كتابة : امل شانوحة
اوسمة العار
في قلب صحراءٍ إفريقية ، تمكّن رجلٌ (ستينيّ ثريّ) من تحويل سجنٍ مهجور إلى مملكته الخاصة .. مُنفقاً ثرّوةً طائلة لترميم زنزاناته ، وتحويلها إلى غرفٍ صغيرة .. بينما استقرّ في طابقه العلويّ الفخم ، لإدارة إمبراطوريّته الساديّة !
ومن بعدها ، بدأ بتصيّد النساء من القرى النائية.. عاقداً مع عائلاتهن وثائق زواجٍ عرفيّة غير مُسجّلة رسمياً ، مُستغلاً فقرهم وحاجتهم للمال.
فحلمه الوحيد : ان يكون ملكاً على مئة امرأة .. لهذا لم يبحث عن الجمال او العمر ، بل يكفيه طاعتهن العمياء له !
وحين وصلت دفعة النساء الى معسكره ، وجد بعضهن جميلات او شبه مقبولات .. بينما الأخريات ، قبيحات ومسترجلات !
فوظّف الفتيات اللواتي لم يرتح لملامحن أو شخصيّاتهن الى عساكر مزوّدات بأسلحةٍ نارية ، بعد إلزامهن بالزيّ العسكري .. وأوكلهنّ بمهمّة مراقبة بقية النساء ، وإجبارهن على تنفيذ أوامره.
وفي المقابل ، كافأ العساكر في احتفالٍ شهريّ أمام النزلاء : بأوسمةٍ ذهبيةٍ وهميّة ، للغرس في نفوسهن شعوراً بعلوّ مرتبتهنّ على غيرهن.
أما النساء اللواتي رفضن الزواج به : فمنحهن مهلةٍ زمنية ، تتفاوت حسب مكانة كل امرأة بالنسبة له..
فإن لم يغيّرن رأيهن بعد انتهاء مهلتهنّ ، مصيرهن الإعدام رمياً بالرصاص !
وأطلق عليهن لقب:
((الهاربات من المعركة الزوجية)) ..
وأجبرهن على ارتداء خوذاتٍ عسكرية قديمة ، والنوم في غرف القبو الرطبة .. مع طعامٍ قليل .. آملاً بأن يكسر الجوع والعزلة ، عنادهن.
أما من وافقت على الزواج به لبضعة شهور ، ثم طلبت الطلاق لعدم تحمّلها طباعه النرجسية ..
فانتقم منهن : بإجبارهن على ارتداء خمارٍ يُخفي وجوههن .. مع تعليق لافتة على صدورهن بلقب : ((الخائنة))
حيث يُمنع عليهن التحدّث مع بقية الزوجات او العازبات .. كما يخضعن لمراقبةٍ دقيقة من العساكر !
اما بقيّة زوجاته الأربعون ، فانقسموا إلى فئتيّن :
1- الزوجة العادية : تحصل على بعض الحرّية في اختيار طعامها ووقت نومها، لكنها لا تنال أوسمة الشرف
2- أما ثماني نساءٍ فقط ، فقد فزنّ بلقب : ((الزوجات المثاليات)) كونهن الأكثر طاعة والأقل اعتراضاً ، والأسرع في تنفيذ أوامره.
وفي كل احتفالٍ شهريّ .. يقفن بوقار امامه ، وهو يُثبّت على ثيابهن أوسمةً برّاقة.. بينما البقية مُجبرات على التصفيق لهن !
ومع ذلك كان واضحاً للجميع : ان عيون الزوجات المثاليات تُخفي رعباً صامتاً ! لشعورهن بالأوسمة ، كسلاسل ذهبية تخنق ارواحهن
اما وظائف النساء داخل مملكته ، فتنوّعت حسب تصنيفاتهن :
فالمطلقات : عليهن مهمّة الطبخ .. والعازبات : التنظيف والغسيل .. والمجنّدات : الحراسة والرقابة .. امّا زوجاته المُدلّلات : فلا يعملن شيئاً ، سوى الإهتمام بجمالهن ورشاقتهنّ لإرضاء ذوقه الصعب !
***
ووسط تلك المملكة الغريبة .. عاشت فتاةٌ لم تتجاوز العشرين تدعى علياء ، وهي أجمل نساء المعسكر وأعندهن !
فهي منذ يومها الأول ، أعلنت التمرّد على قوانينه الجائرة .. مُتجاهلةً تهديداته ، وحرمانها من الطعام ، والجلد والحبس الإنفرادي .. وكلما حاول كسرها ، زاد عنادها وإصرارها على تدمير مملكته الزائفة
فبرغم غرور الرجل ونرجسيته ، الا انه رفض إجبارها على الزواج به .. بل يريدها ان تأتي اليه طواعيةً ! ولهذا قرّر انتظارها .. فهو يؤمن بأن الجوع والخوف والوحدة ، ستنتصر عليها يوماً ما
***
لكن رغم مرور سنتين ، مازالت علياء على رأيها .. الى ان تغيّر كل شيء بالحفل التكريمي المشؤوم
حيث اصطفّت النساء في الساحة..
الزوجات في جهة.. والعازبات في جهةٍ أخرى.
بينما تقف المطلّقات خلفهن ، بوجوهٍ مخفية تحت الخمار.
أما العساكر ، فوقفن في صفوفٍ مسلّحة.
وكالعادة ، بدأ الثريّ بتوزيع أوسمة الطاعة على زوجاته المثاليات.
بينما راقبت علياء الوضع باشمئزاز ، وهي مُجبرة على وضع خوذة ((الهاربة من المعركة))
لكن هذه المرة قرّرت اعلان ثوّرتها .. فتقدّمت إلى منتصف الساحة..وخلعت خوذتها ، ورمتها بعنف أمام الثريّ.
فساد الصمت المقلق بين النساء ! وهن تستمعن لعلياء التي تقول بصوتٍ عالي :
- مهما مرّ الزمان !! سأجد طريقة للهرب من سجنك المقرف ... حتى لوّ كان ثمن حرّيتي ، هو حياتي.. فأنا امرأةٌ عنيدة ، لا أسمح لأشباه الرجال مثلك ان يقترب مني ، ايها العجوز الخرف !!
فشهقت النساء برعب من جرأتها ! أما العساكر فوجهّن أسلحتهن نحوها.
بينما ابتسم الثريّ ابتسامةً مريبة :
- عزيزتي علياء .. كلما رفضتني ، كلما زاد تعلّقي بك.. وسيأتي اليوم الذي ترضخين اليّ ، بإرادتك .. وسأذكّرك بكلامي ، عندما تصبحين أمّاً لأطفالي.
فضحكت علياء بسخرية :
- ايّ اطفال ؟!! مضى عامان ، تزوّجت خلالهما معظم النساء المتواجدات هنا .. ومع ذلك لم تحمل واحدة منهن !
فساد الصمت بين صفوف النساء اللواتي يراقبن الوضع بخوف !
وتغيّر وجه الرجل .. لتكمل علياء استفزازه :
- أظنني عرفت قصتك .. فأنت حتماً احببت امرأة بكل جوارحك ، لكنها تخلّت عنك لعقمك .. فحبست النساء هنا ، للشعور برجوليّتك .. اليس هذا هو سبب صرف ثرّوتك على تجديد سجنٍ مهجور ؟
فاحمرّ وجهه غضباً .. لكنها اكملت كلامها بجرأة :
- ليس ذنبنا أن حبيبتك تركتك.. وليس ذنبنا ، أنك لا تستطيع الإنجاب.. كن رجلاً لمرةً واحدة في حياتك ، واطلق سراحنا !!
فتعالت همسات النساء ! وهن يتوسلن بخوف ، أن تصمت بالحال .. لكنها استمرّت بكلامها الجارح :
- طليقتك امرأةٌ حرّة .. معها كل الحق في تركك ، أيها النرجسي المريض !!
فلم يعد باستطاعته تحمّلها .. وانقضّ عليها ، بعد سحب سكينته الحادة من خصره
لتتعالى الصرخات في الساحة .. بينما حاولت بعض النساء التدخل لإنقاذ علياء ، لكن العساكر منعتهن..
حتى أفرغ غضبه بطعناتٍ متلاحقة .. سقطت بعدها علياء جثةً هامدة ، وسط بركة من دمائها الطاهرة !
فساد الصمت الثقيل بينهن .. قبل ان تتجرّأ عازبةٌ أخرى ، برميّ خوذتها امامه :
- إن كان عقاب رفضنا الزواج بك ، هو الموت .. فاقتلني أنا أيضاً!!
ثم تقدّمت زميلتها ، راميةً خوذتها ايضاً :
- وأنا أيضاً !!
وسرعان ما تجمّعت المطلّقات حوله ، بعد نزع الخمار عن وجوههن.. ورميهن بطاقات ((الخائنات)) امامه ..
قبل تقدّم الزوجات العاديات ، لإزالة خواتم الزواج من اصابعهن
وبعدها بدأت الزوجات المثاليات على التوالي ، بنزع أوسمة الطاعة من ثيابهن التي أشعرتهم دائماً بالإذلال والعار
فأمر الثريّ العساكر بإطلاق النار على المُتمرّدات .. ليتفاجأ بهن ، ترمين أسلحتهن جانباً مع قبعاتهن العسكرية !
قبل ان تتقدّم قائدتهن نحو بوّابة السجن.. وهي تفتحه بمفتاحها الخاص ، بعد عامين على اغلاقه !
وهي تقول للجميع :
- السرّ الذي لا تعرفونه ، ان اسلحتنا مزيّفة ..
الثريّ معاتباً :
- لما أخبرتهن يا غبية ؟! ألم تعاهديني على السرّية ؟!
لكنها لم تكترث له ، وأشارت لشيءٍ موجود خلف البوّابة المفتوحة .. وهي تقول لبقية النساء :
- هناك حافلتيّن بالخارج !! سأقود إحداها ، فمن ستقود الأخرى ؟
رفعت صديقة علياء يدها :
- انا اعرف القيادة جيداً !! لكن قبل أن نغادر ، علينا أخذ بطلتنا معنا.
فاقتربت النساء جميعاً ، لحمل جثة علياء المُضرّجة بالدماء.. وهن ينظرن بلؤم وتحدّي للثريّ بعد حصولهن على حرّيتهن اخيراً
فصرخ الرجل بعلوّ صوته ، اثناء توجههن نحو البوّابة :
- الى أين تذهبن؟! لقد اشتريتكن من عائلاتكن ، ولن تجدن من يستقبلكن! عدن جميعاً الى مملكتي ، فأنتن زوجاتي!
فالتفتت صديقة علياء نحوه :
- إن لم تستقبلنا عائلاتنا ، سنبني مجتمعاً خاصاً لنا
وأكملت الأخرى :
- نعم !! مجتمعاً لا يحكمه رجلٌ يشتري الناس بماله
القائدة :
- اما انت !! فستُحجز هنا ، حتى ينفذ مائك ومؤونتك.. وتموت وحدك كجيفةٍ قذرة !!
الرجل صارخاً على القائدة :
- أهذه مكافئتي بعد ان سلّمتك المفتاح الوحيد لمملكتي ، ايتها المسترجلة القبيحة؟!
لكنها لم تجيبه ، بل اكتفت بابتسامةٍ ساخرة .. قبل إقفالها البوّابة من الخارج بالمفتاح الذي رمته بعيداً فوق رمال الصحراء..
فركض الرجل مذعوراً ، وهو يطرق الباب الحديدي بجنون..
- إفتحن الباب!! سأعطيكن كل ذهبي ومالي وثرّوتي .. رجاءً لا اريد الموت وحدي!!
وآخر ما سمعه ، هو ردّ إحداهن الساخر :
- إذا جعت ، حوّل ذهبك إلى حساءٍ واشربه... أيها البدين الساديّ !!
لتعلو ضحكات النساء للمرة الأولى منذ عامين ..
^^^
ثم استمع بيأس لهدير الحافلتيّن ، وهما تبتعدان باتجاه قرية علياء ..والتي تمّ دفنها لاحقاً بجنازةٍ شعبيةٍ كبيرة ..
بينما تعاهدت النساء على عدم الخضوع المُذلّ للرجال ثانيةً .. مع إبقاء مكان السجن سرّاً بينهن ، لحين موت الملك المزعوم وحيداً بلا عرشٍ او رعيّة !








.jpg)