‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة بوليسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة بوليسية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 30 يوليو 2026

اساليب التحقيق الجنائي

تأليف : امل شانوحة 

المتهم الداهية

 

في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ


وبعد نقله الى مركز الشرطة (الوحيد بتلك المدينة الصغيرة) .. دخل عليه محققٌ شاب ، عُيّن حديثاً بفضل نفوذ والده (مدير المركز).. حاملاً في يده دفتراً صغيراً ، دوّن فيه ملاحظات من كتاب ((عشر اساليب للتحقيق الجنائي)) الذي أهداه له والده.

 

بينما المشتبه مُقيّد اليدين ، وهو يستمع بهدوء للمحقق الذي سأله :

- انت قدمت الى مدينتنا ظهراً ، وقبضنا عليك مساءً بمحطّة الحافلات قبل عودتك الى العاصمة التي اتيت منها.. فهل انتهت مهمّتك بعد قتل زوجتك الخائنة وعشيقها ؟


فأجاب الرجل بنظراتٍ ثابتة ، دون ارتباك : 

- أعتقد أنكم فحصتم هاتفي الموجود بحوزتكم الآن.. وتعلمون ان زوجتي اخبرتني : بأن عملها بتزيين حفلة تخرّج مدرسة طلّابكم ، لم ينتهي بعد .. وستبقى الليلة في مدينتكم

المحقق : اذاً لماذا لحقت بها الى هنا ، طالما اخبرتك انها ستعود غداً عصراً الى العاصمة ؟

- قدمت دون إخبارها ، لمساعدتها في عملها الشاقّ 

المحقق : ثم ماذا حصل ؟ 

- ذهبت للمدرسة ، فوجدتها مغلقة .. واتصلت بزوجتي مراراً ، دون اجابة.. وبحلول المساء ، أرسلت زوجتي رسالة تخبرني : أنها تتسوّق أغراض الحفل ، وانها ستبيت عند صديقتها .. ومن بعدها أقفلت هاتفها.. فشعرت أنه لا فائدة من بقائي ، وتوجّهت للمحطّة.. فقد مللّت التجوّل وحدي في مطاعمكم الشعبية طوال النهار 


المحقق : وعندما مُنعناك من صعود الحافلة ، وأخبرناك بالجريمة .. لم تحزن كثيراً ، حسب شهادة الشرطي الذي اعتقلك

فتنهّد المتهم بضيق : كنت بحالة ذهولٍ تام .. فمنذ الصباح وانا أخطّط لإسعاد زوجتي .. لأعرف لاحقاً بأنها لم تكن تتردّد على مدينتكم لأجل العمل ، بل لرؤية حبيبها القديم الذي يعمل ناظراً بتلك المدرسة ! فهل تريدني ان انهار بالبكاء ، بعد الخبر الصادم ؟

المحقق : وهل علمت بعلاقتهما قبل توجّهك للمحطّة ؟

- اعلم ما تريد الوصول له .. والجواب لا ، الشرطي هو من اخبرني بذلك .. وأدرك بأنني المشتبه الأول بالجريمة .. لكن لا تنسى ان عشيق زوجتي .. أقصد الناظر ، كان متزوجاً ايضاً .. فلما لم تشكّوا بزوجته ؟

المحقق : الكاميرات أكّدت وجودها بالمطعم ، لحظة الجريمة 

- ومالذي يمنع ان تكون وكّلت قاتلاً مأجوراً لقتله مع عشيقته .. ولهذا تعمّدت التواجد في مطعمٍ مُراقب بالكاميرات لحظة الجريمة ، ليكون دليلاً على برائتها ؟ 

- لا تطرح الأسئلة عليّ !! فقط اجب دون مماطلة

الرجل : حسناً .. إطرح بقية اسئلتك ، وسأجيب عليها بصدقٍ وشفافية 


وهنا حاول المحقق استخدام تقنية ((الإرباك بالأسئلة العشوائية)) فسأله عن لون فستان الضحيّة ، وآثار الطين التي وجدوها في مسرح الجريمة .. ظناً منه : أن المتهم سينكر ويبرّر باندفاعٍ واضح ، يفضح جريمته 

لكن الرجل اكتفى بهزّ رأسه ببرودٍ مخيف ، كأنه يرتدي قناعاً نفسياً صلباً ! مما زعزع ثقة المحقق بنفسه .. والذي قرّر استخدام تقنيةً أخرى ، تسمى ((تغيير التسلّسل الزمني))


ولهذا طلب من المشتبه به : إعادة ذكر جميع تصرّفاته بالمدينة ، لكن هذه المرة يحكيها من النهاية الى البداية .. لاعتقاده ان الكاذب يحفظ قصته بترتيبٍ معين ..وعندما يُطلب منه عكسها .. يفشل عقله في معالجة التفاصيل الدقيقة ، فتظهر الثغرات.. 


لكن المشتبه به فاجأه ، بسرد ذات الأحداث دون تغير التفاصيل .. 

وبعدها سأل المحقق ساخراً : 

- هل تريد هذه المرة ان اذكر الأحداث من الوسط للبداية ، ام من الوسط للنهاية؟

فصرخ عليه المحقق غاضباً : 

- فقط أعدّ ما فعلته بمدينتنا من جديد !!


وكان المحقّق يخطّط لاستخدام اسلوبٍ جديد ، يُعرف بالإستجواب بالمقاطعة ..

فكلما حاول المشتبه به شرح قصته ، يقاطعه المحقق بسؤالٍ مفاجئ وتفصيلٍ تافه لتشتيت تركيزه ، ومنع عقله من حياكة الأكاذيب .. بغرض إحباطه وتوتيره ، لعله يناقض كلامه ويفضح جريمته 

لكن المتهم فاجأه بردة فعلٍ غير متوقعة ، بعد التزامه الصمت !

 

المحقق بعصبية : تكلّم !! لما لا تجيب على اسئلتي ؟

المتهم بثقة : لا يمكننا التكلّم نحن الأثنين ، اما ان تتحدث انت او انا .. وطالما تعرف السيناريو مُسبقاً ، فاكتب في تقريرك ما تشاء.


ففكّر المحقق بنفسه ، وهو يراجع ملخّص الكتاب الموجود في دفتره بارتباك :

((يا الهي ! فشل هذا الأسلوب ايضاً .. اذاً سأستخدم تقنية : الصمت التكتيكي.. وسأطرح عليه سؤالاً ، ثم أصمت لفترةٍ طويلة .. مُثبّتاً نظري في عينيه ، لخلق ضغطٍ نفسي لا يطاق .. يُجبره على الكلام ، فقط لكسر الهدوء المزعج ..وغالباً ما سيقول شيئاً يدينه))


وبعد السؤال الذي طرحه المحققّ ، التزم الصمت .. 

ومرّت دقيقة.. ثم دقيقتان.. 

ليفاجئه المتهم بقوله بسعادة :

- لقد رمشت عيناك .. خسرت اللعبة !!


ثم ضحك بعلوّ صوته ، مُستفزّاً المحقق الذي توجّه نحو الباب .. وهو يسمع المتهم يقول ساخراً : 

- لا ، تعال !! الى اين تذهب ؟ ..دعنا نلعبها هذه المرة مع رهانٍ ماليّ ، ما رأيك ؟


فعاد المحقق غاضباً ، وهو يضرب قبضته بقوة على الطاولة .. مستخدماً هذه المرة (تقنية ريد) الأشهر عالمياً .. والتي تعتمد على الضغط النفسي ، عبر اتهام الشخص مباشرةً بالجريمة ..ومنعه من الإنكار المتكرّر ، لكسر ارادته ...ثم تقديم تبرير اخلاقي للجريمة ، لجعل الإعتراف يبدو سهلاً


وبعد ان انهال عليه المحقق بالشتائم والتهديد بأقسى العقوبات .. هدّأ من نبرة صوته ، وهو يقول للمتهم :

- أكيد تدمّرت جميع احلامك وذكرياتك ، بعد ان رأيتها بالسرير مع رجلٍ آخر.. اليس كذلك ؟ 

فابتسم المتهم قائلاً :  

- هل انتهت جميع تقنياتك ، ام لديك المزيد من الأساليب السخيفة ؟ لأني بصراحة أفضّل لعبة الصمت الطويل .. على الأقل ، لا يتعب عقلي من اسئلتك التافهة

^^^


فخرج المحقق من الغرفة وهو يشعر باليأس ، متوجهاً الى مكتب والده (مدير الشرطة)

الإبن يائساً : ابي ، اريد مساعدتك.. فذلك المتهم العنيد ، يُفقدني صوابي 

وأخبره بفشل اساليب التحقيق السابقة معه..


فقال الأب الخبير لإبنه : 

- إذاً حان وقت دمج الأساليب.. سنستخدم تقنية : سنّارة التعاطف ، عبر تكتيك (الشرطي الطيب والشرطي السيء).. سأدخل أنا ، كأب متفهّم.. وتدخل أنت بعدي ، صارخاً ومتوعداً بأشدّ العقوبات.. لكيّ يلجأ إليّ ، هرباً منك

^^^


وفي غرفة التحقيق .. 

دخل المحقق العجوز ، وهو يقول للمتهم بنبرةٍ أبويّة دافئة:

- انا أعرف ان خيانة الزوجة ، تدمّر الرجولة .. وأعلم أنك ارتكبت الجريمة في لحظة غضبٍ اعمى .. وأيّ رجلٍ في مكانك ، سيفعل الشيء ذاته .. فإن اعترفت لي بتفاصيل الجريمة ، أضمن لك تخفيف الحكم ..


في هذه اللحظة .. اقتحم الإبن الغرفة وهو يصرخ مُهدّداً بالمشنقة وبأقصى العقوبات ، مُمثلاً دور الشرطي السيء


وبعد انتهاء المسرحية بين الأب وابنه .. فاجأهم المتهم بالقول : 

- بصراحة يُعجبني اسلوب المحقق الشاب ، اكثر منك ايها العجوز .. لأنك برّرت جريمة القتل بإسم الشرف ، وهذا ينافي مبادئي.. لكن طالما تفكّر بهذه الطريقة ، فلابد ان حظيت بعلاقاتٍ عاطفيةٍ فاشلة بحياتك .. اليس كذلك ؟


وكلامه هذا ، أفقد المدير العجوز صوابه .. فاندفع نحو المتهم ، مُمسكاً بطرف قميصه : 

- إسمع ايها التافه !! نحن نملك دليلاً قاطعاً ضدك ، فبصمة يدك ظهرت بمسرح الجريمة .. والأفضل ان تعترف ، لتخفيف مدة سجنك 

فأجاب المتهم ببرود : 

- اليس عيباً أن تكذب في مثل سنك ؟ فأنا اساساً لا املك بصمات ، بعد احتراق اصابعي بمختبر مدرستي الثانوية ، إثر تجربةٍ كيميائيةٍ فاشلة .. يمكنكما التأكّد من التقرير الطبي الموجود بأرشيف مشفى العاصمة.. (ثم عدّل جلسته بغرور) .. يبدو ان أسلوب الأدلّة الوهمية ، لم ينفع معي أيضاً.. هل بقيت لديكما حيلٌ أخرى ؟

فنظر الأب لإبنه ، وهو يقول بغيظ : 

- خذه إلى الغرفة الباردة.

^^^


وهذه المرة نُقل الى غرفةٍ ضيقةٍ باردة ، بها مصباحٌ أصفر يرمش باستمرار دون توقف ! والهدف هو الإنهاك الجسدي والنفسي ، لكسر عناد المشتبه به.. وإجباره على الإعتراف بالجريمة .. 


بينما الأب وابنه يراقبانه من خلف المرآة العاكسة للغرفة .. ليتفاجأن بالمتهم يسند رأسه على الطاولة .. ويغرق بالنوم العميق ، كأنه بفندقٍ مريح ! 

مما ضايق الأب الذي طلب من الحرس ، نقله الى الزنزانة .. 


فقال ابنه مُعترضاً : لا يمكننا الإستسلام الآن 

الأب : سأضع شرطياً متخفياً معه بالزنزانة .. فالمجرمون عادةً يتباهون بأفعالهم امام زملاء السجن ، ظناً انهم في امان.. وهو الأسلوب العاشر والأخير الذي نستخدمه مع ذاك العنيد المُستفزّ

^^^


وطوال الليل .. حاول المُخبر السرّي التقرّب من المتهم ، وهو يسأله بفضول عن تفاصيل الجريمة .. لكن المتهم ظلّ ملتفتاً نحو الجدار ، وهو يجيبه بإرهاق:

- لا اعرف شيئاً عن الموضوع .. والآن اسكت ، ودعني انام قليلاً 

^^^


وبعد فشل جميع المحاولات والأساليب التقنية.. وبسبب غياب الدليل المادي :((لعدم وجود بصمات القاتل او سلاح الجريمة .. كما ان بقع الطين التي عثروا عليها بمسرح الجريمة ، لم يطابق حذاءه .. وكاميرات المطاعم الشعبية ، اظهرت تجوّله هناك)) مما اجبر الشرطة على إطلاق سراحه ، وتقييد القضية ضدّ مجهول !


ليسارع المتهم بالعودة لمنزله بالعاصمة ، بعد انتهاء مراسم دفن زوجته وعشيقها بمقبرة المدينة الصغيرة

***


بعد عدة أشهر.. نشر كتاباً (دون ذكر اسمه) على الإنترنت المظلم ، يشرح فيه التقنيات العشرة المستخدمة باستجوابات أجهزة الأمن ، وكيفية التغلّب عليها .. 

وقد حقّق كتابه ، مبيعات خيالية بين شبكات الجريمة المنظّمة.

***


وفي إحدى الأمسيات .. سأله صديقه بصوتٍ منخفض : 

- إخبرني الحقيقة .. هل أنت من قتلت زوجتك وعشيقها ؟


فارتشف الرجل قهوته بهدوء .. ثم أجاب جملته التي هزمت المُحققيّن:

- لا أعرف شيئاً عن الموضوع.


ويبدو ان الرجل الداهية قرّر أخذ سرّه معه إلى القبر ، دون ان يعرف احد ما حصل تلك الليلة !


الخميس، 18 يونيو 2026

الوحش الرومنسي

 تأليف : امل شانوحة

الضحية الأخيرة


كانت الشرطية (الثلاثينية) فخورة بنفسها ، لاتقان عملها في قسمٍ خاص بالشرطة ..فهي توهم المتحرّشين بأنها مراهقة ساذجة ، لايقاعهم بشرّ اعمالهم ، والإمساك بهم بالجرم المشهود


وخلال الأعوام الثلاثة ، قبضت على الكثيرين منهم ..الى ان سلّمتها الإدارة مهمّة محادثة شابٍ مشبوه ، لم يتردّد بإرسال صورته الفاتنة!

وكما توقعت .. كان حواره مُنمّقاً ومحترماً ، كأنه ينتقي كلماته للإيقاع بها

***


لكن بعد ايام من محادثاته الرومنسية ، توقف عن التفاخر بمغامراته العابرة.. وصار يشاركها همومه بعد اطمئنانه لها : مُتحدثاً عن طفولته القاسية من والديّن مُنفصلين ، مع وصف عذابه بالتنقل بين منازل الأقارب والمربيين.. وحينما أغرم للمرة الأولى ، صدم بوفاة حبيبته قبل اسابيع من عرسهما ! عدا عن مرضه الذي ابقاه بالمستشفيات لفترةٍ طويلة.. وبسبب معاناته المتواصلة ، وجدت الشرطية نفسها تتعاطف معه رغماً عنها ! 

ولأنها درست علم النفس قبل التحاقها بالشرطة ، آمنت باحتياج بعض المنحرفين الى من يتفهّم مشكلتهم وعقدهم النفسيّة .. ولهذا ظنت انه باستطاعتها علاجه.. 

***


ومع مرور الوقت .. صارت تنتظر مكالماته ، وهي مهتمة بتفاصيل حياته.. الى ان صارت تفكّر به ، حتى بعد انتهاء دوامها !


وفي يوم ، سألته ممازحة : 

- ماذا لوّ التقينا ، ورفضّت إقامة علاقة معك .. ماذا ستفعل لكسر عنادي؟

فأجابها بغرور :

- لم تستطع امرأة حتى اليوم ، مقاومة وسامتي .. وفي حال افترضنا ، ان احداهن تمنّعت عن ارضاء رغباتي ...

وسكت قليلاً ، قبل ان يقول :

- فالمخدّر في شرابها ، سيحلّ المشكلة .. تماماً كما حصل مع بعض حبيباتي المراهقات 


وهنا سقطت السمّاعة من يدها بعد شعورها بوخزٍ في قلبها ، مع دمعةٍ حارة على خدها ! فهو لم يكن شاباً وحيداً ومجروحاً ، كما ظنت .. بل كان يخفي مكره ، تحت قناع العاشق المكلوم..

ورغم انها تمنت قوله ذلك ، تباهياً بانتصاراته الواهمة .. الا ان النقيب الذي دخل مكتبها ، أكّد ان اعتراف المشبوه المُسجّل ، يُطابق الأدلة التي جمعها الفريق ضده بالأسابيع الماضية ! 

كما وعدها بمكافئة عن جهودها السابقة ، بعد ارساله دوريّة الى عنوان المتحرّش للقبض عليه..

فطلبت من رئيسها الخروج باكراً من عملها ، مُدعيةً ألماً في معدتها

***


وفي منزلها .. انهارت باكية فوق سريرها ، بعد تعلّقها بالمشتبه به التي حادثته يومياً لمدة شهرين متواصلين (بحواراتٍ مُسجّلة بقسم الشرطة) ورغم انتصارها على ذلك المحترّش الماكر الا انها شعرت بخيبة املٍ كبيرة.. 


لكنها بالنهاية أدركت : ان الحب ليس علاجاً لجميع الأشخاص المدمّرين عاطفياً .. فبعض جروح الماضي لا تصنع ضحايا ، بل احياناً تحوّلهم لوحوش عديمي الرحمة والضمير ! 


الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

مرآة العدالة

تأليف : امل شانوحة 

إنعكاس الحقيقة


يُعدّ المحقق جاك من الرجال العقلانيين ، لا يصدّق الا بالدلائل الماديّة والبصمات والإعتراف الصريح .. لكن اسلوبه وتفكيره تغيّر بعد ذهابه لسوق الأحد ، بعد رؤيته امرأةً غجريّة تبيع مرآةً كبيرة بسعرٍ غالي ! 

فسألها بتهكّم :

- 500 دولار ! هل إطارها مطلي بالذهب ؟

فابتسمت قائلةً :

- هذه لا ترى فيها الوجوه ، بل ما تخفي النفوس .. ولن يشتريها احدٌ سواك ، فهي ستفيد عملك الجنائيّ يا جاك 

فتفاجأ من معرفتها اسمه وعمله ايضاً ! 

- هل انت مشعوذة ؟!

- بل امرأة ذات بصيرة .. هيا اقترب من المرآة ، لمعرفة سرّها الغامض


وما ان وقف بجانب المرآة (التي طولها متريّن) حتى رأى وجهه نصفه ابيض ونصفه اسود ! 

فتراجع للخلف ، وهو يسمع تحليل العجوز : 

- يبدو بداخلك ، النور والظلمة معاً ! لكن عدلك يغلب سواد شكوكك .. فأنت بحكم عملك ، لا تثقّ بسهولة بالمحيطين بك 

جاك بصدمة : هل مرآتك تعكس الضمير ؟!

فردّت بابتسامة : والنوايا ايضاً .. الم اخبرك انها ستفيد عملك الصعب ؟


فاشتراها بدافع الفضول ، ونقلها باليوم التالي الى مقرّ عمله .. حيث قام بتعليقها على جدار غرفة التحقيق بمركز الشرطة ، خلف الكرسي الذي يجلس عليه المتهمين .. لربما تُسهّل معرفته ، ان كانوا ابرياء ام مذنبين !

*** 


بعد ايام ، بدأ تحقيقه مع متهمٍ بقتل زوجته .. وهو منهار بالبكاء ، ويصرّ على حصول الجريمة اثناء وجوده بالعمل .. مُدّعياً اقتحام لصٍّ بيته ، وقتله زوجته بعد مقاومتها له !


بهذه اللحظات ، إنتبه المحقق على انعكاس الرجل في المرآة السحريّة : حيث رأى خلافاته العنيفة مع زوجته ، وضربه المبرح لها طوال سنوات زواجهما .. الى ان حصلت الجريمة ، بعد طعنها مراراً بالسكين .. ثم إسراعه لمقرّ عمله ، ليضمن شهادة زملائه على وجوده هناك لحظة الجريمة ! 

ليس هذا فحسب ! بل ظهر انعكاس المتهم ، كأنه شيطان يضحك بخبثٍ ومكر .. مما ضايق المحقق الذي صفع المتهم ، للكفّ عن بكائه المُصطنع!


وبعدها سرد المحقّق الحقائق ، بتفصيلٍ أرعب المتهم الذي لم يعلم برؤية جاك لماضيه من خلال المرآة التي خلفه ! 

وبعد الضغط عليه ، إعترف بكل شيء .. وأُرسل للسجن ، لحين محاكمته


بينما كافأ مدير الشرطة ، المحقق على اكتشافه الحقيقة .. دون علم زملائه : بأنه الوحيد الذي يرى انعكاسات المتهمين في مرآته السحريّة 

***


بعدها بدأت سلّسلة إنتصارات المحقق الذي ازال بسهولة ، أقنعة المجرمين المحترفين .. ليصبح اسطورة بمجال عمله ، بعد كشفه العديد من ملابسات الجرائم الغامضة .. عقب إنهيار المتهمين امامه الواحد تلوّ الآخر ، بعد معرفته لأدقّ التفاصيل عن جرائمهم الشبه كاملة !

***


الى ان جاء يوم ، جلس فيه آدم امامه .. وهو سجينٌ افريقيّ ، حٌبس اربعين سنة بتهمة اعتدائه على طفلةٍ بيضاء اثناء لعبها قرب كوخه! 

والغريب بهذا السجين ان تصرّفاته اللبقة لا تُشبه المجرمين ، خصوصاً نظرته الذابلة من ظلم الحياة له !


حيث ظهر إنعكاسه في المرآة : كمراهقٍ خائف من تهديدات المحقق الشهير (استاذ جاك سابقاً) وهو يأمره بالإعتراف بجريمةٍ لم يرتكبها! 


وهنا تفاجأ العجوز آدم ، بجاك يمسك يده قائلاً :

- اعدك بإظهار براءتك 

- انت الوحيد الذي صدّقتني ! فجميع من سبقوك لم يكترثوا بعدم رؤيتي للفتاة الضائعة مُطلقاً 

جاك : المهم ان لا تفقد الأمل ، فأنا سأعيد فتح ملفك القديم 

^^^


وبالفعل ، أخرج ملف آدم من الأرشيف .. ليتفاجأ بقلّة الأدلة نحوه ، ومع ذلك حُكم عليه بالمؤبّد .. فقط لأن شاهداً عابراً ، رأى الفتاة تلعب بدرّاجتها قرب كوخه !


فالبصمة الجينيّة المحفوظة ضمن الأدلّة ، لم تُطابق يوماً آدم ! ولم تُقارن ايضاً بمشتبهٍ آخر (فهي مأخوذة قبل اكتشافهم الحمض النووي) .. حتى قطرة دم المتهم التي وجدوها على فستان الصغيرة ، غير مطابقة لفئة دم آدم !


وكان اكتشافاً عظيماً لبراءة المتهم الذي ضاع شبابه ظلماً.. ومع ذلك أصرّ جاك على العثور على مرتكب الجريمة ، قبل وصول الخبر للإعلام 

الا انه وجد صعوبة بإيجاد المتهم الحقيقيّ ، بعد مرور كل تلك السنوات ! 

^^^


واثناء دراسته الملفات القديمة في غرفة التحقيق .. اضيأت المرآة وحدها ! لتعيد ما حصل للفتاة الصغيرة ، كأنه مشهدٌ سينمائيّ : 

حيث مرّت سيارة بجانبها ، دعاها سائقها لإيصالها الى منزلها .. وقد ظهر وجه المشتبه به في المرآة السحريّة بوضوح ، لتكنّ الصدمة ! 

فالخاطف هو المحقق الشهير (من ضبّاط الجيل القديم) الذي أجبر آدم لاحقاً على الإعتراف بذنبٍ لم يرتكبه ! فهو من اعتدى على الصغيرة ، ودفنها بالغابة .. تاركاً درّاجتها امام كوخ آدم .. وهو من طلب من الشرطة القبض عليه ، كمتهمٍ اساسيّ لاختفاء الصغيرة التي لم يعثروا على جثتها ابداً !


فكتم جاك غيظه .. طالباً من مدير الشرطة ، بعض الحرس وكلابٍ بوليسيّة مُدرّبة للعثور على جثة الصغيرة ! 

وانطلق معهم للغابة ، وتحديداً لتلك المنطقة (دون اخبار احد بما شاهده بالمرآة)

^^^


وبعثوره على رفاتها ، أُعيد فتح القضيّة من جديد .. وباتهامه للمحقق السابق (الذي مات قبل سنوات ، بعد تكريمه كأفضل محقّق للعدالة بالمنطقة) آثار ضجّةً اعلامية ضخمة ، وغضباً جماهريّ : خصوصاً لأصحاب البشرة السمراء الذين تجمّعوا خارج السجن لحمل آدم فوق اكتافهم ، كبطلٍ مظلوم بعد حصوله على حرّيته اخيراً 

***


بعد تلك القضية ، تفاجأ جاك باختفاء المرآة السحريّة من غرفة التحقيق ! 

فسأل عامل النظافة (بالمركز) عنها ، وإن كان نقلها لمكانٍ آخر ؟ 

ليجيبه بإصرار : بعدم وجودها من الأساس بتلك الغرفة !


فراجع المحقق كاميرات المراقبة القديمة ، لينصدم بعدم ظهور المرآة بأيّةِ قضية حققّ بها سابقاً .. كأنها وهم ! رغم انها السبب باكتشافه الجرائم الغامضة التي وهبته العديد من الجوائز والترقيات الوظيفيّة 


ليُدرك اخيراً : أن أثرها السحريّ لم يكن بحلّها للقضايا المُعقّدة ، بل معرفته بأن حدسه هو مرآته الحقيقية .. وأن العدالة المُنصفة ، تُكشف بالبصيرة الواعية الحكيمة! 


الخميس، 16 يناير 2025

النفسية المعاقة

كتابة : امل شانوحة 

 

الشهادات الناقصة


ضجّ الإعلام بمقتل مدير رعاية الإحتياجات الخاصّة بالعاصمة ، بعد تبرّعه بثرّوته للدار التي طوّرها منذ شبابه ! 

وعُيّن أهم المُحقّقين لمعرفة القاتل الذي يبدو انه على دراية بالدار ، بعد تعطّل الكاميرات ليلة الجريمة ! 

ولأن الطوابق مُقسّمة حسب الإعاقة ، لم تكن مهمّة المحقق سهلة .. خاصّة مع ابواب العنابر كاتمة الصوت (حتى لا يضايقوا بعضهم اثناء النوم) 

^^^


الأسوء ان المدير قُتل في عنبر العميان الذين شهدوا بسماعهم صرخات المدير المكبوتة .. بعد عثور الشرطة على جثته مُكمّم الفم ومقيّد اليدين ، مع آثار ضربٍ واضحة على وجهه وجسمه ، بعد تعذيبه قرابة ساعة ..قبل خنقه بالحبل حتى الموت!  

^^^


وهذا ما أكّده الخُرسان الذين قالوا بالتحقيق بلغة الإشارة (التي ترجمتها إحدى الممرّضات) : أن شاباً دخل عنبرهم ، وهو يرمي المدير بجانب سرائرهم .. ولم يستطيعوا القيام بشيء ، بعد تهديدهم بالسلاح !

كما أكّدوا سماعهم القاتل يقول للمدير :

- سأدعهم يشاهدون مُتبرّعهم الكريم يموت امامهم 


فاستغرب المحقق من كلام القاتل الذي يبدو غاضباً من الفعل الخيريّ للمدير الذي لم يتزوّج بحياته ولا ورثة له ، والذي أمضى معظم حياته في الدار التي عمل فيها منذ شبابه ، قبل شرائها بجزء من ثرّوته الضخمة التي ورثها من عمه المُغترب ! 

فهو لم يكن لديه اعداء حسب المحيطين به ، الذين شهدوا على حسن اخلاقه وتعامله الراقي مع الجميع ! 


فمن ذلك الشاب الذي خطّط جيداً للقتل ، بعد قطعه اسلاك الشاشات بغرفة المراقبة .. وكذلك جرس النداء من الأزرار الموجودة في سرائر المرضى ، الموصولة بغرفة المُمرّضين ؟! (لهذا لم يستطع المعاقون تنبيه الإدارة على الجريمة .. خاصة بعد قفل القاتل باب العنابر من الخارج ، بعد إذلال المدير امام مرضاه المتواجدين في الطوابق العليا للمستشفى !)  

^^^


اما في طابق الصُمّان (الطرشان) : فقد رأوا القاتل يتجادل مطوّلاً مع المدير الخائف .. قبل إجباره على طباعة شيء على الحاسوب (لابتوب) .. ثم سحبه من قدميه الى خارج عنبرهم (وبسبب إعاقتهم السمعيّة ، لم يفهموا ما طلبه منه او سبب الجدال بينهما !)

^^^


وفي عنبر المشلولين : أخبروا المحقق بعدم تمكّنهم مساعدة المدير الذي ضُرب امامهم بعنف ، بسبب إحتفاظ الإدارة بكراسيهم المتحرّكة في الغرفة المجاورة حتى الصباح (لأن غرفتهم ضيّقة ، ومليئة بالسرائر الحديديّة) .. لذلك رأوا ما حصل ، دون رفع اصواتهم بعد تهديدهم بالسلاح .. 

^^^


إلاّ ان شاباً منغوليّاً (بعد عودته هو وصديقه الصغير من دوّرة المياه) رأيا الجثة !

فأسرع الشاب للطابق السفليّ لإخبار المُمرّضيّن (المتناوبيّن تلك الليلة) عن مقتل المدير ، اثناء إنشغالهما مع الكهربائيّ لإصلاح عطل الشاشات (لهذا لم يروا ما حصل بالطوابق العليا) 

بينما لاحق الصبيّ المنغولي القاتل خلال محاولته الهرب من الدار 

^^^


فتوجّه المحقق بأسئلته للشاب المنغولي (الذي كان السبب بقدوم الشرطة).. محاولاً بصعوبة ربط كلامه الغير متناسق ، لفهم ما حصل ! 

المحقق : أعدّ ما قلته مرة ثانية ، لكن بهدوء .. كيف حصلت الجريمة؟ 

المنغولي بعصبية : أخبرتك قبل قليل ، هل انت غبي ؟!! 

المحقق وهو يتمالك اعصابه : عقلي لا يستوعب بسهولة ، رجاءً أعدّ ما قلته 

- بالعادة تكون ابواب العنابر مُقفلة مساءً .. لكن انا وصديقي وجدنا غرفة العميان مفتوحة ! وكانوا قلقين من إختفاء صوت بكاء المدير ، دون علمهم بوفاته وسط غرفتهم ! 

المحقق : هل ارتعبت من رؤية ردائه مُلطّغاً بالدماء ؟

- بل خفت من وجهه الأزرق ، والحبل المشدود على رقبته .. ورغم انني أزلته ، لكنه لم يتحرّك !

المحقق : وهل صديقك رأى الفاعل ؟

المنغولي الشاب : هو يرفض التحدّث معي بعد قدوم الشرطة !

- حسناً ، سأحاول معه

^^^


ونزل المحقق لغرفة المنغوليين ، ليجد الصبي ينظر من النافذة بشرود

- هل انت من لاحقت القاتل ؟

الولد : نعم ، رأيته يقفز من سور الحديقة

- أوصفه لي ؟

- يشبه صورته المُعلّقه على ردائه الأبيض 

المحقق بصدمة : أتقصد انه يعمل هنا ؟!

- نعم 

فتساءل المحقق بنفسه : 

((لما لم يخبرني الشهود انه يلبس زيّ المستشفى ؟! هل مازالوا خائفين من تهديده؟!))

ثم سأل الولد :

- ماذا يعمل بالضبط ؟

الولد : هو الممرّض الجديد الذي تحبه الدكتورة نانسي 

^^^


فنزل المحقق للإدارة ، للسؤال عن نانسي .. فأخبروه إنها الدكتورة المسؤولة عن الأطفال المعاقين عقليّاً ..

فتوجه الى مكتبها ، لسؤالها عن حبيبها..

الممرّضة باستغراب : من أخبرك انني مُعجبة بالممرّض الجديد ؟!

المحقق : لا يهم ، فقط إخبريني عنه ؟

- هو توظّف ببداية العام ، أيّ قبل اربعة شهور .. حيث تفاجأنا بحصوله على موافقة المدير ، لأنه بالكاد نجح بمعهد التمريض حسب شهادته ! 

- وطبعاً مديركم اعتاد توظيف اهم الأطباء والممرّضين في داره ؟

الممرضة : بالتأكيد !! فهذه أفضل دار إعاقة بالبلد .. ربما لذلك وظّفه في الإرشيف الموجود بقبوّ الدار

فقال المحقق في نفسه :

((الآن فهمت لما لم يتعرّف عليه المرضى ، فهم بالكاد رأوه بالطوابق العليا!))


المحقق : حسناً ، إكملي رجاءً 

الممرّضة : لا اظن جيم متورّطاً بجريمةٍ مروّعة كهذه ، فهو ضعيف الشخصيّة .. فجدته التي ربّته ، بعد وفاة والديّه بحادث سير 

- هل لديكِ بطاقة عمله ؟  

- لا .. لكن لديّ صورته على جوّالي ، سأرسلها لك

^^^


ثم عاد المحقق للصبيّ المنغولي ، ليريه الصورة في جواله :

- أهذا هو الشاب الذي قفز من سور الدار ؟

- نعم هو !!

***


ثم عاد المحقق لمركز الشرطة ، وهو يفكّر بملابسات القضيّة :

((اللعين ! بقيّ صامتاً في كل الطوابق ، ولم يتجادل مع المدير إلاّ بغرفة الطرشان .. واختار ضربه بعنف بغرفة المشلولين .. وأنهى حياته بغرفة العميان .. يبدو انه تقصّد ذلك)) 


وفي المركز ، بحث عن الشاب بالسجلاّت الحكوميّة .. ليتفاجأ بقلّة المعلومات عنه ! لكنه وجد عنوان جدته.. مما أجبر المحقق على الذهاب للقرية التي تبعد ثلاث ساعات عن العاصمة 

^^^


وهناك سألته العجوز التي نفت رؤية حفيدها منذ انتقاله للعاصمة :

- هل اريك متورّطاً بشيء ؟

المحقّق بصوتٍ منخفض : اذاً اسمه الحقيقي اريك ! 

- إرفع صوتك يا بنيّ ، فسمعي ضعيف

- اريد معرفة قصة حياته .. فهو زميلي بالعمل ، ويبدو غريب الأطوار !

الجدة : طبيعي ان يكون مُعقّداً ، بعد رفض والده الإعتراف به ! رغم ان اريك إستطاع إثبات نسبه بالفحص الطبّي ، حسب ما أخبرني بمكالمته الأخيرة 

المحقق بصدمة : وهل مدير دار المعاقين بالعاصمة هو..

- نعم والده .. فإبنتي الغبية أقامت علاقة عابرة معه ، اثناء عملها كنادلة في المطعم .. وبالطبع رجلٌ ثريّ مثله ، لن يعترف بإبنه الغير شرعيّ 

- واين ابنتك الآن ؟

- ماتت بجرعة مخدرات زائدة ، وتركت ابنها اللقيط معي الذي أتعبني كثيراً في طفولته .. لكنه ساعدني بمصروف المنزل ، بعد براعته بالكهرباء بسن المراهقة 


المحقق باستغراب : تقصدين ان عمله الأول كان كهربائي ؟!

- نعم ، واعتمد عليه الجميع بالقرية .. الى ان أخبرته بحقيقة والده الطبيب .. لأتفاجأ بتسجيله بمعهد التمريض الذي نجح فيه بصعوبة .. وقد حاولت منعه الإنتقال للعاصمة ، بعد فشل ابنتي بإقناع الثريّ بتثبيت نسب طفلها !  

- وماذا كانت ردّة فعل حفيدك ؟

جدة : كان غاضباً جداً .. وأخبرني انه طالما لا يريد الإعتراف بأبوّته ، سيجبره على توظيفه بالدار 

المحقق : الآن فهمت القصة ، شكراً لك  

***


وفي طريق عودته الى العاصمة ، فكّر المحقق بما حصل :

((يبدو ان والده وافق على توظيفه ، بشرط عدم إخبار احد بأنه ابنه.. ومرّت الشهور على خير ، الى أن اعلن والده التبرّع بثروّته للدار ..فجنّ جنون الإبن الذي تربّى بفقرٍ مُدقع مع جدته الخرِفة ، على أمل أن يرث والده بعد وفاته.. فانتظر انتهاء الحفل ، وخروج الصحفيون من الدار .. ليقوم بتعطيل الكاميرات من غرفة المراقبة ، كما جرس المعاقين بغرفة الممرّضين (كونه خبير كهربائي) .. ليبدأ بإذلال والده واستحقاره امام مرضاه ، قبل قتله.. مُتمنيّاً فشل الشرطة بحلّ القضيّة ، وتقيّدها ضدّ مجهول .. للحصول لاحقاً على ميراثه الضخم ، بعد منعه هبة والده للدار))

***


وبالفعل بدأت دوريّات الشرطة بالبحث عن الإبن القاتل ، بعد نشر صوره بالإعلام الذين اخطأوا بنشر أقوال الشهود بالتحقيق الجنائي! 

^^^


وبعد شهر .. تمكّنت الشرطة الأمريكيّة من ملاحقة الفاعل اثناء توجهه للحدود المكسيكيّة ، بعد نجاحه بحرق الدار التي مات العديد من مرضاها .. ومن بينهم المنغولي الصغير الذين وجدوا جثته متفحّمة ، وهو مُقيّد اليدين ومقطوع اللسان (بسبب شهادته ضدّه) 


وبسبب وحشيّة جريمته ، أُعطيت الأوامر بالقبض عليه حيّاً او ميتاً ..وهذا ما حصل بعد تبادل إطلاق النار بينه وبين شرطة الحدود ، أدّت الى وفاته 

ليُقتل الشاب قبل استفادته من المال (الذي أجبر والده على نقله الى حسابه البنكيّ ، من لابتوب الإدارة) .. وبذلك انتهت القصة بموته مُجرماً فقيراً ، بعد عيشه يتيماً مُعدماً طوال حياته !


الجمعة، 15 نوفمبر 2024

الجريمة الوحشيّة

تأليف : امل شانوحة 

الإتصال المخيف 


صوت طفلة : مرحبا

موظف خدمة الطوارئ : انت تتصلين بالشرطة ، يا صغيرة 

- امي وابي واخي الكبير لايستيقظون !

- ماذا تقصدين ؟

- بطانيّاتهم مُلطّخة بلونٍ احمر ، أظنها دماء ! انا خائفةٌ جداً

- رجاءً لا تبكي .. إخبريني بإسمك ؟

- ديانا

- وكم عمرك ؟

- ثماني سنوات

- وكم عمر اخيك ؟

- هو مراهق ، أظنه تعدّى 16 .. لا ادري بالضبط

- هل يوجد احدٌ غيرك في المنزل استطيع التحدّث معه ؟

- لا ، انا وحدي هنا.. وقد حاولت إيقاظهم ، لكنهم لم يتحرّكوا رغم صراخي بعلوّ صوتي .. لحظة ، سأكشف الغطاء عن ابي 

وفجأة ! سمع موظف الطوارئ صراخها المرعب :

- تكلّمي يا ديانا !! ماذا حصل ؟

فردّت بصوتٍ مرتجف ، وهي منهارة بالبكاء :

- وجه ابي مُشوّهاً تماماً !!

- إهدأي رجاءً .. الشرطة في طريقها اليك ..لا تقفلي الخط ، إبقي معي

^^^


وبعد دقائق .. سمع الموظف صوت افراد الشرطة وهم يقتحمون المنزل ، بعد كسرهم الباب الخارجيّ المُقفل بإحكام ! ليجدوا الفتاة ترتجف رعباً امام جثث اهلها الذين قتلوا بالرصاص .. بينما الأب مطعوناً في وجهه ورقبته ، بالإضافة لرصاصة في خاصرته !


وتمّ نقل ديانا الى مركز الشرطة ، للتحقيق بمجريّات الجريمة الغامضة لعدم عثورهم على سلاح الجريمة الذي يبدو انه كاتم الصوت ، لعدم سماع الجيران او ديانا طلقات الرصاص اثناء نومها داخل خزانة غرفتها !

***


وفي المركز ، سألها المحقّق :

- ولما تنامين داخل خزانة ملابسك ؟! 

فأجابت ديانا وهي تمسح دموعها : حلمت بكابوسٍ مخيف ، واختبأت بالخزانة .. ويبدو انني غفوت هناك !

- ولما لم تذهبي لغرفة والديك ، طالما ارعبك الكابوس ؟

- كنت اذهب اليهما سابقاً .. لكن ابي منعني ، لأنني ايقظه دائماً .. وهو لديه عملٌ في الصباح  

المحقق : واثناء نومك بالخزانة ، الم تسمعي صوت رصاص ؟

- لا

- ولا صراخ اهلك ؟

- لا

المحقق : ولم تسمعي اصوات غريبة ؟

- مثل ماذا ؟!

- صوت لصّ يقتحم المنزل ؟

ديانا : لم استيقظ إلاّ صباحاً ، بعد تأخّري عن المدرسة !


ثم انهارت بالبكاء ، وهي تسأله :

- هل ماتوا جميعاً ؟!!

المحقق : للأسف نعم

- وماذا سيحصل لي ؟

- علمنا ان لديك عمّ .. فهو قدِمَ للمركز قبل قليل ، بعد أن اخبروه الجيران بوجود سيارات شرطة قرب منزل والدك

ديانا : وهل سأرافقه الى منزله ؟

- ليس قبل سؤالنا عنه .. الى ذلك الحين ، ستذهبين مع الإخصّائيّة الإجتماعيّة

- هل ستضعونني في الميتم ؟!

المحقق : لوقتٍ قصير ، لحين بتّ المحكمة في امرك

- وهل ستمسكوا القاتل ؟

- نحن نعمل على ذلك ، يا صغيرتي

***


ورغم مرور الوقت إلاّ أن فريق البحث الجنائي لم يجدوا بصماتٍ غريبة في غرف القتلى ! كما لا أثر لاقتحام المنزل ، رغم شكّ المحقّق بالعم الذي رفع قضيّة ضدّ اخيه في بداية السنة ، للحصول على نصيبه من ميراث والده الذي كتب كل املاكه بإسم ابنه الكبير (والد ديانا) ..لكن كاميرا الشارع القريبة من منزله ، تُثبت بقائه هناك طوال ليلة الجريمة ! 

كما لم تقترب سيارة غريبة من منزل ديانا ليلاً ، حسب الكاميرا الخارجيّة للمتجر المقابل لهم ، مما يزيد الأمر تعقيداً !

***


بعد اسبوعين .. تمّ القبض على رجلٍ حاول خطف ديانا من الميتم ، لولا صراخ الفتاة (التي بجانب سريرها) بعد رؤيتها للرجل الملثّم وهو يحمل ديانا (بعد تخديرها) مما ايقظ بقيّة الأولاد .. وهذا ارعب الخاطف الذي حاول القفز من فوق سور الميتم .. ليسقط بقوّة على الأرض ، ويكسر قدمه!

***


وبعد التحقيق معه .. إعترف بأن العم دفع ثمن الخطف ، كيّ لا تبقى في الميتم بعد رفض المحكمة حضانته ، عقب شهادة زملائه بإدمانه القمار ! مما زاد شكّ المحقّق على إنه قاتل اخيه .. للحصول على الميراث ، ودفع ديون القمار التي تراكمت عليه.. لكن طالما هو مديون ، فلما يريد زيادة مسؤوليّاته بتبنّي ابنة أخيه ؟! 


وبعد رفض العم الإجابة على تساؤلات المحقّق ، كثّف الأخير بحثه : ليعلم بأن الجد خصّص قصره لحفيدته المفضّلة التي ستحصل عليه بعد بلوغها سن ١٨.. وربما لهذا لم تُقتل مع بقيّة عائلتها ، مما يؤكّد تورّط العم بالجريمة .. والذي تمّ توقيفه على ذمّة التحقيق ، ليوم المحاكمة

***


وفي المحكمة .. رفض العم عقوبة السجن لعشرين سنة بتهمة قتل اخيه وعائلته ، صارخاً باعتراض :

- حاسبوني فقط على محاولة خطف ديانا من الميتم .. فهي من قتلت عائلتها ، وليس انا !!

لتقف ديانا وهي تقول :

- انت من علّمتني إستخدام السلاح الذي أعطيتني ايّاه لارتكاب الجريمة !!


وجاء كلامها صادماً لكل من تواجد بقاعة المحكمة ، بمن فيهم موظف خدمة الطوارئ الذي كان ينوي تبنّيها مع زوجته العقيمة (بعد ان أشفق على حالتها من يوم اتصالها به) 

 

وبسبب ذلك ، أجّل القاضي الحكم النهائي لحين إكمال التحقيقات مع المجرمة الصغيرة التي اعترفت بقتلها اهلها بسبب كرهها لهم ، بعد رفضهم ان يكون لديها حبيب كبقيّة زميلاتها ! 

(فديانا من عائلةٍ عربيّة تعيش في الغربة ، لهذا يرفضون تقليدها للعادات الغربيّة)


اما العم : فاعترف بشجاره مع اخيه لنيل حصّته من الميراث ، بعد رفض والدهما توريثه ، عقب معرفته بتورّطه بالقمار.. 

واثناء خروجه من منزل اخيه غاضباً (بعد طرده) سمع ديانا تُحدّث صديقتها بالجوّال في الحديقة : وهي تتمنّى موت عائلتها للحصول على حرّيتها ! 


فصار يقابلها بعد المدرسة ، ويهديها الألعاب والحلويات ..الى أن أحبّت عمها الذي وعدها بالعيش معه ، وإعطائها الحرّية المُطلقة بعد موت اهلها! 


كما شجّعها على الهرب من المدرسة ، لتدريبها بالغابة على استخدام السلاح (كاتم الصوت) الذي عليها التخلّص منه بعد انتهاء الجريمة ، عن طريق رميّه في البئر المهجور الموجود خلف منزلهم (وقد فعلت ذلك بعد خروجها من باب المطبخ ، لهذا لم تظهر في كاميرا المتجر المواجهة لحديقتهم الأماميّة) 

ثم أخبرها العم بضرورة إعادة قفل الباب من الداخل ، والإتصال بالشرطة ..مُدّعيةً نومها بالخزانة ، وعدم سماعها صراخهم !

^^^


وفي التحقيقات .. أخبرت خادمة المنزل (التي تأتي يوماً واحداً بالإسبوع) عن وجود كاميرا في المطبخ ، لمراقبة السيدة عملها .. 

ولم يكن الفريق الجنائي على علم بوجودها ! وبعد النظر للشريط يوم الجريمة : ظهرت ديانا وهي تُسرع بسحب سكين المطبخ الكبير ، واضعةً القفّازات الصوفيّة بيديها ! .. كما أظهر وقت خروجها بالسلاح من باب المطبخ ، وعودتها للمنزل بعد ربع ساعة من دونه! 


لتعترف لاحقاً ، بأن الرصاص انتهى قبل موت والدها التي أجهزت عليه بطعنه في وجهه ورقبته حتى الموت !

***


بنهاية الشهر .. حُوكم العم بتهمة التحريض على القتل ، وإعطائه السلاح لطفلة ..والذي وجدوه لاحقاً بقعر البئر الجافّ ! 


بينما حُوكمت الطفلة ببقائها في مستشفى الأمراض العقليّة .. على ان تُعالج بشكلٍ مُكثّف من قِبل اطبّاء أكفّاء ، وتحت حراسةٍ مُشدّدة .. 

فإن شُفيّت بعد بلوغها ، تُنقل لمجتمعٍ آخر بهويّةٍ مُغايرة .. وإلاّ ستبقى مع المجانين لأجلٍ غير مُسمّى ، بسبب وحشيّة جريمتها التي هزّت المجتمع الغربي بأكمله ! 


الأحد، 3 مارس 2024

الجريمة المثاليّة

فكرة : الأستاذ عاصم
كتابة : امل شانوحة

 

القاتل الغامض !


كانت القضيّة غامضة لدرجة انهم استدعوا أفضل محقّقٍ بالمنطقة ، بعد إيجادهم جثة شابٍ مطعون في حوض الإستحمام .. والغريب إن حمامه كان مقفلاً من الداخل ! حيث اضّطرت الشرطة لكسر الباب ، بعد انزعاج الجيران من رائحة تحلّل جثته.. 

ولم يكن مُنتحراً بقطع شراينه بل مطعوناً بعدّة اجزاءٍ من جسمه ، دون عثورهم على اداة الجريمة بالقرب منه ! كما لا أثر للدماء في بقيّة الشقة ، مما يؤكّد ان الطعن حصل بالحمام الضيّق الذي لا يمكن لأحد الإختباء به .. فكيف حصلت الجريمة ؟!


ولم يكن امام المحقّق إلاّ السؤال عن القتيل الذي يبدو انه سكن المنطقة منذ عام دون أن يكون لديه صداقات ، حتى علاقته بالجيران سطحيّة .. ومع ذلك شهدت جارته برؤيته يدخل شقته اكثر من مرة برفقة سيدة تكبره سناً.. 

فهل قتلته عشيقته ؟ .. الأمر مشكوكٌ فيه ، لأنه يبدو انه قاوم قاتله بكل قوته.. وحسب اقوال جارته : فالسيدة هزيلة الجسم ، بينما هو رياضيّ .. اذاً لابد أن قاتله رجلٌ قويّ البنيّة. .فهل له علاقة بعشيقته التي خانته ؟ ام هو قوّادها ، ام احد اقاربها ؟ ام ان القاتل شخصٌ آخر لا علاقة له بحبيبة القتيل التي لا أثر لها ، رغم انتشار خبر الجريمة بكل المنطقة ! 


وحسب اقوال الشاهدة الوحيدة : أن عشيقته زارته قبل اسبوع من انبعاث رائحة تحلّل الجثة الكريهة ، مما يؤكّد انها آخر من شاهدته حيّاً .. دون علم أحد بمن تكون ، كأنها قدمت من حيٍّ بعيد ! 

***


لاحقاً انتشرت اشاعة : إن شقة المغدور مسكونة ، وأنه قُتل بواسطة الجن والعفاريت التي اقتحمت حمامه المُغلق ! لكن هذا الكلام لم يقنع المحقّق ، خاصة موت القتيل بملابسه ، رغم وجوده بحوض الإستحمام .. وهذا يدل ان قاتله أدخله الى هناك عنّوة ، لطعنه حتى الموت .. ربما لعدم رغبته بإثارة الفوضى بالشقة ، واضّطراره لمسح الأدلّة.. كما يبدو ان القاتل حرص على لبس ثيابٍ سميكة ، غطّى بها كل جسمه .. لعثورهم على بقايا صوف تحت اظافر القتيل الذي حاول جرح قاتله ، للحصول على عيّنة (DNA) تُستخدم لاحقاً في المختبر ! وهذا يدلّ انه قُتل عن سبق إصرار وترصّد ، بعد أخذ القاتل احتياطاته بعدم ترك أثرٍ خلفه بمسرح الجريمة! 


كما لا وجود لدعسة طينٍ هناك ، رغم ان الجريمة حصلت في اسبوعٍ ماطر .. وكأنه قبل اقتحامه الشقة ، لبس مطاطاً فوق حذائه.. فمن ذلك الشخص الذي خطّط لجريمةٍ مثاليّة ؟! هل هو عدوٌّ سابق للقتيل ؟ ام شخصٌ مهووس بالأفلام البوليسيّة ؟!

***


مرّ شهر دون عثور المحقّق على دليلٍ واحد يُرشده للقاتل الغامض ! وأوشك على تقيّد القضيّة ضدّ مجهول .. 


وفي ليلتهم الأخيرة بمسرح الجريمة .. إجتمع المحقّق مع افراد الشرطة ورئيس مركزه اسفل المبنى ، بعد قيامهم بإغلاق الشقة بالشمع الأحمر بعد فشلهم بحلّ الّلغز.. 


واثناء انشغال المحقّق مع الشرطة بإبعاد الناس المتجمّهرة هناك .. إقتربت عجوز (تسكن في المبنى المقابل ، للمبنى الذي وقعت فيه الجريمة) من رئيس مركز الشرطة وهي تحمل ببغائها ، وتشير نحو شخصٍ بعيد وهي تقول :

- رأيت ذلك الرجل يتشاجر مع القتيل في الشارع 

فقال رئيس الشرطة :

- انت مخطئة يا خالة ..فالشخص الذي تشيرين اليه ، هو المحقّق بالقضيّة

العجوز : انا اقول الحقيقة ..رأيته يصعد خلف الشاب الى العمارة ، غاضباً .. وبعد اقل من ساعة ، نزل وهو يزيل القفّازين عن يديه والمطّاط البلاستيكيّ عن حذائه .. وإن كنت لا تصدقني .. فببغائي كان معي وحفظ جملة من شجارهما ، وهو يردّدها دائماً..

ثم نظرت للطيّر :

- هيا كوكي !! قلّ جملة الرجل الغاضب من جديد

فقال الببغاء : ((إبتعد عن زوجتي ، ايها الغريب الحقير !!))

وكان بصوت المحقّق الذي ما أن سمع الببغاء ، حتى حاول الهرب بسيارته .. قبل أن يأمر رئيسه بنقله لمركز الشرطة ، وسط دهشة الجميع ! 

***


وهناك اعترف بشكّه بزوجته ، بعد اهتمامها الزائد بنفسها بالأونة الأخيرة .. فراقبها ليجدها تخرج من شقة الشاب بملابس أخرى ، مؤكّدةً خيانتها ! 

فخطّط جيداً للجريمة.. ثم انتظر الشاب بالشارع ، وهدّده بترك زوجته .. لكن الشاب ردّ بحقارة : بأنه يهتم بها ، اثناء انشغاله بالعمل ! 


فلم يكن امامه إلاّ تنفيذ خطة الإنتقام .. حيث لم يتوقع الشاب ان يصعد خلفه ، ويرنّ جرس منزله !

وما ان فتح الباب .. حتى سارع المحقّق بخنقه ، وشدّه بقوّة باتجاه الحمام .. ليقوم بطعنه بحوض الإستحمام حتى الموت.. 


ثم وضع مفتاحاً صغيراً ، بدل المفتاح الأصليّ لباب الحمام الذي أغلقه من الخارج بمفتاحٍ خاص بالشرطة التي لم تنتبه على استبداله المفاتيح ! 


وكان متأكداً ان لا احد سيحلّ الّلغز ، خاصة بعد تدميره للأدلّة الباقية دون شعور فريق المختبر الجنائي بذلك : كتمزيقه صورة زوجته مع عشيقها التي وجدها بدرج غرفة النوم .. كما إعادته المفتاح الأصليّ ، بعد خلعهم باب الحمام .. 


لكن لسخرية القدر : إستدعاه رئيسه للتحقيق بجريمته التي كادت تكون مثاليّة ، لولا أن فضحته العجوز الفضوليّة باللحظة الأخيرة !


فسأله رئيس المركز الذي حقّق معه بنفسه :

- انت تعمل معنا منذ عشرين سنة ، وكشفت عشرات الجرائم الغامضة .. فلما ضيّعت مستقبلك هكذا ؟!

المحقّق بقهر : لا تحكم عليّ .. فلوّ عرفت بخيانة زوجتك ، لفعلت الشيء ذاته .. فلا شيء يؤلم أكثر من غدر ، أعزّ الناس اليك !

الرئيس : آه صحيح ! ماذا فعلت بزوجتك ؟ هل واجهتها بفعلتها ؟

فالتزم المحقّق الصمت..

الرئيس بعصبية : تكلّم !! ماذا فعلت بها ؟!

لكنه لم يجيب !

الرئيس : انا اعرف رقم منزلك

واتصل مراراً ، دون جواب !

الرئيس بقلق : هل قتلتها ايضاً ؟!

المحقّق : هذه المرة لن اساهم بحلّ لغزّ اختفائها..

وابتسم بخبث !


الجمعة، 15 سبتمبر 2023

الموهبة الضائعة

تأليف : امل شانوحة 

 

جريمةٌ غامضة


((لست بخير ! أحسّ بالملّل والضياع .. لم أعدّ أشعر بالشغف اتجاه هوايتي .. قلبي فارغٌ من المشاعر .. موهبتي أرهقتني .. فيها الكثير من الجهد ، والقليل من الإمتنان .. والنقد الهدّام أثقل كاهلي .. لا استطيع الإكمال دون نورٍ ، بآخر النفق الطويل المُظلم ! أنا أختنق فعلاً ، أحتاج للحرّية .. اريد إطلاق جانحيّ ، والطيران الى ما لا نهاية))  


كانت هذه آخر كلمات جيمس (الكاتب الشهير) التي نشرها في مدوّنته ، قبل اختفائه!

ولم يعلم احد اين هو ، حتى صديقه المقرّب (مايكل) الذي استأجر له كوخ الجبل بناءً على طلبه .. فهو رجلٌ ستينيّ أعزب ، سخّر حياته لمتابعيه ولموهبته الكتابيّة التي برع فيها منذ مراهقته .. 


ولأن كوخه بعيداً عن منازل القريّة الجبليّة الهادئة ، لم يشعر أحد برحيله إلاّ بعد إيجادهم قطّته المُدلّلة تائهة بالطرقات ! ويبدو انه أطلق سراحها قبل إختفائه الغامض .. والأغرب ان سيارته مازالت امام منزله الصغير !

 

وتمثلّت شكوك صديقه مايكل : بإكمال سيره لأعلى الجبل (القريب من كوخه) فهو لطالما أخبره برغبته إكتشافه ، كما فعل مع والده الذي ملك ناديّاً لكشّافة الصّغار ! 


المرعب بالموضوع : انه نشر كلامه الكئيب في مدوّنته ، آخر الليل! 

فهل يُعقل أن رجلاً عاقلاً مثله ، يكتشف الجبل في عتمةٍ دامسة (فلا وجود لإنارات الشارع في تلك المنطقة)  


ولأن مايكل لديه نسخة من مفاتيح الكوخ ، ذهب لتفتيش اغراض زميله الضائع .. 

وسرعان ما تحقّقت اسوء مخاوفه : بعد اكتشافه إختفاء الحبال السميكة (المستخدمة بالكشّافة) والمصباح الضخم الذي خبّأهما جيمس في خزانة الصالة (بعد أن شاهدهما مايكل بآخر زيارةٍ له ، قبل اسبوع) وهو يخبره بأنه يوماً ما سيستخدمهما بمغامرته القادمة.. ممّا يؤكّد ذهابه ليلة اختفائه لأعلى الجبل ! 


والأسوء انه لم يأخذ جوّاله الذي تركه على طاولة مكتبه ، بجانب حاسوبه !


لهذا لم يعدّ امام مايكل إلاّ نشر خبر ضياع الكاتب المشهور في الجبال على جميع وسائل التواصل الإجتماعيّ 

***


حزن متابعوا الكاتب على الخبر المُفجع .. وقرّروا التجمّع في تلك القريّة الجبليّة لبحثٍ كشفيّ مُكثّف ، لإيجاد كاتبهم الضائع منذ اسبوع .. او ايجاد جثته ، لدفنها بشكلٍ لائق .. فهو من نوابغ بلدتهم ، ولا يستحق الموت بهذه الطريقة المُشينة !


ورغم ترجيح الشرطة موته ، لانتشار الذئاب والكلاب الضالّة في تلك المنطقة النائية .. إلاّ أن معجبيّ الكاتب أصرّوا على تسلّق الجبل وإيجاد جثته ، او ما تبقى منه !


وبذلك انتشر ثلاثون شاباً ، مُزوّدين بالأدوات الكشفيّة ووسائل تسلّق الجبال .. بالإضافة لدوريتيّن من الشرطة .. 

وبدأوا البحث منذ الصباح ، الى أن أوشكت الشمس على المغيب دون عثورهم على دليلٍ يوصلهم لمكان الكاتب !


وقبل إنهائهم التفتيش بعد حلول الظلام .. وصلهم إتصال على الّلاسلكي من أحد المتطوّعين يُخبرهم : أنهم يُمشّطون المكان الخاطئ ! فقد وجد سهماً بالقلم الأحمر محفوراً على شجرة ، في الجبل الملاصق للمكان الذي يبحثون فيه  


فأسرعت الشرطة والشباب المتطوّعين للجبل الآخر .. وتتبعّوا الإشارات الحمراء المحفورة على عدّة أشجارٍ مُتباعدة ، أوصلتهم الى كهفٍ صغير بأعلى الجبل 


وما أن اشتمّ قائد الشرطة الرائحة العفنة ، حتى أمر الشباب بالإبتعاد لوجود جثةٍ مُتحلّلة بالداخل 

^^^


بعد ساعة .. وقف متابعوا الكاتب بذهول ، وهم يشاهدون المُمرضيّن يحملان كيساً اسوداً فوق نقّالة ، باتجاه سيارة الإسعاف المتوقفة اسفل الجبل! 

وبذلك تأكّد خبر وفاة الكاتب الموهوب ، الحاصل على العديد من الجوائز الأدبيّة المحلّية والعالميّة 

***


وبعد الحادثة ، ساد الإعتقاد : بأن جيمس تعب اثناء تسلّقه الجبل ، وقرّر المبيت في الكهف بانتظار الصباح .. لكنه توفيّ بأزمةٍ قلبيّة ، بسبب المجهود العضلي الذي يفوق عمره 


لتأتي نتيجة التشريح صادمة للجميع : بموته خنقاً ! بعد إيجاد أثر ظفرٍ بشريّ في عنقه ، من الخلف .. ممّا يعني قتله غدراً !

فدبّ الرعب في قلوب أهالي القرية ، لوجود قاتلٍ طليق بينهم .. فهل هو مشرّدٌ مُختبئ في اعالي الجبال ؟! 

***


وبدأت التحقيقات مع المقرّبين من الكاتب جيمس الذي كان إنطوائياً بطبعه ، حيث سمح للقلّة من الناس دخول منزله .. ومنهم خادمه الذي يزوره مرّة في الإسبوع .. والذي صادف غيابه تلك الفترة ، لإجرائه عمليّةٍ جراحيّة في المستشفى 


وايضاً صديقته التي تعمل في دار النشر ، والتي بالعادة تزوره بالعطل الرسميّة .. لكنها أثبتتّ غيابها : بوجودها في المنطقة المجاورة ، لحضور ولادة حفيدها الأول 


اما صديقه مايكل : فأخبر المحقّق بقضاء عطلته ، بقيادة يخته في المنطقة الساحليّة التي تبعد اميالاً عن القريّة الجبليّة .. 

وشهد عامل الميناء بإبحاره ليلاً ، رغم نصحه بتأجيل الرحلة بسبب الضباب الكثيف .. وعاد بيخته قبيل الظهر (إيّ بعد اختفاء الكاتب تلك الليلة) 

ولم يشكّ المحقّق بكلامه .. لأنه دكتور الّلغة الإنجليزيّة بجامعةٍ مرموقة ، والمعروف بحسن سمعته بين زملائه وطلّابه 


فقُيّدت القضيّة ضدّ مجهول : بافتراض أن مشرداً سكن الكهف .. وبعد رؤيته الكاتب نائماً في بيته ، خنقه حتى الموت ! .. ثم هرب لمكانٍ آخر ، قبل قدوم الشرطة

***


بعد عام على إغلاق القضيّة .. نشر مايكل رواية بإسمه ، أثارت ضجّةً إعلاميّة لشدّة جمالها ودقّة تفاصيلها .. 

وأُعجب بها الجميع ، ماعدا قارئة لاحظت تشابه روايته مع اسلوب جيمس ! حتى علامات الترقيم واستخدامها المُتكرّر ، تُشابه طريقة الكاتب الراحل بشكلٍ مشبوه ! 

فراسلت موقعاً لمحبّي الكاتب الراحل ، وأخبرتهم بشكوكها ..

 

وسرعان ما حصلت على تأييد الكثير من معجبيه .. ووصلت شكواهم لإبن المحقّق الذي أخبر والده برأيّ المتابعين القدامى للكاتب جيمس .. 


فقرّر فتح القضيّة دون إبلاغ الإدارة بذلك ، والتي ستتحججّ بمرور عام على إغلاق القضيّة الغامضة ..

وقام ببحثٍ سرّي في المدرسة المتوسطة التي جمعت الصديقان (جيمس ومايكل) لأول مرة .. وراجع نتائج المسابقات الأدبيّة التي اشتركا فيها قديماً 

***


بعد اسبوع ، زار المحقّق منزل الدكتور مايكل .. ومن دون مقدّمات ، سأله بحزم :

- لما فعلت ذلك ؟

- ماذا تقصد ؟!

المحقّق : أمعقول أن تقتل صديقاً لأكثر من أربعين سنة ، لسرقة روايته ؟! 

فضحك مايكل :

- يارجل أرعبتني .. قلّ إن روايتي أعجبتك ، بدل إتهامي بجريمةٍ لا إنسانيّة


فرمى المحقّق اوراقاً امامه (أحضرها من إرشيف مدرستهما القديمة) : 

- لم اتفاجأ انه الفائز بجميع المسابقات الأدبيّة على مستوى المدارس .. وعلى فكرة !! معلّمة الإنشاء مازالت حيّة ، فهي بنهاية الثمانينات .. وهي تذّكركما جيداً .. حيث وصفت جيمس بالموهوب ، وانت بالعنيد .. فبرأيها الموهبة هي هبةٌ من الله ، وجيمس كان يملكها .. فهو كان يُنهي المسابقة الأدبيّة بربع ساعة ، وهو مستمتعٌ بتأليف قصّته .. بينما أنت تتصبّب عرقاً ، وكأنك تنحت بالصخر .. فالموهوبة لا تُدرّس .. كالشاعر الذي يلقي قصيدته دون تحضير.. والرسّام والخطّاط الّلذان يتلاعبان بالريشة والقلم بخفّةٍ وسهولة .. والمغني الذي يصدح بأنغامه دون تمرين .. هؤلاء موهوبين بالفطرة .. ولا يعني تمكّنك من القواعد ومفردات الّلغة ، انك تجيد إبتكار الأفكار المُبدعة .. وهذا ما كان يغيظك بجيمس ، اليس كذلك ؟ 

فسكت مايكل بامتعاض .. 


المحقّق : وأظن جيمس أخطأ حين جعلك تقرأ روايته الأخيرة قبل نشرها .. فماذا شعرت وقتها ؟ هل قلت بنفسك : إنك تستحقّ الرواية ، بعد كل إخفاقاتك السابقة ؟ 

مايكل بعصبيّة : إتهامك لا يستند على أدلّةٍ قوية ، مجرّد إفتراضاتٍ سخيفة من مُحقّقٍ مُبتدئ !!

- أتدري من كشف جريمتك ؟ معجبوا جيمس الذين أكّدوا تشابه روايتك مع اسلوبه الذي اعتادوا عليه لسنوات .. برأيّ كان عليك إضافة بعضاً من سردك الّلغويّ المحترف ، وتغيّر الحوارات بين ابطال الرواية .. لكن يبدو إن بُعدك عن الكتابة طوال سنوات تدريسك الجامعيّ ، أنستك الأسلوب الأدبي الذي فشلت فيه طوال حياتك .. لهذا نشرتها كما هيّ ، ظنّاً بأن معجبيه نسوه بعد عامٍ من وفاته ، اليس كذلك ؟ 

فصمت مايكل بغيظ ..


المحقّق : يبدو أن الغيرة إشتعلت في قلبك ، فور إنهائك روايته الغير منشورة .. فحاولت إقناعه باكتشاف الجبل سويّاً ، كما فعل مع والده.. وعندما وصلتما للكهف ، خنقته من الخلف حتى الموت .. وتركته هناك ، لتعود الى كوخه .. وتنشر بحاسوبه ، كلامه التشاؤمي قبل اختفائه ! .. ولأنك ترغب بنشر روايته بعد نسبها إليك ، كان عليك إغلاق قضيّته بأسرع وقتٍ ممكن .. لهذا وضعت الإشارات الحمراء على الشجر ، صعوداً الى الكهف .. 

- كلامك غير منطقيّ

- إذاً سأجعله منطقيّاً .. ليلة البحث عن صديقك المفقود في الجبل الكبير .. إتصلت بهم ، لوضعهم على المسار الصحيح .. فأحد المتطوّعين أخبرني بوجود عجوزٍ بينهم ، أصرّ على إخفاء وجهه بالشالّ رغم الجوّ الدافئ .. وانه تركهم فور وصولهم للجبل ، وقبل اكتشافهم الجثة .. فهل رحلت بعد انهاء مهمّتك ؟ 


مايكل : انا لم أذهب للبحث عنه ، فصحّتي لا تسمح بتسلّق الجبل .. ثم وقت الجريمة كنت برحلةٍ بحريّة ، كما أخبرك عامل الميناء .. هل عليّ تذكيرك بذلك مِراراً ؟! 

- نعم ، أبحرت بذلك المساء المليء بالضباب الذي لم يجعل احدٌ يراك وانت تُخبئ يختك بالميناء المهجور الذي لا يبعد كثيراً عن الميناء الجديد .. بعدها ركبت سيارتك التي أوقفتها هناك سابقاً ، وانتقلت الى الجبل لإقناع صديقك برحلته الأخيرة .. وبعد قتله .. عُدّت سريعاً للميناء المهجور ، لإعادة يختك لمكانه المعتاد قبل زوال الضباب ظهراً .. وكلّ هذا المجهود ، لكيّ تُثبت حجّة غيابك بليلة إختفاء صديقك ..

مايكل : لا دليل على كلامك


المحقّق : وماذا لوّ قلت لك ، أن لديّ شاهد رآك مع جيمس فوق الجبل 

بصدمة : ماذا !

المحقّق : أتذكر فرضيّة مقتله على يد مشرّد يعيش بكهف الجبل ؟ .. يبدو انها حقيقية ! فهناك مُشرّد أمسكناه ثملاً قبل اسبوع .. ومن شدّة خوفه ، أخبرنا برؤيته عجوزيّن يقتحمان كهفه .. احدهما خرج سريعاً .. والثاني ظلّ بداخله.. ثم وصف لنا طولك ووزنك ، والشامّة على خدّك .. حتى خاتمك العاجيّ .. وعندما أريناه صورتك ، أكّد أنه انت .. ووعدنا بالشهادة ضدّك في المحكمة 

مايكل بارتباك : اريد محامياً

المحقّق بابتسامة النّصر : سأعتبر هذا إعترافاً بجرمك

ثم اقتاده لمركز الشرطة ..

***


وتحت ضغط التحقيق المتواصل ، إعترف الدكتور مايكل بغيرته الشديدة من موهبة جيمس الفريدة من نوعها .. فرغم تفوّقه عليه بمفردات الّلغة الإنجليزية ، لكنه الفائز دائماً بالمسابقات بسبب أفكاره المُبدعة ! .. وانه عندما قرأ روايته ، شعر بأنها بوّابته للشهرة السريعة .. واعترف ايضاً بسرقته لكشكول جيمس المليء بالأفكار الإستثنائيّة ، التي كان ينوي تحويلها الى قصصٍ مستقبليّة..


وقد أثار إعترافه ضجّة بين الأدباء والقرّاء بعد خسارتهم عقلاً مُبدعاً ، ونادر الوجود في عصرنا الحاليّ ! 

***


مالا يعرفه مايكل : إن المحقّق إخترع فكرة المُشرّد الشاهد .. وانه لولا إعترافه ، لما كان هناك دليلاً قويّاً ضدّه .. خاصّة أن القريّة الجبليّة خالية من كاميرات الشوارع .. لهذا لم يدوّن المحقّق موضوع الشاهد الإفتراضيّ بتقريره الذي أدّى للحكم على الصديق الخائن بالسجن المؤبّد ، الغير قابل للطعن !


الأربعاء، 8 فبراير 2023

المحقّق الصغير

كتابة : امل شانوحة 

رسومٌ متحرّكة


تمّ إستدعاء المحقّق المتقاعد آدم ، للتحقيق في سلّسلة جرائم غامضة حصلت اسبوعيّاً على مدار شهرين ، عجز مركز الشرطة (الوحيد بالمدينة الساحليّة) عن حلّها ، بقيادة محقّقهم الشاب إريك .. مما استدعى تدخلٌ سريع للمحقّق آدم المتمرّس بحلّ الألغاز المعقّدة ..


وبعد نزوله لإرشيف المركز ، أخبره المحقّق إريك عن شكوكه بأنهم يطادرون قاتلاً متسلّسلاً في غاية الدهاء .. فمنذ سنوات لم يُحجز في سجنهم الصغير سوى مخالفين المرور والمراهقين المشاغبين.. ولم تحصل جريمةٌ واحدة منذ عقدين من الزمن في مدينتهم الصغيرة ! 

بعكس آدم الذي حقّق بالعديد من قضايا القتل الغامضة في العاصمة قبل انتقاله لمدينتهم بعد التقاعد ، للبقاء بجانب عائلة ابنته 

*** 


وبعد وضع ملفات القضايا الثمانية امامه ، أطلعه إريك على ملخّصاتها ..

فالقضيّة الأولى : 

((كانت لسائحة وُجدت جثتها مُنتفخة على الشاطىء ، بعد غرقها في رحلة غوصٍ مع زوجها))

 

فسأله آدم : 

- واين زوجها الآن ؟

إريك : منعناه من مغادرة مدينتنا لحين كشفنا الّلغز ، وهو مُحتجزٌ داخل غرفته في الفندق منذ ثلاثة اسابيع 

- وهل فتشتم حقيبته جيداً ؟

- ليس فيها سوى ملابسه وحاسوبه 

آدم : وكيف قدِم مع زوجته الى مدينتنا ، عن طريق الحافلة ام الطائرة ؟

- بل الطائرة ، فهما قادمان من الولاية المجاورة 

آدم : وكم تذكرة عودة وجدتم في حقيبته ، بعد وفاة زوجته ؟

فأجابه إريك بدهشة :

- لم نجد سوى تذكرة طائرته فقط !

آدم بثقة : اذاً هو القاتل !! وإن كان لديها تأميناً مغرياً على حياتها ، نكون وجدنا سبب الجريمة

- انت عبقريّ ! .. الآن لدينا سبباً لاعتقاله 


وارسل إريك شرطيّن للقبض على زوجها بتهمة القتل.. 

^^^


بعد قليل .. وصل الزوج الى مركز الشرطة ، وهو يصرخ مُعترضاً على تقيّده وإهانته امام نزلاء الفندق .. 


وبعد التحقيق معه .. أصرّ على قطعه تذكرتين عودة.. لكن بطاقتها للطيران ضاعت من غرفة الفندق ، عقب إختفاء زوجته بالبحر ! وانه لم يطمع يوماً بمبلغ التأمين على حياتها ، لأن حسابه بالبنك ضعف ما تملكه من نقود 


لكن حججه لم تقنع المحقّقان آدم وإريك الذي أرسله الى السجن لحين محاكمته

*** 


اما القضيّة الثانية : فاستطاع آدم حلّها بسهولة ، فور انتهائه من قراءة تقرير الشرطة .. حيث ذُكر فيه : ((أن صديقة الضحيّة وصلت الى ساحة الجريمة ، بعد إتصال الشرطة بها !)) 

وحلّ الّلغز بعد استفساره من إريك : 

- هل أطلعتموها على مكان وفاة صديقها ؟

إريك : لا ابداً ، أخبرناها فقط بعثورنا على جثته بالغابة .. وأن عليها التوجّه بعد ساعة الى مشرحة المستشفى للتعرّف عليه .. لنتفاجأ بقدومها الى ساحة الجريمة قبل نقلنا جثته بسيارة الإسعاف ! 

- واين مات تحديداً ؟ 

- في عمق الغابة ، وهو لا يبعد كثيراً عن الكوخ الذي استأجراه لقضاء عطلتهما ..

آدم : طالما عرفت مكان موته ، فهي القاتلة .. إسجنوها فوراً !!

^^^


وكانت ردّة فعلها مُشابهة للقاتل السابق ! بعد إصرارها بأن احدهم اتصل بها عقب إغلاقها مكالمة الشرطة ، وحدّد مكان الجثة بدقة .. 

لكن المحقّقان لم يصدّقا كلامها ، واحتجزاها لحين محاكمتها 

***


اما بقيّة القضايا ، فأخذها المحقّق آدم الى منزله لمراجعتها على مهل .. بعد شكوكه بأنها لعدّة قتلة ، وليس لقاتلٍ واحد ..

***


في اليومين التاليين ، عمل آدم على حلّ قضيتين مُتشابهتين : وهي لمجموعة من المراهقين ماتوا مسمومين في مخزنين مهجورين .. والفارق الزمني بين الجريمتين اسبوعاً فقط !


ففي الجريمة الأولى التي أنهت حياة خمسة مراهقين : وُجد امام طاولتهم ستة اكواب فيها بقايا عصيرٍ مسموم .. 

ورغم اختفاء الناجي الوحيد بينهم ، إلاّ أن كأسه حوى إيضاً آثار السمّ .. 

فلما بقيّ حياً بعكس رفاقه ؟ وهل هو صاحب المكالمة المجهولة التي أبلغ فيها الشرطة عن مكان الجثث ؟


وقبل إيجاد آدم الحلّ ، رنّ جرس بابه .. ليجد ابنته تستأذنه بترك ابنها (12 سنة) عنده ، لأن لديها موعداً مع طبيب الأسنان .. 

ورغم انشغاله بعمله ، إلا انه وافق على استضافة حفيده الوحيد لبعض الوقت


وبعد ذهابها ، طلب منه اللعب بجواله بصمت امام مكتبه .. 

ثم وصله إتصال من إريك يسأله عن المستجدّات بالقضيّتين التاليتين ، فأهالي الضحايا يستعجلونهم لمعرفة قاتل ابنائهم ..


فأخذ الجدّ يناقش معه الّلغز على الهاتف ، ليفاجأ بحفيده يقول وهو يتابع اللعب على جواله :

- السمّ في مكعبات الثلج ، يا جدي 

فصعق الجد بما سمعه ! وأخبر إريك باتصاله لاحقاً 


وبعد انهاء مكالمته ، سأل حفيده :

- كيف عرفت ؟!

الحفيد : عُرض ذات الّلغز بإحدى حلقات المحقّق كونان ، الم تشاهده من قبل ؟

- أتقصد الرسوم المتحرّكة اليابانية ؟

- هي سلسلة مانغا للكاتب غوشو أوياما ، حُوِّلت إلى مسلسل أنمي وألعاب فيديو يا جدي

الجد : نعم ، شاهدت حلقة منها .. هي جميلة ، لكنها برأيّ لا تناسب الأطفال .. فهي تشجّع عقولهم على التفكير بجريمةٍ كاملة .. المهم !! لديّ سؤال يخصّ قضيتي .. لما لم يموت الضحيّة السادسة ؟

- ومن قال انه ضحيّة .. ربما هو الذي استضافهم لقتلهم

- إحتمالٌ وارد ! إكمل نظريتك

الحفيد : أظنه شرب العصير بسرعة قبل ذوبان الثلج في كأسه .. بينما شربوا رفاقه العصير متأخراً


فقبّل الجد رأسه بفخر :

- انت رائع !! لقد حللّت الّلغز الذي عجزت الشرطة عنه

- لأني شاهدت جميع حلقات كونان ، وحلقات شارلوك هولمز الصغير

الجد : شارلوك محقّقٌ كبير ، عُرض مسلّسله في زماني 

- لا ، فقد أصدرت شركة والت ديزني مسلسلاً للأطفال : عن شارلوك هولمز بعد عودته لزمننا بهيئة طفلٍ عبقريّ ..لكن الرسوم اليابانية (المحقّق كونان) تبقى أفضل بكثير ، فهي تناقش قضايا جنائية حقيقية .. المحزن إن كلا المسلّسلين انتهيا بوفاة المؤلف اليابانيّ ، واختتام النسخة الأمريكية بالحلقة الثلاثين .. ونشعر انا واصدقائي بالمللّ لعدم وجود قصصٍ بقوتهما ! 

الجد : اذاً اريدك أن تساعدني بحلّ الّلغز الثاني 

- وماهو ؟


فأخبره عن عثور الشرطة على ثلاثة مراهقين في مخزنٍ آخرٍ مهجور ، بعد وفاتهم بجرعة سمّ .. ولم يجدوا بساحة الجريمة سوى حبوب ادوية متناثرة على طاولتهم 

الحفيد : طالما الجريمتين متشابهتين ، فالقاتل واحد 

- أظن ذلك .. 

- وهل اقراص الدواء مسمومة يا جدي ؟

الجد : لا ابداً ، فالمختبر الجنائي أكّد انها فيتامينات 


ففكّر الصغير جيداً ، قبل ان يقول : 

- اظنه وضع السمّ بكؤوس الماء  

الجد بصدمة : يا الهي ! ستصبح أفضل من جدك حينما تكبر .. كيف لم يخطر ببالي ذلك !

- أعتقد أن القاتل راهنهم على تناول الحبوب ، ووعدهم بجائزةٍ مالية لمن يجد الحبة الغير سامة بينها .. دون وضعه السمّ في مائه ، بعكسهم

الجد : انت لا تدري كم انا فخورٌ بك

- جميع اصدقائي يفكّرون مثلي ، فنحن عشقنا المحقّق كونان وشارلوك الصغير كثيراً


وهنا وصله اتصال من مدير الشرطة : 

الجد : سنكمل كلامنا لاحقاً ، عليّ إخباره بحلّ اللّغزين.. ذكّرني أن أشتري لك هدية لاحقاً 

الحفيد بابتسامة : على الرحب والسعة يا جدي

^^^


رغم حلّ القضيتين السابقتين إلاّ انهم لم يجدوا القاتلين او ربما ذات القاتل الذي فرّ من المخزنين المهجورين دون شهود .. خاصّة لعدم وجود كاميرات مراقبة بذلك الشارع المظلم

***


اما القضيّتين التاليتين فكانتا اكثر غموضاً .. حيث تلقّى مركز الشرطة إتصالاً مجهولاً لشخصٍ يطلب إرسال مظلّتين وحقيبة مالٍ لسطح البرج (مبنى من 12 طابقاً وهو الأعلى في منطقتهم الساحليّة ، عبارة عن فندقٍ قيّد الإنشاء يطلّ على الشاطىء)

 

وقد أجبر الخاطف الشرطة على توصيل حقيبة المال بمبلغ 10 الاف دولار (وهو مبلغٌ مقبول بالنسبة لمتطلّبات معظم الخاطفين المبالغ فيها) الى السطح باستخدام سلّم سيارة المطافئ ، بعد أن هدّدهم بوجود قنبلةٍ مزروعة بين ادراج الطابق الأول والثاني..


وحين وصل رجل الإطفاء ، وجد شاباً مقنّعاً يضع مسدسه برأس موظفة (تعمل في محلٍ قريب من الفندق) .. 

مما أجبره على تنفيذ الأوامر : بوضعه المظلّتين وحقيبة المال امام الشاب المقنّع ، والنزول مجدّداً على السلم ..


وانتهت القضيّة .. باستغلال الخاطف للرياح العاصفة بذلك اليوم ، التي جعلت مظلّته تصل الى الشاطىء القريب .. والهروب بقاربٍ اتوماتيكيّ ، بعيداً عن انظار الشرطة .. 


وفي نهاية الملفّ ، وجد آدم تساؤل إريك : ((لما طلب مظلّتين ، طالما ترك المُختطفة على السطح غائبة عن الوعيّ بعد تخديرها بحقنة منوّم ؟!))


ولم يكن صعباً على آدم معرفة نوايا الخاطف .. فاتصل على إريك لإخباره السبب ، الذي يدلّ على ذكاء الرجل المقنّع :

- هو طلب مظلّتين لإيهامكم بأن الأخرى للرهينة ، ضماناً له .. كيّ لا تفسدوها ، فيسقط ميتاً للأسفل .. لهذا أجبركم على إحضار مظلّتين صالحة للتحليق بهما في الهواء .. الم تتعقبوا ارقام النقود التي أعطيتموها له ؟

إريك : بلى ، ويبدو انه وزّعها على فقراء المنطقة !

- أنت تمزح ! ألم يصرفها على نفسه ؟ 

- لا .. ربما اراد التشبّه بروبن هود  

آدم : لما يخاطر بنفسه لأجل فقراءٍ لا يعرفهم ؟! القضية فعلاً غريبة

 

اريك : ماذا بشأن القضيّة التالية ؟ فالرسالة التي وجدناها بيد العجوز الميت : يطالبنا فيها بعدم البحث عن قاتله ، لأنه هو من ترجّاه لإنهاء حياته !

آدم : وهل صدّقت ذلك ؟ لابد أن القاتل كتبها بنفسه

- خطّ الرسالة تُشابه ما كتبته العجوز في مذكراته 

- وهل صعبٌ على القاتل تهديده بالسلاح لكتابة الرسالة ؟ 

إريك : لكنه عجوزٌ هرم ومسالمٌ للغاية حسب شهادة جيرانه ، فلما قتله؟! 

- الم يُفقد شيءٌ ثمين من شقته ؟  

إريك : لا ، حتى امواله مازالت في درج مكتبه .. وخاتمه الذهبي ظلّت بيد الجثة

- يبدو أن القاتل يتلاعب بنا

إريك : أتظنه نفس القاتل بالقضايا السابقة ؟ 

- القاسم المشترك بينهم ، انهم جميعاً اذكياء .. فلندعو الله انه واحد ، كيّ لا نُطارد عدّة بارعين بإخفاء جرائمهم .. 

***


بعد قيام آدم بحلّ الألغاز السابقة من منزله ، كان عليه التوجّه لمسرحيّ الجريمتين التاليتين.. 

ففي الجريمة الأولى : عثرت الشرطة على صورة لمنتحر ، أُلتقطت من كاميرا فوريّة .. وتُركت الصورة بجانب الجثة ، مما يؤكّد انها جريمة قتل .. والتي حصلت قرب مبنى مهجور من خمسة طوابق ! 


وبعد وصول آدم الى هناك .. عاين مكان موت الضحيّة (حسب الطبشور المرسوم على الرصيف داخل زقاقٍ ضيّق) 

ثم نظر مجدداً للصورة ، وهو يقول لإريك : 

- هل معك علبة سجائر ؟

- لم اكن اعرف انك تدخن !

- أجب سؤالي 

إريك : نعم معي ، وفيها ستة سجائر

- عدّدها كافي .. أعطني العلبة مع الولاّعة ، والحقني


ودخل آدم المبنى المهجور .. وصعد السلالم ، الى ان وصل للطابق الأول الذي وجد نافذته المطلّة على موقع الجريمة ، مُغلقة ! 

فأشعل السيجارة ، وفتح النافذة .. ثم رماها للأسفل .. وظلّ يراقب السيجارة من فوق بصمت ، دون فهم إريك ما يفعله !


وبعد قليل ، نظر آدم لساعته : 

- إستغرق الأمر ثلاثة دقائق

إريك : ماذا تفعل ؟!

- إتبعني بصمت


وصعد آدم للطوابق الأخرى ، رامياً سيجارة مشتعلة من نوافذها التي وجدها جميعاً مفتوحة .. وبعد مراقبته الوضع بكل طابق ، نزل لاهثاً مع إريك للأسفل 

إريك : سيدي أتعبت نفسك بصعودك الطوابق الخمسة ! 

آدم : هي بالفعل جريمة قتل .. ولولا أن رأس الضحيّة إرتطم بقوة بحافّة الرصيف ، لما مات من الطابق الأول

إريك باستغراب : اليس غباءً أن ينتحر من الطابق الأول ؟ ألم يكن أفضل لوّ صعد للسطح ؟

- الم تسمع ما قلته ؟ هي جريمة قتل وليست انتحار .. وهناك من دفع الضحيّة من ظهره ، اثناء تدخينه السيجارة 


إريك : ولما اخترت الطابق الأول بالذات ؟

آدم : أنظر للصورة جيداً .. فطرف السيجارة الموجودة اسفل ذراع الضحيّة ، مازالت مشتعلة اثناء التقاط القاتل للصورة الفوريّة .. مما يؤكّد ان أحدهم دفعه ، ثم أغلق النافذة خلفه ..  

- فعلاً هي النافذة الوحيدة المغلقة بجميع ادوار المبنى !

- وهذا خطأ القاتل الذي لم ينتبه ايضاً لاشتعال السيجارة بجانب الجثة .. فحين رميت السجائر من بقيّة الطوابق ، انطفأت قبل وصولها الأرض .. بينما استغرقت ثلاثة دقائق لتنطفئ بعد رميها من الطابق الأول ، وهو وقتٌ كافي لنزول القاتل وتصويره الضحيّة 


إريك : انت رائعٌ فعلاً ! ومع هذا ، لم نستطع إكتشاف الجاني 

- الا تلاحظ إن معظم ضحايا القضايا الثمانية ، من المراهقين والشباب ؟ اظن القاتل يعرفهم من قبل  

إريك : الإطفائي الذي ارسلناه بمال الفدية ، أخبرنا أن يد الخاطف المقنّع تبدو لمراهقٍ وليس لرجل .. هل نحن بصدّد قاتلٍ متسلّسل ؟ 

- سنعرف بعد حلّنا الّلغز الأخير


إريك : القضيّة الثامنة والأخيرة : هي لشابٍ منتحر ، وجدنا بجانبه مُسجلٍ قديم فيه شريط بصوته : يؤكّد إنتحاره

آدم : وهل هو صوته بالفعل ؟

- هذا ما أكّدته أخته .. وكان صوته مرتجفاً ، كأنه خائف

- واين المسجّل ؟

إريك : في ارشيف الشرطة

- اذاً لنذهب ونسمعه جيداً

***  


((كان الشريط بصوت المنتحر وهو يطلب السماح من زوجته لإنهاء حياته بسبب ديونه المالية))

فسأل آدم إريك :

- هل انت من وجدّت المسجّل اولاً ؟

- نعم 

- إخبرني بالتفصيل كيف سمعت الرسالة ؟

إريك : ضغطت زرّ الجهاز ، وسمعت كلامه المرتجف .. وبعدها بثانيتين ، ظهر صوت الطلقة النارية بالتسجيل .. 

- هل سمعت الرسالة فور ضغطك زرّ المسجلّ ؟ 

- نعم ، لما تسأل ؟!

آدم : يبدو انه أخبر رسالته الأخيرة تحت تهديد السلاح ، ومن بعدها قُتل

- لكن المختبر الجنائي يؤكّد بصماته على المسدس ، وهناك علامة لفوهة المسدس على رأس الضحيّة.. يعني المنتحر هو ماسك السلاح  

آدم : بل القاتل أجبره على قتل نفسه ، بعد تسجيله الكلام الذي أملاه عليه


إريك : لا أفهم لما تصرّ على انها جريمة قتل ؟!

آدم : لأنك سمعت رسالة المنتحر بعد طلقة النار .. وهذا يؤكّد أن القاتل أعاد الشريط ، لتسمعه الشرطة منذ البداية 

- فاجأتني من جديد ! حسناً .. طالما تأكّدنا انها جريمة قتلٍ أخرى ، فهل هي لنفس القاتل بالقضايا السابقة ؟ 

آدم : عليّ التحقيق مع القاتلين في اول قضيتين ، لأني بدأت أشكّ أن كلامهما صحيح .. ويبدو أن القاتل المتسلّسل الذي نبحث عنه ، ورّطهما بالجريمتين الّلتين تتشابهان بأسلوبه ودهائه ! 

إريك : اذاً سأرسلهما تباعاً ، للتحقيق معهما ثانيةً

***


بالعودة للقضيّة الأولى : أصرّ الزوج على قطعه تذكرتيّ عودة : له ولزوجته .. وعدم طمعه بمبلغ التأمين على حياتها .. 

وأخبر آدم انه غاصّ مع زوجته لاكتشاف مغارة في عمق البحر .. ودخلت قبله الى هناك ، ولم تخرج ابداً !

فصعد الى قاربه ، لطلب المساعدة من مرافقي الرحلة .. فنزلوا جميعاً للبحث عنها ، دون عثورهم عليها داخل المغارة .. وبعدها بأيام ظهرت جثتها على الشاطىء 

^^^


اما بالقضيّة الثانية : فأصرّت المتهمة أن اتصالاً وصلها عقب مكالمة الشرطة ، وهو من حدّد لها مسرح الجريمة بدقّة داخل الغابة .. وطلبت من المحقّق آدم التأكّد من سجل مكالمات جوالها قبل شهر ، من شركة الهاتف 


فسألها آدم : وهل كان مسرح الجريمة بعيداً عن مكان إقامتك مع صديقك ؟

- لا ، فكوخنا المستأجر بآخر الغابة.. لكننا تركناه قبل يومين من وقوع الجريمة ، لكثرة البعوض

- واين سكنتما بعدها ؟

المتهمة : في فندق المسافرين  


وبعد إعادتها للحجزّ ، تأكّد آدم بأن الفندق الذي اخبرته عنه هو نفسه الذي نزل به السائحين في القضيّة الأولى .. فعرف أن القاتل تتبّع الضحيتين من الفندق ذاته !

***


بعدها بأيام.. استلم آدم سجلّ مكالمات جوّال المتهمة ، ليجد انها تلقت مكالمة من رقمٍ خاصّ ، بعد دقيقتين من مكالمة الشرطة .. 

فطلب من شركة الهاتف تحديد مكان المكالمة المجهولة ، ليخبروه بأنها قادمة من ذات الفندق !

^^^


وفوراً ذهب الى هناك مع إريك ، وطلب التسجيلات القديمة لكاميرات المراقبة بالفندق .. 

لتُظهر الفيديوهات : تعقّب عامل النظافة (المراهق) للسائحين ، كما مراقبته لصديق المغدورة ! 


كما صوّرته الكاميرا الخارجية للفندق وهو يلاحق صديقها برحلته نحو الغابة ، وهو يحمل كيساً اسوداً يبدو بداخله فأساً حاداً ، كالذي أصاب رأس القتيل !


فشعر آدم بالإرتياح ، قائلاً لإريك :  

- أخيراً أمسكنا القاتل المتسلّسل .. إقبضوا على العامل فوراً !!

***  


الغريب إن الموظف البالغ (19) سنة ، لم يقاوم الإعتقال ! واكتفى بابتسامةٍ مستفزّة اثناء تقيّد الشرطي يديه ..

^^^


في مركز الشرطة .. سأل آدم المراهق : إن كان هو من قام بالجرائم الثمانية ؟ 

المراهق باستنكار : ثمانية قتلى ! بل هم عشرة .. يبدو أنكم لم تحققوا بعد بجثتيّ كوخ الصيادين 

آدم بعصبية : ولما قتلتهما ايضاً ؟ 

المراهق : طرقت الباب على كوخهما مساءً ، مُدّعياً ضياعي في طرقات الجبل .. فأصرّا على تناولي العشاء معهما .. فأخرجت مسدسين من جيب معطفي ، وقتلت كل واحدٍ بمسدسٍ وضعته بيد الآخر .. وقمت بتحطيم اثاث كوخهما ، ليبدو ان شجاراً نشب بينهما .. والأجمل انني وجدت صورتين لزوجاتهما في محفظتهما ، فاستبدلتهما.. ليبدو لكم ان كل واحداً منهما مصاحباً لزوجة الآخر .. وعندما انكشف سرّهما ، قتلا بعضهما ..(ثم ضحك).. لا اظنك كنت ستكتشف هذا الّلغز بسهولة ، بسبب وضعي للقفّازين


آدم وهو يكتم غضبه : ولما قتلتهما ، هل كنت تعرفهما ؟

- لا ابداً ، لم اعرف سوى المراهقين في المخزنين المهجورين .. فهما اصدقائي بالثانوية .. وكذلك الشاب الذي رميته من الطابق الأول ، فهو رئيسي بالعمل .. وكان حينها يخبرني برغبته لتحويل المبنى المهجور لفندقٍ آخر بعد ترميمه .. وبصراحة كان شخصاً متزمّتاً ، لهذا رميته من فوق اثناء تدخينه السيجارة


فتنهد آدم بضيق : حسناً ، لنبدأ من القضيّة الأولى .. أخبرني بالتفصيل عن جريمة السائحين ؟

المراهق : دخلت غرفتهما لتنظيفها ، فوجدت بذلتا الغوص المستأجرة .. فقمت بخرق انبوبة الأكسجين لأحدها ، دون معرفتي انها ستكون من نصيب الزوجة.. وبعد ساعتين ، عاد زوجها باكياً لاختفائها بالبحر .. واظن اكسجينها نفذ داخل المغارة .. وبعد انتفاخ جثتها ، رمتها الأمواج للشاطىء .. اما عن اسباب القتل ، فسأخبرك بها بعد شرحي لجميع الجرائم 

آدم : حسناً ، إكمل 

- بعد انشغال زوجها بإدلاء شهادته للشرطي الذي قدم للفندق ، أسرعت الى غرفته .. وفتشت حقيبته ، لأجد تذكرتيّ عودة .. فأخفيت بطاقتها ، للتلميح للشرطة بأنه نوى قتلها قبل قدومه الى مدينتنا .. لكن الشرطة الحمقى لم يكتشفوا الحلّ لشهرين .. فشعرت بالمللّ وتابعت جرائمي 


آدم : وماذا عن الجريمة الثانية ؟

- أظن الكاميرا كشفتني وانا ألاحق الشاب الى الغابة 

- اذاً لا عداوة بينكما

المراهق : لا ، كنت أتسلّى فقط .. وبعد قدوم الشرطة ، إختبأت خلف الشجرة .. ولم يروني لشدّة الظلام .. وسمعتهم يهاتفون صديقته ، ويطلبون حضورها بعد ساعة للمشرحة.. فاتصلت من جوالي على رقمها (الموجود بجوال الضحية ، الذي سرقته منه بعد قتله) وأخبرتها بأن جثته بجانب الشجرة العملاقة الشهيرة بتلك الغابة.. فوصلت قبل نقلهم جثمانه للمستشفى ، لتقع الغبية بفخّ شكوكهم


المحقّق آدم : وماذا بشأن القضايا التالية ؟

المراهق : بدايةً دعني اخبرك بسعادتي لاكتشافك الثغرات التي تعمّدت تركها في كل قضيّة

آدم بتهكّم : أحقاً !

- نعم .. فأنا من اغلقت باب النافذة ، بعد دفع رئيسي من المبنى .. كما أعدّت شريط المنتحر لبدايته.. ووضعت السمّ بالثلج والماء ..اما رسالة العجوز الغامضة ، فكانت جريمتي الأولى .. وحينها لم اكن بارعاً بموهبتي ، لهذا لم يكن صعباً عليك معرفة بأني هدّدته بالسلاح لكتابة رسالته الغريبة  


آدم : لحظة قبل أن تكمل .. من اين لك كل هذه الأسلحة ؟ فأنت تركت سلاحين مع ضحايا الكوخ .. وتركت سلاحاً قرب المنتحر المديون ، بالإضافة للسلاح الذي هدّدته به .. 

المراهق : عمي لديه محل اسلحة ، وكنت اساعد بتنظيفه بأوقات فراغي .. ولا اظنه لاحظ إختفاء اربعة اسلحة صغيرة من متجره المليء بأنواع البنادق والذخائر .. اظنها ستكون صدمة له بعد معرفته بجرائمي الذكية .. المهم دعني أكمل لك إنجازاتي ، فأجمل ما قمت به : هو القفز بالمظلّة بعد طلبي اثنتين منها ، لكن ليس للسبب الذي أخبرتني به .. فأنا لم اطلب الثانية للرهينة ، بل ربطت فيها تمثالاً يستخدم في محلاّت الملابس ، بعد أن ألبسته ذات ملابسي .. وكنت أثقلته بالحجارة .. وهو من رميته اولاً ، لتأكّد من عدم وجود قنّاصٍ ينتظرني اسفل المبنى .. واثناء انشغالهم بطيرانه .. قفزت من الجهة الخلفيّة للمبنى (بعد تخدير الرهينة) باتجاه موقف سياراتٍ فارغ .. ثم مرّرت بجانب الشرطة دون انتباههم ، بعد إزالة قناعي


آدم باستغراب : لكنهم أخبروني بأن الخاطف وصل للشاطىء ، وهرب بالقارب !

- توهمّوا ذلك ، لأنهم وصلوا للشاطىء بعد غرق التمثال بالبحر .. فاعتقدوا بهروبي بالسفينة .. على كلٍ ، انا فخورٌ بك ايها العجوز .. اخيراً وجدّت منافساً ذكياً لي


آدم : دعك من هذا الكلام وأخبرني عن المراهقين المسمومين بالمخزنين ، لما قتلت اصدقاء مدرستك ؟ 

المراهق : في المخزن الأول ، لم يعرف رفاقي بشأن الثلج المسموم .. اما الذين ماتوا بالماء المسموم ، فقد راهنتهم على ألف دولار ان اختاروا الحبة الوحيدة الغير سامة بين الأدوية .. وليتك رأيتهم وهم يرتجفون بشدّة اثناء بلعهم الفيتامينات

وضحك ساخراً..


آدم بحزم : إخبرني الحقيقة ، لما ارتكبت تلك الجرائم ؟ 

المراهق : كنت كتبت هذه الجرائم كحلقات لمسلسل شارلوك هولمز الصغير ، من انتاج والت ديزني..

آدم مقاطعاً : نعم نعم ، تقليداً للمحقّق كونان الياباني

- أحسنت ايها العجوز !

- إكمل !!


المراهق : انا وبقيّة جيلي ، كبرنا على هذين المسلّسين .. ولأني لا اريد النسخة الأمريكية أن تنتهي كاليابانية ، راسلتهم مراراً بأفكاري هذه .. لكنهم أنهوا المسلّسل الرائع بعد ثلاثين حلقة ، وكسروا قلبي مع الكثير من محبّي هذا النوع من الرسوم المتحرّكة .. لذلك فكّرت بارتكاب تلك الجرائم مع ترك ثغرات دقيقة بكل واحدة ، على أمل أن يحلّها محقّق ذكيّ مثلك .. فربما بعد إذاعة قضيّتي بالإعلام ، تصل لأسماع منتجيّ شارلوك الصغير ..فيقومون بإنتاج حلقاتٍ جديدة من مسلّسلي المفضّل

آدم بصدمة : هذا اسوء تبرير سمعته بحياتي !

- صدّقني لو شاهدّت الرسوم ، لأصبحت مهووساً مثلي

***  


لاحقاً ، حصل تماماً كما توقع القاتل المراهق ! وأنتجت والت ديزني حلقات جديدة مُقتبسة عن جرائمه الغامضة التي أفرحت العديد من الأطفال لعودة مسلّسلهم المفضّل ، ومنهم : حفيد المحقّق آدم الذي تفاخر امام اصدقائه بحلّه للغزين من تلك القضايا 


وكان من بين اصدقائه : اثنان من المهوسين بالمسلّسل ، تهامسا فيما بينهما:

- اخيراً عرفنا الطريقة التي تجعل المؤلفين ينتجون المزيد من حلقات مسلّسلنا المفضّل 

- تمهّل قليلاً ، ولننتظر ريثما نصبح مراهقيّن .. من بعدها نخطّط لجرائم غامضة ، كما فعل بطلنا المجنون .. وبذلك يستمرّ مسلّسلنا للأبد

فصافحه بحماس : إتفقنا !!

وابتسما بخبث !


المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة  الخطيب الغيّور دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :  - وأين اجرة...