السبت، 17 أغسطس 2019

الوسيط الروحيّ

تأليف : امل شانوحة


الطفل المعجزة !

عادت ناديا الى قريتها بعد وفاة زوجها , برفقة ابنها لؤيّ (12 سنة) .. 
وفي أحد الأيام .. زارتها جارتها العجوز وهي تحمل صحناً كبيراً من الطعام ..
ناديا : لما أتعبت نفسك بهذه الكمية ؟ فأنا أسكن وحدي مع ابني الصغير 
العجوز : انت تتعبين بالخياطة ولا وقت لديك للطبخ , وأردّت الترحيب بعودتك للقرية
ناديا : اذاً سأحضر الصحون لنأكل سويّاً
العجوز بارتباك : لا !! أقصد .. تناولت طعامي قبل ان آتي اليكم 
- اذاً سأغلي ابريق الشاي

وبعد ذهاب ناديا الى المطبخ .. إقترب ابنها بوجهٍ غاضب , مُعاتباً العجوز:
- لما وضعت السحر في الطعام ؟!!
فشهقت الجارة بارتباك : ماذا قلت يا ولد ؟!
لؤيّ : قرينتك أخبرتني بنواياكِ الشريرة 
العجوز وهي تتلفّت حولها بقلق : قرينتي ! هل تراها ؟!
- نعم , أراهم دائماً .. هم يشبهوننا كالتوائم بنظراتهم الخبيثة , ويطفون خلفنا كالظلال .. (ثم نظر خلفها) .. قرينتك تنصحني بفعل هذا..

ورمى بصحنها الزجاجيّ على الأرض لينكسر الى أجزاءٍ صغيرة , ويتطاير الطعام في كل مكان .. 
فركضت ناديا الى الصالة , لترى الفوضى التي أحدثها ابنها .. فضربته بقوة , وأمرته بدخول غرفته .. 
وبعد ذهابه غاضباً .. إعتذرت مراراً من جارتها التي سلّمت عليها , وخرجت من المنزل وهي تفكّر ملياً بالطفل المعجزة !
***

في اليوم التالي .. إنتظرت العجوز عودة لؤيّ من المدرسة , على مفترق الشارع ..
وحين رآها , قال مبتسماً : كنت أعرف انني سألاقيك هنا , فقرينتك أخبرتني هذا الصباح بما تنوين فعله .. فإلى اين تأخذينني ؟

وقبل إستيعاب العجوز قدرته على قراءة افكارها ! وضعت المخدّر على انفه , ورمته في سيارتها القديمة .. وأسرعت به الى قريتها الثانية 
***

إستيقظ لؤيّ في قبو منزلٍ ريفيّ مظلم , لا ينيره سوى قنديلٌ قديم .. وهو مقيّد اليدين والقدمين في سريرٍ حديديّ .. فصار يصرخ , طالباً النجدة

وبعد قليل .. نزلت العجوز اليه , وهي تأمره بالسكوت.. 
فسألها غاضباً : ماذا ستفعلين بي ؟!!
- سأجعلك فتىً مشهوراً  
- لم افهم !
العجوز : قبل قليل أجتمعت بنساء القرية وأخبرتهنّ بموهبتك الفريدة.. وسيحضرون غداً لسؤالك عن مشاكلهنّ , وانت ستحلّها بناءً على نصائح قرائنهنّ .. وبذلك أجمع المال الوفير ..
لؤيّ : وماذا أستفيد انا من الموضوع ؟
فأجابته بلؤم : على الأقل لن اقتلك او أعذّبك .. ما رأيك بهذا ؟ 

فقال باكياً : ارجوك أعيدني الى امي !!!
- سأكون غبية ان تخلّيت عن هذا الكنز .. المهم الآن .. أحضرت لك شطيرة الجبن مع الحليب الساخن .. وسأفكّ قيودك لتأكل وتدخل الحمام , ثم أربطك من جديد
- ولماذا تربطينني ؟ فأنا لا أعرف طريق العودة .. وأعدك بأن لا اهرب من هنا
العجوز : انا لا أثق بك  

فنظر لؤيّ الى شيءٍ خلفها , ثم قال بخوف : حسناً كما تشائين , فقرينتك نصحتني بإطاعة اوامرك لأنك أخبث منها ! 
فقالت مبتسمة : يبدو ان قرينتي تعرفني جيداً
وضحكت ضحكةً شريرة , بينما كان لؤيّ يتناول شطيرته بيديه المرتجفتين
***

في الصباح الباكر .. بدأت نساء القرية بالتوافد الى منزل العجوز , التي قامت بإنزالهنّ الواحدة تلوّ الأخرى الى القبو على حسب دورها , بعد ان دفعنّ لها اجرة الإستشارة  
وهناك وجدنّ لؤيّ جالساً في سريره , بعد ان أخفت العجوز رجليه المقيدتين اسفل البطانية , وحرّرت يداه ..

وكانت اول الواصلات , عروسٌ جديدة سألته بقلق :
- عزيزي لؤيّ , اريدك ان تجيبني على سؤالي .. زوجي تزوجني على نسائه الثلاثة .. وبعد العرس , عانيت من صداعٍ مزمن .. فهل قامت إحداهنّ بسحري ؟
فنظر بتمعّن الى بؤبؤ عينيها , لتظهر فجأة قرينتها من خلفها ! فسألها لؤيّ ذات السؤال :
- ايتها القرين , هل قامت إحدى ضرائرها بسحرها ؟

وسكت لؤيّ قليلاً وهو يستمع للإجابة , بينما كانت العروس تتلفّت حولها بخوف , دون ان ترى شيئاً ! لكنها شعرت بروحٍ ثقيلة تحوم حولها ..
ثم أجابها لؤيّ : نعم هناك سحر .. من الزوجة الثانية 
العروس بدهشة : أحقاً ! كنت أشكّ بها , فهي غيورة جداً .. واين وضعت السحر ؟
لؤيّ : على غصن الشجرة التي بجانب بيتك .. وقد ربطتها لك في صباحيّة عرسك 

فقامت العروس وهي تقول : سأزيلها في الحال
فأوقفها لؤيّ قائلاً : إنتظري !! أحضري العمل الى هنا , وانا أفكّه لك بناءً على تعليمات قرينة ضرّتك .. والاّ سيتضاعف السحر
العروس : حاضر مولايّ الصغير , سأجلبه لك في الحال
وأسرعت الى بيتها وهي تلعن ضرّتها..
***

اما الزبونة الثانية : فكانت امرأة كبيرة في السن قدِمَت مع حفيدها , وهي تشكو آلاماً مبرحة في انحاء جسمها ..
وبصعوبة نزلت الى القبو , وهي تنهج وتأنّ من التعب .. 

وهناك تكلّم لؤيّ مع قرينتها لبعض الوقت .. ثم وضع يده على رأسها , وبدأ يتلو آية قرآنية .. ما ان أنهاها , حتى خرج من فمّ المرأة شعرة طويلة بها ثلاثة عقد 
فقال لها : جارتك القديمة قامت بقلب الآية التي تلوتها عليك قبل قليل , كيّ تعاني من امراضٍ عديدة ومشاكل مع زوجك  
السيدة باستغراب : ولما فعلت ذلك ؟! 
- لأنها تعلم كم يودّك زوجك , بعكس زوجها الذي ينهال عليها بالضرب والشتائم 
- لكن زوجي مات منذ سنة ! 
لؤيّ : نعم .. بعد ان عكّرت حياتكما في ايامه الأخيرة , وهذا الإنتقام يكفيها 
السيدة بغضب : اللعينة , الحقودة !! سأذهب اليها في الحال 
لؤيّ مُحذّراً : إيّاك !! فهي امرأة شريرة , والأفضل ان تبتعدي عنها كلّياً .. والآن دعيني أفكّ عقدك الثلاثة , كيّ تخفّ امراضك المزمنة 

وبدأ لؤيّ يتلو المعوذات وهو يفكّ العقد .. وبعد انتهائه , حرق الشعرة المسحورة في القنديل الذي امام سريره , وهو يسألها :
- كيف تشعرين الآن ؟
السيدة وهي تحرّك يداها ورجلاها بسهولة : 
- أحسن بكثير ! فمفاصلي لم تعد تألمني , شكراً لك .. (ثم قالت لحفيدها المراهق) .. هيا بنا نذهب
المراهق : لحظة جدتي , اريد ان اسأل لؤيّ سؤالاً .. 
لؤيّ : تفضّل
المراهق : كيف لا تخاف من القرائن الشيطانية ؟ وكيف التقيت بهم اول مرة ؟

فأخبرهما لؤيّ : انه شاهد قرينه اول مرة قبل سنتين , وهو من أخبره بسارق دراجته من اولاد الحارة .. لكن امه لم تصدّقه , ولم تشجعه يوماً على تنمية موهبته الفريدة ... كما انها عاتبته حين حذّرها من بعض اقاربها السيئين , بعكس المرأة العجوز
فسألته السيدة باستغراب : أتقصد ان صاحبة المنزل ليست جدتك؟!

وهنا سمعتهم العجوز , فاستعجلت بنزول القبو وهي تقول بارتباك:
- بلى !! انا ام والد لؤيّ .. وكنّتي ناديا تزوجت بآخر بعد وفاة ابني , وانا ربّيت لؤيّ منذ ان كان طفلاً .. وبما ان حفيدي عالجك من سحرك , فقد انتهى دورك .. هيا بنا الى فوق

وبعد خروج السيدة وحفيدها .. حذّرت العجوز لؤيّ من الكلام مع الزبائن بمواضيع جانبية .. وطلبت منه ان يناديها بجدته امامهم منعاً للشبهات , فأجابها لؤيّ :
- كما تشائين جدتي.. آه صحيح لم اسألك .. لما أردّت سحر امي , رغم انك لا تعرفينها جيداً ؟
- كنت أرغب بخدمة من الجن , وهم بالعادة لا ينفّذون طلباتي الا بعد إيذاء إحدهم ..وامك ضعيفة الشخصية ومن السهل سحرها
لؤيّ باهتمام : وهل الجن تنفّذ لك جميع طلباتك ؟ فأنا اتعامل فقط مع القرائن الشيطانية التي لا تفيدني الا بمعلومات عن ماضي الزبائن !

فأجابته بابتسامةٍ شريرة : انا أنوي تعليمك كل شيء عن عالم الجن حين تنتقل للمرحلة الثانية , فأنت لست مستعداً بعد لهذه التجربة .. وأؤمن انك يوماً ما ستفوقني خبرة بأسرار العالم الآخر 
لؤيّ : أتعديني بذلك يا جدتي ؟ 
فأجابته بابتسامةٍ حنونة : أعدك يا صغيريّ الغالي
***

ومرّت الأيام .. وقفت فيها النسوة طوابيراً امام بيت العجوز لاستشارة لؤيّ الذي أعجبه مديحهنّ وانصياعهنّ لأوامره , عدا عن الهدايا والحلويات التي أغرقوه بها .. 

وبعد ان استشعرت العجوز حماسته للعمل في فكّ اسحارهنّ القديمة , لم تعدّ تقيده بالفراش .. وجهزّت له الصالة لاستقبال الزبائن الذين وقفوا لساعات بانتظار دورهم ! 
***

وفي إحدى الأيام .. واثناء امتلاء الصالة بالزبائن , إقتحمت سيدة مجنونة المكان وهي تطلب من لؤيّ إيجاد ابنتها المخطوفة منذ عشرين سنة ..فحاولت العجوز تذكيرها بأنها غرقت في النهر , بعد ان وجدت الشرطة فستانها الصغير هناك .. ولم تستطع النسوة تهدأتها , وأصرّت على التحدّث مع لؤيّ اولاً .. وحين سمح لها , سألته بلهفة : 
- ابنتي لم تمت , فقد رأيتها البارحة في المنام وهي تطلب مني مساعدتها 
العجوز : مرام رجاءً .. حفيدي لؤيّ لا يعيد الأموات الى الحياة , هو فقط يفكّ الأسحار

لكن لؤيّ فاجأها قائلاً : لحظة جدتي .. إبنتها فعلاً بخير
فشهقت النسوة (المتواجدات بالصالة) بدهشة : ماذا !
لؤيّ : هي مخطوفة , وليست ميتة
المجنونة بسعادة غامرة : كنت أعرف هذا !! اين هي الآن ؟
لؤيّ : سأستدعي قرين خاطفها لأسأله عن العنوان .. انتظري قليلاً

وأغمض عيناه , وبدأ يتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة .. بينما الجميع يراقبه بدهشة وحماس !
لؤيّ : هآقد وصل قرين خاطفها 
المجنونة بغضب : ومن هو ذلك اللعين ؟!!
لؤيّ : استاذ قريتكم القديم
الجميع بدهشة : ماذا !
المجنونة : نعم .. هو كان يعلّمها الأحرف الأبجدية , فإبنتي أصغر تلاميذه 

لؤيّ : صحيح .. وفي ذلك اليوم إنشغلتي عن احضارها من المدرسة , فاستغلّ غيابك وخطفها الى بيته.. وبعد ان وجدت الشرطة ملابسها التي رماها في النهر , أغلقت القضية بموت الصغيرة غرقاً .. وبعدها عاد الى مدينته مع ابنتك , بعد ان أخرج لها اوراقاً قانونية مزوّرة بأنها ابنته ..لأنه رجلٌ عقيم
المجنونة بقلق : وهل اعتدى على ابنتي ؟
لؤيّ : لا , هو عاملها كأبنته تماماً.. وهي ايضاً تحبه .. لذلك لا أنصحك باستعادتها , فهي متعلّقة به جداً

المجنونة بغضب : مُحال ان أتركها له !! أعطني عنوان بيته في المدينة وسأبلّغ الشرطة عنه .. وان لم يقبلوا شهادتي , سأقتحم بيته بنفسي !!
العجوز : مرام ..دعي رئيس بلدتنا يتكفّل بالأمر .. فهو أحد زبائن لؤيّ , وسيصدّق كلامه
المجنونة للعجوز : اذاً اتصلي به الآن , ودعيه يأتي الى هنا ليأخذ عنوان الأستاذ اللعين من لؤيّ .. والا سأتصرّف بنفسي !!

وبالفعل !! قام رئيس البلدة بإخبار شرطة المدينة عن الأستاذ الخاطف , الذي تبيّن لاحقاً من التحاليل إنه ليس والد الصبية التي رفضت تصديق ما حصل ! 

واثناء محاولة امها اقناعها بالعودة معها الى القرية , رمت بنفسها من شرفة الشقة العالية .. لتُجنّ امها تماماً بعد ان شاهدتها تقفز امام عينيها , وأُودعت في مستشفى المجانين .. 

وهذا ما أحزن لؤيّ الذي لام نفسه كثيراً على حلّه للغز إختفاء الطفلة .. الا ان ما حصل , جعل اهالي المخطوفين يتوافدون بكثرة الى منزل العجوز لسؤال لؤيّ عن عناوين خاطفيّ اطفالهم ! 
فأخبرهم لؤيّ ان بعضهم يعملون في الدعارة او الشحاذة في الطرقات , بينما البعض الآخر قتلوا بعد ان أُخذت منهم اعضائهم ..ودلّهم على قبورهم في اماكنٍ مهجورة ..ورغم قساوة الخبر على الأهالي الا انهم ارتاحوا بعد نقل رفات ابنائهم الى مقابر العائلة , وأقاموا العزاء لراحة أرواحهم .. 

وبذلك استطاع لؤيّ حلّ عشرات القضايا التي عجزت الشرطة عن حلّها لسنواتٍ طويلة ! 
***

وفي إحدى الليالي .. نزلت العجوز الى القبو , لتجد لؤيّ يبكي بقهر بعد ان أخبرته قرينة امه بمرضها من شدة شوقها له .. وطلب منها إعادته الى بيته في الحال .. 

فحاولت العجوز إقناعه بأن الله اعطاه هذه الموهبة لمساعدة الناس , وبأن امه ستعيده الى مدرسته المملّة , وستمنعه عن عمله الخيريّ ..ووعدّته بأنها ستعيده اليها , بعد ان يجمعا ثروة يتقاسماها بالتساوي بينهما .. حيث قالت له :  
- بذلك المال يا لؤيّ , يمكنك شراء أرضٌ زراعية لتريح امك من عناء الخياطة , الم تخبرني بأنه حلمك ؟ 
فقبل لؤيّ بعد تفكيرٍ مطوّل بالبقاء مع العجوز لحين تجميع ثروته 
*** 

وبعد قبض الشرطة على الكثير من الشبكات المختصّة بخطف الأطفال بسبب المعلومات التي أحضرها لهم رئيس البلدية (الذي أخفى عنهم موضوع لؤيّ) وصل الخبر الى إحدى رؤساء العصابة الذي تمكّن من معرفة المصدر الأساسي للمعلومات , فطلب من رجاله خطف الولد لؤيّ الذي أضرّ بأعماله .. 

وفي إحدى الليالي .. تسلّل رجالٌ ملثمين الى بيت العجوز , وخطفوا لؤيّ النائم من القبو 
***

إستيقظ لؤيّ في اليوم التالي وهو مازال يشعر بالدوار من ذلك المخدّر , ليجد نفسه في سجنٍ كبير , مُحاطاً بأطفالٍ بملابسهم البالية ورائحتهم النتنة 
فأغلق انفه باشمئزاز وسألهم : من انتم ؟!
- نحن اطفال الشوارع 
لؤيّ : يعني شحاذين ؟
فأجابه كبيرهم (10 سنوات) : كنت عائداً من المدرسة , حين قام رجلٌ ملثّم بخطفي .. ثم أجبرني الرئيس على الشحاذة .. ومعظم الأطفال هنا من المخطوفين 
لؤيّ : ولما لم تحاولوا الهرب وانتم طلقاء في الشارع ؟

الولد بحزن : حاولت مرة , دون ان اعلم انهم يراقبوننا من بعيد .. فلحقني احدهم واحضرني الى الرئيس الذي عاقبني بكسر رجلي , واصابني بالعرج الدائم كما ترى .. وبعد الذي حصل معي , لم يجرأ احد منهم على الهرب ! 
فقال ولدٌ آخر (8 سنوات) : ربما انتم مختطفون , لكني يتيم ولا مكان لي غير هنا ..
فأجابه لؤيّ : لا لست يتيماً , فقرينك أخبرني بأنهم خطفوك من مستشفى التوليد .. ووالداك مازالا يبحثان عنك حتى اليوم
الولد الكبير : ماذا يعني قرين ؟!
لؤيّ : سأخبركم لاحقاً .. عليّ الآن إيجاد خطةً مناسبة للهروب 

وهنا انفتح باب الزنزانة , ليقول الحارس للؤيّ : واخيراً استيقظت , الرئيس في انتظارك 
***

وفي مكتب رئيس العصابة أخبره بأنه لن يجبره على الشحاذة مع بقية الأطفال , بل سيدعه يُكمل عمله في فكّ الأسحار , معللاً ذلك بالقول :
- انت كالدجاجة التي تبيض ذهباً , وسأحاول الإستفادة منك بفتح كشكٍ لك لاستقبال الزبائن 
لؤيّ : وماذا لوّ سألوني عن اولادهم المختطفين عندك ؟ 
الرئيس بنبرة تهديد : تخبرهم انهم ماتوا , والا قطعت لسانك .. مفهوم !!
- حاضر سيدي
- يالك من ولدٍ مطيع .. هيا اعيدوه الى الزنزانة
***

في تلك الليلة , وبعد ان نام جميع اولاد .. جلس لؤيّ في الزاوية , وبدأ يهمس لقرينه :
- كما اخبرتك ..اريدك ان تقنع قرين الحارس بالقدوم اليّ في الحال 
فأوما قرينه برأسه إيجاباً..

وبعد قليل .. استطاع لؤيّ الإتفاق مع قرين الحارس للسيطرة على تحرّكاته 
وماهي الا لحظات , حتى قام الحارس (دون وعيّ منه) بفتح الباب  

فقام لؤيّ بإيقاظ الأطفال النائمين بالزنزانة , وأمرهم بمرافقته الى الخارج
الولد الكبير : وماذا عن اصدقائنا الذين يتسوّلون في المساء ؟
لؤيّ : معك حق ! المشكلة ان قرين رئيس العصابة شيطانٌ كبير , ولم يستطع قريني الإتفاق معه
الولد : لم افهم شيئاً !
لؤيّ : لا بأس, أسبقوني الى الخارج
الا ان الأولاد تجمّدوا في أماكنهم !

لؤيّ : لا تخافوا من الحارس , فهو ليس واعياً الآن .. هيا اخرجوا بسرعة قبل ان يأتي بقية الرجال .. لكن لا تبتعدوا كثيراً , كيّ استطيع اللحاق بكم بعد قليل 

وبعد خروجهم .. جلس لؤيّ في زاوية الزنزانة , وبدأ يتمّتم ببعض الكلمات التي جمعت له قرائن رجال العصابة .. فأخبرهم بخطته التي وافقوا عليها .. ثم اسرع للحاق برفاقه بالشارع .. وطلب منهم انتظار بقية رفاقهم الذين اتوا بعد ساعة , بعد قيام رجال العصابة (الذين طبقوا اوامر قرائنهم دون وعيّ منهم) بتجميعهم من الشارع وتسليمهم للؤيّ , ثم العودة الى وكرهم لإكمال نومهم !
الولد الكبير بدهشة : لا اصدّق انهم سلّموك جميع الأطفال ! هل سحرتهم يا لؤيّ ؟
لؤيّ : هذه قصة طويلة , هيا بنا الى الشرطة
لكن الأولاد رفضوا الذهاب الى هناك ..

لؤيّ : أعلم ان المجرمين أخافوكم من الشرطة , لكنهم الوحيدون القادرون على اعادتكم الى اهاليكم
الولد : لكننا لا نتذكّر شيئاً عنهم , فهم خطفونا ونحن صغار
لؤيّ : قرائنكم أخبروني بكل المعلومات عنكم .. ولا تسألوني عمّا أقصد , فقط الحقوا بي ..
***

في مركز الشرطة , اطلعهم لؤيّ على جميع المعلومات ..
الشرطي للؤيّ : لوّ لم تكن صغيراً مثلهم , لظننتك خاطفهم .. فكيف تعرف كل هذه المعلومات عنهم , ان كانوا انفسهم لا يتذكّرون شيئاً؟!

فاضطّر لؤيّ للكذب قائلاً : 
- سرقت ملف رئيس العصابة وقرأته بالكامل , وأملك ذاكرة حديديّة ..فرجاءً اتصل بالأرقام التي دوّنتها لك .. وانا متأكّد ان الأهالي سيتمكّنون من تميّز اولادهم , حتى من خُطف وهو رضيع .. وأنصحك بالإسراع , لأني أعتقد بأن رئيس العصابة ورجاله يبحثون عنا في كل مكان
الشرطي : ان صدق كلامك , فسيبيت المجرمون ليلتهم في السجن
***

بعد ساعة.. تجمّع الأهالي في مركز الشرطة , لينهاروا بالبكاء فور رؤيتهم لأبنائهم المختطفين منذ سنواتٍ طويلة .. لكن القليل منهم رفض استلام ابنه قبل القيام بالفحوصات اللازمة للتأكّد من النسب .. لهذا اضطّرت الشرطة لإبقاء بعض الأطفال عندها , لحين ظهور النتائج بعد ايام .. 

اما لؤيّ ..فقد عاد الى الى بيت امه التي استقبلته بالأحضان والدموع , بعد ان أخفى عنها وعن الشرطة موضوع المرأة العجوز الذي مازال ممّتناً لها لاكتشافها موهبته الفريدة
***

وبعد شهور .. عاد لؤيّ الى حياته الروتينة , والى مدرسته المملّة.. كما ظلّت تراوده احلاماً بشأن اسحار الناس التي باستطاعته فكّها , كما انه اشتاق الى كلمات المديح والهدايا التي زادت من غروره وثقته بالنفس  
***

في ظهر احد الأيام .. إتصل لؤيّ بالعجوز من هاتف الشارع , وطلب منها إعادته للعمل .. 
فصُعقت العجوز ممّا سمعته ! وطلبت منه الإنتظار قرب مدرسته  

حين وصلت اليه .. قفز الى داخل السيارة , قائلاً بحماس : 
- هيا جدتي , لنذهب ونساعد العالم !! 
العجوز بابتسامة : كنت أعرف ان حياة الشعوذة ستعجبك 
لؤيّ باستغراب : الشعوذة !
العجوز : نعم , فقد حان الوقت لأعلّمك كل شيء عن العالم الآخر .. ولن يكون صعباً عليك .. فكما استطعت فكّ الأسحار , يمكنك بسهولة ربطها 
- لكني لا اريد إيذاء .. 
العجوز مقاطعة : إسمع يا لؤيّ .. سنقوم بأعمال الشعوذة بالخفاء , وبذلك نزيد من كسبنا الماليّ .. فبالعادة الأغنياء يطلبون الأعمال السحريّة , بعكس المسحورين الفقراء

ففكّر لؤيّ قليلاً , قبل ان يقول : حسناً قبلت .. فأنا اريد شراء ارضٌ زراعية , كما اخبرتك سابقاً 
العجوز : اذاً إتفقنا ايها الشرير الصغير .. لكن ماذا عن امك ؟
لؤيّ : سأغيب عنها بضعة شهور لأعود غنياً , وأعيش معها حياةً سعيدة
العجوز : الهذا السبب , ام لأنك تكره المدرسة ؟
لؤيّ مبتسماً : الأثنين معاً

وضحكت العجوز وهي تبتعد بسيارتها عن قرية لؤيّ التي لم يعدّ اليها يوماً!

السبت، 10 أغسطس 2019

إعلان

امل شانوحة




سأتوقف هذه الأيام عن الكتابة للإهتمام بالزيارات العائلية .. كل عام وانتم بخير جميعاً , أعاده الله عليكم بالصحة والعافية .. سأحاول العودة قريباً بإذن الله .. تحياتي للجميع 

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

أزمة إنتماء

تأليف : امل شانوحة

 
القلب المُهاجر !

قاد مراد سيارته الفارهة باتجاه الحارة الشعبية لزيارة أخيه الأصغر , والمباركة بولادة طفلته السادسة 
وكان مراد يشعر بالضيق كلما زار أخاه , ليس لفقر حاله .. بل بسبب الغيرة , فهو طلّق مرتين بسبب عقمه !
***

فور دخول بيت أخيه , تراكض الأولاد لتقبيل عمهم الوحيد ..فاستقبلهم ببرود , وأعطاهم النقود كعادته لهم  ..
لحظات .. وأتت الطفلة المولودة حديثاً ووضعت بين يديه , فأحسّ بقشعريرة تسري بجسده ! لشبهها بوالدته التي فارقتهم قريباً , والذي كان متعلّقاً بها ..

فسأل أخاه :
- ما أسمها ؟
- فوزية 
مراد بحماس : لا !! سمّها مروى على اسم أمنا , الا ترى الشبه بينهما ؟! 
سعيد بابتسامة : حسناً , كما تشاء أخي  
***

بعد انتهاء الزيارة وعودة مراد الى قصره .. لم يستطع النوم طوال الليل وهو يفكّر بالصغيرة التي حرّكت فيه مشاعر الأبوّة لأول مرة ! قائلاً بقهر:
- ربي ! لما لم تهبني هذه الصغيرة ؟ لكانت عاشت ملكة في قصري .. امّا اخي الجاهل فلن يهتم بتعليمها او تأمين حياتها 
وبعد تفكيرٍ مطوّل , قال بخبث :
- لابد ان أجد طريقة للإستيلاء على الطفلة !! 
***

وشاءت الأقدار ان تهبّ مراد ما اراد .. فبعد بلوغ مروى عامها الأول , تعرّض الإبن الأكبر لسعيد (وهو الصبي الوحيد بين خمسة بنات) الى حادث سيارة اثناء لعبه الكرة مع اصدقائه بالشارع ..
فاتصل الأب بمراد وهو يبكي , طالباً المساعدة 
***

بعد ساعة .. حضر مراد برفقة محاميه الى المستشفى , ليركض سعيد اليه وهو يقول :
- لقد تأخّرت يا اخي .. إبني في حالة خطرة ويحتاج الى ..
فقال مراد لمحاميه (مقاطعاً) : أخرج الأوراق الرسمية
فقام المحامي بوضع اوراق امام سعيد , وطلب منه التوقيع عليها.. 
سعيد مُستفسراً : على ماذا تريدني ان أوقع يا اخي ؟!
مراد : على اوراق التبنّي 
- لم أفهم !
مراد بلؤم : لن أدفع فلساً واحداً لإبنك , ان لم تتنازل لي عن مروى 
سعيد بصدمة : ماذا ! لكنها طفلتي
- وستكون ابنتي بعد قليل .. 

فسمعته زوجة سعيد , واقتربت منه غاضبة وهي تحمل مروى (حيث تركت البنات في المنزل).. 
- من قال اننا نقبل بيع ابنتنا !!
مراد بحزم : هذا شرطي .. لن أنقذ ابنكم الا بعد تسليمي الصغيرة , والقرار لكما
وهنا اقترب الطبيب منهم وهو يقول :
- الفحوصات أكّدت وجود نزيف داخلي للصبي .. وان لم أجري له العملية بعد قليل , قد تخسرونه .. عليكم تدبير المبلغ في الحال

وهنا فاجأ سعيد زوجته بتوقيع الأوراق على عجل , وهو يقول لأخيه باكياً: 
- خذّ مروى , وانقذ ابني ارجوك
فابتسم مراد بخبث , وأشار لمحاميه بالذهاب لدفع تكاليف العملية الى صندوق المستشفى .. 
الأم معاتبة : سعيد ! ماذا فعلت ؟!
فأجابها زوجها : لن أخسر ابني الوحيد !! ..كما ان ابنتنا ستعيش مُنعّمة في قصر اخي ..أليس كذلك مراد ؟
مراد : طبعاً !! وسأعلّمها في أفضل المدارس الأجنبية لتحصل على أعلى الشهادات , وتكون فخراً لعائلتنا 

فقالت الأم باكية : اذاً لتعيش عندك , لكن دعها تزورنا من وقتٍ لآخر .. ولا داعي لأن تنسبها اليك , فالتبنّي حرام !
مراد بلؤم : إسمعي يا زوجة اخي .. لن أخاطر بنفسيّة الطفلة وهي ترى حياتكم البائسة .. لهذا لا اريدكم ان تقتربوا منها بعد اليوم ..
سعيد : على الأقل إخبرها إنني عمها !
مراد بحزم : لا !! لن يكون لها أقارب سوايّ .. وانت وقّعت على الأوراق وانتهى دورك .. والمحامي يدفع التكاليف الآن .. هيا هات الطفلة 

الأم وهي تحاول إبعاد مروى عن يدين العم : لا !! هذه ابنتي .. أتركها !!
لكن زوجها سحبها منها بالقوة , وأعطاها لمراد الذي حضنها بحنان وهو يقول له :
- أتمنى لإبنك الشفاء العاجل

وبعد خروجه من المستشفى .. إنهارت الأم باكية وهي تلوم زوجها على التخلّي عن ابنته , فحاول الدفاع عن قراره الى ان احتدّ النقاش بينهما .. لكن سرعان ما انشغلا بعملية ابنهما الوحيد
***

ومرّت السنوات .. كبرت فيها مروى , وهي تظنّ بأن عمها هو والدها الذي ربّاها بعد وفاة امها .. وبدوره عاملها كأميرته المدلّلة 

أمّا في بيت سعيد .. وبعد شفاء ابنه حسام (الذي قرّر ترك المدرسة , والعمل مع والده في المحل) كان دائم الشعور بالذنب , لأن حادثته تسبّبت بخسارة اخته الصغرى .. لذلك كان يتسلّل من وقتٍ لآخر الى منزل عمه لتصوير اخته (بكاميرا قديمة) اثناء ذهابها الى المدرسة او لعبها في ساحة القصر .. ثم مشاركة الصور مع عائلته التي يبدو انها تقبّلت خسارتها , بعد ان خصّص لهم العم راتباً شهريّاً !
***

وفي أحد الأيام .. مرض الأب سعيد كثيراً , وأحسّ بقرب أجله ... فأسرع حسام (بناءً على طلبه) الى القصر , لأخذ مروى لتوديع والدها .. لكن عمه طرده من القصر , وهدّده من الإقتراب منها !
وحين أخبر اباه بما حصل , إنهار سعيد باكياً .. مُعتذراً من عائلته لبيعه ابنته .. وظلّ يلوم نفسه , الى ان مات بحسرته ! 

ولم يتجرّأ مراد على حضور العزاء خوفاً من معاتبة الناس والأقارب له , واكتفى بإرسال مالٍ إضافي لتكاليف الدفن !

وبعد العزاء .. أخبر حسام امه برغبته في البحث عن عملٍ اضافيّ لكيّ يستغنوا عن مساعدات عمه , الذي لقبها : بالمال الحرام.. 
فأخبرته امه بأن لديها خطة أفضل , لكنها لم تبوح له بالفكرة !  
***  

بعد اسبوعين , وفي ساحة المدرسة .. إقتربت الحارسة من مروى , لتسألها بعينين دامعتين :
- ما اسمك يا حلوة ؟
- مروى ..هل انت الحارسة الجديدة ؟
- نعم , لما تجلسين وحدك ؟
مروى بنبرةٍ حزينة : لأني غاضبة من أصدقائي , فهم يعايروني بأني يتيمة الأم 
الحارسة : أهذا ما أخبرك به والدك ؟
- نعم .. فأمي كانت عقيمة لسنوات , قبل ان يعالجها والدي في الخارج .. لكنها توفيت اثناء ولادتي 

فكتمت الحارسة غيظها , وقالت في نفسها بغضب : ((مراد !! ايها العقيم النذل)) 
ثم قالت لمروى : لا تلومي نفسك يا ابنتي , هذا هو قدرها 
مروى بقهر : ما يحزنني ان غداً عيد الأم , وطلبت منّا المعلمة إحضار صور أمهاتنا كيّ نعلّقها على لوحةٍ كبيرة اثناء الحفل .. وحين سألت والدي , أخبرني إنه مزّق جميع صورها بعد وفاتها , فقلبه لا يتحمّل آلام الماضي . وبرأيّ ما فعله أنانية منه !! لأن من حقي معرفة شكلها ..اليس كذلك يا خالة ؟

فأسرعت الحارسة بالقول : انا معي صورتها
مروى بدهشة : وكيف تعرفين امي ؟!
فحاولت الحارسة تدارك الأمر , وأجابتها بارتباك : 
- كنت خادمتها , قبل ان يطردني والدك بعد وفاتها .. واثناء تنظيفي الأخير للقصر , وجدت صورة سليمة بين الصور الممزّقة .. فاحتفظت بها , لعلمي بأنك سترغبين في رؤيتها حينما تكبرين
مروى بسعادة وحماس : أحقاً يا خالة ! واين الصورة الآن ؟
- في منزلي , سأحضرها غداً 
- سأكون ممتنّة جداً .. شكراً جزيلاً لك
***

في المساء , وفي منزل سعيد..
حسام بقلق : امي ! سيُجنّ عمي ان علم بعملك الجديد
الأم بقهر : لي سنوات أحاول العمل في مدرستها الإبتدائية , لكني لم أوفّق الا بعد إنتقالها للمدرسة المتوسطة .. وأنوي التقرّب منها , الى ان ترتاح لي ..وتفضفض لي عن متاعبها 
- وماذا عن الصورة ؟
- سأعطيها صورة عرسي 
حسام : وماذا لوّ لاحظت إنها انت ؟
- ملامحي هرِمَت كثيراً بعد خسارة مروى , ولا أظنها ستعرفني .. كما اني سأنبّهها ان لا تريها لوالدها , كيّ لا يمزّقها ايضاً.. المهم يا حسام ان لا تخبر أخوتك بالأمر , وليبقى هذا سرّاً بيننا
فأومأ برأسه إيجاباً , وهو مازال يشعر بالقلق !
*** 

نزلت دمعةٌ حارة على وجنة مروى , وهي تُمعن النظر في الصورة القديمة... وبعد شكرها للحارسة , أسرعت الى معلمتها كيّ تعلّقها على اللوحة , بعد ان أرتها لجميع صديقاتها .. بينما كانت امها الحقيقية تراقبها من بعيد , والألم يعتصر قلبها !
*** 

ومع مرور الأيام .. لاحظ مراد تغيراً كبيراً في سلوك مروى , حيث ازدادت مرحاً ! (دون إخباره بشأن الصورة) 
وفي يوم العطلة الأسبوعية .. دخل غرفتها , ليتفاجأ بلوحةٍ كبيرة لإمرأةٍ مجهولة ..
فسألها بابتسامةٍ وفخر : موهبتك تزداد براعةً مع الأيام .. لكن من هذه السيدة ؟.. هل رسمتي معلمتك ؟
مروى معاتبة : أمعقول انك نسيت شكل امي !

وحين أمعّن النظر في اللوحة , عرف إنها صورة زوجة اخيه يوم عرسها.. فغضب غضباً شديداً , وسأل ابنته : 
- من أعطاك الصورة ؟.. هيا تكلّمي !!
- ابي ! انك تؤلم ذارعي .. ثم لا أفهم سبب رفضك رؤية أمي , فهذا من حقّي !!  

لكنه أصرّ على معرفة ما حصل بالتفصيل المملّ .. فأخبرته مُرغمة عن حارسة المدرسة الحنونة .. فتركها , ليذهب مُسرعاً الى بيت اخيه
*** 

وهناك , قامت مشاجرة عنيفة بينهم.. 
مراد صارخاً في وجه الأم : 
- انت خالفتِ بنود العقد , لذا سأمنع عنكم المعونات الشهريّة!!
حسام بغضب : اساساً نحن لا نريد منك شيئاً !! فقط أعدّ لنا أختنا
مراد بلؤم : ابنتي لا تمتّ لكم بصلة .. وبسبب غلطة امكم , لن تروها في حياتكم !! 
الأم باكية : ارجوك يا مراد , انا لم أخبرها بالحقيقة 
مراد : انا أعرف مروى جيداً , وهي لن تهدأ قبل ان تعرف القصة كاملة .. لكني لن أسمح لكم بتعكير صفو حياتنا !! 

وأغلق الباب خلفه بغضب .. ليخيّم الحزن على وجوه الأخوة , وهم يستمعون لبكاء امهم المرير بعد ان حبست نفسها في الغرفة !
***

في اليوم التالي .. علمت الأم ان ملفّ ابنتها سُحب من المدرسة ! فبحثت كالمجنونة في جميع مدارس المتوسطة للبنات في المنطقة , لكن دون جدوى .. الى ان علمت لاحقاً بأن القصر معروض للبيع , بعد هجرة العم مع مروى الى الخارج .. وبذلك تلاشت احلامها باجتماع شمل ابنائها من جديد !
***

ومرّت السنوات ..أنهت فيها مروى دراستها الجامعية .. لكنها بعد التخرّج أصيبت بعارضٍ صحّي .. 

وفي المستشفى .. أخبرهم الطبيب بأنها بحاجةٍ ماسّة الى كلية .. وبعد إجراء الفحوصات , لم تتناسب كلية العم معها  .. كما انه لم يجد متطوّعاً مناسباً لفصيلة دمها النادرة ..
لكنه تذكّر بأن حسام وامه يحملان الزمرة نفسها , لهذا إضّطر لإرسال تذكرتين لهما , لإنقاذ حياة ابنته الغالية ..

وبعد وصولهما الى المستشفى , لم توافق الأم على إخضاع ابنها للعملية .. وتطوّعت هي لتبرّع بكليتها لمروى , بشرط ان يخبرها الحقيقية فور شفائها 
***

بعد شهر , عادوا جميعاً الى بيته الفخم بجانب الشاطىء .. وهناك أخبر العم مروى بالحقيقة ..فانفجرت في وجهه غاضبة , وهي تشير الى امها :
- أبعد كل هذه السنوات تخبرني بأن حارسة المدرسة هي امي الحقيقية .. وبأن هذا أخي .. ولديّ ايضاً اربعة أخوات !! وبأن ابي مات حسرةً عليّ .. فكيف تريدني ان اسامحك , بعد ان عشت عمري ألوم نفسي على موت امي ؟!

العم بقلق : اهدأي يا مروى , فأنت مازلتي متعبة 
ابنته بغيظ : ليتك تركتني اموت قبل ان أعرف الحقيقة
الأم : اهدأي يا ابنتي ..
مروى مقاطعة بقهر : وانت يا امي العزيزة ! كيف قبلتِ ان تُباع طفلتك ؟!
حسام : لا تلومي أمنا يا مروى , فموتي الوشيك هو ما أجبر والدي على فعل ذلك .. ولوّ رأيتي دموعه وقت وفاته , لعلمتِ كم عانى لفقدانك

فسكتت مروى , والغضب يشتعل في صدرها .. فحاول العم تهدأتها :
- مروى حبيبتي , فعلت ذلك لتحصلي على حياةٍ هانئة
مروى بلؤم : أتدري يا عمي

فشهق مراد متفاجئاً ! فهي المرة الأولى التي لم تناديه أبي .. بينما أكملت مروى كلامها بنبرة تحدّي :
- قرّرت ان أعود معهما الى بيتي الحقيقي 
العم بعصبية : ماذا ! لا طبعاً !! لا اوافق على هذا .. انا من ربّيتك وتعبت عليك , وانت ابنتي بالقانون .. ومعي ما يثبت ذلك ؟
مروى بلؤم : لا تهمّني اوراقك الرسمية , سأعود معهما ..وهذا قراري النهائي !!
الأم وهي تمسح دموعها بارتياح : حبيبتي الغالية , اخوتك سيفرحون كثيراً بلقياك 
***

وعادت مروى مع اخيها وامها الى بلدتها , رغماً عن العم الذي انهار باكياً في المطار اثناء توديعها .. لكن مروى لم تكترث لدموعه !

وما ان وصلت الى حارتها الشعبية , حتى انقبض قلبها من منظر الناس البائس .. كما أغلقت انفها طوال الطريق تجنّباً لرائحة المجاري والنفايات!

وكان وضع البيت اسوء ممّا تصورت .. ففيه 3 غرف صغيرة .. 
غرفة لأخوها وغرفة لأمها .. وغرفة للبنات الأربعة , التي نقصت منهنّ واحدة بعد زواجها .. لتستلقي مروى على فراشها فوق الأرض , بعد ان تناولت الخبز والحليب فقط على العشاء !

وطوال الليل .. حاولت مروى التحدّث مع اخواتها , لكنها لم تجد قاسماً  يجمعها بهنّ .. فهنّ لم يكملنّ دراستهنّ , وكان همّهن الوحيد هو إيجاد عريس بأسرع وقتٍ ممكن ! 
كما تضايقت كثيراً من اسئلة اختها الوسطى التي كانت تحسدها على إختيار عمهنّ لها , رغم انها أجمل منها !

فتحجّجت مروى بالتعب من السفر كيّ تنام , وترتاح من اسئلتهنّ حول حياتها المرفّهة ..وأدارت رأسها نحو الحائط المُتشقّق الذي تنبعث منه رائحة الرطوبة العفنة .. ولم يمرّ وقتٌ طويل حتى غفت من شدة التعب ..

لكنها عادت واستيقظت في منتصف الليل , لتجد صعوبة في استخدام الحمام الأرضيّ الذي لم ترى مثله في حياتها ! 

ثم وقفت في الشرفة الصغيرة التابعة للصالة , مُستغلّة نوم الجميع .. لتنهار باكية , شوقاً لحياتها السابقة .. حيث شعرت بمشاعرٍ مختلطة : كغضبها من عمها لنزعها من عائلتها الحقيقة .. وبذات الوقت , مُمتنّة له لإخراجها من حياتهم البائسة .. كما شعرت بالشفقة على إخوانها الذين لم يكونوا محظوظين مثلها .. الا ان مشاعرها الغالبة : كانت التقزّز من حياتهم البسيطة التي ليس بمقدورها تحمّلها !
***

ومرّ شهران كأنهما الدهر على مروى .. حاولت فيها مساعدة اخوتها بشؤون المنزل .. لكن الأمر كان صعباً عليها , فهي تعوّدت على وجود من يخدمها .. وهاهي يداها الناعمتان تتجرّحان اثناء محاولاتها الفاشلة لتعلّم الطبخ .. كما ان أكلهم الدسم لا يناسب نظامها الغذائي , وخافت ان تتدهوّر صحتها من جديد ..والأسوء ان العطلة الصيفية على وشك الإنتهاء وهي ترغب في إكمال دراستها العليا في الحقوق ..ومُحال ان يحدث هذا في عائلتها التي لم يُكمل فيها احد تعليمه ! كما ان إلحاح اختها الغيورة عليها بالعمل للمساعدة بمصروف المنزل , زاد من الضغط على أعصاب مروى التي تكاد تنفجر !
***

وفي صباح أحد الأيام.. طلبت مروى من امها السماح لها بالبحث عن عملٍ في المدارس القريبة من الحارة ..  
وفور خروجها من المنزل , توجّهت لأقرب محل كمبيوتر .. حيث لا يوجد انترنت في أزقّة الحارة .. 

وهناك أجرت بحثاً سريعاً لموقع الطيران .. فعلمت بوجود رحلة بعد ساعة متوجهة لبلدة العم في الخارج .. فاتصلت من جوّالها الثمين على عمها بعد تردّدٍ كبير .. وأخبرته بموجز ما حصل معها في الشهرين الماضيين .. وطلبت منه الغفران , وترجّته كثيراً لإخراجها من هذا الجحيم .. فقبل العم إعتذارها , لشوقه الكبير لها .. وطلب منها إنتظار محاميه خارج الحارة ليأخذها مباشرةً الى المطار , ويدفع لها ثمن التذكرة .. 
***

بعد ساعتين .. تنفّست مروى الصعداء بعد إقلاع طائرتها في الجوّ!
***

وبحلول العصر .. طلبت الأم من حسام البحث عن أخته , بعد تأخّرها بالعودة .. 
لكن قبل خروجه من المنزل , نادته اخته الوسطى : 
- أخي !! مروى تركت رسالة تحت وسادتها ! 

فاجتمعوا حوله وهو يقرأها بصوتٍ عالي :
((آسفة امي وأخوتي الأعزّاء .. لقد حاولت التأقلم معكم , لكني حقاً لم استطيع .. فحياتكم صعبة جداً بالنسبة لي .. لهذا سأعود للعيش مع عمي .. وسأطلب منه إرسال المعونات الشهرية لكم , الى ان أجد عملاً لائقاً يجعلني أتكفّل بكم مادياً .. لكني لا استطيع فعل أكثر من ذلك .. وهذا ليس خطأي .. فأنتم من قبلتم بيعي منذ البداية .. لكني سامحتكم جميعاً , لأن القدر أرسلني لحياةٍ أفضل .. وسأحاول تحسين حياتكم قدر المستطاع .. إنتبهوا على أنفسكم .. واعتبرونني منذ اليوم : ابنة العمّ مراد))

وما ان أنهى قراءة الرسالة , حتى انهارت الأم باكية بين احضان ابنها الذي وقف عاجزاً بعد تأكّده من خسارة مروى للأبد !

الجمعة، 2 أغسطس 2019

ارواح مُعذّبة

تأليف : امل شانوحة

 
لن نفترق بعد اليوم !!

عاد مايكل وابنه الى القصر القديم بعد وفاة الجد..
وكان ابنه جيم (9 سنوات) مُتحمّساً لرؤية القصر الذي لطالما حدّثه عنه والده في الغربة ..

وحين دخلا القصر الخالي من الخدم (الذين رحلوا بعد العزاء) تلفّت جيم في ارجاء الصالة الكبيرة التي امتلأت بالملاءات البيضاء التي غطّت المفروشات الأثريّة , وإذّ به يشعر بيد والده مُتعرّقة .. فنظر اليه , ليراه يرتعش خوفاً , وهو تائه النظرات وكأنه يبحث عن شيءٍ ما في زوايا الغرفة ! وسمعه يتمّتم بصوتٍ منخفض : 
- مالذي أعادني الى هذا الجحيم ؟!

ولم يفهم جيم قلق والده من العيش مجدداً في بيت العائلة .. حيث قال له بحزم :
- سننام في غرفتي القديمة .. انت على السرير وانا على الكنبة 
جيم باستغراب : لكن القصر كبير , ويحوي عشرات الغرف ! وأصبحت ولداً كبيراً , فلما لا تكون لي غرفتي الخاصة ؟!
- قلت لا !! سنبقى سويّاً , وإيّاك ان تبتعد عني .. ففي غضون ايام سنعرض القصر للبيع , ومن بعدها نسافر للخارج .. ولا اريد اسئلة في هذا الموضوع .. والآن لنصعد الى غرفتنا ونرتّب اغراضنا , فالشمس على وشك الغروب .. هيا هات يدك
- انا لم أعد صغيراً يا ابي

وانطلق لأعلى السلالم , فلحقه والده على عجل وهو يصرخ بخوف:
- لا تسبقني يا جيم !!
وتوقف الولد امام إحدى الغرف , فوصل الأب اليه وهو يلهث :
- أحلف إن قمت بذلك ثانية , سأعاقبك بقسوة !!
جيم باستغراب : ومالذي فعلته ؟!
ابوه بنبرةٍ غاضبة : إيّاك ان تبتعد عنّي خطوةً واحدة , هل كلامي مفهوم؟!! 

ورغم ان جيم لا يستوعب تصرّفات والده التي ازدادت غرابة منذ وصولهما للقصر , الا انه لم يردّ إفتعال المشاكل ..فحاول تغير الموضوع , وسأله :
- هل هذه غرفتك ؟ 
الأب : نعم .. والآن قفّ خلفي , سأدخل اولاً لأتأكّد خلوّها من الفئران وغيرها من الأشياء المرعبة .. 

وفتح الباب على مهل , ليصدر منه صوت صريرٍ مزعج .. ثم بدأ بتفتيش كل شبرٍ في الغرفة , وتحت السرير وفي حمامها الداخلي .. وابنه يراقبه امام الباب ! 

وحين خرج الأب الى الشرفة , وقف هناك طويلاً وهو ينظر ناحية الحديقة المظلمة بعد غياب الشمس ..
حتى انه لم يلاحظ إقتراب ابنه منه , لذا ارتعب حين لمسه ..وصرخ في وجهه مرتجفاً : 
- لقد أخفتني يا جيم !! 
- إنتظرتك طويلاً عند الباب , ولم تناديني !

فتنهّد الأب بارتياح : حسناً لا بأس .. الأمور تبدو بخير .. ولا أظنها ستظهر لي هذه المرة
جيم : من تقصد ؟!
- لا شيء .. كنت أكلّم نفسي .. 
- هل نفرغ الحقائب الآن ؟
الأب : أخرج بيجامتك فقط , فغداً سيأتي المحامي لإنهاء الأوراق الرسمية .. وأظن إن إقامتنا لن تطول هنا 
- كما تشاء ابي !
***

في آخر الليل .. إستيقظ جيم لدخول الحمام , فوجد والده يقف في الشرفة وهو يراقب الحديقة المظلمة بتمعّن , وكأنه ينتظر رؤية شيء ! .. فلم يرد مضايقته , وعاد للنوم من جديد
***

في ظهر اليوم التالي .. دخل المحامي الى الصالة التي كان يلعب فيها جيم بسيارته .. فطلب منه الأب الصعود الى الغرفة لحين انتهاء عملهما ..

فاستغلّ جيم إنشغال والده , للخروج الى الحديقة التي يتشوّق لرؤيتها منذ قدومه للقصر , فوالده لم يسمح له البارحة بالتنزّه فيها!

وهناك ركض جيم فرحاً بأرضها الواسعة , محاولاً عدم إصدار صوت كيّ لا يلفت إنتباه والده .. لكنه توقف عن الركض , حين شعر بأحدهم يراقبه من بعيد ! 

فتلفّت حوله , ليتفاجأ بوجود فتاة (في مثل عمره) تقف خلف السور الخشبيّ للحديقة الخلفية , والتي أشارت له بالتقدّم نحوها !
فنظر جيم الى زجاج الصالة , ليجد والده مازال منشغلاً بالحديث مع المحامي .. فركض باتجاهها ..

وقبل ان يصل اليها , مشت باتجاه الغابة القريبة من القصر .. فتسلّق السور الصغير ولحقها الى هناك .. وكلما اقترب منها , توغّلت أكثر في الغابة !
وحين وصل اليها , وجدها تقف قرب نهرٍ صغير ..

فقال باستغراب : لم اكن أعرف ان هناك نهرٌ قريب من القصر !
الا انها لم تلتفت اليه , بل نزلت في النهر .. حتى أصبح رأسها اسفل الماء .. وانتظر جيم قليلاً لتخرج من هناك , لكنها اختفت تماماً !
فركض بسرعة باتجاه القصر , وهو يصرخ بعلوّ صوته :
- ابي !! هناك فتاة تغرق في النهر .. ارجوك أنقذها !!!

وفي داخل القصر ..
سمع المحامي صراخ الولد اولاً , وسأل الأب :
- أليس هذا صوت ابنك ؟
وعلى الفور !! قفز الأب الى الخارج فزعاً , ليلتقي بأبنه وهو يحاول التقاط انفاسه .. وبصعوبة فهم منه ما حصل ..
- ابي .. ارجوك اسرع .. الفتاة تموت غرقاً
- عدّ الى غرفتك حالاً يا جيم !! 
- لا !! اريد الذهاب معك
الأب بحزم : قلت !! أذهب الى غرفتك .. وعقابك سيكون لاحقاً ..

فعاد جيم مُجبراً الى غرفته .. ثم خرج الى الشرفة , ليشاهد والده والمحامي يتوغّلان في الغابة .. 

وبعد قليل .. عادا الى القصر .. فركض جيم باتجاههما : 
- هل أنقذتها يا ابي ؟
فنظر الأب للمحامي , ثم قال لإبنه : 
- نعم هي بخير , وجدناها تلعب بالماء .. وهي الآن مع امها ..
جيم بعصبية : الغبية !! كاد قلبي يتوقف من الخوف 
الأب بحزم : إيّاك ان تخرج من القصر دون أذني يا ولد , والا سأحبسك بالغرفة لحين موعد سفرنا .. هل فهمت ؟!!  
- حاضر يا ابي , كما تشاء

وبعد عودة جيم الى الغرفة , قال المحامي للأب :
- غريب انها ظهرت لأبنك وليس لك , كما تفعل عادةً ! 
الأب بضيق : وهذا ما يقلقني في الأمر , لهذا رجاءً إستعجل في إيجاد مشتري لهذا القصر المرعب , فأنا أتوق للخروج منه
المحامي : سأحاول سيد مايكل
***

وبعد مرور اسبوع .. أتى رجلٌ عجوز الى القصر , فأدخله مايكل على مضضّ .. ليبدأ الرجل بالصراخ عليه ولومه على أمرٍ حصل قديماً .. ولم يستطع جيم (الواقف خلف باب الصالة) الدفاع عن والده الذي كان يتلقّى الشتائم من الرجل الغاضب دون التفوّه بكلمةٍ واحدة !

وذهب جيم مستاءً الى المطبخ لتناول شيءٍ يسدّ جوعه .. 
واثناء إخراجه الشطيرة من البراد .. سقطت من يده , بعد ان أفزعته الفتاة التي تراقبه من نافذة المطبخ ..فقال لها غاضباً :
- أأنت ثانيةً ! كانت لعبة النهر سخيفة جداً , ولا اريد اللعب معك 
لكنها اشارت اليه ليلحقها , ومشت مُبتعدة !

فلم يجد جيم نفسه الا وهو يخرج من نافذة المطبخ ويلحقها مجدداً نحو الغابة .. وحين حاولت هذه المرة القفز الى النهر , سحبها من يدها بقوة .. ليتفاجأ بوجهها شاحب اللون وعيناها بيضاوتان .. فركض فزعاً باتجاه القصر وهو يصرخ بعلوّ صوته :
- شبح !! رأيت شبحاً 

في هذه الأثناء ..كان والده يودّع الرجل العجوز الذي خرج من القصر وهو مازال يلعنه ويشتمه .. 
وحين سمع الأب صرخات ابنه , إنطلق نحوه ..ليجده فاقداً الوعيّ في الحديقة , فحمله الى غرفته ..

وهناك أخبره جيم بما حصل.. 
لكن يبدو ان والده لم يتفاجأ بما سمعه , بل قال له بهدوء : 
- لا تقلق بنيّ سنترك القصر قريباً , فقد وجد لنا المحامي مشتري ثريّ يرغب العيش هنا مع عائلته .. لذا حاول ان ترتاح قليلاً 
***

في آخر الليل .. إستيقظ جيم بعد مشاهدته كابوساً أفزعه , وكان والده غارقاً في النوم على الكنبة .. حينها لمح طرف فستان يمرّ في الروّاق , من خلال شقّ الباب المفتوح .. فاستجمع قواه لرؤية من هناك .. فرأى ذات الفتاة تصعد الأدراج , فلحقها بحذر ..فهو لطالما اراد رؤية الطابق العلويّ..

لكنها ظلّت تصعد الى فوق , الى ان وصلت الى غرفة في علّية القصر .. وحين فتحت الباب , ظهرت غرفة صغيرة بنافذةٍ مُغلقة بالقضبان الحديديّة , وسريرٌ صدئ .. 

وهناك إلتفتت نحوه بوجهها الطفوليّ , وأشارت الى السرير وهي تقول :
- هنا أنجبتنا أمنا , بعد ان حبسها جدّنا شهوراً طويلة لحين موعد الولادة 
فتراجع جيم الى الوراء بدهشة : ماذا قلت ؟! اساساً انا لم أولد في هذه البلدة 

لكنها عادت وأشارت الى السرير , وأكملت كلامها قائلةً : 
- وانصبغت ملاءتها باللون الأحمر , بعد ان ذبحها ذلك اللعين
- الا تفهمين ؟!! لا علاقة لي بأمك !
الفتاة بنبرةٍ غاضبة : عليك ان تسأل والدنا الجبان عن عائلتك الحقيقية ؟ 

واختفت فجأة ! .. لينزل جيم الأدراج بسرعة , وهو يصرخ فزعاً :
- ابي !! الشبح ظهر لي من جديد 

وتعثّر في آخر درجتين , ليسقط على رأسه قرب روّاق غرفته .. ولم يستيقظ , الا بعد ان قام والده بتضميد جرح رأسه وهو فوق السرير .. فأخبره بما قالته الفتاة :
- ابي , لما تصرّ بأنني أخوها ؟! 
الأب بلا مبالاة : هي شبح , وأظنها تهذي

وما ان قال ذلك , حتى أُغلق باب غرفتهما بالمفتاح من الخارج !
فحاول الأب فتحه بكل الطرق , الا انه كان مقفلاً بإحكام .. فأخذ جوّاله لطلب المساعدة .. 
الأب بخوف : ماذا ! كيف انتهى شحنه فجأة ؟!
جيم وهو يبكي بفزع : ماذا يحصل يا ابي ؟!

وهنا ظهرت الفتاة في الشرفة برفقة سيدة شاحبة الوجه , والتي قالت للأب بعصبية :
- أتكذّب أبنتنا يا مايكل ؟!
مايكل بفزع : ريمي ! أرجوك لا تؤذينا

فطافت السيدة باتجاهه وهي ترفع السكين في وجهه , وتقول بقهر :
- والدك اللعين نحرني بهذا السكين , وأغرق طفلتنا بالنهر .. واحتفظ بإبننا جيم ليعطيه لك بعد عودتك من الغربة , بعد تخلّيك عنّي خوفاً على ميراثك !.. (ثم تنهّدت بضيق) ..لطالما نصحني والدي بالإبتعاد عنك , وأخبرني بأنك شاب ثريّ مدللّ لن تتجرّأ على إكمال حياتك مع حبيبتك الخادمة .. وكم كنت غبية حين عشقتك أكثر من روحي !

مايكل بندم : ريمي رجاءً , لم يكن بوسعي مخالفة اوامر والدي .. انت تعرفين كم هو جبّار وعديم الرحمة .. كما انه أخبرني : بأنه أعادك الى والدك فور ولادتك طفلي .. ولم أعرف ما عانيته الاّ اليوم صباحاً حين زارني والدك , وأخبرني بأن الطفلة الشبح التي رأيتها في زياراتي السابقة ماهي الا توأم جيم .. ارجوك أغفري لي حبيبتي
فصرخت المرأة بغضبٍ شديد : لا تقلّ حبيبتي يا جبان !! 

وجرحته بالسكين في ذراعه .. وحين رأى الدم ينزف منه ! أسرع ناحية الشرفة .. فرمت السيدة الكرسي باتجاهه .. فحاول مايكل تجنّبه , ليسقط من فوق سور الشرفة .. 
فصرخ جيم بفزعٍ شديد : 
- لقد قتلتي والدي !!!
فحاولت الفتاة تهدأته : 
- لا تخفّ اخي , ستراه بعد قليل

وبعد دقائق .. صعدت روح الأب من اسفل الشرفة , لتطفو ناحية الغرفة 
وارتعب جيم كثيراً حين رأى والده بعينين بيضاوين , والذي قال له:  
- لا تقلق بنيّ , فأنا لا أشعر بالألم  .. لكن امك الغبية حوّلتني الى شبح !
الأم : والآن بما انك أصبحت في عالمي سيد مايكل , سيبدأ وقت الحساب
مايكل معاتباً بغضب : الا يكفي انك قتلتني دون التفكير بمصير ابننا ؟!! 
واحتدّ النقاش بينهما ..

في هذه الأثناء .. قالت الفتاة لجيم :
- دعنا نترك والدينا يتفاهمان على طريقتهما , وتعال معي
جيم بقلق : الى اين ؟
- ستعرف بعد قليل

ونزلا سويّاً الى حديقة القصر المظلمة .. وكالعادة أخذته الى النهر ..وهناك قالت له :
- كما سمعت يا جيم .. جدّنا القاسي قتل امي وأغرقني لأنه يكره النساء , لكنه احتفظ بك .. وان كنت لا تريد ان تعيش في دار الأيتام , فانضمّ الى عائلتك
جيم : وكيف أفعل ذلك ؟
أخته : أقفز الى النهر 
- لكني لا أعرف السباحة
- أعرف هذا , لذلك سأنزل معك لأساعدك .. هيا هات يدك , فالأمر لن يأخذ منك سوى خمس دقائق .. حاول ان تتشجّع يا جيم

فاقترب بخوف من النهر وهو يقول :
- المياه باردة
أخته : لن تشعر بشيء بعد قليل
- لكني لا اريد الموت
- عالمنا لا يختلف كثيراً عن عالمكم , بل هو أجمل بكثير .. فليس فيه تعب ولا مرض ولا جوع
جيم : وهل استطيع الطيران ؟
- نعم !! يمكنك ان تطفو بخفّة الى أيّ مكانٍ تريده , ودون ان يراك أحد .. انها مغامرة مثيرة , ستعجبك حتماً .. هيا اخي , أقفز الآن

وقفز جيم في النهر .. لكنه ما ان بدأ يغرق , حتى صرخ بعلوّ صوته طالباً للنجدة .. فقامت اخته بسحبه بقوة من قدميه الى اسفل النهر .. وبعد محاولاتٍ يائسة لاستنشاق الهواء , غرق جيم للأسفل وأسلم الروح ..

وحين فتح عيناه , وجد نفسه مستلقياً قرب النهر ..ووالداه واخته يقفون قربه .. وما ان وقف على قدميه , حتى حضنوه بحنان وهم يقولون :
- وهآقد اجتمعت عائلتنا من جديد
الأخت : جيم.. لقد تصالح والدانا , وسنعيش جميعنا هنا

جيم بقلق : لكن ابي , الم يخبرك المحامي بأنه وجد مشترياً للقصر؟
والده : نعم , لهذا سأترك مهمّة إخافة الضيوف لكما 
الأخت بابتسامةٍ ماكرة : ونحن سنقوم بالمهمّة على أتممّ وجه يا والدي , اليس كذلك يا جيم ؟
جيم بابتسامةٍ ساخرة : أنا أشفق عليهم منذ الآن

وضحكوا جميعاً .. ثم مشوا في الغابة باتجاه القصر , ليتفاجأوا بروح الجدّ الغاضبة تنتظرهم في الحديقة ! والذي قال بتحدّي ولؤم , وهو يرفع عصاه في وجههم مُهدّداً :
- من قال لكم انني سأسمح لهذه الخادمة الساقطة وابنتها باحتلال قصري؟!!

فقالت الأم لزوجها بغضب : مايكل !! هل ستسمح له بتدمير عائلتنا من جديد ؟
الزوج : لا طبعاً !! لن أكون جباناً هذه المرة
ثم قال لوالده بحزم : ابي !! إبتعد عن طريقنا , فالقصر أصبح ملكاً لعائلتي
الجد بلؤم : حاربني ان استطعت يا ولد
- سأفعل يا ابي العزيز
وتشاجرا سويّاً بقسوة .. 

وبعد قليل .. صرخ العجوز مُستسلماً :
- حسنا لا تخنقني !! سأترككم وشأنكم
مايكل : أهذا وعد ؟
ابوه : وعد بنيّ .. سأبحث لي عن مكانٍ آخر.. فالقصر أصبح لكم
واختفت روح الجد .. ليقوم مايكل باحتضان عائلته , وهو يقول بارتياح :
- لا أحد سيبعدنا عن بعضنا بعد اليوم ..

وطفوا بسعادة نحو قصرهم المهجور ليعيشوا فيه كعائلةٍ مُحبّة , ولأجلٍ غير معلوم !  

الوسيط الروحيّ

تأليف : امل شانوحة الطفل المعجزة ! عادت ناديا الى قريتها بعد وفاة زوجها , برفقة ابنها لؤيّ (12 سنة) ..  وفي أحد الأيام .. زارتها ج...