الخميس، 24 سبتمبر 2026

اسيرات الملك

كتابة : امل شانوحة 

 

اوسمة العار


في قلب صحراءٍ إفريقية ، تمكّن رجلٌ (ستينيّ ثريّ) من تحويل سجنٍ مهجور إلى مملكته الخاصة .. مُنفقاً ثرّوةً طائلة لترميم زنزاناته ، وتحويلها إلى غرفٍ صغيرة .. بينما استقرّ في طابقه العلويّ الفخم ، لإدارة إمبراطوريّته الساديّة ! 


ومن بعدها ، بدأ بتصيّد النساء من القرى النائية.. عاقداً مع عائلاتهن وثائق زواجٍ عرفيّة غير مُسجّلة رسمياً ، مُستغلاً فقرهم وحاجتهم للمال.

فحلمه الوحيد : ان يكون ملكاً على مئة امرأة .. لهذا لم يبحث عن الجمال او العمر ، بل يكفيه طاعتهن العمياء له ! 


وحين وصلت دفعة النساء الى معسكره ، وجد بعضهن جميلات او شبه مقبولات .. بينما الأخريات ، قبيحات ومسترجلات ! 

فوظّف الفتيات اللواتي لم يرتح لملامحن أو شخصيّاتهن الى عساكر مزوّدات بأسلحةٍ نارية ، بعد إلزامهن بالزيّ العسكري .. وأوكلهنّ بمهمّة مراقبة بقية النساء ، وإجبارهن على تنفيذ أوامره.

وفي المقابل ، كافأ العساكر في احتفالٍ شهريّ أمام النزلاء : بأوسمةٍ ذهبيةٍ وهميّة ، للغرس في نفوسهن شعوراً بعلوّ مرتبتهنّ على غيرهن.


أما النساء اللواتي رفضن الزواج به : فمنحهن مهلةٍ زمنية ، تتفاوت حسب مكانة كل امرأة بالنسبة له..  

فإن لم يغيّرن رأيهن بعد انتهاء مهلتهنّ ، مصيرهن الإعدام رمياً بالرصاص !

وأطلق عليهن لقب:

((الهاربات من المعركة الزوجية)) ..

وأجبرهن على ارتداء خوذاتٍ عسكرية قديمة ، والنوم في غرف القبو الرطبة .. مع طعامٍ قليل .. آملاً بأن يكسر الجوع والعزلة ، عنادهن.


أما من وافقت على الزواج به لبضعة شهور ، ثم طلبت الطلاق لعدم تحمّلها طباعه النرجسية .. 

فانتقم منهن : بإجبارهن على ارتداء خمارٍ يُخفي وجوههن .. مع تعليق لافتة على صدورهن بلقب : ((الخائنة)) 

حيث يُمنع عليهن التحدّث مع بقية الزوجات او العازبات .. كما يخضعن لمراقبةٍ دقيقة من العساكر !


اما بقيّة زوجاته الأربعون ، فانقسموا إلى فئتيّن : 

1- الزوجة العادية : تحصل على بعض الحرّية في اختيار طعامها ووقت نومها، لكنها لا تنال أوسمة الشرف 


2- أما ثماني نساءٍ فقط ، فقد فزنّ بلقب : ((الزوجات المثاليات)) كونهن الأكثر طاعة والأقل اعتراضاً ، والأسرع في تنفيذ أوامره.

وفي كل احتفالٍ شهريّ .. يقفن بوقار امامه ، وهو يُثبّت على ثيابهن أوسمةً برّاقة.. بينما البقية مُجبرات على التصفيق لهن !

ومع ذلك كان واضحاً للجميع : ان عيون الزوجات المثاليات تُخفي رعباً صامتاً ! لشعورهن بالأوسمة ، كسلاسل ذهبية تخنق ارواحهن 


اما وظائف النساء داخل مملكته ، فتنوّعت حسب تصنيفاتهن :

فالمطلقات : عليهن مهمّة الطبخ .. والعازبات : التنظيف والغسيل .. والمجنّدات : الحراسة والرقابة .. امّا زوجاته المُدلّلات : فلا يعملن شيئاً ، سوى الإهتمام بجمالهن ورشاقتهنّ لإرضاء ذوقه الصعب !

***


ووسط تلك المملكة الغريبة .. عاشت فتاةٌ لم تتجاوز العشرين تدعى علياء ، وهي أجمل نساء المعسكر وأعندهن ! 

فهي منذ يومها الأول ، أعلنت التمرّد على قوانينه الجائرة .. مُتجاهلةً تهديداته ، وحرمانها من الطعام ، والجلد والحبس الإنفرادي .. وكلما حاول كسرها ، زاد عنادها وإصرارها على تدمير مملكته الزائفة


فبرغم غرور الرجل ونرجسيته ، الا انه رفض إجبارها على الزواج به .. بل يريدها ان تأتي اليه طواعيةً ! ولهذا قرّر انتظارها .. فهو يؤمن بأن الجوع والخوف والوحدة ، ستنتصر عليها يوماً ما 

***


لكن رغم مرور سنتين ، مازالت علياء على رأيها .. الى ان تغيّر كل شيء بالحفل التكريمي المشؤوم 


حيث اصطفّت النساء في الساحة..

الزوجات في جهة.. والعازبات في جهةٍ أخرى.

بينما تقف المطلّقات خلفهن ، بوجوهٍ مخفية تحت الخمار.

أما العساكر ، فوقفن في صفوفٍ مسلّحة.


وكالعادة ، بدأ الثريّ بتوزيع أوسمة الطاعة على زوجاته المثاليات.

بينما راقبت علياء الوضع باشمئزاز ، وهي مُجبرة على وضع خوذة ((الهاربة من المعركة))

لكن هذه المرة قرّرت اعلان ثوّرتها .. فتقدّمت إلى منتصف الساحة..وخلعت خوذتها ، ورمتها بعنف أمام الثريّ.


فساد الصمت المقلق بين النساء ! وهن تستمعن لعلياء التي تقول بصوتٍ عالي : 

- مهما مرّ الزمان !! سأجد طريقة للهرب من سجنك المقرف ... حتى لوّ كان ثمن حرّيتي ، هو حياتي.. فأنا امرأةٌ عنيدة ، لا أسمح لأشباه الرجال مثلك ان يقترب مني ، ايها العجوز الخرف !!

فشهقت النساء برعب من جرأتها ! أما العساكر فوجهّن أسلحتهن نحوها.


بينما ابتسم الثريّ ابتسامةً مريبة : 

- عزيزتي علياء .. كلما رفضتني ، كلما زاد تعلّقي بك.. وسيأتي اليوم الذي ترضخين اليّ ، بإرادتك .. وسأذكّرك بكلامي ، عندما تصبحين أمّاً لأطفالي.

فضحكت علياء بسخرية : 

- ايّ اطفال ؟!! مضى عامان ، تزوّجت خلالهما معظم النساء المتواجدات هنا .. ومع ذلك لم تحمل واحدة منهن !


فساد الصمت بين صفوف النساء اللواتي يراقبن الوضع بخوف !

وتغيّر وجه الرجل .. لتكمل علياء استفزازه :

- أظنني عرفت قصتك .. فأنت حتماً احببت امرأة بكل جوارحك ، لكنها تخلّت عنك لعقمك .. فحبست النساء هنا ، للشعور برجوليّتك .. اليس هذا هو سبب صرف ثرّوتك على تجديد سجنٍ مهجور ؟


فاحمرّ وجهه غضباً .. لكنها اكملت كلامها بجرأة :

- ليس ذنبنا أن حبيبتك تركتك.. وليس ذنبنا ، أنك لا تستطيع الإنجاب.. كن رجلاً لمرةً واحدة في حياتك ، واطلق سراحنا !!


فتعالت همسات النساء ! وهن يتوسلن بخوف ، أن تصمت بالحال .. لكنها استمرّت بكلامها الجارح : 

- طليقتك امرأةٌ حرّة .. معها كل الحق في تركك ، أيها النرجسي المريض !!


فلم يعد باستطاعته تحمّلها .. وانقضّ عليها ، بعد سحب سكينته الحادة من خصره 


لتتعالى الصرخات في الساحة .. بينما حاولت بعض النساء التدخل لإنقاذ علياء ، لكن العساكر منعتهن..

حتى أفرغ غضبه بطعناتٍ متلاحقة .. سقطت بعدها علياء جثةً هامدة ، وسط بركة من دمائها الطاهرة !


فساد الصمت الثقيل بينهن .. قبل ان تتجرّأ عازبةٌ أخرى ، برميّ خوذتها امامه :

- إن كان عقاب رفضنا الزواج بك ، هو الموت .. فاقتلني أنا أيضاً!! 

ثم تقدّمت زميلتها ، راميةً خوذتها ايضاً :

- وأنا أيضاً !! 


وسرعان ما تجمّعت المطلّقات حوله ، بعد نزع الخمار عن وجوههن.. ورميهن بطاقات ((الخائنات)) امامه .. 

قبل تقدّم الزوجات العاديات ، لإزالة خواتم الزواج من اصابعهن

وبعدها بدأت الزوجات المثاليات على التوالي ، بنزع أوسمة الطاعة من ثيابهن التي أشعرتهم دائماً بالإذلال والعار 


فأمر الثريّ العساكر بإطلاق النار على المُتمرّدات .. ليتفاجأ بهن ، ترمين أسلحتهن جانباً مع قبعاتهن العسكرية !


قبل ان تتقدّم قائدتهن نحو بوّابة السجن.. وهي تفتحه بمفتاحها الخاص ، بعد عامين على اغلاقه !

وهي تقول للجميع :

- السرّ الذي لا تعرفونه ، ان اسلحتنا مزيّفة .. 

الثريّ معاتباً :

- لما أخبرتهن يا غبية ؟! ألم تعاهديني على السرّية ؟!


لكنها لم تكترث له ، وأشارت لشيءٍ موجود خلف البوّابة المفتوحة .. وهي تقول لبقية النساء : 

- هناك حافلتيّن بالخارج !! سأقود إحداها ، فمن ستقود الأخرى ؟

رفعت صديقة علياء يدها : 

- انا اعرف القيادة جيداً !! لكن قبل أن نغادر ، علينا أخذ بطلتنا معنا.



فاقتربت النساء جميعاً ، لحمل جثة علياء المُضرّجة بالدماء.. وهن ينظرن بلؤم وتحدّي للثريّ بعد حصولهن على حرّيتهن اخيراً  

فصرخ الرجل بعلوّ صوته ، اثناء توجههن نحو البوّابة :

- الى أين تذهبن؟! لقد اشتريتكن من عائلاتكن ، ولن تجدن من يستقبلكن! عدن جميعاً الى مملكتي ، فأنتن زوجاتي!

فالتفتت صديقة علياء نحوه :

- إن لم تستقبلنا عائلاتنا ، سنبني مجتمعاً خاصاً لنا 

وأكملت الأخرى :

- نعم !! مجتمعاً لا يحكمه رجلٌ يشتري الناس بماله

القائدة :

- اما انت !! فستُحجز هنا ، حتى ينفذ مائك ومؤونتك.. وتموت وحدك كجيفةٍ قذرة !!

الرجل صارخاً على القائدة :

- أهذه مكافئتي بعد ان سلّمتك المفتاح الوحيد لمملكتي ، ايتها المسترجلة القبيحة؟!


لكنها لم تجيبه ، بل اكتفت بابتسامةٍ ساخرة .. قبل إقفالها البوّابة من الخارج بالمفتاح الذي رمته بعيداً فوق رمال الصحراء..

 

فركض الرجل مذعوراً ، وهو يطرق الباب الحديدي بجنون..

- إفتحن الباب!! سأعطيكن كل ذهبي ومالي وثرّوتي .. رجاءً لا اريد الموت وحدي!!

وآخر ما سمعه ، هو ردّ إحداهن الساخر : 

- إذا جعت ، حوّل ذهبك إلى حساءٍ واشربه... أيها البدين الساديّ !!

لتعلو ضحكات النساء للمرة الأولى منذ عامين ..

^^^ 

ثم استمع بيأس لهدير الحافلتيّن ، وهما تبتعدان باتجاه قرية علياء ..والتي تمّ دفنها لاحقاً بجنازةٍ شعبيةٍ كبيرة .. 

بينما تعاهدت النساء على عدم الخضوع المُذلّ للرجال ثانيةً .. مع إبقاء مكان السجن سرّاً بينهن ، لحين موت الملك المزعوم وحيداً بلا عرشٍ او رعيّة ! 


هناك 4 تعليقات:

  1. كتابة.... فكرة غريبة
    تمنيت لو لم تمت علياء

    ردحذف
    الردود
    1. قلت في بداية القصة كتابتي وليس تأليفي ، لأني قرأت تعليقاً في التيكتوك لأمرأة تقول : ماذا لو كانت النساء مجنّدات بحياة الرجل ، العازبة هي فارة من المعركة الزوجية ، والمطلقة خائنة ، والمتزوجة المطيعة هي من تستحق اوسمة الشرف ..
      فخطرت ببالي هذه القصة

      حذف
  2. عندما يكون المال بيد نرجسي سادي
    سلمت أناملك أستاذة فالقصة رائعة

    ردحذف

اسيرات الملك

كتابة : امل شانوحة    اوسمة العار في قلب صحراءٍ إفريقية ، تمكّن رجلٌ (ستينيّ ثريّ) من تحويل سجنٍ مهجور إلى مملكته الخاصة .. مُنفقاً ثرّوةً ط...