الأحد، 30 أبريل 2023

ابن الشهيد

تأليف : امل شانوحة 

 

الوطنيّة


أحد الأولاد : أكلما أضعناك ، نجدك عند قبر والدك ؟!

عماد : ماذا تريدون ؟

- تعال نلعب الكرة 

عماد : هناك اشياء اهم من اللعب

- لما كلامك اكبر من عمرك ؟!

عماد : لأني ابن الشهيد

***


عندما بلغ عماد سن المراهقة حصلت ثورة الإنتفاضة .. فاقترب اصدقائه منه ، اثناء تواجده في المقبرة ..

- هل ستأتي معنا هذه المرة ؟

عماد : الى اين ؟

- سنرشق اليهود بالحجارة

عماد بحماس : إن كان الأمر كذلك ، فأنا معكم حتى الموت .. هيا بنا!!


وعندما هجم الجيش الإسرائيلي على الثوّار ، إعتقلوا عماد .. بينما فرّ اصدقائه !

***


في السجن .. وبعد تعرّض عماد للضرب ، سمع الضابط يقول للعسكري :

- لا تضربه بعنف

العسكري : سيدي !! صحيح هو في ١٨ من عمره ، لكنه عنيدٌ للغاية ويرفض إخبارنا بأسماء اصدقائه !

الضابط : هو ابن صديقنا المخلصّ ، لهذا سنُسرّحه بعد يومين


وهذا الكلام أثار شكوك عماد ! 

***


بعد إطلاق سراحه ، سلّم على اعمامه سريعاً .. وخرج من منزل جدته ، بحجّة لقائه بأصحابه.. ليذهب مباشرةً الى منزل والديه الذي أُغلق بعد وفاة امه بالحمّى ، وموت أبيه في المُعتقل (كما قيل له)


وصعد عماد الى العلّية لتفتيش اغراض والده ، ليجد مجموعة من الكتب الشيوعيّة والعلمانية ! ورسائل غراميّة مكتوبة بالعبريّة ، إستطاع قراءتها لإتقانه لغة العدو .. كما وجد صورة فتاةٍ اجنبيّة ، يبدو انه صوّرها اثناء تعلّمه في الخارج .. كاتباً خلف الصورة : ((حبيبتي الوحيدة)) ! 

كل هذا جعله يتجرّأ على نبش قبر ابيه ، لتتأكّد شكوكه بعد رؤيته فارغاً !

***


فذهب عماد الى منزل عمه الذي ربّاه منذ طفولته ، واضعاً رسائل والده الغراميّة وصورة حبيبته الأجنبيّة امامه ، وهو يسأله :

- وجدّت القبر فارغاً ، فأين ابي ؟!

العم بصدمة : هل نبشته ؟!

عماد بإصرار : رجاءً أجبني ..الم تخبروني إنه مات بالتعذيب اثناء اعتقاله؟


فسكت العم مطوّلاً ، قبل ان يقول :

- والدك عاد من الخارج بأفكارٍ علمانيّة ، تعلّمها من عشيقته اليهوديّة

عماد بصدمة : يهوديّة !

- بل وإسرائيليّة ايضاً ! وفي يوم عودتي من جنازة اخي الصغير الذي توفيّ بعمر ٨ ، وجدّته يلومنني على افكاري الوطنيّة التي جعلت اخونا يشارك بانتفاضة الأطفال ويُقتل برصاص العدو .. حينها دافع عن اليهود : بأن لهم نصيباً في القدس (التي لم يصلي فيها يوماً) فجنّ جنون امي التي صفعته بقوة ، مُتمنّيةً لوّ انها قتلته بعد ولادته.. فخرج من منزلنا غاضباً ، ليعود في اليوم التالي بصحبتك (في سن الخامسة) وهو يطالبنا بتربيتك على افكارنا المتخلّفة ، بعد أن غصبناه على الزواج من امك التي لم يحزن كثيراً على وفاتها ! 


عماد : وأين ذهب بعدها ؟

- علمنا لاحقاً بأن اللعين أبلغ العدو عن ابن جيراننا ، بعد رؤيته يرمي قنبلةً يدويّة على دبابةٍ اسرائيليّة .. وبسبب وشايته الدنيئة ، أُعدم جارنا ! بينما حصل هو على وظيفيةٍ بالجيش الإسرائيلي الذين نقلوه الى جهتهم خلف الجدار (قيد البناء في ذلك الوقت) !

عماد بصدمة : لا أصدّق ما أسمعه ! عشت طوال حياتي على كوني ابن الشهيد ، لأعلم الآن أنني ابن الخائن


وأخرج صورة والده من محفظته.. وقبل تمزيقها ، أوقفه عمه :

- هذه ليست صورة ابيك !!

عماد باستغراب : لم أفهم !

العم : امك كانت تعلم بأفكاره المناصرة لليهود ، لذلك وصّتني قبل وفاتها أن نخبرك عن بطولات خالك (الذي توفيّ دفاعاً عن المسجد الأقصى قبل يومين من زفافه) على انه والدك الذي لم تأخذ منه سوى إسمه بالهويّة ! .. يعني التي معك هي صورة خالك ، بطلنا الشهيد

- وأين صورة والدي ؟!


العم : جدتك رحمها الله مزّقت جميع صوره وأوراقه ، ورمت ملابسه بعد معرفتها بانتقاله لإسرائيل .. خاصةً بعد رسالته الأخيره المُستفزّة التي أخبرنا فيها : بتبرّؤه من عائلتنا المتخلّفة ، مُرسلاً صورته وهو يحرق هويّته الفلسطينيّة بعد حصوله على الجواز الإسرائيلي بإسمه اليهوديّ الجديد !

عماد بقهر : مازلت لا أصدّق انني ابن الخائن !

- لا تفكّر هكذا ، فأنت تشبهنا وتشبه اخوالك الأبطال .. دمك فلسطيني مئة بالمئة ..ونحن فخورين بك ، بنيّ

وحضنه بحنان..

***


رغم ذلك أصرّ عماد على العودة الى منزل والديه .. وظلّ يقرأ مذكّرات والده التي وجد بآخر صفحاتها رقماً لضابطٍ إسرائيليّ !  


فاستجمع قواه للإتصال به ، وهو يكلّمه العبريّة التي تعلّمها في المدرسة .. وطلب منه زيارة والده بإسرائيل ..وانه مشتاقٌ اليه ويريد مقابلته .. وانه يصدّق بجميع افكاره حول حقوق اليهود بالقدس ! وانه يُشابهه بالطباع .. وأخبره عن رغبته بالإبتعاد عن الشعب الفلسطيني المتخلّف .. 

فوافق الضابط على دخوله الحدود الفاصلة ، بتصريحٍ خاصٍّ منه !

***


في الموعد المحدّد .. تفاجأ عماد بمدى شبهه بوالده العجوز الذي استقبله خلف الجدار الفاصل ، فاتحاً ذراعيه وهو يقول بفخر :

- أخيراً كبر ابني ليشابهني بكل شيء !!

عماد : انا فعلاً أشبهك بالشكل ، لكن ليس بالطباع .. (ثم صرخ غاضباً).. مُتّ ايها الخائن !! .. (مُطلقاً النار عليه ، وهو يردّد).. فداك ابي وامي يا فلسطين !!!


((وكان أخفى مسدسه تحت قميصه ، مُستغلاًّ عدم تقتيشه من جنود الحدود الذين صدّقوا كذبة ولائِه لليهود ! والذين سارعوا بإطلاق النار عليه ، بعد وفاة ابيه الذي كان نقيباً مهمّاً في جيش العدو))


فنظر عماد المُصاب الى جثة والده ، وهو يتمّتم بقهر :

- بعد سنواتٍ طويلة من فراقنا ، نموت معاً يوم الّلقاء ! لتنتقل بذنوبك الى الجحيم ، بينما تجتمع روحي بإذن الله في الجنة مع الشهداء الأحرار ..


ثم تشاهد ، قبل لفظ انفاسه الشريفة الأخيرة !


الجمعة، 28 أبريل 2023

الممثل المهووس

تأليف : امل شانوحة 

العاشق الموهوم


بعد انتهاء تصوير الحلقة النهائيّة من مسلّسلٍ رمضانيّ .. إنضمّ الممثلون الى مأدبة العشاء الأخير ، مودّعين بعضهم على أمل الّلقاء بأعمالٍ فنيّة اخرى او مهرجانات تكريميّة .. 

حيث تفاجأت البطلة (سعاد) بسحب البطل (أمجد) يدها بعيداً عن زملائهما ! ليقوم بحضنها بحنان ، وهو يودّعها بنبرةٍ حزينة :

- سأشتاق اليك

فسايرته بالكلام :

- وانا ايضاً استاذ أمجد

- نادني عبدو للمرة الأخيرة 

(فهو الّلقب التي أطلقته عليه البطلة في المسلّسل لتدليله)


سعاد : حسناً يا عبدو ، انا مسافرة غداً الى الشام

أمجد : إتصلي بي حينما تصلين ، لن يهدأ بالي حتى اطمئن عليك

فابتسمت ابتسامةً مصطنعة :

- سأفعل استاذ أمجد

معاتباً : أمجد ثانيةً !

بابتسامة : الى الّلقاء يا عبدو

***


في مساء اليوم التالي ، إتصلت به لتخبره بوصولها الى منزلها في سوريا..

فأجابها بصوتٍ نعس :

- الآن اطمأن قلبي .. إستريحي الليلة وسأكلّمك غداً ، يا عزيزتي بسمة

فأغلقت سعاد المكالمة ، وهي تقول بنفسها باستغراب :

((إتصلت به لأودّعه ، فلماذا يريد محادثتي لاحقاً ؟! ولما يصرّ على مناداتي بإسم بطلة المسلّسل ؟!))

وتجاهلت شكوكها ، وذهبت للنوم من شدّة تعبها..

***


في الأسابيع التالية .. تتابعت إتصالات أمجد المسائيّة التي حاولت سعاد إختصار محادثته قدر المستطاع ! الى ان ضاق صدرها لإصراره على الإتصال بها بأوقاتٍ متأخرة من الليل بعد عودتها الى لبنان لعملٍ جديد ، مُجيبةً عليه بجفاء :

- استاذ أمجد ..الساعة ٣ صباحاً ! وغداً لديّ تصوير مشهدين لمسلّسلي الجديد

- ومن هو البطل ؟

سعاد : ستعرف حينما يُعرض المسلّسل بعد شهرين

أمجد بقلق : أهو شابٌ وسيم ؟ .. هل يعجبك ؟

- هذا موضوعٌ يُخصّني

- لا تلوميني يا سعاد ، فأنا أغار عليك

- استاذ أمجد .. مسلّسلنا نجح نجاحاً كبيراً ، وعلاقتنا العاطفيّة انتهت بنهاية حلقاته ، والأفضل أن نبقى زملاء مهنة فحسب

أمجد : لكن شعوري لم ينتهي اتجاهك يا بسمة


وهنا تأكّدت من هوسه بها ! فحاولت انهاء المكالمة :

- سأعود للنوم ، سلام استاذ أمجد

- عبدو.. نادني عبدو

سعاد بضيق : لا يهمّ !! فأنا نعسةٌ للغاية

- اذاً أتركي جوّالك مضاءً ، اريد سماع انفاسك


وقبل إكمال كلامه الرومنسيّ ، أغلقت جوالها وهي تتمتّم بعصبيّة :

- هذا ما كان ينقصني !! عازبٌ مهووس ببطلة مسلّسله الأول .. انه خطأي ، ما كان عليّ قبول عملٍ مع ممثلٍ صاعد .. سأحظر رقمه من جوالي ، لا حلّ آخر امامي

***


بمرور الأيام ، توقفت مكالمات أمجد المزعجة .. الى ان علمت سعاد بأنه يبالغ بمدح جمالها ورقتها معه بالكواليس في جميع مقابلته التلفازيّة ، والتي دفع بعضها من حسابه لإدارة القناة ، لظهوره بجميع وسائل التواصل الإجتماعي ! 


مما ضايق سعاد وأهلها ! وجعلها تفكّ الحظر ، لتعاتبه على تصرّفاته المراهقة :

- استاذ أمجد !! كنت أحترمك كثيراً لأنك فنّان متنوّع المواهب ، لكني غيّرت رأيّ بعد تصرّفاتك الطائشة !

- أهذا ذنبي لأني مخلصٌ في حبك ؟!

سعاد : إسمعني جيداً .. انت ممثلٌ موهوب ، وستأتيك عروض تمثيليّة اخرى مع ممثلاتٍ فاتنات وأصغر مني سنّاً ، وذات جمالٍ طبيعيّ .. وربما تجد بينهن ما تناسب ذوقك.. فنحن من ديانتين مختلفتين ، ومستحيل أن تقبل عائلاتنا بارتباطنا

- لكن بسمة وعبدو واجها نفس المشكلة ، ولم يمنعهما ذلك من الوقوع في الغرام ! 


سعاد بغضب : كان مسلّسلاً لعيناً وانتهى !!

- لم ينتهي بالنسبة لي.. مازلت أكرّر مشاهدنا سويّاً ، حيث تظهر لمعة عيونك وانت تتغزّلين بي

- مجرّد تمثيل !!

أمجد : لا ابداً !! كان واقعيّاً للغاية .. أتذكرين يوم نمتي بجانبي ؟ كنت مُغمض العينين وغارقاً بخيالاتي .. ليت المشهد طال اكثر من ذلك ..أتذكرين كم كان سريرنا دافئاً ؟

سعاد بغضب : انت قليل الأدب !!

وأغلقت جوّالها وهي تتمّتم بضيق :

- يا الهي ! ما هذه الورطة ؟


ثم اتصلت بممثلٍ شاركهما بطولة المسلّسل .. وبعد ساعة من حديثها معه :

- هذه مشكلتي مع زميلك أمجد ..ارجوك تحدّث معه ، وإفهمه أن يُكمل حياته دون التفكير بي

فؤاد : سأحاول يا سعاد

***


بعد ساعتين ، أعاد فؤاد الإتصال بها :

- للأسف يا سعاد ، هو مُصرّ على ملاحقتك ! يقول انه وافق على البطولة رغم انها تجربته الأولى بالدراما ، لأنه معجبٌ بك منذ بداية مشوارك الفنّي .. وانت تعرفين انه عاش معظم حياته عازباً .. وأخبرني بأنه كره الوحدة من بعدك .. وانه تعوّد على عطرك وضحكتك وطريقة كلامك معه اثناء تصويرنا المسلّسل .. ويبدو لن يهدأ باله ، حتى يكسب حبك .. أعانك الله يا سعاد على مُغرَمِك المهووس !

سعاد بضيق : كان يوماً نحِساً حين قبلت العمل معه ! .. من اليوم فصاعداً لن أقبل أن يشاركني البطولة سوى ممثلٍ متزوجٍ من اربعة نساء

فؤاد : أضحكني كلامك .. المهم ان تحرصي منه ، فأنا لا اعرف الى اين سيوصله هوسك بك !

سعاد بقلق : ليسترنا الله

***


بعد شهر .. توقف تمثيل الحلقة العاشرة من مسلّسل سعاد الجديد بعد تعرّض البطل الى ضربٍ مبرحٍ بالعصا بعد خروجه من الاستديو ، ويحتاج شهراً للخروج من المستشفى ! 

فشكّت سعاد بأمجد الذي هدّدها كثيراً بإفساد مسلّسلها ، بعد رؤيته بعضاً من مشاهدها العاطفيّة مع بطلها الجديد .. ويبدو انه لحقها الى مكان التصوير ، مُتخفّياً بين فريق العمل ! 

لهذا اتصلت به لتسأله إن كان هو المقنّع الذي هاجم البطل ؟ 

فانكر ذلك تماماً ، مُدّعياً وجوده بدولةٍ اخرى لبدء عملٍ جديد.. 

فاعتقدت ان الإعتداء بسبب مشاكلٍ شخصيّة للبطل !

***


كل هذا تغيّر بعد محاولةٍ فاشلة لدهس ابنها المراهق اثناء خروجه من المدرسة ! حيث أظهرت كاميرا المراقبة سيارةً بيضاء صغيرة ، تُشابه سيارة أمجد التي رفضته بآخر إتصالٍ بينهما ، بحجّة تفرّغها لرعاية ابنها الذي أخذت وصايته من طليقها.


وحاولت غاضبةً الإتصال به ، لتُفاجأ برنّة جوالٍ خارج شقتها ! 

فاقتربت بفزعٍ من الباب (فهي بمفردها بالشقة ، بعد إصرار ابنها على المبيت عند جدته) 

وما أن وضعت عينها على منظار الباب .. حتى خلعه رجلٌ مقنّع ، واضعاً قماشة المخدّر على أنفها .. جعلها تسقط مغشيّاً عليها !

***


إستيقظت آخر الليل في قبوٍ رطب ، وهي تسمع موسيقى في الخارج! 

فصعدت الأدراج الثلاثة مُترنّحة ، وطرقت الباب بصوتٍ مُرهق :

- إفتحوا الباب !!


فتوقفت الموسيقى ! وانفتح القفل .. لتجد أمجد امامها يقول بابتسامةٍ مستفزّة:

- ما رأيك بهذه المفاجأة ؟

سعاد بصدمة : هل جننت يا أمجد ؟! أتخطفني الى بيتك ؟!!

- استأجرت هذا البيت في اعلى الجبل .. ولوّ صرخت بعلوّ صوتك ، لن يسمعك احد

- ماذا تريد مني ؟!!

أمجد : اريدك ان تحبينني كما احببتك

- أخبرتك ألف مرة : انه مجرّد مسلّسلٍ لعين وانتهى !!

- مستحيل ان تكون كل مشاعرك الفيّاضة بالمسلّسل مجرّد تمثيل

سعاد : إتقاني للأدوار هو ما جعلني من اهم الممثّلات السوريّات 


لكنه لم يكترث لتبريرها ، ومدّ يده نحوها : تعالي معي

- إبعد يدك اللعينة عني !!

فرفع مسدسه في وجهها .. فسألته بخوف :

- أهو حقيقيّ ؟!

أمجد بلؤم : وهل تظنينني سأستخدم إحدى مسدسات السينما ؟ .. هيا تعالي معي ، ولا ترغميني على استخدام العنف معك

***


وأخذها الى الصالة ، لمشاهدة مسلّسلهما المشترك على تلفازٍ كبير هناك..

سعاد بضيق : ليس مسلّسلنا اللعين ثانيةً !

أمجد : اريد ان اريك مقاطعاً أثّرت بي كثيراً.. أنظري مثلاً الى لقطتنا الرومنسيّة : كنت تعلمين جيداً انه مكتوب بالسيناريو بأنّي سأقبّلك على خدّك .. ومع هذا أدرت وجهك بلحظة اقترابي منك ، فلامست طرف فمك

سعاد : كان خطأً غير متعمّد !

- أحقاً ، ولماذا ضحكت بعد احمرار وجهك ؟

- لأني ظننت ان المخرج سيوقف التصوير ، لكنه تابع حتى النهاية ..لهذا كنت مُحرجة وقلقة من رأيّ المشاهدين بالمشهد بعد عرضه !

فأعاد المقطع ..


أمجد : أنظري الى الّلقطة جيداً .. كنت تراقبينني بطرف عينيك ، وأدرت وجهك بالوقت المناسب

- كفى يا أمجد !! ستُجنّ إن بقيت تفكّر هكذا

- وماذا عن مقطع إحتضاننا الحنون ، لم تبتعدي عني بعد إنتهاء المشهد ؟! وكأنه أعجبك الوضع !

فصفعته بقوة..

أمجد بابتسامةٍ عريضة : ممتاز !! فهكذا بدأت علاقتنا بالمسلّسل 


فتوجّهت نحو باب الكوخ ، لكنها تسمّرت في مكانها بعد سماعها تلقيم المسدس !

أمجد مهدّداً : بسمة !! عودي للقبو ، ولن تخرجي منه إلاّ وانت مُغرمة بي

سعاد وهي تخفي رعبها : 

- لم أكن انوي الهرب ، كنت ابحث عن دورة المياه

- يوجد واحدٌ بالقبو  

- لكني جائعة ..

أمجد : سأحضّر لك طعامك المفضّل بعد قليل ، فقد طبخته بنفسي ..هيا عودي للأسفل ، وسأضع موسيقى مسلّسلنا لحين نضوج الطعام

- أمجد ! كان تمثيلاً.. إستيقظ قبل أن تفقد عقلك

أمجد : لم يكن تمثيلاً بالنسبة لي.. هيا إنزلي بهدوء ، ولا ترغميني على إظهار جانبي العنيف معك


فالتزمت بكلامه خوفاً من سلاحه ..

وظلّت تبكي طوال الليل في القبو ، وهي تُغلق اذنيها كيّ لا تسمع الموسيقى المزعجة

***


مرّ شهرٌ ونصف على اختطافها ، مُحاولاً إغرائها بكافّة الطرق .. 

وفي إحدى الليالي ، واثناء تناولهما العشاء (بعد إجبارها على لبس ذات الملابس التي صوّرت فيها مشهدهما العاطفي في المسلّسل ، والذي أخفاه بحقيبته دون علمها ..  كما عليها رشّ ذات العطر الذي تعوّد على شمّه طيلة التصوير) وبدأ يلقّمها بيده بعد تقيّد ذراعيها بالسلاسل ، عقب محاولاتها الفاشلة للهرب..


سعاد صارخة : فكّ وثاقي يا لعين ، ودعني آكل بنفسي !!

أمجد : انت أفقدتني ثقتي بك .. كما اني سعيد بإطعامك بيدي 

سعاد بضيق : لم يعد الوضع يُطاق !!.. ولماذا أجبرتني على هذه الملابس؟! 

أمجد : أتدرين انني شممّتها طوال شهور فراقنا

- انت مقرفٌ حقاً !

- ماذا افعل ؟ انت حبي الأول والأخير .. والغريب انني عشت لوحدي طوال حياتي ولم أهتم بعلاقتي بالنساء ! لكن بعد مسلّسلنا ، لم أعد اطيق البقاء دونك


سعاد : أمجد ، انا كبيرة في السن .. تزوّج أصغر مني ، لتنجب الأولاد

- لن أنجب الاّ منك : فتاةٌ وصبيّ نسميهما عبدو وبسمة ، ليبقى هاذين الإسمين في حياتنا

- متى ستفهم انك بمَثابة أخي الصغير ؟

أمجد بعصبية : كفّي عن قول هذا !!

- هذه هي الحقيقة ، فأنا اكبر منك بشهور ..كما إن برجي الهوائيّ لا يتفق مع برجك المائيّ 

- لا أصدّق هذه الخرافات .. كل ما أصدّقه هو لغة العيون ، وانت نظرتي إليّ بشغف طوال حلقاتنا معاً 

سعاد بدهشة : انت مجنونٌ حقاً !

- انا بالفعل مجنون ، الا ترين انني لبست ذات الملابس بالمسلّسل ، رغم اننا في فصل الصيف ! وأكاد اموت من الحرّ ، لكني اريد تأجيج مشاعرنا من جديد  


وحاول التقرّب منها لتقبيلها ، لكنها بصقت عليه .. فمسح وجه بالمنديل بهدوء :

- كانت قبلاتي تسعدك بالمسلّسل ، والجميع لاحظ ضحكاتك وتعليقاتك الجريئة بعد التصوير

سعاد : كنت احاول إتقان الدور ، لكن صداقتنا سبّبت لي الأحراج مع اهلي والأصدقاء ..لهذا أعدك ان انتبه على تصرّفاتي بالأعمال القادمة .

- اعمالك المستقبليّة ستكون معي وحدي !! فأنا سأنتجّ وأؤلف لك اجمل الأفلام والمسلّسلات التي تجمعنا معاً ، لنصبح أجمل ثنائيّ في الوسط الفنّي 

- هكذا سيملّ المشاهدون !


أمجد : لن يملّوا بعد شعورهم بحبنا الكبير

- انت تعلم جيداً إن حبك من طرفٍ واحد !

أمجد بعصبية : ستحبينني غصّباً عنك يا بسمة !! .. الم تسأليني بالمسلّسل ان كنت احبك ؟ ووعدّتني بالبقاء معي طوال العمر ؟ وانا مازلت عند وعدي 

- يا الهي ! المسلّسل دمّر مسيرتك الفنيّة

- لكنه أشعل قلبي شغفاً

سعاد باشمئزازٍ وغضب : حقاً بدأت أكرهك ، ايها المتخلّف !!

- لا تدرين كم أعشق عصبيّتك المجنونة


وحاول إشرابها العصير التي رمته بيدها على الأرض ، لينسكب على أرضيّة القبو .. مما أفقده اعصابه ، فصفعها بقوة :

- لما تصرّين على معاندتي يا بسمة ؟!! هل صعبٌ عليك إلتزام الأدب مع حبيبك ؟!


وبدأ بإزالة الزجاج المنكسر ، دون علمه بإخفائها شظيّة تحت قدمها ..إستخدمتها قبل خروجه من القبو ، لجرح وجهه وهي تصرخ غاضبة :

- هل انت سعيدٌ الآن ؟!! هآ انا شوّهتك وأضعت مستقبلك الفنّي ، بسبب هوسك اللعين !! 


لتُفاجأ بعصبيّته الهستيريّة التي جعلته يطرق رأسها مراراً على الأرض ! 

ولم يتوقف حتى فارقت الحياة ، وسط بركة دمائها (فهي لم تستطعّ الدفاع عن نفسها بسبب السلاسل حول يديها).. 


لينهار بعدها ببكاءٍ مرير ، وهو يحتضنها مُعتذراً بقهر :

- لماذا أرغمتني على قتلك يا بسمة ؟ لماذا يا حبيبتي الشقيّة ؟!


وظلّ يبكي حتى الصباح وهو يتأمّل وجهها المُدمّى ، قائلاً النصّ ذاته بالمسلّسل : ((مثل الملاك ، غيّرتي حياتي ورحلتِ بهدوء)) 

***


في الصباح .. خرج من الكوخ وهو يحملها ، مُحدّثاً نفسه :

((حبيبتي لم تمت .. انا فقط أعيد تمثيل المشهد الأخير))

ثم تحدّث مع جثتها :  

- هل تذكرين يا حبيبتي حين حملتك رغم وزننا المُتشابه ؟ ورغم ألم ظهري إلاّ اني كنت سعيداً بوجودك بين ذراعيّ .. لكنك أخفّ الآن من يوم المشهد بعد فقدك الكثير من وزنك ، رغم طبخي اللذيذ الذي لم تأكلي منه سوى لقيّماتٍ قليلة !


وحينما مرّ في شارع إحدى القرى ، وهو يحملها دون حراك ! ظنّ سكّانها بأنه يمثّل دوراً جديداً مع سعاد ! 

إلاّ أن ولداً صغيراً سارع بالإتصال بالشرطة (لعدم معرفته بالممثليّن) بعد أن أرعبه منظر الدماء التي تتساقط من رأس سعاد المُهشّم ! 

***


صدمةٌ كبيرة هزّت الوسط الفنّي والجمهور ، بعد نقل الممثل أمجد الى السجن بتهمة قتله زميلته : الفنانة الشهيرة !


وسرعان ما تمّ نقله لمستشفى المجانين بعد صراخه الدائم وهو يُطالب بمشاهدة مقاطعه من بسمة .. وعندما رفضت الشرطة تسليمه جواله ، حاول شنق نفسه بملاءة سريره ! 


لهذا نُقل للعلاج تحت حراسةٍ مشدّدة .. وهناك حاول الطبيب إقناعه بأن حبه من طرفٍ واحد هو السبب في تدهور حالته النفسيّة.. 

لكن أمجد أصرّ بأن سعاد أحبته بالمسلّسل ، والتي غيّرت رأيها بعد إغرامها ببطلها الجديد الوسيم ، الذي اعترف بمحاولة قتله سابقاً ! 


وفي مستشفى الأعصاب .. تعرّض أمجد للضرب من قبل زملائه ، بعد إصراره على مشاهدة مسلّسله للمرة الثالثة ! 

مما أجبر الإدارة على نقله الى غرفةٍ منفردة .. دون علمهم بانه اثناء إدعائه الإغماءة ، سرق مقصّاً من جيب الممرّض الذي كان يداوي جروحه (التي حصلت اثناء مشكلته مع بقيّة المرضى)  

***


في غرفته المنفردة ، تمّتم أمجد حزيناً : 

- بمسلّسلنا يا بسمة ، مُتِّ انت في الحلقة الأخيرة .. أمّا في واقعنا ، سأموت انا


ودخل الممرّض بعد ساعتين ، ليجده ميتاً بعد الكتابة بدمائه على جدران الغرفة : ((أحبك ، يا بسمة حياتي)) 

الى أن تصفّى دمه ، ليموت مُبتسماً بعد هوسه ببطلته الفاتنة !


الأربعاء، 26 أبريل 2023

الرابط الأخوي

فكرة : ابن العراق
كتابة : امل شانوحة 

الحقيقة المَخفيّة


مشى خطوةً .. ثم عاد للوراء .. لا يعلم هل يُكمل طريقه ام يعود ؟! فصوت اخوه الكبير لا زال يتردّد في اذنه : ((لا تخرج وحدك من المنزل ، مفهوم !!))  

ومع ذلك قرّر إكمال طريقه ..

***


بعد ساعتين ، قال الصبي (في 10 من عمره) وهو ينهجّ بتعب : 

- أخيراً وصلت الى وجهتي .. 


ثم تنهّد بحزن وهو يُخفي دموعه ، اثناء تذكّره كابوساً تكرّر معظم حياته : ((وهو يركض مسرعاً نحو امه والفرحه تعلو وجهه البريء ، ليُخبرها عن تفوّقه بالإختبار ..ليُفاجأ بمنزله التهمته النيران .. وشخصٌ يسأله : هل هم اقربائك ؟

فيجيبه الصبي أنه كان نائماً لحظة الحريق ، واستيقظ في منزل عمه!

فأجابه الرجل : منزلك احترق البارحة .. وأخرج رجال الأطفاء ثلاثة جثث ، لعجوزٍ ورجلٍ وامرأة .. 

- هذه جدتي وامي وزوجها .. هل ماتوا جميعاً ؟!

- نعم للأسف .. ولم يبقى سوى صبيّ يكبرك ، نجى بأعجوبة .. اما الموتى فدفناهم قبل قليل .. الم يخبرك أخوك بما حصل ؟!

الصبي وهو يمسح دموعه : لا ! رجاءً دلّني على المقبرة 

- دعّ عمك يأخذك اليها ، فأنت مازلت صغيراً  

وينتهي الحلم وهو يشعر بألمٍ في صدره !))


وهنا أنقطعت افكاره بعد وصوله الى قبر والده .. 

فجثا على ركبتيه ليحتضن شاهده ، قائلاً بحزن :

((مُتّ سريعاً يا ابي ، كنت رضيعاً حينما تركتني .. وحزنت كثيراً يوم زفاف امي من رجلٍ آخر ، والذي لم يهتم بي مطلقاً .. والأسوء إنك تركتني مع أخٍ لا يرحم .. رغم اني لا أنكر انه كان بطلاً بإخراجي من المنزل يوم الحريق ، مع انه كسر ضلعي بعد تعثّره فوقي ! ..ومن بعدها صار لئيماً معي ، وأرغمني على ترك مدرستي رغم علاماتي المتفوّقة ، وإجبرني على العمل بورشتك .. وهو يعاقبني دائماً على تقصيري بتنفيذ اوامره .. ويمنعني اللعب مع اصدقائي.. (ثم تنهّد بضيق) .. صحيح أن نيران منزلنا انطفأت ، لكن قلبي مازال يشتعل حزناً على فراق عائلتي .. الم تفكّر بي قبل رحيلك ؟ الم تخشى عليّ من هذه الحياة القاسية يا ابي ؟! 


ثم استدار نحو قبر امه (المدفونة بين قبر والده الحقيقيّ وعريسها) .. فجلس امامها ، مُحتضناً شاهدها بشوق .. وهنا لم يعد باستطاعته إيقاف دموعه التي سقطت كحبّات المطر.. مُكملاً عتابه :

- وانتي يا امي ؟ الم تفكّري لمن أشكي همومي من بعدك ؟! رحلتي دون وداعٍ او بسمة تنير دربي ! أتعلمين كم ليلة بكيت على فراقك دون مسح دموعي ، لعلك تشفقين عليّ وتزورينني في منامي ، كيّ أشكو لك قسّوة أخي وجفائه معي .. لكني استيقظ دون رؤيتك في نومي او في حياتي ..أتعلمين متى ينهار الإنسان ؟ عندما يفقد الأمل حتى في منامه ! أنام كل ليلة مُتلهّفاً لرؤياك ، وأسيتقظ لأجد منزلي موحشاً .. لكن ما نفع الدموع بعد رحيلك وأنا بإمسّ الحاجه اليك ؟! 


ثم تلفّت ليرى قبر جدته .. فجلس امامها باكياً ، مُحتضناً شاهدها بحزن ..

وقبل ان يتكلّم ، سمع صوتاً من خلفه يقول :

- كفى عتاباً يا فتى !! 

الصبي بصدمة : من ! جدتي .. أهذا حقاً انت ؟!

وقبل ان تجيبه ، ركض بأتجاهها ليحتضنها بقوة : 

- كيف عدّتي الى الحياة ؟! الم تكوني ميتة منذ 4 سنوات ؟!

الجدة : انا لم آتي اليك ، بل انت أتيت الينا 

فسألها بقلق : ماذا تقصدين ؟!

الجدة : أنظر الى قبري وستعرف الإجابة


وما أن نظر لقبرها ، حتى صرخ فزعاً : كيف انقسمت الى إثنين ؟!

فأجابت : لم تصبح إثنين .. فمن على قبري هو جسدك ، والذي يقف امامي هي روحك

الصبي باستغراب : لم أفهم شيئاً !

- دعني آخذك الى باطن الأرض ، حيث يعيش الأموات .. ألم ترغب الّلحاق بنا ؟ هاهو الموت خطفك في ثوانيٍ  

- لكن ماذا عن جسدي ؟ أخشى أن تنهشه الكلاب .. دعينا ننتظر لنرى ما سيحدث

الجدة : حسناً كما تشاء .. سأجلس بجانبك لنتحدّث قليلاً 

فجلس وهو يقول : إخبريني اولاً .. لما رأيتك وحدك دون والدايّ؟! 


فأخبرته جدته عن حياة الأموات ، قائلةً بنبرةٍ حزينة : 

- عالم الأموات لا يختلف كثيراً عن عالم الأحياء .. فنحن نشعر بحزنكم واشتياقكم مع كل زيارة لقبورنا .. لذا عليك التحدّث معنا برقةٍ وحنان ، لا ان تزعجنا ببكائك وعتابك المستمرّ

- وهل بالعادة تزوّرونا يا جدتي ؟  

- نعم ، يسمح لأرواحنا بالطواف في عالمكم بحرّية كل ليلة جمعة .. وأحياناً نأتيكم على شكل طيرٍ جميل ، او فراشاتٍ بألوانٍ زاهية ، او نسمة باردة في ذرّوة الصيف 


وظلّت الجدة تحدّثه عن عالم الأموات ، إلى أن رأت رجلين يتجهان نحو جسد الصغيرالمستلقي فوق قبر جدته دون حِراك !


فقال الصبي لجدته باهتمام : أنظري يا جدتي ، هاذين هما الحارسين الّلذين منعاني من الدخول الى المقبرة

الجدة : اذاً دعنا نسمع ما يقولانه عنك 


وهنا سأل الحارس زميله بعصبية : أليس هذا هو الصبي الذي منعته من الدخول صباحاً ؟! 

الحارس الثاني : إهدأ قليلاً ، فهو مجرّد يتيم مُشتاق لعائلته .. دعنا نرسله الى المستشفى للإطمئنان على صحّته ، لربما أصيب بضربة شمس

- إخرجه فوراً من هنا ، لا نريد أن نُطرد من عملنا بسببه


وحين رأى الصبي الحارس يحمل جسده (الغائب عن الوعيّ) قال لجدته بقلق :

- دعينا نلحق به بسرعة !! 

فوصلا خلفه الى المستشفى ..

***


في غرفة الطوارئ ، سأل الحارس الطبيب :

- هل حالته خطرة ؟

- لا مجرّد سوء تغذية ، سنضع له المصل ويتحسّن فوراً .. هل هو قريبك ؟

فأخبره الحارس بموجز قصته .. ثم قال للطبيب :

- هو يتيم ولديه أخاً اكبر ، لكن لا اعرف رقم جوّاله

الطبيب : لا بأس ، يمكنك العودة الى عملك 

- وماذا عن الصغير ؟  

- لدينا طرقاً خاصة لمعرفة عناوين اقارب المريض  


وبعد خروج الحارس من المستشفى .. إتصل الطبيب بتاجرٍ يعمل بالسوق السوداء ، وأخبره عن اليتيم .. واتفقا على سعرٍ مغري لأعضائه ! 


وهنا صرخت روح الصبي بعصبية : جدتي ، إفعلي شيئاً !! سيبيعون اعضائي وانا مازلت حيّاً ! ليتني سمعت كلام أخي ولم آتي وحدي الى المقبرة اللعينة 

فحاولت الجدة إقناعه بالإستسلام للقدر ، وترك جسده لهم .. وأن يذهب معها لعالم الأرواح للّقاء بوالديه .. لكنه انهار باكياً وهو يرجوها أن تعيده الى الحياة 


وقبل أن تجيبه ، سمع صوت أخيه المراهق يعاتبه :

- ألم أطلب منك ان لا تأتي هنا وحدك ؟!! هيا إسبقني الى السيارة ، وعقابك في المنزل .. لماذا تنظر اليّ هكذا ؟ .. هيا تحرّك!!


فعرف الصبي انه رأى كابوساً جديداً .. فنظر نظرةً أخيرة نحو القبور ، دون إيجاده روح جدته .. فقال في نفسه : 

((الوداع يا أحبّائي ، سنجتمع يوماً ما .. أتمنى أن لا يكون قريباً)) 

&&&


في الطريق .. أخبره بمنامه الغريب الذي رآه بالمقبرة ، والتي جعلت اخوه الكبير يغيّر مساره !

الصبي : الم نكن ذاهبيّن الى المنزل ؟!

أخوه : منامك يدلّ أنه حان الوقت لمعرفتك الحقيقية

- عن ماذا تتكلّم ؟!


لكنه التزم الصمت ، لحين توقفه قرب منزلٍ مهجور .. ولحقه الصغير الى القبو وهو يسأله باهتمام :

- لمن هذا المنزل ؟

ليرى أخوه الكبير يزيل سجادةً مهترئة ، قائلاً بضيق :

- اللعنة !! مازالت النجمة السداسيّة محفورة على أرضيّتها

- وماذا تعني ؟

الكبير : سحرٌ وشعوذة

- لا تخيفني اخي !

- هذا منزل والدنا المرحوم ، قبل أن تستولي عليه جدتنا (أم أمنا) 

الصغير باستغراب : الم تقل انه احترق اثناء نومي ، وأنك انقذتني بالّلحظة الأخيرة بعد موت جدتي وأمي وعريسها ؟!

- قلت ذلك لكيّ لا تبحث عن منزلٍ مليء بالجن والعفاريت .. والحقيقة التي سأخبرك بها الآن لا يعلمها سوى عمي .. فإن اخبرتها لأحد ، قد أُسجّن لبقيّة حياتي


الصغير بقلق : وماذا حصل ؟!

- كنت أشعر دائماً بالخوف في منزل جدتي الكئيب ، بسبب الكوابيس المرعبة التي جعلتني أعاني من الأرق في سنٍ صغيرة.. وبيوم الحادثة ، كنت أبلغ 14 سنة ، وانت في 6 عندما خدّروك بتلك الليلة الباردة

الصغير : عن ماذا تتكلّم ؟!

- كنت عائداً من الحمام حين رأيت زوج امي يحملك بهدوء للقبو ! فلحقت به دون ان يراني ، واختبات خلف الدرج السفليّ .. لأرى جدتي وامي تجلسان على ارضيّة القبو والشموع حولهما .. ثم انضمّ اليهما اللعين .. وبدأوا يلوّحون بسكاكين كبيرةٍ حادّة وهم يغنون تراتيلاً غير مفهومة ، بعد وضعك وسط النجمة ! وسرعان ما خرج دخانٌ اسود انقسم لعدّة زوابع .. قبل ظهور الشياطين الثلاثة المرعبة ، كلاً منهم اراد جزءاً من جسمك !


الصغير برعب : رجاءً لا تخيفني اخي !

- انا اخبرك بما حصل .. فجدتي ارادت أن تضحّي بكبدك ، ليهبها الشياطين طول العمر .. وأمنا العزيزة كانت تنوي وهبّ عينيك ، لتزداد جمالاً .. أما عريسها المصون الذي يبدو انه مساعدٌ قديم لجدتي بالشعوذة ، فكان سيضحّي بقلبك للحصول على المال !

الصغير : لكن طلباتهم لا يمكن لأيّ مخلوقٍ تنفيذها ، فهي قدريّة وبيد الله وحده

- يبدو ان الشياطين الذين طمعوا بتقديم اعضائك كقربان لإبليسهم أوهموهم بذلك !

- وماذا فعلت انت لمنعهم من قتلي ؟


الكبير : في البداية تلوت ما أحفظه من القرآن لإفساد عملهم ، مما ضايق الشياطين الذين هدّدوهم بعقابٍ لاحق على سوء إستقبالهم .. وفي الوقت الذي تناقش فيه اهلنا سبب فساد جلستهم التحضيريّة ، فكّرت في إنامتهم لإنقاذك

- وكيف ستنوّم ثلاثة راشدين ؟!

الكبير : كان يوجد قارورتيّ غاز خلف السلالم .. فأغلقت انفي بقميصي ، وفتحتهما بصعوبة .. ولم يمضي وقتٌ طويل حتى سقطوا نياماً على جنبهم ، بينما عانيت من سوء التنفس .. وبالكاد استطعت حملك وصعود الأدراج وانا أترنّح من شدّة الدوّار الذي جعلني أتعثّر فوقك قبل خروجنا من المنزل ، بسبب الظلام الحالك في ذاك الوقت المتأخّر من الليل .. وعمي هو من لاحظ كسر ضلعك بعد استيقاظك .. ويبدو ان المخدّر الذي حقنوك به الملاعين ، لم يُشعرك بألم الكسر ! .. آسف لأنني كذبت عليك ، وأوهمتك بأنني البطل الذي أنقذك من الحريق


الصغير : كل تلك السنوات وأنا أظنهم ميتين حرقاً !

الكبير بغضب : هم حتماً سيحترقون بجهنم !! فالساحر لا توبة له

- وكيف لم تحقّق الشرطة بالحادثة ؟!

- لأنه فور خروجنا من المنزل ، إتصلت بعمي الذي يشكّ مُسبقاً بأن موت ابي مُدبّراً ، وانه لم يمتّ بذبحةٍ قلبيّة .. فالمرحوم كان بالأربعين من عمره !

الصغير بدهشة : هل تظنهم قتلوه ؟!

- ربما ، فهم لن يستطيعوا القيام بأعمالهم القذرة بوجود رجلٍ متديّنٍ بينهم

- جيد اننا نشبهه في جميع طبائعنا

فتنهّد الكبير بارتياح : نعم ، الحمد الله على ذلك


الصغير : لم تخبرني بما فعله عمي لإخفاء جريمتك ؟

الكبير : أزال اولاً آثار السحر من القبو ، مُخفياً النجمة المحفورة بسجّادةٍ قديمة.. ثم سحب الجثث الثلاثة الى غرفة الطعام ، واضعاً بقايا الطعام الموجودة في الثلاّجة امامهم .. ثم أخبر الشرطة انه كان قادماً لزيارتنا ، حين إشتمّ رائحة غازٍ قوية .. وعندما لم يفتحوا له ، كسر الباب .. ليجدهم ميتين على الطاولة ! فسارع الى غرفة نومنا ، وحملنا الى الخارج ونحن مُغماً علينا ..والجميع صدّق شهادته ! ويوم الجنازة ، رفض الشيخ الصلاة عليهم بعد رؤيته وجوههم السوداء المخيفة ..


الصغير : مازال هناك سؤالٌ يحيّرني .. لما لم يقدمونك كقربان في صغرك؟!

الكبير بحزن : لأني مصاب بالسكّري ، ويبدو ان الشياطين تفضّل الدم المالح !

الصغير بصدمة : لحظة ! لم اكن اعرف انك مريض

- مريضٌ منذ طفولتي .. وقد حاولت جاهداً حقن نفسي بالدواء دون ان تراني .. لكن حالتي تزداد سوءاً مع الأيام ! لهذا أقسو عليك ، كيّ تصبح شاباً مسؤولاً عن نفسك قبل موتي .. لهذا أخرجتك من المدرسة لأعلّمك مهنة النجارة ، وإدارة ورشة والدنا المرحوم من بعدي


فنزلت دموع الصغير وهو يقول : ارجوك لا تقلّ هذا الكلام ! ستبقى بخير ، وسنكبر معاً لنصبح عجوزيّن خرفيّن

الكبير بحزن : أتمنى ذلك.. كل ما اريده منك أن تكفّ عن زيارة قبور الملاعين ، خوفاً من إيجادهم وسيلة لسحب روحك الى باطن الأرض.. فأنا لمت عمي لإخبارك بمكان المقبرة ، لكنه لم يستطع تجاهلك بعد إلحاحك بالسؤال 

- لوّ كنت أعرف الحقيقة لما ذهبت الى هناك ، فجدتي حاولت في المنام إقناعي بالبقاء معها !

- لربما سخّرت شياطينها لاستبدال روحها الشريرة بروحك الطاهرة ، والعودة الى الحياة لمتابعة أذيّتها للأبرياء ! لهذا إيّاك الذهاب الى هناك ثانيةً ، مفهوم!!


الصغير : حاضر اخي ، لن افعل ..وأعدك بتحمّل المسؤولية ، وتعلّم مهنة والدنا بأسرع وقتٍ ممكن .. وبإذن الله نبقى معاً الى ان يتزوج كلانا ، ويصبح لدينا اولاد واحفاد نربّيهم على الدين والأخلاق ، كما علّمنا والدنا الصالح.. فقط عدّني ان تحافظ على صحتك لأجلي

الكبير : سأحاول اخي العزيز

وحضنه بقوة ، ليغرقا بدموع المحبّة الأخويّة النادرة !  


الثلاثاء، 25 أبريل 2023

قصتان صوتيتان : العطل المفاجىء ، والإتصال المفزع

 

الشكر الجزيل للأخ (أحمد محمد سنان) ورفاقه على تسجيلهم قصتين صوتيتين من قصص المدونة 


القصة الأولى : العطل المفاجئ 

الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=pBc7LB-yMfY



القصة الثانية : الإتصال المفزع
الرابط :



 

الأحد، 23 أبريل 2023

الّلقمة الأخيرة (قصة اطفال)

فكرة : اختي اسمى 
كتابة : امل شانوحة

معاناة الأهل


تأفّفت الجدة بضيق :

- لا ! ليس ثانيةً .. عليك إكمال صحنك ، ليدعو لك بالصحّة والعافية

فردّت حفيدتها :

- إكمليه انت ، وليدعي لك الصحن بطول العمر

- لا استطيع ، فمناعتي ضعيفة.. فلوّ كنت تحملين مرضاً معديّاً من المدرسة ، قد أصاب بالمرض .. أتذكرين يوم لازمت الفراش لأسبوع بسبب إدعائك إكمال الطعام بغرفتك ، ثم تعيدينه الى الطنجرة ؟!  

- فعلت ذلك مراراً ، قبل أن تمسكينني بالجرم المشهود ..(ثم فكّرت قليلاً).. اذاً لا حلّ سوى رميّك بقايا صحني


الجدة معاتبة : حرامٌ رميّ النعمة ، الا تدرين كم طفلاً بالعالم يموت جوعاً؟

- هذا ليس ذنبي ، فأنت تسكبين فوق طاقتي.. فأنا في الثامنة وبطني صغير ، وانت تطعمينني كأني في مثل عمرك !

- لكني اليوم سكبت نصف الكميّة ، ومع ذلك لم تنهي اكلك .. والبارحة أطعمتك بنفسي امام التلفاز ، على أمل أن تلهيك الرسوم المتحركة عن الكميّة الموجودة في صحنك .. حتى هذه الطريقة لم تنفع معك !

- جدتي ، لا دخل للتلفاز والجوّال بالموضوع .. فبطني صغير ، وإكمال الطعام يشعرني بالغثيان .. رجاءً لا ترغميني على ذلك

ونهضت عن كرسيها..


الجدة : الى اين تذهبين ؟

- سألعب مع ابنة الجيران

- ماذا عن طعامك ؟

الحفيدة : ضعيه بالثلاّجة ، ربما أنهيه لاحقاً

- الثلاّجة مليئة ببقايا طعامك ، لم يعدّ لديّ صحوناً نظيفة.. هل اشتري ثلاّجة خاصّة لك ؟


ففتحت الفتاة الثلاّجة وأخرجت جميع الصحون التي فيها بقايا طعامها ، ووضعتهم فوق بعضهم ، وهي تقول :

- هآ انا حللّت المشكلة .. عليّ الذهاب الآن ، فصديقتي في انتظاري


فنظرت الجدة الى الصحن الذي اختلطت فيه الصلصة مع اللبن والحامض:

- يا مقرفة ! لا يمكن لأحد تناول ذلك 


ورمت مُجبرة البقايا بسلّة النفايات وهي تستغفر الله ، فإهمال حفيدتها يُشعرها بالضيق .. فهي لا تستطيع الضغط عليها ، لأنها يتيمة الوالدين بعد موتهما بحادث سير..

وتمّتمت بحيرة :

- مالعمل مع هذه العنيدة ؟ كيف أقنعها بإكمال صحنها ؟

***


في المساء ، شاهدت الصغيرة كابوساً مفزعاً :

((فبعد وضعها بقايا الطعام في الثلاّجة .. خرج وحشٌ من الطنجرة ، وأكل يديها وقدميها ، وهي تصرخ متألّمة .. وحين وصل الى رأسها ، وضعها فوق الصحن وهي يقول :

- سأكملك لاحقاً

ثم حبسها داخل الثلاّجة))

***


في الصباح ، نهضت فزعة على نداء جدتها لتناول الفطور .. وعلى غير عادتها أكملت صحنها ! لكن قبل ان تمدحها الجدة ، أخرجت ما في بطنها وهي تبكي بقهر:

- اخبرتك انني لا استطيع تناول الّلقمة الأخيرة


وهنا قرّرت الجدة معرفة السبب ، وظلّت تحادث حفيدتها (بعد تنظيفها الفوضى التي حصلت في المطبخ) .. فأخبرتها الصغيرة ان معلمتها اخبرتهم ان من قواعد الأتيكيت في المطاعم عدم اكمال الصحن ! 


فاتصلت الجدة غاضبةً برقم المعلمة ، وعاتبتها على تعليمها الأطفال مبدئاً ليس من اخلاقنا وقيّمنا ، بدل إفهامهم أنه حرام رميّ النعمة .. لكن المعلمة اخبرتها بأن حفيدتها تتحجّج بكلامها ، وانها تشكّ بأن السبب نفسي او صحي .


مما اقلق الجدة التي عرضتها لاحقاً عند طبيبٍ اخبرها بأنها تعاني من عسر الهضم. ومع ذلك يظن بأن السبب الحقيقي هو صدمةً نفسيّة قديمة ! وأعطاها عنوان عيادة متخصّصة للأطفال

***


وفي يوم العطلة ، ذهبت الجدة مع حفيدتها الى هناك .. حيث تكلّمت الطبيبة مع الصغيرة لوحدهما


وبعد ساعة .. اخبرت الجدة بأن ام الطفلة اعتادت على تهديدها بالضرب وحرمانها من مصروفها ان لم تكمل صحنها ! حتى ان والدها فقد اعصابه يوماً ، وجرّها من شعرها لإكمال شطيرتها بعد تأخّرها عن المدرسة ! لهذا تشعر بعدم الإرتياح بإكمال طعامها .. ونصحتها بعدم إجبارها على الأكل بعد شعورها بالشبع


لهذا لم يبقى امام الجدة سوى حلّاً اخيراً : وهو العودة الى مزرعتها القديمة التي تركتها تحت رعاية خادمتها ، للإنتقال لمنزل ابنتها المتوفاة والإعتناء بحفيدتها

***


وفي الريف ، سعدت الصغيرة كثيراً بحيوانات المزرعة.. حيث تُسارع بعد كل وجبة طعام الى الحظيرة ، لتقسيم لقمتها الأخيرة ونثرها للدواجن والماعز..

وهي تنادي مبتسمة :

- ارأيتي !! لم تكن رزقتي منذ البداية ، بل طعامهم المقدّر لهم

فتبتسم جدتها وهي تتمّتم :

- على الأقل لن نُحاسب يوم القيامة على رميّنا النعمة

الحفيدة بسعادة :

- هآ نحن وجدنا حلاً يرضينا نحن الأثنين ، يا جدتي


وذهبت لتلعب مع الخراف ، والجدة تراقبها من بعيد ، قائلةً بحنان :

- حماك الله يا صغيرتي العنيدة !


صداقة الأعداء

كتابة : امل شانوحة  القرار المصيريّ أبّان الحرب العالمية الثانية ، وفي ليلةٍ باردة .. سهر الجندي الإلمانيّ (دومينيك) امام شعلة النار ، في مه...