الجمعة، 11 سبتمبر 2026

التمثيل الهادف

تأليف : امل شانوحة 

المشهد المصيري


في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن خطيبته ؟ 

فأجابه الأستاذ :

- هي غائبة اليوم.. 

الممثل سعيد : هذا خطأي ، كان عليّ الإتصال بها قبل القدوم الى المعهد

الأستاذ : ما رأيك لوّ نستفيد من وجودك ، بإعطائك درساً عملياً للطلّاب ؟

فتحمّست الطالبات للفكرة ..


فوقف سعيد أمامهم ، وهو يسألهم بثقة:

- قبل أن أبدأ ، ما رأيكم بفيلمي الأخير ؟

فارتفعت أصوات الإعجاب والثناء.

فسألهم بغرور : 

- أفهم من ذلك ، أن لا أحد لديه نقد لدوري السابق ؟


فوقفت الطالبة مروى من الصفّ الخلفيّ ، وهي تقول :

- كان دورك جريء أكثر من اللازم 

فردّ سعيد :

- هذه طبيعة الأفلام الرومانسية.

مروى : ليس بالضرورة.. تستطيع تنويع أدوارك.. فأنت قدّمت طوال السنوات الماضية الشخصيّة ذاتها.. فلما لا تجرّب الدراما أو الأكشن ، او أيّ فيلم لديه فكرة هادفة ؟ 

فضحك سعيد :

- لوّ كان الأمر بيدي ، لفعلت.. لكن المخرجين يرونني مناسباً للأدوار الرومانسية.

فقالت إحدى الطالبات بإعجاب:

- لأنك أجمل ممثلٍ شاب بالوسط الفني ، وحنانك الفيّاض يساعد على نجاحك بتلك الأدوار الجميلة 

فالتفتت إليها مروى:

- وكيف عرفتي أنه حنون ؟ ألم تطلّقه زوجته السابقة بسبب الخيانة؟

فعاتب سعيد مروى :

- لوّ سمحتِ !! طليقتي توفيّت منذ فترةٍ وجيزة ، ولا أحب أن يتحدّث عنها أحد


فتدخل الأستاذ لتهدئة الوضع المتوتّر بالقاعة : 

- مروى !! لا داعي لإحراج ضيفنا.

فردّت بهدوء : اعتذر من الأستاذ سعيد .. كنت فقط أوضّح لزملائي ، بأن أدوار الممثل لا تعكس بالضرورة شخصيّته الحقيقية 

فأراد الأستاذ تغير الموضوع :

- حسناً ، لننتقل إلى التطبيق !! أستاذ سعيد .. إخترّ مشهداً من أعمالك ، تمثلّه مع أحد الطلاّب.


فاختار سعيد مروى التي نزلت اليه من المدرّج ..

وأراد تطبيق مشهدٍ رومنسي ، لكنها ابعدته عنها بعنف 

- لوّ سمحت !! لا أحب أن يلمسني أحد.

سعيد باستغراب : 

- وكيف اذاً ستنجحين في التمثيل ؟ فبعض المشاهد يتطلّب ذلك.

مروى :

- استطيع التمثيل دون تجاوز حدود الأدب والأخلاق 

فقالت إحدى الطالبات:

- هي تعتمد على والدها ، فهو مخرجٌ مشهور.

فسأل سعيد باهتمام :

- ومن والدك؟

مروى بفخر :

- أحمد مروان.

سعيد :

- آه اعرفه ! هو مخرجٌ بارع بالأفلام الإجتماعية.. لكن الواسطة ليست كل شيء ، يجب أن تمتلكي الموهبة والخبرة.

مروى : تتكلّم وكأنك خرّيج معهد التمثيل ، فأنت عملت بهذا المجال منذ صغرك 

سعيد : صحيح ، واخترت كلّية المحاسبة التي تخرّجت منها بتفوّق.

مروى : كان الأفضل لوّ اكملت بذلك المجال ، بدل تكرار الأدوار ذاتها.


فلاحظ الأستاذ ضيق الممثل ، فأسرع بالقول :

- سيد سعيد .. دعنا نغيّر المشهد

سعيد ساخراً :

- دعّ السيدة مروى تختار على ذوقها 

مروى : اذاً لنخترّ مشهد الزوجة حين عرفت بخيانتك 

فنظر سعيد اليها غاضباً ، لتردّ بابتسامةٍ باردة :

- قصدّت إفتتاحيّة فيلمك الأخير.

فردّ بغيظ :

- اذاً ابدأي المشهد


لتفاجئه بصفعةٍ قوية ، جعلت كل القاعة تشهق بصدمة !

لكنها لم تتوقف ، بل واصلت الحوار باتقانٍ شديد .. مُجبرةً سعيد على إكمال تمثيل دوره باحتراف.

ليعلو التصفيق بعد انتهاء المشهد 


سعيد معاتباً :

- مثّلتي بقوة ، لدرجة ان خدّي مازال يؤلمني.

مروى : الدور تطلّب ذلك.

ثم عادت الى مقعدها دون أن تعتذر !

***


في تلك الليلة ، رأى سعيد مناماً غريباً :

((طليقته المتوفاة وهي تقف أمامه ، وتشير الى فتاةٍ من بعيد : 

- تلك ستحتلّ قلبك قريباً

فظن انها تشير لخطيبته .. لكن ما ان اقتربت الفتاة ، حتى ظهرت الطالبة مروى !))


وقد اربكه المنام لدرجة إتصاله بخطيبته ريم ، ليخبرها بزيارته للمعهد غداً

***


في اليوم التالي ..حضر سعيد المحاضرة ، جالساً بجوار ريم.

وبعد قليل ..إختار الأستاذ مروى وريم ، لأداء مشهدٍ أمام الطلاّب.


بعد انتهاء المشهد.. طلب منهما تقويم أدائهما للمشهد

 فقالت مروى:

- تمثيل ريم يُذكّرني بالأفلام العربية القديمة.. ففيه شيء من التصنّع.

ريم غاضبة :

- ولما تتحدّثين كأنك ممثلة مشهورة ؟ اساساً لولا والدك ، لرسبتي من السنة الأولى

فردّت مروى:

- ولولا خطيبك الفنان ، لما وصلتِ لسنة التخرّج 

فتدخل المعلم :

- الأستاذ سعيد هو من سيقيّم أدائكما هذه المرة 

فنظر سعيد إلى ريم ومروى ، قائلاً : 

- لا تغضبي يا ريم .. لكن التمثيل الحديث يحتاج إلى عفويّة وتقمّص الدور ، كأنه يحصل معك فعلاً.. وهذا ما اتقنته مروى 

فغادرت ريم القاعة غاضبة ، ليلحق بها سعيد إلى ساحة المعهد.

^^^


وهناك عاتبته ريم بعصبية : 

- أحرجتني أمام الجميع!

سعيد : كان رأياً مهنياً بحتاً ، فأنا ..

مقاطعة :

- لا تتظاهر بالبراءة.. صديقتي أخبرتني ما حصل بينك وبين مروى في غيابي 

- لم يحصل شيء ! 

- وهل مدحتها قبل قليل لأن تمثيلها أعجبك ، ام لأنها أثارت اهتمامك ؟

وما ان ظهرت مروى من بعيد ، حتى غادرت ريم المعهد دون سماع اجابة خطيبها 


فاقتربت مروى من سعيد معتذرة :

- لم أردّ إثارة المشاكل بينكما !

سعيد : أتدرين انك ستخربين بيتي ؟ 

مروى : اذاً كان عليك مدح تمثيلها

- انا لا يعجبني أدائها منذ البداية .. اما انت..

- انا ماذا ؟

سعيد : مازلت خائفاً من التمثيل امامك بعد صفعتك القوية ! عليك ان تكوني اكثر انوثة ، ان كنت ستدخلين هذا المجال 

- لا تحاول اقناعي ، فأنا لن ابيع مبادئي لأجل الشهرة 

فتغيّر لون وجهه : 

- هل تُلمّحين أنني بلا شرف؟

مروى : انت أضعت موهبتك في الأفلام الهابطة

- هذا ما يطلبه الجمهور

- ربما حصل ذلك بالسبعينات والثمانينات ، عصر ازدهار التلفاز والسينما .. لكن بعد ظهور وسائل التواصل الإجتماعي ، إهتمّ الناس بالأفلام العائلية الهادفة التي تتحدث عن ابطالٍ حقيقين غيّروا العالم باختراعاتهم ومواقفهم الإنسانية 

سعيد : 

- وهل تكتبين مثل تلك القصص ؟

- بكل تأكيد !! ولديّ الكثير منها.

- اريد قراءة احداها 

مروى : معي واحدة بالفعل.

فاستلمها منها وهو يعدها بقراءتها بأقرب وقت ، ثم إعطائها رأيه المهني.

*** 


في اليوم التالي ، التقيا في ساحة المعهد.. وأعاد اليها القصة مبهوراً :

- الفكرة رائعة وعميقة للغاية !

مروى باهتمام : وهل ستعرضها على منتج ، كما وعدتني؟

- بل سأنتجها بنفسي ، ووالدك سيكون المخرج

مروى بصدمة :

- هل وافق ابي ؟!

- نعم .. بشرط !! ان تكوني انت البطلة

مروى : ولما لا ؟ فأحداث القصة نظيفة تماماً ، وذات رسالة راقية.

- وهذا ما يقلقني ، خوفاً من رفض جمهوري ..

مقاطعة : بل سيعجبهم رؤيتك بأدوارٍ جديدة تحترم عقولهم.

***


بعد شهور ، عُرض الفيلم.

وكانت المفاجأة أن الجمهور أحب سعيد بدوره الدراميّ .. ((فالقصة تدور حول رجلٍ يكافح لأجل عائلته ، متخذاً قراراً صعباً يغيّر حياتهم للأفضل.. اما مروى ، فمثّلت دور زوجته وام اطفاله التي ساندته رغم استقالته المفاجئة من عمله ، لملاحقة موهبته النادرة .. حيث أظهر الفيلم حبهما العفيف اللطيف ، دون مشاهد تخدش حياء المشاهدين)) 


وبعد عرض الفيلم ، انهالت على سعيد التعليقات الإيجابية وإشادات النقاد

أما مروى ، فتحوّلت إلى نجمةٍ صاعدة.. وعُرضت عليها عشرات الأدوار ، لكنها رفضت معظمها..

فقال لها والدها:

- للآن رفضتِ ثلاثة أفلام ممتازة!

ابي ، أدوارها لا تناسب معاييري ومبادئي.

والدها : لكن بطل إحداها مشهوراً جداً ، وسيفيد مشوارك الفني !

- لكنه معروف بتحرّشه بالممثلات خلف الكواليس. 


فسكت والدها بتفكيرٍ عميق ، قبل أن يبتسم بفخر:

- طالما تفكّرين بهذه الطريقة الواعية ، فأنا فخورٌ بك يا ابنتي


بهذه الأثناء .. دخل سعيد الى مكتب والدها :

- سمعتكما قبل قليل .. ما رأيك لوّ كنتُ انا البطل ، هل ستمثلين معي مجدداً ؟

مروى باستغراب :

- لكن الدور معروض على الممثل الشهير  

 سعيد : أخبرني المنتج قبل قليل عن رفضه الدور ، لانشغاله بأعمالٍ اخرى .. لهذا عرض الدور عليّ 

مروى بتردّد : المشكلة ان هناك عناق رومنسي بآخر الفيلم .. لهذا لن اقبل ان ..

سعيد مقاطعاً :

- الن تعانقي خطيبك ؟

ثم نظر لوالدها :

- هذا ان وافق والدك على زواجنا ؟ .. (ثم نظر لمروى التي التزمت الصمت)..فأنا وريم انفصلنا بعد عملي معك بالفيلم السابق ، كما تعلمين 

فأجاب الأب ، وهو ينظر لوجه مروى الذي احمر خجلاً :

- انا موافق ، بشرط أن تستمّرا في تقديم الفن النظيف معاً.

سعيد بحماس :

- اذاً اتفقنا

***


وتزوج سعيد ومروى.


ومع مرور السنوات .. أصبحا ثنائياً فنياً ناجحاً ، ومحبوباً من الجميع.. حيث أصرّ الجمهور على رؤيتهما معاً في ادوارٍ درامية راقية ..حتى أصبحا رمزاً لسينما النظيفة


وبسبب إصرارهما المستمر على المواضيع الهادفة ، أدركت شركات الإنتاج أخيراً أن الجمهور هو صاحب القرار الأول فيما يريد مشاهدته.. وطالما أن الأفلام العائلية الهادفة صارت تحقق أعلى الإيرادات والأرباح ، تغيّرت خيارات المنتجين والمخرجين جذرياً نحو الأفضل.

***


وبعد سنواتٍ طويلة من العمل السينمائي المشترك .. قرّر الممثلان المبدعان الإعتزال سوياً ، لتفرّغ لحياتهما الأسرية الخاصة


وفي آخر مقابلةٍ تلفزيونية لهما ، سأل المذيع سعيد:

- هل تندم على تركك الأدوار الرومانسية التي صنعت شهرتك؟

فنظر لزوجته مروى مبتسماً :

- على العكس... فلولا فتاةٌ شجاعة صفعتني يوماً أمام طلاّب معهد التمثيل ، لما اكتشفت براعتي الحقيقية في تجسيد أدوارٍ متنوعة وعميقة.. زوجتي هي من صنعَت مني ممثلاً متكاملاً 

مروى ممازحة ، وهي تنظر بابتسامة الى زوجها :

- لم أدري أن صفعتي ستغيّر حياته ومساره الفني إلى هذه الدرجة!

المذيع بإعجاب : بل أنتِ غيّرتي ملامح السينما كلها!

مروى بتواضع: الفضل يعود للجمهور الواعي الذي فضّل جودة الأفكار وسموّ الرسالة على الأفلام الهابطة.

زوجها سعيد بفخر : وأنتِ من تنبأتِ بذلك قبل الجميع!


وهكذا أثبتت مروى ما آمنت به منذ البداية :

((بأن الجمهور لا يتّبع بالضرورة ما يفرضه عليه المنتجون والمخرجون ، بل يمتلك القرار لاختيار الفن الراقي الذي يستحق المشاهدة والإستمراريّة لسنواتٍ طويلة)) 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التمثيل الهادف

تأليف : امل شانوحة  المشهد المصيري في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن...