تأليف : امل شانوحة
الموت المفاجئ
في المستقبل القريب .. وفي ليلةٍ باردة ، تردّد هزيم الرعد فوق المدن المهجورة بعد تفضيل الناس السكن بالخنادق والكهوف ، هرباً من الصواعق المميتة
وفي احدى المنازل المحفورة بالجبال ، علت صرخات امرأة على وشك ولادة .. فجازف زوجها بالخروج ليلة العاصفة ، لمناداة القابلة
فنصحته زوجته بلبس الزيّ الخشبي ، حتى لا يتعرّض للصعق .. فأجابها على عجل:
- هو غير مريح ، ويصعب التحرّك فيه .. (ثم امسك يدها).. حبيبتي ، لا تقلقي بشأني ، سأنتبه جيداً.. فكما يقال : لا يضرب البرق المكان نفسه مرتين .. الآن عليّ الركض بسرعة ، لإحضار القابلة
ورغم قلقها عليه ، الا انه سارع الخروج من المنزل
^^^
وبعد ساعة .. دخلت العجوز بثيابها المُبلّلة ، وهي تحمل حقيبة التوليد..
فسألتها الحامل بخوف عن زوجها ؟
فأجابت القابلة وهي تُعقّم يديها قبل الولادة :
- لا ادري اين ذهب .. اعطاني عنوانك ، قبل ذهابه لشراء الحاجيات الأساسية للطفل .. حتى انه رفض الإنتظار ، لحين انتهاء العاصفة !
^^^
وبعد توليدها ، ونوم الأم من شدة تعبها .. قالت القابلة للطفل بشفقة :
- يا مسكين ، بأيّ عصرٍ ولدت ؟! ستعيش طفولتك مختبئاً مع أهلك ، خلف الأبواب الموصدة.. لن تعرف اللعب في الحقول تحت نور الشمس .. ولا الركض تحت المطر ، كما عرفناه نحن.. أتمنى أن تنتهي هذه المحنة عندما تصبح يافعاً
ثم تركته نائماً بحضن والدته .. وخرجت من منزل الكهف ، بعد هدوء العاصفة اخيراً
***
مرّت سنوات ، الى ان بلغ الطفل عامه 13 .. حينها فقط سمحت له امه برؤية ما يوجد خلف باب منزلهما الذي بقيّ مقفلاً طوال طفولته ، وهي تقول بارتياح :
- اخيراً اعلن مسؤولوا الأرصاد الجوية عن نهاية عصر الصواعق
ابنها : أتقصدين صوت الرعد الذي كان يرعبني بطفولتي ؟
- الخوف لم يكن من الرعد ، يا بنيّ .. بل البرق الذي لم تره يوماً ، لأن منزلنا (المحفور داخل كهف) خالي من النوافذ .. والآن لنخرج معاً ، لرؤية الشمس التي اشتقت اليها كثيراً .. لكن الأفضل لبس نظّاراتنا السوداء ، فأعيننا لم ترى النور الساطع منذ أعوام .. وهذا ما حذّرت منه الحكومة بصحيفة البارحة
^^^
وبعد جلوسهما بجانب الشجرة الكبيرة ، مستمتعان بالهواء العليل ..
سألها ابنها بقهر :
- هل صحيح ان ابي مات يوم ولادتي ؟
امه بحزن : للأسف ، لم يعد للمنزل بعد الليلة العاصفة .. ولم نعلم اين جثته التي من المُرجّح تفحّمها بالبرق ! فالصواعق بذلك الزمان ، احرقت العديد من البشر كل يوم .. حتى أصبح الموت بالصواعق أمراً مألوفاً ، لدرجة ان الصحف اليومية خصّصت صفحتها الأولى لعدد ضحايا البرق ..أما الذين نجوا من الصاعقة التي تركت علامات وحروقاً مميزة على اجسادهم .. فقد تباهوا بها ، معتبرين أنفسهم أصحاب قوةٍ خارقة !
ابنها : رجاءً اخبريني المزيد عن احداث الدول التي حصلت بطفولتي ؟
الأم : لا ادري يا بنيّ .. فقد انعزلنا عن العالم بعد تعطّل التلفاز والإنترنت والكهرباء بشكلٍ عام ، عقب تقطّع معظم الأسلاك الكهربائية بفعل البرق المتواصل .. مع رفض العمّال تصليحها ، لاعتبارها مُهمةً انتحارية .. لكن احداث منطقتتنا عرفناها من صحفنا المحلّية الورقية ، بعد عودة المطابع القديمة للعمل من جديد
- اذاً اذكري يا امي باختصار ، ما حصل بزمن الصواعق ؟
الأم : المقابر على سبيل المثال.. اصبحت خالية من الزوّار ، بعدما حطّمت الصواعق معظم شواهد القبور.. ومن أصرّ على زيارة قريبه أو حبيبه المدفون حديثاً .. عادةً ما انتهى مصيره ، مدفوناً بجواره.. خاصة في فصل الشتاء الذي صار يمتدّ معظم شهور السنة.
ابنها : ما تقولونيه يا امي مرعبٌ حقاً ! الم يكتشف العلماء سبب تلك الصواعق ؟
- كلام مسؤولي الأرصاد جاء متناقضاً .. بعضهم رشّح ان تكون سبب الكارثة : هي قنبلة مغناطيسية ألقيت قبل عقود .. والبعض الآخر : رجّح فكرة اتساع ثقب طبقة الأوزون ، أو انفجارٌ شمسيّ هائل .. أو ربما كان أثراً للحرب النووية الثالثة التي حصلت في مراهقتي .. او مشروعٌ عسكريّ ، نفّذته الجمعية السرّية لتقليل عدد البشر.. او علامة على قرب نهاية العالم
- لم افهم يا امي ، معظم ما قلته !
- لا الومك ، فقد حُرمت من المدارس التي ستفتح ابوابها قريباً .. وسيكون هناك صفوف مخصّصة لجيلك الذي لم يتلقى العلوم بطفولته
ابنها : المهم يا امي ، إكملي وصف ذلك الزمن .. ولما كنا نعيش في الكهف ؟
- لأن الناس تركت بيوتها وناطحات السحاب .. وسكنوا الكهوف والخنادق ، بعد أن التهمت الحرائق آلاف المنازل..كما اختفت رياضة تسلّق الجبال.. وهجر الناس المناطق المُمطرة .. ونزحوا نحو الصحاري الجافة ، حيث تقل فرص العواصف..أما الكمأ الذي كان يوماً من أغلى الأطعمة ، فقد صار رخيصاً كالبطاطا ، لكثرته بعد الزيادة المهولة في عدد الصواعق.
الإبن : وهل أثّرت الصواعق على الصحة العامة ؟
الأم : بالطبع !! وزادت حالات العمى والصرع.. وكثرت أمراض الأعصاب ، لتأثير الشحنات الكهربائية على أجساد الناس وأدمغتهم .. كما انتشر الصممّ وطنين الأذن.. بعدما أصبح هزيم الرعد أعنف ، مما عرفته البشريّة عبر التاريخ ! وبدل ان تُعيد تلك الكارثة البيئية الناس الى ربها ، ظهرت ديانة جديدة لعبادة البرق .. حيث آمن أتباعها بأن الصواعق هي غضبٌ إلهيّ ، تسبّب فيه ظلم البشر وكثرة جرائمهم!
ابنها : وماذا عن مظاهر الحياة بشكلٍ عام بذلك الزمن ؟
الأم : اذكر انه اختفى المشرّدون والمتسوّلون والحيوانات الضالة من الشوارع ، بعدما أصبحت الحياة في العراء شبه مستحيلة.. أما الطيور والمواشي : فصار أصحابها يربّونها داخل زرائب مغلقة ، بعيداً عن المراعي المفتوحة.. وتحوّلت الزراعة إلى مشاتل صناعية داخل أبنية مُحصّنة ، أفقدت الخضراوات والفواكه كثيراً من جودتها ونكهتها الطبيعية.
ابنها : حينها فرضت الحكومة علينا لبس النظّارات السوداء السميكة ، اليس كذلك؟
- نعم ، صارت إلزامية.. تماماً كما كانت الكمّامات في زمن الأوبئة .. وكان من يخرج دونها ، يدفع غرامة كبيرة.. لأن الجوّ يتبدّل فجأة من سماءٍ صافية إلى عاصفةٍ هوجاء خلال دقائق معدودة !
ابنها : وهل تضرّر الجانب المائي من الكرة الأرضية بالصواعق ؟
الأم : اكيد !! وتجنّب الناس البِرك والبحيرات الراكدة ، خوفاً من احتفاظها بشحناتٍ كهربائية من صواعقٍ سابقة .. كما ان ضرب البرق المتكرّر للبحار والأنهار ، جعلت ملايين الأسماك الميتة تطفو على سطح المياه .. لتتوقف معها الملاحة البحرية ، ونقل البضائع عبر السفن.
ابنها : كنت رأيت ملابس خشبية في خزانة والدي المرحوم ، فهل كانت نافعة ؟
الأم : هي صمّمت لمواجهة الخطر ، مثل دروع فرسان العصور الوسطى..لكنها ثقيلة وغير مريحة ، وتُبطئ الحركة .. ولهذا رفض والدك لبسها ، قبل ذهابه لمناداة القابلة لتوليدك
ابنها بقهر : يعني جازف بحياته لإنقاذي.. رحمه الله .. أتدرين يا امي ؟ ذلك العصر أشبه بالأسطورة الخرافية ! وأشكرك على منع خروجي من المنزل ، لحين انتهاء الكارثة البيئية
ثم اشار للحديقة العامة التي امتلأت بالأطفال الذين يلعبون بسعادة :
- وهاهي الحياة عادت طبيعية .. وقريباً ستفتح المدارس ويعود الموظفون لأعمالهم ، لبناء مجتمعنا من جديد
الأم : الحمد الله على كل شيء ، ورحم الله موتى العصر الصاعق
وهنا أحسّا بقطرات الماء تبللّ شعرهما..
فشعرت الأم برجفة ابنها وهو ينظر للسماء بفزع ! فأمسكت يده :
- لا تقلق بنيّ .. فقد عاد المطر نعمة ، ولم يعد بلاءً مميتاً .. هذا ما أكّده التقرير الأخير للأرصاد الجوية
وظلّاً يراقبان الأولاد وهم يلعبون تحت المطر الذي كان مُنعشاً في نهاية عصر الصواعق المرعب الذي قتل ملايين البشر حول العالم !
******
ملاحظة :
روى الإمام أحمد في مسنده عن الصحابي أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة ؟ فيقولون: صعق فلان وفلان».
ومن هذا الحديث ، استوحيت هذه القصة..
اتمنى ان تعجبكم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق