تأليف : امل شانوحة
من يستحق لقب والدي ؟!
كل شيءٍ كان جميلاً في حديقة المنزل المُزيّنة بالورود والكراسي التي رُصّت بجانب بعضها ، لمشاهدة القسّ وهو يعقد قران العروسيّن (جاكلين وجاك ، كلاهما بنهاية الأربعينات) بينما ابن العروس المراهق (آدم) يجلس مُضّطرباً على المقعد الأمامي للمعازيم ، بنظراته التي تركّزت على عشب الحديقة دون مواكبة الحدث ! وهو يهزّ قدمه بتوتّر ، مُتزامناً مع دقات قلبه السريعة وهو يسمع نذور امه اتجاه عريسها الجديد ..
ليعلو بعدها تصفيق المعازيم ، عقب اعلان القسّ زواجهما .. فيسارع المراهق بالإبتعاد عن الجميع .. ويسقط منهاراً خلف الشجرة ، رامياً ربطة عنقه بعيداً .. وهو ينظر الى صوره وهو صغير بجانب والده الحقيقيّ (من جواله)
- مازلت لليوم لا اصدّق ان امي رمتك في السجن ، للزواج من رجلٍ آخر ! ليتني اعرف اخبارك ، لكنها تمنع تواصلي معك .. كنا بالفعل عائلة رائعة ، قبل ظهور ذلك الدخيل .. كم اكرهه !!
وهنا ناداه العريس من بعيد :
- آدم !! سنأخذ صورة جماعيّة .. هيا اقترب منا
فتمّتم آدم بضيق ، وهو مازال يشاهد صور طفولته :
- لن تأخذ مكان ابي مهما فعلت ، ايها المُتطفّل
فهمست الأم لزوجها بإحراج :
- جاك .. لندعه على راحته
ثم طلبت من المصوّر اخذ صورة لها ولعريسها الذي شعر بالقلق حيال علاقته المستقبليّة مع إبنها المراهق العنيد !
***
ومرّت الشهور .. حاول فيها جاك معاملة آدم بلطف ، خصوصاً مع بدء امتحاناته الثانويّة .. حيث تعمّد على ترك مسافة مريحة بينهما .. فهو لا يدخل غرفته الا باستئذان .. ولا يقترب من زوجته ، حين يراها تتحدّث مع ابنها على انفراد .. كما اعدّ طعام آدم المفضّل الذي وضعه على طاولته ، ورحل دون انتظار شكرٍ منه .. وكذلك المشروبات الساخنة ، ايام امتحاناته الصعبة ..
وفي يوم عطلة ، إجتمع رفاق آدم للعب كرة السلّة في حديقة منزله .. وكان ينقصهم لاعب .. ليتفاجأوا بجاك يرمي الكرة ، ويسدّد هدفاً من بعيد وهو يقول :
- يمكنني اللعب معكم ، فأنا كنت اللاعب الأساسي بفريق السلّة في جامعتي
فوافقوا جميعاً .. ماعدا آدم الذي دخل منزله غاضباً :
- اذاً جدوا لاعباً مكاني !!
تاركاً الجميع في صدمة ، خصوصاً زوج امه الذي فشل بتحسين علاقته معه !
^^^
حتى عندما دافع عن آدم بشراسة ، بعد رؤية مُتنمّرٍ يشتمه خارج المدرسة .. لم يشفع له ، بل دفعه آدم بعنف :
- لا تدخل في شؤوني ، فأنت لست والدي !! ثم مالذي اتى بك الى مدرستي ؟ انت تعلم جيداً بعودتي مشياً لمنزلي كل يوم
جاك : كنت مارّاً من هذا الطريق ، فأردّت أخذك معي
- لا اريد ان يرانا احد سوياً .. هيا إذهب من هنا !!
وأكمل آدم سيره وحيداً .. بينما عاد زوج امه حزيناً الى المنزل !
***
وفي إحدى الليالي ، عانى آدم من حمّى قوية .. وسهرت امه بوضع الضمّادات الباردة على رأسه .. وحينما دخل زوجها الغرفة ، وجدها نائمة على الكرسي بجانب ابنها .. فأسندها اليه ، وأعادها الى سريرها .. وأكمل هو وضع الضمّادات الباردة على رأس آدم الذي استيقظ غاضباً :
- مالذي تفعله في غرفتي ؟! هل تحاول التحرّش بي ، بغياب امي ؟!!
وقد صدمته هذه التهمة كثيراً !
جاك بارتباك : كنت احاول المساعدة فحسب !
آدم بعصبية : لا اريد منك شيئاً .. الا تفهم ؟! .. (ثم تنهّد بضيق) .. حقاً لا ادري كيف وافقت امي الزواج بك ، بعد تخلّيك عنها ايام شبابها ؟
جاك : انا احببتها طوال حياتي ..
مقاطعاً بعصبية : كاذب !!! انت كسرت قلبها بتخلّيك عنها ، قبل ايام من عرسكما
فتنفّس جاك مطولاً ، قبل ان يقول بحزن :
- بعد إجراء الفحوصات اللازمة للزواج ، أخبرني الطبيب بعقمي ..ففسخت علاقتي بها ، بعد سفري.. لأنها كانت ستكمل مراسم الزواج ، لتعلّقها الشديد بي .. وانا لم اردّ حرمانها من الأمومة .. ظننت بغيابي ، ستجد افضل مني .. لكن بعد علمي ببلاغها ضدّ والدك بسبب ضربه المتكرّر لها ، عرفت انني أذيّتها مرتيّن .. وعدتُ فور حصولها على ورقة الطلاق من القضاء ، بعد سنواتٍ طويلة من انفصالها عن والدك
آدم غاضباً : ابي لم يضربها يوماً !!
- الم ترى التقرير الطبّي لليلة قبض الشرطة على ابيك ؟ كان جسمها مليئاً بالرضوض والكسور
آدم : كنت معها ، ولا اذكر ذلك مطلقاً
- كنت بسن السادسة ، لهذا ذاكرتك ضعيفة
آدم : ابي كان جيداً معي ، ولن اسمح لك بتشويه صورته امامي .. ومهما فعلت ، لن تصبح اباً في حياتك .. ستظلّ عقيماً لآخر عمرك .. هيا اخرج من غرفتي .. واياك الدخول اثناء نومي.. هيا اخرج ، ماذا تنتظر ؟!!
فخرج جاك مقهوراً من غرفته
***
وفي آخر يومٍ لآدم في الثانوية ، إستعدّ بحماس لحفلة تخرّجه .. واثناء مرور زوج امه بجانب الحمام ، سمعه يتألّم من الداخل.. فدخل اليه ، ليجده ينزف من خده اثناء محاولته حلق ذقنه الخفيفة لأول مرة .. ليتفاجأ بجاك ، يأخذ الشفرة منه وهو يقول :
- لا تحلق بوجهٍ ناشف .. ضعّ المرطّب اولاً
وصار يساعده الى ان حلق وجهه بطريقةٍ صحيحة .. ثم خرج ، تاركاً آدم مصدوم من تصرّفه الحنون !
ولم يكتفي زوج امه بذلك ، بل جلس يُحادث صديقته المراهقة (التي قدمت الى المنزل باكراً) في انتظار لبس آدم لطقمه الرسميّ في غرفته .. ثم اعطاه مفاتيح سيارته وهو يقول :
- من الأفضل ان تأخذ صديقتك بسيارتي ، فهي تلبس فستاناً طويلاً وسيتلوّث بغبار الطريق لحين ايقافكما سيارة اجرة
فشكره آدم على مضضّ ، وخرج مع صديقته من المنزل
^^^
وفي الطريق ، قال لها :
- كم اكره حركاته تلك .. يظن بأن لطفه المُصطنع ، سيجعلنني أحبه
فأخبرته صديقته بأنه طوال وجودها في المنزل ، كان يمدحه وينصحها بإكمال علاقتها به .. فاستغرب آدم من ذلك ! لكنه مازال مصرّاً على وضع مسافة بينه وبين زوج امه
***
قبل ذهاب آدم لجامعته في المدينة المجاورة ، ارادت امه توديعه من خلال تخييمهم بالغابة لثلاثة ايام .. فقبل آدم بصعوبة تواجد زوجها معهما
وفي الليلة الأولى : رفض آدم مساعدة زوج امه بنصب خيمته ..
وعندما فشل جاك بإشعال النار بالطريقة الكشفيّة القديمة ، قام آدم بإشعال الحطب من ولّاعته.. فسألته امه بقلق :
- هل تدخن يا آدم ؟
لكنه لم يجيبها .. بل اكتفى بالجلوس بعيداً وهو يقرأ كتاباً (خصوصاً لعدم وجود انترنت بتلك المنطقة المنعزلة)..
ومهما حاولت الأم خلق جواً من المرح ، الا ان التوتّر كان واضحاً بين آدم وجاك طوال الليل
وفي اليوم الثاني : قاموا بنزهة ، سيراً على الأقدام لاستكشاف الغابة .. واثناء ذلك ، كاد آدم يتعثر ويسقط بإحدى الحفر .. فسارع جاك بمسكه وإنقاذه .. واكتفى آدم بتحريك رأسه بإشارة شكرٍ وامتنان ، دون التحدّث معه !
وفي المساء .. تشاركوا بإعداد العشاء ، وآدم مازال ملتزماً الصمت!
في الليلة الثالثة : ارادت الأم مشاركة الذكريات معاً ، لكن آدم رفض اللعب معهما .. وعندما تحدّث جاك عن يوم فقدان والديه بحادث سيارة ، استمع له آدم باهتمام دون كلام .. وهو يشعر بالشفقة عليه ، خصوصاً لوفاتهما وهو بعمر المراهقة (اي نفس عمر آدم الحاليّ)
وقبل غفوه تلك الليلة ، شعر بالدفئ فجأة ! ليلمح جاك يغطّيه ببطانية اضافية ، قبل عودته لخيمة زوجته
***
وفي اليوم الذي قرّروا فيه العودة للمنزل (لترتيب آدم اغراضه قبل رحيله للجامعة) وقبيل العصر ، بعد وضعهم اغراض التخييم في السيارة .. لاحظوا اختفاء الأم !
قبل انتباههما لسيارة تبتعد عن المكان .. فعلما باختطافها !
وبسرعة ركبا السيارة في محاولة للحاق بالخاطفين ، حيث كان واضحاً وجود اربعة رجال بالسيارة التي تبعد امتاراً عنهما
وحاول آدم الإتصال بالشرطة ، لكنه لم يلتقط اشارة الإنترنت على طول الغابة .. بينما قاد جاك سيارته بتهوّر وهو يلهج بالدعاء ، خوفاً على عروسته
^^^
الى ان وصلا مساءً لمستودعٍ مهجور !
آدم : انظر هناك .. سيارة الملاعين متوقفة بجانب المستودع .. سأذهب لإنقاذ امي
الزوج : لا !! إبقى هنا .. سأدخل اولاً .. وان تأخرت ، تأخذ السيارة الى اقرب محطّة ، وتتصل بالشرطة .. اياك الدخول والمخاطرة بحياتك .. أفهمت ؟!!
وبصعوبة رضخ آدم لقرار جاك الذي تسلّل وحده للمستودع المهجور
^^^
بعد نصف ساعة ..
آدم : لن انتظر اكثر .. سأدخل خفيّة ، لمعرفة ما حصل لأمي وزوجها
ليجد الرجال الأربعة للعصابة يسكرون خارج المستودع .. فتسلّل للداخل ، ليجد امه وزوجها مقيديّن بكرسيين حديدين .. ورجلٌ غامض يصرخ عليهما معاتباً :
- أهذا هو التافه الذي اخترته لإكمال حياتك معه ؟!!
فيردّ جاك : كنت حبيبها الأول ، وانت تعرف ذلك جيداً
الرجل : أصمت !! فأنت لن تصبح والد آدم مطلقاً .. اخبرني ، هل ناداك بأبي بعد مرور سنة على زواجك بأمه ؟ هل حضنك او شاركك همومك ؟ انت لن تصبح يوماً والداً ، ايها العقيم ؟!!
جاك بدهشة : وكيف عرفت هذه المعلومة ؟!
الرجل : لا شيء يُخفى عليّ .. اما انتِ يا جاكلين !!
وازال الرجل حزامه ، وهو يقول بلؤم :
- يبدو انك بحاجة لتربية من جديد ، يا ابنة الفرّان !!
وهنا تذكّر آدم مقتطفات من طفولته الصعبة ! فوالده ردّد الجملة ذاتها ، قبل ان ينهال ضرباً بالحزام على ظهر امه .. بينما يسارع هو للإختباء في خزانة غرفته ، وهو يُغلق اذنيه من صراخها الموجع .. وكأن سيلاً من ذكرياته المؤلمة عادت اليه دفعةً واحدة !
وقبل ان يجلد طليقته بالحزام ، تفاجأ بإبنه يمسك يده بعنف :
- لن اسمح لك بضربها مجدداً !!
الأب بدهشة : آدم ! حبيبي .. كبرت وأصبحت رجلاً .. دعني اراك جيداً
لكن آدم ابعد يده عن كتفه ، وهو يقول :
- ماذا تريد من امي ؟ الا يكفي انك ابعدتها عن حبيبها ؟
والده : أهذا ما قالته لك ؟! انا تزوجتها بعد ان تخلّى العقيم عنها
آدم : من تراه عقيماً ، هو أحنّ منك عليّ .. هو علّمني كيف احلق ذقني .. كيف العب الكرة .. كيف اعامل صديقتي باحترامٍ ومحبة .. هو من سهر اثناء مرضي .. ودفع اقساط جامعتي دون علمي .. اهتم بدراستي ومعهدي .. وحتى هوايتي الموسيقية ، بعد شرائه الجيتار الذي ظننته هدية من امي .. هو الوالد الذي تمنّيته دائماً .. بينما انت !! اعطيتني اسوء ذكريات طفولة .. أتدري عندما قبضت الشرطة عليك ، كان اجمل يومٍ في حياتي .. لأنها اول ليلة انام فيها مع امي دون خوفٍ ورعب .. ما الحاجة للأب ، ان لم يكن هو الأمان والسند والإحتواء ؟!! امي الآن بخير ، وهي سعيدة مع زوجها .. فاذهب في حال سبيلك ، ودعنا وشأننا !!
الوالد بصدمة : أهذا ما تريده يا آدم ؟!
آدم بعصبية : نعم !! إذهب واخترّ زوجة ثانية ، وانجب ما تشاء من الأولاد .. اما انا وامي !! فاحذفنا من ذاكرتك ، كما حذفناك من حياتنا منذ سنواتٍ طويلة
فطأطأ والده رأسه حزناً ، وهو يقول لجاك :
- يبدو انك انتصرت عليّ .. وفزت بها وبه (واشار لطليقته وابنه)
ثم نادى رجال عصِابته الذين ركبوا السيارة معه ، وابتعدوا عن المستودع بعد حصوله على وعد من طليقته بعدم الإبلاغ عنه !
لتعود مع زوجها وابنها للمنزل بعد انتهاء ازمتهم اخيراً
***
بعد اربع سنوات ، وفي حفلة التخرّج الجامعي .. جلست الأم بجوار زوجها الذي راقب الأباء وهم يصوّرون ابنائهم الخرّيجين بفخرٍ وسعادة .. وهو يتساءل بنفسه :
- هل انا مثلهم ، ام مجرّد مرافق للأم ؟
وقبل انهاء سؤاله ، تفاجأ بمذيع الحفل ينادي على آدم :
- الطالب آدم جاك اندرسون !!
وكانت صدمة كبيرة لجاكلين وزوجها جاك بعد سماع اسمه واسم عائلته مرتبطيّن بإسم آدم الذي اخذ الميكروفون بعد استلام شهادته وهو يقول بفخر :
- هذا نسبي الجديد الذي اخترته بملء ارادتي.. (ثم اشار لجاك من بعيد) .. ما رأيك ؟ هل تقبلني ابناً لك ؟!!
فأومأ جاك برأسه موافقاً على التبنّي ، وهو غارقٌ بدموعه .. لتسارع زوجته باحتضانه ، وسط تصفيق الخرّيجين والحضور !
هذه من القصص النادرة للاستاذة امل التي تكون نهايتها سعيد .
ردحذفقصه يوتوبيا والواقع عكس ذلك تماما شكرا
ردحذف