الجمعة، 4 سبتمبر 2026

غربة الروح

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

خيبة الأمل

 

سُحبت الحقيبة الأخيرة بإحكام، وخرج صوت سحّابها كأنه إعلانُ هدنةٍ بعد حربٍ استمرت عشرين عاماً.  


خلع أحمد نظارته، ومسح وجهه بكفيه وهو ينظر إلى شقته الفارغة في أطراف عاصمة بلاد الغربة.  


كانت العودة نهائية هذه المرة؛ بلا تأشيرة خروج وعودة، وبلا حلمٍ جديد. كل ما يحمله هو مكافأة نهاية الخدمة، مدخرات تآكلت مع أزمات الحياة، ورأس اشتعل شيباً. 


عند بوابة الوصول في مطار عاصمة البلد الأم لأحمد، كانت الحرارة تلفح وجهه كعناق قديم، احتضنه أخوه الأصغر محمود بقوة، ثم ألقى نظرة سريعة وفاحصة على حزام الحقائب، وقال بابتسامة مشوبة بالقلق: 

حمداً لله على سلامتك يا أخي،... لكن أين بقية الشحن؟ توقعت أن ترسل أجهزة ومستلزمات للبيت قبل حضورك!. 


ابتلع أحمد غصّته وقال بصوتٍ هادئ: سلمك الله يا محمود. أغلقت كل شيء وهربت بعمري... المهم أنني بينكم الآن. 


في الطريق إلى منزل العائلة، كانت السيارة تخضّ الشوارع المتهالكة.  


ساد صمتٌ قصير قبل أن يقطعه محمود، لا بالسؤال عن صحة أحمد ولا عن ليالي غربته، بل بحديث متصل عن الغلاء.  


محمود: الحياة هنا أصبحت جحيماً يا أحمد. كنا نقول في أنفسنا: الحمد لله أنك هناك تسندنا، لكن عودتك هذه المفاجئة أربكت حساباتي... كيف سنواجه هذا الواقع دون غطائك المالي؟. 


التفت أحمد نحو النافذة وقال وهو يتأمل الظلام المخيم على المدينة: 

عشرون سنة يا محمود... هل تساءلت يوماً كيف كنت أعيش؟ هل سألتني مرة واحدة إن كنت مريضاً، أو إن كانت تلك الحوالة الشهرية تخرج من دم قلبي؟. 


رد محمود بمرارة: 

أنت لا تفهم يا أحمد، كنتَ تعيش في النعيم، تتقاضى بالعملة الأجنبية القابلة للتحويل، بينما نحن طُحنّا هنا طحناً. نحن لم نطلب منك رفاهية، نحن كنا نصرخ كي لا نموت!.  


قال أحمد بنبرة فلسفية حزينة: 

وهل النعيم يا أخي هو أن تملك المال وتفقد إنسانيتك؟ النعيم ألا تجلس في غرفة فارغة عشرين عاماً تسأل نفسك: هل يحبونني أنا، أم يحبون ما أرسله لهم؟ الغربة ليست مسافة بالبدن، الغربة أن تصبح في عيون أقرب الناس إليك مجرد وظيفة، لا إنساناً يشعر ويتعب!. 


في المساء، اجتمعت العائلة في فناء المنزل، أخرجت أم أحمد كيس أدويتها الفارغ ووضعته أمامه: 

يا أحمد يا بني، هذا الدواء انقطع، واعتدت أن ترسله لي من الخارج... كيف سنصبر الآن؟. 


انحنى أحمد وقال بصوت متهدج: 

يا أمي... أنا عدت نهائياً، أكلت الغربة جسدي وصحتي، ولم أعد أحتمل، كل ما أملكه سأضعه في مشروع صغير نقتات منه جميعاً. 


تدخلت أخته فاطمة بعتب قاسي: 

تركت العمل وابنتي في سنتها الجامعية الأخيرة؟ من أين سنكمل مصاريفها؟ كنا نعتمد عليك بعد وفاة والدها! هل بعتنا في منتصف الطريق؟. 


نظر أحمد إلى وجوههم، كان يبحث عن يدٍ تربت على كتفه وتقول له استرح فقد تعبت، لكنه لم يجد سوى نظرات اتهام بالتقصير وكأنه صرّافٌ آلي تعطل فجأة. 


فقال بأسى عتيق: 

أنا لم أبعكم، بل اشتريت قربكم بأعز ما أملك! الفاجعة أنكم ترون المغترب كائناً بلا ألم؛ تظنون أن العملة الأجنبية تطمس الوحشة، وأن الحوالات تداوي الجراح. خذوا مدخراتي كلها إن أردتم... لكن اتركوا لي حقاً واحداً: أن أنام ليلاً دون أن أتساءل إن كنت بالنسبة لكم أبناً وأخاً، أم مجرد رقم حساب بنكي ترقبون تحويلاته كل شهر!. 


لم يدركوا أن الأهل أنفسهم طحنتم الظروف، وأن طلباتهم لم تكن جشعاً بقدر ما كانت صرخة استغاثة من واقع يضغط على الجميع، لكنهم غفلوا عن أن المغترب يرجع بجسد أنهكته السنون ونفسية ثقبتها الوحشة.  


ساد صمت مطبق قبل أن يقول أحمد: سوف أخرج قليلاً للتنفس ورؤية البلد بعد هذه السنين الطويلة، لعلي أعود في ساعة متأخرة فلا تقلقوا فقد اشتقت إلى النهر.  


خرج أحمد في تلك الليلة، وجلس على شاطئ النهر. نظر إلى المياه الجارية تحت ضوء القمر، متسائلاً إن كان الغريب يبقى غريباً حتى في وطنه، وأن أصعب أنواع الاغتراب ليس بعدك عن الأرض، بل أن تعود لتجد أن الحب الذي هاجرت لأجله قد تحول إلى شيكٍ ينتظر الصرف. 


قال أحمد في نفسه: يا لها من فجيعة... تخاف من الغربة فتفر منها إلى وطنك، لتكتشف أن الأهل الذين اغتربت لأجلهم، قد جعلتك حاجتهم لرميك في غربةٍ أشد قسوة... غربة الروح داخل بيتك. 


ليست مأساة أحمد في قسوة الكلمات التي سمعها، بقدر ما كانت في الجدار الذي انهار داخل صدره.  


تركهم أحمد في الفناء وأصوات العتاب لا تزال تتردد في أذنيه كطنينٍ مكتوم. 


عاد أحمد إلى حيه، يجر قدمين ثقيلتين كأنهما تحملان أوزار العشرين عاماً كلها مرة واحدة. كانت بقع الضوء الخافتة من مصابيح الشارع تسقط على وجهه المنهك، فيما كان صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، مضغوطة بحسرةٍ لا قاع لها. 


توقف عند زاوية الحي، أحسّ بركبتيه تلتويان، وبثقلٍ مفاجئ في رأسه، وكأن السقف السامي الذي ظل يرفعه فوق أهله لعقدين من الزمان قد انهار فوقه وحده. سند ظهره إلى جدارٍ طيني عتيق، وتدحرج بجسده إلى الأسفل حتى استقر متكئاً على الحائط، ضاماً كفيه المرتجفتين إلى صدره. 


في تلك اللحظات، كانت تمر في ذهنه صور الماضي كشريطٍ سينمائي دامي القطعات.. طعام العلب البارد الذي كان يأكله وحيداً ليغطي مصاريف دراسة أبناء أخته، الأعياد التي قضاها خلف شاشة الهاتف يبتسم لهم والدمع محبوس في عينيه، والمرض الذي كتمه عنهم كي لا يشغلهم. كل تلك التضحيات، تبخرت في لحظة عودة؛ فالمغترب في نظرهم لا يكبر، ولا يمرض، ولا يتعب... المغترب شريانُ مالٍ يجب ألا يتوقف عن النبض. 


مرت ساعات الليل ببطءٍ قاتل. كانت برودة الأسفلت تتسلل إلى جسده، لكن الخذلان كان أبرد. رفع بصره إلى السماء المنتفخة بالسواد، وهَمَس بصوتٍ شاحب لم يتجاوز شفتيه: 

يا رب... تعبتُ من أن أكون مظلةً للجميع، ولا أجد من يظللني.... 


ومع اقتراب الصباح، بدأ أذان الفجر يتردد في أرجاء الحي، ينسابُ هادئاً: {الصلاة خيرٌ من النوم...}. 


كان عمّ إبراهيم، جار وصديق والد أحمد القديم وهو رجلٌ صالح ناهز السبعين، يمشي بهوينة في زقاق الحي ممسكاً بعصاه، متجهاً نحو المسجد. لمعت عيناه على خيال شخصٍ يجلس مستنداً إلى الجدار في هذا البرد. اقترب بخطواتٍ متأنية، ودقق النظر حتى ميز الملامح القريبة إلى قلبه. 


أحمد؟ يا أحمد! ما الذي يجلسك هنا في هذا الوقت يا بني؟ هل أنت بخير؟


لم يأته رد.. كان أحمد يجلس بجلسةٍ شبه متصلبة، ورأسه يميل قليلاً نحو الكتف الأيسر، وعيناه مسبلتان بنصف إغماضة، كأنه يستريح من عبءٍ ثقيل. 


ظن عم إبراهيم أن النعاس غلبه من شدة الإرهاق والسفر، فابتسم برأفة وخطا خطوة إضافية.  


مدّ يده الكبيرة الدافئة، وربت برفقٍ شديد على كتف أحمد: 

قم يا بني... قم صلّ الفجر، الفراش في البيت أدفأ لك من هذا الحائط.... 


ومع أول لمسةٍ لكتفه، مال جسد أحمد بسكونٍ تام، وسقط جانباً على الأرض دون أن يصدر منه رمشٌ أو حراك. 


تسمر عم إبراهيم في مكانه، وجثا على ركبتيه بسرعة وهو يصرخ بصوتٍ يهشمه الفزع: أحمد! يا أحمد!.  


وضع يده على رقبة الفتى الذي طالما انتظر العودة، فلم يجد نبضاً. كانت بشرته قد بردت، ووجهه ساكناً يستقر عليه بؤسٌ قديم انطفأ أخيراً. 


فارق أحمد الحياة... لم يستطع قلبه، الذي احتمل غربة الأجساد عشرين عاماً، أن يحتمل غربة الروح لدقيقة واحدة داخل وطنه وبين أهله. مات متكئاً على طين الأرض التي شقي لأجلها، تاركاً وراءه حقائبه، ومدخراته، وعتابهم الذي لم يمهله حتى مطلع الفجر.


هناك 3 تعليقات:

  1. استاذ محمد ، اضفتها الى روابط قصصك

    ردحذف
    الردود
    1. سلمت أناملك أستاذة أمل وشكرا على تعاونك ودعمك

      حذف
  2. هنيئا ومرحى ياحماد مات الشقي
    ان عشت تفجع في الأحبة كلهم
    وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع
    سعيكم مهدور

    ردحذف

غربة الروح

تأليف : محمد بيومي آل غلاب خيبة الأمل   سُحبت الحقيبة الأخيرة بإحكام، وخرج صوت سحّابها كأنه إعلانُ هدنةٍ بعد حربٍ استمرت عشرين عاماً.   خلع ...