‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة تربويّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة تربويّة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 يوليو 2026

بابا نويل المريب

تأليف : امل شانوحة 

الملجأ الدافئ


بعد انتهاء حفلة عيد الميلاد في المول وعودة الأهالي لمنازلهم ، تفاجأوا بنوعية الهدايا الغريبة التي قدّمها بابا نويل لأطفالهم : وكانت عبارة عن ألعابٍ مستخدمة تم تصليحها يدوياً ، وملابس شبه جديدة ، ورسومات من أطفالٍ آخرين !


احدى تلك الرسومات ، كانت من نصيب ابن محقق المنطقة : وهي موقّعة بإسم طفلة مفقودة منذ سنتين ! 

مما اثار قلق المحقق ، خصوصاً ان الطفلة رسمت : بابا نويل يُخرجها من منزلٍ فيه شيطان ! كاتبةً اسفل الرسمة : ((شكراً جدي ، لإنقاذي من الجحيم)) 


مما جعل المحقق يسأل جيران الطفلة عن طبيعة حياتها قبل الإختطاف .. ليتفاجأ بشهاداتهم الصادمة : عن عيشها جحيماً حقيقياً مع زوج أمها الذي كان يضربها دوماً دون رحمة.. 

وبذلك تحوّلت رسمتها الى لغزٍ نفسيّ مُعقّد ! 

^^^


لاحقاً ، استدعت الشرطة صاحب المول الذي أفاد في التحقيق : بأن بابا نويل الذي تعاقد معه ، إعتذر عن احياء الحفل بسبب مرضه .. وإن ذلك العجوز ، اقتحم المول دون تقديم أوراقه الرسمية .. ولم يتعرّف عليه الموظفون ، بسبب مكياجه الكثيف الذي اخفى ملامحه !


فراجع المحقق كاميرات المراقبة : ليرى بابا نويل المشبوه وهو يغادر المول بهدوء بعد توزيع هداياه الغريبة .. لكنه انتبه بأنه اكتفى بالتقاط صورٍ سريعة مع معظم الأطفال .. بينما أطال الحديث مع ولدٍ عُرف عنه : صعوبة كلامه بسبب التأتأة !


فطلب المحقق من والدة الطفل ، السماح له بمحادثته.. وبعد تردّد ، أجاب الصغير على اسئلة المحقق بتلعثمٍ وخوف:

- هو طلب مني إبقاء الأمر سرّاً.. لكن طالما أنك من الشرطة ، فسأخبرك الحقيقة .. لقد وعدني بابا نويل بمقابلة فتاةٍ جميلة بمثل عمري في مكانٍ دافئ.. لكن عليّ اولاً انتظاره عند باب المدرسة ، بعد انتهاء عطلة رأس السنة.


وقد أفزع كلامه ، امه التي خافت عليه من الإختطاف.. 

وبصعوبة استطاع المحقق إقناعها ، بضرورة مراقبته إبنها عند الموعد المحدّد .. لمسك طرف الخيط الذي يوصله لبقية الأطفال المُختطفين في منطقتهم منذ سنوات.

فردّت الأم بعصبية: 

- عندما تمسك بذلك الخرِف المنحرف ، إقتله على الفور !! 

فارتعب ابنها : لا تفعل سيدي ، ارجوك !! هو تكلّم معي بلطفٍ وحنانٍ كبير.. ولم يستعجلني في الكلام أو يسخر مني ، كما يفعل والدي الذي يضربني قبل إنهاء جملتي

فسأل المحقق امه : هل والده يضربه بالفعل ؟! 

الأم بقهر : بل هو من تسبّب بعقدة لسانه ، لقسوته الشديدة عليه.. وهذا ما جعلني أتطلّق منه 

فمسح المحقق رأس الصغير برفق ، وهو يعده بعدم ايذاء بابا نويل

***


وفي نهاية اليوم الأول للمدرسة بعد الإجازة.. راقب المحقق الولد وهو يصعد الى سيارة العجوز الذي اغراه بكيس الحلوى .. وانطلق خلفهما بحذرٍ شديد ، الى ان وصلوا جميعاً للغابة .. 


بعدها نزل العجوز ممسكاً بيد الصغير ، وهما يدخلا معاً الى كوخٍ هناك !

فحاول المحقق الإتصال بمركز الشرطة ، لطلب الدعم.. لكن شبكة الإرسال مقطوعة في تلك المنطقة النائية.. 

فلم يكن أمامه سوى اقتحام الكوخ وحده ، لإنقاذ الطفل.. وربما بقية المختطفين ان كانوا مازالوا احياءً !


شهر المحقق سلاحه ، وهو ينزل ادراج القبو .. لكنه صُدم بما رأته عيناه !

فرغم الثلوج الكثيفة بالخارج ، الا ان القبو يشعّ بالدفء من مدفأته الحجريّة .. وقد انبعث في المكان ، رائحة الكعك الطازج.. 


ومن أعلى درج القبو ، شاهد المحقق الأطفال وهم يضحكون ويمرحون في قاعة مليئة بالدمى والكتب والألعاب ، وهم يتناولون ما يشاؤون من الحلوى! 

قبل تجمّعهم حول العجوز الذي فتح احدى القصص من مكتبته ليرويها لهم ، وكأنه جدهم الحنون ! ومن بينهم الطفلة (صاحبة الرسمة) التي ظهرت بصحةٍ ممتازة ونفسيةً مرحة !


ورغم لطف المشهد ، الا ان المحقق قبض على العجوز الذي نقله إلى السجن.. بينما نُقل الأطفال لمركز الشرطة ، لحين وصول اهاليهم الذين حضنوهم بشوقٍ ودموع بعد غياب شهور ، وبعضهم وصل ل 3 سنوات !

لكنهم جميعاً لاحظوا تحسّن صحة ابنائهم ونضجهم النفسيّ ، وبراعتهم في القراءة والكتابة والحساب .. وإتقانهم اللغتين الألمانية والروسية التي علّمها لهم العجوز في وقت فراغه

***


في غرفة التحقيق ، كشف العجوز عن هويّته الحقيقية.. فهو عمل قبل تقاعده في مؤسسة الرعاية الاجتماعية .. وتابع بنفسه قصصاً مأساوية لعشرات الأولاد الذين عاشوا مع عائلاتٍ سادية وقاسية.. وبعد إقدام احدهم على الإنتحار ، لم يتحمّل  العجوز القوانين العاجزة عن حمايتهم .. فقرّر التدخل بطريقته ، عن طريق خطفهم من اهاليهم القساة المُهملين .. وخلال السنوات الثلاثة لبدء خطته الإنسانية ، صرف معظم معاشه التقاعدي على إطعامهم وتعليمهم ، وتوفير الأمان الذي حُرموا منه.


وبعد ذلك الإعتراف ، تحرّى المحقق عن عائلات الأطفال المُستردّين .. كما استمع لشهادات الجيران والتقارير الطبية التي أكّدت العنف الأسري الذي مارسوه ضد اولادهم قبل اختفائهم.


وفور نشر المحقّق تقريره بالإعلام ، حتى انقلب الرأيّ العام تماماً .. وتحوّل بابا نويل المريب : من مختطفٍ قذر إلى منقذٍ رحيم ! 

ورغم نبل دوافعه الإنسانية ، إلا أن احتجاز الأطفال دون إذن أولياء أمورهم يظلّ جريمة يعاقب عليها القانون.

***


وفي يوم المحاكمة.. وفور نطق القاضي بالحكم ، بحبسه خمس سنوات.. حتى اهتزّت القاعة بصرخات الأطفال واحتجاجاتهم ، خوفاً على جدهم الحنون ! 

قبل ان يفاجأ الولد (الذي يعاني من التأتأة) الحضور ، بوقوفه امام القاضي وهو يقول بوضوحٍ دون تلعثم : 

- سيدي القاضي .. بابا نويل لم يخطفني .. بل كان رحيماً معي ، طوال رحلتنا الى الغابة .. وهو من نصحني بنسيان الماضي ، ومسامحة والدي .. كما استمع لشكوايّ طوال الطريق دون استعجالي بالكلام .. وحين التقيت بالأطفال في منزله ، وجدتهم جميعاً سعداء .. وللمرة الأولى ، شعرت بالأمان بقبو كوخه ..وهذا الشعور فقدته مع والدي العصبي .. رجاءً اتركوا جدنا وشأنه 


ساد الذهول أرجاء القاعة ! وتأثّر القاضي من كلام الصغير الذي جعله يتخذ قراراً غير مسبوق : بفتح مدرسة داخلية خاصة بالأطفال المُعنّفين ، بعد إسقاط المحكمة الوصاية عن أهاليهم القساة .. مع تعيين العجوز مديراً فخرياً للمدرسة ، تحت إشراف أخصائيين نفسيين وإجتماعيين 

وما ان نطق القاضي بحكمه العادل ، حتى ضجّت القاعة بهتافات الصغار 

***


وفي نهاية العام ، وأمام مبنى المدرسة الجديدة.. تقدّم والد الطفل (الذي تشافى اخيراً من التأتأة) لمصافحة العجوز بندم : 

- شكراً لأنك علّمتني كيف اصبح اباً رحيماً 

فأجاب العجوز : لا يكفي ان ننجبهم ونطعمهم ونعلّمهم فقط .. بل علينا توجيههم برفق ، ليكونوا افراد مجتمعٍ ناضجين ومنتجين مستقبلاً.. فهم رجال الغد

فأومأ الأب برأسه موافقاً


ووسط حفلٍ شعبيٍّ كبير ، تسلّم العجوز جائزةً تكريميّة من رئيس البلدية .. بعد ان حصل بجدارة على لقب : بابا نويل الأكثر إنسانية في العالم


الاثنين، 20 أبريل 2026

البرنامج الإجباري

تأليف : امل شانوحة 

طلّاب العزلة


بعد انتهاء جائحة كورونا ، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في السكن الجامعيّ.. فالطلّاب رفضوا الخروج من غرفهم ، او الإلتقاء بأصدقائهم .. فهم لم يعودوا بحاجة لرؤية العالم ، طالما كل شيء يصل اليهم : سواءً الدراسة اون لاين ، او توصيل طلبيّات طعامهم وحلوياتهم (الدليفري) .. وفي حال شعروا بالملّل ، يتابعون العاباً الكترونيّة مع اصدقاءٍ إفتراضيين !

حتى طلّاب الطابق نفسه ، لم يعرفوا بعضهم .. لهذا لم يحزنوا على وفاة احدهم بعد سهره ثلاث ليالٍ متواصلة ، بمشاهدة افلامٍ متتابعة .. إذّ لم يكن بالنسبة لهم سوى اسم مستخدم توقف عن الظهور!   

***


وفي إحدى الليالي .. ظهر إعلانٌ غريب على جميع حواسيب المبنيين التابعين لطلّاب وطالبات نفس الجامعة :

فيه عرض لجدولٍ إلزاميّ ، جاء كالتالي : 

- ممنوع السهر بعد الساعة 8 مساءً 

- الإستيقاظ 7 صباحاً

- وبعدها ستُجبرون على ساعة ، للركض او المشيّ حول حديقة الجامعة

- كما منعنا العاملين في الجامعة على توصيل الطعام الى غرفكم .. وحدّدنا الفطور عند الساعة 9 صباحاً في كافتيريا الجامعة .. مع اغلاق البوّابة الرئيسية ، لعدم شرائكم من المطاعم الخارجيّة 

- لا دراسة اون لاين بعد اليوم .. والمحاضرات فقط ، داخل القاعات

- سنسمح لكل طالب باختيار إحدى النشاطات : سواءً رياضيّة او فكريّة او فنيّة .. وممنوع التغاضي عن هذه النقطة .. حيث ستُحسب علامات الأنشطة ضمن شهادتكم النهائية 

- تحذير : من يستهين بالجدول الإلزاميّ ، سيُعاقب بعنف !! 


الا ان معظم الطلّاب تجاهلوا هذا الإشعار ، متابعين العابهم او محاداثاتهم على الإنترنت طوال الليل

*** 


في اليوم التالي ، إنتشر فيديو بينهم : عن شابٍ يُسحب بعنف الى مسبح الجامعة.. وهو يحاول المقاومة ، والصراخ بعلوّ صوته .. اثناء إغراق رأسه في الماء ، من رجلٍ مُقنّع يهدّده قائلاً : 

- امّا ان تلتزم ببرنامج الجامعة ، او تغرق الآن !!

ولم يخرج الشاب من المسبح ، الا بعد وعده باكياً ! 


ورغم قساوة الفيديو ، لكن بعض الطلّاب رفضوا تصديقه .. واستمرّوا بعنادهم ، حتى صُدموا بانقطاع الإنترنت مساءً .. تبعه انقطاع الكهرباء عند الساعة 8 تماماً !

وبسبب انغلاق ابوابهم آلياً ، لم يكن امامهم سوى الإستسلام للنوم باكراً في غرفهم المظلمة 

*** 


ومع الأيام ، بدأ الجدول يُفرض بالقوة .. خصوصاً بعد تركيب المقنّع المجهول لأجهزة حول المبنيّن السكنيّن ، تمنع وصول ارسال جوالات الطلاّب الى خارج الجامعة ! ليصبحوا داخل معتقلٍ قسريّ ، بعيداً عن اهاليهم .. الى حين قدومهم لحفلة التخرّج 


وبسبب منع ذلك المقنّع وصولهم لطابق الإدارة ، للإعتراض عمّا يحصل معهم .. إلتزموا جبراً بأوامره ، تحت تهديد سلاحه الذين لا يعرفون ان كان حقيقياً ام مزيفا 

***


ومع الوقت .. تحوّل غضبهم لنشاطٍ جسديّ ، بعد ان اوشكت عضلاتهم على الضمور امام شاشاتٍ أضعفت بريق أعينهم ! 

لكن خطواتهم الآن ، باتت تُسمع في حديقة الجامعة .. كما عادت أصواتهم الى القاعات الدراسيّة ، مع ان شرح الأساتذة عُرض على الشاشات العملاقة دون حضورهم !  


بالإضافة لاستعادة الطلّاب حيويّتهم البدنيّة والفكرية بعد التزامهم بالنشاطات الإجبارية ، رغم تدرّبهم بمفردهم تحت مراقبة المقنّع المسلّح من المدرّجات !

***


لكن المقنّع لم يكتفي بكل هذا التطوّر في سلوكهم ، بل ارسل الى حواسيب غرفهم اشعاراً آخر : 

((طلّاب سنة التخرّج ملزمون بحضور لقاء التعارف مع طالبات التخرّج من المبنى الثاني .. سيكون اللقاء في الملعب الداخلي))


بالبداية سخروا من هذا الإعلان ، لتصلهم فيديوهات عقابية لشبابٍ مُعارضين : تفاوتت بين تدريباتٍ رياضيّة شاقة .. وتنظيفهم الأرضيّات.. وترتيبهم المكتبة الضخمة .. وتحضيرهم لطعام الكافتيريا .. كلّه تحت تهديد سلاح المقنّع العنيد ! 

***


وفي اليوم المحدّد ، جلس طلّاب التخرّج سوياً على طاولاتٍ متفرّقة .. كل شاب مُلزم بالتحدّث مع صبيّة لعشر دقائق ، والتي بدأت بنظراتٍ خجولة وكلماتٍ مُتعثرة.. قبل سماعهم صافرة المقنّع التي تجبرهم على تبديل الفتاة.. ومع الوقت تحوّل خجلهم لابتساماتٍ وحواراتٍ جادة !   


وبنهاية اللقاء ، كُتبت أوراقٌ صغيرة باختيارات الشباب والصبايا ، التي انتهت بإعلان الصداقات بينهم 

***


وبنهاية العام الدراسيّ ، تجمّع الأهالي لحضور حفل التخرّج .. والذين تفاجأوا بتغيّر شخصيّات ابنائهم الذين صاروا يتحدثون بطلاقةٍ وسعادة ، دون انشغالهم بجوالاتهم او صمّ آذانهم بسمّاعاتٍ موسيقيةٍ صاخبة ! بل بعضهم عرّف عائلته على صديقته الجديدة التي ينوي خطبتها قريباً !

***


في غرفة الإدارة .. اجتمع الأهالي مع مدير الجامعة ، لشكره على خطته (التي اخبرهم بها مُسبقاً) والتي أعادت الحياة لطلّابه من جديد .. ووعدوه بعدم اخبار ابنائهم ، بأنه المقنّع ذوّ السلاح المزيّف


ثم سألته إحدى الأمهات : عن سبب فعله ذلك ؟

فأجابها المدير بنبرةٍ حزينة :

- انتحر حفيدي الوحيد بعد معاناته من الإكتئاب .. كان يملك كل شيء ، الا صديقٌ حقيقيّ .. للأسف ، لم استطع انقاذه .. لكني نجحت بتوجيه بقية الشباب الى برّ الأمان .. والذين اتمنى اكمال حياتهم بشكلٍ طبيعي ، مع بنائهم لعائلاتٍ مُتفهمّة وسعيدة

احد الأباء : لا اصدّق انك الزمتهم بهذه السهولة ببرنامجك الصارم؟!

المدير : ما كنت لأنجح لولا مساعدة بعض الخرّيجين الذين مثّلوا أدوار المعاقَبين ، خصوصاً من كنت أُغرقه في المسبح .. يعني ، كان تمثيلاً مقصوداً لإنقاذ مستقبل اولادكم  


فصمت الأهالي بين الامتنان ، والإرتباك من خداعه التربويّ !

***


مع بداية السنة الجديدة ، واختيار الطلّاب الجدد لغرفهم السكنية .. ظهر اعلان على حواسيبهم من الرجل المقنّع يقول ، وهو يحمل سلاحه :

- اهلاً بالدفعة الجديدة !! الساعة تجاوزت 8 مساءً ، وحان وقت نومكم 


وفجأة ! أُغلقت ابواب غرفهم آلياً ، مع انقطاع الإنترنت والكهرباء عن السكن الجامعي بالكامل .. إعلاناً ببدء فصلٍ جديد من المسرحية التربويّة الصارمة !


الخميس، 16 أبريل 2026

الحيلة التربوية

كتابة : امل شانوحة 

الحقيقة المؤجلة


تزوجت شابةٌ ثلاثينية من ارملٍ خمسينيّ ، لديه ثلاثة ابناء : مراهقان وصبيّ بالعاشرة.. ومع الوقت لاحظت اموراً لم تعجبها في تربية امهم الراحلة.. 

فالإبنة الكبرى : لم تكمل جامعتها ، بل فضّلت تصفّح جوالها بغرفتها معظم الوقت.. رافضةً عريساً تلوّ الآخر ، لعدم رغبتها بتحمّل المسؤولية ! 

ام الإبن الأوسط : فيعيد الثانوية بعد رسوبه فيها مرتيّن ، دون اكتراثه للشهادة العلميّة ! رغم تهديد الإدارة بطرده ان لم ينجح هذه السنة.. 

اما الإبن الأصغر : فمدلّل حدّ الإسراف ، بعد اعتياده على الشراء من البقالة بكمياتٍ تكفيه هو ورفاقه ، غير آبهٍ بمصروفه الذي يزداد كل يوم ! 


فحاولت زوجة ابيهم نصحهم للحدّ من استهتارهم بحياتهم وبأموال والدهم ، لكنهم لا يكترثون لها.. 

وجوابهم المعتاد : 

- انت لست والدتنا ، لتنصحينا .. ثم والدنا مدير مصنع ، وبإمكاننا الصرف كما يحلو لنا !

***


وذات يوم .. اراد الإبن الأكبر صورة عن هويّة والده ، لإكمال ملفّه الدراسيّ.. فأخبرته زوجة ابيه : بأنها لا تملكها ، وعليه الذهاب للمصنع للحصول على هويّة والده وتصويرها


فأخذ سيارة العائلة ، متوجهاً الى هناك.. وهي المرة الأولى التي يذهب فيها لمصنع والده ، المُخصّص لإطارات السيارات والشاحنات

^^^


وما إن تخطى بوّابة المصنع حتى استقبله أحد العمّال الذي قاده للداخل ، حيث الضوضاء تصمّ الآذان ، ورائحة المطّاط تملأ المكان..

وهناك في زاوية الورشة .. رأى رجلاً يطرق بمطرقةٍ ثقيلة على إطار شاحنةٍ ضخمة… ظهره محنيّ ، وملابسه مُبلّلة بالعرق..

احتاج لحظة ليدرك ، ان ذاك الرجل هو والده ! 


فرفع جواله بيدٍ مُرتجفة ، لتصوير عمله الشاق .. قبل ان يهمس العامل للأب ، عن زيارة ابنه المفاجئة ! ليسارع بمسح عرقه ، كأنه يحاول اخفاء تعبه .. ثم توجه نحو ابنه البكر ، وهو يسأله بقلق : 

- هل هناك خطبٌ ما بالمنزل ؟ هل زوجتي وإخوتك بخير ؟!

فاكتفى ابنه المرتبك ، بطلب هويّته التي اعطاها اياه.. 

^^^


عاد المراهق إلى البيت .. جامعاً إخوته وزوجة أبيه ، لعرض المشهد المصوّر عليهم 


اخته بصدمة : اخبرتني امي انه صاحب المصنع ، لا عامل فيها !

اخوها الأصغر وهو يشعر بالذنب :

- لم يعاتبني يوماً على شراء الحلويات لأصدقائي ، رغم تعبه بالحصول على اجرته ! لذا اعدكم ، ان لا أطلب منه أكثر من حاجتي

اخوهما المراهق بحزن : وانا كنت مُهملاً بدراستي ، ظناً بأن مستقبلي مضمون.. لكني سأهتم بدراستي ، الى حين تخرّجي من الجامعة .. ثم إيجاد عملٍ اساعد فيه والدي على مصروفنا الشهريّ

زوجة الأب : وانا بدوري سأخفّف فواتير المنزل ، مراعاةً لصحة والدكم

المراهقة بجدّية : اما انا !! فسأقبل بالعريس الأخير ، لتخفيف مسؤولية والدي اتجاهي

زوجة الأب : احسنتم جميعاً !! دعونا الآن ندخل للمطبخ ، لإعداد افضل وجبة غداء لوالدكم الحنون

الولد الصغير : كنت سابقاً سأقترح طلبيّة من المطعم .. لكن من اليوم ، لن اعترض على ايّ طعامٍ تطبخيه لنا .. يا امي


فتفاجأ الأخوان من مناداته زوجة ابيهما ، بأمه ! لكنهما يدركان ان والدهما سيسعد إن عاملا زوجته جيداً ..

***


ظهراً ، عاد الأب مرهقاً الى منزله .. ليتفاجأ بوجوهٍ تنتظره ، لا أبواب غرفٍ مُغلقة كعادتهم بعد وفاة امهم ! حيث اجتمعوا معاً على السفرة التي أعدّوها مع زوجة ابيهم التي عاملوها بكل احترامٍ امامه ، على غير عادتهم!


وبنهاية الغداء .. اخبرته ابنته بموافقتها على العريس الأخير .. مما افرح والدها ، كونه ابن صديقه.. 

كما وعده ابنه المراهق بتخرّجه هذا العام ، دون انشغاله بنزهاته السخيفة مع اصحابه الكسالى .. 

اما الصغير : فالتزم امام والده ، بعدم طلبه اكثر من مصروفٍ بسيط لمدرسته 

***


وبعد ذهاب كلاً منهم الى غرفته ..

استلقى الأب على سريره .. وقبل اخذ قيلولته المعتادة ، استدار ناحية زوجته لشكرها على اليوم الجميل :  

- لا اصدق ان خطتك نجحت بهذه الطريقة المُبهرة !

زوجته : حين طلب ابنك هويتك ، سارعت الإتصال بك .. وطلب نزولك للورشة مع العمّال ، لكيّ يعرف ابنك مقدار جهدك.. ومن الجيد انه صوّر تعبك ، وأراها لأخويه.. وبذلك انصلح الثلاثة في يومٍ واحد !

الأب مستفسراً : وكيف أقنعتهم بأنني لست صاحب المصنع ؟!

- حين سألوني عن ذلك ؟ اخبرتهم انك بعت حصتك لشريكك ، لدفع المصاريف الغالية لعلاج امهم المرحومة من السرطان.. ولكيّ لا تعلن افلاسك ، وافق شريكك على عملك داخل المصنع ، لتوفير مصروف اولادك

- يالها من فكرةٍ رائعة !

الزوجة : المهم ان لا تُخبر اولادك عن كذبتي البيضاء

- بالطبع لا !! فمن مصلحتي زواج ابنتي المدلّلة ، ونجاح ابني المهمل ، وتوقف صغيري عن هدر مصروفه على اصدقائه.. بالفعل كانت خطةً ذكية منك !


ثم نام قرير العين ، كأن حمل السنين خفّ عنه أخيراً ، بفضل ذكاء زوجته الجديدة ! 


السبت، 20 ديسمبر 2025

مزرعة الأحفاد

تأليف : امل شانوحة 

ميراث الجد


في قريةٍ ريفيّةٍ تركيّة .. استيقظ مراد (22 سنة ، اكبر الأحفاد) وهو يشعر بالدوار :

- اين انا ؟!

ونظر للأسرّة التي بجانبه في الغرفة الخشبيّة ، ليتفاجأ بأولاد عمه وعمّاته نائمون كلاً على سريره !


وقبل إيقاظهم ، سارع للخارج .. ليجد غرفةً اخرى مجاورة ، فيها ايضاً اسرّة متلاصقة ، تنام عليها بنات عمّه وعمّاته !

- مالذي يحصل ؟! اين اهلنا ؟!


((وكان آخر شيءٍ يتذكّره : هو طلب محامي جده (الثريّ الذي يحتضر بالمشفى) قدوم الورثة للقصر ، لقراءة الوصية باكراً.. 

ثم اجتمع مع والديّه وأعمامه الخمسة وعمّاته الثلاثة مع الأصهار والكنائن ، بالطابق العلويّ 


بينما جمع رئيس الخدم (بناءً على اوامر الجد) الأحفاد العشرين بقبو القصر الذي فيه صالةً ضخمة.. حيث انشغل كل واحدٍ منهم بجواله ، لحين انتهاء الإجتماع العائلي التي اعتادت اللقاء بالأعياد والمناسبات فقط .. لكن هذه المرة ، اجتمعوا مع بداية العطلة الصيفية !)) 


وبعد تأكّد مراد بأن الكوخ الكبير ليس فيه سوى الأحفاد (بعد بحثه بجميع الغرف) تساءل بقلق : 

- ترى أين اختفى الكبار ؟ ومن نقلنا الى هنا ؟! وكيف غفونا دفعةً واحدة؟!


ثم نظر من النافذة ، ليجد بالخارج : ارضاً زراعية صغيرة الحجم ، مع كوخٍ صغير يبدو كالزريبة ! 

مراد : اذاً نحن في مزرعةٍ ما ! لكن لا اذكر كيف وصلنا الى هنا؟!  


وقطع تفكيره صوت زينب (ابنة عمه ، وهي اكبر الحفيدات بعمر 19) وهي تقول بقلق :

- انت هنا ايضاً ! 

مراد : جيد انك استيقظتي .. هل تعلمين كيف وصلنا لهذه المنطقة الريفية ؟

- كنت انوي سؤالك الشيء ذاته ! 


وهنا سمعا ضجّةً قادمة من غرفتيّ النوم بالطابق العلوي ، فركضا الى هناك.. ليجدا أقربائهما يصرخون بفزعٍ شديد ، لعدم تذكّرهم المكان ! 


مراد بصوتٍ جهوري : 

- إهدأوا جميعاً !! يبدو ان خدم جدي وضعوا منوّماً بعصيرنا !

زينب بفزع : أتقصد انهم خدّرونا ، لاختطافنا الى هنا ؟!


وإذّ بهم ينتفضون رعباً ، بعد سماعهم رجلاً يتحدّث من ميكروفونٍ مُعلّق بالسقف :

- احسنتم !! بدأتم تفهمون الموضوع

مراد بعصبية : من انت ؟!! واين اهلنا ؟!

زينب بخوف : ماذا فعلت بهم ؟!

الصوت : انا سكرتير القصر .. اما آبائكم ، فيستمتعون حالياً بجولةٍ سياحية في البلاد الأوروبية ، كهديّة من جدكم 

زينب بصدمة : هل سافروا دوننا ؟!

السكرتير : لم يستطيعوا الرفض ، بعد تعهّدي التكفّل بكم  

فحصل هرجٌ ومرج بين الأحفاد العشرين..


السكرتير بحزم : توقفوا جميعاً !! اريدكم النزول للصالة .. فهناك تلفاز كبير ، سأعرض عليه تسجيلاً لجدكم قبل مرضه ، كيّ تفهوا الغاية من وجودكم هنا .. وعلى فكرة ، بعد انتهاء التسجيل .. سأقفل التلفاز نهائياً !! كما احتفظ رجالي بجوالاتكم.. فطوال مكوثكم هنا ، ستمنعون من استخدام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي 

مراد بعصبية : لا يحق لك حرماننا من حواسيبنا وجوالاتنا !!

السكرتير : الأفضل ان تسمعوا وصية جدكم اولاً 

^^^


فسارعوا النزول للأسفل .. حيث جلسوا على الأريكة وفوق السجادة السميكة ، وهم ينتظرون بدء التسجيل


وبعد هدوئهم .. ظهر الجد وهو يحدّثهم ، بفيديو صوّره قبل مرضه :

((احفادي الأعزاء !! طالما تشاهدوني الآن ، فهذا يعني ان سكرتيري نفّذ وصيّتي الأخيرة : بحبسكم داخل مزرعتي 


فنظر الأحفاد لبعضهم بقلق ، قبل ان يتساءل مراد :

- هل نحن مسجونين هنا ؟!


وقبل ان يستوعبوا ذلك ! اكمل الجد حديثه المُسجّل سابقاً : 

((اكيد تتساءلون الآن : ان كنتم محبوسين بالمزرعة ؟ والإجابة : نعم !! ستبقون هنا حتى نهاية العطلة الصيفية ، ايّ ثلاثة اشهر.. بعد ابعادي اهلكم الذين لا يعلمون شيئاً عن امتحانكم صعب.. حيث اوهمهم السكرتير بتسجيلكم في كشافةٍ ترفيهية طوال الصيف.. ربما تتساءلون عن السبب ؟ بالحقيقة لا يعجبني وضعكم.. فكلما اجتمعنا بالأعياد ، تنشغلون بجوالاتكم دون التحدث فيما بينكم ، رغم انكم من جيلٍ متقارب ! هذا بالنسبة لليافعين منكم.. اما احفادي الصغار ، فيضيّعون طفولتهم بالألعاب الإلكترونية ، دون الركض والمشاغبة مع الأقارب والأصحاب ! حتى لو اذوا بعضهم ، فهو شيءٌ ضروريّ لنضجهم الإجتماعي .. عدا عن شكاوي اهلكم من عدم تحمّلكم المسؤولية ، ورفض بعضكم العمل بعد الجامعة .. بينما اوشك البعض على الطرد من المدرسة لإهمال مذاكرته ! اما في مزرعتي : سيتوجّب عليكم تحضير الطعام من حصاد الأرض ، مع الإهتمام بالمواشي المتواجدة في الزريبة.. وستكون البوّابة الخارجية للمزرعة مقفلة ، مع وجود حارسيّن مسلحيّن بالخارج.. لهذا لا تحاولوا الهرب .. ولا حتى الصراخ ، لأن مزرعتي بعيدة عن منازل القرية.. وبنهاية العطلة ستقوى الروابط بينكم ، ربما أفضل من علاقة اعمامكم ببعض .. والآن انطلقوا لاستكشاف عالمكم الجديد !! وحاولوا تقسيم العمل على حسب مهاراتكم اليدوية وأعماركم وقوتكم الجسدية .. اتمنى ان اكون حياً لرؤية النتائج الأخيرة.. آخر ما اريد قوله : هو انني افعل ذلك لصالحكم .. ويوماً ما ستترحمون عليّ ، بعد فهم حكمتي من إجباركم على التجمّع في مزرعتي .. فأنتم بالنهاية ثروّتي الحقيقية ..احبكم كثيراً ، يا احفادي الأعزّاء))


وانتهى الفيديو ، وسط صدمة الأحفاد الذين سيُمنعوا من التواصل مع اهاليهم لثلاثة أشهر .. عدا عن شعورهم بالضياع دون جوالاتهم التي اعتمدوا عليها معظم حياتهم!


وهنا ظهر صوت السكرتير من جديد :

- هيا يا ابطال ، ماذا تنتظرون ؟!! المواشي بحاجة لطعامٍ ورعاية .. كما عليكم ريّ المزروعات.. وأنصحكم بقطف الخضار الناضجة ، لطبخها لاحقاً.. فالساعة 12 ظهراً ، وعليكم البدء بتحضير الغداء 

مراد : لما لا تأتي الينا ، لتقسيم الأدوار بيننا ؟

السكرتير : ممنوع اقتراب الكبار منكم ، حتى نهاية الإمتحان.. هذه وصيّة جدكم .. لذا انتم من ستحدّدون اعمالكم بالمزرعة .. والآن عليّ الذهاب .. سأكتفي بمراقبتكم مع بقية الموظفين ، ولن نتدخل الا لضرورة القصوى .. وبدوري سأنقل اخباركم لجدكم ، كلما سمحت صحته بذلك .. واريد التنبيه على وجود عشرات الكاميرات الموزّعة في انحاء المزرعة ، لذا انتبهوا على كلامكم وتصرّفاتكم.. فعائلاتكم سترى ملخصاً لتجربتكم ، بعد انتهاء عطلتهم .. ولوّ كنت مكانكم ، سأفاجئهم بنضوجي الفكري والجسدي خلال مدةٍ وجيزة .. بالتوفيق للجميع !!

وانقطع الإتصال !


وهنا وقف مراد ، وهو يقول بحزم :

- سأبدأ بتقسيم الأعمال عليكم !!

فردّ مراهق بضيق : ولما انت بالذات ؟!

مراد : لأني كبيركم 

زينب معترضة : وانا اكبر الحفيدات ، ومن حقي قيادة الفتيات الأصغر سناً 

مراد : سأترك لك مسؤولية الأمور النسائية 

زينب بتهكّم : ماذا تقصد ؟! 

مراد : يعني الطبخ والغسيل..

فردّت مراهقة بعصبية : ليس لأننا فتيات ، علينا التكفّل بغسيلكم القذر !! 

مراد بسخرية : وهل تفضّلين تنظيف الزريبة مثلاً ؟

فسكتت بامتعاض !

فأكمل مراد كلامه : 

- على كلٍ لن ابدأ بتقسيم الوظائف ، الا بعد معاينتنا للمزرعة والمواشي ..فهيا نخرج معاً ، لرؤية المصيبة التي حبسنا فيها جدنا 

^^^


وتوجهوا اولاً للمزرعة التي رغم صغرها ، الا انها تحوي الخضار الطازجة المتنوعة ! بينما لم يجدوا سوى الفراولة البرّية ، من صنف الفاكهة


ثم انتقلوا للزريبة التي فضّلت الصبايا الوقوف عند بابها ، بعد اشمئزازهن من رائحتها النفّاذة .. بينما رافق الأولاد ، مراد للداخل 


وبعد قليل .. خرجوا لإخبار الفتيات بوجود : بقرة واحدة وخروف ونعجة ، وقنّ به اربع دجاجات وديك !

مراد : يعني ضمنّا الحليب والبيض

فسأله المراهق : وماذا بشأن اللحم ؟

مراد : اكيد لن نذبحهم ، ونجازف بما يوفّروه لنا من طعام !

زينب : اساساً من لديه الجرأة لذبحهم !

المراهق بضيق : اذاً اكلنا سيكون بيضٌ وحليب فقط !

فتاة : وسلطة ايضاً 

زينب : ومعجنات 

مراد : ومن اين ستأتي المعجنات ؟!

زينب : اثناء مشاهدتكم فيديو جدي ، ذهبت للمطبخ ..ووجدت شوالاً من الطحين والسكر ..وجالون زيت ، وبعض المؤونة الكافية لصنع المخبوزات

ولدٌ صغير بحماس : وبيتزا !!

زينب بابتسامة : نعم ، يمكنني صنعها لك

مراد : كنت سمعت من والدتك ، انك تحبين الطبخ ؟

زينب : كثيراً ، وأردّت التخصّص بهذه المهنة.. لكن والدي يصرّ على دراستي المحاسبة ، لمساعدته في شركته .. مع اني لا اطيق الحساب ! 

مراهق : جميع الإختصاصات لن تنفع هنا .. لكن هوايتك بالطبخ ، ستفيدنا جميعاً 

زينب : لا اظن باستطاعتي إطعام عشرين شخصاً لوحدي !

فقال الحفيد البدين (13سنة) بحماس : انا اساعدك !! 

المراهق : انت ستأكل ما تصنعه زينب ، وتحرمنا طعام

فضحكوا ساخرين منه..


فردّ البدين غاضباً : صحيح احب الأكل ، لكني بارع في اعداد الحلويات.. وطالما يوجد بيض وطحين وزيت ، سأصنع لكم كيك لذيذ بالفراولة ، فهي الفاكهة الوحيدة المتواجدة بمزرعتنا

الحفيد الصغير : لكن كيك الشوكولا ألذّ بكثير

البدين : آسف يا ابن عمتي ، لا يوجد شوكولا هنا

زينب : علينا التعوّد على الأكل الصحي

مراد بحزم : اذاً لنبدأ العمل !! فالمواشي جائعة ، ونحن لا نريد نفوقها قبل انتهاء الإمتحان!  

المراهق : انا سأرافقك بهذه المهمة ، فأنا اعشق الحيوانات

مراد : سأختار البالغين منا ، لهذه الوظيفة الشاقة .. اما الصغار : سيهتمون بريّ المزرعة ، وقطف الخضار وإزالة الأعشاب الضارّة من حولها .. (ثم نظر للصغار).. لكنكم ستعملون ، تحت قيادته هو!!


وأعطى قيادة الصغار في المزرعة ، للحفيد الثالث للعائلة (17سنة) 

فوافق المراهق ، لأن العمل في المزرعة افضل من الزريبة القذرة


بينما اختارت زينب صبيّتين يصغرانها بقليل ، لمساعدتها بالطبخ والجلي

بينما فضّلت المراهقة (14عام) الإهتمام بنظافة المنزل

والأخرى (13 عام) ستتكفّل بالغسيل .. بعد ان وجدوا في خزائنهم ، ملابس مريحة تناسب اعمارهم ، وعملهم المرهق بالمزرعة.. لهذا بدّلوا ملابسهم الفخمة ، بجينزاتٍ وتيشيرتات لبدء العمل فوراً ، بعد توزّعهم في المكان 


اما اصغر الأحفاد (من 6 الى 8 سنوات) فسمح لهم مراد باللعب بالدرّاجات التي وجدوها في عليّة الكوخ ..

ويبدو ان الجد حرص على وجود بعض الألعاب الترفيهية القديمة بالقبو ، لتقوية الروابط بينهم ، بعيداً عن الألعاب الإلكترونية المدمنين عليها ..مثل (شطرنج وكرة قدم ومونوبولي واوراق الشدّة وليغو وصور التركيب (البازل) وبعض الدمى للفتيات الصغار) التي وعدهم مراد بلعبها كل مساء ، بعد الإنتهاء من اعمالهم النهاريّة 

***


ومرّ الأسبوع الأول بصعوبة عليهم ، خاصة لمشاركتهم دورتا مياه مع تسخين المياه بالحطب قبل الإستحمام والغسيل ! حتى ان بعضهم انهار باكياً ، شوقاً لحياة الرفاهية السابقة وحنينه لأهله ..

***


لكن بمرور الوقت ، بدأت مواهبهم في الظهور .. فمراد برع بقيادة اقاربه بحكمةٍ ومسؤولية .. وزينب ازداد طعامها لذّة واحترافية .. والولد البدين : بدأ يضعف وزنه ، رغم استمراره باعداد الحلوى كل يوم .. اما المراهق : فاكتشف موهبته بنحت الخشب ، لصنع تماثيل صغيرة للأحفاد الصغار الذين يلعبون معاً طوال النهار .. 

اما المراهقة : فقرّرت دراسة التمريض بعد اعتنائها بالصغير الذي تسمّم بالغذاء ، فسهرت معه لعلاجه .. وبذلك اكتشفت موهبتها الشفائيّة .. 


وكذلك ازدادت اواصر المحبة بين جميع الأحفاد ، بعد امضائهم كل ليلة بتبادل الأحاديث والذكريات معاً ، مكتشفين التشابه الكبير بتفكيرهم واحلامهم .. وهم في السابق ، نادراً ما تحدثوا معاً بالمناسبات العائلية ! 

حتى الصبايا : بدأن باختراع وصفاتٍ طبيعية ، للإهتمام ببشرتهن وشعورهن .. 

اما الشباب : فتشاركوا هموم الدراسة وعلاقاتهم العاطفية السابقة مع زميلاتهن بالدراسة 

***


لكن مع نهاية الشهر الأول ظهرت أولى الأزمات : فتحدثت زينب مع المحامي عبر الكاميرا ، عن حاجات نسائية ضرورية.. 

فكان الحل بالمقايضة : بعض البيض والحليب ، مقابل المناديل والصابون.. 

وهكذا تعلّموا أن لا شيء مجاني في هذا العالم.


ثم أصيب أحد الصغار بالحصبة، فأُعيد إلى القصر للعلاج.. 

وبعد عودته، استقبلوه بالأحضان. 

***


لكن الوضع ساء ، بعد حمى اصابت قائدهم مراد .. ورغم ان المراهقة تطوّعت لمساعدته (بعد قرارها بدراسة التمريض) 

لكن زينب الغيورة أصرّت على الإهتمام به وحدها ! حيث بقيت معه في الصالة ، وهي تغيّر الضمادات الباردة له طوال الليل 


وأكملا السهرة وهما يتحدثان عن ذكريات طفولتهما .. فهما كانا متعلّقان ببعضهما قبل انشغالما بالدراسة !  

ورغم مرض مراد الا انه كان سعيداً بالليلة التي قضاها وحده مع حبيبته الأولى التي سألته بقلق :

- هل صحيح ما قالته امك ، عن نيّتك الزواج من فتاةٍ اوروبية تعرّفت عليها بالإنترنت ؟

مراد : كنت سأفعل ذلك ، الشتاء القادم .. لكني راجعت تصرّفاتها اثناء وجودي هنا .. وتذكّرت انانيتها ، وتعلّقها بي بعد معرفتها بثرائنا ! وأظنها ستغيّر رأيها إن علمت بأن جدي من اصولٍ قرويّة .. ماذا عنك ؟ سمعت من والدك .. أقصد عمي ، انك ترفضين الزواج تماماً ! .. لماذا يا زينب ؟ فأنت فتاةٌ جميلة وبارعة بالطبخ ، ولديك الكثير من المواهب التي تعجب ايّ رجل ! 

فردّت بعصبية : بسببك انت !!

مراد بدهشة : انا !

فقالت بتردّد وارتباك : انت كنت حبي الأول .. لكنك تصرّ على تجاهلي في كل مناسبة تجمعنا ! مما كسر قلبي ، وجعلني لا اثقّ بالرجال

- أحقاً مازلتي تفكّرين بي ؟!

- الم تعدني بالزواج حين كنت بالعاشرة ؟ 

مراد : يبدو لا شيء اصدق من حب الطفولة !

وغمزها بدلال ..

***


منذ تلك الليلة ، عادت المحبة بين اول حفيديّن (مراد وزينب) .. ورغم احاديثهما السرّية ، الا ان بقية الأحفاد لاحظوا نظراتهما اللطيفة لبعضهما !

لكن العاشقيّن فضّلا كتم مشاعرهما ، للإهتمام بأقاربهما لحين انتهاء امتحان جدهم  

***


وفي يوم ، استيقظوا على صوت السكرتير يقول :

- أسف لإيقاظكم باكراً !! لكن اهاليكم علموا من أحد الخدم ، بوجودكم هنا .. فقطعوا عطلتهم على عجل .. وهم الآن في طريقهم للمزرعة

مراد : لكن بقيّ اسبوعين على انتهاء الشهر الثالث !

السكرتير : هم يصرّون على اعادتكم للمنزل ..وأظنهم غاضبين مني ، لتنفيذي وصيّة جدكم 

صبية بضيق : لكننا سعداء هنا ، ولا نريد الرحيل !!

الصغير : هذا صحيح !! فأنا تعوّدت على اللعب مع اولاد عمي 

المراهق : وانا احب امضاء الوقت بالزريبة مع الخراف والدجاج

المراهق الآخر : وانا لا استطيع ترك المزرعة الآن ، فقد اوشكت الثمار على النضج ! 

زينب بضيق : امي ستعود لمنعي من دخول المطبخ ، فهو خاص بالخدم (حسب رأيها) رغم معرفتها بعشقي لطبخ !

البدين : وانا صار جسمي رشيقاً لأول مرة بحياتي ، بعد لعبي الكرة مع اقاربي الصغار.. وان عدت مع اهلي ، سيتركوني مع الخادمة التي تطعمني الحلويات طوال الوقت ، لأكفّ عن مضايقتها

ولد بحزن : وانا كنت انطوائياً جداً ، والآن لديّ ١٩ صديقاً رائعاً .. حتى لم اعد اشتاق لجوالي التافه .. (ثم بقهر) .. كل ما اريده هو البقاء مع اولاد عمي ، فهل ما اطلبه كثير !


فاحتضنوا بعضهم ، وهم متضايقين من رحيلهم الباكر عن المزرعة التي عشقوها كثيراً

^^^


ولم تمضي ساعة .. حتى قدم الأهل وهم يحتضنون اولادهم ، ويعتذرون عن جهلهم بالحياة الصعبة التي عاشوها بالشهريّن والنصف ، اثناء عطلتهم الأوروبية 


وبعد هدوء الوضع .. بدأ كل ولدٍ بإخبار عائلته ، عن الأمور التي استفادها من تجربته بالمزرعة.. 


والأهل بدورهم لاحظوا التغيرات الإيجابية بشخصيّة ابنائهم بعد تحمّلهم المسؤولية التي زوّدت حماسهم لإكمال علمهم ! ورغبتهم بإيجاد وظيفة بعد تخرّجهم ، عقب إعتمادهم على نفسهم .. وتعوّدهم على الإستيقاظ باكراً ، وتناولهم للأكل الصحي ..مع تقوية روابط المحبة والصداقة بينهم ، حتى اصبحوا عائلةً متماسكة !


لينهي مراد الإجتماع بمفاجأته الكبرى : عن رغبته الزواج بزينب ، حبه الأول والأخير (كما وصفها) 

ففرح والديه بقراره .. لخوفهما السابق من هجرته للغربة ، والزواج بالفتاة الأجنبية 

كما سعد اهل زينب بموافقتها اخيراً على الإرتباط ، بعد كرهها السابق للرجال ! 


كما عبّرت ام البدين عن فرحتها برشاقته ! ووالدة الصبي المتوحد : بطلاقته بالحديث بعد انطوائيته السابقة (إثر تعلّقه المرضي بجواله) ..حتى تلعثمه بالكلام اختفى ، بعد مصاحبته اقاربه !

اما الولد المراهق : فتحسّنت مشيته بعد اختفاء تقوّس قدميه ، إثر تعرّضه للشمس وحصوله على الفيتامين د (بعد ان كان سابقاً ، حبيس غرفته طوال فصول الصيف)

ومراهقٌ آخر : قرّر اكمال دراسته بالمعهد ، بعد اختراعه العديد من الأدوات التي سهّلت حياتهم بالمزرعة ، مما أظهر براعته بالمهن اليدوية


وبينما الجميع منشغلاً بالحديث مع اهله .. أُضيء تلفاز الصالة ! ليظهر الجد وهو على سرير المشفى ، قائلاً بتعب :

((إذا شاهدتم الفيديو، فهذا يعني وفاتي.. وقد عشت تسعين عاماً من النجاحات المتتالية ، وهذا يكفي .. الشيء الوحيد النادم عليه ، هو انشغالي بالعمل عن اولادي الذين رغبت بترك ثرّوة لهم بعد رحيلي .. لكني علمت متأخراً : بأن اعظم ميراث ليس المال ، بل عائلة مترابطة .. لهذا أوصيكم بالإجتماع كل صيف في المزرعة التي سأهديها للعريسيّن مراد وزينب .. ورجاءً سامحوني على الإمتحان الذي خطّطت له ، لصالح أحفادي.. أستودعكم الله ، يا احبابي الأعزّاء)) 

وانتهى الفيديو بدموع الورثة.. 


وبعد العزاء الذي أقيم في المزرعة .. عاد الأحفاد الى منازلهم بعد تحسّن شخصيّاتهم للأفضل ! 

***


ولم ينته الشهر إلا بحفل زفاف مراد وزينب في المزرعة التي رقص الأهل والأحفاد بين أشجارها .. بعد تعهّد العريسان بجمع اقاربهم كل صيف ، تحقيقاً لوصية الجد الراحل.


الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

قلب يكفي الجميع

تأليف : امل شانوحة 

زوجة الأب الحنونة


منذ لحظة خِطبتها ، أدركت سارة (الثلاثينية) إن حياتها مع رجلٍ (خمسيني) أرمل ليس أمراً سهلاً ، فهو لديه أربعة أولاد : أكبرهم ريم (17 سنة) فتاةٌ حسّاسة وعصبية ، ترفض وجود امرأة مكان والدتها !

أما إخوانها الثلاثة (مراهق بعمر 14 ، وولديّن توأميّن بعمر 8) فقد إنساقوا لأختهم التي أخافتهم من زوجة ابيهم التي تريد إحتلال منزلهم (حسب كلامها) 

ومع ذلك تزوّجت سارة ، ودخلت بيتاً مليئاً بذكريات غيرها ! 

^^^


وبعد عودة زوجها الى عمله ، اضّطرت سارة للتعامل مع ابنائه بعطلتهم الصيفية 

وبدأت معركتها الأولى ، حين حاولت تحسين مظهر المنزل .. 

فاعترضت ريم بمساندة اخوانها ، لمنع ايّ تغيير بديكور امها الراحلة .. حتى انها منعتهم من مساعدتها بالتنظيف ! 


وازداد التوتّر بعد رفض ريم تذوّق طعام سارة ، مُفضّلةً الأندومي وشطائر الشارع .. بينما التهم إخوتها الصغار أطباق سارة بشهيّةٍ كبيرة !


لم تغضب سارة ، بل بدأت باستمالة الصغيريّن اولاً : بعد إعدادهما الحلويات معها .. ومشاهدة التلفاز سوياً .. ومشاركتهما ألعاب الكمبيوتر .. حتى انها لم تغضب من تلوين وجههما بمكياجها .. وإن كانت نصحت زوجها بإدخالهما نادي رياضيّ ، لتقوية شخصيّاتهما الرقيقة 


أما المراهق : فكان مسالماً بطبيعته ، يمضي وقته في غرفته..

وحين اكتشفت سارة مشاهدته لمقاطع غير لائقة ليلاً ، لم تعاتبه او تفضحه عند ابيه.. بل اجابت اسئلته حول البلوغ ، موضحةً الحلال والحرام 

ثم اتصلت بشركة الإنترنت لضبط القنوات ، حمايةً له ولإخوانه 


ومع الوقت ، تحسّنت علاقته بها .. بعد أن أشعرته برجولته اثناء مرافقتها إلى السوبرماركت ، بدل أبيه (المشغول بعمله) .. 

وازداد تعلّقه بها ، بعد أن علّمته قيادة سيارتها 


ولم يبقى امامها سوى ريم الصلبة التي ترفض التحدّث معها !

حتى عندما مرضت ، لم تقبل شرب حسائها .. بل رفضت ايضاً تناول الكيك الذي أعدّته في عيد ميلادها ..

^^^


لكن كل شيء تغيّر ، بعد ان سمعتها تتحدّث مع شابٍ بجوالها !

حبيبٌ مجهول اعطاها موعداً في ساعةٍ متأخرة .. 

فرفضت سارة ، مُقفلةً باب الفيلا (بسفر زوجها) وهي تأمر ريم العودة للنوم..


وقبل ان تغفو سارة ، سمعت صوت نافذة ريم !

فركضت لغرفتها .. لتعلم بنزولها على الشجرة ، للهروب خارج الفيلا ..


فلحقتها بالسيارة وهي تبحث بكل شارع ، بفزعٍ شديد .. الى ان رأت ثلاثة شبّان يحاولون جرّ ريم بالقوة إلى سيارتهم ! 

ودون تردّد ، وجهّت مسدس زوجها (الضابط) مُهدّدةً بقتلهم إن لم يتركوها بالحال .. 


فهربوا مذعورين ، بعد ركض ريم الى سيارتها وهي بصدمةٍ شديدة! 

بينما حمدت سارة ربها على إنقاذها الصبيّة بآخر لحظة 

^^^


فور وصولهما إلى الفيلا ، طلبت جوالها .. فاعترضت ريم لانتهاكها خصوصيّتها .. 

لتردّ سارة بحزم : 

- كنتُ سأصبح قاتلة بسببك ، وكان والدك سيدفع الثمن (لأنه مسدس عمله) .. أعطيني الجوال الآن ، وإلا سأخبره بكل ما حصل!! 


فسلّمتها هاتفها مُجبرة ، وأسرعت الى غرفتها باكية بعد انهيار جدار عنادها اخيراً 

***


في اليوم التالي .. وصلت رسالة اعتذار من الحبيب المخادع على جوال الصبيّة .. فردّت سارة ، برسالة تهديد : 

((إن لم تُغيّر رقمك بالحال !! سأرسله لمركز الشرطة ، لمعرفة عنوانك .. وإن عُدّت للإتصال بريم بأيّةِ طريقة ، سأترك والدها يُعذّبك حتى الموت)) 

فاختفى من حياة الصبيّة للأبد !


ولأنها لم تُبلّغ زوجها بالحادثة (بعد عودته من السفر) تغيّرت معاملة ريم معها .. بعد دخول غرفتها لإعطائها مال حصّالتها ، كتعويض عن المبلغ الذي أهدرته سابقاً..

فابتسمت سارة .. وأعطتها فوق مالها ، مبلغاً آخر لشراء الحلوى لإخوتها..


ثم اخبرت الصغار بأن ريم اشترت لهم الحلوى من مصروفها .. مما جعل الصبية تبتسم لأول مرة ، كعربون شكرٍ لها 

***


وذات يوم .. جلست سارة مع الأولاد ، لتعليمهم لعبة المونوبولي .. فسألتها ريم بتردّد : 

- هل تسمحين لعبي معكم ؟ 

فقرّبت سارة علبة المال المزيّف منها ، وهي تقول :

- ستكونين المسؤولة عن مال البنك .. اختاري حجرك ، ثم ارمي النرد 


وكانت ليلتهم الأولى كعائلةٍ مُحبّة ، بعد طلب سارة من ريم إختيار فيلم السهرة على ذوّقها ! 

***


ومع مرور الوقت ، لجأت ريم لسارة في أمورٍ كثيرة.

لكن الأمور تعقّدت من جديد ، بعد علمها بحمل سارة ! خوفاً من منافسة الطفلة على محبة والدها ، بعد اشتعال الغيرة في قلبها  


ثم جاء عرس أحد الأقارب ، فاهتمّت سارة بجمال الصبية .. مما لفت انتباه إحدى الأمهات التي عرضت خطيباً مناسباً لريم..

^^^


وفي المنزل ، رفضت ريم الموضوع تماماً .. 

فذهبت سارة الى غرفتها ، للتحدّث على انفراد : 

- هل ما زلت تتواصلين مع ذلك الأحمق ؟

ريم : كيف افعل ، وأنت تراقبين هاتفي ؟ 

- اذاً لماذا ترفضين رؤية العريس ؟ فهو وافق على إكمال تعليمك بالخارج ، وزيارة عائلتك كل صيف ! 


وبعد التحدّث معها لساعة ، أقنعت الصبيّة بالإجتماع العائلي ..

ومع الزيارة الأولى ، أُعجبت ريم بالشاب الخلوق الذي أتمّ الزواج بوقتٍ قصير ، للعودة لعمله بالبلد الأوربيّ 

***


وبعد سفر ريم مع عريسها .. إطمأنت سارة عليها ، بعد ابتعادها عن الحبيب المُتلاعب  


بعد شهور ، فرح الجميع بخبر حمل ريم ! 

***


وفي العطلة الصيفيّة التالية ، عادت ريم بشهرها الأخير.. 

وقبل دخولها غرفة الولادة ، أمسكت يد سارة : 

- انت بمقام أمي .. أرجوك ابقي معي ، فأنا خائفةٌ جداً 

سارة بحنان : 

- لا تخافي يا ابنتي ، كنتُ مكانك قبل ثلاثة اشهر .. ولن اتركك ، الى ان تحملي طفلك بين ذراعيّك.


ثم عادت ريم إلى منزل والدها بفترة النفاس ، التي استغلّتها سارة لتعليمها كل الأمور المتعلّقة بطفلها .. ليتعاملا معاً كأم وابنتها ، مُنهيان عاماً من العناد والعصبية 

***


بعد سفر ريم مع زوجها وطفلها للخارج .. 

بقيّت سارة مع إخوان ريم الثلاثة ، وابنتها الصغيرة .. في منزلٍ امتلأ بالطعام اللذيذ وضحك الأطفال والتفاهم الدافئ .. بعد فوز سارة أخيراً بمحبة أولاد زوجها بفضل صبرها وحنانها اللذيّن عوّضاهم عن غياب أمهم الراحلة ، مما أشعرها أن جهودها لم تذهب سدى !


الأربعاء، 27 أغسطس 2025

بين نسبيّن

تأليف : امل شانوحة 

من يستحق لقب والدي ؟!


كل شيءٍ كان جميلاً في حديقة المنزل المُزيّنة بالورود والكراسي التي رُصّت بجانب بعضها ، لمشاهدة القسّ وهو يعقد قران العروسيّن (جاكلين وجاك ، كلاهما بنهاية الأربعينات) بينما ابن العروس المراهق (آدم) يجلس مُضّطرباً على المقعد الأمامي للمعازيم ، بنظراته التي تركّزت على عشب الحديقة دون مواكبة الحدث ! وهو يهزّ قدمه بتوتّر ، مُتزامناً مع دقات قلبه السريعة وهو يسمع نذور امه اتجاه عريسها الجديد .. 


ليعلو بعدها تصفيق المعازيم ، عقب اعلان القسّ زواجهما .. فيسارع المراهق بالإبتعاد عن الجميع .. ويسقط منهاراً خلف الشجرة ، رامياً ربطة عنقه بعيداً .. وهو ينظر الى صوره وهو صغير بجانب والده الحقيقيّ (من جواله)

- مازلت لليوم لا اصدّق ان امي رمتك في السجن ، للزواج من رجلٍ آخر ! ليتني اعرف اخبارك ، لكنها تمنع تواصلي معك .. كنا بالفعل عائلة رائعة ، قبل ظهور ذلك الدخيل .. كم اكرهه !!

وهنا ناداه العريس من بعيد :

- آدم !! سنأخذ صورة جماعيّة .. هيا اقترب منا 

فتمّتم آدم بضيق ، وهو مازال يشاهد صور طفولته :

- لن تأخذ مكان ابي مهما فعلت ، ايها المُتطفّل  

فهمست الأم لزوجها بإحراج :

- جاك .. لندعه على راحته 


ثم طلبت من المصوّر اخذ صورة لها ولعريسها الذي شعر بالقلق حيال علاقته المستقبليّة مع إبنها المراهق العنيد !

***


ومرّت الشهور .. حاول فيها جاك معاملة آدم بلطف ، خصوصاً مع بدء امتحاناته الثانويّة .. حيث تعمّد على ترك مسافة مريحة بينهما .. فهو لا يدخل غرفته الا باستئذان .. ولا يقترب من زوجته ، حين يراها تتحدّث مع ابنها على انفراد .. كما اعدّ طعام آدم المفضّل الذي وضعه على طاولته ، ورحل دون انتظار شكرٍ منه .. وكذلك المشروبات الساخنة ، ايام امتحاناته الصعبة .. 


وفي يوم عطلة ، إجتمع رفاق آدم للعب كرة السلّة في حديقة منزله .. وكان ينقصهم لاعب .. ليتفاجأوا بجاك يرمي الكرة ، ويسدّد هدفاً من بعيد وهو يقول :

- يمكنني اللعب معكم ، فأنا كنت اللاعب الأساسي بفريق السلّة في جامعتي

فوافقوا جميعاً .. ماعدا آدم الذي دخل منزله غاضباً :

- اذاً جدوا لاعباً مكاني !!

تاركاً الجميع في صدمة ، خصوصاً زوج امه الذي فشل بتحسين علاقته معه !

^^^


حتى عندما دافع عن آدم بشراسة ، بعد رؤية مُتنمّرٍ يشتمه خارج المدرسة .. لم يشفع له ، بل دفعه آدم بعنف :

- لا تدخل في شؤوني ، فأنت لست والدي !! ثم مالذي اتى بك الى مدرستي ؟ انت تعلم جيداً بعودتي مشياً لمنزلي كل يوم

جاك : كنت مارّاً من هذا الطريق ، فأردّت أخذك معي

- لا اريد ان يرانا احد سوياً .. هيا إذهب من هنا !!

وأكمل آدم سيره وحيداً .. بينما عاد زوج امه حزيناً الى المنزل !

***


وفي إحدى الليالي ، عانى آدم من حمّى قوية .. وسهرت امه بوضع الضمّادات الباردة على رأسه .. وحينما دخل زوجها الغرفة ، وجدها نائمة على الكرسي بجانب ابنها .. فأسندها اليه ، وأعادها الى سريرها .. وأكمل هو وضع الضمّادات الباردة على رأس آدم الذي استيقظ غاضباً :

- مالذي تفعله في غرفتي ؟! هل تحاول التحرّش بي ، بغياب امي ؟!!

وقد صدمته هذه التهمة كثيراً ! 

جاك بارتباك : كنت احاول المساعدة فحسب !

آدم بعصبية : لا اريد منك شيئاً .. الا تفهم ؟! .. (ثم تنهّد بضيق) .. حقاً لا ادري كيف وافقت امي الزواج بك ، بعد تخلّيك عنها ايام شبابها ؟

جاك : انا احببتها طوال حياتي ..

مقاطعاً بعصبية : كاذب !!! انت كسرت قلبها بتخلّيك عنها ، قبل ايام من عرسكما 


فتنفّس جاك مطولاً ، قبل ان يقول بحزن : 

- بعد إجراء الفحوصات اللازمة للزواج ، أخبرني الطبيب بعقمي ..ففسخت علاقتي بها ، بعد سفري.. لأنها كانت ستكمل مراسم الزواج ، لتعلّقها الشديد بي .. وانا لم اردّ حرمانها من الأمومة .. ظننت بغيابي ، ستجد افضل مني .. لكن بعد علمي ببلاغها ضدّ والدك بسبب ضربه المتكرّر لها ، عرفت انني أذيّتها مرتيّن .. وعدتُ فور حصولها على ورقة الطلاق من القضاء ، بعد سنواتٍ طويلة من انفصالها عن والدك 

آدم غاضباً : ابي لم يضربها يوماً !!

- الم ترى التقرير الطبّي لليلة قبض الشرطة على ابيك ؟ كان جسمها مليئاً بالرضوض والكسور 

آدم : كنت معها ، ولا اذكر ذلك مطلقاً

- كنت بسن السادسة ، لهذا ذاكرتك ضعيفة 

آدم : ابي كان جيداً معي ، ولن اسمح لك بتشويه صورته امامي .. ومهما فعلت ، لن تصبح اباً في حياتك .. ستظلّ عقيماً لآخر عمرك .. هيا اخرج من غرفتي .. واياك الدخول اثناء نومي.. هيا اخرج ، ماذا تنتظر ؟!!


فخرج جاك مقهوراً من غرفته

*** 


وفي آخر يومٍ لآدم في الثانوية ، إستعدّ بحماس لحفلة تخرّجه .. واثناء مرور زوج امه بجانب الحمام ، سمعه يتألّم من الداخل.. فدخل اليه ، ليجده ينزف من خده اثناء محاولته حلق ذقنه الخفيفة لأول مرة .. ليتفاجأ بجاك ، يأخذ الشفرة منه وهو يقول :

- لا تحلق بوجهٍ ناشف .. ضعّ المرطّب اولاً 


وصار يساعده الى ان حلق وجهه بطريقةٍ صحيحة .. ثم خرج ، تاركاً آدم مصدوم من تصرّفه الحنون !


ولم يكتفي زوج امه بذلك ، بل جلس يُحادث صديقته المراهقة (التي قدمت الى المنزل باكراً) في انتظار لبس آدم لطقمه الرسميّ في غرفته .. ثم اعطاه مفاتيح سيارته وهو يقول :

- من الأفضل ان تأخذ صديقتك بسيارتي ، فهي تلبس فستاناً طويلاً وسيتلوّث بغبار الطريق لحين ايقافكما سيارة اجرة 

فشكره آدم على مضضّ ، وخرج مع صديقته من المنزل 

^^^


وفي الطريق ، قال لها :

- كم اكره حركاته تلك .. يظن بأن لطفه المُصطنع ، سيجعلنني أحبه


فأخبرته صديقته بأنه طوال وجودها في المنزل ، كان يمدحه وينصحها بإكمال علاقتها به .. فاستغرب آدم من ذلك ! لكنه مازال مصرّاً على وضع مسافة بينه وبين زوج امه 

***


قبل ذهاب آدم لجامعته في المدينة المجاورة ، ارادت امه توديعه من خلال تخييمهم بالغابة لثلاثة ايام .. فقبل آدم بصعوبة تواجد زوجها معهما 


وفي الليلة الأولى : رفض آدم مساعدة زوج امه بنصب خيمته .. 

وعندما فشل جاك بإشعال النار بالطريقة الكشفيّة القديمة ، قام آدم بإشعال الحطب من ولّاعته.. فسألته امه بقلق :

- هل تدخن يا آدم ؟

لكنه لم يجيبها .. بل اكتفى بالجلوس بعيداً وهو يقرأ كتاباً (خصوصاً لعدم وجود انترنت بتلك المنطقة المنعزلة)..  

ومهما حاولت الأم خلق جواً من المرح ، الا ان التوتّر كان واضحاً بين آدم وجاك طوال الليل


وفي اليوم الثاني : قاموا بنزهة ، سيراً على الأقدام لاستكشاف الغابة .. واثناء ذلك ، كاد آدم يتعثر ويسقط بإحدى الحفر .. فسارع جاك بمسكه وإنقاذه .. واكتفى آدم بتحريك رأسه بإشارة شكرٍ وامتنان ، دون التحدّث معه !

وفي المساء .. تشاركوا بإعداد العشاء ، وآدم مازال ملتزماً الصمت!


في الليلة الثالثة : ارادت الأم مشاركة الذكريات معاً ، لكن آدم رفض اللعب معهما .. وعندما تحدّث جاك عن يوم فقدان والديه بحادث سيارة ، استمع له آدم باهتمام دون كلام .. وهو يشعر بالشفقة عليه ، خصوصاً لوفاتهما وهو بعمر المراهقة (اي نفس عمر آدم الحاليّ)


وقبل غفوه تلك الليلة ، شعر بالدفئ فجأة ! ليلمح جاك يغطّيه ببطانية اضافية ، قبل عودته لخيمة زوجته

***


وفي اليوم الذي قرّروا فيه العودة للمنزل (لترتيب آدم اغراضه قبل رحيله للجامعة) وقبيل العصر ، بعد وضعهم اغراض التخييم في السيارة .. لاحظوا اختفاء الأم !

قبل انتباههما لسيارة تبتعد عن المكان .. فعلما باختطافها !


وبسرعة ركبا السيارة في محاولة للحاق بالخاطفين ، حيث كان واضحاً وجود اربعة رجال بالسيارة التي تبعد امتاراً عنهما 


وحاول آدم الإتصال بالشرطة ، لكنه لم يلتقط اشارة الإنترنت على طول الغابة .. بينما قاد جاك سيارته بتهوّر وهو يلهج بالدعاء ، خوفاً على عروسته

^^^


الى ان وصلا مساءً لمستودعٍ مهجور !

آدم : انظر هناك .. سيارة الملاعين متوقفة بجانب المستودع .. سأذهب لإنقاذ امي

الزوج : لا !! إبقى هنا .. سأدخل اولاً .. وان تأخرت ، تأخذ السيارة الى اقرب محطّة ، وتتصل بالشرطة .. اياك الدخول والمخاطرة بحياتك .. أفهمت ؟!!


وبصعوبة رضخ آدم لقرار جاك الذي تسلّل وحده للمستودع المهجور 

^^^


بعد نصف ساعة ..

آدم : لن انتظر اكثر .. سأدخل خفيّة ، لمعرفة ما حصل لأمي وزوجها


ليجد الرجال الأربعة للعصابة يسكرون خارج المستودع .. فتسلّل للداخل ، ليجد امه وزوجها مقيديّن بكرسيين حديدين .. ورجلٌ غامض يصرخ عليهما معاتباً :

- أهذا هو التافه الذي اخترته لإكمال حياتك معه ؟!!

فيردّ جاك : كنت حبيبها الأول ، وانت تعرف ذلك جيداً

الرجل : أصمت !! فأنت لن تصبح والد آدم مطلقاً .. اخبرني ، هل ناداك بأبي بعد مرور سنة على زواجك بأمه ؟ هل حضنك او شاركك همومك ؟ انت لن تصبح يوماً والداً ، ايها العقيم ؟!!

جاك بدهشة : وكيف عرفت هذه المعلومة ؟!

الرجل : لا شيء يُخفى عليّ .. اما انتِ يا جاكلين !!

وازال الرجل حزامه ، وهو يقول بلؤم :

- يبدو انك بحاجة لتربية من جديد ، يا ابنة الفرّان !!


وهنا تذكّر آدم مقتطفات من طفولته الصعبة ! فوالده ردّد الجملة ذاتها ، قبل ان ينهال ضرباً بالحزام على ظهر امه .. بينما يسارع هو للإختباء في خزانة غرفته ، وهو يُغلق اذنيه من صراخها الموجع .. وكأن سيلاً من ذكرياته المؤلمة عادت اليه دفعةً واحدة !


وقبل ان يجلد طليقته بالحزام ، تفاجأ بإبنه يمسك يده بعنف :

- لن اسمح لك بضربها مجدداً !!

الأب بدهشة : آدم ! حبيبي .. كبرت وأصبحت رجلاً .. دعني اراك جيداً 

لكن آدم ابعد يده عن كتفه ، وهو يقول :

- ماذا تريد من امي ؟ الا يكفي انك ابعدتها عن حبيبها ؟

والده : أهذا ما قالته لك ؟! انا تزوجتها بعد ان تخلّى العقيم عنها  

آدم : من تراه عقيماً ، هو أحنّ منك عليّ .. هو علّمني كيف احلق ذقني .. كيف العب الكرة .. كيف اعامل صديقتي باحترامٍ ومحبة .. هو من سهر اثناء مرضي .. ودفع اقساط جامعتي دون علمي .. اهتم بدراستي ومعهدي .. وحتى هوايتي الموسيقية ، بعد شرائه الجيتار الذي ظننته هدية من امي .. هو الوالد الذي تمنّيته دائماً .. بينما انت !! اعطيتني اسوء ذكريات طفولة .. أتدري عندما قبضت الشرطة عليك ، كان اجمل يومٍ في حياتي .. لأنها اول ليلة انام فيها مع امي دون خوفٍ ورعب .. ما الحاجة للأب ، ان لم يكن هو الأمان والسند والإحتواء ؟!! امي الآن بخير ، وهي سعيدة مع زوجها .. فاذهب في حال سبيلك ، ودعنا وشأننا !!

الوالد بصدمة : أهذا ما تريده يا آدم ؟!

آدم بعصبية : نعم !! إذهب واخترّ زوجة ثانية ، وانجب ما تشاء من الأولاد .. اما انا وامي !! فاحذفنا من ذاكرتك ، كما حذفناك من حياتنا منذ سنواتٍ طويلة

فطأطأ والده رأسه حزناً ، وهو يقول لجاك :

- يبدو انك انتصرت عليّ .. وفزت بها وبه (واشار لطليقته وابنه)


ثم نادى رجال عصِابته الذين ركبوا السيارة معه ، وابتعدوا عن المستودع بعد حصوله على وعد من طليقته بعدم الإبلاغ عنه !

لتعود مع زوجها وابنها للمنزل بعد انتهاء ازمتهم اخيراً

***


بعد اربع سنوات ، وفي حفلة التخرّج الجامعي .. جلست الأم بجوار زوجها الذي راقب الأباء وهم يصوّرون ابنائهم الخرّيجين بفخرٍ وسعادة .. وهو يتساءل بنفسه :

- هل انا مثلهم ، ام مجرّد مرافق للأم ؟


وقبل انهاء سؤاله ، تفاجأ بمذيع الحفل ينادي على آدم : 

- الطالب آدم جاك اندرسون !!


وكانت صدمة كبيرة لجاكلين وزوجها جاك بعد سماع اسمه واسم عائلته مرتبطيّن بإسم آدم الذي اخذ الميكروفون بعد استلام شهادته وهو يقول بفخر :

- هذا نسبي الجديد الذي اخترته بملء ارادتي.. (ثم اشار لجاك من بعيد) .. ما رأيك ؟ هل تقبلني ابناً لك ؟!!


فأومأ جاك برأسه موافقاً على التبنّي ، وهو غارقٌ بدموعه .. لتسارع زوجته باحتضانه ، وسط تصفيق الخرّيجين والحضور !  


الجمعة، 7 فبراير 2025

التربية والتعليم

تأليف : امل شانوحة 

المهنة الشاقة


كانت فرحتها لا توصف حين وصلها قرار نقلها لأهم مدرسة في المنطقة ، كمكافأة عن عملها الدؤوب والمخلص لسنواتٍ طويلة في مدرستها الشعبيّة ، حتى وصل صيتها المُبدع لوزارة التعليم التي نقلتها للمدرسة المتطوّرة الخاصّة بالأثرياء

واحتفلت مع زوجها وأولادها بهذه المناسبة بعد تضاعف راتبها ، مما سيسهّل حياتهم ..

***


لكن منذ يومها الأول هناك ، شعرت بالدونيّة والنقص بجانب زميلاتها اللآتي يلبسنّ أطقماً رسميّة فاخرة مع أغلى المكياج والعطور ! وكونهنّ يعلمهن قدومها من مدرسة الفقراء ، جعلوها ضحيّة تنمّراتهن وملاحظاتهنّ الّلاذعة ، غير مكترثات بشهادات التقدير الكثيرة التي نالتها من نجاحاتها المتوالية بامتحانات الوزارة لتطوير الأداء السنوي للمعلمات !

^^^


وكأن نقدهنّ القاسي لا يكفيها ! فقد عانت من سوء اخلاق طلاّبها في المرحلة الإبتدائية ، بسبب تربيّتهم على يد الخادمات اللآتي سمحن بإمضاء جلّ وقتهم على الجوّالات والحواسيب (رغم صغر سنهم) بغياب إشراف الأهل ! مما جعل بعضهم يتعمّق بمواضيع تخصّ الكبار ، ونقل المعلومات الخاطئة لزملائه.. 


والأسوء انها لا تستطيع تأديبهم ، فهو مخالف لسياسة المدرسة التي تمنع المعلمات من رفع اصواتهن او استخدام نبرةٍ حازمة ! فالطلاّب بالنسبة لهم : زبائن لا يريدون خسارة أقساطهم السنويّة الضخمة ، لهذا يحاولون ارضاء الأهل على حساب تهذيب وتعليم اولادهم !


فلم يكن امامها سوى استخدام مكافأة الحلوى التي تعطيها للمجتهدين ، كطريقة لتشجيع الآخرين على المذاكرة.. لتنصدم باليوم التالي بقيام طالب (اكثرهم مشاغبة وكسلاً) بتوزيع شوكولا فاخرة على زملائه .. ولم يكتفي بذلك ، بل حذّرهم من تناول حلوى المعلمة الرخيصة المُضرّة للصحّة !

^^^


فاتخذت اسلوباً آخر : وهو إستغلال حصص الفراغ ، لتوعيّتهم بقصصٍ هادفة اجتماعية .. لتجد بعضهم يُخرجون جوّالاتهم وهم يضعون السمّاعات لمشاهدة مقاطعهم المُفضلّة ، بدل تضيّع وقتهم بقصصٍ تافهة (حسب وصفهم) !


لم يكتفوا بذلك ، بل سخروا مراراً من ملابسها التي لبستها اكثر من مرة ، بعكس بقيّة المعلمات اللآتي اعتدنّ تغيّر فساتينهنّ كل يوم ! مما تسبّب بمشاكل بينها وبين زوجها ، لمطالبته بملابس جديدة وعطرٍ فوّاح وبعض ادوات الزينة .. فنصحها بعدم صرف راتبها على اشياء تافهة ، واستخدامه بتصليح اعطال منزلهما.. مما زاد الخصام بينهما ، جعلها تنام مع اولادها بعيداً عنه !

^^^


وكانت اسوء فترات المدرسة بالنسبة لها ، هي فرصة الغداء : عندما تستهزأ زميلاتها من إحضارها بقايا الغداء (التي أعدّته سابقاً في منزلها) ! فجميعهن يشترينّ الطعام الجاهز من المطعم القريب من المدرسة.. مما اضّطرها لتناول الفاكهة فقط ، مُدّعيةً قيامها بحميّةٍ غذائيّة .. جعلتها هزيلة وضعيفة بمرور الأيام..


عدا عن صداعها الدائم ، بسبب رفض الأولاد التوقف عن الصراخ خلال لعبهم بساحة الملعب ، اثناء إشرافها عليهم ! فهم يستغلّون ضعف مكانتها بين الأساتذة لفعل ما يريدون

^^^


كل ما ورد يُعدّ بسيطاً .. امام عتاب المديرة لها ، كلما اشتكت إحدى الأمهات من ضعف ابنها بالمادة التي تُدرّسها.. وإن أخبرتها بمشاغبة ولدها ورفضه التعلّم.. عايرتها بقلّة خبرتها بالتعامل مع اولاد الطبقة الراقيّة !


وبدأ حلمها ينهار بعيد المعلم ، بعد قيام ولد ثريّ برميّ رزمة مالٍ في وجهها ، وهو يقول باستحقار :

- فكّرت كثيراً بنوع الهديّة التي أحضرها لك .. لكن أظنك بحاجة للمال لدفع اجرة منزلك المتهالك ، اليس كذلك ؟


وضحك بقيّة الطلاّب عليها ، جعلها تحبس نفسها بالحمام كيّ لا يروا دموعها !

^^^


وعندما عادت لغرفة المعلمات .. تفاجأت بزميلتها (أكثهرنّ نقداً لملابسها وإسلوب تعليمها) تبكي بحرقة ، بينما تحاول زميلاتها تهدأتها ! بعد إرسال خادمتها صورة (على جوالها) لزوجها وهو يُدخل عشيقته الى غرفتها ، اثناء تواجدها في المدرسة ! 

فقالت وهي منهارة بالبكاء :

- سامحته على خيانته اكثر من مرة ..لكن ان يحضرها الى بيتي ، وفي غرفتي الخاصّة .. فهذه نهاية زواجنا !!


فبدأت كل واحدة تشكي همّها ، في محاولة لتخفيف مصابها :

حيث عانت إحداهنّ من تسلّط حماتها ، وتحكّمها بتربيّة ابنائها

والأخرى مُطلّقة ، ومحرومة من رؤية طفلها

والثالثة يرفض زوجها الصرف عليها لبخله رغم ثرائه ، مما أجبرها على التدريس لتأمين ملابسها وزينتها امامهنّ !

ومنهنّ من اشتكت عقوق اولادها

والأخرى تعاني من زوجٍ مُدمن كحول 

بينما زوج الأخرى مُهدّد بالقبض عليه ، بسبب اعماله الغير مشروعة

اما اكثرهنّ ثراءً : فكانت تعاني من ضرائرها الثلاثة ، وسحرهنّ المتواصل لها .. مما أرهق صحّتها وسلامة عقلها !


بهذه اللحظة فهمت المعلمة الفقيرة ان سعادتهنّ المُزركشة ، ماهي الا واجهة زجاجية مُعتمة ، تُخفي مصائبهنّ الكبيرة !

^^^


فذهبت الى مكتب المديرة لتقديم إستقالتها .. ثم أخذت ملفها ، مُتوجهةً الى مدرستها الشعبيّة القديمة التي استقبلوها بحفاوة ، بعد فقدهم خبرتها وطريقتها الفريدة بالتعليم 


ليس هذا فحسب بل تجمّع الطلاّب حولها وهم يحتضنوها بسعادة ، بعد علمهم بعودة معلّمتهم المميزة الحنونة .. كل هذا أعطاها شعوراً لا يُقدّر بثمن

***


وبعد عودتها لمنزلها ، تفاجأت بموافقة زوجها لقرارها المفاجئ :

- ظننتك ستغضب بعد التخلّي عن راتبي المجزّي !

الزوج : وما فائدة الزيادة الماليّة ، إن كنت تصرفينها على ادوية المُهدئ والصداع والأرق ؟ عدا عن اكتئابك طوال الشهور الثلاثة التي درّستها هناك ، حتى نسيت انا وابنائك ابتسامتك الجميلة وروحك المرحة ! عدا عن مشاجراتنا المتواصلة ، بسبب مقارنة نفسك بأولئك المُتعجرفات.. كما إهدار طاقتك بمدرسة لا تقدّر جهودك ، لا من ناحية الإدارة والأهالي والطلاّب .. وايضاً غيرة زميلاتك من اساليب تعليمك المتطوّرة ، ونقدهنّ المتواصل الذي دمّر ثقتك بنفسك


المعلمة : هذا صحيح ، بعكس مدرستي القديمة التي يعرفون قيمتي جيداً.. (ثم تنهّدت بضيق) .. كنت متوّهمة بأن الأغنياء سعداء ، لكنهم يخفون جروحهم عن أعين الساخرين

الزوج : الرزق ليس مالاً فقط .. بل بركة بالأولاد والصحّة البدنيّة والنفسيّة ، وراحة البال والرضا والطمأنينة ..فالحمد الله على كل شيء

المعلمة بابتسامة : معك حق .. الحمد لله على حياتي الهادئة السعيدة


وحضنته بامتنان لوقوفه معها ، وتحمّله نفسيّتها المُتعبة بالشهور الماضية التي ضيّعتها في مدرسة الجهلاء المُتغطّرسين !


السبت، 4 يناير 2025

القصّة المؤثّرة

تأليف : امل شانوحة 

 

الكاتب الناجح


- لا ادري ماذا اكتب ؟! أكاد أُجنّ !

ومزّق الكاتب (الخمسينيّ الشهير ، المعروف بقصّصه الإجتماعيّة التربويّة) ورقته العاشرة ، وهو يتمّم بقلق :

- دار النشر تريد قصّتي الجديدة بنهاية الإسبوع.. (ثم تنهّد بضيق).. لديّ عشرات الأفكار ، لكن الكلمات لا تنساب مني بسهولة .. فماذا حصل لي ؟! هل أُصبت بعينٍ قويّة ، ام هو سحرٌ لعين حرمني من موهبتي ؟!! يا الهي ! انا حقاً في ورطة ، فالصحافة تنتظر قصتي التالية لتكريمي كأوّل كاتب يصل لألف قصّة قصيرة ، لكن قصّتي الأخيرة لا تكتمل ابداً ! مع اني لم اجد هذه الصعوبة طيلة ٣٠ سنة الماضية التي كتبت فيها ٩٩٩ قصّة ، فلما آخر قصّة متعسّرة معي بشكلٍ مُستفزّ ؟!.. يبدو ان مشكلتي نفسيّة ، فأنا اريد ختم مهنتي بقصّةٍ مؤثّرة قويّة ، لهذا اجد معظم افكاري عادية ! عليّ الخروج من مكتبي قبل ان أفقد اعصابي ..

^^^


وخرج الى الشارع وهو يفكّر بقصّة تُلهم كل افراد المجتمع ، تكون جديرة بأن يُنهي بها مجلّده الذي ينتظره عشّاق القراءة والأدب الرفيع 

وقبل غرقه بخياله ، إستوقفه حوار طفليّن من اولاد الشوارع وهما ينظران لأولادٍ يلعبون بالحديقة الخاصّة بأصحاب الإشتراكات الشهريّة (فهي ليست عامة لجميع اطفال المنطقة)


وكان الولدان ينظران من خلال سياج الحديقة بحسرة ، لأولاد التجّار والموظفين وهم يتناولون الحلوى ، ويلعبون بحرّية في الحديقة المليئة بالزهور العطرة حول البركة الكبيرة ، عدا عن اكشاك الطعام والدمى..


الولد الفقير (10 سنوات) : أُنظر اليهم كم هم سعداء ؟!

زميله (7 سنوات) : ترى ما شعورهم حين يركبون اللعبة الدوّارة او ينزلقون على الزحليقة الطويلة ؟!

- سألت سابقاً إحدى الطفلات ، وأخبرتني انه يشبه الفراشات التي تلعب في معدتك .. لكني لم أفهم قصدها ! .. أتدري ماهو اكثر شيء اريد تجربته ؟

- ماهو ؟

- ذلك المنزل الكبير المطاطيّ المليء بالألعاب المسليّة ، فجميعهم يخرجون منه فرحين للغاية !

- أما انا !! فأرغب بتناول حلوى القطن (غزل البنات) او الفُشار ، يبدو طعمهما لذيذ 

- تذوّقت بعضها من قبل

- أحقاً !

- نعم .. فبعض الأولاد يرمون البقيّة ، بعد خروجهم من الحديقة

- وكيف مذاقهما ؟

- حلوى القطن تبدو كالغيوم الزهريّة ، مذاقها حلوّ ولذيذ .. اما الفُشار فمالح

- شوّقتني لتذوّقهما ايضاً !!

- إذاً لننتظر قرب الباب ، على امل رميّ بعضها قبل ركوبهم سيارة اهاليهم ..لكن انتبه ، عليك مسح حلوى القطن من النمل والذباب

- أتمنى ان يتركوا كميّة كبيرة ، لأعطي جزءاً لأختي الصغيرة


وهنا ! لم يعد بإمكان الكاتب تحمّل المزيد من بؤس الولديّن ..وتوجّه نحو مدخل الحديقة ، لشراء تذكرتيّن لهما

الحارس : لكن سيدي ! هذه حديقة أطفال ، ولا ارى اولاداً معك 

الكاتب : هي ليست لي ، بل لهما

وأشار الى الولديّن..

الحارس : آسف سيدي .. ممنوع دخول اولاد الشوارع الى هنا

- لكني سأدفع تذكرتهما ! 

- ليس لأجل المال ، فقد يكونا مُصابيّن بأمراضٍ مُعديّة .. كما ان ملابسهما قذرة .. وربما يعانيان من القمل والجرب .. وإن أدخلتهما ، سيطردوني من عملي .. فالأهالي حريصون على صحّة ابنائهم

الكاتب : ومتى تغلقون الحديقة ؟

- عند الخامسة

- هل يمكنهما الدخول بعد خلوّها من الزوّار ؟

الحارس : على مسؤليّتك ، فقد يُجرثما الألعاب المطاطيّة

- هل يوجد عامل مختصّ بتعقيم الألعاب ؟

الحارس : نعم

الكاتب : ناده لي


واتفق مع العامل (الذي وعده بأجرة اضافيّة ، لبقائه بعد الخامسة) لتعقيم الألعاب ، عقب خروج اولاد الشوارع الذي ينوي دعوتهم جميعاً للعب المجانيّ !


ثم توجّه للولديّن ، طالباً منهما دعوة اكبر عدد من اولاد شوارع ، عصراً.. 

^^^


ثم عاد الكاتب الى مكتبه لتدوين ما حصل ، كأحداث قصته التالية .. قبل رجوعه للحديقة في الموعد المحدّد .. ليجد عشرات الأطفال الفقراء مجتمعين خلف بوّابة الحديقة (كبيرهم ١٣ ، وصغيرهم سنتيّن)..

- سيدي ، قدمنا كما طلبت ، لكن الحديقة مُغلقة !


فاتصل الكاتب بجوّال العامل (المختصّ بالتعقيمات) .. فأخبره انه ذهب لمنزل الحارس لأخذ المفتاح ، وهو في طريقه اليهم


وبعدها جلس الكاتب على كرسي الحديقة ، وهو يراقب بعينين دامعتيّن فرحة الأولاد وهم يجرّبون الألعاب لأوّل مرّة في حياتهم ..حتى وصلت ضحكاتهم لكل المنازل المحيطة ، جعلت البعض يخرج للشرفة لمعرفة مصدر البهجة المفاجئة ! فضحكاتهم مرتفعة عن الأولاد المعتادون على زيارة الحديقة من وقتٍ لآخر


كما شاهد فرحتهم وهم يتناولون الحلوى ، بعد قيام العامل بفتح الكشك (عقب دفع الكاتب ثمنهم مسبقاً)..

^^^


بحلول الساعة الثامنة (بعد ثلاث ساعات من اللعب المتواصل) طلب العامل منهم الخروج ، ليقوم بتعقيم جميع الألعاب قبل معرفة الأهالي بما حصل


فالتفّوا حول الكاتب ، لشكره على إهدائهم اجمل يوم في حياتهم.. وبعدها تفرّقوا بالشوارع ، كلاً الى عمله : اما بجمع القوارير او الشحاذة على اشارات المرور

^^^


بينما سهر الكاتب طوال الليل ، لكتابة قصّته عن اولاد الشوارع وبؤسهم وحرمانهم من ابسط حقوق الطفولة (الحلوى واللعب) مُشيراً لضرورة حمايتهم والإعتناء بهم من قبل الدولة

***


في الصباح ، إستيقظ الكاتب على طرق الشرطي الذي أبلغه بوجود شكوى ضدّه ! 

فاضّطر للذهاب للمركز .. ليتفاجأ هناك بغضب الأهالي من توسّخ حديقتهم التي يدفعون اشتراكها شهريّاً ، وقلقهم بأنها لم تعد آمنة وصحيّة لأبنائهم !

ورغم شهادة العامل بتعقيمه كل شيء لمسوه اولاد الفقراء ، إلاّ انهم أصرّوا على  تغيّر بعض الألعاب المطاطيّة (الملوّثة حسب رأيهم) وعلى تكلفة الكاتب الفضوليّ (كما وصفوه) .. 


فدفع الكاتب شيكاً لصاحب الحديقة الذي أصرّ على طرد الحارس والعامل ، لعدم استشارته قبل ادخالهما اولاد الشوارع ! مما اغضب الكاتب الذي لم يكن بإمكانه فعل شيء ، امام الظلم الذي تعرّض له الموظفان بسببه 

***


بنهاية الشهر.. حصل الكاتب على مبلغٍ ضخم ، بعد بيعه مئات النسخ لمجلّده الذي يضمّ الف قصّة قصيرة هادفة وتربويّة.. وقد نالت قصّته الأخيرة شهرةً واسعة..


وفي مؤتمرٍ صحفيّ .. سأله احدهم عمّا ينوي فعله بمبلغ الجائزة ؟ 

ليأتي جوابه صادماً : وهو بناء مدينة ملاهي مجانيّة للفقراء ، مع توظيف العامليّن المطروديّن من الحديقة العامة..

فسأله الصحفي باهتمام : هل هي خاصّة للأطفال فقط ؟ 

الكاتب : بل تشمل اهاليهم ايضاً .. وستُفتح مرة بالشهر ، لجمع اكبر عدد من المساكين .. مع توفير الحلوى المجانيّة لهم

- ربما تستطيع ذلك بالشهرين الأوليّن ..لكن استمراريّة هذه الملاهي المجانية مستحيلة ، خاصة مع تكاليف الكهرباء والحلوى ورواتب العمّال 

الكاتب بثقة : وهذا ما سأناله من اثرياء المنطقة ، كمساهمة شهريّة منهم

- لا اظنهم سيوافقون ، فهم بالكاد يدفعون الضرائب !

الكاتب بإصرار : بل سيفعلون ذلك طواعيّةً

***


وبالفعل تمّ افتتاح الملاهي المجانيّة ، بحضور الإعلام الذين صوّروا فرحة الفقراء اثناء تجربتهم لألعابٍ حلموا بها منذ طفولتهم ، كما استمتعوا بالحلويات التي تذوّقوها لأوّل مرة في حياتهم !


وتوقّع الإعلام توقف الملاهي عن العمل خلال خمسة اشهر (على ابعد تقدير) لكنها استمرّت لأعوام ! والغريب ان حوادث السرقات والقتل والعنف بالشوارع إختفت جزئيّاً بعد تفريغ الطاقة السلبيّة للفقراء ، لشعورهم بالمساواة مع بقيّة طبقات الشعب من خلال الملاهي المجانيّة

***


لكن ما لا يعلمه الإعلام : ان الأثرياء دفعوا طواعيةً لإستمراريّة الملاهي ..لأن الكاتب عرف نشاطاتهم الخفيّة بعد محادثته أولاد الشوارع الذين اكتشفوا أسرارهم القذرة من خلال مراقبة تحرّكاتهم ..او بسبب افعالهم الغير قانونية : فبعض اولئك الأطفال كانوا ضحايا لاعتداءات الأثرياء بحفلاتهم الماجنة.. كما ان أحد النافذين أُستعان بهم ، لسرقة مستنداتٍ مهمّة من منافسيهم.. حتى أن بعض كبار التجّار دفعوا لعصابة الفقراء ، لضرب شركائهم او ازواجهم !  

وبسبب تلك الأسرار المشينة ، وافقوا على الإشتراك الشهريّ لتكاليف الملاهي ، لضمان صمت الفقراء عن فضائحهم ! 

^^^


بينما تابع الكاتب تعليم موهبته لطلاّب الجامعات لعدة سنوات .. الى ان استوقفته مقالةً مستفزّة من صحفي شهير ، ينتقده بقوة : ((بأن قصصه قديمة الطراز ، ولا تنفع أخلاقيّاتها للجيل الفاسد)) 

مما احبطه كثيراً ، لدرجة انه قرّر إعتزال الكتابة نهائياً .. مما احزن متابعينه 

^^^


والتزم بيته لعدة اسابيع .. الى ان زاره شاب ، سأله بعيونٍ دامعة : 

- هل تتذكّرني ؟ 

فانتبه على الجرح القديم البارز في جبهته !

الكاتب بدهشة : هل انت ..

الشاب مقاطعاً : نعم .. انا الولد الذي كتبت حواره مع زميله في قصتك الناجحة عن اولاد الشوارع .. انا من كانت أمنيّتي بالحياة : هي بيع جميع المناديل على مفترق الطرق قبل عودتي لعائلتي .. وكان حلمي : تذوّق حلوى القطن المليئة بالنمل ! الى ان اتيت انت وغيّرت حياتي ، وحياة العديد من الفقراء .. أتعلم ان والدي بعد بنائك الملاهي ، لم يعد يضربني انا واخوتي .. ربما لأنه أطلق جميع صرخاته اثناء ركوبه الألعاب الصعبة.. ليعود الى منزلنا وهو يغني فرحاً .. كما تخلّى عن الخمور ، لأن برأيه دوّار الملاهي اجمل بكثير .. حتى انه سمح لي بدخول محوّ الأمية ، بعد بلوغي سن 11 .. أتدري لما ألحّيت عليه لتعلّم القراءة ؟


الكاتب : لماذا ؟

- لأقرأ قصصك ، كنوع من ردّ الجميل لك .. واول كتاب اشتريته ، هو معجم لغويّ لفهم مصطلحاتك الأدبيّة البليغة .. وخلال سنة ، حفظت المعجم كلّه .. ليس هذا فحسب ، بل ظهرت موهبتي بالشعر .. وقبل ايام ، بعت اوّل ديوان شعرٍ لي

الكاتب بدهشة : أحقاً !

- وكنت محظوظاً بحصولي على مدح شاعرٍ مهم ، جعلت دار النشر تتعاقد معي لمزيد من الدواوين .. وكل هذا بفضلك ، فأنت من جعلتني احب الأدب .. كما تحسّنت اخلاقي بشكلٍ ملحوظ ، بسبب قصصك التربويّة الهادفة

- انا فخورٌ بك ، بنيّ


الشاب : انت لم تُغيّر حياتي فقط ، بل حياة الكثيرين من الفقراء .. فبعض اولاد الشوارع الذين اعرفهم ، تركوا الشحاذة ..وتدرّبوا على المهن الحرفيّة .. والآن صاروا اصحاب ورشاتٍ ناجحة .. وكل هذا بسبب تغيّر نفسيّاتهم بعد تجربتهم الملاهي .. كما ان تذوّقهم الحلوى اللذيذة أعطتهم الدافع للإجتهاد اكثر ، كيّ لا يعيشوا على هامش الحياة 

- كلامك يسعدني

- لكني حزينٌ منك

الكاتب باهتمام : لماذا ؟

- لأنك ستتقاعد

- أصبحت في السبعين من عمري ، وصحتي ..

الشاب مقاطعاً : الأدباء يستمرّون بالكتابة حتى آخر يومٍ في حياتهم .. الم تكن هذه جملتك بقصة : الشهرةُ الصعبة ؟ 

- يبدو انك قرأت العديد من قصصي ! 

- بل جميعها


الكاتب بصدمة : الألف قصة !

- نعم ، حتى نسخ محاضراتك لطلّاب الجامعة .. فأنت قدوّتي بالحياة

- لا تصدّق يا بنيّ كم أسعدني كلامك ، بعد أن أحبطتني مقالة الصحفيّ ..

الشاب مقاطعاً : انت لا تكتب لأجلهم ، بل لأجلنا .. فأنت لم تهمّك يوماً الشهرة والسلطة ، بل كتبت لتحسين اخلاقيّات الأجيال القادمة .. رجاءً تابع التأليف ، فأنا متشوّق لقراءة كلّ ما تخطّه يدك الكريمة 


ثم اهداه نسخة عن ديوانه الشعريّ ، وخرج من مكتبه بهدوء .. تاركاً الكاتب يفيض من الدمع بعد تأثّره بكلام الشاب الداعم.. وبسببه تابع الكتابة والتأليف ، لثلاث سنوات اخرى قبل ان يشتدّ عليه مرضه

^^^


وقبل وفاته ، طلب من وريثه اعطاء افكاره (التي لم يتسنّى كتابتها) للشاعر الشاب الملهم الذي ارتجفت يده وهو يقرأ رسالة معلّمه :

((مازلت في نظري الولد الذي كان يلعب بسعادة على الأرجوحة .. لا تدري كم انا فخورٌ بإبداعك الشعريّ الرائع .. لهذا وكّلتك بمتابعة مسيرتي الأدبيّة.. ربما ستجد صعوبة في البداية لكتابة القصص ، لكن حاول مع افكاري المبتكرة التي أهديتها لك .. وانا متأكّد انها بأيدٍ امينة))


فبكى الشاب (الذي اصبح شاعراً شهيراً) لمدح كاتبه المفضّل لأشعاره المتواضعة.. آخذاً العهد على نفسه : ليس فقط بمتابعة مسيرة معلمه ، بل بترجمة مجلّده (الألف قصة) لعدة لغات ، ليقرأ العالم كتاباته المبدعة .. كما وضع شاهداً رخاميّاً على القبر ، بعبارةٍ محفورة بالذهب : 

((تكريماً لأستاذي : أفضل كاتبٍ مؤثّر بالعالم))

*****
ملاحظة : 
استلهمت هذه القصة ، من هذا الفيديو 
الرابط :



حمامة السلام

كتابة : امل شانوحة  قصة حقيقية ، تصلح للأطفال فوق سن 10 البطلة (شير آمي) كانت رؤيتها مشوّشة من آثار غبار القنابل التي عبقت في سماء المعركة ....