الجمعة، 23 أغسطس 2019

هوس الأبراج

تأليف : امل شانوحة


 
برج حواء الجديد !

دخلت سهى الى الصالة لرؤية العريس .. وبعد دقائق , خرجت وهي تقول لوالدها : لست موافقة 
فسألها بقلق : لماذا ؟!
فاكتفت بالقول : لا يناسبني 
ودخلت غرفتها , وأقفلت الباب على نفسها .. 

بعد ذهاب العريس واهله , عاد والدها لسؤالها عن السبب .. فأجابته :
- برجه لا يناسب برجي 
فصرخ الأب غاضباً : الهذا السبب لم تجلسي معهم , هل جننت ؟!!
- لا تحاول يا ابي , لن اتزوج الا من شخصٍ يناسب برجي ..وهذا قراري النهائي

وعادت بلا مبالاة الى غرفتها .. تاركةً اباها يُعاتب امها على سوء التربية  
***

وبعد بلوغها سن الثلاثين .. يأس الوالدان من رفضها الدائم للعرسان , وتجاهلها لنصائحهما !

وفي يوم .. بادرت صديقتها بإقامة عزومة في بيتها , دون إعلامها بإحضار قريبها لرؤيتها بهدف الزواج .. وهي مطمئنة بقبولها به , لتوافقه التام مع برجها 
الا ان سهى إعتذرت عن القدوم الى السهرة , وأصرّت على الرفض !

وبعد ذهاب العريس , إتصلت بها لمعرفة الأسباب .. فأخبرتها سهى بتحذيرات عالمة فلكٍ مشهورة لأصحاب برجها هذا اليوم من مكيدة تُدبّر من إحدى الأصدقاء .. 
فاحتدّ الخلاف بينهما , أدّى الى فسخ صداقتهما التي دامت سنواتٍ طويلة ! وكان آخر ما قالته صديقتها : هو ضرورة خضوعها لعلاج نفسيّ من هوسها المرضي بالأفلاك 

وكعادة سهى تجاهلت كلامها , كما نصائح الجميع بشأن هذا الموضوع بالذات !
***

في خطبة ابنة اخت سهى , وبعد انتهاء الحفل .. إقتربت الخالة لتسألها عن برج خطيبها .. وبعد قيامها بالحسابات الفلكيّة (التي أصبحت خبيرة فيها) نصحتها سهى بتركه , لأنه لا يناسبها .. 
فجنّ جنون الأم ..وطلبت من سهى عدم الإقتراب من ابنتها ثانيةً , لأنها لا تريدها ان تُعنّس مثل خالتها .. 
فعادت سهى غاضبةً الى بيت اهلها
***

ووصل هوسها لدرجة انها لم تذهب الى عزاء والدها بسبب تحذير الأفلاك من عينٍ ستُصيبها في إحدى الإجتماعات .. ممّا أغضب أقاربها الذين قرّروا مقاطعتها .. لكن هذا لم يؤثّر على سهى التي تابعت دراستها الفلكيّة لتصبح خبيرة أفلاك مشهورة , كما تحلم دائماً
***

بعد موت والد سهى , أصبحت المسؤولة عن مصاريف امها التي لاحظت إنخفاض المرتّب كل شهر ! 
وحين استفسرت عن الأمر , أخبرتها سهى عن تغيّبها عن العمل في الأيام السيئة , بناءً على نصيحة معلّمتها الفلكية ! ممّا أغضب امها التي نبّهتها على تزايد مصاريف المنزل .. لكن هذا لم يوقف سهى عن سماع برجها اليومي كل صباح .. وبناءً عليه , تقرّر الذهاب الى العمل او لا ! 

الى ان وصلها إنذار من مديرها بالطرد , في حال تكرّر غيابها الغير مبرّر  
وكادت سهى تستقيل لولا الموظّف الجديد الذي أثار اعجابها , ممّا جعلها تلتزم أكثر بمواعيد العمل ..
لكنه كان شخصاً قليل الكلام .. 

الا انه مع الأيام تطوّرت علاقتهما , وأصبح مغرماً بها .. وقرّر مفاتحتها بموضوع الخطبة .. 
وكان اول سؤال وجّهته له :
- ماهو برجك ؟
زميلها باستغراب : عفواً ! 
وبعد إلحاحها بالسؤال , أخبرها ببرجه .. لتتغيّر معالم وجهها , وكأنها أصيبت بخيبة أملٍ كبيرة ! 
وابتعدت عن مكتبه وهي تقول :
- للأسف , لا نصيب بيننا 

ممّا أصابه بحيرة ! وحاول معرفة السبب من صديقتها التي أخبرته باستهزاء عن هوس سهى بالأبراج .. 
لكنه لم ييأس ...وحاول على مدى اسابيع إقناعها بتغير رأيها , وتذكيرها بالتوافق الفكري والروحي بينهما منذ بداية تعارفهما .. 
وبعد إصراره على زيارة عائلتها , فاجأته بالإستقالة من الشركة بعد حصولها على تعويض نهاية الخدمة .. 

وفي الوقت الذي كان يعاني فيه من كسرة القلب , كانت سهى تستخدم مال التعويض في تعلّم خفايا الأبراج من عالم فلكي مشهور , رغم إعتراض اهلها على سفرها الى الغربة !
***

بعد سنتين .. عادت الى الوطن امرأةً ثريّة , بعد تزايد أعداد متابعين قنواتها في وسائل التواصل الإجتماعي الخاصّة بعلم الفلك .. رغم ردودها العنيفة لكل من حاول تحذيرها في التعليقات : من ذنوبها وعقابها الأليم في الآخرة .. حيث كان تجيب مُنتقديها : بأنه علمٌ قديم مبني على حسابات فلكية دقيقة قام بها علماء الصينيون القدامى والفراعنة , مُستدلّة بالآية : ((فلا أقسم بمواقع النجوم , وانه لقسمٌ لوّ تعلمون عظيم)).. دون ان تُدرك المعنى الحقيقي للآية! 
***

وفي إحدى الأيام .. نُقلت امها للمستشفى , فأرادت سهى دفع تكاليف العملية .. الا ان امها رفضت مالها الحرام .. ممّا أحزن سهى كثيراً , وجعلها تعود الى بلاد الغربة ..
***

وقبل نهاية السنة .. فاجأت اهلها بخبر زواجها من رجلٍ عربي يعيش في نفس دولتها , بعد تناسب برجيهما الغربي والصيني .. فشعروا بارتياح كبير لزواجها .. وفرحوا أكثر بعد إنجابها للطفل 
***

الا انه بعد سنتين , تطلّقت منه ! وعادت الى الوطن دون ابنها التي تنازلت عنه لأهل زوجها ..
فعاتبتها اختها بدهشة : أمعقول انك تنازلتي بهذه السهولة عن طفلك؟!
فتنهّدت سهى بضيق : المشاكل بدأت مع زوجي حين ابتعدت عنه شهراً كاملاً
- لماذا ؟!
- لأني خفت ان أحمل في ذلك الشهر , فيأتي برج الولد غير موافق لبرجي

أختها بغضب : وهآقد خذلك الله , وولد ابنك في الشهر 7
- أعلم ذلك , لهذا قبلت بالتنازل عنه مقابل الطلاق , فهو سيتعبني بالمستقبل على حسب مواصفات برجه الصعبة
الأخت : انت حقاً مجنونة يا سهى ! أتخربين بيتك من اجل هذه التفاهات ؟!
سهى بعصبية : سواءً صدّقتي ام لا .. بإمكاننا تنبؤ المستقبل إن حسبنا تحرّكات الكواكب بدقةٍ واحترافية 
- هذا كلامٌ حرام !! إستغفري ربك فوراً
- لا اريد الجدال في هذا الموضوع , يكفيني التعليقات الساخرة والنصائح التافهة على اليوتيوب والإنستغرام

الأخت بتهكّم : اذاً أجيبيني !! الم يكن طليقك يناسبك من حيث البرج والطالع , فلما لم تتفقي معه ؟!
سهى : لا ادري .. ربما اهله لم يسجّلوه في يوم ميلاده , وتأخّروا شهراً او شهرين لحين تقيده في السجلّات ..
الأخت مقاطعة : توقفي يا سهى !! ستعيشين وحيدة ان تابعت هوسك العقيم هذا ! فعمرك تجاوز الأربعين , ولم تعودي صغيرة لتفكّري بهذه الطريقة المتخلّفة !!

الا ان سهى فضّلت الرحيل الى شقتها الجديدة , على سماع نصائح اختها الكبرى !
***

ومنذ وقتٍ قريب .. ضجّ العالم بخبر كوكب حامل الثعبان او برج حواء الجديد الذي غيّر خارطة الأبراج الفلكية .. ممّا أصاب مهوسيّ الأبراج وعلماء الفلك بارتباك ! وأولهم سهى التي انهال عليها متابعينها بالأسئلة والإستفسارات.. وبدورها إتصلت بعالمة الفلك (مثلها الأعلى) التي أكّدت صحّة الخبر ..فغضبت سهى منها , ولامتها على تدمير حياتها .. وألغت إشتراكها بصفحتها على الفيسبوك
***

في المساء .. جلست سهى تُعيد الحسابات الفلكية لأقاربها والأصدقاء.. 
وتأكّدت شكوكها : حين وجدت بأن طليقها على حسب التقويم الجديد لم يكن يناسبها بالفعل .. بل ان مواصفات برجه الجديد تطابقت عليه أكثر من برجه السابق ! بعكس ابنها الذي يتوافق برجه الجديد معها (بعد تخلّيها عنه) .. 

اما المفاجاة الكبرى : فكان زميلها بالعمل الذي انجذبت اليه من النظرة الأولى (قبل ان ترفضه) .. حيث تطابق برجه الجديد مع برجها بنسبة تفوق التسعين في المئة ! 
فتنهّدت بضيق , وهي تشعر بخيبة امل : 
- ماذا فعلت ؟ لقد خسرت حب حياتي .. (ثم فكّرت قليلاً) ..سأحاول إصلاح الأمر بشتّى الطرق
***

وشاءت الصدف ان تصلها دعوى لحفل إعتزال مديرها القديم , الذي عزم موظفينه القدامى .. 

وبالحفل , إلتقت بزميلها العزيز .. لكن ما ان اقتربت منه , حتى لاحظت الخاتم في يده !
- هل خطبت ؟
معاتباً : الناس تسلّم اولاً 
سلمى بارتباك : أعتذر .. كيف حالك ؟
- بخير , سمعت ان لديك قناة مهمة على اليوتيوب
فتنهّدت سلمى بضيق : أفكّر بإغلاقها قريباً , لأن برج حواء دمّر كل معتقداتي القديمة , وزعزع ثقتي بالجداول الفلكيّة 
- عن ماذا تتكلمين !

فأجابته بحماس : برج حواء الجديد Ophiuchus هو البرج 13 من الأبراج الفلكية ..وهو برج جديد تمّ إضافته الى قائمة الأبراج بحسب ما ذكرته صحيفة التايم الأمريكية , ووافق عليه وكالة الفضاء ناسا .. ويطلق عليه ايضاً برج حامل الثعبان .. 
مقاطعاً : سهى , انت تعلمين انني لا أهتم بالأبراج .. بل اؤمن فقط بالقدر .. وخطبت حبيبتي بعد إستخارتي لله وموافقة الأهل , وهذا يكفيني.. وهي صبية حنونة وجميلة جداً , ستأتي الى هنا بعد قليل
فأسرعت بسؤاله : ماهو برجها ؟
- سهى توقفي !! 
- ارجوك أجبني  

وبعد ان أخبرها , قالت بارتياح دون ان تُخفي حماسها :
- برجكما لا يتفقان , خاصة بالتقويم الجديد !!
فقال بعصبية : رجاءً يا سهى !! الا يكفي ما حصل لك بسب هوسك بهذه التفاهات .. لقد خسرتي عائلتك واحترام الناس لك , فهم الى اليوم يستهزئون من تفاهة عقلك .. عدا عن كسرة القلب التي تسبّبتها لي .. لهذا أنصحك كصديق بالتفكير جدّياً بالعلاج النفسي لتغير اسلوب حياتك 
فقالت غاضبة : انا لست مجنونة ! ولا اسمح لك بالتحدّث معي هكذا !!

بهذه الأثناء , وصلت خطيبته الى الحفل .. فسلّمت سهى عليها .. ثم ابتعدت عن الحشود , لمراقبتهما من بعيد .. لترى الإنسجام الواضح بينهما , وكأنهما على وفاقٍ تام ! 
فتمّتمت باستغراب : غريب ! كيف يُعقل هذا ؟! فأبراجهما تختلفان تماماً .. هل يُعقل ان هناك خطبٌ ما بعلم الأبراج ؟ .. وهل ضاعت حياتي سدى بدارسة معلوماتٍ غير صحيحة ؟ .. 

(ثم بدأت تتذكّر أخطائها الماضية , وهي تراقب بعينين دامعتين حبيبها القديم وخطيبته وهما يتراقصان بمحبة وحنان على نغمات الحفل الرومنسية).. 
- ماذا فعلت بنفسي ؟ .. هآقد كبرت في العمر .. وأغضبت والدايّ واخوتي واقاربي .. وخسرت صديقتي الوحيدة .. ودمّرت زواجي وتخلّيت عن طفلي .. عدا عن الذنوب والخطايا التي اكتسبتها منذ فتح قنواتي اللعينة ؟! .. (ثم تنهّدت بضيق) .. عليّ بالفعل تغير نمط حياتي ! 
وخرجت حزينة من الحفل ..

وما ان ركبت سيارتها , حتى اتصلت بها إحدى الزبائن تسألها عن نسبة التوافق بينها وبين خطيبها .. فأسرعت سهى بإخراج دفترٍ وقلم من حقيبتها , وهي تستفسر عن تواريخ الميلاد ..
الا انها تذكّرت ما حصل معها قبل قليل , فاعتذرت من الزبونة ..وأخبرتها أنها تخلّت عن هذه الوظيفة , بعد توبتها الى ربها توبةً نصوح ..وبأنها ستقوم بحذف جميع مواقعها بوسائل التواصل الاجتماعي فور وصولها الى المنزل .. 

وبعد إنهائها المكالمة , أخرجت كتب الفلك من سيارتها ورمتها في أقرب حاوية نفايات .. ومضت في طريقها وهي تلعن هوسها بالأبراج الذي دمّر حياتها , وحرمها من السعادة الأبديّة ! 

هناك تعليقان (2):

  1. رغم انني من وقتٍ لآخر اتابع الأبراج , الا انني أؤمن بأن اقدارنا بيد الله وحده , وليس بحركة الكواكب او بأوراق التاروت .. مُتمنية من الله ان يُبعدنا تماماً عن الإهتمام بهذه المواضيع التي تزيد من ذنوبنا.. اللهم آمين

    ردحذف
  2. قصة أو قولي شبه مقال جميل ومفيد وقيم رغم بساطة طرحه لخرافة ما يسمى الأبراج، والتي أكلت عقول الملايين من الناس وخاصة الشعوب المتخلفة الفاشلة والتي ترجع فشلها وتخلفها لمثل هكذا خزعبلات غيبية غبية...
    أتمنى أن تكثري من مثل هكذا قصص أو مواضيع تتطرق لبعض الأمراض المعنوية التي ساهمت في تخلف وتأخر مجتماعتنا.
    تحياتي لك أستاذة شانوحة
    شكرا

    ردحذف

الغرب الأمريكي (Cowboy)

تأليف : امل شانوحة الحجر الصحيّ الإلزاميّ في بداية القرن العشرين .. وقبيل بزوغ الفجر , فوق سفح الهضبة .. إستيقظت ديانا على صرخات وت...