الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

ثمن التنمر

تأليف : امل شانوحة 

الفرصة الثانية


تصدّر اسم المراهق (جاك) نشرات الأخبار بعد دخوله مسلّحاً الى مدرسته الثانوية ، وقتله بعضاً من زملاء فصله ، قبل تسليم نفسه للشرطة ! 

وكانت ديانا إحدى ضحايا مجزّرته ..


ومنذ اللحظة التي سمعت فيها امها الخبر ، تحوّلت الى وجهٍ بارز في مظاهرات الأهالي أمام محكمة الجنايات كل يوم .. مطالبين بمحاكمته كبالغ ، رغم عدم تجاوزه 17 عاماً ، لإنزال أقصى العقوبات عليه !

***


وفي أحد الأيام .. اقتربت منها طالبة (بنفس مدرسة ابنتها القتيلة) وطلبت محادثتها بعيداً عن المظاهرة 

- سيدتي .. ابنتك لم تكن ضحية بريئة ، كما تظنين.. فهي من تزعّمت مجموعة من الطلاّب ، لتنمّر على جاك منذ التحاقه بمدرستنا قبل شهور 

الأم باستنكار : مستحيل !! ابنتي لا ترتكب هذه الحماقات

الطالبة : جاك كان طالباً هادئاً للغاية ، وعلاماته جيدة بمعظم المواد .. لكن كونه طالباً جديداً ، لم يكن لديه اصدقاء .. واستغلّت ابنتك بعض المعلومات : عن عيشه مع جدته ، بعد زواج والديه المطلّقين وتخلّيهما عنه .. كما فقر حالته المادية ، لتعذيبه يومياً .. وإن كنت لا تصدقيني ، ستجدين فيديوهات تنمّراتها بجوالها الذي يبدو انه نسته يوم الحادثة 

^^^


فعادت الأم إلى منزلها وهي لا تصدّق ما سمعته ! وبحثت بأدراج مكتب ابنتها الى ان وجدت جوالها .. وبدأت بمشاهدة التسجيلات .. لتظهر عدة مقاطع بصوت ابنتها وهي تشجّع مجموعة من زملائها على مناداة جاك بأسوء الألقاب .. بينما يكتب واجبه بهدوء محاولاً تجاهلهم ، رغم علامات الإنزعاج الواضحة على وجهه


وفي مقاطع أخرى ، تهين ملابسه وحقيبته القديمة .. حيث ظهر صوتها الساخر وهي تشير له باستحقار :

- لا أحد يريد مصاحبتك .. حتى والداك تخلّيا عنك!

ثم ضحكت مع زملائها الذين يحاولون منعه الوصول الى الفصل 


كانت الأم بصدمة وهي تتابع التسجيلات الواحدة تلوّ الآخرى التي تؤكّد بأن أبنتها هي رئيسة المتنمّرين !

 

وفي آخر تسجيلٍ لها ، قبل يومٍ واحد من المجزّرة .. ظهرت ابنتها في ملعب المدرسة وهي تشجّع بقية الطلّاب على رميّ طعامهم وعصائرهم على رأس جاك اثناء تناوله شطيرته بعيداً عنهم .. والذي اكتفى بالوقوف صامتاً وثيابه مبلّلة ببقايا طعامهم ، وهو يحدّق فيهم مطوّلاً بنظرةٍ غاضبة ، قبل خروجه باكراً من مدرسته.. وكأنه اتخذ قراراً نهائياً بالإنتقام من المتنمّرين جميعاً


وفي غرفة ابنتها .. انهارت الأم على سريرها ، بعد تأكّدها بأن قاتل ابنتها كان ضحيةً لها !

***


وفي اليوم التالي ، لم تتواجد الأم بمظاهرات الأهالي امام القضاء على غير عادتها ! بل توجهت مباشرةً للبنك لسحب كل مدّخراتها التي جمعتهم لسنواتٍ طويلة ، كتكاليف تعليم ابنتها الجامعيّ .. ثم توجهت نحو منزل اهم مشعوذة بالمدينة لإيجاد حلّ للمشكلة


فردّت المشعوذة : 

- لا يمكنني تغير القدر .. لكن باستطاعتي اعادتك للماضي ، شريطة تجسّدك شخصية ابنتك فقط

الأم باهتمام : 

- ان كنت سأعود للماضي ، فهل باستطاعتي منع الجريمة ؟

المشعوذة : انت وحدك باستطاعتك الإجابة على هذا السؤال .. هيا اشربي المحلول السحري في الحال

***


حين فتحت الأم عينيها .. وجدت نفسها تجلس في صف ابنتها ، بجسد مراهقة رشيقة .. وقبل استيعابها ما يحصل ! رأت جاك يدخل الى الصف ، قبل تجمّع زميلاتها حولها ، وهن يشجّعنها على التنمّر عليه قبل وصول المعلمة


فنظرت الأم (التي تسكن جسد ابنتها) إلى جاك .. لتجده يحاول الإنشغال بالكتابة ، كأنه يدعو ربه ان يمرّ اليوم بسلام ..


فوقفت الأم امام زملاء ابنتها ، وهي تقول بحزم :

- لا تنمّر بعد اليوم !! لن اسمح لأحد بإيذاء زميلنا جاك.. ألا يكفيه قسوة الظروف التي يعيشها ، لكيّ نزيد حياته جحيماً ؟ من نحن لنحاسبه ؟ هو طالبٌ مجتهد ، ويفوقنا ذكاءً .. وبدل ان نتفاخر به ، نضحك ساخرين منه .. فسلوكنا البغيض هذا ، سيدفعه لكره نفسه والعالم أجمع


فحدّق الطلاّب بها في ذهولٍ تام ! عاجزين عن فهم الإنقلاب الجذري في شخصيتها.

لكنها لم تهتم لآرائهم .. بل أصرّت على تناول الغداء مع جاك ، والتعرّف عليه 

 

حتى عندما عادوا للصف .. سحبت طاولتها للجلوس بجانبه .. بل وشجعته على المشاركة بإجابة اسئلة المعلمة ، والتخلّي عن خجله وتردّده ..

^^^


ومع مرور الأيام .. بدأ جاك يبتسم ، ويشارك المعلمين .. ويهتم بملابسه ونظافته بعد ان اصبح لديه صديقة لأول مرة بحياته .. 

ورغم نجاحها في تحويل مسار حياته داخل فصلهما ، إلا أنها لم تستطع التحكّم بجميع الطلاب في الفسحة أو الحصص الأخرى التي تغيب فيها.

***


وفي أحد الأيام ، خرج جاك من المدرسة غاضباً .. فلحقته ، في محاولة لتهدئته .. فنظر اليها ، قائلاً :

- لا تخافي يا ديانا ، لستِ ضمن اللائحة 

ثم غادر وهو يتمّتم غاضباً ..

فعلمت ام ديانا ان كل محاولاتها لتحسين نفسيّته ، باءت بالفشل .. وان المجزّرة ستقام في موعدها !

^^^


لهذا استيقظت باكراً في اليوم التالي ، وهي تنتظر قدومه عند باب المدرسة لإقناعه بالتخلّي عن فكرة الإنتقام .. 

لكن مغصاً مفاجئاً ، جعلها تسارع الى الحمام .. 


وقبل خروجها .. سمعت صراخ الطلّاب ، متزامناً مع صوت الطلقات النارية .. فسارعت باتجاه فصلها ، لترى المشهد المرعب :

((جميع المتنمّرين جثثاً هامدة على الأرض)) 

^^^


عندما فتحت عيناها .. وجدت الأم نفسها نائمة على سرير ابنتها في زمن الحاضر ! فظنت ان كل ما حصل ، مجرّد منام .. 

لكن قبل نهوضها ، تفاجأت بإبنتها ديانا تدخل الغرفة وهي تسألها : 

- الم تلبسي بعد ؟ نريد التظاهر بجانب المحكمة ، لإعدام اللعين جاك 


وما ان رأتها حيّةً ترزق ، حتى قفزت من السرير .. وهي تحتضن ابنتها بقوة وتبكي بحرقة وتحمد الله على سلامتها.. بينما وقفت ديانا مذهولة من حنان امها غير المبرّر !


وبعد ان هدأت ، اجلست ابنتها بجانبها وهي تنصحها بصوتٍ مرتجف : عن عواقب التنمّر الذي دمّر مستقبل فتى ذكيّ ، وأنهى حياة أصدقائها.


الأم وهي تمسح دموعها : 

- هذا خطأي .. دلّلتك كثيراً ، خوفاً من تعرّضك للتنمّر مثلي .. اردّت ان أقوي شخصيتك اكثر مني .. لكني لم اعلم انني جعلتك متكبرة على الآخرين .. ولهذا منذ اليوم ، سأعيد تربيتك من جديد ..وسأعاقبك ان عرفت باحتقارك لشخصٍ آخر 

البنت : امي ! عن ماذا تتكلّمين ؟!

- هذه المرة ، أصدقاؤك دفعوا ثمن تنمّرك .. وكنت ستموتين معهم ، لولا المغص الذي جعلك تخرجين من الصف.

فتغيّر وجه ابنتها : 

- امي ! كيف عرفتي بأنني كنت بالحمام لحظة اطلاق النار ؟ فأنا لم اخبر احداً بذلك ، حتى المحقق بالقضية 

- رأيت ذلك بالمنام.. والآن دعينا نذهب للمحكمة 

*** 


في الطريق .. توقفت الأم أمام جهاز الصرّاف الآلي.. لتتفاجأ بخلوّ رصيدها من المال ! 

وهنا تذكّرت طقوس المشعوذة ، والمحلول السحري .. فعلمت انه لم يكن مناماً .. بل تعويذة اعادتها للماضي ، دفعت ثمنها كل المدخرات الجامعية التي كانت ثمناً لإنقاذ روح ابنتها وتعديل مسار تربيتها.


فاكتفت الأم بابتسامة الرضا ، وأكملت قيادة سيارتها بصمت باتجاه المحكمة .. هذه المرة : لا لتصرخ غاضبة ، مطالبة بإعدام جاك .. بل لتشهد بقلب امٍ موجوعة على مصير فتى مظلوم ، دفع ثمن قسّوة المجتمع لوحده.


الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

الزوبعة النورانية

تأليف : امل شانوحة 

المهمّة الغامضة


في مساءٍ هادئ .. كانت العائلة في طريقها إلى منزلها ، قبل أن تبدأ مصابيح الطريق بالإنطفاء الواحدة تلوّ الأخرى ، إلى أن تزاحمت السيارات بالشارع المظلم. 

وفجأة ! ظهرت دوّامة نورانية في السماء ، أشبه بزوبعةٍ مضيئة ! تبعتها رياحٌ عاصفة هزّت الأشجار واللّافتات.. 

لتتعالى معها صيحات الناس ، بعد قيام الزوبعة بسحب الأطفال من بين أذرع أهاليهم من الشوارع ونوافذ السيارات وأبواب المنازل المجاورة.. حيث شاهد الجميع صغارهم يُسحبون بسرعةٍ مهولة نحو السماء ! 


وعندما اقتربت العاصفة فوق سيارة العائلة ، قفزت الأم للمقاعد الخلفية حاضنةً طفلتها الصغيرة (5 سنوات) التي ارتفعت عن مقعدها .. بينما كان ابنها المراهق (14 سنة) يتشبّث مرعوباً بحزام الأمان.. 

هذا المشهد المرعب أجبر والدهما على الإستدارة بسيارته التي قادها فوق الرصيف ، محاولاً الإبتعاد عن مركز العاصفة.. 

ومع ذلك ظلّت قوةٌ خفيّة تحاول إنزال النوافذ المقفلة أوتوماتيكياً ، وسحب الطفلة من بين ذراعيّ والدتها ! دون معرفة الأب إن كان ما يحدث ظاهرةً طبيعية ، أم تجربة علمية خرجت عن السيطرة ، أم سلاحاً جديداً أطلقه عدوّ مجهول ! 

لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً للجميع : العاصفة تترصّد الأطفال فقط!


بقيادةٍ متسرّعة ومليئة بالذعر ، وصل الأب أخيراً إلى منزل والديه.. 

وهناك طلب من أختيّه إغلاق جميع النوافذ والأبواب التي أسندوها بالمفروشات ، بعد أن أخبر الجدّين بدوافع العاصفة المريبة.


وفي الخارج ، تحوّلت المدينة إلى جحيم.. فالآباء يصرخون بأسماء أطفالهم المختطفين من قبل ظاهرةٍ غامضة ! تاركين سياراتهم في الشوارع ، مع انعدامٍ تام للكهرباء وشبكة الإتصالات عن كل المنطقة..

^^^


وفي أقل من ساعة ، وصلت الدوّامة فوق منزل العائلة الأرضيّ.. واهتزّت معها النوافذ والأبواب بعنف .. بعد ان حوّلت العاصفة الزرقاء ليلهم إلى نهار ، رغم تعدّيهم منتصف الليل! 


ومع ذلك ظن الجميع أن العاصفة ستنتهي مع تباشير الصباح .. لكنها استمرّت لعدة أيامٍ متتالية ، دون تمكّن فرق الإنقاذ من اقتحام المنطقة الموبوءة.. 


ورغم خروج بقية السكّان من منازلهم بأمان .. إلا أن هذه العائلة تحديداً ، حوصرت داخل بيتها ! وكأن العاصفة تنتظر ابنتهم لإنهاء مهمّتها ، بعد اختطاف بقية أطفال المنطقة.


في الداخل.. حاول سبعة أشخاص تقليل طعامهم وشرابهم ، وحساب كل لقمة وقطرة ماء يشربونها في اليوم ، وهم يتعهّدون بحماية الطفلة حتى الرمق الأخير.. بعد ان تناوبوا على حراستها ، ماسكين بقبضتهم الحبل الذي ربطوه فيها ، بعد ان طفى جسدها عن الأرض طوال هذه الفترة ! 

وما اخافهم اكثر ، هو صراخ الطفلة وهي تشير للنافذة :

- إفتحوها بالحال !! اريد الإلتحاق بأصدقائي الصغار  

^^^


لكن في اليوم السابع ، لم يبقى شيء في المنزل يمكن تناوله.. 

واجتمعت العائلتان في ممرٍّ ضيق ليس فيه نوافذ .. وجلسوا صامتين في الظلام، يستمعون إلى هدير العاصفة العنيدة التي لا تبارح مكانها.


وبعد نومهم جوعى .. إستيقظ المراهق في منتصف الليل من شدّة جوعه ، وهو ينظر بحنق لأخته النائمة .. فهي منذ ولادتها نالت النصيب الأكبر من اهتمام والديه ورعايتهما ، حتى إن جميع الألعاب والحلويات والملابس الجديدة كانت لها وحدها. فقال لنفسه بضيق: 

((لن أموت جوعاً بسببها))


واقترب بحذر ، لفكّ الحبال عنها .. ثم حملها بهدوء ، متوجهاً نحو الشرفة.. 

وبعد وضعها في الخارج ، وهي مازالت نائمة .. أغلق الباب ، وجرّ الكنبة خلفه .. 

بعدها استلقى بجانب عائلته (التي تغطّ في سباتٍ عميق من شدة تعبهم) كأنه لم يفعل شيئاً!

^^^


في الصباح ، استيقظ الجميع بعد عودة الكهرباء إلى منزلهم.. 

وأول ما لاحظوه هو الهدوء التام ، فلا صوت لرياحٍ عاصفة بالخارج !

وأوشكوا على الهتاف بسعادة بعد انتهاء الأزمة ، لولا انتباه الأم على اختفاء ابنتها!


وعلى الفور !! بدأوا البحث عن الطفلة في جميع الغرف وتحت السرائر وخلف الأبواب .. والمراهق يبحث معهم ، مُدّعياً خوفه على مصير أخته.. قبل أن يتأكّدوا من اختطافها من قبل العاصفة التي اختفت تماماً. 


فخرجوا مصدومين من المنزل .. للإجتماع ببقية الأهالي في الشارع ، بوجوههم المتعبة والحزينة بعد خسارة أبنائهم .. عقب اعلان رئيس بلديتهم : عن اختفاء جميع اطفال منطقتهم دون أثرٍ لهم ، كأنهم تبخروا بالسماء ! 

 

وفجأة ! صرخ أحدهم وهو يشير إلى الغيوم التي تشكّلت على هيئة عبارة:

((اطفالكم معنا بمهمّةٍ خاصة))


فساد الصمت بينهم .. دون أن يعرف أحد من كتبها ، أو ماهو مصير أطفالهم ، أو ماهيّة المهمّة الموكولة لصغار السن الذين لا يفقهون شيئا !


في تلك اللحظة .. شعر المراهق بعظم ذنبه ، عقب تخلّيه عن أخته بعد ان اعترته مشاعر الغيرة والغضب.. 

وبينما الجميع ينتظرون قدوم شرطة المدينة للتحقيق بالأمر ، عاد المراهق إلى منزل جده.. ثم خرج إلى الشرفة التي وضع فيها أخته ، ليجد حذاءها واقعاً هناك.


وأثناء انهياره بالبكاء ، انتبه على أثر قدمٍ صغيرة مطبوعة بالطين على حافّة الشرفة.. كانت بنفس مقاس أخته ، لكنها أشبه بحوافرٍ غير بشريّة!


الأحد، 30 أغسطس 2026

سنوات الفراق

تأليف : امل شانوحة 

العوض الجميل


عاد من سفره دون إخبار زوجته ، رغبةً في مفاجأتها.. لينصدم برؤيتها مع زميلها في العمل على سريره ! 

فتجمّدت برعب ، ظناً بإقدامه على قتلها مع عشيقها ..لكنه اكتفى بتصويرهما ، ومغادرة المنزل بهدوء !

 

لم يكن التصوير بدافع الإنتقام ، بل ليكون دليلاً ضدّها في المحكمة .. بعد عجزه عن تطليقها سابقاً ، بسبب الحسابات المالية المشتركة بينهما .. 


ثم جلس في سيارته ، وهو يشعر كأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدره..

^^^


وفي الطريق ، عادت ذكرياته إلى سنة زواجه الأولى .. بعد تفضيل عروسته وظيفتها ونزهاتها مع صديقاتها ، على قضاء الوقت معه ! حتى أصبح وحيداً في منزله 


وبسبب ملله ، تعرّف بالإنترنت على فتاةٍ عزباء.. ظنها في البداية ساذجة ، لسرعة تعلّقها به.. 

لكن بمرور الأيام ، أحبّ لطفها وصدق مشاعرها .. الى ان قرّر تطليق زوجته ، والإرتباط بها .. 


وقبل إقدامه على هذه الخطوة المصيرية ، تفاجأ بخبر حمل زوجته بطفلتهما الأولى ! فاختار ان يبقى مع اسرته على حب حياته .. 

ولهذا تعمّد تجاهل رسائل حبيبته ، مع الإستخفاف بمشاعرها الصادقة .. حتى كرهت الحديث معه .. قبل حذفه حسابه ، والإختفاء من حياتها تماماً 

كان يعلم أنه يُحطّم قلبها البريء ، لكنه أهون من ربطها برجلٍ لا يستطيع الزواج بها..


ثم مرّت عشرون عاماً .. تحمّل فيها حياته الزوجية المضّطربة ، المليئة بالمشاكل والخلافات.. كل هذا لأجل ابنته..

لكن بعد زواج صغيرته وخيانة زوجته ، لم يعد هناك داعي للإستمرار بهذه العلاقة الفاشلة والمدمرّة نفسياً  

***


وبعد انتهائه من إجراءات الطلاق ، عادت تساؤلاته حول حبيبته السابقة .. ترى كم ولداً انجبت ؟ وهل هي سعيدة مع زوجها ؟


وبدأ البحث عنها في الإنترنت .. الى ان وجد موقع رسوماتها الذي تحوّل إلى منصّة يتابعها آلاف المعجبين 

ورغم قراءته لجميع تعليقاتها مع المتابعين ، الا انها لم تتحدّث معهم عن حياتها الشخصية !


وبترددٍ شديد ، بعث لها رسالةً قصيرة :

((لقد عاقبني الله على كسر قلبك.. فقد انفصلت حديثاً عن زوجتي ، بعد تزويج ابنتي ..وأصبحت وحيداً ، اعاني من تأنيب الضمير عما فعلته بك.. وانا لا اريد شيئاً ، سوى الإطمئنان عليك.. هل انت بخير؟)) 


فصُدمت برسالته بعد سنوات الفراق الطويلة ! وأرادت حذفها على الفور.. لكنها بعد ساعاتٍ من التردّد ، اجابته :

((رفضّت كل من تقدّم لخطبتي من بعدك.. لم أردّ أن أظلم رجلاً ، بقلبي المكسور الذي حطّمته بيديك .. وذنبي الوحيد انني أحببتك أكثر من نفسي))


فشعر بالندم لجرحه العميق لها .. وبنفس الوقت ، أحسّ بالراحة لبقائها وفيّة لحبه.. 

وكتب إليها:

((رجاءً ، إسمحي لي بتعويضك عن سنوات الخذلان.. إمنحيني فرصةً أخيرة .. فإن فشلت في إسعادك ، سأرحل من حياتك للأبد))


فاكتفت بإرسال رقم شقيقها الأكبر ، وهي تقول : 

((هو وليّ أمري بعد وفاة والدي.. فإن كنت جاداً ، تحدّث إليه بشأن الزواج.. أما إن كنت مازلت متردّداً ، فإيّاك العودة الى حياتي مجدداً)) 

^^^


بعد ساعة ، اتصل اخوها ليخبرها عن العريس الذي لم يكشف معرفته بأخته قبل عشرين عاماً.. مكتفياً بالقول : إن بعض المعارف دلّوه عليها..

***


وبعد أسابيع قليلة ، عُقد القران..


وفي حفل زفافٍ بسيط ، أقيم في منزل العروس (حسب طلبها) ..

لاحظ المعازيم لمعة العشق في عينيّ العريسيّن ، والإبتسامة التي لم تفارق وجهيهما طوال الحفل !

 

وبعد وداع الأهل ، سافرا في رحلة شهر عسل امتدّت لسنواتٍ طويلة.. 

***


وفي إحدى الليالي ، أمسك يدها وهو يعتذر عن الماضي :

- سامحيني على تضييع أجمل سنوات شبابك

فردّت بابتسامة : 

- انتظارٌ طويل ينتهي بسعادةٍ حقيقية ، خيرٌ من زواجٍ سريع ينتهي بالندم.. فسنوات الفراق جعلتنا ننضج ، ونعرف قيمة حبنا .. وكما يقال : كل تأخيرة فيها خيرة

- لقد عوّضني الله بأجمل وأحنّ زوجة

- وأنت كنت العوض والأمان.. ولا أريد من الدنيا شيئاً ، سوى قضاء ما تبقى من عمري بإسعادك 

- وهذا واجبي ايضاً ... وحتى آخر يومٍ في حياتي

ثم حضنها بحنان


السبت، 29 أغسطس 2026

الندبة الرابعة

تأليف : امل شانوحة 

ضحيّة الشبه


في ذلك العصر .. ألصق جاك المشلول ثلاث قطعٍ حديدية فوق ندوب ظهره ، قبل دخوله الى جهاز السفر عبر الزمن الذي اخترعه في قبو منزله.. وهو ينوي العودة للماضي : الى حادثة طعنه من قاتلٍ محترف في سوقٍ مزدحم ، التي جعلته مقعداً لآخر عمره.. 

والمحزن في الموضوع ، انه اصيب بعد ان اخطأ القاتل بضحيّته الذي يشبهه كثيراً .. وطعنه بالسكين ثلاث مرات في ظهره ، بدل شخصٍ آخر يسمى اريك ، المدين لعصابة القمار التي استأجرت الرجل المحترف لقتله! 

وكان اريك متواجداً ايضاً بالسوق لحظة الحادثة.. لكنه فرّ هارباً ، قبل انتباه القاتل على غلطته التي تسبّبت بإعاقة جاك (الخبير التكنولوجي) الذي اراد العودة للماضي ، بعد حماية ظهره بقطع الفولاذ الصلب .. ربما بذلك يتجنب الإعاقة التي دمّرت حياته


لكن برجوع جاك للماضي .. أغضب القاتل بعد انكسار سكينته التي لم تخترق ظهر جاك ، مما جعله يُخرج مسدسه .. ويقتل جاك برأسه ، قبل إفهامه بأنه ليس الشخص المراد قتله (اريك) !


فعاد جاك للحاضر محبطاً ، وهو ينوي اعادة التجربة من جديد.. وهذه المرة ، قرّر الإبتعاد عن السوق قبل وصول القاتل المأجور.. 


وعندما ظهر جاك بسيارة الأجرة.. طلب من السائق اخذه لمكانٍ آخر ، فور توقفهما بجانب بوّابة السوق.. 

فرد السائق ممتعضاً :

- إنزل لوّ سمحت.. فلديّ راكبٌ آخر ينتظرني بمكانٍ آخر 


ورغم عرض جاك اجرةً مضاعفة لإعادته الى منزله ..الا ان السائق أصرّ على نزوله ! فقرّر جاك ايقاف سيارة اجرة ثانية .. وقبل وصولها ، انصدم برؤية القاتل يُشهر سكينه ويركض باتجاهه ! 


فلم يكن امامه سوى دخول السوق ، وهو يصرخ بعلوّ صوته :

- توقف !! لست الشخص المطلوب

لكن القاتل تمكّن من الوصول اليه ، وغرز السكين بظهره


فعاد جاك الى قبو منزله ، بعد فشل تجربته العلمية للمرة الثانية .. وأعاد تشغيل الجهاز بعد قراره بمواجهة القاتل بهويّته.. 


لكن القاتل رمى بطاقته على الأرض ، وهو يقول :

- مزوّرة طبعاً ..فأنت تشبه صورة الشخص المطلوب قتله

جاك بخوف : نعم اشبهه ، لكني لست هو .. أحلف لك !!

الا ان القاتل عاجله بطعنةٍ قوية ، في قلبه هذه المرة


فأعاد جاك التجربة من جديد ، لكن هذه المرة سبق القاتل الى داخل السوق.. بغرض الإمساك بنفسه بالشخص المطلوب.. وفور رؤيته لإريك بجانب قسم الخضار ، حتى سارع بإمساكه.. وهو يمنع تحرّكه ، لحين وصول القاتل الذي نجح هذه المرة بقتل الشخص المطلوب


وفور توقف جهاز سفر عبر الزمن عن الدوران داخل قبو منزل جاك ، اخذ نفساً عميقاً وهو يشدّ بكل قوته على مقبضيّ كرسيه المتحرّك.. لينصدم بقدرته على تحريك قدميه بعد عشر سنوات على اعاقته !

فهللّ فرحاً لنجاح تجربته اخيراً..


لكنه مع هذا شعر بغصّة في قلبه ، لمساهمته بمقتل اريك المسكين ! 

وجريمته الغير مُتعمّدة جعلته يسهر الليل كلّه ، وهو يجري بحثاً مطوّلاً عن القتيل بالحاسوب ، بقسم ارشيف الأخبار المحلّية : 

ليكتشف انه رجلٌ فقير ، لعب القمار لأول مرة في حياته .. على امل فوزه ببعض المال ، لإجراء عملية قلبٍ مفتوح لإبنه الصغير.. لكن اصراره على الفوز ، جعله مديوناً بآلاف الدولارات لعصابة القمار .. فهرب منهم لشهورٍ طويلة ، قبل ارسالهم قاتلاً مأجوراً لقتله بالسوق ، بغرض جعله عبرة للجميع


وهنا ادرك بمساهمته بجريمة قتل رجلٍ مسكين !

- يا الهي ! ماذا فعلت ؟! كان بإمكاني الإتفاق مع اريك على الإنقضاض على القاتل المأجور وضربه ، ثم الهرب معاً من السوق .. وبذلك نفلت كلانا من قبضة العصابة .. عليّ العودة للماضي فوراً!!


لكنه تفاجأ بماكينة السفر عبر الزمن ترفض طلبه ، بحجّة انهائه المهمّة .. وعندما أصرّ على تغير برمجتها .. تصاعد الدخان من الجهاز الذي تعطّل تماماً .. 

وهنا تأكّد بأنه لا يمكنه اعادة اريك للحياة .. ولم يعد امامه سوى تعويض عائلته الفقيرة ، خصوصاً انه ميسور الحال

***


باليوم التالي .. تفاجأت ارملة اريك بصندوقٍ فيه لوزام الطعام امام منزلها ! وورقة مكتوباً عليها :

((اعرف بموت زوجك مطعوناً قبل عشر سنوات.. وأعدك بالإهتمام بأولادك لآخر عمري.. إعتبريها مساعدة من شخصٍ مدين لزوجك بشيءٍ لن يستطيع سداده مهما عاش)) 


ورغم غموض الرسالة وعدم معرفتها بشخصية المتبرّع ، الا انها حمدت ربها على هذه الإعانة الغير متوقعة ، لسوء احوالها المادية


اما جاك الذي استعاد صحته ، فقد قرّر إعانة عائلة اريك الذي ساهم بقتله .. كطريقته لتخفيف تأنيب ضميره الذي سيلازمه لآخر عمره !


الجمعة، 28 أغسطس 2026

نور البراءة

تأليف : امل شانوحة 

اللطخة البيضاء


وقفت سعاد مصدومة من وجودها وحدها داخل مدرستها الثانوية بعد انصراف جميع الطالبات ! مما اجبرها على استعارة جوال ابنة الخادمة (فرّاشة المدرسة) .. لتتفاجأ بتسجيلٍ صوتيّ من امها ، تقول بقلق :

((إذهبي فوراً إلى منزل خالتك... لا تعودي إلى البيت ! إذا أتيتِ إلى هنا ، سيقتلك والدك دون رحمة))


فأرسلت سعاد رسالةً صوتية لأمها ، وهي تمسح دموعها:

((أمي... لا أعرف ماذا سمعتما عني ، لكني لم أفعل أيّ ذنب.. فهناك شيءٌ مرعب يحدث معي طوال النهار.. ففي الفسحة ، جلست بجانبي طالبة لم أرها من قبل.. أهدتني قطعة شوكولا.. ما إن أكلتها ، حتى شعرت بمغصٍ شديد في بطني.. فركضت إلى حمام الملعب ، اثناء صعود بقية الطالبات إلى الفصول.. ورأيت الخادمة تمنع طالبة أخرى من دخول الحمام ، لأنه معطّل.. لكنها سمحت لي بالدخول ! وما إن دخلت ، حتى حاول شخص فتح باب الحمام عليّ.. نظرت إلى أسفل الباب ،  فرأيت حذاءٍ أسود لرجل ، عليه لطخة طلاءٍ بيضاء! فصرخت بأعلى صوتي ، جعله يفرّ هارباً.. لكني تمكنت من اللحاق به ، قبل خروجه من المدرسة .. وأحلف أنه شبيه ابن خالتي ! لا ادري فعلاً ان كان هو ام لا ، لكنه أسقط رزمة من المال ، مازالت معي .. ثم عدت إلى فصلي ، دون إخبار احد بما حصل.. وفي الحصة الأخيرة ، أجبت على سؤال المعلمة .. فكافأتني بحلوى .. رغم أن طالبات أخريات أجبن أيضاً ، لكنها لم تعطِ الحلوى إلا لي.. الغريب انني غفوت فور تناولها ، كأن بداخلها منوّم .. وعندما استيقظت ، وجدت المدرسة خالية تماماً.. وجوالي مسروق من حقيبتي .. وباب المدرسة مغلق بإحكام .. ولولا دفعي المال لإبنة الخادمة ، لما سمحت لي باستعارة جوالها .. ومع ذلك نسيت جميع الأرقام ، ماعدا رقم هاتفنا الأرضي ..والآن أنا لوحدي في المدرسة... رجاءً أخرجاني قبل مغيب الشمس.. أنا خائفةٌ جداً))


وما ان سمعت أمها الرسالة ، حتى أسمعتها لزوجها الذي كان ينتظر غاضباً قدوم ابنته سعاد ، وبيده السكين .. 

وغضبه كان بسبب ابن خالتها الذي اخبره : انه رأى ابنته صباحاً وهي تقفز من سور المدرسة ، ثم تصعد إلى سيارة شابٍ غريب !

***


ونزل الوالدان مسرعان باتجاه متجر ابن خالتها القريب من المدرسة..

لينتبها على الفور ، للطخة البيضاء على حذائه الأسود ! 

فانهال الأب ضرباً عليه ، رغم انكار الشاب إقتحامه لمدرسة البنات .. الى ان هدّدته ام سعاد :

- ابنتي تحتفظ برزمة المال التي سقطت منك بساحة المدرسة ، وعليها بصماتك التي ستدينك لاحقاً 


فاعترف بأن أمه اتفقت مع بقية الأطراف على هذه الخطة التي لم يعرف سببها .. فدوره انحصر بإخافة سعاد فحسب ! 

صرخ الأب:

- ستدفع ثمن ذلك ، ايها الحقير !! 

^^^


وأسرع مع زوجته لداخل المدرسة .. وهناك سمعا صرخات ابنتهما من الطابق العلوي !

ليجدا مقنّعاً يحاول تمزيق ملابسها ، بينما تقاومه بكل قوتها ..


فأطبق الأب يداه على رقبة الرجل ، الى ان أغميّ عليه .. بينما سارعت الأم باحتضان ابنتها الخائفة التي اخبرتها بأنها هربت من المقنّع بين الممرّات ، الى ان تمكّن بعد ساعة من الإمساك بها !

فضمّها الأب وهو يشعر بتأنيب الضمير من تصديقه الإشاعة الكاذبة قبل ساعات !

^^^


وصلت الشرطة بعد دقائق.. واقتيد الرجل المقنّع وابن الخالة إلى التحقيق.

وكذلك قبضوا على الخالة التي اعترفت بعد الضغط عليها من المحقق ، بأنها مشعوذة جديدة .. وأن كياناً شيطانياً ظهر لها ، وأخبرها بأن ابنة أختها ستصبح عندما تكبر من أشد أعدائه.. لامتلاكها قدرة استثنائية على التأثير في الناس من خلال حديثها وخطاباتها التحفيزيّة ، وإنها ستكون من عمّال النور المميزين .. ولهذا لم تكن الخطة قتلها ، بل إطفاء نورها بالخوف وتدنيس طهارتها ! وفي المقابل سيكافئها الشيطان بثروةٍ مالية ان نجحت بتدمير سعاد نفسياً ! 


ومع اكمال التحقيقات ، اكتشفت الشرطة بأن سعاد لم تكن الضحية الأولى. .بل هناك بلاغات قديمة لفتيات تعرضن لسيناريوهات مشابهة ، كن ضحايا لمشعوذات أخريات نفذن خططهن لترويع فتيات صغيرات وتحطيمهن نفسياً.

***


لاحقاً ، انتشرت القضية في البلاد.. أدّت لغضبٍ شعبي بعد مطالبتهم بإعدام المشعوذات الحقودات ..

اما سعاد : فأصبحت من المتميزات بالخطابة .. وحرصت على التنقل بين المدارس لتنبيه الطالبات من اذى الأقارب قبل الغرباء ! 


وفي إحدى ندواتها ، ختمت كلمتها بالقول :

((لم يكن الخوف من الموت طعناً ، بل من اشاعةٍ كاذبة تُصدّق قبل سماع الحقيقة))


الخميس، 27 أغسطس 2026

ليلة العمر

تأليف : امل شانوحة 

 

اسرار الفساتين البيضاء


يعتبر ((ليلة العمر)) أشهر محل لتأجير فساتين الأعراس في المدينة..

ففي داخله عشرات الفساتين البيضاء فوق دمى العرض ، بمختلف الموديلات والتطريزات المميزة .. 

***


في المساء ، وبعد إغلاق المحل .. إلتفتتّ المالكانات لبعضهما ، لإجراء حديثٍ مهم بينهن ..

بادئةً احداهن الحوار ، بفخرٍ واعتزاز :

- كم كانت العروسة التي استأجرتني محظوظة بحياتها .. فهي لم تتوقف عن الضحك والإبتسام طوال ارتدائها لي ، بعد زواجها من حبيبها الذي احسنت اختياره .. فرغم مرور عامان على عرسها ، وولادتها لطفلةٍ جميلة .. الا انها مازالت تُخبر صديقاتها بأنني كنت فال خير ، وجلبت السعادة لحياتها.


فردّت فستانٌ أخرى تقف منعزلة في زاويةٍ مظلمة:

- انا عكسك تماماً .. فمن ارتدتني ، تطلّقت بعد شهر بسبب خلافٍ بين اهلها واهل العريس على ديون حفل الزفاف ! ولهذا لم تعد الفتيات تستأجرنني ، لاعتباري نذير شؤمٍ عليهن .. وكأني انا من يتحكّم بمصيرهن وقدرهن.

فحاولت فستانٌ أخرى مواساتها :

- البشر غريبون ! يعلّقون أخطاءهم وحظوظهم على قطعة قماش.


فردّت أخرى :

- إحمدي ربك ، فأنا أسوأ حالاً منكن جميعا!


فاستمعن لها باهتمام ، قبل إكمال قصتها :

- من حسن حظي انني لم أتلطّخ بدماء العروسة ، بعد اكتشاف العريس بأنه لم يكن اول رجلٍ بحياتها ! ومنذ ذلك الحين .. رُميت في هذا الركن ، كأن وصمة العار التصقت بي للأبد.


ساد المحل صمتٌ ثقيل.. قبل ان تتحدث الفستان الرابع التي كانت مميزة بتطريزاتها البرّاقة : 

- قصتي أشدّ قسوة.. صحيح أنني الأفضل بينكن ، من حيث القماش الفاخر والتصميم الراقي ..الا ان من ارتدتني ، بلّلته بدموعها .. فهي كانت مراهقة صغيرة ، أجبرها اهلها على الزواج من ثريٍّ عجوز .. ولهذا عدّتني كفنها المشؤوم ! وانا لست مثلكن ، لأن العريس لم يستأجرني .. بل اشترى قماشي وزينتي من افضل الماركات العالمية .. لكن اهلها الطمّاعون باعوني لهذا المحل ، للإستفادة من ثمني .. تماماً كما باعوا ابنتهم الصغيرة !


فقالت الفستان الخامس :

- اما انا !! فلم تبكي العروس التي لبستني ، لكني شعرت بضيق انفاسها وارتجاف اطرافها وتعرّقها الشديد ، كلما التقت عيناها بحبيبها الذي جلس بين المعازيم مصدوماً وهو يرى حبيبته تُزفّ لرجلٍ آخر .. اما هي ، فكانت مجبرة على تصنّع الإبتسامة لزوجها ، بينما انفاسها تختنق طوال الحفل ! صحيح لم تتساقط دموعها ، لكنها أحرقتني من الداخل..


فسكتن جميعاً بحزن ، قبل ان تقول الفستان الأخير :

- دورنا ان نُستأجر لليلةٍ واحدة ، ثم نُعاد في اليوم التالي إلى هذا المحل.. لذا لا يهم إن كنا جميلات ، ولوّ طُرّزنا باللؤلؤ والزخارف البرّاقة .. او كان ذيلنا اطول من بقية الفساتين.. فليس أجمل فستان هو من يلمع أكثر... بل الفستان الذي ترتديه امرأة ، كُتب لها القدر أجمل حكاية ! 


فوافقن جميعاً على كلامها ، قبل ان يستدرنّ نحو الواجهة .. ويلتزمنّ الصمت ، مع قدوم التاجر الذي لا يعلم بتأثّر فساتين العرس بمصير زبونات متجره ! 


الأربعاء، 26 أغسطس 2026

امرأة بلا ماضي

تأليف : امل شانوحة 

الذاكرة المنسية


بعد إدخال الزوجة الضيافة إلى غرفة الجلوس ، طلب منها زوجها إحضار بلاي ستيشن للعب مع صديقه

 فسألته باستغراب : 

- الم تطلب مني إخفاء الجهاز ، بعد ان اصبحت مهووساً به ؟!

- لا يهم .. إذهبي واحضريه


فعادت لغرفتها ، وهي تتمّتم بضيق :

- هو يعلم ان صحتي ليست بخير اليوم .. ومع ذلك يريدني ان احضر اللعبة من فوق الخزانة ، رغم شعوري بالدوار ! 


ثم وضعت السلّم الخشبي ، في محاولة لإنزال الصندوق الكرتوني الذي بداخله بلاي ستيشن .. لكنها لم تنتبه لعكّاز زوجها الحديديّ الذي فوقه (استخدمه قبل شهرين ، عندما أصيبت ساقه) الذي سقط بقوّة على رأسها ، مُتسبباً بجرحه 


في صالة المنزل .. سمع الزوج وصديقه صوت وقوعٍٍ عنيف للسلم ، فهرعا مذعوريّن للداخل.. 

ليجداها ممدّدة على الأرض ، والسلم فوقها .. والدماء تسيل من رأسها ! 

فحاول الزوج إيقاظها ، بهزّ جسمها بعنف .. لولا إصرار صديقه بأخذها فوراً للمستشفى

^^^


في الطريق ..

جلست المرأة في المقعد الخلفي ، مُسندةً رأسها على فخذ زوجها الذي يحاول ايقاف دمائها بالمناديل .. بينما صديقه يقود السيارة ، وهو يسأله بقلق : 

- هل تتنفس ؟

فوضع الزوج يده أمام أنفها ، قبل ان يجيبه برعب : 

- لا... لا تتنفس!

فصرخ صديقه:

- ماذا تنتظر؟ أنقذها بالحال !!

فأحنى الزوج رأسه ، لإجراء التنفس الإصطناعي.. 

وإذّ بها تنتفض فجأة ، وهي تبعده عنها بفزع :

- ماذا تفعل ؟!! 

ثم نظرت حولها بدهشةٍ مفزعة : 

- أين أنا؟!

وهنا رأت الدماء على المناديل ! فوضعت يدها على رأسها ، وهي تشعر بالألم :

- ماذا فعلتما بي؟!

فردّ الزوج بانزعاج :

- كفّي عن هذه السخافات !! فأنت جرحت رأسك ، بعد سقوطك من السلم..

فجلست بعيدةً عنه ، وهي تسأله بخوف : 

- ومن انت يا رجل ؟ ولما حاولت تقبيلي قبل قليل ؟ 

فساد الصمت بالسيارة ! 


فأجاب صديقه بقلق :

- هذا زوجك ، وكان يحاول إنعاشك .. الا تتذكرينه ؟!

فردّت بدهشة :

- وهل انا متزوجة ؟!

ثم انتبهت على خاتم اصبعها :

- يبدو ذلك ! 

فقال الزوج لصديقه ببرود:

- إنها تبالغ.

فردّ صديقه بعتاب :

- لقد سقطت من علوّ مترين ، ووقع السلّم على رأسها.. لابد ان الإصابة أضرّت بذاكرتها .. وكلّه بسببي ! ليتني لم أصرّ على لعب بلاي ستيشن معك

فسألت المرأة باستغراب:

- وما علاقة الجهاز بجرح رأسي ؟!

فأجاب زوجها : 

- اللعبة كانت في صندوقٍ فوق الخزانة ..هل تذكرتي الحادثة الآن؟

المرأة بقلق :

- لا .. لا اتذكر شيئاً 

فقال الصديق:

- لا تقلقي ، سنصل الى المشفى بعد قليل .. وهناك سيتبين كل شيء.

^^^


بعد الفحوصات.. خرج الطبيب من غرفة الأشعة ، وهو يقول للزوج: 

- مجرّد ارتجاجٌ بسيط .. لكنه يبدو اصاب جزء الذاكرة في دماغها! 

الزوج بقلق :

- ومتى ستتذكّرني؟

الطبيب : الأمر بيدك .. عليك تذكيرها بالماضي الجميل.. يعني المواقف العاطفية بينكما ايام الخطوبة وشهر العسل ، فهي وحدها ما يعلق بذهن المرأة.

^^^


فعادت الى المنزل مع زوجها المحتار بطريقة تصرّفه معها .. خصوصاً بعد إصرارها على البقاء وحدها بغرفتها التي أقفلتها بإحكام .. فهو بالنسبة لها ، رجلٌ غريبٌ عنها!

***


في الأيام التالية ، إضّطر لتغير معاملته معها .. فهو لم يعد يرفع صوته ، او يعطيها اوامر صارمة .. بل صار يستشيرها ويأخذ اذنها ، قبل فعله شيء..


ومع مرور الأيام .. حدث شيءٌ لم يتوقعه ، حين بدأ يكتشفها من جديد .. فهي لم تعد زوجته الباهتة الصامتة التي اعتاد عليها .. بل صارت تناقشه وتعارضه بجرأة .. وتخبره النكات وهي تضحك من قلبها .. وتطلعه على أحلامها .. وتشاركه طموحها ومواهبها التي لم يعلم عنها سابقاً ! كما صارت تهتم بمظهرها ، وتختار ملابسها بنفسها.. وتمازحه بروحها الطفولية وعفويتها الجميلة !


مما جعله يستذكر سنواتهما الماضية ، بعد إجبارها على التصرّف كزوجةٍ هادئة ومطيعة .. بعد ان نصحه الأقارب والأصدقاء قبل الزواج : بطمس شخصيتها تماماً ، وتحقير آرائها وأحلامها .. ومنعها من الخروج والإختلاط بالناس .. وجعل كلمته دائماً هي الأولى والأخيرة 


وبعد تنفيذ نصائحهم ، تحوّلت زوجته إلى امرأة تخاف اعتراضه وإغضابه .. خصوصاً بعد اجبارها على الإستقالة من عملها الذي تحبه .. وإبعادها عن اهلها واصدقائها .. كما كان ينصحها باستعلاء ، بالتفكير بكلامها الف مرة قبل التحدث اليه وإضاعة وقته بآرائها التافهة .. كل ذلك ، رغبةً بخلق زواجٍ بلا مشاكل .. لكنه بالحقيقة صنع بيتاً بلا روحٍ او حياة !  


اما بعد الحادثة ، فصارت تفاجئه بطباعها الجميلة كل يوم.. والأغرب أنه بدأ يعشق هذه المرأة الجديدة.. او بالأصح ، يكتشف حقيقتها بعد خمس سنوات من الحياة الرتيبة المملة ! 

***


ذات مساء ، وهما يشاهدان التلفاز .. سألته بجرأة : 

- هل لديك مشكلة صحية تمنعنا من الإنجاب ؟

فنظر اليها بصدمة :

- ماذا قلت ؟!

- هذا الصباح ، وجدت ملفي الصحي بخزانتي .. وكانت نتائجي جيدة ، لكني لم اجد فحوصاتك ضمن الملف ..

فقاطعها بعصبية :

- هذا يعارض رجولتي !!


ورفع صوت التلفاز لقطع محادثتها .. لكنها أطفأت الجهاز ، وهي تسأله بحزم : 

- نحن متزوجان منذ خمس سنوات ..الا تريد أن تصبح أباً ؟

- كيف وانت تمنعيني الإقتراب منك ؟

- لا تغير الموضوع .. غداً نذهب معاً إلى الطبيب لإجراء .. 

مقاطعاً بعصبية :

- ارفض ان اصبح موضع سخرية أمام الناس.

فأمسكت يده بحنان : 

- لن يعرف أحد.. وإن كان هناك شيء يحتاج إلى علاج ، فسأقف إلى جانبك.. فكلانا اقترب من سن الأربعين ، ولا أريد تضيع المزيد من الوقت.

ففكّر مطولاً ، قبل ان يوافق بتردّد

^^^


وجاءت النتائج مطمئنة..

فهو لم يكن لديه مرضٌ خطير ، بل مجرد عارضٌ بسيط يتطلّب علاجاً بسيطاً

ولأنه وافق على الفحوصات والعلاج ، سمحت بعودته الى غرفتها ..

***


وبعد شهرين ، علم بحملها.. فاحتضنها سعيداً ، وهو يعدها بحفلةٍ عائلية 


وفي الحفل ، لاحظ الجميع تغير طباع الزوجة .. فهي لم تعد صامتة ومنزوية بالمناسبات .. بل ظهرت متألقة بثوبها الفخم ، وهي تضحك بطلاقة وتشارك احاديث الجميع بثقةٍ واعتزاز 

اما زوجها ، فلم يعد يقاطعها أو يأمرها بإذلال امام الغرباء .. بل ينظر إليها باحترام وبابتسامةٍ حنونة ، كأنهما عروسان جدد !

^^^


بعد انتهاء الحفل ، وفي غرفة النوم..

قال الزوج بنبرةٍ نادمة :

- اريد الإعتذار عن سنوات قسوتي معك .. كنت أظن أنه بجعلك مطيعة لكل أوامري ، سأعيش حياةً هادئة.. لكني كنت مخطئاً.. فعندما فقدتِ ذاكرتك ، ظهرت أمامي امرأة لم أعرفها من قبل ! امرأة قوية ومرحة ، لها أحلام وطموح وآراءً سديدة ... واكتشفت أنني أحب هذه المرأة ، أكثر من زوجتي التي أطاعتني بكل شيء ! ليتني عرفت جوهرك الحقيقي منذ البداية.

فأسندت رأسها على كتفه بدلال : 

- المهم أنك عرفتني الآن.. وطالما اصبحت لطيفاً معي ، وتحترمني امام الناس .. فهذا يكفيني..


فحضنها بحنان ، دون علمه بما تخفيه عنه :

((فهو يظنها فاقدة الذاكرة .. لكنها بالحقيقة قبل الحادثة بيوم ، التقت بصديقتها من أيام الجامعة..وجلستا في أحد المطاعم..

لتتفاجأ بصديقتها تسألها بأسى :

- ما الذي جرى لكِ ؟ لما تحولتِ إلى امرأةٍ كئيبة وذابلة ، مقارنةً بأيام الجامعة؟!

ثم أرتها مقاطع فيديو قديمة لهما : وهما تضحكان وتمرحان بحرّية 

متسائلةً بحرقة:

- أين ذهبت تلك الروح الجميلة ؟! 

ثم نصحتها بوضع حدٍ لزوجها النرجسي ، او الطلاق منه

 

فعادت الزوجة الى منزلها مهمومة ، بعد تأكّدها بأنها بعلاقةٍ غير صحية ..


وبعد ان وقع العكّاز من فوق الخزانة ، جارحاً رأسها .. خطرت ببالها ، إسقاط السلم بقوة .. ثم الإستلقاء تحته .. لإيهام زوجها بوقوعها من ارتفاعٍ كبير ، متسبباً بفقدان ذاكرتها ..


ثم بدأت خطتها بعد استيقاظها بسيارة صديق زوجها ، مُدعيةً نسيان الماضي .. او بالأصح ، ناكرةً للوحش الذي صنعته بيدها طوال الخمس سنوات الماضية .. فهي من جعلته نرجسياً ، بطاعتها العمياء له .. وإغداق المديح عليه ، رغم عدم استحقاقه ذلك .. ولهذا ارادت إصلاح خطأها اولاً ، بالعودة لشخصيتها القديمة 


في البداية عاملها زوجها بحذر ، خوفاً من خسارتها .. ثم باحترام ، بدافع الفضول..ثم بدافع الإعجاب.. وأخيراً... بدافع الحب.


فهي بالنهاية لم تفقد ذاكرتها .. بل استعادت نفسها الحقيقية بذكاءٍ أنثويٍّ ناعم)) 


وفي هذا المساء ، وبينما تراقب زوجها النائم .. وضعت يدها على بطنها ، وهي تتمنى أن يرسّخ الطفل الحب بينهما .. عاقدةً العزم على الإحتفاظ بسرّ حيلتها للأبد .. فهي لم تفعل ذلك هدماً لمنزلها .. بل لترسيخ قواعد الحب والإحترام والمساواة ، لبناء زواجٍ سعيد يدوم العمر كلّه !


ثمن التنمر

تأليف : امل شانوحة  الفرصة الثانية تصدّر اسم المراهق (جاك) نشرات الأخبار بعد دخوله مسلّحاً الى مدرسته الثانوية ، وقتله بعضاً من زملاء فصله ،...