تأليف : محمد بيومي آل غلاب
الحارس الجديد
ارتفع صوت خالد بعد استيقاظه بفزع مستعيذاً بالله.
يا إلهي إنه كابوس مرعب.
رأى في كابوسه جدّه المتوفى قبل عشرين عاماً يناديه، وقد ظهر له بشكل مرعب من داخل بيته القديم في القرية القديمة الواقعة وسط جبال السروات، التي هجرها جده وأهل القرية منذ أربعين سنة وسكنوا المدن القريبة ..
قرر خالد – الباحث في التاريخ الشعبي – أن يقضي ليلة في بيت جده القديم الذي أُغلق منذ أربعين عاماً، بعد أن دفعه فضوله لاستكشاف بيت الجد بعد كابوسه المرعب، فقد كان يرى أن الخوف هو مجرد جهل بالواقع.
***
بعد عدة ساعات من السير في الأودية وبين الجبال وصل خالد إلى قرية جده المهجورة، عندما دخل البيت الذي عرفه بوصفه كما رآه في الكابوس، وجد رائحة العفن العتيق والتراب تملآن المكان، أشعل مصباحه الصغير، وبدأ يتجول في الردهة الطويلة.
توقفت خطواته عند باب خشبي مزخرف بنقوش غريبة لم يرها من قبل طوال فترة بحوثه في التاريخ الشعبي القديم.
بينما كان خالد يحاول فتح الباب، سمع صوتاً هادئاً أتى من خلفه مباشرة:
الصوت: لا تفتح باباً لا تملك مفتاحه يا خالد.
التفت خالد بذعر، ليجد رجلاً مسناً يرتدي ثياباً ناصعة البياض رغم غبار المكان، وعيناه مائلتان للاحمرار بشكل غير طبيعي.
تقطعت أنفاس خالد من المفاجأة،
خالد: من أنت؟ وكيف دخلت؟ الباب كان مقفلاً!
ابتسم الرجل المسن ببرود، وقال: أنا لستُ من دخل.. أنت من دخلت مملكتنا، اسمي منصور، وأنا حارس هذا العهد منذ أن كان جدك طفلاً.
شعر خالد ببرودة شديدة تسري في جسده، التفت بعينيه نحو الحائط خلف منصور، فقد استرعى انتباهه ظل منصور على الحائط لا يتحرك معه، وكأنه رأى ظلاً لشيء ضخم بقرون ملتوية.
توتر خالد قليلاً، لكنه تماسك قائلاً: مملكتكم؟ جدي قال إن هذا البيت ملك لعائلتنا.
منصور: البيوت تبنى بالطين، لكنها تُسكن بالعهود، جدك عقد عهداً ألا يقترب أحد من الغرفة الغربية مقابل الحماية والرزق.. واليوم، أنت وضعت يدك على المقبض المحرم.
فجأة، انطفأ الفانوس، وساد الظلام الدامس، وبدأ خالد يسمع همسات بأصوات متعددة، بعضها يشبه صوت أمه، وبعضها أصوات حيوانات مفترسة.
شعر خالد بيد باردة كالجليد تمسك بكتفه، وصوت يهمس في أذنه اليسرى.
الصوت هامساً بعدة نبرات: هل تريد رؤية ما بالداخل؟ العيون البشرية لا تتحمل الحقيقة، لكننا سنعيرك أعيننا للحظة.
صرخ خالد: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! اتركوني وشأني!
منصور يضحك بصوت يهز الجدران: الكلمات تحميك إذا كان قلبك يؤمن بها، لكنك دخلت هنا باحثاً عن الفضول، والفضول هو طعامنا المفضل.
انفتح الباب الخشبي من تلقاء نفسه، وانبعث منه ضوء أخضر باهت، رأى خالد من ورائه وليمة عظيمة، والجالسون حولها كائنات طويلة جداً، جلودهم تشبه رقوق الجلد القديمة، وعيونهم في منتصف جباههم، يأكلون بصمت مرعب، وعندما دخل خالد، توقفوا جميعاً ونظروا إليه في وقت واحد.
أدرك خالد أنه ليس في غرفة، بل في بوابة لعالم آخر، حاول التراجع، لكن الأرض تحت قدميه أصبحت كأنها رمال متحركة.
دخل خالد الغرفة الغربية، فاهتز المكان وكأن الجدران تتنفس.. الضوء الأخضر الباهت قادم من عروقٍ مشعة في جلود الكائنات الجالسة.
كان منصور واقفاً خلف خالد كظله، لكن ملامحه بدأت تتغير، لتصبح أكثر حدة وعيناه أكثر اتقاداً.
منصور بصوتٍ أجش يتردد في أركان الغرفة: تقدم يا خالد.. الضيوف لا يحبون الانتظار، وأنت اليوم لست باحثاً، أنت الوليمة التي تأخرت أربعين عاماً.
خالد كان يرتجف، لكن فضوله القاتل دفعه للنظر إلى أحد الجالسين، كائن ضخم يرتدي خاتماً يشبه خاتم جده تماماً.
خالد: هذا الخاتم.. لقد رأيته في صور جدي القديمة! هل سرقتموه منه؟
الكائن الضخم دون أن يفتح فمه: السرقة شأن الصغار منكم أيها البشر، نحن لا نسرق، نحن نسترد الأمانات.
جدك استعار منا الوقت ليعيش طويلاً، والثمن كان ذريته.. كان أنت.
تراجع خالد للخلف واصطدم بصدر منصور الصلب.
خالد: جدي لم يكن ساحراً ! بل كان رجلاً صالحاً، والجميع يعرف صلاحه.
ضحك منصور بسخرية قائلاً: الصلاح والفساد موازين بشرية لا تهمنا، هو أراد حماية عائلته من الفقر، ونحن أردنا ممرًا لعالمكم، العهد كان بسيطاً (يسكن هذا البيت، ويمنع أي إنسان من دخول هذه الغرفة، وفي المقابل، نمنحه الذهب الذي يراه في أحلامه)، لكنك جئت بجهلك وكسرت القفل.
صرخ خالد في وجه الكائن الضخم: ماذا تريدون مني الآن؟ خذوا البيت، خذوا الخاتم، واتركوا لي حياتي!
وقف الكائن الضخم ببطء، ليظهر طوله الفارع الذي يلامس السقف.
الكائن: الحياة هي عملتنا الغالية، انظر إلى مائدتنا.. هل ترى هذا الإناء؟
نظر خالد، فرأى إناءً زجاجياً يحتوي على دخان رمادي يتحرك بعنف.
الكائن: هذا صوت جدك، لقد احتفظنا به هنا ليكون جزءًا من مائدتنا، والآن، نحتاج صوتاً جديداً ليحيي سهرتنا.
استجمع خالد شجاعته: لن تأخذوا مني شيئاً! بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء..
قاطعه منصور بصرخة غاضبة: تتلفظ بالأسماء وأنت في دارنا؟ الكلمات سلاح، لكنك دخلت هنا منزوع السلاح بفضولك! لقد انتهى وقت الكلام يا ابن البشر.
في تلك اللحظة، اقترب الكائن الضخم ومد يده الطويلة ذات الأظافر السوداء نحو حنجرة خالد، وبينما كان خالد يفتح فمه ليصرخ بأعلى صوته، شعر ببرودة تجمد حباله الصوتية، وكأن أحداً يسحب الهواء من رئتيه بآلة حادة.
همس منصور في أذن خالد للمرة الأخيرة: لا تقلق.. لن تموت، ستعيش طويلاً كما عاش جدك، لكنك ستكون الصدى الذي يسكن هذه الجدران.. أنت الآن الحارس الجديد.
في هذه الأثناء كان خالد مغيباً عن الوعي جزئياً، رأى منصورًا يُخرج من طيات الظلام لفافة من الرق لا تشبه الورق، بل قطعة من جلدٍ باهت مائل للزرقة، تبدو وكأنها انتزعت من كائن حي لا يزال ينبض.
فرد منصور اللفافة، ووضعها أمام عيني خالد، تعجب خالد برعب من منظرها، لأن كلماتها كانت منقوشة بمادة الزئبق المظلم التي تتحرك فوق الجلد كأنها ديدان صغيرة.
وخط اللفافة لم يكن عربياً ولا سريانياً، اللفافة كانت مكتوبة بالخط القديم المحرم، وهو رموز هندسية حادة تبدو وكأنها تتغير كلما أمعنت النظر فيها.
كانت تنبعث من اللفافة رائحة تشبه مزيجاً من الكبريت والياسمين العفن، وفي وسطها ختم كبير يمثل دائرة يتوسطها فراغ ينتظر توقيع الحارس الجديد للعهد.
بدأ منصور يشرح لخالد – الذي كان يراقب بعجز – كيف يُوثق هذا النوع من العهود الأزلية.
منصور: هذا الرق ليس من جلد ماعز، إنه جلد الذكرى.. يُؤخذ من كائن عاش مائة عام من الوحدة.
نظر منصور إلى الكائن الضخم، فقام الكائن بغرز ظفره في راحة يده، لتسيل مادة سوداء لزجة، كل ذلك وخالد مازال في غيابه الجزئي.
منصور: الكتابة هنا ليست بالكلمات، الكتابة بالنية، الحبر هو دم العهد، وهو مادة لا تجف أبداً، بل تظل حية تمتص طاقة من يوقع عليها.
بدأ منصور يحرك يده فوق الجلد دون أن يلمسه، وبدأت الرموز تشتعل بلون أرجواني.
منصور للحبر والجلد: أيتها الأرض السفلى، اشهدي.. روح بروح، وصمت بصمت، العمار لا يغدرون، لكنهم لا ينسون، من كسر القفل، صار هو القفل.
هنا جاء وقت الخطوة الأخيرة وهي الأصعب، فقد أمسك منصور بيد خالد المرتجفة، وقرب إصبعه الإبهام من الختم الذي يتوسط اللفافة.
منصور: التوقيع لا يكون بالاسم، فالأسماء تضيع مع الزمن، التوقيع يكون بالأثر النفسي.. ضع إبهامك هنا لتترك ذكرى خوفك في قلب العهد، وبذلك تصبح أنت الضامن للباب.
بمجرد أن لامس إبهام خالد الختم، شعر بكهرباء شديدة تسري في عروقه، ورأى الرموز تتحرك من الجلد لتنتقل وتُحفر على معصمه هو، لتختفي تحت جلده تماماً وتصبح وشماً غير مرئي إلا في ضوء القمر.
همس خالد بجهد: ماذا.. فعلتم.. بي؟
منصور: لقد أصبحت الآن المداد الذي سيكمل كتابة التاريخ في هذا البيت، العهد لا يكتمل إلا إذا صار الموقّع جزءاً من الورق.
انطفأ الضوء الأخضر فجأة، وغرق كل شيء في صمتٍ مطبق، صمتٍ لم يقطعه سوى صوت ارتطام جسد خالد بالأرض، الذي سيحمل معه سراً لن ينطق به أبداً.
منصور: اختر يا خالد.. إما أن تبقى خادماً للعهد هنا، أو تخرج وتترك لنا أثرك.
خالد: ما هو الأثر؟
منصور: صوتك.. لن تتحدث مرة أخرى، لكي لا تروي ما رأيت.
غاب خالد وهو ساقط على الأرض عن الوعي تماماً.
***
في الصباح الباكر، وجد المارة بجانب القرية من أهل القرى المجاورة خالدًا ملقىً أمام مدخل القرية .
كان جسده سليماً، لكن شعره تحول بالكامل إلى اللون الأبيض، عندما حاولوا سؤاله عما حدث، فتح فمه ليتحرك لسانه دون أن يخرج أي صوت، سوى حشرجة تشبه ريحاً تهب في بئر مهجور.
***
إلى اليوم، يزعم العابرون بجانب تلك القرية أنهم يسمعون صوتاً يشبه صوت شاب، ينادي من الداخل: لا تفتحوا الباب.. العهد لم ينتهِ بعد.

















