الثلاثاء، 27 أغسطس 2019

إفعوانية الحياة

تأليف : امل شانوحة
مراحل العمر !

إستيقظ (أمير حمدي) من النوم وهو يشعر بطاقة ونشاط على غير عادته ! فحمد ربه , وذهب لتغير ملابسه إستعداداً للعمل .. واثناء تمشيط شعره الخفيف وذقنه الكثيفة , تراجع الى الخلف بخوف بعد ان رأى شكله في المرآة وقد عاد شاباً صغيراً , رغم انه احتفل البارحة بعيد ميلاده الأربعين!

- كيف يُعقل هذا ! اين ذهبت العشرون سنة من عمري ؟!
وهنا سمع صوت امه تناديه من خارج الغرفة :
- أمير حمدي !! الفطور جاهز 

فخرج على عجل وهو متشوّقٌ جداً لرؤية والدته المتوفاة منذ سبع سنوات .. وحين رآها ضمّها بقوةّ والدموع تترقّرق في عينيه , وقبّل كلتا يداها .. فقالت باستغراب :
- أكل هذا لأن لديك اليوم امتحانٌ مهم , ايها الماكر ؟
أمير باستغراب : إمتحان !
- هل شاهدت كابوساً جعلك مرتبكاً هكذا !

فحاول تغير الموضوع : يا سلام ! رائحة البيض جميلة 
وأخذ يأكل بشهيّة ..
امه بدهشة : غريب ! الم تكن ترفض الطعام طوال الشهرين الماضيين بحجّة الحمية الغذائية ؟
- أعدك منذ اليوم ان لا أحرم نفسي ابداً من طعامك اللذيذ
- جيد ! اذاً كُل بسرعة , فقد تأخّرت على جامعتك 

بعد قليل .. سمع بوق سيارة تحت شرفة منزله .. فقالت امه :
- هآقد وصل صديقك ماجد , ستذهب معه الى الجامعة
أمير بدهشة : ماجد سليمان ؟!
- نعم , صديقك المقرّب
أمير : كنت نسيت ان مديري اللئيم هو نفسه صديقي القديم ! 
- عن ماذا تتكلّم ؟! 
- لا شيء , سأنزل اليه حالاً .. إدعي لي يا امي
- بالتوفيق بنيّ
***

حين رأى سيارة صديقه المتهالكة , ضحك دون ارادةٍ منه .. فقال له ماجد بامتعاض :
- على الأقل لديّ سيارة , ولا أتنقّل بالحافلات مثلك ايها ..
أمير مقاطعاً : آسف آسف .. هيا بنا
***

في الطريق , أخبره أمير :
- أتدري يا ماجد انك بالمستقبل ستقتني أغلى السيارات , بعد ان تصبح مديري بالشركة 
ماجد مُستفسراً : هل رأيت ذلك في المنام ؟!
- يمكنك قول ذلك .. مع اني لا اعرف كيف تفوقت عليّ بعلامات الجامعة التي جعلت الشركة تختارك للإدارة , بينما علقت انا في وظيفةٍ مكتبية مملّة!

ماجد : أتدري , ليتني حلمت انا بهذه الرؤيا المبشّرة .. (ثم سكت قليلاً) .. ولا افهم لما تستكثر عليّ ذلك المركز المرموق ؟ 
- كنت أقصد انني كنت دائماً متفوقاً عليك بالدراسة , فمالذي تغير في سنتنا الأخيرة هذه ؟!
فالتزم ماجد الصمت , وكأنه يُخفي نيّة خبيثة لصديقه !
***

حين قرأ أمير حمدي ورقة الإمتحان , قال في نفسه :
((مع اني لم ادرس شيئاً , الا ان هذه الأسئلة تبدو سهلة بعد ممارستي هندسة الحاسوب لعشرين سنة .. (ثم فكّر قليلاً) .. سأحلّها طُبقاً للبرامج الجديدة التي لم تُكتشف بعد في هذا الزمن , وبذلك أستفيد من عودتي الغريبة للماضي))
وحلّ الأسئلة بسهولة , وبتميّزٍ مُلفت .. 

وقبل تسليمه الورقة للمراقب , لاحظ إرتباك ماجد وضياعه وهو يقرأ الأسئلة مراراً دون ان يحلّ شيئاً !

فخرج أمير حمدي من القاعة وهو يقول باستغراب : 
- كيف اذاً تفوّق عليّ في الماضي , فشكله يوحي بأنه سيرسب في هذه المادة الرئيسية ؟! ..عليّ ان أفكّ هذا اللغز , لأنه كان السبب في تعاسة مستقبلي , وبقائي في وظيفةٍ أقل بكثير من طموحاتي !  
***

بعد ساعة .. خرج ماجد من القاعة ليجد أمير حمدي في انتظاره , فقال له بارتباك :
- الم نتفق هذا الصباح ان تعود الى بيتك بالحافلة , لأني ذاهبٌ مباشرةً الى بيت خطيبتي ؟
أمير : آه صحيح , نسيت .. كيف كان الإمتحان ؟
فأجابه على عجل : جيد جيد .. اراك لاحقاً 

وابتعد عنه .. فتساءل أمير حمدي بنفسه :
((حتى انه لم يسألني عن امتحاني ! هناك شيءٌ يخفيه .. سأراقبه من بعيد))
***

بعد ساعتين قضاهما ماجد وحده سارحاً بساحة الجامعة .. صعد مجدداً الى  فوق بعد ذهاب الطلاّب الى بيوتهم .. 
فلحقه أمير حمدي دون ان يلاحظه .. ليجده يدفع مالاً الى حارس غرفة الأساتذة الذي أدخله خلسةً الى الداخل !

فانتظر أمير قليلاً , قبل ذهابه للحارس وإخباره بأن المدير يطلب منه إعداد القهوة .. فأسرع الى المطبخ لتنفيذ الأوامر .. 
بينما تسلّل أمير الى غرفة الأساتذة , ليرى صديقه في الغرفة الداخلية .. فاختبأ في الزاوية وهو يراقبه اثناء تفتيشه بين اوراق امتحانات الطلبة .. ثم رآه يُخرج ورقتين .. رمى إحداها في سلّة النفايات , بينما اسرع بشطب شيءٍ من الورقة الثانية , وكتابة شيء مكانه ! ثم اعاد الأوراق الى الدرج  
فأسرع أمير حمدي بالإختباء خلف المكتب , اثناء خروج ماجد من الغرفة 

وبعد ذهابه .. قام أمير بإخراج ذات الأوراق من الدرج , ليتفاجأ بأن ماجد إستبدل اسمه مكانه (بعد ان قام بشطبه) 
اما الورقة التي رماها , فكانت ورقة امتحانه المليئة بالأخطاء ! 
وحينها فهم أمير حمدي سبب رسوبه بالسنة الأخيرة (قبل اعوام) , بينما حصل ماجد على علامة متفوقة جعلته مديراً في المستقبل ..
فتمّتمّ أمير حمدي بغيظ : يا حقير يا ماجد , سأعلّمك درساً لن تنساه ابداً .. 

وأخذ أمير السائل الأبيض من مكتب إحدى الأساتذة ليُخفي اسم ماجد , ويضع اسمه من جديد على ورقته .. ثم اعاد ورقة ماجد الأصلية الى اوراق الإمتحانات , بعد ان أخرجها من صندوق القمامة ..
قائلاً في نفسه : ((الآن سيحصل كل واحداً منّا على العلامة التي يستحقها))

ثم خرج خلسة من الغرفة قبل عودة الحارس .. ومن بعدها عاد الى بيته مرتاحاً بعد تصحيحه لخطأ الماضي ..
***

في المساء .. وقبل نوم أمير حمدي في سريره : 
((حينما استيقظ , سأعود حتماً الى سن الأربعين .. لكن هذه المرة سأكون مدير ماجد الشرير , وليس العكس .. الشيء الوحيد الذي يحزنني انني لن ارى امي ثانيةً .. ليتني استطيع السهر معها اكثر , لكني اشعر بنعاسٍ شديد))
ثم غفى أمير حمدي من شدة التعب ..
***

في الصباح , وفور استيقاظه .. اسرع ناحية المرآة , ليتفاجأ بأنه مازال في سن العشرين ! 
- غريب ! مع اني أفسّدت خطة ماجد الخبيثة , فلما بقيت شاباً؟!
وهنا سمع نداء امه من خارج الغرفة :
- أمير حمدي !! الفطور جاهز

فقال مبتسماً : على الأقل سأبقى مع امي الحبيبة فترة اطول الى ان اعرف حلّ اللغز وأعود ثانيةً الى عمري الحقيقي
وخرج ليحضن امه بسعادة , وهي متفاجئة من حنانه الزائد هاذين اليومين!
***

في يوم النتائج .. حصل أمير حمدي على أعلى علامة بين الطلاّب , بينما استشاط ماجد غضباً بعد رؤية رسوبه في لوحة الإعلانات .. واسرع الى الطابق العلويّ .. فلحقه أمير , ليراه يُعاتب حارس غرفة الأساتذة الذي ردّ عليه بصوتٍ منخفض :
- انا قمت بواجبي وأدخلتك الغرفة , فما ذنبي انك لم تحسن التصرّف 

ثم مضى في طريقه , تاركاً ماجد يتأجّج غضباً بصمت .. فناداه أمير حمدي من بعيد , قائلاً بتهكّم :
- يبدو انني فسّرت منامي بالمقلوب , وانا من سأكون مديرك في المستقبل ايها الكسول .. (ثم ضحك ساخراً) .. سأذهب للإحتفال مع امي بنجاحي الباهر .. حظاً موفقاً لك في السنة القادمة

وخرج أمير من الجامعة وهو يقول : لن احزن عليه , فهذا الغشّاش إستحق عقابه .. وصداقتنا إنتهت هذا اليوم !!
***

بعد ايام , وفي المساء .. وضع أمير حمدي رأسه على الوسادة , وهو متأكّد بأنه سيستيقظ في سن الأربعين بعد انتهاء حفل التخرّج 
***

الا انه اكتشف صباحاً انه مازال في عمر العشرين !
فقال باستغراب : هل هذا يعني انني عُدّت نهائياً الى زمن الماضي , ام هناك خطبٌ ما عليّ تصليحه قبل عودتي الى عمري الحقيقي؟!
وهنا سمع امه تناديه للفطور .. 

واثناء تناوله الطعام , قالت له :
- بما انك تخرّجت يا بنيّ , فما رأيك ان أخطب لك ابنة الجيران ؟
- أيّةِ بنتٍ تقصدين ؟!
الأم : ابنة جارتنا في القرية .. التي كنت تلعب معها وانت صغير 
- سعاد ! لم ارها منذ عشر سنوات
- نعم , وقد انتقلت مع عائلتها الى هنا قبل شهر .. واريدك ان تذهب معي مساءً لزيارتهم .. وان أعجبتك , أخطبها لك 
أمير : لا يا امي , لا احب الزواج التقليدي .. اريد الزواج من فتاةٍ أعشقها بجنون 
- الحب يأتي بعد الزواج يا بنيّ , فلا تصدّق قصص الأفلام والمسلسلات ..
أمير مقاطعاً : رجاءً يا امي , أتركيني اختار من اشاء
ودخل غرفته .. 

لكنه حينما استلقى على فراشه , تذكّر مستقبله .. فقال بدهشة :
- يا الهي ! الآن فهمت لما لم أعد بعد الى سن الأربعين .. 

وبدأ يتذكّر ما حصل معه في الماضي : وكيف تزوج زميلته في الشركة بعد حبٍ جارف , والتي تغيرت كثيراً بعد إنجابها طفله .. وكيف أصرّت على الطلاق بعد اعتراضه على تعليم ابنه في الخارج .. كما تذكّر كيف اختلقت عليه الأكاذيب في المحكمة للحصول على الحضانة , التي خسرها بعد الجلسة الثالثة .. وكيف حرمته لخمس سنوات من رؤية ابنه (قبل إنتقاله المفاجىء للماضي)..

فقال أمير حمدي في نفسه : يبدو كلام امي صحيحاً , فالحب الحقيقي يأتي بعد الزواج !
*** 

في المساء .. وقبل خروج امه من البيت , تفاجأت بأمير يلبس طقماً رسمياً!
- أمير ! الى اين انت ذاهب ؟
أمير بابتسامة : ذاهبٌ معك لرؤية العروس
امه بدهشة : أحقاً ! والله أفرحت قلبي , فسعاد فتاةٌ مؤدبة ومن عائلة طيبة
- سأراها اولاً , وإن كانت ما تزال جميلة , سأغمزك , حينها تفاتيحهم بالموضوع 
فحضنته امه بسعادة : اذاً هيا بنا لرؤية العروس 
***

بعد يوم من خطبيته سعاد التي اعجبته كثيراً , نام على سريره وهو يقول :
- اكيد غداً سأعود الى سن الأربعين وانا ربّ اسرة سعيدة , بدل حياتي الماضي التي عشتها وحيداً في شقتي الكئيبة .. (ثم تنهّد بارتياح) ..أصبحت الآن أكثر تشوقاً للعودة الى حياتي السابقة بعد ان صحّحت مفاهيمي الخاطئة عن الحب والزواج 
***

لكنه استيقظ في اليوم التالي وهو مازال شاباً !
- يا الهي ! ماذا عسايّ ان أغيّر ايضاً لأعود الى حياتي اللعينة؟!!

وهنا وصله إتصال من قريبه يعزمه على العشاء برفقة بعض الأصدقاء الذين ارادوا الإحتفال بخطبته .. 
***

في المساء .. جلس أمير حمدي على طاولته وهو يراقب اصدقائه يرقصون امامه .. فهو رغم عودته شاباً , الا ان عقله الأربعيني يرفض هذه التفاهات  

وبينما هو شاردٌ على طاولته , تقدّم منه النادل قائلاً :
- اراك متعباً , هل رأسك يؤلمك ؟
أمير بتعب : أصابني الصداع بسبب صوت الأغاني العالي 
فأخرج النادل حبة من جيبه وهو يقول بخبث : 
- تفضّل , هذا دواء لعلاج الصداع ..

لكن قبل ان يأخذها أمير , تذكّر مستقبله وكيف أدمن المخدرات لعدة سنوات .. والتي كانت السبب في موت امه غاضبة عليه
فأمسك يد النادل التي بها الحبة بقوة , ونادى بصوتٍ عالي :
- اريد المدير حالاً !!

فارتبك النادل , وبدأ يترجّاه ان يترك يده .. الا ان أمير حمدي أصرّ على رؤية المدير الذي قدم بعد سماع صراخه , وسأله عن سبب إنزعاجه ..فقال أمير غاضباً : 
- كيف تسمح ببيع الممنوعات في مطعمك ؟!!
المدير بدهشة : نحن لا نبيع المخدرات هنا !
أمير حمدي : أنظر الى الحبة التي اراد موظفك إعطائي اياها , أليست هذه حبوب هلوسة ؟

فأخذ المدير الحبة من يد النادل الذي كان يرتجف بشدّة .. وبعد تأكّده منها , نادى على الحارس غاضباً : 
- خذّ النادل اللعين الى مركز الشرطة !!

ورغم توسّلات الموظف بتركه وشأنه , بعد تقديم إستقالته .. الا ان المدير أصرّ على عقابه , لتشويهه سمعة مطعمه الذي يرتاده المراهقون والشباب اليافعين .. وبعد اقتياده للشرطة .. إعتذر المدير من أمير حمدي امام الجميع , وقدّم له عرضاً بتناول الطعام المجاني في مطعمه لشهرين متتاليين .. فشكره أمير , ثم عاد الى بيته
***

قبل نومه .. قال أمير في نفسه :
- اكيد عندما استيقظ سأعود الى حياتي السابقة بعد تخلّصي من الإدمان الذي استغلّته زوجتي الحقيرة في المحكمة للحصول على حضانة ابني .. آه لحظة !.. اساساً هي لن تكون زوجتي بالمستقبل , بل سعاد , الصبية الطيبة الحنونة .. (ثم أخذ نفساً عميقاً , قائلاً بارتياح) .. بما انني أصلحت جميع اخطاء الماضي , فأنا على أتمّ الإستعداد لرؤية مستقبلي المشرق .. (ثم تثاءب بتعب) .. والآن لأنام قرير العين 
***  

الا انه استيقظ في اليوم التالي وهو مازال شاباً ! ..حينها فقط رضخ للأمر الواقع , قائلاً :
- لربما كانت حياة الأربعين مجرّد منامٌ غريب , وانا بالحقيقة مازلت في سن الشباب ! .. اساساً لما أستعجل حياةً مليئة بالأمراض والتعب .. سأستمتع بشبابي واقوم بنشاطات رياضية ورحلات عديدة بدل السنوات الماضية التي قضيتها مُنكبّاً على برامج الحاسوب .. يكفي انني سأبقى وقتاً اطول مع امي الغالية , وخطيبتي الجميلة سعاد 

ويوماً بعد يوم , إعتاد أمير حياة الشباب المليئة بالصحة والنشاط  
***

وفي إحدى الأيام .. ذهب الى الشركة للتقديم على عمل , كما وعد حماته 

وعلى عكس بقيّة المتقدمين للوظيفة , جلس بثقةٍ وحماس في غرفة الإنتظار .. فهي ذات الشركة التي عمل فيها لعشرين سنة والتي حُذفت فجأة من حياته ! لكنه مازال يتذكّر جميع تفاصيلها .. 
لذلك إنبهر به المدير اثناء تحدّثه عن مشاريعه المستقبلية التي يعلم مُسبقاً بأنها ستحقق ارباحاً كبيرة للشركة .. كما ان معرفته بطباع المدير واسلوب تعامله مع الموظفين سهّلت عليه المقابلة.. لذلك حصل بسهولة على وظيفةٍ راقية بالشركة , كما كان يحلم دائماً .. 

وعاد سعيداً الى بيته ليبشّر امه والعروس بحصوله على وظيفة الأحلام .. 
وبعد تلقيه الراتب الشهريّ الأول .. بدأت التحضيرات لعرسه القريب
***

في ذلك المساء ..نام على سريره وهو يقول بسعادة :
- هذه ليلتي الأخيرة في منزل امي , وغداً سأكون مع عروستي في شقتي الجديدة .. كم انا متحمسٌ ليوم الغد ..
***

حين استيقظ صباحاً , أحس بتعبٍ شديد في ظهره ومفاصله ..وبالكاد وصل الى مرآة غرفته .. وحين رأى شكله , تراجع الى الخلف بخوف :
- يا الهي ! ذقني بيضاء تماماً .. أبدو وكأنني في سن السبعين .. مالذي حصل ؟!

وهنا سمع صوت امرأة تناديه من خارج الغرفة .. 
وحين رآها , عرفها بصعوبة .. فهي سعاد في أواخر الستينيات !
وقبل ان يستوعب ما يحصل معه , رأى شاباً يقبّل يده وهو يقول :
- سأبيت هنا يومين مع عائلتي , إن كنت لا تمانع يا ابي 
فقالت امه : اهلاً وسهلاً بنيّ .. والدك سيسعد كثيراً بأحفاده .. اليس كذلك يا أمير حمدي ؟
أمير بدهشة : ماذا ! آه نعم .. اهلاً بكم 

وهنا اقتربت منه حفيدته وهي تقول :
- هل ستحكي لنا القصصّ , كما تفعل دائماً يا جدي ؟
والدها : حبيبتي ..أتركيه يرتاح قليلاً , فهو خرج قبل ايام من المستشفى
أمير باستغراب : المستشفى ! هل كنت مريضاً ؟!
زوجته : الربو أتعبك كثيراً يا عزيزي 
ابنه : مع اننا نصحناك كثيراً بترك السجائر..  
أمير مقاطعاً : لكني لا أدخن !

فقالت الأم لإبنها : أصبح والدك ينسى كثيراً هذه الأيام .. (ثم قالت لأمير) .. انت بدأت التدخين بعد إنتحار صديقك ماجد
أمير بدهشة : ماذا ! هل انتحر ماجد سليمان ؟!
ابنه : نعم يا ابي .. الم تخبرنا سابقاً : انه بعد فشله بإمتحان الجامعة لم يحصل على وظيفةٍ لائقة , فانتحر بعد فسخ حبيبته الخطوبة
أمير بحزن : يا الهي ! ماذا فعلت , لقد دمّرت حياته
زوجته سعاد : وما دخلك انت ؟ هو كان شاباً كسولاً وفشل في الجامعة ..فتوقف عن لوم نفسك يا رجل , هذا هو قدره
أمير بقهر : ليتكم لم تذكّروني بما حصل له 

حفيدته : لا تخفّ يا جدي , ستنساه قريباً .. فأنت احياناً تنسى اسمي 
والدها بعصبية : تأدّبي يا بنت , والاّ ضربتك !!
أمير : دعها يا بنيّ .. اساسا هناك اشياء غريبة تحصل معي هذه الأيام , وكأن مراحلاً من عمري تُحذف من ذاكرتي بشكلٍ فجائي , حتى انني لا أتذكّر الأحداث التي حصلت معي بعد سن الأربعين ! 
ابنه : لا تخفّ يا ابي , فالطبيب طمأننا انك مازلت بالمراحل الأولى للزهايمر
أمير بقلق : وهل أصبت بالزهايمر ايضاً ؟!
زوجته : لكنه مازال امامك سنوات طويلة قبل ان تفقد ذاكرتك تماماً
أمير بيأس : يا الهي ! مالذي يحصل معي ؟!
***

في المساء .. لم يستطع أمير حمدي النوم من صوت شخير زوجته العالي .. فوضع الوسادة فوق رأسه وهو يقول : 
- ليتني أعود شاباً من جديد
***

حين استيقظ من نومه , شعر بملابسه وفراشه مبلولين !
- ما هذا ! هل بدأت أتبوّل على نفسي ايضاً ؟!

وهنا دخلت امه الغرفة , لكنها كانت شابةٌ يافعة ! وكانت تناديه : 
- أمير حمدي.. استيقظ !! ستتأخّر على المدرسة .. ما هذا ؟! الم أطلب منك دخول الحمام قبل النوم , هكذا ستتأخّر على المدرسة .. هيا اسبقني الى الحمام , وسأحضر ملابسك لتحميمك 

لكنه اسرع نحو مرآة الخزانة , ليرى نفسه في سن السابعة !
أمير بدهشة : ماذا ! لقد عدّت صغيراً جداً
امه بحزم : هيا أمير !! أدخل الحمام بسرعة , ولا تتعبني ككل مرة

واثناء وجوده في حوض الإستحمام , بانتظار والدته .. سقط فجأة مُغمى عليه !
***

حين استيقظ , كان في مكانٍ مظلم .. ثم تناهى الى سمعه : صوتٌ بعيد لإمرأة تصرخ من الألم .. ورجلٌ يشجّعها قائلاً : 
- هيا إدفعي اكثر !! فأنا ارى رأس الطفل .. هيا تنفّسي بانتظام , وادفعي الطفل الى الخارج

وحين خرج من تلك الغرفة المظلمة , شعر بجسمه ينقلب رأساً على عقب ! وشخصٌ يمسك برجليه .. ثم شعر بصفعةٍ قوية على قفاه , جعلته يصرخ متألماً .. 

وسمع صوت الطبيب يسأل والده :
- مبروك , طفلٌ مُعافى ..ماذا ستسمي ابنك ؟
الوالد : أسمٌ مُركّب .. أمير حمدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الغرب الأمريكي (Cowboy)

تأليف : امل شانوحة الحجر الصحيّ الإلزاميّ في بداية القرن العشرين .. وقبيل بزوغ الفجر , فوق سفح الهضبة .. إستيقظت ديانا على صرخات وت...