تأليف : امل شانوحة
سنوات الندم
استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !
لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عجل !
فسألته بنعاسٍ واستغراب:
- هل نحن مسافران إلى مكانٍ ما ؟!
فردّ ببرود :
- انت ستبقين هنا ، وانا سأعود إلى زوجتي.
بصدمة : ماذا ! الم تقل لأهلي إنك طلّقتها ؟!
- قلت ما يلزم ، ليوافقوا على زواجنا.
- ولما تهجرني بعد شهر العسل ؟!
- ما كنت انوي الزواج بك اصلاً ، لكنك الوحيدة التي تحدّيتني .. فكل النساء اللواتي تعرّفت عليهن بالإنترنت ، قضيت معهن وقتاً ممتعاً وانتهى الأمر .. لكنك رفضتِني لشهورٍ طويلة ، ولم تتجاوبي معي إلا بعد خطوبةٍ رسمية .. وبدوري قبلت التحدّي !!
- يعني تزوّجتني ، فقط لتنتصر عليّ ؟!
- بالضبط !! وكنت محظوظاً بموافقة اهلك على زواجنا السريع ..
ثم وضع الحقيبة على الأرض ، وهو يقول بغرور اثناء ارتداء معطفه :
- إحمدي ربك انني بقيت معك لشهرٍ كامل .. والآن عليّ اللحاق بالطائرة .. لكن اولاً ، سأنهي زيجتنا المزيفة .. عزيزتي رؤى ، انت ط..
فقاطعته بحزم : لا !! يمكنك السفر والعودة لعائلتك ، لكن ايّاك ان تطلّقني .. اخاف ان يجبرني اهلي على الزواج من بعدك ، وانا لا ارغب في ذلك
- وكيف ستبرّرين غيابي ؟
- هم يعلمون أنك لم تستقيل من عملك في الغربة ، لهذا سأخبرهم على موافقتك بقائي بجانبهم.. (ثم تنهّدت بضيق)..لا تقلق ، سأجد حجّةً مُقنعة في كل مرة.
- المهم ان لا تنتظري عودتي
فردّت بحزن :
- عدّ في حالةٍ واحدة .. إن علمت يوماً بوفاتي .. فتعال وكفّني بنفسك ، حتى لا يلمسني رجلٌ آخر.
فقال بانزعاج :
- يا الهي على تشاؤمك ! اساساً انت كبيرة في السن ، ولن يتزوجك أحد
ثم حمل حقيبته وهو يقول :
- فور وصولي الى هناك ، سأغيّر رقم هاتفي وأُغلق حساباتي القديمة .. فلا تحاولي الوصول إليّ
بحزن : وانا سأفعل الشيء ذاته
فقال ببرود :
- على فكرة ، كتبت الشقة بإسمك قبل ايام .. إعتبريها تعويضاً لك عن كل شيء.
وتركها غارقة بالدموع
وخرج من العمارة ، واضعاً الحقيبة في سيارته..
لكن قبل أن يُدير المحرّك ، تذكّر مفتاح منزله في الغربة.
فعاد منزعجاً الى الشقة ، لعدم رغبته برؤيتها من جديد ..
وبهدوء تسلّل للداخل .. وقبل إلتقاط مفتاحه والمغادرة ، سمع بكائها من الغرفة !
فقال بسخرية :
((كانت تتظاهر بالقوة ... وهاهي تنهار أخيراً))
وقاده فضوله لتلصّص من شقّ الباب..
فرآها ترتدي ثياب الصلاة ، وهي تدعي بقهر :
- حسبيّ الله ونعم الوكيل... يارب أرني فيه قوتك ، واكسر غروره .. واجعله يعرف قيمة من ظلمها.
فشعر بالقشعريرة تسري في جسده.. قائلاً بنفسه بقلق :
((يا خوفي أن يستجيب الله لها !))
ثم غادر مسرعاً الى المطار
***
عاد إلى الغربة ، إلى زوجته الأولى وابنته اللتان ظنّتا بعودته من رحلة عمل.
ومع الأيام .. حاول عيش حياته بصورةٍ طبيعية ، لكن شيئاً ما تغيّر داخله !
فهو يتذكّر دون إرادته : طعام رؤى واهتمامها به ، وحنانها عليه كأنه طفل بين يدي أمه.
***
وفي إحدى الليالي ، حاول الإتصال بها .. لكن هاتفها وحسابها القديم مغلقان ! فعلم تنفيذها لما وعدت به ..
فقال لنفسه:
((على الأقل ، تقبّلت فراقنا بهدوء !))
لكن شيئاً داخله لم يصدّق ذلك.
***
بعد ايام ، شاهد حلماً أفزعه .. بعد رؤيته رؤى تُزّف لرجلٍ آخر !
لكنه عاد لتبرير نفسه :
- لما أهتم بمصيرها ؟! فأنا من تركتها بإرادتي
***
وبعد شهرين ، مرض بشدة.. فاكتفت زوجته بوضع الأدوية بجانبه ، وأخذت ابنتها للسوق !
وهنا تذكّر رؤى بعد اصابته بالحمى ، قبل انتهاء شهر العسل .. وكيف أعدّت له الطعام والمشروبات الساخنة ، وهي تراقب حرارته بخوفٍ حقيقيّ ومحبةٍ غامرة.
ولأول مرة ، شعر بالندم :
- لما تسرّعت بهجرها ، وقطعت وسائل التواصل معها ، وليس لديّ الجرأة لمواجهة أهلها ؟ وكلّه بسبب غروري الأعمى!
***
مرّت سنوات لم تكن رحيمة معه .. فزوجته اكتشفت علاقاته القديمة عبر الإنترنت ، وأنهت زواجهما أمام المحكمة بعد حصولها على نصف ممتلكاته ، وحضانة ابنتهما..
أما عمله الفني والأدبي ، فتراجع تدريجياً بسبب نفسيّته المتدهوّرة.
وفي كل مرة تحلّ به مصيبةٌ جديدة ، يتذكّر دعاء رؤى المقهورة !
ومع ذلك ينكر بعناد:
- مجرّد صدفة... حظٌ سيء ليس اكثر !
***
بعدها اجبرته الحياة على العودة الى بلده وحيداً .. ولكيّ يعيد ثقته بنفسه ، حاول التعرّف على نساءٍ جدد .. ومن دون ارادته ، كان يقارنهن برؤى .. باحثاً عن روحها الدافئة التي فرّط فيها بغباء.
***
وفي أحد الأيام.. وصلته دعوة لحضور حفلٍ عربيّ ، لتكريم المبدعين الصغار من مختلف الدول العربية.
وبسبب شهرته القديمة في المجال الأدبي ، أُختير عضواً في لجنة التحكيم.
فجلس على مقعده ، حتى أُعلن اسم الفائز بالجائزة الكبرى في مجال الشعر والأدب .. وكان طفلاً في الثامنة يحمل اسمه الثلاثي!
وما إن اقترب الفائز الصغير لاستلام درع التكريم .. حتى اندفع لاحتضانه بسعادةٍ غامرة:
- كنت اعرف أنك ستحضر حفلتي ، يا أبي.. اشتقت إليك كثيراً !!
وقبل أن يستوعب المفاجأة ! رأى أهل رؤى يتقدمون نحوه ، وهم يهنّؤونه على السلامة والشفاء..
فالتفت حوله مذهولاً ! قبل لمحه رؤى تقف بعيداً ، وهي تراقب الموقف بعيونٍ دامعة.. والتي اقتربت منه ، لسحبه من ذراعه .. والتحدّث معه جانباً:
- ابنك يشبهك كثيراً ، فهو موهوبٌ مثلك بالشعر
- كيف حصل ذلك يا رؤى ؟!
- علمت بحملي بعد رحيلك بأيامٍ معدودة .. ولتغيّرك رقم جوالك ، لم أستطع التواصل معك.. فأخبرت أهلي : أن الطبيب منعك من السفر بعد آلام كليتك المفاجئة .. وأنك مُجبر على البقاء في الغربة ، لحين إيجاد متبرّع ينقذك من الغسيل الدوري.. وأخبرتهم أنك رفضت لحاقي بك ، لراحة طفلنا الذي سجّلته بإسمك ، لعدم وجود طلاقٍ رسميّ بيننا
فنظر إليها مصدوماً :
- أفعلتِ كل هذا دون علمي؟!
- نعم ، لأني فهمت أنك أصغر أبناء عائلتك .. المُدلّل الذي اعتاد الحصول على كل شيء.. وعندما رفضتك في البداية ، شعرتَ أن كبرياءك جُرح .. فتزوّجتني دون نيّة إكمال حياتك معي ، بل تحدّياً بإخضاع المرأة التي رفضتك.
فقال لها بقهر :
- لا تقلقي ، الله استجاب لدعائك بعد خسارتي كل شيء
- صحيح أنني دعوت عليك في بداية الإنفصال ، من شدة قهري .. لكن ما إن علمت بحملي ، حتى توقفت.. فأنت أهديتني الأمومة ، وهي أكبر أمنياتي في الحياة .. ولهذا السبب ، حرصت طوال السنوات الماضية على تربية ابنك على احترامك وتقدير معاناتك بالغربة لأجلنا .. وأوهمته بإرسالك الهدايا والمصروف له ، حفاظاً على المحبة بينكما
- وانا اريد تعويضه عن سنوات بعدي عنه .. لكن كيف افعل ذلك؟
- عدّ الى بيتك ، فنحن لم نتطلّق من الأساس
فقال بصدمة : أحقاً ! ظننتك سترفضين
فردّت بابتسامةٍ حنونة :
- لنذهب الى بيتنا ، فقد فاتك الكثير.
***
وعادوا معاً إلى الشقة الصغيرة..
وفي تلك الليلة ، وبينما كانت رؤى تعدّ العشاء .. نافس ابنه الذي تحدّاه بقصيدةٍ شعرية من تأليفه ..
حينها أدرك أخيراً : إن انتصاره الوهمي ، أضاع أجمل سنوات عمره..
بينما المنتصر الحقيقي ، هي رؤى التي فازت بصبرها وأمومتها .. وحافظت على دفء بيتها ، بعد تقبّلها عودة زوجها التائب الذي ينوي تعويضها بحياةٍ زوجيةٍ مليئةٍ بالإخلاص والمحبة الدائميّن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق