تأليف : امل شانوحة
عمالة الأطفال
في تلك الليلة ، استيقظت ديانا (27 سنة) على سريرٍ حديديّ ، داخل قبوٍ تفوح منه رائحة الرطوبة والعرق !
رفعت رأسها من الوسادة القذرة ، لترى عشرات الأسرّة المُتراصّة فوق بعضها ! ينام عليها أطفال تتراوح أعمارهم بين (8 ، 12 سنة) تبدو على وجوههم الهزيلة ملامح الرعب والتعب.
لم تفهم ديانا كيف وصلت إلى هذا المكان ، ولماذا تشعر بصداعٍ ودوارٍ شديدين !
نهضت مُترنّحة اثناء خروجها من المهجع ، صعوداً نحو الطابق العلويّ .. لتنصدم بوجود مهجعٍ آخر يضم أسِرّة لنساءٍ بمثل عمرها ، ومع هذا لم توضع معهن !
وقبل وصولها لباب المهجع الثاني ، للخروج من الجحيم الخانق ! اوقفها حارسٌ هنديّ وهو يهدّدها بالبندقية للعودة إلى مكانها.
ولاتقان ديانا للغة الإنجليزية ، وحفظها لبعض الكلمات الهندية .. حاولت بلغتها الهندية البسيطة ، إفهامه عن رغبتها بدواءٍ يُخفّف الم رأسها .. الا انه أصرّ على رجوعها للقبوّ مع بقية الأطفال !
فعادت الى سريرها بفراشه المُهترئ ، وهي تحاول تذكّر كيفية وصولها لهذا المكان المشبوه ؟
كل ما تعرفه ، انها لا تنتمي الى مجتمعهم الغريب ..فهي ترتدي ثياباً عصرية ، بينما الباقون ملتزمون بالزيّ الهندي التقليدي !
كما شعرت بوخزٍ في ذراعها .. والذي وجدته محمرّاً ، كأن احدهم غرز فيه ابرة المخدّر !
ونامت تلك الليلة ، على امل ان ينتهي هذا الكابوس قريباً !
***
في الصباح الباكر.. استيقظت ديانا على صراخ حارسةٍ دخلت مهجع الأطفال وهي تحمل سوطاً ، وتأمر الجميع بالتوجه للطابق العلويّ.
وبعد خروج جميع الأطفال ، أمرتها الحارسة باللحاق بها ..
وفي قاعة الطعام .. اجتمعت ديانا مع بقية المُحتجزين لتناول طعامٍ مُخصّص للنساء ، عبارة عن : حبتان سمبوسك ، والقليل من الأرز
وعندما طلبت امرأة سمينة المزيد من الطعام ، ضُربت بقسوة بالسوط .. جعلتها تعود إلى مقعدها باكية.
أما الأطفال : فقُدّمت لهم عصيدة الأرز بالكاري.
وبينما كانوا يتناولون طعامهم بصمت..
وقف أحد المسؤولين ، وهو يقول بعصبية :
- انتم تكلفونني الكثير ، ومع ذلك لا تكفّون عن الشكوى!
فإذّ بولدٍ شجاع يردّ عليه :
- نحن نصنع السجّاد الذي تبيعونه للأغنياء ، ولا تعطونا في المقابل سوى طعامٌ رديء .. وطالما تجدوننا عبئاً عليكم ، فأعيدونا الى عائلاتنا .. ايها الخاطفون القذرون !!
فأمر المسؤول بحرمانه من الطعام لبقية اليوم ، عقاباً على تحدّيه قوانين المصنع !
في الجهة المقابلة من القاعة .. راقبت ديانا المشهد بذهول ! بعد فهمها جزءاً من الحقيقة : فهؤلاء الأطفال والنساء محتجزون داخل معملٍ غير قانوني لصناعة السجّاد ، ويُجبرون على العمل في ظروفٍ لا انسانية !
لكن يبقى السؤال : كيف وصلت الى هنا ؟ ومن غرز بيدها ابرة المخدّر ؟!
^^^
بعد الإفطار ، قاد الحرّاس جميع العاملون الى المعمل.
وهناك شاهدت ديانا الأطفال وهم يجلسون أمام عشرات السجّاجيد ، لحياكتها على انوار مصابيحٍ خافتة.. بينما المراقبون يجلدون بالأسواط كل من يتباطأ في عمله.
اما ديانا فبقيت واقفة في مكانها ، لجهلها بهذه الصناعة المُعقّدة !
الى ان اقترب منها احد الحرّاس ، واقتادها الى مكتب مدير المصنع
^^^
ومن حسن حظها ان مدير المعمل يتحدث الإنجليزية ..
فسألته عن سبب ، وطريقة اختطافها ؟ كونها لا تتذكّر شيئاً !
فأشار الى وشم ذراعها :
- انت هنا ، بسبب وشمك التابع لإحدى قبائلنا الهندية.
ديانا : هذا الوشم كان موجوداً منذ طفولتي .. وسألت عائلتي عنه ، لكنهما لا يفهمان معناه !
فردّ المدير :
- بالطبع !! فوالداك الأمريكيان ، لن يفهما رموز قبائلنا ..وأظنك اتيتِ إلى الهند ، للبحث عن عائلتك الحقيقية ؟
وهنا تذكّرت جزءاً مما حصل :
((فهي عاشت حياةً مُرفّهة في واشنطن ، مع والديها بالتبني .. الى ان وظّفا خادمةً هندية تُدعى سونام .. وفي أحدى الليالي ، ضبطتها ديانا وهي تعوم في مسبح القصر ، بينما كان والداها نائمين.. حينها انتبهت على وشم الخادمة ، الذي يشابه الوشم الذي على ذراعها ! فأخبرتها سونام عن القبيلة الهندية التي تنتمي إليها ، وعن عادات اسلافهما
ومنذ ذلك اليوم ، قرّرت ديانا تعلّم بعض الكلمات الهندية من سونام.. الى ان سافر والداها برحلةٍ استجمامية .. وحينها استغلّت ديانا غيابهما ، لزيارة الهند والبحث عن عائلتها الحقيقية..
وغادرت الولايات المتحدة سرّاً برفقة سونام التي وصلت معها إلى الهند.. وبعد خروجهما من المطار ، استقلّتا عربة توك توك للذهاب إلى وجهتهما..
حينها شعرت ديانا بألمٍ في ذراعها ، جعلها تغفو على الفور !))
وهنا قطع افكارها ، صوت المدير :
- لا تقلقي ، لن أُجبرك على حياكة السجّاد مثل الأطفال .. ولن أرسلك للعمل في الدعارة مثل النساء المختطفات ، رغم جمالك .. فنحن لا نستطيع المخاطرة بإيذاء مواطنة أمريكية ، خصوصاً أن والدك بالتبني سفيرٌ مهم
فسألته ديانا بحذر:
- اذاً لماذا تبقيني هنا جبراً ؟!
- ستعرفين لاحقاً ، فأنا مازلت أجري اتصالات مع بعض الأشخاص المهمين.. وإلى أن أقرّر ما سأفعله بك ، ستُعاملين أفضل من بقية المُحتجزين.. ولهذا وضعتك في مهجع الأطفال ، خوفاً من اذى النساء الغيّورات
فقالت ديانا :
- اولئك الأطفال ، اصغر من السن القانونية للعمل في معملك !
- عزيزتي .. القوانين لا تسري على المناطق الفقيرة التي قدم منها معظم المحتجزين.. لكني بالنهاية سأطلق سراح الصغار بعد بلوغهم سن الشباب ، خوفاً من إثارتهم المشاكل في معملي
ثم نادى الحارسة ، لإعادة ديانا الى المعمل..
ديانا : لحظة ! هل بإمكانك اخباري بنوع الحقنة التي خدّرتموني بها ، والتي جعلتني أفقد جزءاً من ذاكرتي ؟
المدير : لا تقلقي ، ستتذكّرين كل شيء قريباً.. إذهبي الآن مع الحارسة ، فلديّ أعمالٌ كثيرة.
^^^
في المعمل ، اقتربت ديانا من الولد الشجاع الذي عوقب بالحرمان من الطعام ..وهي تعده بإعطائه وجبتها على الغداء ..
فسألها باهتمام : هل خطفوك ، كما ما فعلوا معنا ؟
ديانا باستغراب : خطف ! المدير أخبرني ان اهاليكم الفقراء هم من باعوكم لهذا المصنع
الولد بضيق : كاذب !! معظمنا مختطفون.. كنت ألعب كرة القدم مع أصدقائي عندما جاء رجل يرتدي زيّ الشرطة .. وطلب منا التوقف عن اللعب ، بحجّة ازعاجنا الجيران.. ثم سألنا عن عناوين منازلنا.. ولأن منزلي كان بعيداً ، عرض توصيلي على درّاجته النارية .. وما إن ابتعدت عن أصدقائي ، حتى أطبق قماشة المخدّر على أنفي.. وحينما استيقظت ، وجدت نفسي هنا.
شهقت ديانا:
- يا إلهي ! لا بد أن عائلتك ما زالت تبحث عنك حتى اليوم
- بالتأكيد !! فأنا الإبن الوحيد على خمس بنات ، ولن يتوقف أبي عن البحث عني ابداً .. وقد حاولت الهرب اكثر من مرة .. لكنهم دائماً يمسكون بي ، ويعاقبونني بقسوة.. لذلك لم أعد أجرؤ على الإقتراب من البوّابة ، فهم يراقبوننا طوال الوقت.
ديانا بصوتٍ منخفض : الم يحاول أحد غيرك الهرب؟
- بلى .. كان هناك طفلاً أشجع مني ، وحاول تنظيمنا للإضراب عن العمل .. لكنه اختفى فجأة.
ديانا بقلق :
- هل قتلوه؟
- ربما ، فهم حتماً لن يعيدوه إلى أهله .. (ثم سكت قليلاً).. أتذكر صبياً آخر سهر ليلةً كاملة تحت ضوء قنديلٍ صغير حتى يُنهي حياكة سجّادته ، خوفاً من عقاب الحارس.. وفي الصباح استيقظنا على بكائه ، بعدما فقد بصره !
ديانا بحزن : وماذا فعلوا به ؟
الولد : باعوه لعصابة المتسوّلين ..(ثم أشار الى فتاة لديها آثار حروق على وجهها وذراعها) .. أترين تلك الفتاة ؟ أحرقت نفسها بوقود القنديل ، كيّ لا يرسلوها لمسؤولة الدعارة.. وبعد تشوّهها ، أجبروها على العمل معنا في صناعة السجّاد !
ديانا :
- اعدك بعد خروجي من هنا .. سأبلغ السلطات عن المعمل المشبوه ، لإنقاذكم جميعاً
الولد بيأس : لا اظنهم سيطلقون سراحك مطلقاً
فردّت بثقة :
- لا يستطيع المدير احتجازي طويلاً .. فأنا مواطنة أمريكية ، ووالدي سفيرٌ مهم
فأمسك الولد يدها :
- اذاً في حال تحرّرتي من هذا الجحيم ، رجاءً لا تنسينا
فوعدته بذلك
ثم عادت إلى سريرها في القبو ، وهي تفكر بطريقة لإنقاذ المُحتجزين الأبرياء.
***
في وقت العصر ، استيقظت ديانا على صوت نساءٍ يتحدثن قرب سريرها .. قبل ان تسألها إحداهن باستغراب :
- لما يسمحون لك بالنوم متى تشائين ، بينما يحرموننا الراحة؟
فأجابتهن ديانا:
- انا مواطنة امريكية ، ولديّ حقوق تخيفهم ..
- طالما لست من هنا ، فلما تحملين وشم قبيلتنا؟
فأخبرتهن ديانا بموجز قصتها التي اوصلتها الى المعمل ..
فقالت إحداهن:
- وهل حقاً تظنين أن المدير سيدعك ترحلين ، مُخاطراً بفضح معمله وعقوبته قانونياً ؟
ديانا بقلق :
- ماذا تقصدين؟
- لا أحد يغادر هذا المكان بإرادته ..
وقالت الأخرى : ستكونين محظوظة ان قرّر تعليمك حياكة السجّاد .. وإن فشلتي ، ستعملين حتماً في الدعارة معنا .. فلا خيارٌ ثالثٌ هنا
وقبل تمكّن ديانا من الردّ .. دخلت الحارسة وهي تأمر النساء الثلاثة بالإستحمام ، استعداداً لبدء عملهن الليليّ.. ثم أشارت إلى ديانا للذهاب معهن الى الحمام
فحاولت ديانا الرفض ، لكن الحارسة هدّدتها بالجلد بالسوط إن لم تمتثل للأوامر !
^^^
وفي الحمام المشترك ، شعرت ديانا بالخوف من نظرات المتواجدات هناك .. فلفّت منشفة كبيرة حول جسدها ، غير مُكترثة بضحكاتهن الساخرة..
واستغلّت وجودها هناك ، للبحث عن خادمتها سونام التي ربما خُطفت معها برحلة التيك توك .. الا انها لم تعثر عليها بينهن !
وعندما اوشكت ديانا على المغادرة ، شعرت بإحداهن تلمس كتفها.
فانتفضت مذعورة ، قبل ان تُصدم برؤية صبية تُشبهها بشكلٍ كبير !
الفتاة بحماس :
- أنت حتماً رافينا !!
- لا ! اسمي ديانا.
الفتاة :
- الا تتذكريني يا رافينا ؟ أنا جوهي... أختك الكبرى !
فصمتت ديانا من شدة الصدمة ! قبل ان تكمل الفتاة بعيونٍ دامعة :
- أخبرتني الفتيات هذا الصباح عن وجود فتاةٍ تشبهني في قاعة الطعام.. لم أصدقهن .. لكن حين رأيتك هنا ، عرفت فوراً أنك أختي الصغرى
ديانا : هل عرضتنا امنا للتبني معاً ؟
- أمنا العظيمة لا تبيع اولادها .. هي أنقذتك ، بعد فشلها بإنقاذي
ديانا : لا أفهم شيئاً !
- لنذهب إلى مهجع الفتيات ، وسأروي لك كل شيء عن عائلتنا
^^^
في مهجع النساء .. أخبرتها جوهي بما حصل في الماضي :
((وأنهما وُلدتا في قريةٍ هندية عانت لسنواتٍ طويلة من عداوةٍ دمويّة مع القرية المجاورة التي استحوذت على البئر الكبير ، رافضين مشاركته مع قريتهم التي جفّ جدولها الصغير الذي يسقون منه مزارعهم .. فأمر والدهما (رئيس القبيلة) بالإستيلاء على بئرهم بالقوة ، قبل جفاف حصادهم .. وبعد فوزه عليهم ، فرض مواعيد صارمة للإستفادة من البئر لكلا القبيلتين .. وبعد ستة اشهر من حكمه العادل ، هجم رجال القرية المجاورة بإحدى الليالي عليهم ، لاسترداد سلطتهم على الماء من جديد .. وأدّى هذا الهجوم الى خطف العديد من النساء والأطفال .. وكانت جوهي من بين المخطوفين ، بعمر الثامنة .. أما أمهما (كارينا) فقد تمكنت الفرار ، حاملةً ديانا بين ذراعيها (5 سنوات) الى ان وصلت لسوقٍ شعبيّ .. وهناك صادفت سائحين أمريكيين (الزوجان) .. وتوسّلتهما لتبني طفلتها ، وإبعادها عن الخطر.. فوافق الرجل كونه عقيماً .. حتى ان الأم رفضت اخذ المال منهما ، لبحثها فقط عن حياةٍ آمنة لطفلتها ..وهكذا غادرت ديانا الهند ، بينما بقيت جوهي أسيرة لدى رجال القرية المعادية))
ديانا باهتمام :
- وماذا حصل بعدها ؟
فتنهدت جوهي بقهر :
- عملت على حياكة السجّاد ، حتى بلوغي سن 17 .. بعدها أجبرني المدير على العمل مع فتيات الليل ، بعد ان اخبرني بسعادة : عن مقتل والدنا وأخواننا في تلك المعركة الغادرة
ديانا بصدمة :
- هل كان لدينا إخوان أيضاً ؟!
فردّت بحزن :
- نعم ، اثنان اكبر منا .. كانا بسن المراهقة ، حين قُتلا مع بقية رجال قريتنا
- وماذا حصل لأمنا؟
- بعد هربها للسوق ، انقطعت اخبارها تماماً ! ولا اعرف ان كانت حيّة ام لا
فأمسكت ديانا يد اختها :
- حينما أتحرّر من هنا ، سأضغط على المدير لأخذك معي .. وبعدها نبحث سوياً عن أمنا .. ثم نسافر ثلاثتنا الى واشنطن ، لبدء حياةٍ جديدة
لكن جوهي سحبت يدها ، وهي تبكي :
- لا أستطيع مواجهة امي بعد تلوّثي بعار الدعارة
فاحتضنتها ديانا :
- أنت لم تختاري هذا المصير ، ولم ترتكبي أيّ ذنب.. المجرمون هم المسؤولون عما حدث لك ، وامي ستتفهّم ذلك
جوهي وهي تمسح دموعها :
- لا استطيع النظر الى عينيها .. فقط إخبريها بأنني مُتّ صغيرة ، وانا مازلت طاهرةً عفيفة
وقبل تمكن ديانا من اقناع اختها بالهرب معها ، دخلت الحارسة وهي تأمرها بالتوجه فوراً إلى مكتب المدير.
^^^
وهناك .. أخبرها المدير بسماحه لها بمغادرة المعمل ، وبأن رجاله سينقلونها إلى المطار..
ديانا : لن اذهب دون اختي جوهي التي وجدتها بين مُحتجزيّ معملك.. اريد اخذها معي إلى الولايات المتحدة.
فتغيّرت ملامح الرجل بعد معرفته بعلاقتها مع جوهي :
- إذاً أنت ابنة كارينا ، زوجة سانجاي!
- نعم .. هذه اسماء والدايّ ، كما اخبرتني اختي ..
المدير بارتياح : ممتاز !! اخيراً وجدناك ، بعد ان هرّبتك امك من رجال قريتي
- لا افهم شيئاً !
المدير : اذاً دعيني اخبرك الحكاية منذ البداية .. فأثناء وجود احد حرّاسي في واشنطن ، لمح وشم ذراعك في المول.. فتتبّعك حتى عرف عنوان قصر اهلك.. لكننا لم نعرف من تكونين فعلاً ، بعد تغير اسمك الحقيقي.. وعندما علمنا لاحقاً بوصولك الى الهند ، خطفناك الى هنا.. فقد وعدّت والدي عند قبره : ان أُبيد عائلة سانجاي تماماً.. وبحثنا سنواتٍ طويلة عن طفلته المفقودة.. وطالما اختك تعرّفت عليك هنا ، فهذا يعني اننا نجحنا اخيراً بالقبض على آخر فردٍ من عائلتك المتغطرسة .. وأظن اختك اخبرتك : بأن والدكما هو من تعدّى اولاً على قريتي ، وقتل معظم عائلتي وأقاربي
ديانا بقلق :
- لا دخل لي بما حصل ، كنت طفلة حين وقعت المعركة بينكما !
الرجل بحنق :
- المهم ان قريتنا فازت عليكم بنهاية الأمر .. ورجالنا قتلوا والدك وإخوانك .. وأسرنا اختك هنا .. أما أمك : فقد أحرقتها أختي بالنار ، انتقاماً لمقتل عائلتنا
فشعرت دياناً بألمٍ في قلبها :
- قتلتم أمي أيضاً ؟!
المدير : لم نخبر اختك بذلك ، لتعذيبها شوقاً لرؤيتها .. حتى ان معظم الأطفال والنساء المحتجزين هنا ، ينتمون لقريتك التي أبدنا معظمها
ثم نظر اليها بحنق :
- والآن ، عليّ التفكير بطريقةٍ لائقة لتخلّص منك ..
ديانا مقاطعة بحزم : لا يمكنك قتلي !! فأنا املك جوازاً دبلوماسياً
- نعم ، أخبرني موظف المطار الهندي بهذا العائق .. حينها ظننت انك احد افراد قبيلتك العاديين ، التي كانت محظوظة بتبنيها من عائلةٍ راقية .. لكن طالما علمت الآن ، انك ابنة سانجاي المُدلّلة وآخر العنقود .. فأفكّر جدّياً بالإستفادة منك ، لدعم عصابتنا لكيّ ..
ديانا مقاطعة بعصبية : مهما ضغطتم عليّ ، لن اعمل بالدعارة القذرة !!
- لا ، تلك الوظيفة الوضيعة مناسبة لأختك .. اما انت !! فدورك اهم بكثير
ولم يرضى إخبارها المزيد عن مهمّتها التالية ، واكتفى بالقول :
- لا تقلقي ، ستعودين قريباً الى والديك بالتبني.. فأنا لا اريد مشاكل مع السلطات الأجنبية.
ثم اتصل بجواله :
- الفتاة جاهزة.. تعال مع السائق مساءً ، لأخذها إلى المطار
ثم أنهى المكالمة ، مُلتفتاً إلى ديانا .. وهو يقول مُحذّراً :
- تذكّري جيداً .. ان أخبرتِ أحداً عن معملي ، فسأحرق أختك بالنار كما حصل مع امك
ديانا :
- رجاءً إرسلها معي ، وسأدفع لك ما تشاء.
هزّ رأسه رافضاً :
- لا !! جوهي ملكاً لي .. وانت ارحلي من هنا بصمت
في هذه اللحظة ، دخل الحارس وهو يطلب منه التحدث على انفراد..
فخرج المدير من المكتب ، تاركاً مفاتيح معمله على الطاولة.
فأسرعت ديانا بسرقتها ، وإخفائها في جيبها ..
ثم نزلت الطابق السفليّ ، بحثاً عن اختها .. لكن النساء هناك أخبروها بذهابها لمنزل احد الزبائن ، وستعود قبل منتصف الليل ..
فأسرعت ديانا الى معمل السجّاد ، ودسّت المفاتيح بجيب الولد الشجاع وهي تهمس له :
- هذه مفاتيح المعمل .. ساعد بقية الأولاد على الهرب قبيل الفجر
فهي تعلم بعدم قدرتها على انقاذ اختها ، لكنها على الأقل تمنح الصغار فرصة للنجاة.
***
في آخر الليل .. صعدت ديانا الى سيارة أجرة يقودها رجلٌ عجوز ، بينما جلس بجانبها رجلٌ مُسلّح ..
وقبل مغادرتها المعمل ، سمح المدير لجوهي بتوديع ديانا لآخر مرة
وتبادلت الشقيقتان نظرات الوداع المليئة بالدموع ، وهما تشعران بأنه آخر لقاءٍ بينهما
ثم تحرّكت السيارة باتجاه المطار..
^^^
لكن قبل وصولها بقليل ، شعرت ديانا بدوارٍ مفاجئ ! لترى السائق والحارس يلبسان اقنعة الأكسجين ، بعد انتشار رائحةٍ غريبة في السيارة.
وكان آخر شيءٍ قالته ، قبل فقدانها الوعيّ :
- لما خدّرتموني من جديد ؟!
***
عندما استعادت وعيها في اليوم التالي .. وجدت نفسها داخل طائرة صغيرة ، وهي تشعر بألمٍ في بطنها !
نظر إليها الطيار وهو يقول :
- سأنقلك إلى مطارٍ غير شرعيّ ، يستخدمه تجّار المخدرات .. ومن هناك ، تسافرين إلى الولايات المتحدة.
فسألته بقلق :
- وما دخلي انا بتجّار المخدرات ؟
وعصرت بطنها بعد شعورها بوخزٍ مؤلم ..
الطيار :
- لوّ كنت مكانك .. لما ضغطّت على بطني ، كيّ لا تُفكّ غرز العملية.
فرفعت ديانا قميصها بخوف ، لترى ضمّادة طبية تغطي جرحاً حديثاً!
فصرخت بصدمة :
- يا ملاعيين !! ماذا فعلتم بي ؟!
الطيار :
- اظنهم زرعوا ببطنك ، كيساً مليئاً بأغلى أنواع المخدرات.. فحملك لجواز سفرٍ دبلوماسيّ ، سيمنع موظفي المطار من تفتيشك .. لهذا اختارك رئيسنا ، لنقل شحنتنا المهمة إلى عملائنا في أمريكا.. وبعدها يمكنك العودة إلى قصرك والعيش بأمان ، بشرط عدم اخبار احدٍ بما حدث.. وإلا !! سيبيد زعيمنا ما تبقى من قريتك ، ولن نتردّد ايضاً في قتل والديك بالتبني .. فرجالنا منتشرون في كل مكان !
فشعرت ديانا بالعجز .. ولم تستطع سوى البكاء بصمت ، لحين خروجها من هذه المحنة بسلام !
^^^
وبعد ساعات .. وصلت إلى المطار الذي يستخدمه المهرّبون ، والتي نُقلت منه إلى طائرةٍ اخرى مُتجهة إلى الولايات المتحدة.
وامام شرطي التفتيش ، وقفت مُرتجفة وهي تتوقع إعتقالها بأيّة لحظة .. لكنها تفاجأت بسماحه بمرورها ، فور رؤيته لجوازها الدبلوماسيّ ! (بعد ان امتنعت عن تناول الطعام طوال الرحلة ، حسب اوامر العصابة)
بعدها خرجت من المطار مُنهكة ، وهي مشتاقة للعودة إلى حياتها السابقة.
لتجد بقاعة الإستقبال : خادمتها سونام في انتظارها !
فأسرعت ديانا اليها ، وهي تحمد الله على سلامتها
وبعيداً عن بقية المسافرين ، سألتها بقلق :
- اين كنتِ حين خطفني المجرمون ؟!
سونام : سأخبرك بكل شيء في طريقنا إلى القصر.
^^^
ثم استقلّتا سيارة أجرة .. حيث جلست سونام بجوار ديانا في المقعد الخلفي.
وللحظة ، شردت ديانا وهي تنظر لطرقات واشنطن بشوقٍ وحنين .. وإذّ بها تصرخ ، بعد شعورها بوخزٍ مؤلمٍ في فخذها !
لتجد ابرة بيد سونام ، وهي تقول لها :
- لا تقاومي يا ديانا ، وحاولي النوم لبقية الطريق
وهنا تذكّرت ديانا ما حصل بالتيك توك في الهند : فسونام هي من غرزت ابرة المخدّر في ذراعها !
وفي سيارة الأجرة ، حاولت ديانا مقاومة النوم .. لتتفاجأ بالسائق يتحدث مع سونام ، كأنه يعرفها :
- هل نامت ، ام مازالت تقاوم ؟
سونام : لا تقلق اخي ، ستنام بعد قليل
وما ان التفت السائق نحوهما ، حتى صُدمت ديانا بأنه نفسه مدير معمل السجّاد !
ديانا بنعاس : انت اخو سونام ؟!
المدير : نعم .. وقد طلب زعيم العصابة التي انتمي اليها ، بأن اوصلك بنفسي اليهم .. لأن الشحنة التي تحملينها في بطنك ثمينةٌ جداً ، ولا يمكننا المخاطرة بفقدانها.
نظرت ديانا إلى سونام والمدير ، وهي تقاوم بصعوبة مفعول الحقنة:
- ماذا فعلت لكما ، لتؤذياني هكذا ؟!
المدير : اخبرتك سابقاً ان والدك الحقيقي ، كان زعيم القرية الذي حاول سرقة بئرنا .. ورجاله قتلوا اهالينا اولاً .. ولم يتبقى من عائلتي المكوّنة من عشرة افراد ، سوى اختي الصغيرة سونام ..والتي اقترحت عليّ ، عملها بقصرك كخادمة .. وبعد وثوقك بها .. استدرجتك للعودة الى الهند ، دون علم والديك ..
ديانا : لكن سونام تحمل وشم قبيلتي انا ، لا قبيلتك !
فضحكت سونام :
- كان وشماً مزيفاً من الحنّاء.. وهو ما آثار فضولك ، لمعرفة أصولك الحقيقية.
ثم قالت بلؤم :
- وبالمناسبة ، قتلنا أختك جوهي بعد توديعها الأخير لك
فانهارت ديانا بالبكاء ، وهي تسمع كلام المدير (اثناء قيادته السيارة):
- لا تقلقي ، لن نقتلك انت ايضاً ..فجواز سفرك الدبلوماسي مفيدٌ في تهريب بضائعنا إلى أمريكا.. وكنت انوي حقاً اعادتك الى والديك بعد انتهاء مهمتك ، لكنك تسبّبتي في هروب عددٍ كبير من عمّال معملي .. ومن الجيد ان حرّاسي تمكنوا من اعادة بعضهم ، ومنهم الصبي الذي اعترف بأخذه المفتاح منك ..ولهذا لن تري عائلتك من جديد.. ستبقين تحت سيطرتنا ، كوسيلة لنقل اغلى بضائعنا إلى أمريكا ، الى أن تنهار صحتك وتموتي .. عندها فقط ، نكون انتقمنا من آخر فردٍ من عائلة سانجايّ القذرة!!
وهنا لم تعد باستطاعة ديانا مقاومة المُخدّر ، وغابت عن الوعيّ ..
فيما واصلت السيارة سيرها نحو وكر العصابة التي تنوي استنزافها حتى الرمق الأخير ، ثأراً لدمٍ لم تكن طرفاً فيه قط !







