الاثنين، 29 يناير 2024

طائرة الأشباح

فكرة : ابن العراق 
كتابة : امل شانوحة 

الرحلة الغامضة


ضجّ المطار بصراخ واعتراض الأهالي بعد تأخّر وصول الطائرة عن ميعادها .. ووصل الإرتباك لإدارة المطار بعد اختفاء الرحلة عن نظام التتبّع لبرج المراقبة ! وحاولوا مماطلة الأهالي لحين مراجعة تسجيلات الطيّار لمعرفة إن كانت هناك مشكلة بطائرته ام لا ، لكن لا شيء يدلّ على ذلك ! فلما التأخير ؟ ولما لا تظهر الرحلة على شاشات المراقبة ؟!


وظلّ الوضع متوتّراً قبل ظهور الطائرة في سماء المطار ، ومطالبة الطيّار الإذن من برج المراقبة للهبوط ! ليهبط بسلام مع تنفّس الإدارة والأهالي الصعداء ، بعد تأخّر الرحلة لخمس ساعاتٍ دون مبررّ !


وبعد جلسة إستجواب من مسؤول الحالات الطارئة مع الطيّار (فور نزوله من الطائرة برفقة المضيفات) والذي تفاجأ بغضب مديره ! فهو حسب علمه لم يتأخّر مطلقاً عن موعد الهبوط ، حتى أن سعة وقود الطائرة لم تُفرغ تماماً مع طول الرحلة ! 

ورغم غرابة الحادثة ، فقد فضّل مدير المطار إخبار الأهالي الغاضبين بأن المسافرين اختاروا رحلة الترانزيت ، لهذا توقفوا في دولةٍ مجاورة للتزوّد بالوقود قبل إكمال رحلتهم !


والأغرب ان الأهالي فور لقائهم بأحبائهم ، نسوا تماماً سؤالهم عن سبب التأخير ! والمسافرون بالمقابل وصلوا المطار دون أن يُظهروا إنزعاجاً من التأخير ، وكأن رحلتهم مرّت بسلام !

***


الأسوء هو ما حصل لاحقاً ، بعد تغيّر طباع مسافريّ هذه الرحلة بشكلٍ سيء ! فأصبحوا اكثر عصبيّة وحقداً ، وصارت لديهم افكاراً سوداويّة وتشاؤميّة.. وانقلب تعاملهم مع اهاليهم وازواجهم ، فباتوا يغضبون من اقل كلمة او تصرّف ، مع رفضهم القيام بواجباتهم المعتادة ! 


ولم يربط احد تغيّر طباعهم بتأخّر رحلتهم الغامضة ، سوى العريس التي قدمت عروسته بذات الرحلة بفستان عرسها (والذي تعرّف عليها بالإنترنت ، كملاكٍ حقيقيّ) لكن فور وصولها منزله حتى تحوّلت لكابوس ، بعد رفضها إقترابه منها رغم زواجهما القانونيّ ! كما رفضت استقبال اهله الذين قدموا لتهنئتها بالزواج.. وبدت مختلفة تماماً عن الفتاة اللطيفة التي تعرّف عليها سابقاً !

***


وفي احد الأيام ..واثناء مشاهدة العريس لتيك توك ، رأى فيديو لمغامر وهو يصوّر مطار دولتهم المهجور منذ سنوات.. حيث ظهرت خيالات سوداء مساءً وهي تصعد على سلّم الطائرة المهترئة وهم يحملون حقائبهم اليدويّة ، كأنهم مسافرين لمكانٍ ما ! 


وما شدّ انتباه العريس ان احد الأشباح تلبس فستاناً طويلاً ومنتفخاً ، يُشبه فستان عرس زوجته التي لبسته في المطار ! ليس هذا فحسب ، بل احد المسافرين لبس زيّ تنكّري على شكل ديناصور لإسعاد حفيده .. وقد ظهر شبحه على هيئة ديناصور بلاستيكي ، وهو يصعد الى الطائرة الصدئة ! فهل هي مجرّد صدفة ؟


وعلى الفور !! إتصل العريس بصديقه الذي كان معه في المطار ، بانتظار امه العجوز التي قدمت ايضاً بذات الرحلة الغامضة .. وأرسل له فيديو الأشباح ، بعد ان اخبره صديقه عن تغيّر طباع امه عقب تلك السفريّة .. حيث ظلّت تتشاجر مع زوجته وتضرب اولاده بالعصا دون مبرّر ، الى ان تركوا منزله لحين إيجاده حلاً مع امه التي يبدو انها خرّفت باكراً ! 

وبعد مشاهدة الإبن لشبح العجوز ، أخبر العريس بأنها امه لتشابهما بذات العرجة !


فردّ العريس : 

- وانا ايضا قلت ان الشبح تشبه امك ، تماماً كعروستي ورجل الديناصور !

صديقه : وماذا يعني ذلك ؟!

- الصدمة الأكبر هي بعد تواصلي مع المغامر الذي اخبرني بتاريخ تصويره الأشباح

- لا تقلّ انه التقطها بذات تاريخ وصول الرحلة ؟!

العريس : وبنفس التوقيت المسائي !

- هناك لغز في الموضوع

- برأيّ علينا الذهاب للمطار المهجور بنفس زمن هبوط الرحلة عند الساعة ٨ مساءً ، لرؤية الأشباح من جديد .. لربما نستطيع التواصل معهم

***


واتفق مع صديقه على الذهاب باكراً وبسرّيةٍ الى هناك ، برحلةٍ استغرقت ساعتين للوصول للمطار المهجور على اطراف مدينتهم .. ووصلوا عند الوقت المحدّد


واثناء وقوفهما اسفل سلّم الطائرة المهترئة ، وهما يشاهدان بذهول صعود الأشباح للرحلة الغامضة .. تسارعت شبح العجوز بعكّازتها ، مُستندةً بذراع شبح العروس وهما تنزلان من الدرج باتجاه الشابيّن الفزعيّن ! قبل اختفائهما ، وكأنهما متشوقتيّن للقاء الشابيّن الّلذين سارعا الى السيارة المتوقفة خارج المطار المهجور

^^^


في السيارة ، وبعد التقاط انفاسهما..

العريس : ما تفسيرك لما حصل ؟!

- يبدو شبح امي وشبح عروستك لا تميّزان بين الخيال والواقع!

- عندي فكرة

- ماذا ؟

العريس : ما رأيك لو نحضر عروستي وامك غداً الى هنا ، بنفس التوقيت؟

- لتقابلا اشباحهما ؟!

- نعم ، فهناك لغز في الموضوع وعلينا حلّه

الإبن : هذا إن وافقت امي على الذهاب معي ، فهي لا تغادر غرفتها بعد طردها عائلتي من المنزل قبل اسبوعيّن

- وانا ايضاً لم اهنأ مع عروستي التي تجبرني على النوم بالصالة !

- اذاً علينا خداعهما لإيصالهما الى هنا

***


وبالفعل جلس الأربعة في نفس السيارة.. وطوال الطريق تذمّرت العجوز والعروس من النزهة الطويلة لمكانٍ مجهول ، بعد رفض الإبن والعريس إخبارهما عن وجهتهما !


وعندما توقفوا امام المطار المهجور.. دبّ الرعب في نفس العروس والعجوز الّلتان صرختا بعصبية ، مُطالبتان بالعودة فوراً لمنازلهما! 

ولم تهدئا الى ان قام العريس بوضع المخدّر على انف عروسته اولاً ، قبل تخديره العجوز التي كانت تضرب ابنها بالعصا بهستيريا !


وعندما نامت على كتف ابنها ، صرخ على صديقه معاتباً :

- ماذا فعلت بأمي ؟!!

العريس : بسبب توقعي ما حصل ، أحضرت معي مخدّراً طبّي.. لا تخفّ ، هما نائمتان فقط.. (ثم نظر لساعته).. علينا النزول حالاً ، قبل بدء رحلة الأشباح.. سأحمل عروستي ، وانت امك

^^^


وتوجها للمدرّج .. ووقفا اسفل درج الطائرة المهترئة ، قبل ظهور الأشباح المئة وهم يصعدون الى رحلتهم .. 


وما ان لمح شبح العروس وشبح العجوز اشباههما النائمتيّن ، حتى نزلتا فوراً من سلّم الطائرة وهما تبعدان بقيّة الأشباح الذين تابعوا صعودهم للطائرة !


ورغم فزع الشابان مما يحصل إلاّ انهما تماسكا ، وهما يريان الشبحيّن الأسوديّن يقفزان داخل الجسديّن المُخدّرتيّن بين ذراعيهما !


وفجأة ! شاهد الشابان الطائرة الصدئة وهي تتحرّك على طول المدرّج ، كأنها على وشك الإقلاع .. والمرعب في الموضوع انها لم تحلّق في السماء ، بل نزلت مقدّمتها اسفل المدرّج قبل اختفائها عن الأنظار ، كأنها رحلة الى باطن الأرض !


وبعد اختفاء الطائرة .. إسيقظت العجوز والعروس وهما تتساءلان عن سبب تواجدهما في المطار المهجور ؟! وتحدّثتا برزانة وهدوء ، وليس بعصبيّة وبنبرةٍ آمرة كما فعلتا طوال المدة الماضية !

فعلم الشابان ان ارواحهما الصالحة عادت اليهما من جديد..

^^^


وفي الطريق ، حاول الشابان تغيّر اسئلتهما عن سبب النزهة الغريبة؟! واكتفيا بالتعبير عن شوقهما الكبير لهما .. حيث خجلت العروس من نظرات العشق لعريسها ، بينما احتضنت العجوز ابنها وهي تسأله باهتمام عن زوجته واحفادها .. فكلاهما لا تعلمان بأخطائهما الجسيمة في الأيام الماضية ! 

***


ولم يستطعّ الشابان إخبار بقيّة اهالي مسافريّ الرحلة الغامضة : بأنه تمّ إختطاف ارواح اهاليهم الصالحة لعالم الجن ، واستبدالها بأرواح الشياطين الماكرة التي تمكّنت من سحب الطائرة لعالمها لخمس ساعاتٍ متواصلة ، وبطريقةٍ غامضة!


وفي الوقت الذي علقت فيه ارواح ٩٨ مسافر بباطن الأرض ، تمكّن الشابان من استرداد روح الأم والعروس بصعوبة ، والّلتان واجهتا خصومة الناس المقرّبين بعد سوء طباعهما في الفترة الماضية !


حيث تفاجأت العروس من غضب اهل عريسها بعد رفضها استقبالهم في بيتها ، رغم عدم تذكّرها ذلك ! وكذلك عانت العجوز من خوف احفادها منها ، ونفور كنّتها بسبب طباعها الصعبة في الأسبوعيّن الماضيين .. لكنهما بمرور الأيام تمكّنتا من تغيّر الأحداث لصالحهما !


اما بقيّة اهالي المسافرين ، فمازالوا لليوم يعانون من الطباع الصعبة لأحبائهم الذين تغيّروا للأسوء بعد الرحلة المشؤومة ، دون علمهم بأنهم مسجونين بعالم الجن والشياطين لأجلٍ غير معلوم !

****


ملاحظة :

شاهدوا فيديو اشباح المطار المهجور .. 



الجمعة، 26 يناير 2024

سجن المحبة

تأليف : امل شانوحة 

 

رهينتي مدى الحياة !


في يومٍ ماطر .. دخل النادل الى مطبخ المطعم ، وهو ينادي الطبّاخة ناديا :

- هناك زبونٌ ثريّ يريد التحدّث معك ، ويبدو غاضباً !

ناديا بقلق : هل طلبني بالإسم ؟! 

- نعم .. هل قدمتِ له طعاماً سيئاً ؟!

- وصلت قبل قليل ، ولم أُنهي طبختي بعد !

النادل : إذهبي للتحدّث معه

***


عندما اقتربت ناديا من طاولته ، لم تعرفه .. لكنه اشار لها بالجلوس وهو عاقد الحاجبين ويتنفّس بصعوبة ، كأنه يحاول كتم غضبه !

ناديا بقلق : ماذا هناك يا سيد ؟!

- انت ناديا ، مالكة هذه السيارة ؟


ووضع صورة امامها (إلتقطتها كاميرا فيلته الخارجيّة ، مُظهرةً رقم سيارتها وهي تدهس ابنه بعد عودته من الجامعة) 

فنزلت دموعها ، وهي تقول بصوتٍ مُرتجف :

- هو قطع الشارع باتجاه الفيلا دون انتباهه على الطريق ، ولم استطع ضغط الفرامل لأنها مُعطّلة بسيارتي المُهترئة.. وأُصبت بالذعر بعد سقوطه جانباً دون حراك ، وهربت من المكان .. لكني سارعت بالإتصال بالإسعاف ، وأعطيتهم العنوان .. 


الثريّ وهو يحاول عدم صفعها من شدّة غضبه : 

- عندما سمعت صفير الإسعاف خارج فلّتي ، لم أصدّق رؤيته غارقاً بدمائه وهم ينقلونه للمستشفى !  

- رجاءً إخبرني انه بخير 

- مات البارحة ، بعد يومين بالعناية المركّزة


فانهارت باكية : آسفة سيدي ، صدّقني لم أقصد دهسه .. رجاءً لا تبلّغ الشرطة ..فأنا مُطلّقة ، وأعتني بإبنتي الصغيرة

فقال بغضبٍ شديد وهو يحاول عدم رفع صوته ، كيّ لا يلفت انظار الزبائن:

- وهو ابني الوحيد الذي اعتنيت به ، بعد وفاة امه .. وبموته ، انتهت حياتي !! 

ناديا باكية : رجاءً لا تسجّني ، فليس لإبنتي احداً سوايّ


فوضع ورقة قانونيّة امامها ، وهو يقول بحنق :

- اذاً ستوقعين عقد العمل بخدمتي ، لعشر سنوات مجاناً !! 

ناديا بصدمة : عشر سنوات !

- او السجن ، ماذا تختارين ؟!!

- تقصد كطبّاخة في فلّتك ؟

الثريّ بلؤم : وخادمة ايضاً !!

- الا يوجد خدمٌ غيري بتلك الفيلا الكبيرة ؟! 

الثريّ : لا ، فأنا لا احب الغرباء .. وبالعادة تتكفّل شركة بتنظيف فلّتي مرة بالشهر .. اما بقيّة الأيام ، سيكون من واجبك الإهتمام بالطبخ والغسيل والتنظيف ، وكل ما آمرك به .. هل لديك إعتراض؟!! 

- المشكلة الوحيدة انني اعمل ، كيّ أوفّر..

مقاطعاً : وانا وفّرت لك سكناً مجانيّ في منزلي الفخم ، ماذا تريدين اكثر؟!!


ناديا : كنت أقصد اقساط مدرسة ابنتي .. فوالدها يهتم بزوجته الجديدة وإبنه فقط 

فأجاب بلؤم : لا تهمّني ابنتك ، إرسليها لأهلك

ناديا : والدايّ متوفيّان ، ولا إخوّة لي.. وزوجة طليقي تضربها دائماً ، وتجبرها على خدمتها دون طعام .. رجاءً سيدي لا استطيع العيش دونها ، فهي في الثامنة ومازالت صغيرة

فشدّد على كلامه : 

- انا بحاجة لخادمة ، لا لأولادٍ يعكّرون مزاجي .. إرسليها لأبيها ، او ستباتين الليلة في السجن !! 

فمسحت دمعتها بقهر : على الأقل إسمح لي بتوديعها 

- اذاً إذهبي الآن وقدّمي استقالتك .. ثم نأخذها من المدرسة ، لإيصالها الى والدها .. بعدها نذهب للفيلا ، هل كلامي مفهوم ؟!!

فأومأت برأسها موافقة ، وهي تشعر بخوفٍ شديد على مصير ابنتها 

***


امام منزل طليقها .. بكت ابنتها كثيراً وهي تحتضن امها ، رافضةً العيش دونها .. لكن الأم وعدتها بالإتصال دائماً ، بعد تحجّجها بالضائقة الماليّة بعد طردها من العمل ! 

ابنتها باكية : عديني ان تأخذيني من هنا بأقرب وقتٍ ممكن 

ناديا بقهر : سأحاول يا ابنتي .. فور إيجادي عملاً جديداً ، سآتي وآخذك 

- وعد امي 

- وعد حبيبتي 


واحتضنتها بحنان .. ليقوم الثريّ بالضغط على بوق سيارته ، وهو ينادي الأم للركوب دون مماطلة !

فضغطت ناديا على زرّ منزل طليقها ، وأسرعت الى سيارة الثريّ .. لعدم رغبتها بأن يراها طليقها مع رجلٍ غريب ، فينشر مع زوجته الشائعات القذرة عنها ! 


ثم راقبت ابنتها وهي تدخل حزينة للمنزل ، بينما تشتمها زوجة ابيها على قدومها دون ميعاد !

والتزمت ناديا الصمت في المقعد الخلفيّ لسيارة المرسيدس ، وهي تشعر بالقلق عمّا ينتظرها بفيلا الثريّ الغاضب من قتلها لإبنه الوحيد!

*** 


ما ان دخلت فيلته ، حتى قال بلؤم :

- منزلي سيكون سجنك للسنوات القادمة !! تأكّدي بعدم حصولك على حرّيتك بسهولة ، ايتها القاتلة .. والآن توجهي للمطبخ ، ايتها الخادمة المجرمة !! 


وبتهديده القاسي ، تحقّقت اسوء شكوكها : بإحضارها الى منزله ، لمعاقبتها جسديّاً ونفسيّاً ، من خلال إجبارها على تنظيف المطبخ كلّه في ليلتها الأولى .. حيث لم تنمّ في غرفة الخادمة إلاّ قبيل الفجر ، وهي بالكاد تقوى على الحراك من شدّة التعب ! 


ولم يكن هذا العقاب سوى البداية .. ففي الأيام التالية جعلها تنظّف كل الغرف ، وصولاً للعلّية والقبوّ والحديقة ، مع إسماعها الكثير من الشتائم والنقد الهدّام .. رغم إن فيلته تحتاج لخمسة خدمٍ على الأقل ، لإنهاء المهام الصعبة التي أوكلها بها ! 


وبعد كل هذا التنظيف ، بدأ عملها كطبّاخة .. ولم يكن هذا سهلاً ، لإجبارها على طبخ ثلاثة اصنافٍ كل يوم .. لا يتناول منها سوى لقيمات قليلة ، ويترك الباقي بحجّة طعمها السيء ! فقط لتدميرها نفسيّاً ، وتشكيكها بموهبة طبخها المميزة التي لطالما أعجبت زبائن المطعم التي عملت فيه !

***


وذات يوم .. وصلها إتصال من ابنتها وهي تترجّاها بأخذها ، بعد ان منعها والدها من الذهاب للمدرسة .. وهي تشكو قلّة طعامها ، وإجبارها على خدمة زوجة ابيها التي تضربها دون رحمة !


فدخلت ناديا باكية الى مكتب مراد (بالطابق الأرضيّ للفيلا) ..

فسألها بلؤم : ماذا تريدين ؟

وأخبرته بما حصل ..


فأجابها بلا مبالاة : كم مرّة قلت أن ابنتك لا تهمّني 

- ارجوك سيدي .. إن كنت تريد طعاماً لذيذاً ، يجب ان تكون نفسيّتي جيدة .. ولن يهدأ بالي وابنتي بعيدة عني .. اعدك بأن لا تسمع صوتها .. سأبقيها دائماً بغرفتي.. فأنت كنت اباً ، وتعرف تعلّقنا ..

مقاطعاً بعصبية : كنت والداً قبل قتلك ابني !!

- ولوّ اعتذرت العمر كلّه ، لن أوفّيك حقك .. لكن رجاءً لا تحرمني ابنتي ..

 

فسكت مراد مطوّلاً ، قبل ان يقول :

- حسناً ، أحضريها الى هنا .. لكن لا تدعيني اراها .. فبعد وفاة ابني ، لم يعد باستطاعتي رؤية الأطفال .. لا اريد تذكّر الماضي 

فمسحت دموعها بارتياح : حاضر سيدي ، اعدك بأن لا تزعجك مطلقاً .. سأذهب فوراً ، وأعود بعد ساعة .. شكراً جزيلاً لك 


وقبل خروجها من المكتب ، قال مهدّداً :

- في حال حاولتي الهرب..

ناديا مقاطعة : لا سيدي ، لن افعل .. اساساً بعد استقالتي ، لا املك المال لإيجاد سكنٍ لائق.. وسيكون من الغباء القيام بهذه الخطوّة المتهوّرة .. سأعود مباشرةً الى هنا.. أعدك بذلك 

وخرجت من المكتب ، وهي تتنفس الصعداء بعد قبوله عيش ابنتها معها

***


وبالفعل ، أمضت الطفلة يومين في غرفة امها.. 

وفي يوم عطلتها ، سألت امها بضيق : 

- لما لا تسمحين بخروجي من الغرفة ؟! فأنا مُجبرة على العودة مباشرةً من المدرسة الى هنا ! .. لما لا تدعيني أكتشف غرف الفيلا ، او اللعب بالحديقة ؟ 

امها مُحذّرة : أخبرتك ان السيد لا يريد رؤية الأطفال في فيلته

- اعدك باللعب في الحديقة الخلفيّة دون صوت .. وسأعود الى هنا ، قبل خروجه من مكتبه 

- ريم !! لا تزعجينني .. عليّ إنهاء الغداء عند الساعة الواحدة ظهراً 

- اعدك أن لا أصدر صوتاً.. رجاءً ، دعيني اذهب !!


ففكّرت الأم قليلاً :

- اذاً إلعبي بالحديقة الخلفيّة ، وعودي الى هنا بعد ساعة .. لا اريد ان يطردنا السيد في الشارع

ريم بحماس : حسناً امي !! 

^^^


بهذه الأثناء .. شعر مراد بالمللّ ، وخرج لحديقته لتنشّق الهواء .. فسمع صوتاً ، كأن شيئاً وقع خلف فيلته !


فذهب ناحية الصوت ، ليجد ريم تتألّم بعد سقوطها من الدرّاجة التي وجدتها هناك.. فصرخ عليها بلؤم : 

- ماذا تفعلين ، ايتها الفتاة الشقيّة ؟!! 

ريم بحزن : أأنت ايضاً تصرخ عليّ ، كوالدي وزوجته ؟! .. لما يكرهني الجميع ؟!


فحاول تهدئة نفسه ، فهي بالنهاية طفلة صغيرة : 

- من سمح لك بركوب درّاجة ابني ؟

- صور ابنك بالصالة تبدو لشابٍ كبير ، وهذه درّاجة صغيرة !

- هي درّاجته حين كان بعمرك..  

- اردّت اللعب بها قليلاً .. آخ ! رجلي تؤلمني

السيد مراد : لقد جرحتي ركبتك .. إذهبي لأمك .. هناك لاصقٌ طبّي في درج المطبخ ، دعيها تطهّر الجرح اولاً .. لكن ضعي هذه المناديل فوقها ، لا اريدك ان تلطّخي سجّاد الصالة بالدماء 

وأخرج منديلاً من جيبه ، وأعطاه لها .. لتمشي ريم وهي تعرج باتجاه المطبخ ..

^^^


وهناك لامتها امها ، وهي تضع الّلاصق على جرحها :

- الم تعديني ان لا يراك السيد ؟!!

- آسفة امي ، وقعت غصباً عني 

- حسناً لا تبكي ، فالجرح بسيط.. اتمنى ان لا يغضب السيد لمخالفتنا اوامره !

^^^


وفي مكتب مراد .. قدّمت ناديا القهوة ، وهي تعتذر عن تصرّف ابنتها 

فقال وهو يتابع الأخبار بجوّاله :

- المهم ان لا تدخل ابنتك مكتبي

- طبعاً سيدي ، لن اسمح لها بذلك

***


بعد يومين .. ارادت ناديا معرفة ان كان مراد يحب اكلةً معينة قبل طبخها ام لا ، لكنها لم تجده في مكتبه ! 

فصعدت لفوق ، لتجد غرفة ابنه مفتوحة لأول مرة منذ قدومها (فهو منعها من تنظيفها او الإقتراب منها) 

وعندما نظرت من شقّ الباب المفتوح ، وجدته يشاهد فيديوهات لإبنه وهو صغير وبجانبه علبة المناديل .. فعرفت انه يبكي قهراً لوفاته .. 


فقالت بنفسها ، وهو تشعر بتأنيب الضمير :

((ليتني استطيع تخفيف ألم قلبك .. أعلم من الصعب عليك رؤية قاتلة ابنك كل يوم ! اتمنى ان تسامحني يوماً .. اللعنة عليّ !! ليتني نقلته بسيارتي للمشفى ، لربما انقذت حياته .. (ثم تنهّدت بضيق) .. الأفضل الإبتعاد عن السيد طوال اليوم ، كيّ لا اثير غضبه))

ونزلت مهمومة باتجاه المطبخ                                               

^^^


بهذه الأثناء ، وصله اتصال مهم من شركته .. فخرج من غرفة ابنه دون إقفالها (كعادته منذ وفاته) .. 

فدخلت ريم الى هناك ، للعب بمجموعة سيارات ابنه الصغيرة التي جمعها منذ طفولته .. 


وقبل وصول مراد لمكتبه (بالطابق الأرضيّ لفيلته) تذكّر غرفة ابنه ، فصعد من جديد لإقفالها .. ليتفاجأ بالصغيرة تجلس على سرير ابنه وهي تلعب بألعابه .. فصرخ بوجهها غاضباً :

- من سمح لك بدخول غرفته ؟!!

وأمسكها من طرف قميصها ، وأخرجها عنّوةً للخارج .. 


بينما صعدت الأم فور سماعها صراخ السيد ، وحضنت ابنتها التي كانت تبكي بخوف .. وقالت لها :

- إذهبي لغرفتنا فوراً 

فنزلت ابنتها وهي ترتجف.. 


ناديا : آسفة سيدي لما حصل .. لكنها فتاةٌ صغيرة ..

مراد مقاطعاً بعصبيّة : إفهميها ان هناك اماكن ممنوع عليها دخولها!!

- رجاءً سيدي ، والداها عاملها دائماً بقسوة عند زيارتها منزله .. لا تكن قاسياً عليها ايضاً ، هذا سيجعلها تخاف من كل الرجال ، مما سيؤذي مستقبلها 

- سأحاول الهدوء قدر الإمكان ، لكن لا اريد أن اصادفها في وجهي 

ناديا : سأفهمها ذلك 

ونزل غاضباً الى مكتبه  

***


بعد ايام .. واثناء انشغال ناديا بالطبخ ، دخلت ريم الى مكتبه ومعها كتاب الرياضيات 

- سيدي .. أمازلت غاضباً مني ؟ 

- ماذا تريدين ؟ 

ريم : هل يمكنك مساعدتي بحلّ هذه المسألة ؟ فأمي مشغولة 

- الم تخبرك امك بأن لا تدخلي مكتبي ؟

- رجاءً سيدي .. لا اعرف حلّ الواجب ، بعد ان منعني ابي الذهاب إسبوعاً للمدرسة .. لا اريد ان ابدو كسولة امام زملائي .. هل يمكنك شرح الدروس التي فاتتني ؟

مراد : كنت تريدين حلّ الواجب ، والآن تريديني ان اشرح الدروس لك .. هل اخبروك انني استاذك الخاص ؟

- أمعقول انك لا تعرف جدول الضرب ؟!

فتنهّد مراد بضيق :

- حسناً هاتي الكتاب ، واجلسي بجانبي .. لكن هذه آخر مرّة تدخلين فيها مكتبي ، مفهوم !!

- حاضر سيدي

^^^


كادت القهوة تسقط من يد ناديا بعد دخولها المكتب ، ورؤية السيد يشرح الدرس لإبنتها ! فسارعت بسحب ذراع ريم ، وهي تعتذر منه:

- لم اعلم انها في مكتبك سيدي ، ارجوك سامحها 

فابتعدت ريم عنها ، وهي تقول :

- رجاءً امي ، لا تقاطعي درسنا !! 

السيد مراد بابتسامة : هذا صحيح ، فقد أوشكنا على الإنتهاء .. (ثم مسّد شعر الطفلة) .. ابنتك ذكية ، تتعلّم من الشرح الأول !

ناديا بفخر : هي دائماً من الأوائل.. لهذا حزنت عندما منعها والدها من الدراسة


ريم بقهر : البارحة قدم ابي الى مدرستي ، وأخبرني انه سيعيدني الى بيته لأن زوجته بحاجة لمن تخدمها ..

الأم بغيظ : لما لم تخبرينني ؟!

ريم : لم اردّ ان تتشاجري معه ثانيةً

السيد مراد : اظن من الأفضل نقلها لمدرسةٍ ثانية ، كيّ لا تجتمع بوالدها مجدّداً

الأم : هذه ارخص مدرسة في المنطقة 

ريم بضيق : وهي سيئة للغاية

السيد مراد : سأنقلها لمدرسة ابني ، فهي ذكيّة وتستحق تعليماً جيداً 

الأم بإحراج : لا اريد تكليفك بمصاريفها

السيد مراد : لا تفكّري بالموضوع .. سأذهب غداً الى مدرستها وأسحب ملفها ، لتسجيلها بالمدرسة الجديدة

فقفزت ريم فرحاً : سأدرس في مدرسةٍ فخمة .. شكراً لك !!

وحضنته بامتنان ، وسط ارتباك السيد وإحراج ناديا من ردّة فعل ابنتها الطفوليّ !

***


بعد ايام .. اخبرته ناديا بأن الثلاّجة شبه فارغة ، وعليها التسوّق .. فطلب منها تجهيز نفسها ، لأخذها هي وابنتها للسوبرماركت 

^^^

في السيارة :

جلست ناديا وابنتها في المقعد الخلفيّ .. 

وفي الطريق ، سألته ريم :

- سيد مراد ، لما ليس لديك سائق كبقيّة الأثرياء ؟

الأم معاتبة : ريم !! لا تتحدّثي دون اذن 

مراد : لا احب الغرباء .. عشت حياتي كلها مع المُربّين والخدم ، لانشغال ابي بسفريات العمل ، وأمي بسفريّات التسوّق في اوروبا .. لهذا اردّت لإبني ان يعيش ضمن عائلةٍ حقيقية .. وهذا لم يسعد زوجتي التي ارادت التباهي امام صديقاتها ، بثراء زوجها .. ولولا موتها بمرض القلب ، لكنا حتماً تطلّقنا .. 

ناديا : إن سمحت لي بالسؤال .. كم كان عمر ابنك عند وفاة امه ؟

مراد : عشر سنوات .. وربيته وحدي ، قبل ان ..


وسكت وهو ينظر بالمرآة العلويّة بوجه ناديا (المُحرجة) محاولاً كتم غضبه من جريمتها .. ليكملوا الطريق بصمتٍ ثقيل ! 

^^^


عندما وصلوا لسوبرماركت ، اخبرهم انه سينزل لاحقاً لدفع حساب المشتريات .. فدخلت الأم وابنتها ، بينما ينتظرهما في موقف السيارات


بعد ساعة ، نظر لساعته بقلق : 

- تأخرتا كثيراً .. أمعقول انهما هربتا من الباب الخلفيّ للسوبرماركت؟!

ونزل سريعاً الى هناك.. وبعد بحثه في ارجاء السوق ، وجد ناديا تُحدّث ابنتها :

- هيا أعيدي الشوكولا مكانها !!

ريم بضيق : الم تعديني بشراء الحلوى مرة بالأسبوع ؟ 

- ليس لديّ راتب .. ولن اشتري الحلوى من مال السيد مراد .. إرجعيه رجاءً

- كنت وعدّتني ان مستقبلنا سيكون اجمل ، وهاهو اصبح اسوء! 

وأعادت ريم الشوكولا بحزن الى مكانها


ثم انتظرتا بالسيارة ، ريثما يحاسب مراد عن الأغراض .. لتتفاجأ الصغيرة بشرائه صندوق من شوكولاتتها المفضلّة ، وهو يقول لها: 

- المستقبل دائماً افضل .. ثقي بذلك 


وقد فرحت ناديا بحنانه على ابنتها ، رغم ثقل تأنيب الضمير من تركها ابنه ينزف حتى الموت ! 

***


وبمرور الأيام ، تعوّد السيد على مذاق قهوة ديانا وطعامها الفاخر.. كما صار يسعده فضول ابنتها التي تدخل مكتبه من وقتٍ لآخر للحديث معه ، او لمساعدتها بالدراسة اثناء انشغال امها بأعمال المنزل


الى ان تفاجأ يوماً بقدوم طليق ناديا الى فيلته ، وهو يصرخ عليها : 

- من سمح لك بالعمل عند ارملٍ يعيش وحده ، ايتها الفاسقة ؟!

ناديا بعصبية : وما دخلك انت ؟!! نحن مُطلقيّن ، ولا سلطة لك عليّ

طليقها : لكني مسؤول عن ابنتي ، ولن اسمح بتواجدها مع هذا الغريب !!


وسحب ذراع ابنته بعنف ، والتي بكت خوفاً وهي تستنجد بالسيد :

- رجاءً عمو مراد !! لا اريد الذهاب معه ، فهو يضربني بقسّوة .. وزوجته تعاملني كخادمة ، وتمنعني الإقتراب من اخي الصغير 

ناديا باكية : رجاءً سيد مراد ، لا تدعه يأخذ ابنتي 


لكن مراد لم يستطع التدخل ، فهو بالنهاية والد الطفلة الذي أخذها بالقوّة .. تاركاً امها تبكي بقهرٍ شديد

***


ومرّ الأسبوع صعباً على ناديا التي تلقّت اتصالاً من جارتها القديمة : بأن ريم أخبرتها بأنها ستقفز من النافذة وتنتحر ، إن لم تعيدها للفيلا حالاً !


فسارعت ناديا فزعةً الى مكتب مراد ، لإخباره بتدهوّر نفسيّة ابنتها.. خاصة بعد تلقيه إتصالاً من مدير المدرسة الجديدة ، يُخبره بغياب ريم طوال الإسبوع الفائت !

فوعد ناديا بإعادة الصغيرة اليها .. 

***


وفي المساء .. أعطى مراد مالاً لزوجة بوّاب عمارة والد ريم ، والتي تمكّنت من خطف الصغيرة وتسليمها لمراد الذي ينتظرها اسفل المبنى لإعادتها الى فيلته 


وطوال الطريق ، عاتبت ريم مراد على تسليمها لوالدها .. وهي تُريه آثار الضرب على ذراعيها ووجهها..  

ريم باكية : كيف سمحت له بأخذي ؟!! انا اكرهك عمو مراد


فأوقف سيارته جانباً ، وحضنها بحنان :

- اعدك يا صغيرتي بأن لا تريه ثانية 

- كيف ؟

- أتريدنني ان اكون والدك ؟

ريم بدهشة : هل ستتزوج امي ؟

- علينا سؤالها اولاً 

فحضنته بقوّة : انا سأقنعها ، عمو مراد !!

***


في الفيلا .. تكلّم مراد مع ناديا في مكتبه 

ناديا بحزن : ليتك لم تعدها بالوصاية ، فالأمر ليس سهلاً 

مراد : لن يكون صعباً ان تزوجنا 

ناديا بصدمة : ماذا !

- لا تقلقي ، زواجٌ صوريّ .. فقط لحين حصولنا على الوصاية .. والأفضل ان نُسرع ، كيّ يرى القاضي آثار الضرب على جسد ريم ، فهذا سيجعلنا نفوز بالقضيّة .. ماذا قلت ؟

ناديا بتردّد : أظن .. لا حلّ آخر امامنا 

- اذاً غداً نذهب للمحكمة الشرعيّة ، ونكتب الكتاب .. بعدها أوكّل المحامي برفع قضية الوصاية 


وخرجت من مكتبه وهي تشعر بالإرتباك .. فهي مُعجبة بشخصيته القويّة وتصرّفاته الّلائقة وحنانه على ابنتها ، لكنها تعلم أنه مستحيل أن يُغرم بقاتلة ابنه !

***


وبالفعل حصل السيد مراد على وصاية ريم التي اختارت العيش معه امام القاضي .. فخرج والدها وهو يلعن تربيتها السيئة ، بينما تنفّست زوجته الصعداء لتخلّصها من ابنته للأبد !

^^^


وفي طريق عودتهما ، طلبت ريم من امها الجلوس في المقعد الأمامي بجانب زوجها ! كما اقترحت عليهما الإحتفال بالملاهي ، لتخلّصها اخيراً من زوجة ابيها 


وفي الملاهي ، أمضوا ليلةً سعيدة .. وعادوا للفيلا ، والطفلة تحمل العابها الصوفيّة التي فاز بها مراد من اكشاك الألعاب المتواجدة هناك ..


وعندما ارادت امها دخول غرفتها ، منعتها الصغيرة .. وطلبت منها النوم بالغرفة العلويّة مع زوجها..

الأم بدهشة : متى كبرتي ، لتعلمي بهذه الأمور ؟!

ريم : عمو مراد ، أليس المفترض للزوجيّن ان يناما في نفس الغرفة؟

فاكتفى بالإبتسام..


ريم : امي لا تقلقي ، لن اخاف النوم وحدي .. اساساً غداً يصبح عمري تسع سنوات

مراد : أحقاً ! اذاً علينا الإحتفال بعيد ميلادك

ريم : اريد فقط دمية كبيرة وكيك بالشوكولا

مراد : سيكون لك ذلك ، يا صغيرتي

فحضنته بامتنان : كم احبك عمو مراد ، انت أحنّ من ابي الحقيقي .. شكراً لك على كل شيء .. هيا ، خذّ ماما واصعدا لفوق .. تصبحا على خير

^^^


ودخلت غرفتها .. بينما صعدت ناديا بخجلٍ ممزوج بقلق ، فهي لا تدري ما سيحصل لاحقاً .. 

وعندما دخل مراد الحمام ، أمسكت صورة عرسه وهي تتأمّل زوجته المتوفية .. وسرحت بأفكارها قبل ان يسحب الصورة منها ، وهو يقول : 

- كانت تحب نفسها ، تماماً كأمي وابي .. وكنت انا وابنها بالمركز الثاني بعد اصدقائها .. لا يهم الآن ، هي مع ابنها في السماء  


ووضع صورتها بالدرج ، كيّ لا تشعر ناديا بالغيرة .. ثم فرش الأريكة للنوم عليها ، بعد سماحه بنومها على سريره .. وهو يقول :

- لا تقلقي ، سنمثل دور الزوجيّن جيداً امام ابنتك وامام الناس .. تصبحين على خير


ورغم احترامها لتصرّفه النبيل ، لكنها حزينة لعدم اعتبارها زوجته بالفعل .. وفي نفس الوقت لا تلومه ، فهي بالنهاية قاتلة ابنه الوحيد !

*** 


في يوم العطلة .. لحقت ريم مراد قبل خروجه من الفيلا

- عمو مراد !! الى اين انت ذاهب ؟

- الى المقبرة .. اريد زيارة ابني ، فاليوم يصادف عيد ميلاده

ريم : لم تخبرني بعد ، كيف مات وهو مازال شاباً يافعاً ؟!

- صحيح.. كان في بداية عمره ، بسنته الأخيرة بالجامعة .. كنت انتظر تخرّجه لتزويجه ، واللعب مع احفادي .. لكن احدهم ..


ونظر لناديا التي كانت بالحديقة ترتجف ، لخوفها من إخبار ابنتها بجريمتها  

ريم : ماذا حصل له ؟

مراد : مات بحادث سير ..

ريم : رحمه الله .. هل يمكنني الذهاب معك للدعاء له ؟ فالموتى يحبون ذلك

مراد : حسناً تعالي


وخرجا من الفيلا ، بينما حمدت ناديا ربها لعدم تشويه صورتها امام ابنتها .. وفي نفس الوقت شعرت بتأنيب الضمير لكسر قلبه ، رغماً عنها !  

قائلةً في نفسها بحزن :

((أتمنى يوماً ان تسامحني ، يا زوجيّ العزيز)) 

***


وفي يوم .. عادت ريم مع مراد سعيدة من المدرسة ، وهي تنادي امها : 

- لقد حضر معي جلسة اولياء الأمور !! وأخبرت زملائي بأنه والدي 

امها : هذا رائع !! هيا إغسلي يديك لتناول الغداء


وبعد ذهابها ، شكرته على الإهتمام بإبنتها :

- والدها لم يهتم بها مطلقاً .. فهو طلّقني فور ولادتها ، لكرهه للبنات .. شكراً جزيلاً لك

مراد : لقد أسعدني ذلك .. وتذكّرت ابني وانا أتجوّل بمدرسته القديمة


فتنهّدت ناديا بحزن : لن اسامح نفسي على قتلي إبنك .. فرغم بيع سيارتي بعد الحادث ، لعدم رغبتي القيادة ثانيةً.. مع ذلك أكره نفسي كل يوم

- اظن أيّ شخص لديه مسؤولية طفل ، سيربكه الحادث .. على الأقل اتصلتي بالإسعاف ، بينما سيكتفي غيرك بالهرب 

- لا تبدو غاضباً هذه المرة !

مراد : لأني راجعت فيديو وفاته مع خبراء بحوادث السير .. جميعهم اكدوا انه لم يكن بإمكانك تفادي الحادث ، بعد قطعه الشارع بسرعة دون إلتفاته للطريق .. كما كنت تقودين بسرعةٍ متوسطة ، عدا عن سيارتك المُهترئة .. لكنها ستبقى غصّة في قلبي لمعرفة سبب ركضه ذلك اليوم ، فهي ليست من عادته ! هل اراد إخباري بأمرٍ مشوّق ؟ هل كان مغرماً بإحدى زميلاته ، لهذا كان متحّمساً بالعودة لبيته .. هل نجح بإحدى الإمتحانات ؟ .. سيبقى هذا السؤال يُشغل تفكيري لآخر عمري 


فأمسكت يده لأول مرة ، بحنان :

- لن اغفر ذنبي حتى اسمعك تقول بأنك سامحتني .. فكوابيس الحادث تلاحقني كل ليلة ، وصوت ارتطامه بمقدّمة سيارتي لن تُمحى ..

مراد مقاطعاً : توقفي يا ناديا .. كان مقدّراً له الموت ذلك اليوم .. ربما لكيّ يجمعني بك وبإبنتك التي اصبحت بغلاوته .. لا تحزني ، فأنا رجلٌ مؤمنٌ بالله 

- انت رائعٌ حقاً.. واحترامي لك يزداد كل يوم 

- أيعني هذا انك سامحتني على قساوتي معك ، بأيامك الأولى بالقصر؟

- بالتأكيد سيد مراد

مراد معاتباً : هل هناك زوجة تنادي زوجها بالسيد ؟ .. فقط مراد ، رجاءً 


ووضع يده على كتفها بحنان ، وهو يسألها :

- ماذا طبختي لنا اليوم ؟

- أكلتك المفضّلة .. سأسكب لك حالاً ، وأضع الطبق فوق مكتبك

مراد : لا هذه المرة سنتناول الطعام على مائدة ، كعائلةٍ مترابطة 

فابتسمت له ، والدموع في عينيها بعد تحسّن الأحوال بينهما اخيراً

***


بنهاية الإسبوع ، أخذ ناديا وابنتها برحلةٍ في اليخت .. مما اسعد ريم كثيراً وهي تستمع الى قصص البحّارة التي سمعها مراد من الصيادين


وفي المساء ، وبعد نوم ريم في الغرفة السفلية لليخت .. سهرت ناديا مع مراد وهما يتحدثان عن الماضي والمستقبل ، كأنهما زوجيّن لأول مرة !

 

وعندما نزلا للأسفل .. استفاقت ريم ، وهي تطلب نومهما بجانبها.. وكانت المرة الأولى التي ينام فيها الزوجيّن بذات السرير ! 

فحاولت الأم رغم ارتباكها الإستسلام للنوم .. بينما سهر مراد وهو يتأمّل وجه زوجته ، قائلاً في نفسه :

((كيف لم انتبه لجمالها كل تلك الأيام ؟! هي فعلاً تشبه فتاة احلامي التي تخيّلتها دائماً .. يالا غرابة القدر الذي جمعني بأرقّ إنسانة ، وألطف طفلة.. شكراً لك بنيّ ، لطالما اهتممت بسعادتي.. وهآ انت بموتك ، جمعتني بعائلتي اللطيفة))  


وأمضى ليلته وهو يتخيّل حياته مع ناديا !

***


لكن بالحقيقة لم تتطوّر حياتهما العاطفيّة إلاّ بعد اصابة مراد بالحمّى ، واعتناء ناديا به .. بعد قضاء ليلتها وهي تضع الضمّادات الباردة على رأسه ، وتحضّر له الشوربة الساخنة .. الى ان خفّت حراراته قبيل الفجر  


ولم يمضي يومان ، حتى أصيبت هي بالعدوى .. ليبدأ دوره بالإهتمام بها ، مما اشعل مشاعرهما التي كتماها في قلبيهما !

***


وذات يوم .. طلبت ناديا الإذن لزيارة اقاربها بالقرية بعد وفاة احد اقاربها ، وهي تعده بالعودة للفيلا بأقرب وقتٍ ممكن


وخلال الأيام الثلاثة لغيابها ، شعر مراد بوحشةٍ كبيرة في الفيلا ! خاصة بعد تعوّده على قهوتها الصباحيّة وطعامها اللذيذ ، وحديثها المميّز .. كما اشتاق لحيويّة ابنتها التي أشعلت منزله بضحكاتها وحركاتها العفويّة 

^^^


وبعد عودتهما لمنزله ، سارع بحضن الطفلة بشوقٍ كبير .. بينما اقتربت ناديا منه ، وهي تسأله : 

- اظنك جائع ، سأحضّر الغداء فوراً

مراد : لا اريد سوى قهوتك .. لا تدرين كم اشتقت لها 


ففهمت من نظرته الحنونة ، انه مشتاقٌ اليها .. لكنها سارعت للمطبخ بارتباك ، لإعداد قهوته 

***


في المساء وبعد نوم الطفلة .. صعدا الى غرفتهما

واثناء حديث ناديا عن العزاء ، تفاجأت باحتضانه لها بقوّة !

مراد : لا تدرين كم اشتقت اليك ، فالمنزل كئيب من دونك.. هل تصدّقين انني لم استطع النوم إلاّ بعد احتضان وسادتك ؟ فقط لاشتمّ عطرك الرائع

ناديا بخجل : هو عطرٌ رخيص

- لكنه جميل ، وناعمٌ مثلك 

- يبدو انك نسيت اتفاقنا ، بخدمتك لعشر سنوات ؟! 


فأخرج الورقة من الدرج (التي وقّعتها سابقاً) ومزّقها ، وهو يقول :

- ستكونين سيدة قصري مدى الحياة

وجثا على ركبته ، وهو يخرج خاتماً :

- اشتريته البارحة .. فهل تتزوجينني حقاً يا ناديا ؟ 

- وكيف أرفض اباً رائعاً لإبنتي 

- فقط لإبنتك ؟!

ناديا بابتسامة : وزوجاً حنوناً لي .. اكيد موافقة


وألبسها الخاتم ، ليقضيا ليلة العمر بعد مسامحة بعضهما على قسّوة الماضي وآلامه .. لتكتمل روعة عائلتهما بإنجابها لطفلٍ ، أسمياه على إسم ابنه الراحل .. ويصبحوا بذلك عائلةً سعيدة ، جمعها النصيب والقدر في يومٍ ماطر ! 


الاثنين، 22 يناير 2024

قصر الأشواك

 كتابة : امل شانوحة

 

كسرة قلب


إستيقظ شاب في غرفة نومٍ تبدو مهجورة ، والتي علاها الغبار ورائحة الرطوبة رغم أثاثها الغير مُستخدم ! 

فخرج من الغرفة قلقاً ، لعدم تذكّر كيفيّة وصوله للقصر الذي جميع نوافذه مغلقة بالصفائح الحديديّة ! وازداد رعبه بعد إيجاده الباب الرئيسي مُغلقاً بإحكام .. فصرخ بعلوّ صوته :

- من أحضرني الى هنا ؟!! لماذا خطفتموني ؟!


فظهر صوت من ميكروفون سقف الصالة :

- اهلاً بك في قصر الأشواق !!

الشاب بعصبيّة : بل قلّ قصر الأشواك !! فهو مهجور منذ سنوات ، ورائحة الرطوبة تكاد تخنقني .. إفتح الباب حالاً ، وأعدك بعدم الإتصال بالشرطة

- ليس قبل حلّك الّلغز

الشاب باستغراب : أيّ لغز ؟!

- عليك معرفة من اكون ، وعلاقتي بك ؟

- هل انت احد اقاربي ؟!

الصوت : عليك حلّ الّلغز بنفسك.. إبحث في كل الغرف ، لمعرفة سبب تواجدك هنا.. معك ٢٤ ساعة ، قبل تفجري المنزل المُلغّم بالديناميت

الشاب بفزع : هل انت مجنون ؟!

- لا تضيّع الوقت الذي سيبدأ الآن !!

وبدأ العدّ التنازلي في ساعة الحائط..


فتساءل الشاب بقلق : كيف سأعرف من يكون ذلك اللعين ؟!

فظهر الصوت من جديد : 

- آه صحيح قبل ان ارحل.. حلّ الّلغز يبدأ من الغرفة التي استيقظت فيها .. ألقاء بعد ٢٤ ساعة

واختفى الصوت من جديد !

^^^


فسارع الشاب للطابق العلويّ ، عائداً لغرفة النوم التي فيها سريرٌ كبير وخزانة وتسريحة ، كلهم بالّلون الأبيض ذوّ الطراز القديم كأنه جهاز عروس !


وفتح الخزانة : ليجد طقماً رسميّاً اهترأ بمرور الزمن ، يبدو لعريس لم يلبسه قطّ ! 

ثم فتح دِرف التسريحة : ليجد علبة مكياجٍ فاخرة ، غطّاها العفن رغم عدم استخدامها


الشاب : ترى ماذا قصد بأن خيط الّلغز يبدأ من هنا ؟!

وقام بتفتيش الوسادات والّلحاف ، دون عثوره على شيء فوق السرير او تحته !


الشاب : لا ادري عن ماذا ابحث بالضبط ؟! 

فعاد لطقم العريس ، وفتّش جيوبه .. ليجد رسالةً غراميّة قديمة ، تبدو من حبيبة مالك القصر ، تقول فيها :

((أعدك بالزواج يوماً ما.. لكن عليك الإنتظار قليلاً.. إعتبره عقاباً على شكّك بي!))


الشاب : لم افهم شيئاً ! هل فرش المنزل لعروسته التي عاقبته بالإنتظار لاتهامها بالخيانة او شيء من هذا النوع ؟ وما دخلي انا بعلاقته المُريبة ؟! ..حسناً ، لأبحث في الغرف الأخرى

^^^


وبحث بالغرفة المقابلة : ليجد مهداً لطفلٍ وألعابٍ صوفيّة ملأت الغرفة ، والتي تغيّر لونها للعفن الأخضر رغم عدم استخدامها ! فبعضها مازالت في اكياسها المُغبرة .. كما كانت هناك خزانة بالزاوية ، مليئة بمستلزمات الأطفال من حفائض قديمة الصنع ، ومساحيق تنظيف وغيارات لم تزلّ في علبها التي اهترأت بمرور الزمن !

الشاب : هل فقد مالك القصر عقله ، بعد موت طفله ؟!

^^^


ثم دخل للغرفة الثانية : ليجد سرير متوسط الحجم ..وألعاب تبدو لولدٍ بين سن السابعة والعاشرة.. لكن جميع الألعاب مازالت في كرتونتها ، ولم تفتح مطلقاً !

^^^


وكذلك الغرفة التي بجانبها : التي فيها جيتار وبيانو ، مازالا في علبهما المُخمليّة التي غطّاها الغبار !

^^^


وفي غرفة النوم الأخيرة : وجد حاسوباً من الطراز القديم ، يعود على الأقل لعشر سنواتٍ الماضية ! يبدو لم يستخدم ايضاً ، لأن اسلاكه مازالت برباطها البلاستيكيّ .. اما الخزانة : فامتلأت بالأطقم الشبابيّة التي تعود موضتها لزمن التسعينات !


الشاب : هل كان لديه عدّة اولاد ؟ او هو نفس الطفل الذي فقده ، والذي تخيّل نموه بمرور السنوات ؟!

^^^


ثم صعد للعليّة التي وجدها فارغة .. فنزل للقبوّ ، ليجد كرتونة عفنة .. فذهب للمطبخ ولبس قفازيّ لغسل الصحون .. ثم عاد لفتح الكرتونة ، كيّ لا يصاب بالفطريات.. ليجد فيها العديد من الرسائل العاطفيّة بين الرجل الغامض والسيدة التي يبدو احبها في بداية شبابه! 

وعندما وجد صورتها ، شهق الشاب بدهشة : 

- هل هذه امي ؟!


وهنا ظهر الصوت من جديد :

- انت ذكيّ !! أمسكت طرف الخيط بعد مرور ٣ ساعاتٍ فقط

الشاب بقلق : هل حبيبتك .. هي امي ؟!

فتنهّد الصوت بقهر : للأسف نعم

- لكن امي تزوجت ابي بسن العشرين .. وتوفيّ والدي بعدها بسنتين بحادث سير ، اثناء طفولتي.. وإن لم تكن تعلم ، فهي توفيّت العام الماضي بالسرطان

الصوت بعصبية : بالطبع اعرف !! فقد راقبتها عن بعد ل ٢٦ سنة

- ولما لم تتزوجها إن كنت تحبها لهذه الدرجة ؟


الصوت : كلّه بسبب خدعة قريبي الذي شكّكني بخيانتها مع زميلها بالجامعة ، بعد دفع المال له لتقبيلها غصباً عنها ، بينما يلتقط قريبي صورة لهما عن بعد.. ولم يكتفي بذلك .. بل قلّد خطّها برسائلٍ عاطفيّة مزيّفة بينها وبين صديقها.. حتى انه أرسلها الى بيته بحجّة وجود حفلٍ هناك ، وبأني موجودٌ بينهم.. لتتفاجأ بوجود زميلها لوحده ! وبالطبع اوصلني قريبي الى هناك ، للتأكّد بنفسي من خيانتها.. وحين رأيتها في منزله ، قطعت علاقتي بها قبل اسبوعين من عرسنا.. لأعلم لاحقاً ان قريبي بفترة خصامنا ، تقرّب منها لمواساتها بصدمتها العاطفيّة ، الى ان وافقت على الزواج به !

الشاب : أتقصد ان قريبك ، هو نفسه والدي ؟!

- نعم !! وعندما اخبرت امك بخدعته الماكرة ، رفضت تركه بسببك!!


الشاب بدهشة : وما ذنبي انا ؟!

- كانت حاملاً بك.. وطوال حملها ، عملت ليلاً نهاراً وفي عدّة وظائف مُرهقة .. بالإضافة لحفاظي على ميراث والدي ، حتى تمكّنت من شراء هذا القصر التي لطالما تمنّته امك ، كونه المنزل الوحيد المبني على الشاطىء الخالي من المصطافين لخطورة امواجه القويّة .. وعشت عشرين سنة أسدّد اقساطه ، حتى اصبح ملكي.. وكما لاحظت فقد فرشت غرفةً كاملة لطفلها ، الذي هو انت !! بشرط ان تترك والدك الخبيث.. لكنها خافت من غضب جدك الذي هدّدها بحرمانها منك ، في حال طلّقت ابنه او تزوّجت غيره.. فانتظرت ريثما اصبحت في العاشرة ، وجهّزت غرفةً ثانية لك.. لكنها ايضاً رفضت ، وطلبت مني الإنتظار كيّ لا تصدمك بزواجها .. وبسن المراهقة جهّزت لك غرفةً اخرى ، فيها آلات العزف بعد معرفتي بحبك للموسيقى.. لكنها تحجّجت بخوفها من انحرافك بسنك الحسّاس.. وبالنهاية وعدتني بالزواج بعد تخرّجك الجامعيّ الذي حضرته دون علمها.. وكل هذا التأخير بسبب والدك !! ليتني قتلته قبل حملها بك


الشاب بصدمة : انت قتلته ؟!

- قطعت اسلاك فرامل سيارته برحلته الجبليّة .. لكن موته لم يجعلها تعود لي ، خوفاً من إصابتك بعقدةٍ نفسيّة او تركك الدراسة في حال تزوجتني ! وبعد حصولك على وظيفة وانتقالك اخيراً لمنزلٍ آخر ، أصيبت امك بالسرطان ! فطلبت منها الزواج والعيش معي بالقصر ، للإعتناء بها في أيامها الأخيرة .. لكن حالتها استوجبت بقائها في المستشفى ! فصرت ازورها كل يوم ، الى ان توفيّت وهي تعتذر لعدم وفائها بوعدها لي.. وبالحقيقة لم اكرهها ، لأني استحقيّت عقاب الحرمان منها بعد شكّي بها.. لكني لم استطع كبح غضبي كلما لمحتك من بعيد ، فأنت السبب الحقيقي لخسارتي حبيبتي ..فلولا وجودك ، لعشت معها بهذا المنزل الذي تخيّلتها تتجوّل في كل شبرٍ فيه.. لهذا عقاباً لك !! لن أفجّر القصر ، بل سأتركك دون طعامٍ او شراب ، حتى تذوب كما ذابت حبيبتي امام عيني.. ولا تحاول الصراخ ، فلا احد متواجد في هذا المكان النائي.. اريدك ان تموت الف مرة ، كما متّ انا بسببك !!

ثم انقطع الصوت !


فأخذ الشاب يطرق بهستيريا على الأبواب والنوافذ ، محاولاً كسرها ..الى ان عمّ الظلام بعد انقطاع الكهرباء ، بحلول المساء .. ليسود السكون المرعب ، إلاّ من  تلاطم الأمواج في الخارج على طول الشاطئ الموحش!


الأربعاء، 17 يناير 2024

قرية الصالحون

تأليف : امل شانوحة 

 

الجوامع الأربعة


إضّطر الشيخ لأخذ زوجته وابنه (٩سنوات) لزيارة عائلته في المدينة المجاورة بعد غروب الشمس ، لحضور جنازة قريبه الذي سيُدفن صباح اليوم التالي


وفي الطريق .. أخذ منعطفاً لم يسلكه من قبل ، للوصول سريعاً الى وجهته.. لكن يبدو ان الطريق اوصله الى قريةٍ جبليّة لم يرها من قبل! 

بهذه الأثناء ، ألحّ ابنه على دخول الحمام .. كما رغبت زوجته التزوّد بالطعام والماء ، لعدم توقعهم السير كل هذه المسافة.. 

بينما أراد الشيخ الصلاة بعد سماعه اذان العشاء.. فأوقف سيارته امام جامعٍ مدهون باللون الأزرق.. وذهبت زوجته وابنه للطرق على احد المنازل القريبة من الجامع ، لطلب المساعدة


ففتحت امرأة عجوز باب بيتها ، وهي تسألها :

- ماذا تريدين ؟

زوجة الشيخ : هل يمكنك السماح لإبني بدخول الحمام ، فالجامع ليس فيه مكان للوضوء !

- تبدوان تائهان .. هيا ادخلا


ثم طلبت العجوز من حفيدها ، أخذ الصبي الى دورة المياه .. بينما ذهبت مع الأم للمطبخ لتزويدها بالطعام ، بعد معرفتها بأنهم عابري سبيل

وهناك سألتها زوجة الشيخ :

- لما اراك مهمومة يا خالة ؟!  

العجوز بضيق : ماذا افعل بكنّتي التي تخلّت عن ابنها بعد وفاة ولدي ؟ فأنا كبيرة بالسن ، ولا يمكنني الإهتمام بالصغير

- ولما تركت ابنها ؟

- للزواج ثانيةً

زوجة الشيخ : اذاً إفسدي عرسها بإخبار خطيبها عن تخلّيها عن ابنها ، وقصصاً أخرى عن سوء معاملتها لإبنك المرحوم .. حينها يخاف منها ويتركها.. وبذلك تُجبرينها على الإهتمام بحفيدك 

العجوز بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!

- نعم ، فمن حقك العيش مرتاحة في منزلك

- عرسها آخر الإسبوع ، وأظني سأنفّذ اقتراحك .. فنحن بالعادة نثق بكم


ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ تجاهلته ، وأخذت ما يلزمها من طعام لنهاية رحلتهم

^^^


في هذه الأثناء .. تكلّم حفيد العجوز مع الولد جانباً :

- اريد سؤالك عن طريقة يمكنني العيش بها مع أمي.. فجدتي عجوزٌ جداً ، ولا يمكنها الإهتمام بي

ابن الشيخ : اذاً شاغب قدر الإمكان ، ولا تنفّذ اوامرها.. وبذلك تُجبرها على إعادتك لأمك ..

الحفيد بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!

- طبعاً !! فالحياة مُملّة مع العجائز

- شكراً لك ، فنحن تعوّدنا على التعلّم منكم

ثم رجع الصبي لأمه ، للعودة لسيارة والده

^^^


بهذه الأثناء .. أنهى الشيخ صلاته خلف صفّين من المصلّين.. ليجد رجلاً بجانبه يقول :

- تبدو غريباً عن منطقتنا

الشيخ : انا وعائلتي عابري سبيل

- اذاً رجاءً تحدّث مع شيخنا الهرِم لترك الإمامة ، فهو يصلي ببطءٍ شديد

- ولما لا تخبرونه بذلك ؟

الرجل : هو عنيدٌ جداً.. وبما انك شيخ ، فربما يستمع اليك ويدع المهمّة لغيره 

- حسناً سأكلّمه


واقترب من الإمام ، لإخباره بشكوى قريته..

الإمام العجوز باستغراب : أتريديني ترك مهمّتي التي عملت فيها لسنواتٍ طويلة ؟!

الشيخ : من واجبنا كمشايخ ، التشجيع على الصلاة بالجامع.. وركوعك وسجودك البطيء يُصيبهم بالمللّ

- إن كان هذا رأيك ، فسأعود من حيث اتيت ..لأني اثق بكم

الشيخ باستغراب : تثق بنا ! .. المهم انك عملت جهدك ، وجزاك الله خيراً.. الأفضل ان تسترحّ مع اهلك ، ودعّ غيرك يتحمّل المسؤولية

- كما تشاء يا بنيّ

***


بعد عودته للسيارة.. حاول إدارتها ، لكن السيارة توقفت عند منعطفٍ آخر من قرية الجبل .. قرب جامعٍ مطليّ بالأحمر ، وصوت امام المسجد الأجشّ يصدح وهو يؤمّ المصلّين

الشيخ باستغراب : لكننا صلّينا قبل قليل !

زوجته : هذا جامعٌ آخر ، وربما تأخروا بالإقامة

زوجها : جامعان لنفس القرية الصغيرة ! أهم اناسٌ صالحين لهذه الدرجة؟!

فقال ابنه من المقعد الخلفيّ : 

- امي .. هل يمكنني دخول الحمام ؟

الأم بعصبية : الم تدخل قبل قليل ؟!!

ابنها : معدتي تؤلمني

فقالت لزوجها : حسناً ، سآخذه لأحد المنازل

الشيخ : وانا سأدخل الجامع ، لأرى وضع المصلّين

^^^


وكان شكل المسجد من الداخل مختلفاً عن سابقه ، تماماً كهيئة المصلّين ! ففي الجامع الأزرق كان معظمهم نحيلي الأجسام ، اما هؤلاء فمميزين بضخامة العضلات ! فانتظر الشيخ لحين انتهائهم من الصلاة.. ليجد رجلاً يقترب منه وهو يقول :

- تبدو غريباً عن منطقتنا !

الشيخ : انا عابر سبيل .. ولم أصلّي معكم ، لأني صلّيت بالجامع الأزرق

- تقصد خلف الإمام العجوز ؟

- وإمامكم يبدو صوته..

الرجل مقاطعاً : مزعجاً ، اليس كذلك ؟ ليتك تنصحه بتسليم عمله لمن هو افضل منه

- لما قريتكم لديها نفس المشاكل ؟!

الرجل بضيق : لأن كبارنا يستحوذون على اهم المراكز ، ويرفضون تركها

- اذاً سأحاول نصحه


واقترب من شيخهم لإخباره : بأن الصوت الجميل من شروط الإمامة ، كيّ لا ينفّر غيره من الصلاة.. وأكمل قائلاً :

- لابد في قريتكم شخصاً صوته عذبٌ وجميل

الإمام : يوجد الكثير منهم ، لكنهم لا يعلمون بأمور الدين مثلي

الشيخ : اذاً علّمه ، ثم وكّله بالإمامة

- إن كان هذا رأيك ، فسأترك مهمّتي .. لأني اثق بكم

الشيخ بدهشة : بنا من جديد ! كلامكم غريب ، ولا افهمه .. المهم انني نصحتك ، والقرار يعود لك

ثم خرج من الجامع..

^^^


في هذه الأثناء .. نصحت زوجته المرأة (التي دخلت بيتها) بصرف مال زوجها اولاً بأول حتى لا يفكّر الزواج عليها ، كما هدّدها دائماً

المرأة باستغراب : الا نعاقب على التبذير ؟!

زوجة الشيخ : أليس افضل من هدم منزلك ، وتشتّت عيالك ؟

- إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ نصيحتك .. فنحن نثق بكم


ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ انتظرت عودة ابنها بصمت .. والذي بدوره نصح ابن المرأة بضرب ابن الجيران المتفوّق عليه دراسيّاً

ليردّ بدهشة : أحقاً يمكنني ضربه ؟!

ابن الشيخ : نعم !! فهو يتباهى امام اهلك ، بأنه اذكى منك.. لهذا اضربه بالخفاء ، حتى لا يتجرّأ على ذلك ثانيةً  

ابن المرأة : كما تشاء ، فأنتم ادرى بهذه الشؤون

***


ثم خرج الولد مع امه باتجاه السيارة التي ادارها والده..

لكن قبل خروجهم من القرية ، تعطّلت مجدداً قرب الجامع الأخضر!

زوجة الشيخ بضيق : ما بال سيارتنا تتوقف دائماً امام الجوامع ؟!

زوجها : بل قولي ، لما يوجد ثلاثة جوامع في قريةٍ صغيرة ؟!

ليسمع صوت الإمام الذي يبدو انه يصلي بسرعة !

فنظر الشيخ لساعته :

- مرّت نصف ساعة على انتهاء توقيت الصلاة ! ماذا يصلّي هؤلاء ؟ سأدخل لأراهم..


فنزل للجامع.. وبعد قليل ، قال ابنه بألم من المقعد الخلفيّ :

- امي ! عضضّت لساني وانا اكل الشطيرة ، والدم لا يتوقف

امه بقلق : اذاً لنذهب لذلك البيت ، لغسل فمك

^^^


وهناك التقت بعروسٍ جديدة ، فضّفضت لها عن مشكلتها .. في الوقت الذي كان ابنها يغسل فمه بالحمام ، وبجانبه اخت العروس الصغيرة


زوجة الشيخ : اذاً هو يتركك بالساعات لزيارة اهله ، رغم انك عروس منذ اسبوعين فقط ؟!

العروس بحزن : نعم .. ويريد عزيمتهم كل يوم ، فور انتهاء شهر العسل  

- من حقك ان تسعدي ببيتك وزوجك ، دون تدخّل اهله

- ماذا افعل يا خالة ؟ إنصحيني

زوجة الشيخ : بعد كل زيارة لهم ، حدّثيه عن اخطاء امه واخوته سواءً بالتصرّفات او الأقوال

- وإن لم يفعلوا شيئاً خاطئاً ؟

- لفّقي التهم ضدّهم ، الى ان ينفر قلبه منهم ..وبذلك يمنعهم من زيارته ، ليصبح المنزل لك وحدك 

العروس بصدمة : أيمكنني فعل ذلك ؟!

- ما بال هذه القرية بريئة اكثر من اللزوم ؟! نعم حبيبتي ، يمكنك فعل ما يلزم لضمان سعادتك  

- حسناً .. انتم ادرى بهذه الشؤون ، ونحن نثق بكم

زوجة الشيخ بضيق : لما تصرّون على محادثتي بصيغة الجمع ؟!

لكن العروس التزمت الصمت !

^^^


في هذا الوقت .. كان ابنها ينصح الصغيرة باستعمال زينة اختها العروس ، كما تتمنى..

الأخت : أتقصد انه يمكنني سرقة هدايا عرسها دون علمها ؟!

ابن الشيخ : لما لا.. أظن اختك حصلت على العديد من الهدايا ، ولن تتذكّرها جميعاً

- حسناً ..إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ كلامك .. فنحن بالعادة نصدّق افعالكم


وهنا نادته امه :

- هل انتهى نزيف فمك ؟!!

ابنها : نعم امي ، انا قادم !!

^^^


بهذه الأثناء .. انتهت الصلاة بالجامع الأخضر ، بعد ملاحظة الشيخ سرعة إمامهم بالركوع والسجود ! حتى إن مصلّي عجوز اقترب منه بنهاية الصلاة ، وهو يسأله :

- تبدو مُتديّناً يا بنيّ ؟

- انا شيخ بالمنطقة المجاورة

العجوز : رجاءً إخبر إمامنا بترك عمله ، فركبتي تؤلمني بنهاية كل صلاة

الشيخ : هو فعلاً سريع ، ولا يراعي الظروف الصحيّة للمصلّين

- إنصحه رجاءً


فاقترب من الإمام الذي رغم كبر سنه إلاّ انه يتمتّع بصحةٍ جيدة.. ونصحه بترك مهنته لمن يتدبّر الصلاة افضل منه..

الإمام : كما تشاء ، فنحن نثق بكم

الشيخ بعصبية : لما تتحدثون معي وكأني قادم من كوكبٍ آخر ؟! فأنا نصحت مشايخ قريتكم بتوظيف غيرهم ، حتى لا تكره الأهالي الدين.. ولا نوايا أخرى لي 

^^^


ثم خرج من الجامع ، ليجد زوجته تبحث حول السيارة بفزع :

- ماذا هناك ؟!

زوجته بخوف : لا اجد ابننا !! 

الشيخ بصدمة : ماذا !

- خرجنا معاً من منزل العروس التي اعطتنا العصير.. وعندما انشغلت بوضعهم في السيارة ، إختفى الولد 

- من أي منزلٍ خرجتِ ؟

زوجته : هناك

وأشارت للمكان ، لتتفاجأ باختفاء منزل العروس ! مما ارعبها كثيراً 

- احلف ان منزلها كان بجانب الجامع 

الشيخ : تعالي نبحث عنه


لكن كلما تعمّقا في الحيّ القديم ، تحوّلت ابواب المنازل الى جدارنٍ طينيّة ! حتى الجامع اطفأ نوره ، ليعمّ الظلام على طول الجبل


وفجأة ! سمعا ضحكاتٍ مريبة ، جعلتهما يركضان باتجاه السيارة التي اقفلا ابوابها 

ليظهر لهما مخلوق بقرنين مخيفين ، وهو يطرق بقوة على مقدّمة سيارتهما ويقول :

- انا ممتنّ لكم.. فهذه قرية الجن الذين اهتدوا بزمن النبي محمد .. وقد تعاهد مشايخهم الأربعة مع والدي ، أعني ابليس .. بعدم تعليمهم الدين لأحدٍ من قريتهم ، بشرط عدم إغواء شعبهم الذين يلتجأون لهم في نصائحهم اليومية.. وبسبب اتفاقهم القديم مع ابليس ، لم نستطع نحن الشياطين إفسادهم .. فحافظوا على طهارة قلوبهم ، كالسلف الصالح ! ولأنهم يثقون بالمسلمين البشر ، تمكّنت زوجتك وابنك بنشر الفساد بينهم.. بينما كنت السبب بترك شيوخهم الثلاثة للإمامة ، وعودتهم لباطن الأرض.

زوجة الشيخ : هل انت من خطفت ابني ؟

الشيطان : نعم !! لأنكم على وشك الرحيل من القرية ، قبل انهاء مهمّتكم الأخيرة ..وهو الشيخ الرابع والأخير ، إمام الجامع الأبيض الموجود اعلى الجبل


فنظرا الى حيث اشار.. ليجدا الجامع الكبير الذي كان يؤذّن للعشاء ، رغم تأخّر الوقت !

الشيطان : لا تستغربا .. فالأوقات هنا تختلف في كل حيّ ، بقرية الجن المسلمين.. لهذا سأدعّ السيارة تتحرّك وحدها ، لأخذكما الى هناك.. (ثم اشار للشيخ) ..اريدك ان تجد طريقة لإقناعه بترك الإمامة .. وفي المقابل أعيد ابنكما ، وإلاّ لن ترياه ثانيةً


واثناء تحرّك السيارة وحدها صعوداً.. تساءل الشيخ بضيق :

- تُرى ما عقوبة إفسادنا للجن المسلم ؟!

زوجته بقلق : المهم ان تنقذ ابننا !! رجاءً نفّذ ما امرك به الشيطان

^^^


وبوصولهما لأعلى الجبل ، بقيّت الزوجة في السيارة .. بينما دخل الشيخ للجامع مُتثاقلاً ، لإقناع الإمام الأخير بترك عمله.. والذي اجابه برضا :

- طالما وجدت تجويدي للقرآن خاطئاً ، فسأترك عملي .. لأني اثق بكم


وفجأة ! اختفى الإمام ، ليبدأ المصلّون بالإختفاء الواحد تلوّ الآخر .. 

فأسرع الشيخ الى سيارته .. ليشاهد تجمّع اهالي الأحياء الأربعة في ساحةٍ وسط الطرقات الجبليّة ، بعد ظهورهم على حقيقتهم ! حيث بدوا من اجناسٍ مختلفة من الجن والذين عاشوا بهذه القرية المنعزلة ، هرباً من الجن الفاسد والشياطين .. وحسب اشكالهم فهم مقسّمين : للجن المائي والناري والهوائي والترابي ..والذين قرّروا دون سابق انذار بتدمير مساجدهم الأربعة وحرقها ، بعد اختفاء شيوخهم الذين احتفظوا بعلوم الدين وحدهم ! ليتبدّل صوت الآذان ، بالعزف والرقص والمزامير والطبول .. وكأن جيشاً من الشياطين استولت على عقولهم وقلوبهم .. 


بينما سارع الأب (الشيخ) باحتضان ابنه الذي خرج من احد منازلهم .. ثم انطلق بعائلته ، وهو يقود سيارته بسرعة باتجاه الطريق العام ، وهو يشعر بتأنيب الضمير بعد نشره هو وعائلته الفساد بقرية الجن المسلمين الذين حافظوا على دينهم لقرون عديدة

^^^


وفي الطريق .. إلتزم الوالدان الصمت وهما يستذكران تلويثهما لقلوب القرية الطاهرة ، دون علمهما بأن الشيطان (الذي ظهر للشيخ سابقاً بهيئة المصلّين المنزعجين من أئمّتهم) تلبّس جسد ابنهما الصغير الذي سيدمّر سمعة والده الشيخ فور بلوغه ، ليصبح لعنة على اهله وعلى المجتمع بأكمله !


الأحد، 14 يناير 2024

سنلتقي ولوّ بعد حين

تأليف : امل شانوحة 

 

الحب الدائم


بعد وفاة امها بسنتين .. اوصلت والدها بسيارتها ، لإعادته الى مزرعته.. فسألها بقلق :

- متى ستظهر نتيجة فحص دمي ؟

ابنته : خلال يومين

(فهي تعمل بمختبر يبعد ميلاً عن قريتهم الريفيّة)..

وأكملت قائلة : 

- لا تخفّ يا ابي ، مجرّد ارهاق من عيشك وحيداً بالمزرعة.. عليك وضع اعلان لشابٍ يساعدك بأعمال الحظيرة

الأب : لا احتاج لأحد.. فقط اوصليني للمنزل

^^^


في الطريق .. إدارت راديو سيارتها الذي عرض اغنيةً قديمة.. ليسارع والدها بإطفاء الراديو بعصبية :

- لا احب هذ الأغنية !!

ثم أسند رأسه للنافذة ، محاولاً إخفاء دمعته ! 


فأحسّت ابنته ان الأغنية ذكّرته بالماضي ! ربما بحبيبةٍ سابقة قبل زواجه بأمها التي لم يحبها يوماً ، لكنه عاش معها بعد تعوّده عليها.. هذا ما أخبرها به ، يوم جنازة امها !

وتذكّرت كيف اشتكت والدتها من جلوسه لساعات في علّية المنزل التي منعها طوال زواجها من الدخول اليها ! وخوفها ان يكون مُحتفظاً بذكرياتٍ قديمة لا يريدها ان تطلّع عليها..

***


بعد وصولهما للقرية .. أخبرها والدها بضرورة زيارته لصديقه المريض ..فأخذته الى بيته ، وعادت الى منزل ابيها وحدها


واعتراها الفضول للصعود للعلّية التي وجدت بابها مفتوحاً هذه المرة ! كأن والدها لم يعدّ يقفلها بعد وفاة امها..

ولم يكن بالغرفة سوى طاولة وكرسي وعلبة كرتون ، وجدت داخلها : البوم صور ، وبضعة رسائل قديمة وأشرطة تسجيل 


وتأكّدت شكوكها بعد رؤية صورة والدها وهو شاب مع صبيّةٍ فاتنة ، ليست امها ! فعرفت انها حبه الأول التي يبدو انه لم ينسها يوماً...

فقد كتب خلف صورتها :

((حبيبتي التي خلعت قلبي من بين ضلوعي ! اكرهها بقدر ما احببتها)) 


فتمّتمت بشفقة :

- يبدو انها كسرت قلبك يا ابي ..لهذا لم تحبني انا وامي ، مهما حاولنا التقرّب منك ! ترى ماذا فعلت لك ؟!


ووجدت الجواب في الصفحة الأخيرة من دفتر مذكّراته بين سطوره التي كتبها بقهرٍ شديد :

((كنا مراهقيّن عاشقيّن .. لما فعلتي ذلك يا جوليا ؟ لما حملتي من جيم ، عدوي الّلدود ؟! لما نسفّتي كل ذكرياتنا الجميلة ؟ الم تعديني ان نعيش العمر كلّه معاً ؟ الم نتخيّل ابناءنا قبل ولادتهم ؟ كيف تجرّأتي النظر اليّ ، وانت تحلفين انك حامل بإبني بعد رؤيتك تخرجين من منزل اللعين ليلاً ؟ لن اسامحك طوال حياتي))


كما وجدت البوم موسيقي قديم ، فيه الأغنية التي ظهرت براديو سيارتها.. تبدو انها اغنيتهم المميزة ، لهذا كرهها !


ومن خلال آخر رسالة بعثتها حبيبته ، عرفت عنوانها.. والتي بداخلها صورة طفل ، مع ملاحظة خلف الصورة : 

((انه ابنك اريك .. الا ترى الشبه بينكما ؟ انت ظلمتني بشكوكك ، وكسرت قلبي للأبد))


فنظرت الإبنة الى صورة الولد بتمعّن :

- يا الهي ! هذا الولد يشبهني تماماً ، عندما كنت في عمره .. هل هو اخي الكبير ؟!


وسجّلت العنوان في جوّالها على عجل ، بعد سماع مفاتيح والدها بالطابق الأرضيّ 


وأعادت كل شيء مكانه .. ونزلت بسرعة .. لتلتقي بأبيها عند الدرج ، والذي سألها باستغراب :

- ماذا هناك ؟ لما تلهثين ؟!

- لا شيء ، كنت في طريقي للمطبخ .. هل نتعشّى معاً ؟

- تكفيني شطيرة جبن ، وحليبٌ ساخن

- كما تشاء ابي


وظلّت طوال الليل تخطّط للذهاب للمدينة ، لاكتشاف لغز حبيبة والدها الأولى..

***


وبالفعل تحجّجت لأبيها بدورةٍ تدريبيّة في مختبر المدينة ، وعودتها بعد ثلاثة ايام..

وهناك بحثت عن العنوان ، ليخبرها الجار العجوز بانتقال السيدة الى منزل ابنها في المنطقة المجاورة..


وبعد بحثٍ مطوّل ، وجدت الإبن يركن سيارته قرب منزله.. فنادته من بعيد :

- هل انت اريك ؟!!

فنظر اليها باستغراب :

- كيف عرفتني ؟! لم ارك من قبل ! 

الصبيّة : اريد التكلّم مع امك اولاً ، لتأكيد شكوكي.. هل هي بالمنزل؟

- نعم ، تفضلي


وتحدّثت مع السيدة (في الخمسينات) لوحدهما في المطبخ ..وأخبرتها بأنها ابنة حبيبها الأول..

السيدة : لم يفاجئني الخبر ، فأنت تشبهينه كثيراً 

- وأنا عرفت اخي منذ رؤية صورته وهو طفل ، بين رسائلك التي يحتفظ بها والدي 

السيدة بحزن : وانا ايضاً احتفظ بكل ما يذكّرني بأبيك ، رغم قهري من تصديق خيانتي له !  

- حسب الكلام الذي قرأته في مذكّراته ، فقد رآك تخرجين من منزل..


السيدة مقاطعة : جيم اتصل تلك الليلة ، ليخبرني بأنه ضرب والدك بعد شجارٍ عنيفٍ بينهما .. وعليّ أخذه للمشفى بعد فقده وعيّه .. لأتفاجأ بهجومه عليّ ، وتمزيق ملابسي ..وكان اللعين قبل قدومي ، اتصل بوالدك ليخبره بقضائه ليلةً سعيدة معي ! وعند هروبي من الإعتداء ، إلتقيت بوالدك عند الباب .. فصفعني غاضباً ورحل ، دون ان يسمعني ! .. بعدها بشهر علمت بحملي ، وأخبرته انه لم يلمسني احدٌ سواه .. فقد كنا مخطوبيّن ، ونخطّط للزواج بالصيف .. لكنه لم يصدّقني ! .. بعدها سافر للقرية .. وفور علمي بعنوانه بعد ولادتي ، ارسلت له صورة طفلنا ..لكنه لم يردّ عليّ ! لأعلم بعدها بزواجه من امك .. لهذا اضّطررت العمل كنادلة ، لتربية ابني وحدي .. (ثم مسحت دموعها).. والدك كسر قلبي.. فأنا لم احب رجلاً ، كما احببته!


فقالت ابنته : 

- لا تظني انه كان سعيداً من دونك.. فأمي وصفته بالرجل الآلي دون مشاعر ، فهو لم يحبها يوماً .. ولا اذكر مرة حضنني ، او ابتسم في وجهي ! كان فعلاً جسداً بلا روح..

- يحزنني انتهاء مشاعرنا الصادقة 

- عندي خطة للجمع بينكما ، لكني أحتاج لبعض الوقت ..فهل تصبرين ؟

السيدة : صبرت ثلاثين سنة ، لا يهم ان انتظرت بضعة شهور .. يعني ، إن بقينا احياء 

^^^


بعدها اخبرت الأم ابنها (إريك) بالسرّ الذي اخفته عنه ، وادّعائها موت والده بحادث سير قبل ولادته.. لكنه لم يصدّق ان لديه اخت ، قبل القيام بفحصٍ طبّي .. ولأنها تعمل في المختبر ، أخذت عيّنة من دمه ودمها.. وظهرت النتيجة مُطابقة.. حينها وافق الذهاب معها ، للعمل في حظيرة والده كأجير ، دون اخباره بأنه ابنه

*** 


في البداية رفض والدها عمل شابٍ غريب في مزرعته ..لكن بعد أن اخبرته ابنته انها ستتكفّل بمعاش العامل ، بشرط السماح له السكن في غرفتها القديمة.. وافق مُكرهاً ، لعدم إرتياحه للغرباء

***


ومرّت ثلاثة شهور لعمل الشاب مع والده بجهدٍ وتفاني بالحظيرة ، فقد ورث عنه حب الحيوانات والزراعة ! وقد أُعجب الأب به ، لدرجة انه في عيد رأس السنة واثناء تناوله العشاء مع العامل وابنته ، إقترح عليهما الزواج !

فأجابت ابنته بابتسامة :

- مُحال يا ابي ، فإريك هو اخي


وقبل استيعابه كلامها ! وضعت نتيجة المختبر امامه ، وهي تقول :

- اجرينا فحص الأخوّة قبل شهور ، والنتيجة مُطابقة

فنظر الأب للشاب بدهشة : 

- من امك ؟!

فأجاب : انا ابن جوليا .. حبيبتك المراهقة

وجاء الخبر صادماً على الأب :

- لا مستحيل ! والدك هو جيم

ابنه : امي لم تخنك يوماً.. كما لم تتزوّج مطلقاً ، بعد ان كسرت قلبها

وأخبره عن حيلة جيم التي ادّت لانفصالهما..


الأب غاضباً : اللعين !! إخبرني بعنوانه لأقتله بالحال

ابنه : مات بالسرطان قبل اعوام.. وتعذّب كثيراً قبل موته

- يستحقّ ذلك !! فقد كسر قلبيّنا لفترةٍ طويلة

ابنه : امي مازالت تحبك ، وتنتظر اشارةً منك لرؤيتك.. فهي محتفظة بكل هداياك ورسائلك القديمة 

الأب بقهر : وانا ايضاً احتفظ بهم.. فكّرت مراراً بتمزيق رسائلها وصورها ، لكني عجزت عن ذلك ! 

ونزلت دموعه غصباً عنه..

فاحتضنته ابنته ، وهي تقول :

- سأتصل بها الآن ، لكيّ تجتمعا غداً 

***


وبالفعل راقب الأخوان والداهما وهما يلتقيان بعد ثلاثين سنة من الفراق الموجع

لم تكن هناك كلمات بينهما ، فقط حضنٍ طويلٍ دافئ مع الكثير من الدموع.. كان موقفاً رومنسيّاً للغاية ..وهما ينظران لبعضهما مطوّلاً ، كأنهما يحاولان حفظ شكلهما الجديد ، بعد أن ارهقتهما الحياة الظالمة !


ولم يتركا يديهما طوال جلستهما امام المدفئة.. ولم يستطع ولداهما فعل شيء سوى مراقبتهما اعلى الدرج ، كأنهما عادا صغيريّن من جديد !

الأخت : ما رأيك لوّ نخطّط لعرسهما ؟

اخوها اريك : ستكون مفاجأة سارّة لهما 

- اذاً تعال لغرفتي لبدء التجهيزات

***


وبالفعل فاجئا والدهما بتحضير جلسة عرسٍ وسط المزرعة ، عزما عليها كل معارفهما ، بعد ان ألبسا والدهما طقما العرس.. وأحضرا رجل الدين لزواجهما.. 


وطوال الحفل لم يتوقفا عن الإبتسام ، وهما يرقصان بأعينٍ تفيض بدموع الشوق والشغف الحنون !

وقرّر الولدان المبيت بنزلٍ قريب ، لترك المنزل لهما.. ليعودا بنهاية شهر عسل ، ويجتمعوا كعائلةٍ مليئة بالحب والمودّة !


التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...