الأحد، 31 أغسطس 2025

المُبصر في الظلام

كتابة : امل شانوحة 

بطل القرية


في قريةٍ صغيرة (لديها عددٌ محدّد من الحقول والحظائر) إعتاد سكانها على الإستيقاظ باكراً ، والعمل طوال النهار بنشاطٍ وحيويّة 


وفي احد الأيام ، وقبل غروب الشمس .. سارع الأهالي لإنهاء آخر اعمالهم قبل موعد العشاء..


في هذه الأثناء .. التقت سعاد بالمرأة العجوز بعد وضعها صحن الطعام على باب وليد.. فعاتبتها قائلة : 

- هو لم يعد اليتيم الصغير الذي وصّتك امه على رعايته قبل وفاتها.. لقد اصبح شاباً بالثلاثينات.. فدعيه يعمل ، بدل سهره طوال الليل

فردّت العجوز : امه كانت صديقتي وجارتي ، وقد وعدتها بأن لا ينام يوماً وهو جائع.. وسأبقى على عهدي لآخر عمري

فابتعدت سعاد وهي تتمّتم بضيق :

- باهتمامك الزائد جعلته شاباً كسولاً !

***


في الصباح الباكر .. خرج القرويّون من اكواخهم ، لبدء يوم عملٍ جديد.. لكن شيئاً غريباً اوقفهم ! فالطقس لا يُشبه ايام الصيف المعتادة بعد هبوب ريحٍ خفيفة ، مع سكونٍ غريب بالجوّ ! قبل ان يُشير اطفالهم نحو السماء ، ليجدوا هالة تُحيط بالشمس ! وقبل ان يستوعبوا الظاهرة الكونيّة الجديدة ، ظهر وميضٌ ناصع البياض أشبه بانفجارٍ شمسيّ .. ليحلّ بعدها الظلام الدامس ، ليس بالسماء .. بل بأعينهم التي خُطف نورها .. فسقطت السلال والمناجل من ايديهم في صدمةٍ جماعيّة ! 


بهذا الوقت .. كان وليد نائماً في منزله ، بغرفة مظلمةٍ خلف ستائرها السوداء السميكة التي وضعها على كافة نوافذه ..وهو لا يعلم بأن الحياة في القرية تغيّرت تماماً ، بعد أن أصبح الوحيد المُبصر بينهم !


شيءٌ ما ايقظه تلك اللحظة ! فنظر بنعاسٍ لساعة الحائط ، ليجدها السابعة صباحاً :

- غريب ! لست معتاداً على الإستيقاظ باكراً 


وإذّ بجسمه ينتفض بعد سماعه صرخةً مدويّة من اهالي القرية ، كأن مصيبة حلّت بهم !

فأسرع للخارج .. ليجدهم يتخبّطون ببعضهم اثناء ركضهم دون وعيٍّ او تركيز ! سامعاً بكاء سعاد الهستيريّ ، وهي تنادي زوجها وأطفالها بهلع :

- اين انتم ؟!! انا لا ارى شيئاً !

ولم يستوعب في البداية إصاباتهم جميعاً بالعمى في الوقت ذاته !

^^^


وبعد فهم وليد لحجم الكارثة .. لبس معطفه القديم ، وركض بأسرع ما يمكنه بين الحقول الغير محصودة والأهالي العميان .. الى ان وصل لعيادة الطبيب في القرية المجاورة ، الذي وافق على القدوم معه بعد الحاحٍ شديدٍ منه


وفي ساحة القرية.. وبعد فحصه الواحد تلوّ الآخر ، قال الطبيب :

- لديكم اعتلال الشبكيّة الشمسي الذي تسبّب ببقعٍ داكنة فوق القرنيّة ، حرمكم البصر .. وتحتاجون لعمليةٍ دقيقة على يد زميلي : جرّاح العيون الذي يعمل بالمستشفى الحكوميّ بالمدينة .. وأجرة إحضاره ، مع عمليّاتكم .. ستكلّف كل عائلة ، قيمة حصاد مزرعتها


فتبدّد السكون الى بكاءٍ جماعيّ .. فهم لم يحصدوا اراضيهم بعد ، ومعظمهم من الفقراء المُعدمين !

قائلاً احدهم :

- تحتاح اراضينا شهراً آخر من العناية والإهتمام ، لبدء حصادها.. هل سنبقى عميان الى ذلك الحين ؟!

فردّ الآخر بيأس :

- اساساً كيف سنعتني بحقولنا ، ونحن بهذه الحالة ؟ يبدو اننا سنموت جوعاً


حينها شعر وليد بحسّ المسؤوليّة ..ووقف بينهم ، وهو يقول بحزم :

- ابتداءً من اليوم وحتى الشهر القادم ، ستكون مهمّتي الإهتمام بحظائركم وحقولكم.. ولن يهدأ بالي حتى بيع حصادكم بالكامل ، ودفع تكاليف جراحتكم لعودتكم مُبصرين من جديد


في هذه اللحظة ..تغيّرت نظرة اهالي القرية لوليد البليد (كما كانوا يلقبونه) بعد ان أصبح املهم الأخير للنجاة من هذه المصيبة !

***


في اليوم التالي ، ومع تباشير الصباح.. استيقظ وليد للقيام بمهامه العديدة التي تكفّل بها ، فهو لم يعد يختبئ خلف ستائره السميكة.. ليبدأ اولاً بإطعام المواشي ، ثم الإنتقال للحقول لريّها والإهتمام بثمارها التي أوشكت على النضج .. 


بينما اصحاب الأراضي يجلسون على كراسيهم ، وهم يوجّهونه دون رؤيته:

- لا تنسى يا وليد ، ريّ المنطقة الشرقيّة خلف الصخور !!

- ولا تنسى ازالة الأعشاب الضارّة حول شجرة التوت !!


والغريب ان عمله طوال النهار بالحقول لم يُتعبه نفسيّاً او يُرهقه جسدياًّ (كما توقع) بل أمدّه بنشاطٍ وحيويّة لم يعهدها من قبل .. وكأنه تواصلٌ روحيّ بينه وبين الأرض!

^^^


وقبل حلول المساء ، انهى حلب الأبقار والنعاج .. واضعاً الحليب في قوارير حملهم الى النسّوة اللآتي اتفقنّ على الطبخ سوياً ، وهن يتساعدنّ لإطعام الرجال (رغم عدم ابصارهنّ)

حيث قدمنّ الصحن الأول لوليد ، بسبب تعبه وإرهاقه طوال النهار !


اما هو ..فلم يعد يشعر بأنه الكسول الذي يُطعم ، بل هو من يُطعم الجميع بمجهوده وتفانيه بالعمل 


بينما تناقلت الصبايا اخبار وليد الذي اصبح بطلاً شهماً في إنظارهن ، بعد حمله هموم القرية على عاتقه !

***


انتهى الشهر ، وحصد وليد وحده جميع الحقول.. جامعاً صناديق الخضار والفاكهة بشاحنة القرية الكبيرة .. بينما يودّعه الأهالي الذين يتكؤون على عصيّهم او يجلسون على كراسيهم ، وهم يلوّحون له دون رؤيته !

فقال بصوته الجهوريّ :

- سأدفع مبلغ بيع محصولكم لطبيب المختصّ ، لبدء عمليّاته الجراحيّة للجميع.. وخلال ايام ، ستبصرون من جديد !!


وقاد سيارته ، وسط تهليلاتهم ودعواتهم له بالتوفيق..

***


في حفلة الحصاد .. تراقص الجميع على انغام الأغاني الشعبيّة ، بعد نجاح عمليّاتهم وشفاء عيونهم .. مُحتفلين ببطلهم الهُمام الذي اخرجهم من ازمتهم بصبره وقوته الجبّارة !


بينما تجمّعت الصبايا حوله ، وهنّ يُمازحنه ..في منافسة بينهن للحصول على قلب البطل الذي برزت عضلاته خلال الشهر الطويل الفائت ، بينما آثار الجروح والقروح مازالت على يديه من عمله الجاد المرهق .. وهو يرمقهن بابتسامةٍ خجولة ، فهو لم يعتدّ الإهتمام من الجنس الآخر طوال حياته !


وبنفس الوقت كان سعيداً بنظرات الإمتنان والفخر من كبار القرية (بعد اعتياده على احتقارهم له في الماضي) .. وشعوره لأول مرة بالإنتماء لأهالي القرية 

 

وخصوصاً حصوله على رضى العجوز التي شعرت بإيفاء وعدها لأمه المتوفية التي احسنت تربيّته.. والتي ربتتّ على كتفه ، وهي تقول بحنان :

- اكيد امك فخورةً بك الآن 

وبدوره شكرها عن السنوات الماضية التي رعته فيها دون مقابل !

^^^


وبنهاية الحفل ، نظر وليد للحقول المحصودة .. ثم للشمس التي كانت تغيب هذا اليوم دون شعاعها ، كأنها تعتذر عما حصل ! لكن هذه المرة لم يخف الأهالي من مراقبة الغروب ، فلديهم بطل يمكنه الرؤية حتى بالظلام !


هناك تعليق واحد:

  1. قرأت قبل يومين تعليقاً بالتيك توك : ماذا لوّ كنت المُبصر الوحيد بين العميان ؟
    فخطرت ببالي هذه القصة .. اتمنى ان تعجبكم

    ردحذف

المُبصر في الظلام

كتابة : امل شانوحة  بطل القرية في قريةٍ صغيرة (لديها عددٌ محدّد من الحقول والحظائر) إعتاد سكانها على الإستيقاظ باكراً ، والعمل طوال النهار ب...