سنوات الماضية .. فهي من جعلته نرجسياً ، بطاعتها العمياء له .. وإغداق المديح عليه ، رغم عدم استحقاقه ذلك .. ولهذا ارادت إصلاح خطأها اولاً ، بالعودة لشخصيتها القديمة 


في البداية عاملها زوجها بحذر ، خوفاً من خسارتها .. ثم باحترام ، بدافع الفضول..ثم بدافع الإعجاب.. وأخيراً... بدافع الحب.


فهي بالنهاية لم تفقد ذاكرتها .. بل استعادت نفسها الحقيقية بذكاءٍ أنثويٍّ ناعم)) 


وفي هذا المساء ، وبينما تراقب زوجها النائم .. وضعت يدها على بطنها ، وهي تتمنى أن يرسّخ الطفل الحب بينهما .. عاقدةً العزم على الإحتفاظ بسرّ حيلتها للأبد .. فهي لم تفعل ذلك هدماً لمنزلها .. بل لترسيخ قواعد الحب والإحترام والمساواة ، لبناء زواجٍ سعيد يدوم العمر كلّه !


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

لغز اختفاء المليونير

تأليف : امل شانوحة 

المغامر الجريء


ورث جاك ثروةً طائلة عن والده .. وبدل صرف ماله بالطرق التي يستخدمها معظم الأثرياء ، قرّر ان ينفقها بحل الغازٍ تهم البشريّة !

 

وكانت وجهته الأولى الى جزيرة نورث سنتينل التي يعيش سكّانها الأصليون منعزلين عن العالم الخارجي ، ويقاتلون كل غريب يحاول الإقتراب من جزيرتهم 


لكن لجاك رأيٌّ آخر .. حيث استأجر قارباً أبقاه على مسافةٍ آمنة بعيداً عن شاطئهم ، لا تصل اليه أسهمهم .. 

ووضع فوق قاربه شاشةً ضخمة ، عرض عليها إعلاناً متكرّراً لأحد انواع الشوكولا.. مما اثار اهتمام اطفال القبيلة الذين شاهدوا الإعلان باهتمام .. 

وبعدها ارسل جاك قارباً صغيراً يتحكّم به عن بعد ، مُحمّلاً بنفس نوع الشوكولا.. جعلت الأطفال يفتحون الصناديق بحذر .. وما ان تذوّقوا اول لقمة ، حتى سارعوا بحمل الواح الشوكولا الى اهاليهم   


كرّر جاك الموضوع اكثر من مرة ، حتى تعوّدت القبيلة على مذاق الشوكولا الحلو .. بعدها انقطع عنهم لفترة .. قبل ظهور جاك بقاربه المُحمّل بصناديق الشوكولا ، وهو يجذف ببطء نحو شاطئهم الذي امتلأ بأفراد القبيلة .. 

لكن هذه المرة لم يوجهوا اسلحتهم عليه ، بل استقبلوه بالإبتسامات والتهليلات المرحّبة.. بينما صغارهم يقفزون حماساً ، بانتظار وصوله اليهم!

وحينما وصل ، سارع بتوزيع الشوكولا عليهم .. قبل ان يحظى بيومٍ كاملٍ معهم ، وهم يحتفلون به على طريقتهم .. كل هذا تم تصويره من خلال كاميرا صغيرة مثبّتة بقبعة جاك .. 


وفي الصباح التالي ، ودّعوه جميعاً وهو متوجه بقاربه الى السفينة الكبيرة التي تنتظره بعرض البحر .. وبذلك اثبت للعالم ان احترامه لحدود القبيلة ، هو ما جعلهم ودودوين معه.. وبذلك حلّ اللغز الأول بسلام

*** 


بعد ذلك توجه إلى تركمانستان ، تحديداً بوّابة الجحيم : الحفرة الغازية المشتعلة منذ سنواتٍ طويلة.

كانت خطته بسيطة ، وهي تطبيق اجراءات السلامة المستخدمة عند احتراق طنجرة الزيت في المطبخ .. 

قائلاً للمسؤول هناك :

- اذا غطينا قدراً مشتعلاً بقماشةٍ مبلولة ، نقطع عنها الأكسجين ، فينطفئ اللهب.. لما لا نقوم بالشيء ذاته مع الفوهة ، على ان نختار قماشاً مضاداً للحريق ؟ 

فوافق المسؤول بعد ان وعده جاك بالتكفّل بمصاريف التجربة كاملةً 


وبالفعل ، نجح الغطاء المبلول بإخماد الحريق ، بعد تصاعد الدخان من جوانب الفوهة .. مما سمح لدولتهم الإستفادة من الغاز الطبيعي اخيراً ، كمصدر للطاقة.

***


ثم انتقل جاك الى جبال الهيمالايا التي تحوي جثث متسلقيها الذين لقوا حتفهم قبل سنوات .. وتم تركهم هناك ، لأن انتشالهم عمليةً بالغة الخطورة مع تكلفة مادية ضخمة

 

ففكّر بحلّ المشكلة بطريقةٍ سهلة : وهو إنشاء مسارات إنزلاقية آمنة من البلاستيك ، تشبه زحاليق ملاعب الصغار .. لمساعدة فرق الإنقاذ على إنزال الجثامين للإسفل .. وهو سيتكفّل بمصاريف المهمّة ، بالإضافة لدفع اجرة متسلقين محترفين وفرق إنقاذ مدرّبة..

وقد ساعد فصل الصيف بإنجاح العملية ، وإنزال اكثرية الجثامين بعد اسابيع من وصول المتسلقين المحترفين للقمة .. بينما تعسّر الوصول لبعض الجثث المُنحشرة بين شقوق الجبل الشاهق 


وبنهاية المهمة .. اقترح جاك إقامة جنازة جماعية رمزية ، تُبث عبر التلفاز.. تكريماً للأبطال الذين دفنوا بشكلٍ لائق ، وسط دموع اهاليهم الذين انتظروا هذه اللحظة منذ سنواتٍ طويلة 

***


في المهمة التالية : اشترى طائرة درون احترافية ، مزوّدة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار..أطلقها في ممرّات الكهوف الضيقة ، وفوق مدينة تشيرنوبل المهجورة ، وغابات الأمازون ليلاً ، وجزيرة الأفاعي البرازيلية التي يصعب على الإنسان الإقتراب منها .. ناشراً عشرات الفيديوهات المثيرة للإهتمام عبر وسائل تواصله الإجتماعي ، التي استقطبت ملايين المشاهدين

***


بعدها اشترى غواصة صغيرة ، مجهزة بكاميرات محترفة لتفسير اسطورة مثلث برمودا .. استطاعت كشف جزءاً من الحقيقة الغامضة ، قبل غرقها 

***


وفي مشروعٍ آخر.. طلب من تقني محترف ، صنع كرةً فولاذية مضيئة غير مجوّفة تتحمّل ضغط المحيط .. مجهزة بكاميرات حرارية ، يمكن تحريكها بواسطة الأقمار الصناعية .. يتم إرسالها لأعمق نقطة بالمحيط .. والتي نجحت بالفعل بتصوير مخلوقاتٍ بحريةٍ غريبة ، لم يسبق للعلماء اكتشافها من قبل ! 

***


حتى الأعاصير : صمّم لها بالوناً مرناً شديد التحمّل ، فيه كاميرات وأجهزة قياس.. لتصوير ما يحدث داخل الأعاصير ، بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.

***


لاحقاً ، انتقل فضوله للفضاء.. مقترحاً على علماء الناسا : صنع كرةً مطاطية مرنة تتحمّل أقسى الضغوطات دون انفجارها.. بداخلها كاميرات وأجهزة استشعار ، يتم ارسالها قرب الثقب الأسود .. لعلّها تصوّر الجهة المقابلة من ذلك الثقب ! 


فسألوه عن سبب صرفه ملايين الدولارات على تجربة ، نسبة فشلها اكبر من نجاحها بكثير :

- وماذا ستكسب في المقابل ، استاذ جاك ؟

جاك : المعرفة ، وكشف الغاز الكوكب الذي نعيش فيه 

فوعدوه بدراسة اقتراحه بجديّة ، طالما سيتكفّل بكافة المصاريف 

***


في هذه الأثناء ، انتقل فضوله لحلّ اكبر لغزٍ بشري : 

((ماذا يوجد خلف جبال أنتاركتيكا ؟))


مستأجراً طائرةً شراعية مجهزة بكاميرات تتحمّل اقسى درجات البرودة ، في مهمّة انتحارية لتجاوز سلسلةٍ جبليةٍ نائية ، وتصويرها من الجو.


لكن قبل انطلاق رحلته ، اوقفته السلطات التي صادرت معدّاته..

ولم يكتفوا بذلك ، بل وجّهوا له تهمةً خطيرة : بخرقه القيود المفروضة على المنطقة وزعزعة الأمن القومي.


من بعدها اختفى الشاب الثريّ جاك دون محاكمة او مقابلاتٍ اعلامية ، حتى اهله واصدقائه لم يعرفوا مصيره !

وبذلك اصبح لغز اختفائه ، اكبر مما اكتشفه بماله وجرأته النادرة..

*** 


وفي إحدى المقالات عن انجازاته ، خُتمت بعبارة : 

((كان بإمكان السيد جاك عيش حياة الأثرياء المريحة ، لكنه فضّل انفاق ثروته في مطاردة المجهول..

فهل مازال حياً بأحد السجون الدولية ؟ ام تمّ اعدامه ، بعد اكتشافه شيئاً عظيماً لا تسمح الحكومات بإظهاره للعلن ؟!))


الاثنين، 24 أغسطس 2026

وكر الهضبة المهجورة

تأليف : امل شانوحة 

الطفولة المختطفة


على الطريق العام .. تتواجد هضبة صخرية ، مبنياً عليها بيوتاً شعبية فقيرة .. قبل قرار الحكومة بإغلاق جميع مداخلها بسواتر الألمنيوم والحواجز الإسمنتية ، مُجبرةً سكّانها على الرحيل إلى المدينتين المجاورتين ، بحجّة وجود غازٍ طبيعي اسفل الهضبة المكوّنة من شارعين رئيسيّن : علويّ وسفلي .. تحقيقاً لرغبة الدولة ببناء مصنعٍ للإستفادة من موردها الطبيعي .. 

***


وبعد عشر سنوات ، وفي عصر هذا اليوم .. اوقف الشاب سيارته خارج المنطقة المهجورة ، مكملاً طريقه مع صديقه سيراً على الأقدام .. حتى وصلا إلى الشارع العلوي.


وهناك وجدا المكان صامتاً بشكلٍ مخيف : المنازل محطّمة ومتهالكة ، والأعشاب البرّية غطّت الأرصفة والطرقات 


فسأل صديقه بفضول :

- لما أصرّيت على رؤية منطقتنا القديمة ، التي تبدو معدمة مقارنةً بالمدينة الحديثة التي نقلونا اليها ؟!

- اشتقت لذكريات طفولتنا .. فأنا مازلت لليوم مغتاظاً على طردنا منها ، دون سببٍ واضح 

- الا ترى منازلها القديمة الآيلة للسقوط ؟ ..كما ارادت حكومتنا بناء مصنعٍ للغاز..  

مقاطعاً بعصبية : واين هو مصنع الغاز ؟!! لما لم يبنوه حتى الآن ؟

- ربما نقص بميزانية الدولة ، لما تهتم لهذه الأمور ؟

 

فسكت الشاب مطوّلاً ، قبل ان يسأل صديقه :

- هل تذكر ملعبنا الرملي الذي كسبنا عليه الكثير من المباريات التنافسية؟

- بالطبع اذكر ، كان بالشارع السفلي .. لكن سيارتي لم تستطع الوصول اليه ، بعد إقفال مدخله بالبوّابة الحديدية الضخمة ، كما رأيت.. (ثم اشار بيده) .. إن أردت ، يمكنك النظر لملعبنا من خلال شقّ الحاجز الألمونيوم الذي هناك 


فأحنى الشاب الثاني ظهره ، وهو ينظر من الشقّ نحو الشارع السفلي .. ليفاجأ بمنظرٍ غريب ! 

((ثلاثة رجال مسلّحين .. وبجانبهم فتاتان صغيرتان لم تتجاوز اعمارهن الثامنة ، ترتديان فساتين بيضاء..وتجلسان بهدوء على حافة الملعب الرملي المهجور)) 


فشعر الشاب بالقلق ، وأخرج جواله لتصوير ما يحدث ..وهو يطلب من صديقه التزام الصمت ! 

ليصوّر بعد قليل : ((ترجّل رجل من سيارته الفارهة ، لمعاينة الفتاتين .. قبل اختيار احداهما.. بينما يقوم حارسه الشخصي بدفع النقود لأحد الرجال المسلّحين ..ثم سحب الفتاة من ذراعها نحو السيارة التي انطلقت مبتعدة عن المكان))


وما حصل ارعب الشابان اللذان ركضا باتجاه سيارتهما المتوقفة عند مدخل الشارع العلوي.. وهما يحاولان الإبتعاد عن الهضبة التي تحوّلت لوكر عصابة الإتجار بالأطفال المخطوفين 


لكن المنطقة لم تكن سهلة الخروج منها ، بسبب تلال الرمال والحواجز عند المفارق... فاضّطرا إلى سلوك طريقٍ مُلتف ، يحتاج نصف ساعة لعودتهما إلى الطريق العام.


في هذه الأثناء ، ارسل الشاب المقطع لأقرب مركز شرطة التي لم تردّ على رسالته رغم رؤيتهم للفيديو ! 


فالتفت لصديقه وهو يقول بقلق :

- اظنني اخطأت بإرسال المقطع للشرطة 

- ولماذا ؟

- طالما هذه الأمور تحدث في وضح النهار ، فربما كانوا متورّطين مع العصابة التي تعطيهم نسبة من الأرباح .. ولهذا سأنشر المقطع فوراً بوسائل التواصل الإجتماعي  


ورغم قلق صديقه من فعل ذلك ، الا انه تمكّن من نشره قبل دقائق من ملاحقتهما من دوريّة شرطة .. اوقفتهما بالأصفاد بعد توجيه الأسلحة نحوهما !

الشاب بفزع : نحن من ارسلنا فيديو العصابة اليكم !!

^^^


لكن الشرطة اقتادتهما الى داخل المنطقة المهجورة ، بعد فتحهم البوّابة الحديدية الموصلة للشارع السفليّ ! 

متوقفين قرب مستودعٍ مهجور ، خرج منه زعيم العصابة الأعور وهو يعاتب رجال الشرطة الثلاثة على تقاعسهم بمراقبة مداخل وكرهم السرّي! 

فاعتذروا منه ، قبل عودتهم الى عملهم !  


بينما تكفلت العصابة بكسر جواليّ الشابين الذين انهالوا عليهما صفعاً وضرباً دون رحمة !


وبذلك فهم الشابان متأخراً بتورّط الشرطة الفاسدة بجريمة اختطاف الأطفال الذين رأوا العديد منهم هناك ، كأنهم عبيد مكسوري الإرادة بانتظار بيعهم للأثرياء ، كما حصل مع غيرهم ! 


وهنا صرخ احد الشابيّن بألم :

- لحظة توقف !! قبل ان تقتلني ، اريد معرفة ما يحصل هنا 

قائد العصابة : ولما يهمك الأمر ، طالما ستموت بجميع الأحوال ؟

- هذا آخر طلب بحياتي ، اريد معرفة كل شيء قبل موتي.. هل ما اطلبه كثير؟

فردّ قائد العصابة : لا بأس ، طالما الحقيقة ستُدفن معكما .. (وأخذ نفساً طويلاً) ..الخطة كانت بإيجاد مكانٍ يصلح وكراً لنا ، دون لفت الأنظار الينا .. فاخترعنا فكرة الغاز الطبيعي ، لإخلاء المنطقة الشعبية .. 

الشاب مقاطعاً : ولما كل هذا ؟! 


الزعيم : لأن الأثرياء يعشقون نعومة اجساد الأطفال ، سواءً فتيات يافعات او صبيان صغار الذين يقوم رجالي باختطافهم من الشوارع ، او بعد خروجهم من المدارس ، او من المولات اثناء انشغال اهاليهم عنهم .. ثم يحضروهم الى هذا المستودع المهجور 

الشاب باهتمام : وكم طفلاً خطفتم حتى الآن ؟

القائد : طفل او طفلين كل اسبوع على مدى عشر سنوات ، إحسبها انت !! فبعضهم يُباع فوراً ، لوسامته .. وبعضهم يُستغلّ ، ثم يعاد إلينا .. والبعض الآخر يختفي إلى الأبد... وعندما يصبحون مراهقين وبعمرٍ قانوني ، نرسلهم الى المنتجعات والفنادق الفخمة مع نسبة من الإرباح ..


فنظر الشاب للأولاد الذين كانوا يتناولون طعامهم بهدوء ، وهو يسأل بقلق: 

- وكيف تخضعوهم بهذا الشكل ؟! 

الزعيم : الأمر بسيط .. كلما حاول أحدهم الهرب ، نعاقبه بقسوة أمام زملائه ..(ثم اشار للأولاد) .. لكننا بالنهاية لسنا وحوشاً .. فكما ترى ، نوفّر لهم الطعام والملابس الجميلة .. كما لدينا طبيباً يتابع صحتهم ، قبل وبعد انتهاء مهامهم الخاصة .. وهو من يقوم بإجهاض الحوامل منهن..

الشاب مقاطعاً بصدمة : كيف ، وجميعهن صغيرات بالسن ؟!

القائد : لدينا بعض المراهقات .. وأصغر من قمن بإجهاضها ، كانت بسن التاسعة .. لكنها توفيت اثناء العملية

الشاب بقهر : لا اصدق ان كل هذا الجرائم ، لم يعاقبكم عليها احد حتى الآن ؟!


القائد : ومن سيعاقبنا ان كان بعض الوزراء والنوّاب متورّطين معنا ؟ فأولئك الأطفال نخطفهم من جميع انحاء الدولة ، ونحضرهم الى هذه الهضبة التي لم يفكّر احد بدخولها بعد رحيل سكّانها .. فيما عداكما ، ايها الفضوليّن !! لكن بغبائكما ، ارسلتما الدليل للشرطة المتعاونة معنا .. والذين قاموا شاكرين بالقبض عليكما ، وإحضاركما الينا.. وبعد تعذيبكما ، سنقوم بقتلكما دون ان يعلم احد بمصيركما

فرد الشاب بحزم : 

- اخطأت !! الجميع سيعلم عن جرائمكم ، بعد نشري المقطع بجميع وسائل التواصل الإجتماعي قبل قبض الشرطة علينا

القائد بقلق : انت تكذب ..

الشاب مقاطعاً بثقة : ابداً !! ويمكنك التأكّد بنفسك .. إفتح جوالك وابحث عن المقطع الذي صوّرته عنكم 


فانتاب الزعيم الرعب وهو يبحث بالإنترنت .. ليفاجأ بانتشار المقطع بشكلٍ مهول بين الناس ! خصوصاً اهالي الأطفال المفقودين الذين لم ينتظروا الشرطة لإعادة اولادهم ، بل صوّروا انفسهم وهو يتحضّرون لاقتحام المنطقة المهجورة وهم مُدجّجين بالأسلحة البدائية : كالسواطير والسكاكين والعصيّ الحديدية والخشبية 


وقبل ان يستوعب القائد ما يحصل ! دخل احد رجاله فزعاً :

- يا زعيم !! هناك عشرات السيارات تتوجه الينا 

فأعطى الأوامر لرجاله بالهرب من المكان ، وترك الأطفال المخطوفين في المستودع المهجور 


لكن الحواجز التي وضعوها على المفارق ، أصبحت فخاً لهم بعد تأخيرها هروبهم ..وما ان وصلت سياراتهم للطريق العام ، حتى تفاجأوا بالأهالي يحاصروهم هناك.. قبل اقتيادهم ، عائدين الى المستودع المهجور 

حيث قيّدوا افراد العصابة على الأعمدة الصدئة للمستودع ، والذين لم يتجاوز عددهم الثلاثين رجلاً .. بينما الأمهات يحتضن اطفالهن الذين تجمدوا في اماكنهم : فبعضهم نسي شكل اهله ، لاختطافه قبل سنوات .. وبعض المراهقين شعروا بالخزيّ ، للإعتداء المتكرّر عليهم ! 

اما الآباء : فلم ينتظروا قدوم الشرطة ، بعد ان اخبرهم الشاب (الذي نشر المقطع) بتورّطهم مع العصابة .. وهجموا جميعاً بأسلحتهم على الخاطفين وهم يضربوهم بالعصيّ ، ويطعنوهم بالسكاكين حتى الموت .. 


ورغم قساوة المنظر ، الا ان الأطفال صفقوا فرحين بعد مقتل الوحوش الذين تلاعبوا بأجسادهم لسنواتٍ طويلة 

***


ووصل الخبر لأعلى سلطة بالدولة التي اجرت تحقيقاً شاملاً لكل مراكز الشرطة في الدولة ، قابضين على العديد من الشرطة الفاسدة .. كما تم اعتقال الكثير من المسؤولين ورجال الأعمال والشخصيات النافذة ، بأكبر فضيحة هزّت الشأن العام  


وكل هذا بسبب شابيّن اشتاقا لرؤية ملعب طفولتهما ، ليكتشفا مستودعاً دُفن فيه براءة مئات الأطفال .. فاضحان بجرأتهما ، أقذر شبكة إتجار بالبشر في عصرنا الحديث ! 


الأحد، 23 أغسطس 2026

خروف السجن

تأليف : امل شانوحة 

القلوب الرحيمة


في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام المساجين الذين نادراً ما يُسمح لهم بتناول اللحم ، مما جعلهم متحمّسين لوجبة العيد.. 

لكن بغفلة من الطبّاخ ، هرب الخروف الى ساحة السجن.. 


بالبداية حاول السجناء والحرّاس إمساكه ، وإعادته للطبّاخ الذي كان يلاحقه ايضاً .. لكن الخروف ارتمى خائفاً بحضن سجينٍ ضخم ، عُرف بقوته وعصبيّته المخيفة ، خصوصاً مع اقتراب موعد اعدامه .. فتوقعوا ان يدفع الخروف بعيداً بعنف .. لكنه فاجأهم بمسح صوفه برفق ، الى ان هدأ روع الخروف .. وسط صدمة الجميع ! 


ثم طلب من الطبّاخ تأجيل ذبحه لليوم الرابع من العيد .. فوافق مرغماً ، لضخامته وهيبته بين السجناء 

***


وبغضون ثلاثة ايام .. تعلّق الجميع بالخروف ، وهم يدلّلونه ويطعمونه جزءاً من سلطاتهم وخبزهم.. حتى الحرّاس يبتسمون ، كلما رأوا الخروف يتجوّل بحرّية بين العنابر .. 


وحينما ذُبح اخيراً .. اكل الجميع وجبة الأرز باللحم بصمتٍ ثقيل ، كأنهم فقدوا صديقاً عزيزاً ! 

اما مدير السجن الذي كان يتجول بقاعة الطعام ، فقد لاحظ دمعة السجين المرعب التي مسحها سريعاً.. 

فطلب من الطبيب النفسي المحاولة معه من جديد 

*** 


في عيادة السجن .. توقع الطبيب رفض السجين العنيد البوح بمشاعره ، كما يفعل دائماً.. لكن سؤالٌ واحد ، جعل جدار الثلج ينهار اخيراً

الدكتور : إخبرني صدقاً .. هل احزنك اكل لحم صديقك الخروف ؟


فإذّ بالسجين يأخذ نفساً طويلاً ، كأنه يحاول بصعوبة كبت دموعه .. ثم بدأ بسرد الأحداث لأول مرة ، منذ اعتقاله قبل خمس سنوات


حيث اخبره عن اجبار والده القاسي على ذبح خروف العيد ، بعمر الخامسة ! ممسكاً بيده الصغيرة بقوة اثناء النحر ، رغبةً بجعله شاباً قوياً.. لكن رؤيته الدماء دمّرت نفسيّته تماماً ، وقتلت مشاعر الرحمة لديه.. ولهذا فرّ مذعوراً بعد دهسه بالخطأ رجلاً في طريقه إلى صلاة الفجر.. وتركه ينزف وحده حتى الموت ، خوفاً من مواجهة الدماء مرةً أخرى ! ولهذا ينتظر بلوغ اصغر ابناء القتيل سن ١٨ ، لمعرفة ان كان سيسامحه او يُنفّذ فيه قصاص السيف ، والذي سيحدث بعد ثلاثة اسابيع فقط.. ولهذا تعلّق بالخروف ، كمحاولة لاسترداد براءة طفولته التي ضاعت بتربية والده الخاطئة  

^^^


ورغم ان هذا السجين تم اعدامه بالفعل.. الا ان حواره مع الطبيب ، أثّر على مدير السجن الذي عقد اتفاقاً مع مؤسسة ترعى قطط الشوارع .. مُحضراً عشرات القطط إلى السجن ، للسماح للسجناء بتربيتها !

***


في البداية استغرب الجميع قراره ! 

لكن بعد شهور على اعتنائهم بها.. اختفت معظم شجاراتهم ، بعد تبادلهم الطعام لأجل قططهم التي تناقشوا طرق علاجها .. وصنع العاباً لها .. بل وتساعدوا معاً على تنظيف أماكنها ، والعناية بصغارها..


حتى ان الطبيب النفسي لاحظ انخفاض نوبات الغضب والعنف ، وازدياد روح التعاون بين السجناء ! ويبدوا ان ايجادهم لكائنٍ ضعيف يحتاجهم ، أيقظ فيهم مشاعر الرحمة التي حرموا منها ، لظروف حياتهم القاسية

***


وفي أحد الأيام.. وقف مدير السجن أمام نافذة مكتبه ، وهو يراقب عشرات السجناء وهم يطعمون القطط في الساحة..

قائلاً بفخر :

- كل هذا التطوّر الإيجابي حصل يوم هروب الخروف من المطبخ ، مغيراً مصير 200 سجين نحو الأفضل !


الجمعة، 21 أغسطس 2026

الدخيل الطيب

تأليف : امل شانوحة 

الحب المؤجّل


- أين علبة السكر؟

وقفت المرأة السبعينية أمام خزانة المطبخ ، وهي تبحث بين الأغراض بعصبية..

فهي متأكدة من وضعه بمكانها المعتاد ، لكنها لم تعثر على المرطبان.


وبعد دقائق من البحث ، وجدته داخل البراد!

فتساءلت باستغراب :

- من وضعه هنا ؟!


فهي طوال حياتها بهذا المنزل ، لم تغيّر مكان السكر في الخزانة .. كما ان ابنها الوحيد غائباً منذ أسبوع ، بسبب امتحاناته النهائية في الجامعة .. 


فقالت وهي تعيد السكر إلى مكانه:

- ربما نسيت...

***


لكن الأمر تكرّر في الأيام التالية ، بعد تغيّر مكان كرسيها الهزّاز .. وإيجادها جهاز التحكّم فوق التلفاز ، بدل الطاولة ! 

وكوب الماء الفارغ بجانب سريرها ، رغم عدم تذكّرها شربه ! 


كل هذا جعلها تتصل بسكن الطلّاب ، وهي تطلب من ابنها مذعورة:

- إتصل بالشرطة فوراً !! فهناك شخص يدخل منزلي أثناء نومي ، ويُحرّك أغراضي من أماكنها 

- هل انت متأكدة يا امي ؟ ربما نسيتي ..

مقاطعة بعصبية : 

- لم أضع السكر في البراد طوال حياتي !!

فحاول تهدأتها ، وهو يخبرها بأنه سيعيد الإتصال بها بعد قليل ..


فهي لم تعلم بوضعه كاميرات صغيرة في أنحاء منزلها قبل ذهابه للجامعة ، للإطمئنان عليها لحين انتهاء امتحاناته.

وبعد مراجعته التسجيلات ، إنصدم برؤية امه تقوم بتلك التغيرات بنفسها !

^^^


لكنه لم يخبرها بشكوكه ، لحين عودته .. وإصراره على اجراء فحوصاتٍ طبية .. والتي أكّدت بوادر مرض الزهايمر.

فبكى الشاب ..ليس فقط حزناً على مرضها ، بل لحصوله على منحةٍ دراسية لإكمال الماجستير في الخارج.. لكنه سيضطّر لتخلّي عن هذه الفرصة ، للإهتمام بأمه المريضة.. كردّ الجميل عن تربيته وحدها ، عقب وفاة والده وهو طفل صغير !

كما انها أنجبته بعد سنواتٍ طويلة من العقم ، لذلك يوجد فارق عمري كبير بينهما .. جعل الناس يظنونها جدته ، لا أمه.

***


وفي إحدى الأمسيات.. شكى الشاب همّه لجاره الأرمل ، الذي فاجأه بالقول:

- اذاً عليك تصويري داخل منزلها ، اثناء نومها .. خلال قيامي بكل التغيرات التي لاحظتها سابقاً .. ثم تخبرها بأنها تسجيلاتٍ قديمة  

الشاب بدهشة : 

- ولما تُعرّض نفسك للمحاسبة عن ذنبٍ لم تفعله ؟! 

العجوز بحزن : 

- لأني معجبٌ بوالدتك منذ سنواتٍ طويلة .. لكنها منعتني الإقتراب منها ، بعد قرارها بتكريس حياتها لتربيتك..

الشاب بقهر : 

- ليتك تزوجتها يا عمي.. فأنت بمقام والدي.. ولطالما شكوّت لك همومي ، وساعدتني في حل مشاكلي.

العجوز :

- ولهذا لا اريدك ان تخبرها بمرضها ، دعها تظن بأن الدخيل هو شخص لن يؤذيها ابداً  

***


وبعد ايام .. شاهدت امه التسجيلات التي صوّرها لجاره ، الذي قام بتبديل ملابسه مع كل لقطة .. لإيهامها باقتحام منزلها اكثر من مرة 


فاستشاطت غضباً : 

- بأيّ حق يدخل منزلي دون إذني؟! ماذا لوّ كان معي مسدس ، وقتلته من شدة رعبي؟! إذهب وناده حالاً ، اريد معاتبته على تصرّفاته الخرقاء !!

^^^


وبالفعل ، انهالت عليه باللوم والشتائم..

وبدوره ، تحمّل غضبها بصمت..

ثم سألته عن سبب فعله ذلك ؟ 

فأجابها بهدوء :

- لشعوري بالوحدة .. فمنذ وفاة زوجتي وأنا بسن الخمسين ، أعيش وحدي في منزلي الكئيب .. ولهذا أردت الشعور بوجود امرأة في حياتي ، حتى لوّ كانت نائمة في الغرفة الثانية 


ورغم معرفتها بأن تصرّفه خاطئاً ، لكنها تفهمّته .. فهي ايضاً شعرت بالوحدة ، كلما انتقل ابنها للسكن الجامعي بفترة امتحاناته 

***


ومنذ تلك الحادثة ، تغيّرت علاقة الجاريّن اللذين صارا يتحدّثان مطوّلاً .. حتى انها دعته للغداء اكثر من مرة 


ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية ، أخبر الإبن والدته عن قراره بالتخلّي عن منحته الدراسية لأجلها.. لكنها أصرّت على عدم تفويته الفرصة الذهبية 

- وكيف يا امي سأتركك وحدك ؟!


وهنا ، أخرج الجار خاتماً ذهبياً من جيبه..

ثم التفت إلى جارته ، وهو يقول :

- سامحيني ، فصحتي لا تسمح بالجثو على ركبتي .. فهذا الخاتم اشتريته قبل 15 عاماً ، بعد انتهاء عزاء زوجك.. لكنك لم تسمحي لي يوماً بالإقتراب منك..فهل توافقين الآن على إكمال حياتنا معاً؟ .. يعني .. إن لم يكن لأجلي ، فمن اجل راحة بال ابنك .. دعيه يسافر ويكمل تعليمه ، وهو مطمئن على اهتمامنا ببعضنا لآخر عمرنا .. ما رأيك عزيزتي ؟


فتردّدت العجوز بالإجابة ، قبل ان تقول :

- الأيام الماضية التي قضيتها وحدي في المنزل ، اثناء امتحانات ابني.. جعلتني أدرك بأن الوحدة اصعب من كلام الناس ولومهم المحرج 

ثم ابتسمت له :

- انت جاري منذ سنواتٍ طويلة ، ولم تعد غريباً عني.. ولهذا اوافق على طلبك

***


بعد عقد زواجهما في المحكمة .. ودّعهما الإبن قبل ذهابه للمطار ، لإكمال دراسته بالخارج 

***


بعد شهور ، وصلته رسالة من جاره .. مُرفقة بتقريرٍ طبي عن والدته : تؤكّد تحسّن صحتها بشكلٍ ملحوظ بعد انتظامها على ادويتها ، واهتمام زوجها بها .. والذي نجح بإخراجها من سنوات الوحدة الطويلة ، مما انعكس إيجاباً على حالتها النفسية والجسدية..


ففهم الشاب ان ابتعاده عنها ، كان خيراً لها .. وأن الدخيل الطيب لم يكن الرجل الذي بعثر اغراضها دون اذنها ، بل هو من اعاد لها الحياة ! 


نور البراءة

تأليف : امل شانوحة  اللطخة البيضاء وقفت سعاد مصدومة من وجودها وحدها داخل مدرستها الثانوية بعد انصراف جميع الطالبات ! مما اجبرها على استعارة ...