تأليف : امل شانوحة
قانصة الفرص
داخل مطبخ المدرسة .. انتظرت طالبات الصف الثانوي عودة معلمة التدبير المنزلي التي تركت الحصة لاجتماعٍ ادرايّ طارئ
فنظرت احداهن الى الكبدة النيئة وبقيّة المقادير على الطاولة ، قائلةً بقلق :
- يبدو سنتسمّم اليوم .. فالحصة شارفت على الإنتهاء ، والمعلمة لم تعدّ بعد!
الطالبة سناء : معك حق .. الأفضل ان نطبخها بالحال
وبدأت بتقطيع البصل ، بينما زميلاتها يُحذّرنها من عقاب المعلمة على لمسها الطعام دون اذنها !
فأجابت سناء بهدوء : ستفسد الكبدة مع هذا الحر .. ثم امي علّمتني الطبخ منذ صغري
وخلال دقائق قليلة ، امتلأ المطبخ برائحةٍ شهية .. جعلت الطالبات يقتربن من القدر بإعجاب !
وبعد انهاء سناء الطبخة التي قسّمتها على الشطائر ..لم توزّعها على زميلاتها (كما توقعن) بل رتّبتها في صينيةٍ كبيرة ، حملتها الى غرفة المعلّمات
لتعود بعد قليل مع رزمة من الأوراق النقدية..
فسألتها زميلاتها بذهول : هل بعتِها؟!
ابتسمت سناء بفخر: نعم .. والمعلمات طلبن المزيد غداً
وبعد قليل ، عادت المعلمة الى المطبخ .. فظنت الطالبات انها ستعاقب سناء ، لكنها هنّأتها على لذة شطائرها .. وأعطتها العلامة الكاملة على موهبتها بالطبخ ، وعلى ذكائها التجاريّ الفطريّ !
***
ومنذ ذلك اليوم ، رغبت سناء بالمزيد من الفرص المالية ..
وحصل ذلك بعد اسبوع ، عندما اوصلت الدفاتر إلى غرفة المعلمات .. فسمعت إحداهن تشكو لصديقتها : عن مأدبة عشاءٍ لعائلة زوجها ، مع ضيق وقتها للتحضير.
فتقدّمت سناء نحوها ، وهي تقترح بحماس :
- امي طبّاخةٌ بارعة .. ووالدي سائق تاكسي ، سيوصل الطلبات ساخنة الى منزلك قبل موعد العزيمة
فأخذتها المعلمة جانباً ، وأملت عليها قائمة الأصناف التي تحتاجها مساءً
^^^
في اليوم التالي .. انتشر خبر العزيمة الناجحة بين المعلمات ، أسرع من انتشار القرارات الإدارية !
وبدأت الطلبات بالتزايد .. بينما تُسارع سناء العودة الى منزلها ، لمساعدة امها بالطبخ لساعات .. قبل اهتمامها بدروسها آخر الليل
أما زميلاتها ، فكن يسخرن منها ويدعونها :
- التاجرة الصغيرة!
لكنها تجيبهن بفخر :
- احاول مساعدة عائلتي بمصروف المنزل .. ولا عيب بالعمل الشريف
***
لم تكتفي بذلك.. بل عملت في مقصف المدرسة مقابل أجرٍ شهريٍّ بسيط ، ومساعدة العاملة في البيع وقت الفسحة
ثم صارت تنظّف كتب المكتبة وترتّبها بعد انتهاء الدوام ، مقابل مبلغٍ إضافي.
وبينما كانت بقية الطالبات تحلمن بيوم التخرّج ، كانت سناء تحسب الأرباح في دفترٍ صغير تُخبئه بحقيبتها.
***
فور تخرّجها الثانوي ، تزوجت سناء بعمرٍ صغير .. ولم تمضي سنة على انجابها طفل ، حتى اجبرتها ظروف الحرب التي اندلعت في بلادها الى الهجرة مع زوجها وابنها للغربة
وهناك بدأت من الصفر.. شقةٌ ضيّقة ، ولغةٌ غريبة.. وأيامٌ طويلة من الإنكسار وانتظار الفرج
***
وفي الغربة ، عاشت سنوات مع عائلتها على المساعدات الحكومية ..الى ان عادت يوماً باكية من المكتب الاداري بعد ان وصف الموظف العرب : بالعالة على دولتهم ! وأعطت زوجها اسورتيّ الذهب (كل ممتلكاتها) لبيعهما وشراء عربة طعامٍ صغيرة ، بعد قرارها الإعتماد على نفسها
ثم اوقفت العربة قرب ملعبٍ رياضيّ ، حيث تجمّعت الجماهير امام بوّابته لساعات ، قبل بدء المباريات.
وكانت تبيع شطائر اللحم المُتبّلة على الطريقة العربية.. ولأن الرائحة غير مألوفة لديهم ، لم يقترب احد من عربتها ..
فعادت حزينة الى بيتها ، دون ان تستسلم ..
^^^
في موعد المباراة الثانية .. طلبت من ابنها (8 سنوات) القدوم معها (فور انتهاء مدرسته) لمساعدتها بالعمل .. حيث اعطته شطيرةً ساخنة ، لإعطائها لأسمن مشجّعٍ يقف بجانب البوّابة
بهذه الأثناء .. انتبه الشباب (المتواجدون هناك) على سرعة التهام الرجل الضخم للشطيرة المجانية ..وصياحه ، مُطالباً الصغير بإحضار المزيد بأيّ سعرٍ يريده .. فسارعوا التجمّع حول عربة سناء
وفي أقل من ساعة ، نفد كل شيء.. مما اسعد سناء لعدم فقدان موهبتها التجارية في الغربة
***
في الشتاء ، اعطت العربة لزوجها التي اوقفها (بناءً على مشورة سناء) قرب الحديقة العامة .. وعليها ثلاثة قدور كبيرة :
شوربة العدس الأحمر ، والعدس البني ، وشوربة الشعيرية بالطماطم.
فمن شدة البرد ، بحثت الناس عن ايّ شيءٍ يمنحها الدفء بذلك الصقيع
ولأن الأجانب لا يعرفون البقوليّات (التي اشترتها سناء من التسوّق الإلكتروني) أطلقوا عليها :
((الشوربة الصفراء والبنية والحمراء))
ولأن الشوربات الملونة أشعرتهم بالطاقة والحيوية ، باتت القدور تُفرغ تماماً قبل مغيب الشمس.
***
مرّت سنوات الغربة .. وبفضل حسن تدبيرها الماليّ الصارم ، استطاعت فتح مطعماً للمأكولات العربية ، قرب مجمّع الشركات التجارية
ولأنها فهمت عقليّة الأجانب الحريصين على اموالهم ، وخوفهم من تجربة المجهول .. سمحت للزبون الجديد بتذوّق ملعقة مجانية ، قبل طلبه الوجبات العربية التي فاجأت الموظفون بنكهاتها اللذيذة .. ليتحوّلوا مع مرور الوقت الى زبائن دائمين
شيئاً فشيئاً ، صار مطعمها الأشهر في المنطقة..
***
وبعد عشرين عاماً من الكفاح في الغربة ، عادت سناء إلى وطنها..
وقرب مدرستها القديمة التي لُقبت يوماً فيها : بالتاجرة الصغيرة .. افتتحت أكبر مطعمٍ في المدينة.
^^^
وفي حفل الافتتاح ، سألتها زبونة باهتمام :
- ما سر نجاحك؟
فأجابت سناء بابتسامة :
- كل شيء بدأ من حصة التدبير المنزلي… فشطائر الكبدة ايقظت موهبتي التجارية التي لم تولد من الكتب ، بل من اقتناصي لفرصٍ صغيرة رآها الآخرون تافهة ..ورأيتها فرصة العمر !






