الأحد، 14 يناير 2024

سنلتقي ولوّ بعد حين

تأليف : امل شانوحة 

 

الحب الدائم


بعد وفاة امها بسنتين .. اوصلت والدها بسيارتها ، لإعادته الى مزرعته.. فسألها بقلق :

- متى ستظهر نتيجة فحص دمي ؟

ابنته : خلال يومين

(فهي تعمل بمختبر يبعد ميلاً عن قريتهم الريفيّة)..

وأكملت قائلة : 

- لا تخفّ يا ابي ، مجرّد ارهاق من عيشك وحيداً بالمزرعة.. عليك وضع اعلان لشابٍ يساعدك بأعمال الحظيرة

الأب : لا احتاج لأحد.. فقط اوصليني للمنزل

^^^


في الطريق .. إدارت راديو سيارتها الذي عرض اغنيةً قديمة.. ليسارع والدها بإطفاء الراديو بعصبية :

- لا احب هذ الأغنية !!

ثم أسند رأسه للنافذة ، محاولاً إخفاء دمعته ! 


فأحسّت ابنته ان الأغنية ذكّرته بالماضي ! ربما بحبيبةٍ سابقة قبل زواجه بأمها التي لم يحبها يوماً ، لكنه عاش معها بعد تعوّده عليها.. هذا ما أخبرها به ، يوم جنازة امها !

وتذكّرت كيف اشتكت والدتها من جلوسه لساعات في علّية المنزل التي منعها طوال زواجها من الدخول اليها ! وخوفها ان يكون مُحتفظاً بذكرياتٍ قديمة لا يريدها ان تطلّع عليها..

***


بعد وصولهما للقرية .. أخبرها والدها بضرورة زيارته لصديقه المريض ..فأخذته الى بيته ، وعادت الى منزل ابيها وحدها


واعتراها الفضول للصعود للعلّية التي وجدت بابها مفتوحاً هذه المرة ! كأن والدها لم يعدّ يقفلها بعد وفاة امها..

ولم يكن بالغرفة سوى طاولة وكرسي وعلبة كرتون ، وجدت داخلها : البوم صور ، وبضعة رسائل قديمة وأشرطة تسجيل 


وتأكّدت شكوكها بعد رؤية صورة والدها وهو شاب مع صبيّةٍ فاتنة ، ليست امها ! فعرفت انها حبه الأول التي يبدو انه لم ينسها يوماً...

فقد كتب خلف صورتها :

((حبيبتي التي خلعت قلبي من بين ضلوعي ! اكرهها بقدر ما احببتها)) 


فتمّتمت بشفقة :

- يبدو انها كسرت قلبك يا ابي ..لهذا لم تحبني انا وامي ، مهما حاولنا التقرّب منك ! ترى ماذا فعلت لك ؟!


ووجدت الجواب في الصفحة الأخيرة من دفتر مذكّراته بين سطوره التي كتبها بقهرٍ شديد :

((كنا مراهقيّن عاشقيّن .. لما فعلتي ذلك يا جوليا ؟ لما حملتي من جيم ، عدوي الّلدود ؟! لما نسفّتي كل ذكرياتنا الجميلة ؟ الم تعديني ان نعيش العمر كلّه معاً ؟ الم نتخيّل ابناءنا قبل ولادتهم ؟ كيف تجرّأتي النظر اليّ ، وانت تحلفين انك حامل بإبني بعد رؤيتك تخرجين من منزل اللعين ليلاً ؟ لن اسامحك طوال حياتي))


كما وجدت البوم موسيقي قديم ، فيه الأغنية التي ظهرت براديو سيارتها.. تبدو انها اغنيتهم المميزة ، لهذا كرهها !


ومن خلال آخر رسالة بعثتها حبيبته ، عرفت عنوانها.. والتي بداخلها صورة طفل ، مع ملاحظة خلف الصورة : 

((انه ابنك اريك .. الا ترى الشبه بينكما ؟ انت ظلمتني بشكوكك ، وكسرت قلبي للأبد))


فنظرت الإبنة الى صورة الولد بتمعّن :

- يا الهي ! هذا الولد يشبهني تماماً ، عندما كنت في عمره .. هل هو اخي الكبير ؟!


وسجّلت العنوان في جوّالها على عجل ، بعد سماع مفاتيح والدها بالطابق الأرضيّ 


وأعادت كل شيء مكانه .. ونزلت بسرعة .. لتلتقي بأبيها عند الدرج ، والذي سألها باستغراب :

- ماذا هناك ؟ لما تلهثين ؟!

- لا شيء ، كنت في طريقي للمطبخ .. هل نتعشّى معاً ؟

- تكفيني شطيرة جبن ، وحليبٌ ساخن

- كما تشاء ابي


وظلّت طوال الليل تخطّط للذهاب للمدينة ، لاكتشاف لغز حبيبة والدها الأولى..

***


وبالفعل تحجّجت لأبيها بدورةٍ تدريبيّة في مختبر المدينة ، وعودتها بعد ثلاثة ايام..

وهناك بحثت عن العنوان ، ليخبرها الجار العجوز بانتقال السيدة الى منزل ابنها في المنطقة المجاورة..


وبعد بحثٍ مطوّل ، وجدت الإبن يركن سيارته قرب منزله.. فنادته من بعيد :

- هل انت اريك ؟!!

فنظر اليها باستغراب :

- كيف عرفتني ؟! لم ارك من قبل ! 

الصبيّة : اريد التكلّم مع امك اولاً ، لتأكيد شكوكي.. هل هي بالمنزل؟

- نعم ، تفضلي


وتحدّثت مع السيدة (في الخمسينات) لوحدهما في المطبخ ..وأخبرتها بأنها ابنة حبيبها الأول..

السيدة : لم يفاجئني الخبر ، فأنت تشبهينه كثيراً 

- وأنا عرفت اخي منذ رؤية صورته وهو طفل ، بين رسائلك التي يحتفظ بها والدي 

السيدة بحزن : وانا ايضاً احتفظ بكل ما يذكّرني بأبيك ، رغم قهري من تصديق خيانتي له !  

- حسب الكلام الذي قرأته في مذكّراته ، فقد رآك تخرجين من منزل..


السيدة مقاطعة : جيم اتصل تلك الليلة ، ليخبرني بأنه ضرب والدك بعد شجارٍ عنيفٍ بينهما .. وعليّ أخذه للمشفى بعد فقده وعيّه .. لأتفاجأ بهجومه عليّ ، وتمزيق ملابسي ..وكان اللعين قبل قدومي ، اتصل بوالدك ليخبره بقضائه ليلةً سعيدة معي ! وعند هروبي من الإعتداء ، إلتقيت بوالدك عند الباب .. فصفعني غاضباً ورحل ، دون ان يسمعني ! .. بعدها بشهر علمت بحملي ، وأخبرته انه لم يلمسني احدٌ سواه .. فقد كنا مخطوبيّن ، ونخطّط للزواج بالصيف .. لكنه لم يصدّقني ! .. بعدها سافر للقرية .. وفور علمي بعنوانه بعد ولادتي ، ارسلت له صورة طفلنا ..لكنه لم يردّ عليّ ! لأعلم بعدها بزواجه من امك .. لهذا اضّطررت العمل كنادلة ، لتربية ابني وحدي .. (ثم مسحت دموعها).. والدك كسر قلبي.. فأنا لم احب رجلاً ، كما احببته!


فقالت ابنته : 

- لا تظني انه كان سعيداً من دونك.. فأمي وصفته بالرجل الآلي دون مشاعر ، فهو لم يحبها يوماً .. ولا اذكر مرة حضنني ، او ابتسم في وجهي ! كان فعلاً جسداً بلا روح..

- يحزنني انتهاء مشاعرنا الصادقة 

- عندي خطة للجمع بينكما ، لكني أحتاج لبعض الوقت ..فهل تصبرين ؟

السيدة : صبرت ثلاثين سنة ، لا يهم ان انتظرت بضعة شهور .. يعني ، إن بقينا احياء 

^^^


بعدها اخبرت الأم ابنها (إريك) بالسرّ الذي اخفته عنه ، وادّعائها موت والده بحادث سير قبل ولادته.. لكنه لم يصدّق ان لديه اخت ، قبل القيام بفحصٍ طبّي .. ولأنها تعمل في المختبر ، أخذت عيّنة من دمه ودمها.. وظهرت النتيجة مُطابقة.. حينها وافق الذهاب معها ، للعمل في حظيرة والده كأجير ، دون اخباره بأنه ابنه

*** 


في البداية رفض والدها عمل شابٍ غريب في مزرعته ..لكن بعد أن اخبرته ابنته انها ستتكفّل بمعاش العامل ، بشرط السماح له السكن في غرفتها القديمة.. وافق مُكرهاً ، لعدم إرتياحه للغرباء

***


ومرّت ثلاثة شهور لعمل الشاب مع والده بجهدٍ وتفاني بالحظيرة ، فقد ورث عنه حب الحيوانات والزراعة ! وقد أُعجب الأب به ، لدرجة انه في عيد رأس السنة واثناء تناوله العشاء مع العامل وابنته ، إقترح عليهما الزواج !

فأجابت ابنته بابتسامة :

- مُحال يا ابي ، فإريك هو اخي


وقبل استيعابه كلامها ! وضعت نتيجة المختبر امامه ، وهي تقول :

- اجرينا فحص الأخوّة قبل شهور ، والنتيجة مُطابقة

فنظر الأب للشاب بدهشة : 

- من امك ؟!

فأجاب : انا ابن جوليا .. حبيبتك المراهقة

وجاء الخبر صادماً على الأب :

- لا مستحيل ! والدك هو جيم

ابنه : امي لم تخنك يوماً.. كما لم تتزوّج مطلقاً ، بعد ان كسرت قلبها

وأخبره عن حيلة جيم التي ادّت لانفصالهما..


الأب غاضباً : اللعين !! إخبرني بعنوانه لأقتله بالحال

ابنه : مات بالسرطان قبل اعوام.. وتعذّب كثيراً قبل موته

- يستحقّ ذلك !! فقد كسر قلبيّنا لفترةٍ طويلة

ابنه : امي مازالت تحبك ، وتنتظر اشارةً منك لرؤيتك.. فهي محتفظة بكل هداياك ورسائلك القديمة 

الأب بقهر : وانا ايضاً احتفظ بهم.. فكّرت مراراً بتمزيق رسائلها وصورها ، لكني عجزت عن ذلك ! 

ونزلت دموعه غصباً عنه..

فاحتضنته ابنته ، وهي تقول :

- سأتصل بها الآن ، لكيّ تجتمعا غداً 

***


وبالفعل راقب الأخوان والداهما وهما يلتقيان بعد ثلاثين سنة من الفراق الموجع

لم تكن هناك كلمات بينهما ، فقط حضنٍ طويلٍ دافئ مع الكثير من الدموع.. كان موقفاً رومنسيّاً للغاية ..وهما ينظران لبعضهما مطوّلاً ، كأنهما يحاولان حفظ شكلهما الجديد ، بعد أن ارهقتهما الحياة الظالمة !


ولم يتركا يديهما طوال جلستهما امام المدفئة.. ولم يستطع ولداهما فعل شيء سوى مراقبتهما اعلى الدرج ، كأنهما عادا صغيريّن من جديد !

الأخت : ما رأيك لوّ نخطّط لعرسهما ؟

اخوها اريك : ستكون مفاجأة سارّة لهما 

- اذاً تعال لغرفتي لبدء التجهيزات

***


وبالفعل فاجئا والدهما بتحضير جلسة عرسٍ وسط المزرعة ، عزما عليها كل معارفهما ، بعد ان ألبسا والدهما طقما العرس.. وأحضرا رجل الدين لزواجهما.. 


وطوال الحفل لم يتوقفا عن الإبتسام ، وهما يرقصان بأعينٍ تفيض بدموع الشوق والشغف الحنون !

وقرّر الولدان المبيت بنزلٍ قريب ، لترك المنزل لهما.. ليعودا بنهاية شهر عسل ، ويجتمعوا كعائلةٍ مليئة بالحب والمودّة !


هناك 13 تعليقًا:

  1. القصه شبه حزينه .. لكن ذات نهايه سعيده ، أنا شخصياً شعرت بالسعادة لهما .. وأردت أن ابارك لهما ، فتذكرت أنهما مجرد شخصيات خياليه !

    ردحذف
    الردود
    1. لا يهم احياناً ما نمرّ به من الصعاب .. المهم ان تنتهي تجاربنا بنهايةٍ سعيدة

      حذف
  2. "الأب غاضباً : اللعين !! إخبرني بعنوانه لأقتله بالحال

    ابنه : مات بالسرطان قبل اعوام.. وتعذّب كثيراً قبل موته

    - يستحقّ ذلك !! فقد كسر قلبيّنا لفترةٍ طويلة"
    برأيك الموت بالسرطان عقاب ام بلاء؟!! أن كان عقاب فكم من طفل توفي بسبب ذلك المرض اللعين الخبيث.. تعذبوا كثيراً في كل دقيقه من الساعه وليس في كل ساعة من اليوم فهل حقاً عاقبهم الله ؟ أحياناً السحر يصبح سرطان ليس له علاج لدرجه ياخذ علاج ولا توجد نتائج سليمه جميعها سلبيه!

    ردحذف
    الردود
    1. اي مرض اما يكون عقاباً او بلاء ، حسب ذنوب الشخص .. في كلا الحالتين ، تكفير ذنوب

      حذف
  3. ✍️ساهر...
    حب الطفولة+المدرسة+المتوسطة
    +الجامعة+الوظيفة+أوعلى الطريق.......

    العلاقات العاطفية تبدأ بحب وهيام، ولكن ماإن تمكن الحب من القلب وانغمس العاشقان وفي أوج العشق .. يداهمهم الألم فجأة .. هنا تبدأ القصة....
    هذه ليست كل القصة
    وإنما هي فصل من فصول أُخرىٰ سنعيشها العاشقان.......!!!
    صدمات من القصص..حكاية العمر الأليمة؟!
    أي علاقة خارج النطاق الشرعي تهوي فجأة؟
    يأتي الوجع على هيئة خيانة أو غدر وخداع حتى وإن لم يكن كذلك فيحدث شرخ💔
    لأنها علاقات غير مرحب بها عند رب العالمين فلا يبارك،
    شعور بصفعة الخذلان بلا مقدمات تأتي فجأة؟؟
    وبعد أن تأخذ القصة مجراها، آلاَم
    من السنيييين فربما تشفىٰ الجروح ولكن في إطار الزوجية،
    إن أردت راحتك تفكيرك صفاء ذهنك صحتك سلامة قلبك طول السنين (الزواج💞)
    أما العلاقات الغير شرعية حتماً ستأخذ جزاءك منها ستعطيك درساً لن ينساه العاشقان، ومهما كان لن يفيدهما الحرص ولا الحذر، سنن إلـٰهية وسنن كونية على مدىٰ التاريخ "أن مابني على باطل فهو باطل"،

    قصة تستحق التأمل،
    شكر وتقدير للكاتبة أمل،

    تحياتي/ ساهر ،،،

    ردحذف
    الردود
    1. لهذا اخترت ابطال القصة اجانب وليسوا عرب .. انا لا اشجع على العلاقات الخاطئة التي حتماً ستنتهي نهاية موجعة ، عقاباً من الله على عصيانه .. شكراً اخ ساهر لتنبيهي على هذه النقطة .. تحياتي لك

      حذف
    2. ✍️ساهر...
      أهلاً أمل،
      أنتي إخترت ابطال القصة أجانب وليس عرب، وأنا قرأت القصة على أن أبطالها أجانب قرأتها كما كتبتي أنتي،
      أنا قرأت القصة ووجدت أنك قمتِ بكتابتها من باب التوعية
      ولم أظن إطلاقاً أنك تشجعي على العلاقات!!
      كفيتِ ووفيتِ أختي الكريمة،

      تحياتي/ ساهر،،،


      حذف
    3. بل الشكر لك اخ ساهر على تعليقاتك الرزينة الواعية

      حذف
  4. صار لي ساعتين والله ماعرفت ايش اكتب من تعليق ..😏😏😏😏 انهيار عصبي .

    ردحذف
    الردود
    1. معقول ابن اليمن لم يجد تعليقاً ! هذا يعني ان القصة اربكتك .. جيد .. سأحاول بالقصة القادمة الكتابة عن عالمك .. عالم الجن الصالح

      حذف
  5. لا اراه بذاك الشر ..ان جيلنا لباءس حقا لو قورن باجيال الستينات وما قبلها
    ان اغلبنا مدعي منافق ولو خلا لفجر خاصة حين يكون مجهول العين كما يحدث مع المهاجرين طاهرو الذيل في بلادهم وبين ذووهم حتى اذا ما ابتعد قارف الشناءع
    وكل يدعي وصلا بليلى
    وليلى لا تقر لهم بذاك

    ردحذف
  6. القصه كتير حلوه تسلميلي يا روحي 🥰🥰

    ردحذف

المُسامح كريم

تأليف : امل شانوحة     الخيانة المُدمّرة  تفاجأت سلمى بحصولها على دعوة لبرنامجٍ تلفزيونيّ جديد ! أجلسوها فيه امام شاشةٍ مُطفأة ، حيث سألها ا...