تأليف : امل شانوحة
الروبوتات البشريّة
في اليوم الأول من عمل طبيب الأسنان (جيمس) بعيادته التي افتتحها بعد تخرّجه .. واثناء علاجه المريض الأول ، وهو صبيّ في السابعة .. قال بحذر :
- سأحاول ان تكون يدي خفيفة قدر الإمكان ، اثناء غرز ابرة المخدّر في فمك
فأمسك والد الصبيّ يد الدكتور ، وهو يقول :
- لا داعي للمخدّر
الدكتور باستغراب : ابنك صغير، ويحتاج لقلع ضرسه المتسوّس ! وهذا الألم لا يتحمّله الكبار ، فكيف ب..
الأب مقاطعاً : غريب ان تفكيرك يُشابه الجيل القديم ، مع انك مازلت شاباً!
- لم افهم قصدك !
- تمّ الغاء حقن البنج والتخدير قبل العمليات مع بداية جيلنا الذي لا يشعر بالألم
ورغم عدم فهم الدكتور قصده ، الا انه وضع ابرة البنج جانباً .. وهو يقول بارتباك:
- آسف نسيت ! اذاً سأقلع ضرسه بالحال
وبالفعل لم يشعر الولد بشيء ، حتى انه تابع لعبته على الجوال دون الإهتمام لما يجري حوله !
***
بعد عودة جيمس الى منزله ، سألته امه :
- كيف كان يومك الأول بالعيادة ؟
جيمس بصدمة : امي ! قلعت اربعة اسنان ، ثلاثة منهم لأولاد تحت سن 12 وواحدة لمراهقة .. وجميعهم لم يذرفوا دمعةً واحدة !
فتنهّدت الأم بضيق : كان من واجبي إخبارك السرّ الذي أخفيته عنك منذ طفولتك .. يا عزيزي .. عندما تزوّجت والدك ، بدأت حملة اعلانات مُكثّفة بالتلفاز والإذاعة عن ضرورة الإنجاب بالحاضنات الإلكترونيّة
- أتقصدين الرحم الصناعي الذي يتكفّل بمراحل تكوين الجنين ؟
- نعم .. في البداية ، نصحونا به لتخفيف آلام الحمل والولادة.. لكن بعد عام ، اصبح الأمر الزامياً .. حيث مُنعت جميع النساء من الحمل والولادة بشكلٍ طبيعيّ ! ولأني علمت بحملي بعد ايام من وفاة والدك ، توجّب عليّ إخراجك من احشائي وانت جنينٌ صغير ، لتكمل نموك داخل حاضنة الكترونيّة التي برأيهم تُنجب اجيالاً خالية من الأمراض المُعدية.. لكني رفضت ذلك .. وانتقلت للقرية ، لتقوم امي بتوليدي ..وانا أعضّ على قماشة سميكة حتى لا يسمع احد صراخي ، ويُبلّغ الحكومة عن مخالفتي أوامرهم .. وبصعوبةٍ بالغة استطعت تسجيل اسمك بالدوائر الرسميّة ، بعد تحجّجي بالطوفان الذي افسد حاسوبات احد الأرشيفات الإكترونيّة للمواليد الجدد .. والا لما استطعت إدخالك المدرسة ، وإكمال تعليمك حتى اصبحت دكتور اسنان
جيمس : وماهي اضرار ولادة جيلٌ كامل بالحاضنات الإلكترونيّة ؟
- الم تلاحظها اليوم ؟
- أتقصدين بأنهم لا يملكون حاسة الألم ؟
امه : ولا ايّة مشاعر انسانيّة .. يعني لا يضحكون لا يبكون لا يتألمون ولا يشتاقون او يعشقون .. كأنهم روبوتاتٍ جامدة ، بعكسك حبيبي
- وكيف سأتزوج من واحدة لا تشعر بشيءٍ اتجاهي ، سيكون الأمر اشبه بالجحيم !!
- وهذا ما اقلق بشأنه .. لأنه سيكون من النادر إيجاد صبية من جيلك ولدت بطريقةٍ تقليديّة ، ومازالت تحتفظ بمشاعرها الإنسانيّة .. فكما اخبرتك ، الحكومة بزماني شدّدت كثيراً على هذا الموضوع.. ولا ادري ان تمكّنت امٌ اخرى من الهرب من مخابراتهم التي انتشرت في كل مكان ! كان الله في عونك بنيّ
***
ومرّت الأيام بشكلٍ روتيني في عيادة الطبيب جيمس الذي اعتاد إصلاح الأسنان بهدوءٍ تام دون سماع صراخ المرضى المُتألّمين ، خصوصاً الشباب والمراهقين والأطفال !
وفي يوم .. واثناء سيره بالشارع ، سمع اشخاصاً ينتقدون رسّامة بعد خروجهم من معرضٍ فنّي :
- يالها من فنانة غريبة ! ترسم اشياءً غير مفهومة
- والأسوء انها تحاول إفهامنا بأن كل صورة تعني مشاعر انسانيّة قديمة !
- ان ظلّت ترسم هكذا ، فلن يشتري احد لوحاتها الغامضة
وعلى الفور !! دخل الطبيب الى المعرض .. ليجد الفنانة الصبية تُزيل لوحاتها وهي تشعر بإحباطٍ شديد .. وكانت لوحاتها عبارة عن وجوه لأشخاص بعضها يضحك بسعادة ، والأخرى لشخصٍ يصرخ غاضباً .. والثالثة لعاشقيّن متعانقين بمحبة .. وطفلٌ يبكي متألماً على فراش المشفى
فوقف مذهولاً برسماتها المُعبّرة ، فاقتربت منه وهي تقول :
- اعرف ما ستقوله .. هي لوحات غير مفهومة بالنسبة لك
جيمس بارتياح : بل على العكس تماماً !! لوحاتك تعبر عن المشاعر الإنسانيّة التي ارغمتنا الحكومة على محوها جبراً من ادمغتنا وقلوبنا
فشدّت ذراعه ، الى زاوية المعرض :
- هل حقاً فهمت لوحاتي ؟!
الطبيب : بكل تأكيد
- أتقصد انك مولود بطريقةٍ تقليديّة ، كما فعلت امي
لتتفاجأ به يحضنها بقوّة ، وهو يقول :
- اخيراً وجدتُ شبيهتي !! أتدرين انني عشت حياتي ككائن فضائيّ بعد صعوبة اندماجي مع اقراني ؟!
فأبعدته عنها بسرعة :
- هل جننت ؟!! أتعلم ان عقاب الحضن هو السجن ؟
- آه صحيح ! نسيت قوانيننا الجائرة
الفنانة بقلق : إخفض صوتك .. فالكاميرات بكل مكان
جيمس : اريد رقم جوالك
- لا داعي لذلك
وحاولت الإبتعاد عنه ، لكنه جذبها اليه :
- لن تهربي مني بهذه السهولة .. اريد التعرّف عليك اكثر
الفنانة بقلق : انا لا اعلم من تكون
فأخرج بطاقته وهو يقول :
- انا طبيب اسنان ، ولست مُشرّداً او مجرماً
- طبيب !
وابتسمت له :
- اذاً هذه بطاقتي ، اتصل بي من جوالٍ قديم الصنع
الطبيب : سأتصل من جوال امي ، فهو خالي من شريحة التعقّب
الرسّامة : والآن اذهب ، ودعني أُنهي عملي بسلام
***
بعد شهر من المحادثات الليلة ، توطّدت العلاقة بينهما .. كما تعرّفت امه على والدتها اللتان تحدّثتا بفخر عن جرأتهما بالإنجاب بشكلٍ طبيعيّ ، رغم ظروف حياتهما الصعبة .. لكن فرحتهما لم تكتمل .. ففي يوم عرس ابنيهما ، إقتحم رجال الشرطة الكنيسة للقبض على جيمس وحبيبته بعد ان وصلهم بلاغ من احد المعازيم الذي صوّر ضحكة العريس ودموع العروس المتأثران بمراسم العرس ، وهو شيءٌ لم يعتادوا رؤيته من قبل !
ونُقل العريسان للتحقيق بشأن مشاعرهما الفيّاضة التي تم التقاطها بالصور يوم الزفاف ..
^^^
وبعد ساعة من انكار مشاعرهما ، وهما يُمثّلان جمود التعابير بوجههما امام المحقق .. إنفجر الطبيب غاضباً :
- نعم !! ضحكت لأني سعيد بزواجي من حبيبتي .. مالغريب في الموضوع ؟ انا اضحك عندما افرح .. وأبكي عندما احزن او اخاف .. ويشحب وجهي عندما امرض .. وأغضب ان سألني شخصٌ مثلك هذه الأسئلة التافهة !! فأنا بشريّ ولست روبوتاً الكترونيّ .. ولديّ مشاعر انسانيّة
وحاولت عروسته تهدأته ، والمشاعر تفيض من عينيها بين العشق والخوف على مصير عريسها .. وكان هذا كافياً للمحقق ، لوضعهما بالحجز مع ثلاثة اشخاص آخرين ، ذنبهم الوحيد انهم شعروا ايضاً!
فأحدهم كاتب مسرحيات : حاول إثارة مشاعر الجمهور الذين ابلغوا الشرطة عن تجاوزاته بالنصوص والحوار ..
والثاني مصوّر : حاول التقاط صوراً مؤثرة وجميلة ، لتأجيج مشاعر المارّة بعد نشر صوره بالطرقات ..
والثالث مغني : حاول تأليف اغاني حزينة ، لتذكير الناس بأحبائهم الذين توفوا او انفصلوا عنهم سابقاً
وجميع المساجين الثلاثة استمعوا لحكاية العريسيّن باهتمام .. قبل ان يقول الكاتب :
- لا ادري ان كان علينا شكر امهاتنا للمجازفة بحياتهن ، لإنجابنا بطريقةٍ تقليدية .. او لومهنّ على جعلنا غرباء وسط جيلنا !
الطبيب : بالنسبة لي ، اشعر بالغرابة لعدم بكاء ولدٍ اقوم بخلع ضرسه دون شعوره بالألم ! وكأن الصغير قادم من كوكبٍ آخر ، مختلف عما عاش عليه اجدادنا
عروسته : وانا بحثت في كل مكان عن صورٍ قديمة لأجدادنا ، فقط لرسم تعابير وجههم التي تعتبر نادرة هذه الأيام !
المغني : وانا مهما طربت بألحاني ووصلت لأعلى الطبقات ، لا اجد ردّة فعل من الجمهور .. كأني أغني امام تماثيل او ماكيناتٍ لعينة .. الأمر محبطٌ للغاية !
المصوّر : وانا ظهّرت الكثير من الصور القديمة التي رُميت بمخزنٍ حكوميّ قبل إتلافها بالحرق .. وعلّقتها امام الناس في الطرقات .. صحيح انني جازفت بحياتي ، لكني حقاً افتقد تلك المشاعر .. فكلما صوّرت احداً بالطريق ، اجد صعوبة بجعله يبتسم .. حتى الأطفال ، لم اكن اعرف انني سأشتاق لسماع ضحكاتهم المرتفعة او صراخهم المزعج !
الطبيب : علينا فعل شيء لإعادة الأمور لمجراها الطبيعيّ
عروسته : اظن الأمر انتهى بالنسبة لجيلنا .. لكن على الأقل ننقذ الجيل القادم
الكاتب : هذا ان لم نتعفّن بالسجن
وسكتوا جميعاً وهم يشعرون باليأس والإحباط !
***
بعد اسبوع من بقائهم بالسجن .. فتح السّجان باب الزنزانة مساءً ، وهو يهمس للطبيب بالقدوم معه
جيمس بنعاس : ماذا هناك ؟
- تعال بصمت ، دون ايقاظ بقية المساجين
***
وأخذه الى قصر رئيس الحكومة العجوز الذي يتألّم بشدة من ضرسه المتسوّس.. وأعطوا جيمس حقيبته الطبّية التي سرقوها بعد اقتحامهم عيادته ! وطلبوا منه علاجه ..
فنظر الطبيب للرئيس الذي يتلوّى بألم في فراشه :
- الآن عرفتك ! انت صاحب نظرية الجيل البارد .. انت من ارغمت الأمهات على الإنجاب بالحاضنة الكترونيّة بشبابك ، اليس كذلك ؟
الرئيس بألم : لا وقت الآن للنقاش .. إقلع ضرسي اللعين ، فرأسي يكاد ينفجر من الوجع
الطبيب : اذاً سأقلعه دون تخدير
- لا !! ضعّ ابرتان او ثلاثة من البنج ، فلا استطيع تحمّل الألم
- سأفعل بشرط !! ان تبلّغ وزيرك المختصّ بالحاضنات الإلكترونية بإلغاء قرارك القديم .. مع إعطاء كامل الحرّية للنساء بالإختيار بين إنجابهن بالطريقة التقليديّة ام لا
- سأفعل لاحقاً
الطبيب بحزم : بل الآن !! والا احلف ان اقلع جميع اضراسك دون تخدير
فأخرج الرئيس الجوال من درجه ، قائلاً بصوتٍ شبه مفهوم من وجعه :
- إلغي القانون الجبري على النساء ، ودعهن يخترنّ طريقة انجاب اطفالهن
الوزير بدهشة : هل انت متأكّد سيدي ؟ فالقرار ساري المفعول منذ ثلاثين عاماً !
الرئيس : وقد حان وقت الغائه .. افعل ذلك الآن !!
فهمس له الطبيب :
- ابلغ وزيرك بنشر الأوامر الجديدة بجميع وسائل التواصل الإجتماعي ..
الرئيس : سأبلغه لاحقاً
الطبيب بإصرار : قلت الآن !! فأنا لا اثق بتغيرك القرار بعد علاجك
وبعد قيامه بذلك ، خدّره جيمس قبل قلع ضرسه المتسوس .. ليغفو بعدها الرئيس العجوز بسباتٍ عميق ، بعد ايام من الألم المتواصل
***
بسبب قرار الرئيس الجديد ، تم تسريح المساجين الخمسة وهم سعداء بتحقيق العدالة اخيراً .. ورغم أن جيلهم سيظل منفياً عاطفياً ، إلا أنهم فخورين بزراعتهم لأول بذرة في أرضٍ قاحلة من المشاعر...
اما الطبيب وعروسته ، فكانا سعيدان بولادة طفلهما الذي سيحظى بحياةٍ طبيعيّة .. حيث راقب زوجته وهي ترسم ضحكة ابنه البريئة ، قائلاً في نفسه : ((ربما لن نغيّر الماضي ، لكننا منحنا المستقبل قلباً ينبض بالحياة))!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق