‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة علم نفس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة علم نفس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 يوليو 2026

زنزانة بلا مفتاح

تأليف : امل شانوحة 

الحرّية المشروطة


استيقظ من نومه بعد شعوره ببردٍ مفاجئ ، ليجد نفسه في زنزانةٍ حجريّة ! 

فتساءل بخوف :

- كيف وصلت الى هنا ، بعد ان كنت نائماً في بيتي الدافىء ؟!


وحاول مراراً تذكّر جريمته التي اوصلته للسجن ، دون جدوى ! فلا يوجد بعقله سوى ذكريات طفولةٍ عادية ، وسنوات من الدراسة المتواصلة ، وبحثه المتواصل عن وظيفةٍ لائقة !


واثناء استغراقه بالتفكير ، سمع مفتاحاً يُدار في قفل بابه الحديديّ ...

لينصدم برؤية الحارس الذي يشبهه تماماً ، كأنه اخوه التوأم !

فسأله برعب : من انت ؟!

فأجابه الحارس وهو يشير لزيّه الرسمي :

- الا ترى بأني سجّانك ؟

فخاف الرجل ان يسأله عن سرّ التشابه بينهما : 

- ولما أحضرتموني الى هنا ؟ فأنا لم ارتكب ايّ ذنبٍ يستحق السجن عليه !

الحارس : انت الوحيد الذي يعرف الإجابة

- لكني لا اتذكّر شيئاً !

فوضع الحارس بين يديّ السجين ، ملفاً ورقياً وهو يقول :

- هذا سيجعلك تتذكّر ماضيك 

وقبل خروجه من الزنزانة ، التفت للسجين قائلاً : 

- على فكرة !! يمكنك الخروج من هنا متى تشاء ، فأنت وحدك تملك مفتاح حرّيتك .. لكن عليك اولاً ، تمزيق جميع الأوراق التي دوّنتها بنفسك 


فنظر السجين لداخل الملف ، ليجد ان اوراقها مكتوبة بخطّ يده ! 

فقال بدهشة :

- لا اذكر انني كتبتها من قبل ! فما هي بالضبط ؟ 

السجّان : مذكّرات حياتك .. ولا تظن انه سيكون سهلاً التخلّص منها .. والآن سأدعك بمفردك ، لتقرأها بعناية .. وسأراك مجدّداً ، بعد انهاء مهمّتك 

وبعد خروج الحارس ..


فتح السجين الملف على الصفحة الأولى .. ليجد مكتوباً فيها :

((كنت بعمر الخامسة حين ضربت امي يدي بقوة ، بعد كسري مزهريّة الجيران))   


فقال السجين :

- طبيعي ان تضربني امي ، كنوع من اعتذارها للجيران بعد تحطيمي مزهريّتهم الفاخرة .. حتى لوّ آلمت يدي ، تبقى ذكرى سخيفة .. ولهذا لا داعي للإحتفاظ بها ، داخل ملف مذكّراتي


لكن عندما حاول تمزيق الورقة ، شعر بوخزٍ في قلبه !

وإذّ بعقله يستذكر ما حصل معه قبل عام ، عندما اوقع فنجان القهوة بإحدى مقابلات العمل.. فسارع لمسح القهوة من الأرض ، وهو يعتذر مراراً من المدير الذي طمأنه بأن عامل النظافة سيهتم بالأمر ..مما جعله يبدو مرتبكاً وضعيف الشخصية ، أدّت لخسارته فرصة العمل ! 


وهنا فهم السجين ان الملف يحوي ذكريات من ماضيه ، أثّرت سلباً على مستقبله بعد تسبّبها بعقدةٍ نفسيةٍ دائمة ! 

فهو لليوم يحرص على عدم ارتكاب الأخطاء ، خوفاً من العقاب ! تماماً كما كان في صغره يرفض اللعب خارج منزله .. خوفاً من كسره لشيءٍ جديد ، يُعرّضه لتوبيخ امه التي احرجته امام الغرباء !


فأخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول :

- يمكننا التعلّم من اخطائنا التي نرتكبها من وقتٍ لآخر .. ولهذا اسامح نفسي ، وأسامح امي ايضاً


وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة بسهولة .. ليشعر على الفور بارتياحٍ نفسيّ ، بعد اختفاء عقدة الذنب اخيراً


ثم قرأ الورقة الثانية التي حصلت له بسن السابعة ، حين تعرّض لمتنمّري مدرسته الذين رموا طعامه فوق الملعب .. وأمروه بتناولها ، رغم تلوّثها بالتراب !

 

فأغاظته تلك الذكرى التي حاول كثيراً نسيانها .. لكنه ايضاً لم يستطع تمزيق الورقة .. وهنا تذكّر كيف عاش بعدها مهووساً بالنظافة ، يرفض تناول الطعام في أيّ مطعمٍ قبل رؤية مطبخه .. ووسّوسته هذه ، جعلته يُطرد أكثر من مرة ، بسبب إصراره على طلبه الغريب !

فتنهّد قائلاً : 

- صحيح انني مرضت بعد حادثة المدرسة ، لكنني بخيرٌ الآن.. ويمكن لمناعتي تحمّل بعض الطعام الغير نظيف

وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة..


ثم قرأ الورقة التالية التي تتحدّث عن حبه الأول بسن المراهقة ، حين قدّم وردة لزميلته التي دهستها بقدمها باستحقار .. وهي تسخر منه امام الطلاّب:

- لست وسيماً او ذكياً ، لتتجرّأ على الإقتراب مني.. إخترّ فتاةً تناسب مستواك الوضيع ، ايها التافه !! 

فضحك الجميع ، ساخرين منه


فأسرع السجين لتمزيق الورقة ، لكنه لم يستطعّ ايضاً !

وهنا تذكّر جارته التي تحبه منذ مدةٍ طويلة .. ورغم انه يبادلها المشاعر ، الا انه لم يجرأ يوماً على اخبارها بذلك 


فقال مبتسماً : حتماً جارتي المرحة لن تجرحني كتلك المتغطرسة.. وفي حال خرجت من هذا المأزق .. سأستجمع قوايّ لخطبتها .. وأتمنى فعلاً ان تكون من نصيبي

وبعد قراره الجريء ، استطاع تمزيق الورقة بسهولة


ومع كل ورقة قرأها : تذكّر حادثاً سيئاً حصل له في الماضي ، أثّر على تصرّفاته المستقبلية.. ولم يستطع تمزيقها الا بعد الغفران لنفسه ، ولقسّوة والديه ولسوء فهم الناس من حوله..

الى ان بقيّ داخل الملف ، قصاصاتٍ ورقيةٍ صغيرة


وبهذه اللحظة ، دخل الحارس لاستلام الملف.. وما ان رأى محتواه الجديد ، حتى قال للسجين بفخر :

- احسنت !! الآن يمكنك الخروج  

السجين بتردّد : عفواً ، سؤالٌ اخير.. لما تشبهني بهذا القدر ؟!

الحارس بابتسامة : لأنني انت

- لم افهم !

الحارس : أنت من سجنت نفسك داخل ذكريات ماضيك ، حتى أصبحت عقدك النفسية قضباناً تحرمك من لذّة الحياة .. لكن طالما عالجت مشاكلك بنفسك ، صار بإمكانك الإنطلاق نحو مستقبلٍ افضل

وقبل أن يسأله عن شيءٍ آخر ، اختفى كل شيء !

^^^


واستفاق الرجل على صوت منبه جواله ، وهو مستلقي فوق سرير غرفته !

- أكان مجرّد حلم ؟!

ثم نظر للساعة ..

- يا الهي ! لديّ مقابلة عمل


وأسرع بتجهيز نفسه لوظيفة العمر التي استطاع لأول مرة الإجابة على اسئلة المدير بطلاقةٍ وثقة ، جعلته ينال الوظيفة بجدارة !

^^^


فعاد الى منطقته ، للإحتفال مع جارته التي ما ان انهت قطعة الكعكة التي أحضرها معه .. حتى فاجأها بجثوه على ركبته ، رافعاً اليها خاتم الخطوبة .. وهو يقول بابتسامةٍ حنونة : 

- اعرف انني توظفت اليوم ، لكني اريد اكمال حياتي معك .. فأنت الوحيدة التي أحبّتني دون شروط.. وأنت من دعمتني.. 


وقبل ان يكمل كلامه ، سحبت الخاتم من العلبة ووضعته بإصبعها.. وهي تجيبه بحماس :

- بالطبع موافقة !! فأنا انتظر هذه اللحظة منذ سنوات

فسارع باحتضانها ، بعد انتهاء عقدته من النساء اخيراَ

***


وبالفعل حياته اصبحت اسهل ، بعد علاج نفسه من كل المعوّقات النفسية التي عطّلت حياته لسنوات .. والفضل يعود لمنامٍ غريب ، كان أشبه بعلاجٍ روحي !


ومنذ ذلك اليوم.. لم يعد الماضي زنزانة يعيش فيها ، بل درساً يدفعه للمضيّ قدماً نحو مستقبلٍ واعد بالإنجازات العظيمة !


الثلاثاء، 28 أبريل 2026

الغرفة التاسعة

تأليف : امل شانوحة 

العقل المُستعار


رغم انه طبيبٌ مُستجدّ ، الا ان ثقته فاقت زملائه بعد اختراعه المميّز الذي جعله يعقد جلسة علاجٍ جماعيّ لثمانية مرضى من الحالات المُستعصية 


وابتدأ حديثه بغرورٍ وغطرسة : 

- لن احاول اقناعكم بالشفاء ، كعلاج زملائي التقليديّ .. بل سأقتلع علّتكم من جذورها ، وفي وقتٍ قياسيّ 


ثم اقنعهم بارتداء خوذاتٍ إلكترونية ، مُتصلة بخوذته.. مع اسلاكٍ تمتدّ بينها ، كأنها جهازٌ عصبيّ مُوحّد !

*** 



وبدأت تجربته مع المريض الأول الذي اكتشف طبيبه بأن عقله أشبه بغرفةٍ مُتآكلة الجدران ، مع هواءٍ ثقيل يصعب تنفسه.. بالإضافة لظلالٍ غامضة تحوم حوله .. وهو يستمع لهمّهماتها وهمساتها وهي تشير نحوه ، كأنها تتحدّث بالسوء عنه !


وأجواء الغرفة المُستفزّة ، جعلت الطبيب يشعر بأوهامٍ لا وجود لها ! لدرجة منعته من التمييز بين الواقع والخيال.. كما شعر بانقباض قلبه من مراقبة الظلال لكل حركاته ! 


فحاول تجاهلها .. بحثاً عن مذكّرات المريض التي وجد صفحاتها مُهترئة ، مكتوباً فيها :

((لما لا يدعونني وشأني ؟!))

فقال الطبيب : انه مريض الفصام ، كما توقعت


ثم توجه ناحية نافذة الغرفة ، وفتحها على مصراعيها .. 

ليدخل النور لأول مرة منذ سنوات ، جعلت الظلال تتلاشى كالغبار ! ماعدا الظلّ الأخير الذي اقتحم جسده ، واستقرّ فيه !


ورغم الصدمة ! الا انه تجاهل الأمر .. مُنتقلاً لغرفة المريض الثاني

***


والتي وجدها نظيفة ومثالية اكثر من اللزوم .. ومع ذلك شعر برغبةٍ مُلحّة لإعادة ترتيبها ! 


الا انه سيطر على حماسه ، للبحث عن مذكّرات المريض الذي كتب فيها :

((ان لم ارتبها مراراً ، فشيءٌ سيء سيحدث لي))

فقال الطبيب مبتسماً :

- طالما يعاني من الوسّواس القهري ، سأتعمّد استفزاز عقليّته المريضة


وبدأ ببعثرة الكتب فوق السرير الذي جعّد بطانيّته ، ساكباً الماء فوق السجّاد 

وما ان فعل ذلك ، حتى اهتزّت الجدران كأنها زلزال .. قبل ان يهدأ كل شيء !


ورغم انتصاره على وسّوسة المريض .. الا انه خرج من الغرفة وهو ينفض الغبار عن روبه الأبيض مراراً وتكراراً .. وهي حركة لم يفعلها من قبل ! 

***


وعندما دخل لعقليّة المريض المصاب بالتوتّر المرضي .. وجد غرفته اشبه بمكتبٍ للأبحاث الجنائية .. فورق الملاحظات والتحذيرات والرسوم التوضيحيّة تملأ جدرانه الأربعة ، كأنه يتوقع حصول خطر او كارثة بشكلٍ دائم ! 


وهنا شعر الطبيب بإحساس المريض بعد تسارع قلبه ، وزيادة تعرّقه .. مع رجفة اطرافه ، من فرط القلق الغير مبرّر ! 

فقال بشفقة :

- كيف يمكن لإنسان ان يعمل او ينام بهذا الجوّ المشحون ؟! 


وفجأة ! ارتفع رنين ساعة الحائط التي زوّدت توتّر الطبيب .. ودون تفكير منه ، رمى حذائه عليها .. مُبعثراً اجزائها المُحطّمة وسط الغرفة !  


وبعدها عثر على دفتر المريض المليء بشكوكه التي تبدأ دائماً بعبارة : 

((ماذا لو حصلت مصيبة ؟.. ماذا لو كارثة وقعت قريباً ؟.. ماذا لو متّ قبل اواني .. انا خائفٌ جداً))


وهذا التوتّر المتصاعد ، أجبر الطبيب على إزالة وتمزيق جميع الملاحظات عن جدران الغرفة التي عادت طبيعية من جديد .. 


ومع ذلك خرج من الغرفة ، وهو يتساءل :

- ماذا لوّ كانت شكوك المريض صحيحة ، بشأن كارثةٍ ستحصل قريباً؟ 


ثم قاطع نفسه ، بضيق :

- مالذي اقوله ؟! لأذهب وأُشغل نفسي بالغرفة التالية ، قبل ان يتملّكني وساوس مرضه

***


في الغرفة الرابعة ، وجد عباراتٍ متناقضة مكتوبة على جدرانها ! 

((أحبهم.. أكرههم جميعاً .. كنّ اجتماعياً .. إنزوي عن العالم .. ))


وهذا التناقض ، أثّر على نفسيّة الطبيب الذي شعر برغبة الإقتراب… ثم الإبتعاد !

فقال بنفسه بانزعاج :

- يبدو ان مرضه مُعدياً ! سأفتح دفتره اللعين ، لفهم علّته :

((ارغب بالثبات وتحديد قراري .. لكني لا استطيع !))


فقال الطبيب بشفقة : المريض يعاني من تقلباتٍ حادة في المزاج والعلاقات.. وربما خوفه الشديد من الهجر ، جعل لديه اندفاعية في السلوك.. لهذا كتب عبارات الإنتحار على جدرانه ! .. ولولا اختراعي المميز ، لاحتاج سنواتٍ طويلة من العلاج .. لكني سأحل مشكلته بدقائق معدودة 

ثم بدأ بمسح العبارات المتناقضة عن الجدران .. 


وبعد انتهائه ، وجد عبارة مكتوبة حديثاً :

((هل انا مريض ام دكتور ؟!))

وكانت بخط يد الطبيب ، مما ارعبه لعدم تذكّر كتابتها !

وبدل مسحها ، سارع الخروج من الغرفة الغريبة  

***


اما الغرفة الخامسة : فامتلأت بشاشات الحواسيب وكاميرات المراقبة في كل ركنٍ وزاوية ، أشعرت الطبيب بانفضاح افكاره واحاسيسه ! 


وهذا ما اكّدته مذكّرات المريض :

((الجميع يراقبني .. احتاج بعض الخصوصية .. لما لا يفهمون ذلك؟!)) 


الطبيب : هو يعتقد ان الجميع يريد ايذائه .. لا ادري ما حصل له ، جعله يفقد الثقة بالآخرين .. ولست بحاجة لمعرفة ماضيه ، يكفي ترتيب غرفته .. او بالأصح : ترميم عقله المُضّطرب   


وبدأ بإطفاء الحواسيب ، وكسر جميع عدسات الكاميرات .. 

ومع ذلك استمرّ شعوره بأنه تحت المراقبة ، اثناء خروجه من الغرفة !

***


الغرفة السادسة ، كان فيها فوضى مسلّية نوعاً ما .. فهي مليئة بالألوان المبهجة والكتب المصوّرة والألعاب .. كل شيءٍ فيها جذّاب ويثير الإنتباه اليه !


جعلت الطبيب في حيرةٍ مُربكة بعد تضييع وقته بتصفّح الكتب النادرة ، والتسلّي بالألعاب الذكيّة ، ومشاهدة الصور المتنوعة هناك .. قبل انتباهه لما يحصل له ، خصوصاً بعد قراءة مذكّرات المريض:

((لا اعرف من اين ابدأ ، فكل شيءٍ يثير اهتمامي))


الطبيب : لا غرابة ان المريض لديه قلّة انتباه وتشتّت مع فرط نشاطٍ واندفاع ، أدّت لصعوبة في إكمال مهامه أو تنظيم وقته ، وكل ذلك أثّر سلباً على دراسته وعمله وعلاقاته الإجتماعية .. اذاً ليس امامي سوى تنظيم غرفته بدقة وحذر


ثم جمع الكتب والألعاب الغير مهمين في صناديق ، اخفاهم داخل الخزانة .. ولم يترك له سوى الكتب والأبحاث الدراسية  

الطبيب : قريباً ستتحسّن نفسيّته ، بعد ادراك اولويّاته في الحياة .. والآن لأنتقل الى الغرفة التالية


ورغم فرض الطبيب نظاماً قاسياً في الغرفة ، الا ان عقله ظلّ مُشتّتاً بين فكرةٍ وأخرى .. جعلته يُسارع الخروج من الغرفة

***


الغرفة السابعة : كان نصفها مضاءً ، ونصفها ظلام ..

وما ان يقف الطبيب بالجهة النيّرة ، حتى يشعر بطاقة ونشاطٍ هائل .. لكن فور انتقاله للجهة الأخرى ، يجد صعوبة بالتحرّك او التقاط انفاسه ، كأنه انطفأ فجأة ! 


وما كتبه المريض بمذكّراته ، يُطابق الشعور الذي أحسّه الطبيب ..

فقد ذكر بإحدى اوراقه : مدى سعادته ، وقدرته على تغيير العالم .. بينما في صفحاتٍ اخرى : يتمنى الموت ، لأن لا شيء يستحق العيش لأجله !


الطبيب : ثنائي القطب ، ياله من مرضٍ مزعج .. ولولا اختراعي ، لعاش طوال حياته على ادوية مُثبّتات المزاج .. لكني سأحلّ مشكلته في الحال 


واستبدل الإنارة المُعطّلة بمصباحٍ يضيء الغرفة بأكملها ، التي رتّب الجزء الفوضوي منها ، لجعلها غرفة منظمة وموحّدة 

ومع ذلك خرج منها وهو يشعر بانقسامٍ في داخله !

***


الغرفة الثامنة : كانت مُطلية باللون الرمادي ، مع هواءٍ كاتمٍ للأنفاس .. حيث شعر الطبيب بأن كل حركة فيها ، بلا معنى او هدف !

فتنهّد الطبيب بضيق : انه مرض العصر .. الإكتئاب 


وهذا ما اكّدته مذكّرات المريض :

((لا اشعر بشيء .. حتى اوجاعي لا تؤلمني !))


الطبيب بتعب : عليّ انهاء مهمتي سريعاً ، فغرفته تُشعرني بحزنٍ مباغت .. مع فقدان اهتمامي بمرضايّ ، واحساسي بالذنب وانعدام القيمة ! لا غرابة ان عقدته النفسيّة أثّرت على جوّدة حياته


ثم سارع بفتح النافذة التي اضاءت الغرفة ، الا ان ضوء الشمس لم يصله .. بل ازداد وجهه شحوباً ، كأن الفراغ ابتلع كيانه.. حتى رغبته بإنهاء تجربته العلاجية ، اختفت فجأة !

ومع ذلك جاهد نفسه بخطواتٍ ثقيلة للخروج من الغرفة التي لم تسحب طاقته فحسب ، بل تلاشت فيها غطرسته بالكامل ! 

*** 


في الخارج ، لم يجد قاعة العلاج الجماعي .. بل ممرّات وسلالم بلا نهاية! 

فحاول تذكّر طريقة انهاء تجربته ، لكن افكاره تلاشت بالظلام ! 

وبدأ شيئاً فشيئاً يشعر بالضياع والتشتّت .. سرعان ما تحوّل لخوف ، بعد ملاحقته من قبل الظلال المُتكلّمة وكاميرات المراقبة التي ظلّ يهرب منها ، الى ان خارت قواه .. ويسقط في ممرٍّ طويل دون حراك ، بعد تبلّد تفكيره !

***


بهذه الأثناء .. هلّل المرضى الثمانية فرحاً بعد ازالة خوذاتهم ، وهم يشعرون باستقرار عقولهم ، عقب صمت الأصوات المزعجة واختفاء رعشاتهم وشكوكهم .. كأنهم عادوا اصحّاءً من جديد ! 


وصرخاتهم السعيدة ، جذبت مدير المشفى النفسي الذي دخل قاعتهم: 

فتجمّعوا حوله وهم يخبرونه بحماس عن نجاح الطبيب الجديد في علاجهم ، وعن رغبتهم بالعودة لحياتهم السابقة ! 


وحينما اراد تهنئة الطبيب المُستجدّ .. وجده جالساً على كرسيه ، بعينين مفتوحتين دون حياة !  

ولم يتمكّن من تحريكه ، رغم ازالة الخوذة عن رأسه ! 

^^^


مما اجبر المدير على لبس الخوذة الثانية ، لاقتحام عقل الطبيب ومعرفة مشكلته :

ليجد نفسه في غرفة تحمل الرقم تسعة :

عبارة عن غرفةٍ بيضاء ، فارغة من الأثاث .. حيث يجلس الطبيب في وسطها دون حراكٍ او تفكيرٍ او شعور .. كأن روحه توزّعت بين الغرف الثمانية !


كما لم يجد المدير مذكّرات الطبيب في ارجاء الغرفة ، التي يُفترض انه دوّن عليها افكاره وهمومه !

ومع ذلك حاول تحريك اطرافه بكل الطرق ، دون فائدة .. بعد انعدام استجابته لجميع المؤثرات الخارجية ! 

^^^


وهنا ازال المدير الخوذة عن رأسه ، وهو يشعر بالشفقة على الطبيب الشاب .. فسأله مساعده :

-  مالذي اصابه ؟

المدير بحزن : تعرّض لأصعب الأمراض النفسية .. كتاتونيا 

المساعد بقلق : أتقصد انه تحوّل لجمادٍ دون روح ؟!

المدير : يبدو ان علاجه للكثير من الأمراض النفسية بجلسةٍ واحدة ، أضرّ بسلامة عقله .. البطل !! فدا بنفسه لعلاج مرضاه 

^^^


ثم امر بوضع الخوذات الإلكترونية في المستودع .. لا ، لأن التجربة فشلت .. بل لأنها نجحت اكثر من اللزوم .. 

اما الطبيب الشاب : فأمر بنقله الى غرفةٍ انفرادية ، لأنه لم يعد له وجود بالحياة .. بعد أن صار عقله مُستعاراً ، يعيش به الآخرون حياتهم الجديدة !


الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

مدينة بلا عواطف

تأليف : امل شانوحة 

المشاعر المُحرّمة


إنحرفت سيارته عن الطريق العام إثر غفوةٍ خاطفة ، أوصلته الى قريةٍ صحراوية بعد نفاذ وقوده .. فنزل مُتذمّراً ، للسؤال عن محطّة بنزين.. 


ووصل للسوق .. ليرى عجائز يصرخون عالياً ، كأنهم يُفرّغون همومهم بالهواء ، دون أن يلتفت أحدٌ لهم ! 

واطفالٌ يلهون بقسوة وهم يقذفون قطةً مذعورة ، بينما أصحاب الدكاكين يراقبونهم بلا اعتراض ! 

وشابٌ بلحيةٍ طويلة وملابس مُهملة يغني قصيدةً حزينة ، دون اهتمام احد بمصابه ! حتى من يأكل في المطعم شارد بفكره ، دون ردّه السلام على الغريب الذي دخل قريتهم ! 

وقد بدت قريةً كئيبة .. كأن هناك قانوناً خفيّاً يُجرّم المشاعر بينهم ، ويجعله عاراً ! 


الى ان وجد فتاةً صغيرة تقفز الحبل ، وهي تشعر بالمللّ من لعبها بمفردها!

فسألها المسافر :

- مرحباً ايتها الصغيرة .. هل تدلّيني على محطّة البنزين في مدينتكم ؟

فأجابت بتهكّم : ليس لدينا سيارت ، فلما المحطّة !

المسافر باهتمام : وكيف تتنقلون بين المناطق ؟

- نحن لا نبتعد كثيراً عن هنا .. وان اردنا التنقّل ، فبواسطة الأحصنة والحمير

- الا يوجد كهرباء لديكم ؟

- مازلنا نستخدم القناديل والحطب والفحم

المسافر بدهشة : تبدون من القرن الماضي ، لما لا تنتقلون لمكانٍ أفضل؟! 

- معظمنا فقراء ، كما تلاحظ من اكواخنا المتهالكة .. فرجالنا غائبون في المنجم ..(وأشارت لجبلٍ ، خلف مدينتهم الخشبيّة).. بينما تغرق نساؤنا في أحواض الغسيل ودخان المطابخ

- الا توجد مدارس لديكم ؟

- رئيس بلديّتنا تطوّع لتدريسنا القراءة والكتابة ، مرة في الإسبوع .. فهو المتعلّم الوحيد بيننا .. اما كبارنا ، فيرفضون التعلّم .. فحسب رأيهم : سيموتون هنا ، كما حصل مع اجدادهم الجهلاء !


المسافر : اذاً إخبريني عن عجائزكم ، لما يتحدثون بصوتٍ عالي ؟

- رغبةً بأن يسمعهم احد.. فقانونا يمنع التدخل بشؤون الآخرين.. لهذا يرفعون اصواتهم كيّ لا تنفجر صدورهم بهمومهم المكبوتة ، هذا ما قالته امي !

- وماذا بشأن الشاب الذي يلقي القصيدة باكياً ؟

الفتاة : كان شاعرنا ، وموهوب القرية .. عشق فتاةً ، هربت بإحدى الليالي بشاحنة نقل ! ولا نعرف مصيرها حتى اليوم .. البعض يقول ان سائق الشاحنة قتلها ودفنها بالصحراء .. بينما يؤكّد شخص على رؤيتها ترقص بحانة في المدينة ! بكلا الاحوال ، فقد العاشق عقله بعد خسارتها.. (ثم أخفضت صوتها) .. بصراحة لا الومها على الهرب ، لأني مثلها أتوق للحرية.. وأفكّر عندما اكبر ، بالإنتقال للعاصمة .. فالحياة هنا مملّة للغاية ، بعد تحريم العواطف ! فالكبير يتعامل بقسوة مع الصغير الذي يتمرّد بعصيان اوامر البالغين .. وكل هذا يحصل بلا شكوى او لوم ! فقد اعتدنا الأكل والنوم بصمت .. فلا رومنسية بين الأزواج ، ولا تعاطف مع الصغار .. كأننا خلقنا دون مشاعر ! فجنائزنا دون دموع ، وأعراسنا صامتة.. بسبب قانوننا الصارم بعقاب من يضحك بصوتٍ عالي او يبتسم بغباء !  


الرجل باستغراب : ماهذا القانون الجائر ؟! .. ماذا عنك ؟ هل لديك صديقات بمثل عمرك ؟ 

- بالتأكيد يوجد فتيات من جيلي .. لكن عندما نجتمع ، تنشغل كل واحدة بدميتها الصوفية دون التحدث مع الأخرى ! اما الأولاد فلا توجد مباريات كرة قدمٍ بينهم ، بل يتنافسون على اذيّة المارّة برميّ الحجارة او ضرب الحيوانات ! .. (ثم تنهدت بضيق) .. نحن حقاً نعيش في الجحيم.. والأفضل خروجك سريعاً من هنا ، قبل فقد شعورك الإنسانيّ

^^^


لم يكن المسافر الغريب رجلاً عادياً ، بل طبيباً نفسيّاً بارعاً .. والقدر اوصله اليهم ، لتصبح مشكلتهم مادةً دسمة لكتابه الجديد .. لهذا قرّر امضاء الصيف معهم ، بعد استئجاره كوخاً صغيراً .. حوّل إحدى غرفه لعيادة ، لعلاج نفسيّتهم المتدهورة

لكن الأكثرية رفضوا إطلاع غريب على أسرارٍ لم يشاركوها مع ازواجهم وأهاليهم!


بينما وافقت ام الشاعر المجنون على جعل ابنها اول مرضاه.. والتي كشفت للطبيب سرّ قريتها : 

- قبل سبعين عاماً ، قُتل ابن رئيس بلديتنا السابق في انفجارٍ بالمنجم .. ومن شدة ألمه على فقدان ابنه الوحيد ، أصدر قراراً بمنع مظاهر الفرح العلنيّ.. ومع الوقت صار وجعنا عادة ، وصمتنا قانوناً جبريّاً ! .. المهم الآن هو علاجك لأبني ، العاشق الحزين

فوعدها الطبيب بذلك 

^^^


وبعد ذهابها ، وافق ابنها على الإستلقاء على الأريكة .. وما ان طلب منه الطبيب وصف حبيبته ؟ 

حتى انهار الشاب باكياً .. مُخرجاً من جيبه : صورة قديمة لطفليّن سعيديّن ، واصفاً الفتاة بحبه الأول والأخير  

الطبيب : اذاً لما هربت ، طالما تحبها هكذا ؟ 

- هي لم تعلم مشاعري نحوها .. فالبوح عندنا ، يكسر هيبة الرجولة .. (ثم تنهّد بقهر) .. ليتني أعرف مصيرها.. حتى لو ماتت ، اريد عنوان قبرها لزيارته على الدوام 


فوعده الطبيب بالبحث عنها بعد عودته للمدينة ، بنهاية العطلة الصيفية .. لكن بشرط !! تحسين مظهره ، في حال وافقت الإرتباط به 


فسارع الشاب الى منزله ، وهو مُتحمّس لتغير هيئته .. مما صدم امه ، التي نقلت خبر تحسّنه لبقية النسوة ! 

^^^


وسرعان ما انتشر خبر شفاء المجنون بين اهالي القرية الذين انبهروا من قدرات الطبيب العلاجية !

وبدأ الناس يتوافدون لعيادته : العجائز بفضّفضتهم عن مشاكلهم الصحيّة.. والنساء بدموعهن المكبوتة من جفاء ازواجهن.. والرجال بتذكّر مصاعب العمل بالمنجم الذي تسبّب بوفاة بعض اصدقائهم .. والأطفال بألعابهم القاسية ، للفت انتباه آبائهم الذين تجاهلوا تربيتهم وتقويم سلوكهم ! 

شيئاً فشيئاً ، انكسر جدار الصمت .. وبدأت القرية تستعيد شعورها الإنسانيّ.  

***


ثم أقام الطبيب بالتعاون مع رئيس البلدية (الجديد) حفلة للعزّاب ، أحيوه بالأغاني والرقص لأول مرة منذ سنواتٍ طويلة 

لينتهي الحفل بإعلان خطوبة بعضهم ، وسط فرحة الأهالي بهذه المناسبة السعيدة


بنهاية الصيف .. تجمّع الأهالي لتوديع الطبيب الذي وعد شاعر (المجنون سابقاً) بإيجاد حبيبته الضائعة  

***


بعد اسبوعين ، وجد الفتاة الهاربة تعمل نادلة في إحدى المطاعم .. 

فأخبرها عن عاشقها الذي فقد صوابه ، بعد رحيلها المفاجئ عن القرية .. فردّت باستغراب : 

- هو لم يجرؤ يوماً على محادثتي او التقرّب مني ، لهذا تجاهلته !

فسألها الطبيب عما حصل يوم هروبها ؟ 

فأخبرته بأن سائق الشاحنة حاول استغلالها ، كونها مراهقة جميلة .. لكنها استطاعت إجباره بتوصيلها للمحطة .. وهناك ارسلها العامل الى هذا المطعم ، الذي تعمل فيه منذ ثلاث سنوات 

الطبيب : وهل ستبقين هنا ، بينما حبيبك ينتظرك بشوق في القرية ؟

- كنت اعشق اشعاره ، فهو احد شبابنا الموهوبين .. وأشعر بالحزن لما حصل له بسببي 

الطبيب : اذاً ماهو قرارك بشأنه ؟ 

ففكّرت قليلاً ، قبل ان تقول : 

- اوافق الإرتباط به ، في حال قدم الى هنا .. فأنا لن اعود لتلك القرية التي تُحرّم المشاعر الإنسانيّة !  

***


وبالفعل اتصل الطبيب بالشاعر ، وأخبره بقرار حييبته .. فلم يتردّد بالموافقة


وعاد إليها ، هذه المرة بلا خوفٍ او قيود.. وعانق حبيبته أمام الملأ ، وهو يعلن خطبته لها .. 

وبسبب حبه لعروسته ، إشتعلت قصائده من جديد .. التي غنتها بصوتها العذب.. وسرعان ما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ، ليتحوّلا لأيقونتيّن للفن الريفيّ 


ورغم الشهرة والمال ، لم ينسيا قريتهما التي أوصلاها بالكهرباء والإنترنت ، ورصّفا طرقها الرملية .. لتزدهر لاحقاً بالزوّار والسوّاح ، الذين قدموا لزيارة مسقط رأس الفناّنين الصاعديّن 

^^^


وهكذا تحوّلت القرية المنسيّة الى وجهةٍ سياحيّة ، بفضل طبيبٍ تائه ساقه القدر لتحرير مجتمعٍ من سجن العواطف المكبوتة ! 


الأربعاء، 12 نوفمبر 2025

مذكرات المجانين

تأليف : امل شانوحة 

 

الصراع الخفيّ 


قبل نوم الطبيب النفسي جاك بغرفته (داخل مستشفى المجانين التي يعمل فيها) اراد مراجعة مذكّرات بعض مرضاه الذي يمنحهم أوراقاً ، لكتابة ماضيهم .. ثم يسحبها آخر الدوام ، خوفاً من تحوّل الأقلام إلى اسلحةٍ مؤذية !


في البداية ، فتح مذكّرات أصغر مرضاه (البالغ عشرين سنة) الذي كتب بدفتره :

((لا اريد ان اكبر .. اريد البقاء ولداً صغيراً يلعب بدرّاجته في الحيّ ، كما كنت افعل بعد المدرسة .. ليتني لم أغيّر طريقي المعتاد ، وأمرّ بجانب جارنا الجديد !))


ففتح جاك كرّاسة ملاحظاته ، لكتابة رأيه بالمريض اليافع :

- اعتداء الجار عليه ، دمّر طفولته بالكامل .. هو مازال عالقاً هناك .. لا يرى نفسه بالغاً بعد .. او بالأصح ، لا يشعر برجولته ! 

..........


ثم بدأ بقراءة المذكّرات الخاصة بمريضٍ آخر :

((اكره المرايا .. لا استطيع النظر فيها .. هي عدوّتي !! لما لا يصدّقني احد بوجود شبيهٍ لي داخلها ، يأمرني بإيذاء الآخرين ؟!))


فكتب الدكتور جاك ملاحظته عن المريض الثاني :

- كانت امه عارضة ازياء ، أرغمته منذ الصغر على الإهتمام بوسامته الطاغية ، واتباع حميةٍ صارمة .. كما أجبرته على امضاء ساعاتٍ طويلة بتحسين مظهره امام المرآة التي تحوّلت لاحقاً لعدوٍ له ! فهو يشعر بغرابته بين ابناء جيله ، بعد ان منعته والدته لعب الكرة او خوض التجارب الخطيرة مع اصدقائه ، كيّ لا يصاب بجروحٍ وخدوش تؤذي مهنته المستقبلية .. الى ان ضرب زميله بقسوة ، بعد اتهامه بالشواذّ .. وكاد يُحرم من الدراسة ، لولا إجبار المدير على علاجه لدى إخصائي نفسي تابع لمدرسته الثانوية !


ثم انهى الدكتور ملاحظته ، وهو يقول بشفقة :

- المسكين ، وسامته جذبت الأشرار اليه !

..........


ثم قرأ مذكّرات المريض الثالث : 

((لم تقبل بي ، رغم عشقي لها ! جميع الفتيات تلاحقني ، لأن مهنتي جيدة .. لكن الفتاة الوحيدة التي اريدها ، تصرّ بأني غريب الأطوار!))


فتنهّد الدكتور وهو يكتب ملاحظته :

- النعومة التي ورثها من حياةٍ بلا رجال ، جعلته يرتدي الحرير ويُكثر من الإكسّسوارات.. حبيبته لم ترى فيه رجلاً ، بل ميوعةٍ مقزّزة ! نقدها دمّر هويّته ، ولليوم لا يعرف إن كان ذكراً أم أنثى

..........


ثم فتح دفتر المريض الرابع :

((اعمل ليل نهار دون عطل التي أمضيها في مكان عملي ، لمنع نفسي من تذكّر الماضيّ .. فطفولتي مشوّشة ، ومراهقتي غير مفهومة .. درست إختصاصي الصعب ، لفهم الآخرين.. ومع ذلك ، الوحدة تخنقني)) 


فكتب جاك ملاحظته عنه :

((رهابٌ إجتماعيّ حادّ .. يختبئ خلف كتبه وتقاريره ، لعدم قدرته على الوثوق بأحد!))

..........


ثم قرأ دفتر المريض الخامس :

((انا لست مريضاً .. ولست مجنوناً !! لم يحبسونني بهذا المصحّ ؟! اريد الخروج للعالم .. اريد الزواج وإنجاب الأولاد .. اريد خوض تجربةٍ رومنسيّة .. وأطالب باحترامهم خصوصيّتي وأفكاري الشخصيّة .. كيف أقنعهم بأني سليم عقلياً ، ولن اؤذي احداً ؟!))


فكتب د.جاك :

- مازال لليوم ينكر بأن لديه مشاكل نفسيّة .. فزملائه بالعمل لاحظوا غرابة تصرّفاته بالآونة الأخيرة بعد صراخه على كراسي فارغة ، وكتابته تقارير عن اشخاصٍ غير موجودين بهذا العالم .. ومع ذلك يصرّ حتى هذه اللحظة ، أننا ظلمناه بحبسه هنا ! 


وتابع الدكتور جاك قراءة مذكّرات مريضيّن آخرين ، فهو مسؤول عن علاج سبعة مرضى بمستشفى المجانين الحكومي 

^^^


خارج غرفة الدكتور جاك ، راقبت ممرّضتان الطبيب (من زجاج الغرفة) وهو منشغل بقراءة دفاتر مرضاه 


الممرّضة الجديدة : لا اصدّق ما اراه !

الممرّضة القديمة : جميعنا انصدمنا بما حصل للدكتور جاك ، فهو كان من اهم اطباء مشفانا ! لكنه انهار في يوم علاجه الجماعيّ لعدة مرضى ، مما أجبرنا على حبسه بهذه الغرفة 

- اذاً هو يقرأ مذكّراته ، المدوّنة في عدّة دفاتر ؟! 

- نعم .. فأطبائنا قيّموا حالته : بتعدّد الشخصيات (ايّ اضّطراب الهويّة الانفصامية (DID)) وكلّه بسبب طفولته الصعبة ، بعد اعتداء جاره عليه بعمر الثامنة .. ثم عيشه مع امه المُتسلّطة التي زادت حالته سوءاً 

- أخبرتني ان امه كانت مُنفصلة عن والده ، وتعمل عارضة ازياء ..اليس كذلك؟

- صحيح ، وهي من شجّعته على الإهتمام بوسامته .. مما زاد تشبهه بالجنس الآخر ، رغم كرهه لشواذّ.. كما ان رفض حبيبته الزواج به ، بسبب ميوعته الزائدة (كما وصفته) جعلته يُصاب باضّطراب الهويّة.. وبسببها تجنب الإختلاط مع محيطه ! 

- أيعاني من الرهاب الإجتماعيّ ايضاً ؟!

- نعم ، خوفاً من تنمّر الشباب والرجال عليه .. لهذا إنغمس بدراسة الطب النفسي ، وكان بارعاً بهذا المجال .. الى ان انهار كل شيء ذلك اليوم ، وقرّر مديرنا عزله هنا .. مع اعطائه دفاتر لكتابة ملاحظاته ، حسب ظهور كل شخصيّةٍ فيه .. 

- وهل يراجع اطباء المشفى تلك الدفاتر ؟ 

- يومياً ، بعد نومه.. وللأسف حالته تدهوّر ! فهو بدأ بشخصيتيّن ، والآن اصبحوا سبعة .. ولا ادري كم شخصيّةٍ جديدة سيخلقها لاحقاً! 

- الأمر محزنٌ فعلاً !


وابتعدا عن الغرفة .. بينما ظلّ جاك مُنهمكاً بتحليل شخصياته السبعة القابلة لتزايد في الشهور القادمة ، داخل جدران زنزانته بمستشفى المجانين الحكوميّ !     


الاثنين، 11 أغسطس 2025

الهوية المشوهة

تأليف : امل شانوحة 

عُقد الماضي


في مكتب العيادة النفسيّة للطبيب هاني (الرجل الأربعيني) دخلت صبيّة (عشرينيّة) بملابسها الذكوريّة ومشيتها المُسترجلة ، محاولةً تضخيم صوتها :

- هل نبدأ العلاج فوراً ؟!!

الطبيب : نعم .. إستلقي على هذه الكنبة ، وحاولي الإسترخاء


ثم جلس على الكرسي بجانبها ، وهو يحمل ملفّها :

- إخبريني اولاً بإسمك ؟

الصبيّة : فهد

الطبيب باستغراب : ماذا قلتِ ؟!

فأجابت بعدم مبالاة : او فاديا ، ايهما تختار

- وهل تريدين ان اناديك فهد ام فاديا ؟

الصبيّة : فاديا هو إسمي على الهويّة.. وفهد هو الأسم الذي ناداني به والدي منذ ولادتي ، لحين وفاته قبل اشهر

- وما سبب هذه الإزدواجيّة ؟

- ربما بسبب امي التي هربت مع عشيقها ، وانا بعمر الثالثة .. فلم يرد والدي ان اكون نسخةً عنها

الطبيب : اذاً انتِ..

مقاطعة : لا !! لست ابنة حرام ..فوالدي قام بالفحصوصات اللازمة بطفولتي ، وتأكّد من إبوّته لي..

الطبيب : وبسبب كرهه للنساء ، حرمك انوثتك ؟!

فتنهّدت بضيق : هو احب امي بجنون ، لكنها كسرت قلبه بخيانتها له ! لذلك لا ألومه على تربيّتي كولدٍ قويّ


معاناة فاديا الغريبة ، أشعرت هاني برغبة غامضة لسماع المزيد عن ماضيها ! والتي جعلته يطلب من سكرتيرته إلغاء بقيّة المواعيد ، لأن حالتها تتطلّب وقتاً لشفائها

ثم عاد للجلوس بجانب فاديا ، لسؤالها مجدداً عن والدها ؟


فأخبرته انه اجبرها بعمر المراهقة على تناول دواءٍ طبّي لتأخير بلوغها ، حتى يُبعدها تماماً عن عالم النساء ! ولم يكتفي بذلك .. بل ادخلها نادي الكاراتيه ، لجعلها ذكراً قويّاً لا تكسره أيّةِ امرأة !


الى ان وصلت لذكرى مؤلمة بطفولتها : عندما منعها البكاء لأنها صفة المُخنّثين .. ثم وضعها امام المرآة ، وهو يأمرها بترديد الجملة التالية :

((انا فهد !! اقوى ولدٌ بالعالم !! لا يمكن ايذائي بأيّة طريقة !!))


وما ان قالت ذلك ! حتى استعاد الطبيب ذكرى من طفولته : بعد ان اجبرته امه على لبس فستان اميرة ديزني ، بشعره الطويل المُجدّل التي ترفض قصّه ! ثم أوقفته امام المرآة ، لترديد الجملة التالية :

((انا الأميرة الفاتنة !! الفتاة التي لا يمكن ايذائها !!))


ورغم معالجته مئات المرضى ، الا انه اخفى جرحاً كبيراً في قلبه.. وكلما سمع المزيد من معاناة فاديا ، كلما هدمت جدراناً بينه وبين ماضيه !


الى ان أخبرته :

- ابي وصّاني قبل وفاته بأخذ ابر هرمونات ، لتحوّلي لرجلٍ حقيقيّ.. (ثم قالت بسخرية) .. أتدري دكتور .. لا امانع ذلك .. فجميع النساء خائنات ، ولا يمكن الوثوق بهنّ

لينفجر غاضباً : 

- وهل الرجال ملائكة ؟!! من اعطاهم الإذن للإعتداء على النساء ، وزرع بذرتهم اللعينة في ارحامهنّ ؟! ما ذنب الأطفال ليعاقبوا بجريمتهم القذرة ؟!!


ليتفاجأ بفاديا تمسك يده المرتجفة ، وهي تقول بدهشة :

- هل تعاني من العقدة ذاتها ؟! 


فسقط ملفّها من يده .. بعد ان عاد سيلٌ من ذكريّات طفولته السيئة ، التي تناساها لسنواتٍ طويلة !

جعلته يُدير ظهره ، وهو يحاول إسناد نفسه بالطاولة بعد انهيار قوته .. قائلاً بصوتٍ مرتجف ، لا يخلو من الحدّية : 

- إذهبي الآن آنسة فاديا ، وعودي بعد اسبوع بجلسةٍ جديدة

قالها دون النظر اليها ، كيّ لا ترى دمعته !


لينصدم من احتضانها له من الخلف ، وهي تقول بحنان :

- لن اتركك تعاني وحدك .. سأساندك لحين شفاءنا سويّاً


ثم خرجت من العيادة قبل إعطائه فرصة للردّ ، تاركةً طبيبها يعاني من تسارع ضربات قلبه وضيقٌ شديد في التنفّس ! جعلته يطلب من السكرتيرة إغلاق العيادة باكراً ، بينما توجّه عائداً الى بيته

***


في منزله ، صعد الى العلّية .. لإحضار صندوقٍ اعطته له والدته ، بزيارتها الأخيرة لجدته (التي اخذته منها بسن المراهقة قبل تحوّله لشاذّ ، بسبب تربيّة ابنتها الخاطئة) لكنه لم يفتح الصندوق ، بعد سماعه بانتحارها! 


لكنه اليوم تشجّع على فتحه ، ليجد صور طفوّلته التي يكرهها .. جميعها بشعره الطويل وفساتينه المزركشة ، ومكياجه التي أجبرته على وضعها ! كما وجد شريط فيديو قديم ، وضعه في الجهاز :

((ليشاهد عيد ميلاده بسن التاسعة وهي يبكي ، طالباً من امه السماح بنزع فستانه الزهريّ قبل قدوم اصدقائه .. ليسمع صوتها بالفيديو ، تقول :

- حبيبتي هانية .. انت اجمل اميرات العالم !! لا تسمحي لأحد بحرمانك من تألّقك وأنوثتك الطاغية 

ليجيبها بالفيديو باكياً : إسمي هاني ، يا امي !!

- قلت لا !! انت طفلتي التي أسميّتها منذ ولادتها : ب (هانية) .. الا يكفي انني لم اعاقبكِ على قصّ شعركِ البارحة دون إذني))


فأطفأ الدكتور الفيديو غاضباً .. وهو يتذكّر كيف امضى تلك الليلة يستمع الى تعليقات اصحابه الذين لقبوه بالشاذّ ، وغريب الأطوار .. ليعاني بعدها لسنوات من تنمّرهم القاسي في المدرسة ، وبشوارع منطقته القديمة !


وكأن دموع طفولته تجمّعت بعينيه ، لتنهمر كالشلال طوال الليل.. بعد ان مزّقت المريضة فاديا كل جروحه الماضية !

***


بعطلة نهاية الإسبوع .. تلقّت فاديا دعوة من طبيبها ، لزيارة منزله !

وعندما فتح لها الباب ، لم يكن يلبس الروب الأبيض .. وأدخلها الصالة وهو يقول :

- هنا لن نلتزم بدوّر الطبيب والمريضة.. وربما نتبادل الأدوار ، لعلاج هويّتنا المشوّهة


ثم اراها صور طفولته التي كانت معظمها بملابس بنات ، قائلاً بعيونٍ دامعة :

- هل كان هذا خطأ امي ، ام ابي المُعتدي الذي ربما مات دون عقابٍ قانونيّ على تدميره والدتي التي ارادت الشعور بأنوثتها المُهدرة من خلالي؟!


فأخرجت فاديا صور طفولتها من حقيبتها الرياضيّة ، والتي صُوّرت معظمها اثناء تدرّبها الكاراتيّه بالنادي .. وهي تقول بقهر :

- اما والدي ، فأرادني شاباً قوياً عديم العواطف .. كيّ لا ينكسر قلبي ، كما حصل له ! وبسببه امتلأ جسمي بالرضوض والكسور.. لكن ما يشغل تفكيري حالياً هي وصيّته الأخيرة قبل موته .. فهل آخذ ابر الهرمونات لتحوّلي لرجل ، كما حلم دائماً ؟


فأمسك هاني يدها ، قائلاً بحنان :

- لسنا مُضّطران لتنفيذ احلامهما الغريبة.. بل دعينا نكون كما خلقنا الله منذ البداية

فأومأت برأسها موافقة

***


بعدها بأيام .. زارها بالجامعة ، بعد توطّد علاقتهما بالمكالمات الهاتفيّة.. ليتفاجأ بلبسها فستاناً جميلاً مع مكياجٍ ناعم .. وهي تقول بخجل :

- رجاءً لا تحكم عليّ .. فالبارحة تجرّأت لأول مرة على اللبس بهذه الطريقة .. وبعد تشجيع زميلاتي ومدحهنّ ، قرّرت المتابعة 

هاني بابتسامة : تبدين كالأميرات

فاديا : آه ! على ذكر الأميرات .. ما رأيك بالإنضمام لمسرحيّة الجامعة ؟


وأخبرته بأنه قبل ذهابها الى عيادته ، كانت تنوي التقدّم لدوّر الأمير بالمسرحيّة.. لكنها الآن ستؤدي دوّر الأميرة.. وطلبت منه التقدّم لدوّر الأمير ، لوسامته واناقته


فقال وهو يكتم حزنه :

- ذكّرتني بأمي عندما تشاجرت مع معلمتي ، لجعلي الأميرة بمسرحيّة في مرحلة الإبتدائيّة ! مما جعلني محطّ سخريّة الطلاّب وأهاليهم لسنواتٍ طويلة.. وبسببها كرهت المسرح ، وكرهت نفسي !

فأمسكت يده بحنان :

- لنجعل هذه المسرحيّة بداية علاجنا من طفولتنا المشوّهة

***


وبالفعل وافق على اداء الدوّر.. وبالمشهد الأخير : كان عليه انقاذ الأميرة المخطوفة من قطّاع الطرق .. ليتفاجأ الكومبارس بضربهم بقوّة ، من الممثل الجديد !


وبعد انتهاء المسرحية وتصفيق الجمهور على حسن ادائه هو وفاديا ، عاتبه الكومبارس بالكواليس على قساوته معهم !

فاعتذر قائلاً :

- آسف يا رفاق ، إندمجت بالدوّر

ليتفاجأ بقبلة لطيفة من فاديا على وجنته ، وهي تقول بفخر :

- كنت فارسي البطل !!

^^^


وبعد بقائهما بمفردهما ، قالت له : 

- كان والدي يعلّمني الكاراتيه ، لأصبح قويّة دون وجود شابٍ بحياتي .. لكني من خلال المسرحيّة ، شعرت بحاجتي لرجلٍ يحميني .. رجلٌ شهمٌ مثلك ، أشعرني بأنوثتي الضائعة !

هاني : لا تدري كم كلامك يُريحني


وقرّبها منه .. ليشعرا كأنهما دفنا الماضي الكئيب ، بحضنيّهما الدافئيّن !

***


بنهاية الشهر .. اتفقا على زيارة قبريّ والديّهما ، لمسامحتهما على تربيتهما الخاطئة التي أضرّت نفسيّتهما طوال حياتهما  


ليتفاجئا بأن والديّهما مدفونان بذات المقبرة ! فقال لها :

- يبدو ان القدر كتب لقاءنا ، حتى قبل اجتماعنا بالعيادة !

ثم توجّه كل واحدٍ منهما الى قبر اهله ..


ووقفت فاديا امام قبر والدها ، وهي تمسح دمعتها :

- انت قمعت انوثتي .. حرمتني من حنانك ! اردّت بقسوتك جعلي شاباً قوياً .. بعكس حبيبي الذي أشعرني بأني اميرة تحت ظلّه وحمايته .. ورغم كل ذكرياتي السيئة معك الا انني اسامحك .. لا لشيء سوى إخراج ذكراك من قلبي ، وفسح المجال لعشق اميري الذي احتل كل كياني..


وامام قبر والدته ، قال هاني بقهر :

- لسنواتٍ طويلة ، لم اعرف من اكون ! انت دمّرتي هويّتي .. مع اني حاولت ارضائك غصباً عني ، لشفقتي على ماضيك المؤلم .. لكنه ليس عدلاً ان تعاقبني على جرم والدي .. والآن بفضل حبيبتي فاديا ، اصبحت رجلاً حقيقيّ .. وسأكون الداعم الأول لها .. فبمحاولتي شفائها من عقدتها ، شفتني معها ! ولهذا اتيت اليوم لمسامحتك عن ذنبك معي.. ربما لن ازورك ثانيةً ، لكن اردّت إخبارك إنني لم اعد غاضباً منك


ثم التقيا امام بوّابة المقبرة ، ليصدمها بجثوه على ركبته وهو يرفع خاتم الخطوبة :

- اعرف انه ليس مكاناً مناسباً للتقدّم بخطبتك ، لكنه لم يعد بإمكاني الإنتظار اكثر .. فاديا حبيبتي ، هل ترضين ان تكوني اميرتي للأبد ؟

فأجابت بابتسامة ، وعيونٍ مليئة بالدموع :

- بالطبع !! يا فارسي الشهم الشجاع


واحتضنا بعضهما بشوقٍ وحنان ، بعد ان شُفيا اخيراً من جروح الماضي المؤلمة !


الجمعة، 11 أبريل 2025

الإنتقام الطفولي

تأليف : امل شانوحة 

عقدة الماضي


فور خروج العجوز من منزله (للذهاب لصلاة العصر في الجامع) وجد ظرفاً على عتبة شقته ! وفي داخله ، صورةً له مع حفيده المُفضّل (ذوّ السبع سنوات) ..مكتوباً خلف الصورة :

((توجّه حالاً الى مدرستك القديمة .. ستجد تعليماتٌ اخرى هناك.. وفي حال رفضّت تنفيذ طلبي ، سأخطف حفيدك .. إيّاك إبلاغ الشرطة ، فأنا اراقبك بدقّة))

فشعر العجوز بالارتباك ! ولم يكن امامه إلاّ تنفيذ الأمر الغامض 

***


حين وصل لمدرسته المهجورة ، وجد ورقة مُلصقة على بابها الخارجيّ الصدىء.. وفيها أمرٌ ثاني من الشخص المجهول : بالتوجّه لحمام الخدم بالطابق السفليّ !


وبعد دخوله هناك.. دخل شخصٌ مُلثّمٌ خلفه ، وهو يقول :

- هل يُذكّرك المكان بحادثةٍ قديمة ؟

العجوز بقلق : من انت ؟!

فأزال لثام غترته ، ليظهر شابٌ يافع ..

العجوز : لم أعرفك !

فقال الشاب بحنق ، وبكلامٍ مُتلعثم : 

- انا الطالب الذي عاقبته على مشاغبته ، بالحبس في حمام الخدم المُعطّل طوال يوميّ العطلة !!


فارتجف العجوز رعباً ، محاولاً تبرير خطئه :

- كنت مشغولاً بترتيب حفلةٍ مدرسيّة .. ورأيتك تفقع البالونات التي علّقتها في الملعب .. فأثرت غضبي

الشاب : كنت بعمر حفيدك ، وأعاني من فرط الحركة.. وبدل ان تُفهمني خطئي بلطف ، قمت بحبسي هنا ! ولم تكتفي بذلك ، بل تركتني ليومين كاملين !!

- لم أتعمّد ذلك.. فبعد انتهاء اليوم الدراسيّ ، وجدّتُ صديقي بانتظاري خارج المدرسة .. والذي أصرّ على أخذني بنزهةٍ بريّة في عطلة الإسبوع .. ولم يكن هناك جوالات في ذاك الزمان.. وعندما عدّت مساءً الى بيتي .. علمت بأن اهلك مازالوا يبحثون عنك مع الشرطة ! حينها تذكّرتك.. وأسرعت الى هنا مع سيارة الإسعاف .. ووضع الممرّض المصل لك ، بعد جفاف جسمك من حرارة المكان


الشاب بعصبيّة : كانت دوّرة المياه مُعطّلة ، دون كهرباءٍ او ماء .. عدا عن الجن والعفاريت التي رأيت ظلالها ، وسمعت همّهماتها في الليلتين المظلمتيّن .. وربما مازلت ممسوساً حتى الآن ، لذلك حياتي مُعسّرة بالكامل !!

- عندما رأيتك شبه ميت ، عرفت عظم ذنبي .. واستقلت من وظيفتي كناظر ، رغم كوني في مثل عمرك الحاليّ.. كما دفعت عائلتي مبلغ تعويضٍ كبير لأهلك


فضرب الشاب بقبضته بعنف على باب الحمام ، أفزعت كيان العجوز :

- وما فائدة المال بعد ان عطبتني نفسيّاً ودمرّت مستقبلي !! فبعد الذي حصل ، رفضّت العودة للمدرسة .. ولم أكمل تعليمي.. وكما لاحظت ، لديّ مشاكل في النطق بسبّب حبسي في الظلام ، أصابتني بالتأتأة والتلعثم المزعجيّن .. مع رجفةٍ دائمة بيديّ ، منعتني تعلّم مهنةً حرفيّة .. عدا عن الكوابيس والأرق الدائميّن .. كما شاب شعر رأسي باكراً .. بالإضافة لرهابي من الظلام والأماكن الضيّقة.. والتبوّل اللّا إرادي الذي حرمني الزواج.. فبعد ان كنت ولداً مليئاً بالحياة ، أصبحت اعاني من الوحدة والإنطوائيّة.. ورغم كل معاناتي ، إلاّ انني نسيت امرك تماماً ! لحين رؤيتك بالصدفة وانت تُلاعب حفيدك الذي يُشبهني بحيويّتي القديمة..


العجوز باستغراب : وكيف عرفتني بعد عشرين سنة ؟!

- بالتأكيد سأعرفك !! فأنا من أطلقت عليك قديماً لقب الهندي ، بسبب الوحمة الحمراء المميّزة وسط جبينك

- كنت مشاغباً بالفعل !

الشاب : لكني مع هذا لم استحق عقابك الّلا إنساني !! لهذا خطّطت اولاً للإنتقام من حفيدك ، لأُشعرك بعذاب اهلي بعد ضياع مستقبل ابنهم الذي دمّرته نفسيّاً.. لكني شعرت بأن حفيدك لا ذنب له ، بما فعلته بي.. والأفضل ان تعيش تجربتي المريرة بنفسك !!


العجوز بقلق : ماذا ستفعل ؟!

- سأحبسك هنا ، طوال يوميّ العطلة

- لكن لديّ ادوية مهمّة عليّ تناولها

الشاب غاضباً : لا تهمّني صحتك !! .. (ومدّ يده) .. والآن هات جوالك

- لا ، لن افعل

فرفع المسدس في وجهه :

- إعطني ايّاه وإلاّ قتلتك ببطء !!


فأعطاه الجوال مُرغماً .. ثم أقفل الشاب الباب من الخارج بسلسلةٍ حديديّة ، وهو يقول بصوتٍ عالي :

- لا تحاول الصراخ او طرق الباب بقوّة .. فهذه المدرسة الكئيبة ، مهجورة منذ سنواتٍ طويلة.. ومن النادر مرور السيارات في زقاقها الضيّق .. فلا تُرهق قلبك المريض ، حسب معلوماتي الصحيّة عنك

وتركه وحده هناك !

***


في اليوم التالي .. عاد الشاب الى المدرسة ، للتأكّد بأن العجوز مازال هناك.. ووضع اذنه على باب الحمام ، دون سماعه شيء ! 

فطرق بكل قوته ، وهو يصرخ غاضباً :

- هيا استيقظ ايها العجوز !! فمازال امامك يومٌ آخر طويل.. هل ستقضي الوقت بالنوم ، ايها الكسول ؟!!


لكنه لم يسمع جواباً من الداخل ! فشعر بالقلق ، وفتح القفل .. ليجد العجوز ميتاً على الأرض بعد إصابته بسكتةٍ قلبيّة

الشاب بضيق : ايها اللعين ! لم تتحمّل ليلةً واحدة ، بينما تركت طفلاً يعاني وحده ليومين طويليّن ! .. والآن ماذا سأفعل بك ؟!

^^^


وانتظر حتى المساء ، لوضع جثته قرب الجامع قبل صلاة العشاء.. فتجمّع الناس حوله ، بعد اتصالهم بالشرطة

***


في يوم الدفن ، إقترب الشاب من الناس الذين أحاطوا قبره .. وسمعهم يعزّون ابناء الفقيد :

- مات وهو في طريقه للصلاة ، يالها من خاتمةٍ حسنة


فأغاظه كلامهم ! وخرج من المقبرة وهو يتمّتم غاضباً :

- بل مات في حمامٍ مهجور ، وهذه حتماً سوء الخاتمة .. (ثم تنهّد بضيق).. لكنه بالنهاية أصبح عند ربه العادل ، ولن يعاقبه على ذنبه مرتيّن (دنيا وآخرة).. ترى ماذا بشأني ؟ فأنا لم انوي قتله ، فقط عقابه على تدميره حياتي.. فهل سيسامحني الله على ذلك ؟!


ورغم حصوله على الإنتقام الذي خطّط له مُطوّلاً .. الا انه يعلم جيداً بأن تأنيب الضمير سيرهقه لما تبقّى من حياته البائسة !


الخميس، 19 ديسمبر 2024

الرحلة العلاجيّة

تأليف : امل شانوحة 

 

الغيمة السوداء


بعد فشل أشهر طبيبٍ نفسيّ بعلاج اربعة مرضى من الأثرياء (شاب ورجل ، وأمرأة وصبيّة) لديهم عُقد مستعصيّة من ماضيهم .. قرّر أخذهم برحلة طائرةٍ خفيفة يتقن قيادتها بعطله السنويّة .. لتشجيعهم على التحدّث معاً عن مشاكلهم ، اثناء تحليقهم بالطقس الربيعي الدافىء


لكن اثناء وجودهم بالجوّ ، ظهرت غيمةٌ سوداء من العدم ! فحاول الطبيب (الطيّار) تفاديها بشتّى الطرق .. لكن طائرته مرّت فيها ، كأن مغناطيساً سحبها للداخل !


وبعد خروجهم من الغيمة الرعديّة (التي عطّلت التحكّم بالمحرّك ، واطفات الأنوار  والجوّالات .. وسط صراخ الركّاب العالقين بالطائرة المظلمة) خرجوا أخيراً للنور.. ليتفاجأوا باختفاء الطيّار !

احدهم بقلق : اين الطبيب ؟! هل سقط من الطائرة ؟!


ودبّ الذعر فيهم ، بعد هبوط الطائرة بسرعة باتجاه البحر ! فحاول الراكب (الذي كان بجانب الطيّار) الإمساك بالمقوّد ورفعه للأعلى .. لكن الطائرة استمرّت بالهبوط ، الى ان سقطوا جميعاً بالبحر !

^^^


لم يكن إختفاء الطبيب هو الشيء الصادم الوحيد بهذه الرحلة ، بل استيقاظ المرضى الأربعة وسط جزيرةٍ صغيرة ، دون إبتلال ملابسهم .. مما اربكهم جميعاً ، خصوصاً بعد اختفاء الطائرة الخفيفة!


الشاب : ماذا حصل ؟! وكيف وصلنا الى هنا ؟!

الصبيّة : أهو حلم ؟

الشاب : وهل سنشاهد جميعنا الحلم ذاته ؟!

الرجل : المهم اننا سالمين .. دعونا نبحث بالجزيرة عن مكانٍ يأوينا في المساء

المرأة : ولا تنسوا إشعال النار ، كيّ ترانا فرق الإنقاذ

الصبيّة بضيق : والدي لن يسكت عن هذه المهزلة ، وسيسجّن الطبيب على مجازفته بحياتنا بمغامرته المجنونة .. فأبي محامي محترف ، وسيرفع دعوى قضائيّة على شركة الطيران لتسليمنا طائرة مُعطّلة

المرأة غاضبة : وانا مذيعةٌ مشهورة ، وسأفضحه بالإعلام ..


الرجل مقاطعاً بعصبية : وكأننا نعلم مصير الطبيب الذي تريدان مقاضاته ! ثم هذه جزيرةٌ نائية ، ولن تهمّنا عائلاتكم الراقية او ثروّاتكم الضخمة .. دعونا نجمع اوراق الشجر لإشعالها ، فالبرودة ستزداد حتماً في المساء  

المرأة : توقعت سخريّتك من ثرائنا ، فأنت حسب كلام الطبيب من حديثي النعمة 

الرجل باشمئزاز : يمكنني إسكاتك ، لكني لا استطيع تميّز معالم وجهك من عمليات التشويه في..

المرأة مقاطعة بعصبية : عمليات التجميل كلّفتني اكثر مما تملكه شركتك البسيطة

الشاب : رجاءً اهدآ !! ودعونا نتأقلم مع بعضنا ، الى أن نخرج من هذه الأزمة


وكان صعباً التفاهم بينهم ، فالشاب والمرأة والصبيّة مُتغطرسين ومُدللّين من عائلاتهم الثريّة ، لهذا قام الرجل (حديث النعمة) بمعظم العمل .. الى ان تجمّعوا مساءً حول النار التي أشعلها بولّاعته ، لتناول السمكة الكبيرة التي اصطادها وحده 

الصبيّة بضيق : السمكة لا نكهة لها من دون الملح والبهارات والحامض

الرجل بتهكّم : لم تذكري الصوصّ والمشروب الغازيّ ! ..(بصوتٍ عالي) ..أنظري حولك !! نحن في مكانٍ مجهول ، ولم تمرّ سفينةٌ واحدة منذ الصباح

المرأة : كلّه بسب الطبيب المتهوّر !! لما أخذنا برحلةٍ طويلة دون إطلاعنا على التفاصيل ؟!

الشاب : اساساً اين هو الآن ! ولما اختفى فور خروجنا من الغيمة السوداء؟!


الرجل : أتركونا من هذا الحديث ، فقد أمضينا النهار كلّه بتحليل ما حصل دون فائدة .. ما رأيكم لوّ نتكلّم عن مشاكلنا التي جعلتنا نذهب لنفس الطبيب المشهور ؟ 

فتنّهدت الصبيّة بحزن : انا اعاني من رهاب الطعام بسبب امي التي عاقبتني كلما زاد وزني عن وزن العارضات ، وتُجبرني على رجيمٍ قاسي ..لأننا سيدات مجتمع ، وعلينا المحافظة على اجسامنا .. وهذا أرهقني نفسيّاً لعشقي للطعام ، مما اضّطرني احياناً لسرقة الأطباق من ثلّاجتنا اثناء نومها

الشاب : لكنك تناولتِ الطعام بشهيّة هذه المرّة ! 

الصبيّة بصدمة : آه صحيح ! ولم أحسب السعرات الحراريّة ، كما أفعل دائماً منذ سن المراهقة..هذا غريبٌ فعلاً !


المرأة : لا تقلقي عزيزتي ، لن تسمني من ربع سمكة .. اما انا ، فمشكلتي هي الوسّوسة بالنظافة ..فوالدي اعتاد معاقبتي على توسيخي زيّ المدرسة .. فهو كان رئيس الخدم لرجلٍ سياسيّ قام بتوريثه امواله بعد وفاته ، لأنه عقيم .. ورغم ان والدي انتقل لإدارة شركة المرحوم إلاّ انه مازال صارماً بشأن النظاقة والترتيب ، ويعاملني كأحد الخدم المُشرف عليهم ! وبسبب اهتمامه بأدقّ التفاصيل ، استقال العديد من موظفيه 

الصبيّة باستغراب : أمازال حيّاً الى الآن ؟

المرأة : هو تجاوز السبعين .. ورغم بلوغي سن الأربعين إلاّ انه يعاملني كمراهقة غير ناضجة ، مع اني ناجحة بعملي كمذيعة 

الشاب : طالما لديك المال ، فاستأجري شقة لك 

المرأة : ابي كبير في السن ، ويرفض وجود الممرّضات في بيته .. لهذا اضطّر البقاء معه 

الرجل : قلت انك تخافين الوساخة .. لكنك تجلسين الآن فوق تراب الشاطئ ، وتتناولين الطعام بيديك دون الإكتراث لهذا الموضوع !

المرأة بدهشة : وهي المرّة الأولى التي أجرأ على فعل ذلك ! (ثم لعقت أصابعها) ..الآن تأكّدت ان تناول الطعام باليدين يجعله أكثر لذّة ، كما كانت تقول جدتي .. لا تدرون كم صعباً على طفلة تناول طعامها دون تلويث فمها ، عدا عن خوفي من الإختيار الخاطئ للملعقة المناسبة للطعام ! .. وانت ماهي مشكلتك ؟


الشاب : كرهت جميع النساء اللآتي تقرّبن مني ، طمعاً بثروّة والدي .. وكأني نكرة من دونه ! مع اني معيدٌ جامعيّ .. وكلّه بسبب اختيار اهلي الخاطئ لخطيباتي السابقات من طبقتنا الإجتماعية ، لأتفاجأ بأن جميعهن طمّاعات وسيئات السمعة .. لهذا قرّرت البقاء أعزباً .. لكن والدايّ يصرّان على تزويجي ، كوني الوريث الوحيد لهما .. لهذا ارسلاني لنفس طبيبكم 

الصبيّة : لكنك تكلّمت معي منذ الصباح دون شعوري بنفورك من النساء ، كما تدّعي ! 

الشاب : بالفعل ! حتى انني منجذبٌ اليك دون ارادةٍ مني

فابتسمت الصبيّة بخجل ..


المرأة : ماذا عنك يا حديث النعمة ؟

الرجل بعصبية : أمازلتم تتحدثون معي باستعلاء ، رغم توفيري الطعام لكم هذه الليلة ! يالكم من اولاد مُدلّلين ، وعديمي المسؤوليّة ..

المرأة مقاطعة : يبدو ان مشكلتك هي العصبية الزائدة 

فتنهّد الرجل بضيق : بل الإنطوائيّة .. فأنا أتجنّب الناس رغم نجاحي بالعمل ، بسبب صدماتي المتكرّرة بالمحيطين بي ! فبعد نجاحي بالبورصة ، أصرّ اهلي على مساعدة اقاربي الفقراء .. لكن معظمهم سرقوني ونشروا الشائعات القذرة عني ، التي أضرّت بعملي ! ومن يومها قرّرت تجاهلهم ، وعدم الإكتراث لمشاكلهم .. ليس فقط الأقارب ، بل بعدي عن جميع الناس  

المرأة : لكنك قمت بمعظم الأعمال على الجزيرة : حفرت كلمة (HELP) على الشاطئ ، لكيّ تراها طائرات الإنقاذ .. وجمعت اوراق الشجر التي أوقدتها بنفسك لتدفأتنا .. بالإضافة لصنع رمح من غصنٍ طويل ، لاصطياد السمكة الكبيرة التي أشبعتنا هذه الليلة .. فكيف تدّعي عدم اكتراثك بمن حولك ؟! 


الصبيّة : يبدو ان جميع مشاكلنا حُلّت على الجزيرة ! 

الشاب : صحيح ! وكأنه مكانٌ سحريّ لفكّ العقد النفسيّة

الرجل : سنعرف صحّة هذا الكلام في الأيام التالية

وناموا تلك الليلة ، وهم يحاولون حلّ لغز الجزيرة الغامضة ! 

***


وبمرور الأيام .. إختفت معظم عقدهم ومشاكلهم مع تكرار الأعمال اليوميّة على الجزيرة : كتوفير مياه الشرب من الأمطار المتقطّعة ، وصيد السمك وقطف الثمار البرّية ..وبناء خيمة من الأغصان واوراق الشجر للإحتماء فيها .. ومهمّة إيقاد النار بعد نفاذ وقود الولّاعة .. 

عدا أن الشاب الذي يكره النساء ، تعمّقت علاقته بالصبيّة التي لاحظت إختفاء مشكلتها مع الطعام .. وصارت تأكل كل ما تجده في الجزيرة من فواكة وزهور ، وجميع انواع السمك دون اعتراض 


بينما المرأة : فلم تعد تكترث كثيراً للنظافة والترتيب ، بل اصبحت تتصرّف بعفويّة مطلقة.. خاصة بعد تعلّقها بالرجل (حديث النعمة) بسبب خبرته الواسعة بالحياة (قبل بناء ثروّته) .. وهو أعجب بمدحها لعصاميّته ، واهتمامه بأصدقائه على الجزيرة .. 


وبذلك تكوّنت علاقتان جميلتان بين الناجين الأربعة الذين لم يعودوا يحسبون الوقت ، كما فعلوا بأيامهم الأولى على الجزيرة

***


وذات يوم ..إستيقظوا على صوت الطبيب وهو يسألهم :

- هل فقدتم الوعيّ جميعاً ، خوفاً من الغيمة الرعديّة ؟! 

فنظروا لبعضهم بدهشة ، بعد ان وجدوا أنفسهم داخل الطائرة الخفيفة!

فنظر الرجل بساعته الذهبيّة ، وهو يقول بصدمة :

- مرّت دقيقتان فقط !

الطبيب : نعم ، مرّرنا بسلام من الغيمة السوداء

الصبيّة : لكننا عشنا على الجزيرة قرابة شهر !

الشاب : تحديداً شهر وثلاثة ايام !  

الطبيب : عن أيّةِ جزيرة تتحدثون ؟!


فالتفت الرجل حديث النعمة (الذي يجلس بجانب الطبيب الطيّار) للشباب الثلاثة في المقعد الخلفي ، بنظرة تعني : كتمان السرّ .. 

فالتزم الجميع الصمت ، فهم لا يريدون من الطبيب إخبار اهاليهم بانتكاسة حالتهم النفسيّة بعد الرحلة الجويّة 


الطبيب : لما انتم صامتون هكذا ؟! الن تخبروني عن تلك الجزيرة ؟

الرجل : رجاءً أعدنا الى مدرّج الطيران

الطبيب : لكن رحلتنا لم تنتهي بعد ، علينا التحدّث سويّاً عن عقدكم النفسيّة

المرأة : لا داعي لذلك ، فقد حُلّت جميع مشاكلنا 

الطبيب باستغراب : ومن حلّها ؟

الصبيّة : الغيمة السوداء


وابتسموا بارتياح بعد إيجاد نصيبهم على تلك الجزيرة ، الذين سيكملون حياتهم معهم بعيداً عن عائلاتهم التي تسبّبت بعقدهم النفسيّة ..تاركين الطيّار بصدمة بعد قرارهم الجماعي بترك العلاج في عيادته ، دون إخباره : بأن الغيمة السوداء نقلت ارواحهم الى جزيرةٍ سحريّة تمكّنت من فكّ جميع عقدهم النفسيّة التي عجز عن علاجها لشهورٍ طويلة .. بينما تعاهد الشباب الأربعة على إكمال حياتهم بعقليّةٍ سليمة ونسيان ماضيهم الأليم ، وكلّهم امل بمستقبلٍ مليء بالمحبّة والسلام !


الأربعاء، 28 فبراير 2024

الرموز المجهولة

كتابة : امل شانوحة 

التحدّث اثناء النوم


اثناء عمل جاك على حاسوب الشركة التي يعمل فيها ، غفى من شدة تعبه 

وعندما استيقظ بعد قليل ، أخبره زميله الذي يعمل معه بذات الغرفة:

- انت تتكلّم اثناء نومك !

جاك بدهشة : أحقاً ! وماذا قلت ؟

- حروف وأرقام عشوائيّة ، مع علامات الترقيم ! هل تهلوّس بشيءٍ معيّن ؟!

ولم يتحدثا اكثر عن الموضوع ، بعد أن طلبهما المدير لإجتماعٍ عاجل

***


بعد عودة جاك الى منزله ، تساءل إن كان من عادته التحدّث اثناء نومه ؟! 

وفي الليل ، أدار التسجيل بجواله الذي وضعه بجانب سريره ..


وعلى مدى ثلاثة ليالي متتالية ، تكلّم بنومه بذات العبارة ! والأغرب عند تدوينه للجملة الغير مفهومة ، وجد تكراره لذات الأحرف والأرقام بنفس الترتيب ، مما اثار انتباهه !

***


بعد اسبوع ، في العمل .. سمع زميليّه يتحدّثان عن الكلمة السرّية الخاصة بإيميل الوظيفة ، والتي ايضاً تضمّنت أحرفاً وارقاماً وعلامات ترقيم !


فتساءل في نفسه : ((أمعقول ما اردّده في نومي هو رقمٌ سرّي لإحدى صفحات تواصلي الإجتماعي التي نسيتها ، لكن عقلي الباطني مازال يذكرها ؟!))

***


وفور عودته الى المنزل .. بدأ بفتح كل صفحاته على الإنترنت التي عادةً لا يغيّر فيها سوى رقمها السرّي .. لينصدم بأن الجملة الغامضة : هي رقمٌ سرّي لإيميل لا يذكر تسجيله من قبل !


وعندما فتحه ، وجد ثلاث ملفات .. الملف الأول : فيه صور 13 فتاة جميلة ! وفي الملف الثاني : ذات الفتيات وهن مُعذّبات ! .. وفي الملف الأخير : صور جثثهنّ المشوّهة ..وكاد الحاسوب يسقط من يده من هول الصدمة !

جاك بفزع : كيف املك صور تعذيبهنّ ، وصور جثثهنّ ؟! مالذي يحدث ؟!


ولاحظ وجود اسفل صور الجثث تاريخٌ معيّن ، يبدو يوم وفاتهنّ : أقدمهن قبل 10 سنوات ، وأحدثهنّ منذ سنةٍ فقط ! .. بينما وجد ثلاثة صور فقط ، مذكوراً فيها اسم القتيلة .. بينما البقيّة مجهولات الهويّة! 


لينتفض جسمه بعد رؤيته للفتاة صاحبة أقدم تاريخ بينهنّ : وهي صديقته بالجامعة التي اختفت قبل حفلة التخرّج ، ومازال مصيرها مجهولاً للوقت الحاليّ !  


وعندما ركّز على تاريخ وفاتها ، تذكّر أمراً اربكه لسنوات .. فقبل يومين من حفلة التخرّج ، سأل زميله بالغرفة : عن يوم الأحد الذي لا يذكره ؟ فهو نام مساء السبت ، واستيقظ الإثنين صباحاً .. لكن زميله أمضى يوم العطلة في منزل اهله ، لهذا لم يعلم عن ماذا يتكلّم! 


ولاحظ جاك ان الأحد الذي مُسح من ذاكرته ، هو نفسه المذكور تحت صورة جثة صديقته .. فهل قتلها بعد رفضها مواعدته بعد حفلة التخرّج ؟! وكيف لا يذكر ذلك؟! 


كما لاحظ امراً آخر مُربكاً : فبقيّة النساء المقتولات ، يشبهنّ صديقته لحدٍ كبير ! فهل قتلهنّ ، لأنهنّ ذكرنه بصديقته التي كسرت قلبه ؟! 

^^^


ولشدّة ارتباكه من الإيميل الإجراميّ ، وضع كاميرا امام الباب الخارجيّ لمنزله ..


ولم يحصل شيء خلال اسبوعين .. وكاد ينسى الموضوع برمّته ، الى ان شاهد نفسه بالكاميرا : وهو يلبس معطفه ويخرج من منزله آخر الليل ، اثناء عاصفةٍ رعديّة .. وهي ليست من عادته الخروج بعد الساعة ١٢ مساءً ، خصوصاً تحت المطر ! فهل يمشي كما يتكلّم اثناء نومه ؟! وهل ارتكب تلك الجرائم بعقلٍ غير واعي ؟ 

^^^ 


الأمر جعله يشعر بتوترٍ دائم ، أثّر سلباً على مستوى عمله.. مما اضّطره لأخذ موعدٍ مع طبيبٍ نفسيّ عجوز ، مشهور ببراعته .. والذي أخضعه للتنويم المغناطيسي ، بعد إطلاعه على فيديو خروجه المسائيّ الذي لا يذكره .. مُخفياً موضوع الجثث (خاصة بعد بحثه عن إسميّ الصبيّتين بالإنترنت ، ومعرفة اختفائهما بذات تاريخ وفاتهما المذكور اسفل صورهما ، مما يؤكّد تورطه بمقتل جميع النساء اللآتي يملك صورهنّ)

 

ليتفاجأ جاك بعد استيقاظه من التنويم ، بنظرات الإرتباك على وجه الطبيب العجوز الذي لامه على وحشيّته ، بعد وصف جاك اثناء تنويمه جميع وسائل تعذيبه للفتيات اللآتي ذنبهنّ الوحيد ، هو شبههنّ بصديقته التي رفضت حبه !

ليس هذا فحسب ، بل اعترف ايضاً بجريمته الأولى بعمر المراهقة : بعد إطفائه شعلة المدفأة ، ليموت والده من رائحة الغاز ! 


جاك بصدمة : انا لا افهم شيئاً مما قلته ؟!

الطبيب : انت لا تمشي اثناء نومك ، بل لديك انفصام شخصيّة تكوّنت بسبب قسوة والدك طوال طفولتك .. وببلوغك سن ١٥ إستغلّيت نومه في غرفة المكتب ، لتقتله إختناقاً بالغاز بعد ظهور شخصيتك الثانية الإجراميّة التي خمدت لسنوات ، قبل ظهورها من جديد بعد إهانة حبيبتك : بأنك لست من مستواها لتصاحبها ! لهذا قتلتها بعد الإعتداء عليها.. اما شبيهاتها ، فاكتفيت بتعذيبهنّ حتى الموت ! كما ذكرت اثناء تنويمك : بأن جميع ضحاياك (النساء) دفنتهنّ بحديقة منزلك الخلفيّة .. لهذا انا مضّطر لإبلاغ الشرطة ، فأهالي المفقودات مازالوا يبحثون عن بناتهنّ حتى اليوم !

***


في منتصف الليل ، عاد جاك الى منزله مرهقاً .. وجلس متهالكاً امام حاسوبه الذي أوصله بجواله ، لإضافة شيء جديد الى ملف الإيميل الغامض : وهي صورة رأس الطبيب العجوز المقطوع ، قبل دفنه مع بقيّة الضحايا في حديقة منزله.. 


وعاد للنوم وكأن شيئاً لم يكن ، بعد سيطرة شخصيّته الإجرامية على شخصيّته الإنسانيّة التي اختفت هذه المرة للأبد !


المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة  الخطيب الغيّور دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :  - وأين اجرة...