الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

الرصاصة الفارغة

تأليف : امل شانوحة 

القاتل المأجور


في العاشرة صباحاً .. استيقظت الصبية وهي تشعر بالدوّار ، داخل كهفٍ بارد ! 

وحين رفعت رأسها ، رأت رجلاً غريباً يوجّه مسدسه نحوها !

فصرخت بعلوّ صوتها ، طالبةً النجدة .. وهي تركض باتجاه مدخل الكهف 


لتتجمّد عند الحافّة ، بعد اكتشافها بأنهما أعلى الجبل !

لتسمعه يقول :

- الى أين ستذهبين ؟ نحن في مكانٍ معزول .. ومهما صرختِ ، لن يسمعك أحد.

فبدأت تبكي وهي تتوسّل إليه:

- لا تقتلني رجاءً !! 

- كفّي عن البكاء.. أنا مجرّد قاتلٌ مأجور.. وعليّ إنهاء مهمّتي ، للحصول على بقيّة اجرتي من موكّلي 

فسألته بدهشة : موكّلك ! يعني هناك من دفع المال لقتلي ؟! 

فأمأ برأسه ايجاباً..

- ومن هو ؟ اريد معرفته قبل موتي 

- أخشى أن تُصابي بصدمة.

فصرخت بعصبية : 

- وهل تهمّك نفسيّتي ، وأنا على وشك الموت؟!

- معك حق.


واقترب من وجهها ، قائلاً ببرود :

- أخوك.

اتسعت عيناها بذهول : 

- ولماذا يستأجر أخي الوحيد رجلاً لقتلي؟!

- لأنك أقمتِ علاقةً مُحرّمة مع .. 

فقاطعته غاضبة :

- اسكت !!! أنا أشرف منك ومن أخي!! وأقسم أنني لم أتحدّث مع رجل ٍغريب طوال حياتي ! 

فاستفسر باستغراب : 

- ولماذا يعتقد أخوك أنك شوهتِ سمعة العائلة؟!

فتنهّدت بضيق :

- لأنه يطمع بالحصول على كل شيء! فهو لم يكفه نكران نصيبي من الشركة بعد وفاة اهلنا ، بل يحاول الإستيلاء على منزل والدايّ القديم الذي اعيش فيه ! بينما يمتلك فيلا بالمدينة ، ومنزلاً فخماً على الساحل

فالتزم القاتل الصمت .. بينما اكملت كلامها وهي تبكي :

- احلف أنني بريئة.. أمضيت حياتي في خدمة والديّ ، ولم أخرج من البيت الا لعملي التطوّعي في روضة الأطفال.. فهل تصدّقني ، ام مازلت تنوي قتلي ؟ 


وكان على وشك اجابتها ، قبل ان يرنّ جواله .. فأدار ظهره ، بعد انشغاله بالمكالمة 

فأسرعت بحمل حجرٍ كبير ، وضربه على مؤخرة رأسه .. أفقدته الوعيّ !


ثم خرجت من الكهف وهي تهبط الجبل بصعوبة ، حتى وصلت لأسفله.

وهناك رأت سيارته التي لم تتردّد في تحطيم نافذتها .. وبعدها حاولت تشغيلها بالأسلاك الموجودة اسفل المقود (كما شاهدت بالأفلام)...

لكنها فشلت دون مفتاح ، فخافت من استيقاظه ولحاقه بها من جديد .. فتابعت الركض باتجاه الطريق العام الذي رأته من بعيد !

^^^


بعد ساعة من المشي المتواصل ، والإنتظار بجانب شارعٍ طويل خالي من السيارات .. توقفت شاحنة امامها .. وأخرج السائق رأسه من النافذة ، وهو يسألها باستغراب : 

- ماذا تفعلين وحدك بهذه المنطقة المقطوعة؟!

- أرجوك أنقذني ، هناك رجلاً يلاحقني... أوصلني معك إلى المدينة

- اذاً اصعدي فوراً.

^^^


بعد أقل من نصف ساعة ، بدأ السائق يبتسم لها بطريقةٍ مريبة ! قبل تجرّئه على لمس فخذها.

فصفعته بقوة : 

- عيبٌ عليك ان تستغلّ وحدتي وخوفي ، ألا تملك ذرّة شهامة؟!!

فردّ الرجل بلؤم : 

- سأكون غبياً ان ضيّعت فرصة وجود فتاةٍ جميلة لوحدها ، دون من يحميها من اطماع الرجال 


وما ان أوقف شاحنته للهجوم عليها ، حتى قفزت برعب إلى الخارج.

لتنصدم باقتراب سيارة القاتل منهما (بنافذته المحطّمة) !

حيث رآها تصرخ ، وهي تشير للسائق الذي نزل من شاحنته : 

- ساعدني ارجوك !! لقد حاول التحرّش بي!


وعلى الفور !! انقضّ القاتل بلكماتٍ عنيفة على السائق ، أفقدته الوعيّ .. وبعدها جرّ جسده الثقيل ، وألقاه فوق رمال الصحراء.. 

ثم التفت إليها بحزم:

- إصعدي الى سيارتي فوراً !! 


فتراجعت للخلف مذعورة.

- لا ! انت ستقتلني 

- لوّ كنت أريد قتلك ، لما أنقذتك الآن.

- انا لا أثق بك.

فردّ بعصبية : إذاً ابقي هنا ، حتى يستيقظ البدين القذر .. او اوقفي شاحنةً اخرى ، يكون سائقها أنجس منه !! 

فسألته بتردّد :

- هل ستعيدني الى الكهف ؟

- بل الى مطعم المدينة 

- اذاً انت من وضعت المنوّم في قهوتي ، قبل ذهابي الى العمل ؟ 

القاتل : نعم ، تنكّرت كنادل .. ثم اسندتك بعد شعورك بالدوار .. وبعدها أخرجتك من الباب الخلفي للمطبخ.. والآن دعينا نعود للمدينة ، قبل استيقاظ الملعون (واشار للسائق المُغمى عليه)


فصعدت مُجبرة الى سيارته ، للإبتعاد عن المنطقة المقطوعة ..

^^^


في الطريق .. طلب منها تضميد جرح رأسه ، باستخدام حقيبة الإسعافات الصغيرة الموجودة بالدرج الأمامي لسيارته 


وبعد قيامها بلفّ الشاشّ حول رأسه المصاب ، بينما يتابع هو القيادة .. قال لها :

- اوشكتي على قتلي 

- لوّ كنت مكاني ، لفعلت الشيء ذاته .. هل مازلت تتألّم ؟

- اشعر ببعض الدوار .. المهم أجيبيني صدقاً ، الم يكن لديك حبيب طوال حياتك ؟! 

فنظرت إليه بحدّة : 

- كم مرة عليّ إخبارك ، بأنني لا اهتم بالأمور العاطفية.. 

مقاطعاً : حسناً فهمت ... اهدئي قليلاً ! 


وبعد دقائق من الصمت ، سألته : 

- ماذا ستفعل مع أخي؟ فهو حتماً سيطلب دليلاً على موتي.. كرأسي المقطوع مثلاً

فانفجر ضاحكاً :

- يبدو انك شاهدت الكثير من الأفلام التاريخية .. لا ، هو يريدني ان أصوّر جثتك فقط .. وسأحاول ارسال الفيديو له قريباً 


وما إن قال ذلك ! حتى فتحت باب السيارة .. ليسارع بمسك ذراعها بقوة ، قبل ثوانٍ من قفزها:

- أجننتِ ؟!! ستموتين على الأسفلت ، وأنا أقود بهذه السرعة!

- سيكون أفضل من مقتلي بمسدسك!

- يا غبية !! سأصوّر فيديو يوحي بقتلك ، ثم أرسله إلى أخيك.. مع تسجيل حواري الأخير معه ، ليكون دليلاً ضدّه .. فإن اكتشف يوماً نجاتك ، وفكّر بأذيّتك ثانيةً .. أهدّد بإرسال التسجيل للشرطة 


فسألته بقلق : الا تخاف خسارة بقية أجرتك ؟ 

- يبقى اهون من قتلي انسانةً بريئة 

- هذه اول مرة أرى قاتلاً مأجوراً لديه مبادئ !

- لا يمكنك وصفي بالقاتل ، خصوصاً بعد فشلي بمهمّتي الأولى  

- واضح فعلاً انها مهمّتك الأولى 

- ماذا تقصدين ؟

- لأنه كان بإمكانك التخلّص مني في زقاقٍ قريب من المطعم ، بدل حملي الى كهفٍ بأعلى الجبل !

- أمضيت الطريق كلّه ، وانا متردّد بقتلك.. فملامحك البريئة شكّكتني بالإتهام الباطل لأخيك.. لهذا استمرّيت بالقيادة شارداً ، الى ان وصلت لتلك المنطقة المقطوعة.. وزيادة في الحرص ، حملتك لداخل الكهف

- طالما لديك ضميرٌ حيّ ، فلما تورّطت بهذا العمل القذر ؟


فأخبرها عن عمه الذي تكفّل به ، بعد وفاة والديه .. والذي درّبه على عالم العصابات 

- كنت ارفض توسيخ يدايّ بالدماء .. لكن بعد ان أخبرني أخوك أنك جلبتِ العار لعائلته .. رأيت انه لا بأس من قتل سافلة ، وإراحة الدنيا من ذنوبها 

- يعني صدّقتني في الكهف ، حين اخبرتك ببراءتي ؟!

- بل شكّكت في الموضوع حتى قبل ان اراك .. فعندما كنت في مكتب أخيك ، نتناقش في تفاصيل الجريمة .. دخل الساعي العجوز لتقديم القهوة.. 

مقاطعة : نعم اعرفه ، هو رجلٌ طيبٌ جداً

- وبّخه أخوك بقسوة ، لتضيفي دون إذنه .. وهدّده بخصم ثمن القهوة من راتبه! 

- أخي بخيلٌ منذ طفولته.

- عندها فكّرت : رجلٌ يحاسب موظفاً مسنّاً على ثمن فنجان قهوة ، هل سيكون حريصاً لهذه الدرجة على سمعة عائلته؟

- للأسف .. دلال والدايّ ، أفسده تماماً

- اذاً ما رأيك لوّ أقتله ، ونتقاسم الشركة بيننا ؟ 

- لا !! مستحيل ان اؤذي اخي ، حتى لوّ خطّط هو لموتي .. فهذا ذنبه وليس ذنبي.

فابتسم لها :

- أتدرين ؟ .. بدأت أحب طريقة تفكيرك.


وقبل ان تجيبه ، إنفجر اطار سيارته !

^^^


واضّطرا للإنتظار طويلاً ، الى ان توقفت لهما إحدى الشاحنات 

فجلس القاتل بجانب السائق ، بينما جلست هي مُلاصقة للباب 


ومع طول الطريق ، غلبها النوم.. ودون وعيٍّ منها ، أسندت رأسها على صدره !

فلم يتحرّك القاتل ، خوفاً من استيقاظها .. واكتفى بمراقبة وجهها البريء ، وهو يلوم نفسه:

((كيف أقنعت نفسي بأن هذه الطفلة تستحق الموت ؟!))


وقطع افكاره ، صوت السائق العجوز :

- يبدو أنك تحب زوجتك كثيراً.. فأنت تراقبها دون ان ترمش عينيك ! كم مضى على زواجكما؟

فأجابه بابتسامة :

- مازلنا عرسان جدّد 

العجوز : واضحٌ جداً.. أتمنى أن يدوم حبكما طويلاً.


وقد أشعل دعاء العجوز مخيّلته ، وهو يتصوّرها بثوب الزفاف.. لكنه استعاد وعيه سريعاً : 

((بالطبع لن تقبل الإرتباط برجلٍ ، خطّط لإنهاء حياتها !))

^^^


عندما وصلا إلى المدينة مساءً ، أصرّ على بقائها في شقته.

- أن علم اخوك بعودتك سالمة الى بيتك ، قد يستأجر شخصاً آخر لقتلك.

فوافقت مُضّطرة.

^^^


وفي الشقة ، سألته:

- هل أنت متأكد أن عمك لا يعرف هذا المكان؟

- اشتريته من عملي السابق.. فأنا مصمّم جرافيك ، فهو تخصّصي الجامعي.

- إذاً لماذا لم تُكمل بعملك الذي تحبه ؟ 

- لأنه قلّ كثيراً بعد الذكاء الإصطناعي 

- يمكنك العمل في تصميم الألعاب مثلاً.

- لم يخطر ببالي هذا الموضوع من قبل ! هل لديكِ افكار بهذا الشأن ؟

فوضعت يدها على معدتها :

- نتحدّث عنه اثناء العشاء ، فأنا أتضوّر جوعاً 

- لديّ بعض المعلّبات 

- يبقى أفضل من لا شيء

***


في اليوم التالي ، اصطحبها إلى مستودعٍ مهجور.

وهناك أطلق عليها رصاصةً فارغة ، لتسقط ببركة من دمائها المزيفة التي صمّمها بواسطة خبرته في التصميم 

^^^


وبعد عودتها الى شقته .. شاهدت الفيديو ، وهي تقول بدهشة:

- يا الهي ! انه مقنعٌ جداً 

- يبدو كلامك صحيح ، يمكن للذكاء الإصطناعي ان يطوّر مستقبلي .. (ثم رفع جواله).. على فكرة ، اتصل أخوك قبل قليل .. ويريد مقابلتي الليلة. 

- رجاءً كن حذراً 

- وانت لا تخرجي من شقتي ، حتى اعود

***


ثم ذهب إلى مكتب أخيها ، وهو يضع كاميرا خفيّة صغيرة في قبعته ..وكما توقع ! ماطل بدفع بقية اجرته ، بحجّة مشاكل مالية في الشركة


فوافق القاتل على تأجيل الموضوع ، وقاد سيارته مبتعداً عن الشركة  

وبعدها ، ارسل للأخ حوارهما المُسجّل .. مع رسالة تهديد :

((التسجيل الذي سمعته ، هو دليل تورّطك بقتل اختك.. فإن لم تتنازل لي عن الشركة ، سأرسله الى الشرطة.. معك حتى صباح الغد ، لإعطائي الجواب النهائيّ))

***


في صباح اليوم التالي .. عُثر على الأخ منتحراً في مكتبه ، بعد جرعةٍ زائدة من المهدّئات !


وبعد العزاء ، استلمت شقيقته ادارة الشركة.. بينما غادر القاتل الى المدينة المجاورة ..لمتابعة عمله بتصميم الألعاب الإلكترونية ، بعد ان ساعدته بمكافئةٍ مالية ضخمة.

***


بعد خمس سنوات ، دخل مكتبها 

فسألته بصدمة :

- أهذا انت ؟! الا تخاف أن يعلم عمك بعودتك ؟


فأخبرها بأن الشرطة ألقت القبض على العصابة ، وعلى عمه (الذي ظن بموته بعد فشله بمهمّته الأولى)  


فردّت بارتياح : 

- الحمد الله على نجاتك من شروره .. ماذا عن عملك؟

ابتسم بفخر.

- أصبحت اهم مصمّم جرافيك في المدينة ، خاصة بعد اتقاني التعامل مع الذكاء الإصطناعي... ماذا عنك ؟ كم طفلاً أنجبتي ؟

- ممّن ؟ لم اتزوج بعد

فسألها باستغراب :

- الم يتقدّم احد ، بعد ان ورثت الشركة ؟!

- بل تقدّم الكثيرون لأجل مالي ، لكني لم أجد شخصاً يحبني بصدق .. ماذا عنك ؟

- لم اتزوج ايضاً .. فأنا لم أنسى يوماً ، الفتاة التي نامت على صدري طوال مشوار الشاحنة.

فقالت بابتسامةٍ حزينة :

- غريب أنني شعرت بالأمان مع رجلٍ كان ينوي قتلي ، أكثر مما شعرت به مع أخي الوحيد !


فسكتا لبعض الوقت ، قبل ان يقول لها :

- لن انسى ابداً فضلك عليّ .. فأنت أنقذتني من أن أصبح قاتلاً حقيقياً.. والأسوء انني اكتشفت الحقيقة منذ وقتٍ قريب .. فعمي هو من أمر بقتل والدايّ ، للإستيلاء على مال العائلة لتطوير عصابته ..وعندما علم بنجاتي ، اضّطر امام الشرطة للتكفّل بي .. ليس لتربيتي ، بل لصنع مجرماً يخدم مصالحه.

- أعرف صعوبة ما مررّت به .. لكن رجاءً ، عليك نسيان الماضي.

فردّ بحزن : انا أحاول كل يوم .. صدقاً 


ثم نظر إليها مطوّلاً ، قبل ان يقول بتردّد : 

- سيكون الأمر أسهل لوّ كنتِ بجانبي.

ابتسمت : 

- أهذا عرض زواج؟

- نعم ، وأعدك بالتزامي القوانين طوال حياتي .. وأن اكون زوجاً صالحاً .. وأن أربّي معك ابنائنا على القيّم الأخلاقية.. بعيداً عن عالم الجريمة الذي جمعنا بذلك اليوم 

***


وبالفعل تزوجا وأنجبا ثلاثة ابناء ، كلما سألوهما عن قصة حبهما .. يكتفيان بالقول :

- جمعنا القدر داخل كهفٍ بالجبل 

وأبقيا السرّ بينهما :

((بأن اليوم الذي خطفها فيه قاتلٌ مأجور ، كان اليوم الذي تغيّرت فيه حياتهما للأفضل !)) 


الاثنين، 5 أكتوبر 2026

المنظومة الشيطانية

كتابة : امل شانوحة 

القدرات البشرية الخفية


في آخر الليل .. جلس العجوز (رئيس الجمعية السرّية) داخل محفلٍ شيطانيّ سرّي ، للقيام بطقوسٍ معينة .. 


من بعدها ، خرج دخانٌ امامه .. تجلّى فيه صورة ابليس الذي ظهر صوته بوضوح ، وهو يقول:

- مرّت اعوامٌ طويلة على اتصالك بي !

العجوز : نعم سيدي .. بعد ان ورثت السلطة عن والدي ، خادمك المطيع.. واليوم قدمت لإخبارك بآخر تطوّرات المنظومة التي استحدثتها حضرتك للعالم البشري

ابليس : ان لم تخني الذاكرة ، فقد مرّ قرن على اعطائي الإذن للماسون ، لتطبيق منظومتي المميزة ؟ 

- هذا صحيح ، سيدي.. اليوم يصادف العيد المئة لخطتك العالمية 

- اذاً اخبرني نتائجها على الفرد الواحد.. واريد سماع الأخبار الجيدة


فقال العجوز بفخر :

- دعني أخبرك بشكلٍ موجز عن القدرات البشرية التي ضاعت بسبب المنظومة .. اولاً : القدرة على الشفاء.. فكما تعلم ، كل جسدٍ بشريّ يحمل نظام شفاءٍ ذاتيّ .. فالجسم يعرف كيف يتعامل مع المرض والتوتّر عبر إفرازه الهرمونات المناسبة ، مع توازنه العصبي وراحته العاطفية 

ابليس : اعلم هذا .. ولذلك دعمت الإعلام لجعل الانسان يعتمد كلياً على الدواء ، لتخدير الأعراض دون علاج المشكلة من الجذور 

- هذا صحيح.. حتى اننا ابعدناه عن استخدام آليات الشفاء الطبيعية : عبر التأمل وتصفية النوايا ، ورفع طاقة الشفاء لديه بالنوم العميق والغذاء الصحي 


ابليس : ممتاز !! ماذا عن القدرة الثانية التي وهبها الله للبشر ؟

- اظنك تقصد الحدس الفطري .. وهي البوصلة الداخلية التي تمكّن الإنسان من التقاط الإشارات الخفيّة حوله : خصوصاً شعوره بالخطر قبل اوانه ، او احساسه بنوايا المحيطين السيئة ، او أن القرار الذي يريد اتخاذه خاطئاً 

- وهل طبّقت المصفوفة اقتراحي بهذا الشأن ؟

- نعم سيدي .. برمجنا الإنسان على تجاهل حدسه ، والإعتماد فقط على العقل والمنطق .. وبذلك اسكتنا صوت روحه الذي كان يوصل عقله الواعي بالنفس العليا


ابليس : أحسنتم !! ماذا بشأن موهبته الثالثة ؟ وأعني قدرته على التواصل الطاقيّ ؟

- الإنسان بطبعه يُرسل ويستقبل ذبذبات الآخرين ، مُستخدماً موهبته بالتخاطر.. لكن مصفوفتك الذكية أضعفت علاقته بالجسد الأثيري ، بعد ان شتّتت التكنولوجيا بموجاتها الكهرومغناطيسية شعوره بالرسائل الروحية للآخرين ، بما يعرف بالضوضاء الفكرية


ابليس : رائع !! وهل يعلمون عن قدرتهم الطبيعية بخلق واقعهم ، وانه يمكن لأفكارهم ونواياهم تغيّر ظروفهم المحيطة ؟

- وكيف سيعرفون ؟ إن كنا برمجنا اجيالاً على الشعور بالعجز ، ونكران افكارهم الإبداعية .. وألزمناهم بالرضا بالنصيب ، دون معرفتهم بقدرتهم على قلب واقعهم للأفضل


ابليس : إخبرني اذاً عن اهم طاقة في الإنسان .. ولنقلّ طاقة التزواج ، مراعاةً لقوانين الرقابة

فضحك العجوز : يعجبني حيائك ، سيدي .. تلك من انقى الطاقات البشرية  ، فهي بوّابة الشغف والإبداع .. لكننا حوّلناها الى الإباحيّة المتاحة بوسائل التواصل المتعددة .. ليزداد معها الكبت والفراغ العاطفي لدى الجيل الصاعد ، بدل من تحويلها الى نورهم الداخلي


ابليس : وماذا بشأن قدرتهم الفريدة ، بالتحكّم في الاحلام ؟ فهي موهبة خطيرة ، كونها بوّابة بين العوالم .. فهي تحرّر وعيهم ، لدرجة تمكّنهم من ايجاد حلولٍ لمشاكلهم من خلال التقائهم بمرشدهم الروحي في المنام

- لا تقلق سيدي .. سهرهم على الجوالات ، شوّهت احلامهم وشتّتت عقولهم .. وبذلك فقدوا اتصالهم بأرواحهم الصافية


ابليس : جيد .. وماذا عن قدرتهم العظيمة بالإتصال بالكون ؟

- تمكّنا اخيراً من اجبار جميع دول العالم ، بما فيها الدول الاسلامية على التخلّي عن تقويم الشهور العربية التي تتأثّر بدورات القمر الذي يتحكّم مباشرةً بفترات توتّر او قوّة الجسد ، حسب حركة الكواكب .. ورغم هوس الجيل الجديد بالأبراج الفلكيّة .. الا ان الأغلبية يعتمدون على الوقت المادي الذي لا يحترم طاقة ارواحهم المُتغيرة


ابليس : وماذا عن قراءة الطاقات ؟

- خلق الله الإنسان بقدرةٍ مميزة على الإحساس بطيبة الغرباء او خبثهم ، بمجرّد رؤيتهم لأول مرة .. كما تميّز المكان الطاهر او النجس من الزيارة الأولى .. لكن الأطباء النفسيين (المُنضمين لجمعيتنا ، والذين شهرناهم اعلامياً) اوهموا البشر بأنها حساسية مفرطة ، ووساوس لأمراضٍ نفسية يجب علاجها بالأدوية الكيميائية التي تدمّر تدفّق اشاراتهم الطاقية .. ولهذا كثرت العلاقات السامة والنرجسية ، والطلاقات في كل مكان.. خصوصاً مع انتشار الحب الفاشل عبر وسائل التواصل الإجتماعي ، بؤرة المتلاعبين الأنجاس


ابليس بسعادة : رائع !! لا شيء يُسعدني بقدر هدّم روابطهم الإجتماعية ، وكسر قلوبهم المُرهفة .. لكن ماذا عن قوة الصوت ؟

- هناك تردّدات تفتح مراكز الطاقة بالجسم ..لكن المصفوفة استبدلتها بالموسيقى الصاخبة ذات الكلمات العنيفة التافهة ، التي اوقفت التردّدات الشفائية داخل اجسامهم


ابليس : وماذا عن تحكّمهم في الذبذبات العاطفية ؟

- خلق الله مشاعرنا ، لهدفٍ سامي .. فالغضب والخوف يحميانا من الأخطار .. والحزن مصدر للإبداع ، وتقوية ايماننا بالخالق .. لكنا أقنعناهم بكبح مشاعرهم : فمنعنا الرجال من البكاء ، والنساء من الشعور بالحب ، والأطفال من التعبير عن انفسهم بطلاقة .. وبذلك فقدوا جميعاً قدرتهم على تحويل آلامهم الى نور ، وظلامهم الى وعيٍّ وحكمة 


ابليس : بقيّت آخر قدرة فطريّة ..وهي الرؤية الروحية ، ايّ العين الثالثة ؟

العجوز : هي بوّابة الإدراك الروحي .. فمن خلال العين الثالثة ، نستكشف النوايا الخفية.. لكن لا تقلق .. فكثرة فلورايد بالماء ومعجون الأسنان ، عدا عن المواد السامة في المواد الحافظة لطعامهم الغير صحي .. واستهلاكهم لساعاتٍ طويلة امام الشاشات الإلكترونية ، اغلقت تلك البوّابة الروحية للأبد .. وبذلك فقد الإنسان استشعاره بالحقائق العميقة .. مما جعلنا قادرين على برمجة عقولهم ، والتلاعب بمصائرهم البائسة


فتنهّد ابليس بارتياح :

- الآن يمكنني اخذ عطلة استجمامٍ طويلة ، بعد ان عطّلت جميع قدراتهم (11) الخفية التي وهبها الله لهم ، لامتلاك العالم .. احسنت !! ستجد مكافئتك في منزلك 

العجوز بحماس : أتقصد اكياس الذهب ؟!!

- ان تعرف كرمي جيداً .. فجنودي يسرقون كنوز البشر المدفونة ، لدفعها كمكافئات لعبادي المخلصين ، امثالك .. والآن سأنطلق لقضاء اجازتي الطويلة بعد ان حوّلت الإنسان المعجزة الى كائنٍ ضعيف ، قادر على اهلاك نفسه بيده 


ثم اختفى الدخان .. بينما عاد العجوز مسرعاً الى منزله ، لنقل مكافئته الذهبية الى حسابه الضخم في البنوك كعادته ، وعادة كل من خان جنسه البشري !  


السبت، 3 أكتوبر 2026

الزوبعة النورانية الجزء الثالث والأخير

تأليف : امل شانوحة 

رابط الجزء الأول من القصة

رابط الجزء الثاني من القصة 

التعويذة الأخيرة


مرّت أسابيع على اختفاء فتاة البرق في الغابة... 

ومنذ ذلك البرق المرعب الذي سطع في المدينة ، دون ان يعقبه رعدٌ او مطر ! بدأ السكّان يلاحظون اختفاء اغراضهم الشخصية خلال المساء : كخاتم زواج او صورة قديمة او قطعة ملابس وسخة او بالية ، أمشاط الشعر .. وصولاً لألعاب الصوف ، ومصّاصات الأطفال المُبلّلة بريقهم !


في البداية ظنّ الأهالي ان لصّاً أحمقاً يسرق اغراضاً تافهة لا قيمة لها بالسوق .. وإن كانت مهمّة معنوياً لأصحابها


لكن بعد تلك السرقات الصغيرة ، بدأت المصائب تنهال على الأهالي من كل حدبٍ وصوب !

كشعورهم بالكسل والتعب في اجسادهم .. وفوضى وإهمال في منازلهم ، وتوتّر علاقاتهم الإجتماعية.. مع زيادة امراضهم ، والحوادث المؤذية لهم ولحيواناتهم الأليفة دون مبررٍ لذلك !


عدا عن امورٍ غير مفهومة : كأصوات ركضٍ فوق اسطح منازلهم الخالية والمقفلة بإحكام !

اما اطفالهم : فصاروا يحادثون أصدقاءً خياليين ، كأن بيوتهم سُكنت بكائناتٍ خفيّة.

كما اشتمّوا روائح دخان سجائر وبنزين تفوح في منازلهم ومطاعمهم ، ثم تختفي فجأة .. رغم انطفاء المواقد والأفران! 

عدا عن تقوّس ظهور اليافعين ، كأنّ مخلوقاتٍ ثقيلةً خفيّةً تمتطيهم كالأحصنة !

مع معاناة جميع الأهالي من كوابيس مرعبة كل ليلة .. حتى بات صغارهم يخافون النوم .. بينما فقد الآخرون شهيّتهم للطعام ، وتراجعوا في دراستهم.


الوحيد الذي شكّ بالموضوع : هو اخو الفتاة الذي كان اسوأهم حظا ، فقد تجمّعت كل المصائب فوق رأسه : بعد اصابته بصرعٍٍ مفاجئ ، تكرّرت نوباته بين حينٍ وآخر.. حتى عجز عن متابعة عمله في المصنع.

ثم تركته خطيبته بعد تزايد نوباته المُحبطة.. عدا عن فقدانه نصف وزنه بأسابيع قليلة ! 


وما كانوا سيكتشفون سرّ اللعنة الجماعية ، لولا منام الأخ : الذي ظهرت فيه أخته وهي مختبئة خلف اشجار الغابة ، وتهدّده بوضوح:

- هذا عقابك لإرسالي للفضائيين المرعبين

***


وفي الصباح ، اخبر اهله وبقية سكّان المنطقة بما رآه .. ليتفاجأوا بأن صغارهم رأوا الفتاة ايضاً بكوابيسهم ! 

مما جعل رئيس البلدية يجمع الرجال لاقتحام الغابة ، للقبض على المشعوذة المنبوذة وتلميذتها الحقودة


ودخلوا الغابة وهم يشعرون بالقلق ، الى ان عثروا على كوخ المشعوذة مُحاطاً بطلاسم محفورة على جذوع الأشجار !


وكلما تقدّم أحدهم نحو الكوخ المتهالك ، انهار على الأرض وهو يصرخ بهستيريا ارعبت بقية الرجال ! 

فأصرّ أشجعهم على الإقتراب ، متجاهلاً جميع المخاوف والشكوك .. لينتفض الجميع ، بعد رؤية الدخان يخرج من جلده المسلوخ ! فسارعوا بإطفاء النار التي اشتعلت في ملابسه ، دون سببٍ واضح! 

قبل ان يهربوا فزعين ، بعد سماعهم لصرخاتٍ غير بشريّة تنبعث من باطن الأرض تحت أقدامهم ! 


فعادوا يائسين الى عائلاتهم ، بعد تأكدهم من ان الفتاة والمشعوذة تعيشان داخل حصنٍ منيع .. ولا يمكن بحالٍ من الأحوال مواجهة سحرهما الأسود ، او جيشهما الوحشيّ الخفيّ !

***


لكن كل شيء تغيّر في الصباح ، بعد استيقاظ جيل الرموز .. وعثورهم على منشور موقّع من الفضائيين فوق سرائرهم .. مكتوباً فيه :

((من دراستنا للبشر ، علمنا ان السحر هو السبب الأكبر في خراب زيجاتكم .. ولهذا حصّناكم بطريقتنا ضدّ كائنات العالم الآخر .. وانتم وحدكم ، يمكنكم تخليص مدينتكم من لعنة فتاة البرق.. بعد قضائنا البارحة على معلّمتها العجوز))


فسارع شباب (جيل الرموز) بالتجمّع بمكتب رئيس البلدية الذي وافق على ارسالهم لهذه المهمّة المستحيلة ..

^^^


وحين وصل الشباب الى الكوخ .. وجدوا جثة العجوز الشمطاء مُتفحّمة بين الأشجار .. كأن ليزراً صُوّب من مركبة الفضائيين ، أحرق جلدها تماماً .. بينما ظلّت فتاة البرق مُتحصّنة داخل الكوخ المتهالك !


ورغم ان التعاويذ الشيطانية المحفورة على الأشجار ، توهّجت فور اقتراب الشباب (جيل الرموز) منها .. الا انهم لم يشعروا بأوجاعٍ في جسدهم ، كما حصل لبقية الرجال .. فأكملوا طريقهم ، الى ان كسروا باب الكوخ بعنف 


وما ان اصبحوا بالداخل .. حتى اشتعلت النيران في ستائر الكوخ القديمة ، وبدأت الكتب والمخطوطات تتساقط من الرفوف..


وفي وسط الدخان ، ظهرت الفتاة التي لمع نور رمزها (البرق) من جبينها! 

وهي تقول بنبرة تهديد :

- ستندمون يا رفقاء السماء !! 


ثم تلت تعويذةً سريعة ، جعلتها تختفي من المكان .. 

لكن الشباب لم ييأسوا ، بل طاردوها بين طرقات الغابة الوعرة .. وهم يرونها تطفو سريعاً بين الأشجار ..

الى ان لاحظوا تباطئ حركتها ، بعد استهلاك الطيران لطاقتها ! 


وفي النهاية ، تمكنوا من حصارها قرب جدول ماء..

وقفزوا جميعاً عليها.. بينما تقاومهم بعنف ، وهي تحاول تلاوة تعويذةً أخرى.. لكنهم سارعوا بتكميم فمها ، وتقيدها بالحبال .. 

ثم أعادوها معهم إلى المدينة. 

***


في المساء ، في ساحة المدينة .. تجمّع الأهالي حول العمود الذي ربطوها فيه ، بانتظار محاكمتها.

لكنهم بالحقيقة لم يرغبوا بقتلها .. بل ارادوا ان تخبرهم بأماكن دفنها لأغراضهم الشخصية ، بنيّة انهاء لعناتهم ! 

لكنها امتنعت عن اجابة اسئلهم ، مُتوعدةً إيّاهم بالهلاك حتى أنفاسها الأخيرة.. دون فهمهم لسبب حقدها الكبير عليهم !


وفجأة ! ظهرت انوار المركبة الفضائية بالسماء .. وهذه المرة لم تُثرّ زوبعتها النورانية ، او ترمي منشوراتها .. بل خرج منها شعاعٌ أبيض ، سُلّط مباشرةً على الفتاة التي انفكّت قيودها عن العامود .. وبدأ جسمها يرتفع تدريجياً عن الأرض ..الى ان وصلت للمركبة .. وسط صدمة الجميع ، خصوصاً اهلها الذين راقبوا اختطافها للمرة الثانية !


بعدها ظهرت عبارةٌ مكتوبة على الهيكل الخارجي للمركبة :

((نحن سنتكفّل بها))

ثم اختفت المركبة في السماء.


بهذه الأثناء .. تلاشت الطلاسم المنقوشة على اشجار الغابة ، الواحدة تلوّ الأخرى.

^^^


وفي تلك الليلة... نام الناس لأول مرة منذ شهورٍ طويلة دون كوابيس..

خصوصاً اخوها الذي اختفى صرعه اخيراً ..


بعدها بإسبوعين .. احتفلت عائلته بعودة خطيبته اليه ، بعد تحسّن صحته .. وعقب استرداد وظيفته القديمة


أما اطفال المدينة ، فعادوا إلى مدارسهم.

وعادت الأسواق إلى الإزدحام ، وأصوات الضحكات تملأ الشوارع.

حتى الغابة ازدهرت بالورود العطرة ، بعد هدم كوخ المشعوذة الملعون !

***


داخل المركبة الفضائية ، وبعد عامٍ كامل من محاولة ترويضهم للفتاة المشاغبة ..

قال قائد الفضائين لها : 

- لقد أخطأنا عندما أعدناك الى مجتمعك .. لكن هذه المرة ، ستبقين معنا للأبد

فابتسمت الفتاة بمكر : لا حاجة لعودتي ، فقد وجدت خليفةً لي

وفجأة ! اختفى رمز البرق من جبينها ، دون فهمهم ما حصل 

***


بهذه الأثناء .. كان احد الأطفال يلعب وحيداً بالغابة ، حينما وجد قبعة مرمية هناك .. وبسبب حرّ هذا اليوم ، وضعها على رأسه ..


وما ان فعل ، حتى صرخ متألماً .. جعله يرمي القبعة بعيداً ، لظنه بوجود حشرةٍ قارصة داخلها .. 


وعاد الى منزله ، وهو مازال يشعر بوخزٍ في جبينه ..

وما ان رأت امه الجرح ، حتى صرخت فزعة .. بعد ان حُفر رمز البرق على جبينه ! 

((فهل انتهت لعنة الفتاة الغامضة ، ام تمكنت من نقل شرّها الى خليفتها الصغير؟!))


الخميس، 1 أكتوبر 2026

الزوبعة النورانية (الجزء الثاني)

تأليف : امل شانوحة 

اقرأوا الجزء الأول من القصة ، لتفهموا تطوّر الأحداث بالجزء الثاني 
رابط الجزء الأول : 

عودة المختطفون


بعد مرور شهرٍ كامل على حادثة اختطاف الأطفال ، بدأت الحياة تعود ببطء إلى المدينة المنكوبة التي اتفق سكّانها على تجنّب الحديث عن العاصفة الغامضة ، خوفاً من استعادتها ثانيةً ! 

^^^


لكن في إحدى الأمسيات...

انقطعت الكهرباء فجأة عن المنطقة .. وبدأت الرياح تهبّ من جديد !


ورفع الأهالي رؤوسهم نحو السماء ، وهم يتوقعون رؤية الزوبعة النورانية.. لكن ما حصل كان مختلفاً تماماً .. حيث ظهر نورٌ من فوقهم ، إزداد سطوعه تدريجياً .. الى ان ظهرت مركبةٌ فضائية دائرية الشكل ، أُنيرت على هيكلها الخارجي عبارةً غامضة :  

((انتهت مهمّتنا مع أطفالكم... سنعيدهم الآن على شكل أجنّة))


بعدها اختفت المركبة ، وهدأ الجوّ .. وعادت الكهرباء ، وكأن شيئاً لم يكن 

لكن الأطفال المختطفين لم يعودوا لأحضان اهاليهم !

***


بعد شهر .. حدث شيءٌ غريب ! 

جميع الأمهات اللآتي فقدن اطفالهن ، بدأن يشعرن بالغثيان والدوار.


بعدها بأيام .. اكتشفن جميعاً حملهن بالوقت ذاته ، حتى اللواتي تجاوزن سن الإنجاب! 

حينها فهم الأهالي معنى رسالة الفضائيين .. لكن هل يُعقل أن يعود أطفالٌ تفاوتت أعمارهم (من بضعة شهور ، وصولاً لسن 11) على هيئة أجنّة في بطون أمهاتهم؟!

***


وبعد تسعة اشهر .. اكتظّت مستشفى المدينة الوحيدة بالنساء الحوامل.

وفي يومٍ واحد ، أنجبن اطفالهن على التوالي .. جميعهم ولدوا قبل منتصف الليل ! 


وعندما نظر الأهالي إلى وجوه الرضّع ، إنصدموا من تشابههم مع اولادهم المختطفين .. وكأن الزمن عاد للوراء ! 


لكن شيئاً واحداً كان مختلفاً : فقد وُشمت جباههم برموزٍ غريبة !

ثلاثة أشكالٍ فقط:

((مربع... مثلث... ودائرة)) 

لم يعرف أحد معناها !


أما آخر طفلة اُختطفت في الحادثة الأولى ، فقد عادت بوشمٍ مختلف .. حيث ظهر على جبينها : ((رمز البرق)) ! 


لكن الأهالي لم يهتموا للأمر كثيراً ، بل كانوا سعداء بعودة اولادهم ..ولوّ على هيئة حديثي الولادة !

***


مرّت الأعوام.. وكبر الأطفال حتى صاروا شباباً 

وجاء اليوم الذي بدأ فيه اللغز ينكشف مع احدهم (من جيل الرموز)

وكان يملك وشم المثلث على جبينه ، ويستعد للزواج من فتاةٍ خارج مدينته .. والتي أصرّ اهلها على قيامه بفحوصاتٍ طبية قبل اتمامه الزواج ..

لتظهر النتيجة الصادمة بعقمه !


وانتشر الخبر سريعاً بين الأهالي الذين أصرّوا على ابنائهم ، خصوصاً من يحمل رمز المثلث على اجراء الفحص ذاته 

لتظهر النتيجة نفسها : جميعهم عاجزون عن الإنجاب !


أما أصحاب رمز المربع : فجاءت نتائجهم أصعب ، إذ افتقرت أجسادهم للهرمونات الأساسية للعلاقة الزوجية من الأساس


اما أصحاب رمز الدائرة : فكانوا طبيعيين من الناحية الجسدية .. ويتمتعون بسلوكيات مثالية ومسؤولة ، جعلتهم الخيار الأول لتكوين أسرٍ ناجحة.


وبدأ الناس يربطون بين الرموز وسلوك أبنائهم .. الى ان اكتشفوا الحقيقة مع ظهور المركبة الفضائية بإحدى الليالي .. وهذه المرة ايضاً لم تُثر زوبعتها النورانية ، بل رمت مئات المناشير الورقية فوق شوارع المدينة 


وتسابق الأهالي لالتقاطها ، ليقرأوا الرسالة ذاتها : 

((لقد تمكّنتم من حلّ لغز رموزنا... لذلك سنشرح لكم خطتنا الرئيسية: 

كنا درسنا البشرية لسنواتٍ طويلة .. وراقبنا تكرّر أخطاؤكم ، وتفكّك عائلاتكم بسبب سوء اختيار شركائكم .. وكيف عانى الأطفال نفسياً من عنف وإهمال اولياء امورهم .. لذا قرّرنا التدخل بإجراء تجربةٍ علمية .. واخترنا مدينتكم الصغيرة لاحتوائها على سبعين ولداً تحت سن المراهقة .. وبعد اختطافهم ، درسناهم على حدة : راقبنا سلوكهم وطباعهم ، وتعاملهم مع الآخرين 

ثم صنّفناهم إلى ثلاثة فئات : 

الدائرة : وُشمت على جبين القادرين على احترام شريك حياتهم ، وتحمّل مسؤولية عائلاتهم 

اما المثلث : فهم أشخاص ينجحون بإرضاء الشريك ، لكنهم عديموا المسؤولية تجاه الأطفال .. لذا عقمناهم بطريقتنا  

والمربع : استحقه الأولاد ذويّ السلوك الخطر مع شركائهم واطفالهم ، ولهذا ننصحكم بعدم تزويجهم مطلقاً 


ملاحظة :

ستبقى مدينتكم تحت اشرافنا في السنوات القادمة .. وفي حال نجحت تجربتنا بتحسين حياتكم الإجتماعية ، سنكرّرها مع بقية دول العالم .. ونحن من سنقرّر إن كان نسلكم يستحق الإستمرار أو الإبادة))


بعد اختفاء المركبة ، انقسمت آراء الأهالي : 

بعضهم رأى أن الفضائيين أنقذوا الأجيال القادمة من زيجاتٍ فاشلة.

وآخرون رأوا أنهم تجاوزوا حدودهم ، بالتدخل بشؤونهم الخاصة !


لكن الجميع اتفق على أمرٍ واحد:

((مدينتهم ستبقى تحت مراقبة الفضائيون لوقتٍ طويل)) 


مع ذلك بقي لغزٌ واحد دون شرح ، وهو الفتاة صاحبة (رمز البرق)!

*** 


مرّت السنوات ، وبدأت طباع صبية البرق تزداد غرابة ! فهي سريعة الغضب وتتميّز بالحقد والغيرة الشديدين.. وتكره اهالي مدينتها الذين تجنبوا ايضاً التعامل معها .. 

لكن أسوأ علاقاتها كانت مع أخيها.

^^^


وفي إحدى الليالي ، اشتدّ الشجار بينهما 

وفقد الأخ أعصابه ، صارخاً في وجهها:

- انا من أرسلتك إلى السماء !! ففي تلك الليلة ، فكّكت حبالك.. وحملتك إلى الشرفة ، وتركتك هناك... ثم عدت للنوم ، وانا اتمنى اختفائك للأبد !! 


وانصدم الوالدان باعتراف ابنهما بجريمته السابقة !

اما اخته ، فاكتفت بابتسامةٍ هادئة :

- اذاً انت من ارسلتني للفضائيين ! ..ممتاز !! عرفت من اين ابدأ انتقامي 


ثم دخلت غرفتها ، وحزمت حقيبتها .. بينما حاول والداها منعها من ترك المنزل ..

لكنها ردّت بلؤم :

- لا تقلقا ، سأعود يوماً ما .. فجميعكم مدوّنين على قائمتي السوداء


بعد رحيلها ، اخبرهم الإبن بسرّه الذي اخفاه طويلاً :

- عندما اختفت اختي تلك الليلة ، وجدت حذاءها على الشرفة... وبجانبه أثر قدمٍ صغيرة فوق الطين.. كان يشبه الحوافر ..

الأم باهتمام : حوافر من ؟!

الإبن بخوف : امي .. اظنك لم تنجبي طفلةً بشريّة


وقبل ان يشرح اكثر .. طار منشورٌ فضائيّ من النافذة ، يحمل رسالةً أخيرة:

((حاولنا دراسة ابنتكم طويلاً ، لكننا فشلنا ! فبداخلها شرٌّ مطلق لا ينتمي للبشر.. ولهذا استحقّت رمز الغموض : البرق))


وما ان سمعت الأم الرسالة (التي قرأها ابنها بصوتٍ عالي) حتى ركضت الى غرفتها باكية .. فلحقها زوجها ..

وبعيداً عن ابنهما ، كشفت السرّ الذي اخفته طويلاً : 

- أتذكر رحلتي الكشفيّة مع طلّابي بالغابة ؟ 

- نعم .. فأنت استقلتي بعد الرحلة من مهنة التعليم ، دون شرح السبب !

فمسحت زوجته دموعها :

- في ليلتي الثانية بالغابة ، ابتعدت قليلاً عن المخيّم بعد نوم طلّابي .. لأتفاجأ بهجوم رجلٍ مقنّعٍ عليّ .. وبعدها بشهرين ، علمت بحملي بإبنتي !

- لما لم تخبريني ؟!! كنا بلّغنا الشرطة ، للقبض على المعتدي اللعين !!

- ظننتُ انه بتربيتنا الصالحة لها ، نمحو جينات والدها القذر .. وكم كنت مخطئة .. ارجوك سامحني

وانهارت بالبكاء ، فحضنها وهو يقول بضيق :

- لم يكن ذنبك 

***


بعيداً عن المدينة ، وفي كوخٍ مظلم وسط غابةٍ كثيفة .. جلست الفتاة أمام المشعوذة المنبوذة التي وافقت على تعليمها السحر


العجوز : انت تحفظين التعويذات بسرعة ! هل تنوين الإنتقام من احد ؟

الفتاة بحقد :

- من كل اهالي منطقتي .. وأولهم عائلتي.. خصوصاً اخي الذي ارسلني دون شعوره بالندم الى الفضائيين المرعبين  


ثم أخرجت من حقيبتها ، قميص أخيها المتسخ ..ووضعته أمام المشعوذة: 

- دعيني أتدرّب عليه اولاً


وما ان بدأت الفتاة تردّد خلف العجوز تعويذة النحس على اخيها المسكين ، حتى أضاء رمز البرق على جبينها.. مما اسعدها ، وهي تقول بابتسامةٍ لئيمة :

- سأجعل اخي العزيز يتمنى الموت كل يوم

^^^


وفي تلك اللحظة...

لمع برقٌ عنيف فوق سماء المدينة ، أيقظ الأهالي على كابوسٍ جديد .. لكن هذه المرة ستجتاحهم عاصفةً بشرية حقودة ، تُرهق كبيرهم وصغيرهم بمصائب متتالية دون شفقةٍ او رحمة !


نراكم بالجزء الثالث والأخير

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة 

الخطيب الغيّور


دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق : 

- وأين اجرة مرافقك ؟ 

فاستغربت من كلامه ، لوجودها وحدها بالمقاعد الخلفية ! 

- أيّ مرافق؟!

فردّ السائق بعصبية :

- الشاب الأخرس الذي يجلس بجانبك .. الا يكفيني نظراته الغاضبة طوال  الطريق ، وكأني أتحرّش بكِ ! هيا إدفعي أجرته ، ثم انزلا من سيارتي 


فدفعت له المال مُجبرة.. ونزلت وهي تحمد ربها ان نجّاها من السائق المجنون !

لكنها لا تعلم ان ما حصل ، كان مجرّد البداية.

***


بعد أيام.. تعرّضت سلمى لسرقة حقيبتها من السوق .. 

وكادت تصرخ مُستنجدة ، قبل ان تنصدم بعودة السارق وهو يعيد حقيبتها طواعيةً ! ونظراته مُثبّتة خلفها ، مُعتذراً بخوف : 

- اعتذر سيدي .. لن اقترب منها مجدّداً 

ثم لاذ بالفرار .. 

فانصدمت سلمى لعدم وجود احدٍ خلفها ! 

***


واستمرّت الأحداث الغريبة مع كل رجلٍ حاول الإقتراب منها : فهو إمّا تعرّض لحادثٍ مأساويّ .. أو عانى من كوابيس متكرّرة ، جعلته يقطع علاقته بها.


وآخر خطيب ، سأله والدها عن سبب امتناعه عن إكمال مراسم الزواج ؟ 

فأجابه بضيق :

- الرجل الذي يرافق ابنتك على الدوام ، طاقته مزعجة ولا أستطيع مواجهته !

فظنّت سلمى أنهم جميعاً يختلقون اعذاراً لفسخ خطوبتها ! 


لكن الأمر أصبح مرعباً ، عندما اتفقوا جميعاً على وصف الرجل الغامض : بشابٍ طويل ، نظراته غاضبة للغاية ، ويلازم سلمى كظلّها !

***


في عصر ذلك اليوم ، مشت سلمى لوحدها على الشاطئ .. فلاحقتها امرأةً غجريّة ، وهي تصرّ على التحدّث معها 

سلمى بعصبية : ليس معي المال ، يا امرأة !!

- انا لست شحاذة ، بل بصّارة محترفة .. واريد إنقاذك ممّن يلاحقك 

فتلفّتت سلمى خلفها ، بخوف :

- عمّن تتحدثين ؟!

- انت لا ترينه ، لكنه لا يفارقك .. لهذا اريدك ان تجيبيني ، هل كنت متزوجة من قبل ؟

سلمى : كنت مخطوبة لإبن عمي الذي توفيّ بحادث سير قبل عرسنا بإسبوع

- ومتى حصل ذلك ؟

- قبل عامين 

- ومن يومها امورك مُتعسّرة ؟

سلمى وهي تتذكّر الأحداث الغريبة التي حصلت معها : 

- نعم !

البصاّرة : كما توقعت .. هل تصفينه بشديد الغيرة ؟

سلمى : كان يكرّر دائماً ، أنني زوجته دنيا وآخرة.. حتى انظري !! 


وأخرجت من تحت قميصها عقداً ، مُعلّقاً فيه خاتم خطوبتها .. وأكملت كلامها بحزن :

- قبل وفاته بالمشفى ، طلب مني عدم نزعه من اصبعي طوال حياتي .. لكن بعد وفاته ، وضعته في هذا العقد... ويوماً ما سأعيده لأمه ، إن تزوّجت رجلاً آخر 

البصّارة : هذا إن سمح لك بذلك 

بقلق : ماذا تقصدين ؟!

- هناك بعض الروابط لا تنتهي بالموت ، خصوصاً إذا كان صاحبها يرفض نهايتها.. وأظنه سيخيف كل رجلٍ يقترب منك 


وهنا تذكّرت سلمى مخاوف خطّابها السابقين .. فسألت البصّارة بقلق:

- وكيف سأتخلّص من روحه العنيدة ؟!

أجابتها العجوز:

- إذهبي إلى قبره وتحدّثي معه ، وحاولي إقناعه بتركك تتابعين حياتك بسلام .. والأفضل ان تكوني حازمة بهذا الموضوع 


ثم عادت البصّارة الى خيمتها على الشاطئ ، دون شرح ما تعنيه !

***


نزلت سلمى من سيارة الأجرة ، بعد وصولها الى المقبرة قبل غروب الشمس 


وبعد قراءتها الفاتحة امام قبر خطيبها السابق .. جلست تحادثه :

- اعرف أنك أحببتني منذ طفولتي ، لكني اعتبرتك دائماً أخي الكبير .. ومع ذلك وافقت على الزواج منك ، إرضاءً لعمي وعائلتي وليس عشقاً لك.. وبالنهاية القدر لم يُتمّم زواجنا.. فرجاءً دعني وشأني .. لا اريد البقاء وحيدة طوال حياتي .. ولا ارغب ان يتأذّى احد بسبب غيرتك الصعبة .. لهذا اتيت اليوم ، لدفن خاتمك في قبرك .. فأنا انوي الزواج قريباً 


وبعد دفن الخاتم ، وقفت وهي تقول بحزم :

- هذه آخر مرة ازور قبرك .. الوداع يا ابن عمي 


واستدارت لتغادر..لكنها شعرت بشيءٍ يُطبق على معصمها بقوة !

فالتفتت بفزع ، لترى أصابع عظميّة خارجة من القبر !

فحاولت سلمى الصراخ ، لكن الرعب شلّ لسانها.


وبينما كانت تحاول الإفلات ، سمعت صوت خطيبها .. وهذه المرة لم يكن حنوناً ، بل يشتعل غضباً :

- متى ستفهمين .. انك زوجتي دنيا وآخرة !!

***


مرّت الأيام و الشهور دون أثرٍ لسلمى التي اختفت من الوجود ! 

وغيابها المفاجئ ، أصاب والدها بأزمةٍ قلبية..


وبعد أيام من علاجه بالعناية المُشدّدة ، سلّم الروح 

ولم يكن في المقبرة العائلية مكانٌ لدفنه.. فأخذوا إذن العم ، لدفنه بقبر ابنه الميت قبل سنتين ..

***


في ظهر ذلك اليوم .. وصل المشيّعون إلى القبر.

ليسمعوا حفّار القبور يناديهم ، لرؤية المشهد الغريب !


وصُدم الأقارب ، بعد رؤية جثة امرأة شبه مُتحلّلة داخل القبر .. لم يعرفوا من هي ، الى ان سمعوا صرخة اخيها :

- هذه سلمى !! تلك بقايا فستانها المفضّل ! 


اما جثتها : فلم تكن مُمدّدة بجانب الهيكل العظمي لخطيبها ، بل متكوّرة على نفسها في حضنه !

والشيء الأرعب هو يد ابن عمها العظميّة ، المُطبقة بإحكام حول معصمها .. تماماً كما لوّ كان ممسكاً بها ، لمنعها من الهرب او الحفر بأظافرها المُتكسّرة .. الى ان لفظت انفاسها الأخيرة اختناقاً !

***


وظلّ أهالي المنطقة يتساءلون لسنوات:

((هل سلمى من شدة شوقها ، حفرت قبر خطيبها ؟ ..وإن كانت هي ، فمن ردم التراب فوقها ؟! ..أم ان روح خطيبها الغيّور ، سحبها معه لعالمه الآخر ؟!))


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

ملوك الموت الثلاثة

تأليف : امل شانوحة 

الإبادة البشرية


في مكانٍ بعيد عن البشر ، عُقد اجتماع بين ثلاثة ملوك في قاعةٍ صغيرة تحت الأرض.

الأول : ملكة البعوض بجسدها الرشيق وجناحيها الشفافتيّن ، وعلى رأسها تاجٌ باللون الأحمر القاني  

وعلى يسارها ، ملك الجراد.. بتاجه المصنوع من سنابل القمح اليابسة 

أما الثالث : فملك الفئران.. بجسده الضخم الذي يُغطيه معطفاً من الفروّ المخمليّ .. وتاجه عبارة عن خاتمًٍ ماسيّ ، سرقه احد جنوده من ممتلكات أنسيّة بأحد البيوت


وابتدأ الفأر الإجتماع : 

- شكراً لقدومكما الى قصري اسفل الغابة .. فنحن أعظم ثلاثة ملوك عرفهم البشر

البعوضة : بالتأكيد سنقبل دعوتك انا وزميلي الجراد .. فنحن جميعاً نعتبر من اسوء الحشرات في العالم 

ملك الفئران معترضاً :

- انتبهي على كلامك ، فأنا لست حشرة.

فردّ الجراد:

- لكنك حليفنا في الموت.

ابتسم الفأر : 

ـ وهذا يكفيني.. (ثم اشار لملكة البعوض) .. يمكنكِ طرح اسئلتك علينا 


البعوضة بغرور :

- برأيكما من تسبّب في موت اكبر عددٍ من البشر ، من بيننا ؟

الجراد بفخر :

- باعتقادي نحن !! فجيشي بإمكانه تغطية نور الشمس .. وبقرارٍ واحدٍ مني ، أُبيد ملايين البشر دون ان يواجهونني بحروبهم المعتادة 

الفأر باهتمام :

- وكيف ذلك؟

الجراد : بإمكان أسراب جيشي التهام محاصيلهم في ساعاتٍ قليلة .. وعندما تختفي السنابل ، تبدأ المجاعة.. مُجبراً البشر على اكل ما لا يؤكلونه بالعادة .. الى ان يموت معظمهم جوعاً 

البعوضة ساخرة :

- لكنك عديم الفائدة بالأماكن التي ليس فيها حقول .. بينما نسلي يكفيه وجود انسانٌ واحد ، لتبدأ الكارثة .. فجيشي أصغر من جيشكما ، ومع ذلك يشهد التاريخ بأنني كنت أعظم خطرٍ قاتل على البشرية 


ثم اخرجت من حقيبتها ، صوراً لضحايا ماتوا من أثر الحمّى 

وهي تقول بفخر :

- هل سمعتما بالملاريا ؟ .. مع انه بالحقيقة ، لسنا من نصنع الطفيلي القاتل .. لكنه يستخدم أجسادنا ، كوسيلة للوصول إلى البشر.

فسألها الجراد باهتمام :

- وكم قتلت الملاريا حتى اليوم ؟

فابتسمت بمكر :

- انت تعرفني جيداً .. لا أحب الأرقام الصغيرة.

الفأر بابتسامة :

- يالك من مغرورة 

فأكملت كلامها :

- حسب تقديرات البشر .. الملاريا قتلت عبر التاريخ أعداداً هائلة ، قد تصل لمئات الملايين.. وفي العصر الحديث ، ارتبط جيشي بنحو نصف مليون وفاة كل عام ، خصوصاً في البلدان النامية ! أما أنتما ، فتحتاجان إلى حقولٍ ومدن.. بينما جيشي يكتفي بلسعةٍ واحدة ، لجعلهم يحتضرون ببطءٍ موجع 


ملك الجراد:

- بصراحة لا يمكننا انكار عظمتك ، خصوصاً بعد انجازك العظيم بوباء الإنفلونزا الإسبانية  

البعوضة : 

ـ البشر يخطئون احياناً بتحليلاتهم .. فالإنفلونزا الإسبانية كانت وباءً فيروسياً ، ولا دخل لجيشي فيه 

ابتسم ملك الفئران :

ـ جيد أنك اعترفت بالحقيقة 

البعوضة :

- انجازاتي الأخرى تكفيني .. ماذا عنك ؟


فأخرج الفأر من خزانته .. مجموعة من الصور القديمة ، لجثثٍ منتشرة بمدنٍ اوروبية في العصر الماضي..  

الفأر :

- بالحقيقة هذه صور مرسومة باليد .. سرقها مساعدي من المتحف ، والتي توضّح انجازات اجدادي .. أتدريان ما اسم الوباء ؟ 


فساد الصمت القاعة ، قبل ان يجيب الفأر بفخر :

- الطاعون الأسود.

قال الجراد:

- هذا وحده يكفي لتفوز علينا 

الفأر : ربما .. لكن دعوني أكون دقيقاً بالتحليل .. فالبشر بذلك الزمان وضعوا اللوم على الفئران .. لكن الناقل المباشر للبكتيريا ، كان غالباً البراغيث التي تعيش على القوارض المصابة.

فقالت ملكة البعوض بدهشة :

- إذاً أنت مجرد...

الفأر مقاطعاً : 

- وسيط .. او يمكنكما اعتباري ، حليفٌ استراتيجيّ .. المهم ان جيشي أفنى عشرات الملايين بالموت الأسود في القرن الرابع عشر.. فماذا تستطيعان فعله امام انجاز القوارض العظيم هذا ؟ 

فردّ الجراد:

- أستطيع تجويع أمّةً بأكملها 

وقالت البعوضة:

- وأنا أستطيع إمراضها 

فردّ الفأر بغرور : 

- وأنا أستطيع تحويل مدنهم إلى مقابر جماعية


ثم طلب الملكان من الفأر استعارة جواله (المسروق من احد البيوت) 

وبدأ كل واحدٍ بعرض جيشه من فيديوهاتٍ نشرها البشر على الإنترنت ..مستعرضاً كل ملك قوته على صاحبيه ..

حيث رأيا اسراب البعوض التي اجتاحت المدن ..

بينما اسراب الجراد تقضي على الحقول بساعاتٍ قليلة

بينما تجمّدا وهما يريان القوارض وهي تخرج من كل زاوية ، حتى غطّت الشوارع والبيوت !


فنظروا إلى بعضهم ، قبل ان يقول الجراد : 

- الآن فهمت لما يخافنا البشر.

الفأر: بل يكرهوننا.

البعوضة :

- ولهذا يحاربوننا على الدوام .. 


ثم ضغطت بخرطومها على حروف الجوال ، ليظهر امامهم فيديو لمختبراتٍ بشرية لتصنيع المبيدات الحشرية ومصائد فئران ، وشبكاتٍ كهربائية مضادة للبعوض ، ومبيدات المحاصيل لمكافحة الجراد..

بينما علماءٌ آخرين يدرسون الطفيليات والبكتيريا والفيروسات.


فنظر الملوك الثلاثة إلى المشهد بدهشةٍ وقلق ! 

قائلاً ملك الجراد:

- إنهم ينفقون الملايين لمحاربتنا؟!

فضحكت البعوضة :

- هذا طبيعي ، فهم يعرفون قوتنا .. والتاريخ يشهد على جرائمنا ضدهم

الفأر :

- معك حق .. فهم يخشون دماء البعوض المسمومة .. وقدرة جيوش الجراد على تدمير آلاف المحاصيل الزراعية .. ودور القوارض والبراغيث في نشر الطاعون ، اعظم بلاءٍ بالتاريخ 

الجراد : ما يفاجئني ابادة البشر لبعضهم بالحروب ، ومع ذلك يخافوننا رغم صغر حجمنا !  

فردّت الملكة:

ـ لأنهم لا يروننا كجنود العدو ، بل موتٌ يحيط بهم دون سابق انذار.. ولهذا يستمرّون في محاربتنا ، وإبادة نسلنا بكل الطرق الممكنة !

^^^ 


وانتهى الإجتماع .. ليذهب كل ملكٍ الى جيشه الخفيّ ، وهم يعلمون بأن العلماء والمسؤولين سيتابعون الحرب معهم للنهاية .. لإداركهم بأن بعض المخلوقات مهما بدت صغيرة ، تستطيع تدمير الحضارة البشريّة في أيامٍ معدودة !


الأحد، 27 سبتمبر 2026

عرش الجماجم

تأليف : امل شانوحة 

الزعماء السفّاحين


في الدرك الأسفل من جهنم .. تواجدت ساحةٌ سوداء ضيّقة ، فيها اعمدة من اللهب .. وعلى أرضيّتها الساخنة ، جلس رجالٌ لقّبوا بأكثر الطغاة دمويّة في تاريخ البشريّة ! 


كانوا يعرفون بعضهم : ((جنكيز خان .. جوزيف ستالين .. أدولف هتلر.. ماو تسي تونغ.. بول بوت)) 

وقد ارتبطت أسمائهم بالحروب والمجازر ، والإبادات التي راح ضحيّتها ملايين الأبرياء ! 


نظر جنكيز خان حوله ، وهو يقول ساخراً :

- يبدو أصبحنا من اركان الجحيم نفسه ! 

هتلر : وقد استحقينا هذه المكانة بجدارة .. اليس كذلك يا اصدقاء ؟


فبدأ كل واحدٍ يخبر عن ماضيه.. لم يتحدثوا عنه ندماً ، بل فخراً !


فقال ماو تسي تونغ ، بغرور :

- اردّت تحويل الصين الى قوةٍ صناعية وزراعية ، بخطة بعنوان : القفزة الكبرى الى الأمام ، والتي ساهمت بتغير وجه دولتي بالكامل .. وإن كانت أدّت لمجاعةٍ هائلة 

بول موت :

- اما انا !! فحكمت كمبوديا عبر نظامي الخمير الحمر ، التي ادّت لإفراغ مدناً من سكّانها قسرا.. عدا عن حقول الإبادة التي قُتل فيها ، مليونين من شعبي


ابتسم ستالين : 

- وأنا انشأت شبكة العمل الجبريّ للمعتقلين ، وجعلت الملايين يخافون من سماع اسمي بعد الإعدامات الجماعية التي اشتهرت بها

فقال هتلر:

- وانا صاحب المحرقة العظيمة ، والمسؤول عن تجارب النازيين الطبّية المرعبة .. عدا عن ملايين الموتى في إلمانيا ، وبقية الدول التي انضمّت للحرب العالمية الثانية 

جنكيز خان بغطرسة :

- رغم جرائمكم المتعددة ، الا ان ضحايا جيشي اكثر منكم بكثير .. فأنا قضيت على نسل العديد من العائلات .. ليس فقط في دولتي ، بل بكل الدول التي انتصر جيشي عليها .. حتى لم يبقى لهم أثراً من بعدي !


وبدأوا بمقارنة اعداد الموتى بينهم ..وكلما ارتفع الرقم ، ارتفعت أصواتهم وهم يتجادلون عن انتصاراتهم العسكرية.


فقال جنكيز خان معترضاً : 

- انا من رُبط الموت بإسمي ، كأني عزارئيل بشريّ .. ولليوم لا يُعرف العدد الصحيح لضحايا فتوحات المغول الوحشية

ضحك ماو :

- وانا اسمي ظلّ حاضراً حتى بعد موتي.

فقال هتلر:

- وهذا ما حققناه جميعاً 


وهنا ظهر أمامهم ملاك من حرّاس الجحيم.

فسأله هتلر:

ـ أين إبليس؟ ظننا سنراه معنا ، بالدرك الأسفل من النار ! 

أجاب الحارس:

- هو في الطبقة الوسطى من جهنم .. بينما انتم استحقيتم الطبقة السابعة والأخيرة من جهنم ، لأنكم اسوأ منه بكثير 

هتلر بدهشة :

- كيف أسوأ من إبليس ، وهو من أغوى الناس جميعاً ؟!

ردّ الحارس:

- هو انحصرت مهمّته مع ابنائه ، بالوسّوسة للبشر .. دون ان يطلب من احدٍ عبادته ، او ينكر وجود الله .. وكيف يفعل ؟ وقد رآه وتحدّث معه ، قبل طرده من الجنة.. كما لم يبني دولته فوق ملايين الجثث .. بينما انتم !! حوّلتم وسّوسته إلى جيوشٍ وسجونٍ ومعسكراتٍ ومقابر جماعية..أنتم أصحاب القرار بالإبادة البشريّة.. والله عادل بعقاب كل مخلوقٍ ، حسب ذنبه .. لهذا فزتم بالدرك الأسفل من جهنم ، والتي ستبقون فيها لأبد الآبدين


ثم اختفى الملاك ، بينما جلس الطغاة صامتين.

قبل ان يقول ستالين بقهر :

- ليت الزمان يعود بنا للماضي 

فنظروا اليه ، قبل ان يكمل كلامه :

- أقصد .. ماذا لوّ عدنا إلى الدنيا بشخصيةٍ جديدة ، وحياةٍ أخرى... هل كنا سنفعل الشيء ذاته ؟

سأل جنكيز خان:

- وماذا سنفعل بدلاً من ذلك ؟ فالحروب هي الشيء الوحيد التي اتقناها في الحياة !

ستالين : لوّ مثلاً ولدنا بقريةٍ صغيرة ، كمزارعين او عمّال بناء .. ثم تزوجنا بأمرأةٍ حنونة ، بنينا معها عائلةً محبة ؟! 


فبدأ كل واحدٍ منهم يتخيّل حياةً لم يعشها : فيها بيتٌ صغير ، وزوجة تنتظره عند المساء.. وأطفال يركضون بين الحقول ، بانتظار عودة والدهم براتبه القليل ..جيران واقارب ومناسباتٍ عائلية واعياد .. ثم مرض وشيخوخة وموت طبيعي.


فقال ماو :

- لا ارى نفسي اعيش حياةً عادية ، فهي مملّة بالنسبة لي

جنكيز خان :

- وانا حتماً لن تكفيني أمرأةً واحدة ! 

ستالين :

- وانا اعشق القصور والفخامة !

ردّ هتلر :

- وانا لا يمكنني العيش دون قيادة آلاف الجيوش !

بول بوت : 

- وانا اعشق ان اكون مُهاباً من كل افراد شعبي !


ثم نظروا لبعضهم ، قبل ان ينفجروا ضاحكين .. ضحكة هزّت اعمدة الجحيم !

جنكيز خان : 

- لا شيء اجمل من جلوسك على عرشٍ مبني فوق ملايين الجماجم 


فأومأوا برؤوسهم ، تأيداً لرأيه .. وهم يبتسمون ابتسامة نصرٍ وفخر!


ليصل حوارهم الى اسماع ابليس (في الطبقة الوسطى) .. فتمّتم بحزن :

- فعلاً ! لا احد يغيّر طباعه ، ولوّ مُنحنا ارواحاً عديدة .. لهذا استحقينا جميعاً عقابنا العادل.. صدق الله حينما قال : ((وما ربك بظلّامٍ للعبيد)) 


الرصاصة الفارغة

تأليف : امل شانوحة  القاتل المأجور في العاشرة صباحاً .. استيقظت الصبية وهي تشعر بالدوّار ، داخل كهفٍ بارد !  وحين رفعت رأسها ، رأت رجلاً غري...