السبت، 31 أغسطس 2019

قارب الموت

كتابة : امل شانوحة


 
طفلة المحيط !

صرخ مراقب السفينة من فوق الصارية : أنظروا هناك !!!.. فتاةٌ في البحر!
وعلى الفور !! تجمّع البحّارة امام القبطان الذي وجّه منظاره نحو المحيط , ليراها وهي تلوّح لهم من فوق العوّامة .. فأمر رجاله برمي الحبل اتجاهها .. وبعد عدّة محاولات , إستطاعت الصغيرة إلتقاطه بصعوبة .. ليقوموا بسحبها الى سفينتهم التابعة للشحن اليوناني .. 

وفور وصولها الى هناك , سقطت مغشياً عليها من شدّة التعب , بعد ان تمكّنوا من تمرير قطراتٍ عذبة عبر شفاهها الجافة المتشقّقة

ودار حوارٌ بينهم , امام الفتاة النائمة : 
حيث تساءل أحد البحّارة : كم برأيكم بقيت لوحدها في البحر ؟!
- السؤال الأهم .. كيف وصلت الى المحيط الأطلسي ؟!
- ربما غرقت سفينتها , وكانت الناجية الوحيدة بينهم !
القبطان : سأقوم بالإتصال بخفر السواحل ليحقّقوا بالأمر , ويستفسروا عن مصير عائلتها .. والآن ليحملها أحدكم الى مقصورة الطبيب ليتأكّد من سلامتها 
***

حين استيقظت الصغيرة , رأت الطبيب بجانبها والذي قال بارتياح: 
- اخيراً استيقظت
الفتاة وهي تتلفّت حولها بقلق : اين انا ؟!
- قمنا بانتشالك من البحر قبل ساعتين , لكنك بخيرٌ الآن .. ما اسمك يا صغيرة ؟
- تيري دوبرولت
- وكم عمرك ؟
- 11 سنة
الطبيب : واين هي عائلتك ؟
فسكتت تيري بحزن , فأردف الطبيب قائلاً :
- هل غرقت سفينتكم ؟ 
- نعم 

الطبيب بدهشة : وكم شخص كان على متنها ؟
- عائلتي ..والقبطان وزوجته
الطبيب مستفسراً : فقط ؟!
- نعم , كنّا في رحلةٍ بحرية الى جزر البهاما
- وكم عدد افراد عائلتك ؟
تيري بحزن : امي وابي واخي الكبير براين , واختي الصغرى رينيه
- وماذا حصل لهم ؟ .. أقصد مالذي جعلك تركبين العوّامة ؟ 
تيري : بعد هروب القبطان بقارب النجاة , تذكّرت العوّامة المربوطة في المقصورة الرئيسية , فركبت فيها قبل غرق السفينة 
- ولما لم تركبين مع القبطان ؟!
- خفت ان يقتلني كما قتل عائلتي  

الطبيب بدهشة : أمتأكدة انه قام بقتلهم ؟!
- نعم .. فقد رأيت امي واخي مذبوحين .. وقد أخذ جثة اختي معه في القارب .. واظن ان ابي وزوجة القبطان ميتين ايضاً , لأني صرخت كثيراً ولم يجبني احد ! 
ثم أجهشت بالبكاء .. 
- اهدأي عزيزتي .. سنساعدك , لا تخافي
***

ثم اسرع الى كابينة القبطان ليخبره بما علمه ..
القبطان باستغراب : ولما قتلهم ذلك اللعين ؟! 
الطبيب : لا ادري ! 
القبطان : حسناً , سأسألها بنفسي

وحين نزل اليها , طلب منها إخباره بالقصة الكاملة .. لكنها ارادت تناول الطعام اولاً .. فأحضر لها طبّاخ السفينة حساءً ساخناً .. فشربته بنهمّ من شدّة جوعها , بعد إنهائها العصير وقطعة الحلوى .. ثم سألت القبطان :
- هل ستوصلني الى منزلي ؟
القبطان : وهل تعرفين العنوان ؟
- أعيش في مدينة غرين باي  

الطبيب : لكننا ابتعدنا كثيراً عن ولاية ويسكونسن الأمريكية  
تيري بخوف : لا رجاءً أعيدوني , فكل اقاربي يعيشون هناك  
القبطان : أعدك حينما نصل الى وجهتنا , سأوصلك بنفسي الى الشرطة  لتتكفّل بإعادتك الى منزلك , لا تقلقي .. المهم الآن , ان تخبرينا بما حصل لعائلتك ؟

فأخبرت القبطان والطبيب : بأنها استيقظت مساءً على صرخات اخيها .. وحين صعدت الى سطح السفينة , وجدت امها واخيها مذبوحين ! والقبطان منشغلاً بإغراق السفينة .. وحين رآها ارتبك وطلب منها إمساك قاربه , دون إجابتها عن ما حصل لعائلتها .. لكنها رمت الحبل للبحث عن والدها , فأسرع قافزاً الى البحر للحاق بقارب النجاة .. وحين بدأت السفينة بالغرق , قفزت بالعوّامة الى البحر .. حيث بقيت تائهة في المحيط لأربعة ايام دون طعامٍ او ماء , حتى أوشكت على الموت .. 

القبطان : وهل تذكرين الإسم الكامل لقبطان رحلتكم ؟
تيري : كان والدي يناديه جوليان , امّا زوجته فتناديه هارفي
القبطان بدهشة : جوليان هارفي , الثريّ المجنون !
الطبيب : هل تعرفه ؟
القبطان : نعم ..هناك إشاعات إنه قتل زوجته السابقة للحصول على مال التأمين , كما انه دّمر سفينتان له للحصول على تعويضات مادية !  

الطبيب : اذاً يبدو انه حاول قتل زوجته الجديدة لنفس السبب , لكن احد افراد عائلتها ..(وأشار الى تيري).. رآه , فقرّر قتلهم جميعاً 
القبطان : ان كان هذا ما حصل فعلاً , فشهادة تيري ستقضي عليه هذه المرة .. (ثم قال لها) .. الحمد الله على سلامتك , فما مرّرت به كان صعباً للغاية .. أعانك الله على نسيان ذكرياتك السيئة .. والآن حاولي ان ترتاحي قليلاً , فالرحلة مازالت طويلة .. (ثم قال للطبيب) .. سأصعد الى الكابينة , إهتم بالصغيرة ..
وخرج من المقصورة وهو يشعر بالأسى عليها ..
***

في المساء .. تحدّثا مع البحّارة عن قصتها
فقال أحدهم : المسكينة ! شاهدت مقتل عائلتها , وغرق السفينة .. عدا عن جوعها وعطشها في المحيط لأربعة ايام , ومعاناتها من حروق الشمس .. هذا والله كثير !
فاقترح عليهم الطبيب ان يحاولوا إسعادها قدر الإمكان 
***

ومرّت الأيام ..حاول فيها البحّارة إخراجها من كآبتها بشتّى الطرق ..حيث تكفّل أحدهم بإخبارها القصص الخيالية , ومغامراتهم الشيقة في البحر ..بينما قام الآخر بنحت دمية خشبية لها .. امّا الطباخ فقد صنع لها الكثير من الحلويات اللذيذة .. وعزف لها الطبيب أجمل الألحان على مزماره , بمشاركة البحّارة في الغناء والرقص .. حتى ان القبطان حاول تعليمها قيادة السفينة .. وقد أحبها الجميع , وبدورها بدأت تتأقلم معهم ..
***

لكن في نهاية الأسبوع , تغيرت أحوالهم بعد مواجهتهم لعاصفةٍ هوجاء ..حينها قاموا بتخبأتها في غرفة المؤن , ومنعوها من الخروج لحين انتهاء الأزمة  

ومع بزوغ الفجر لتلك الليلة العصيبة , إكتشف القبطان غرق بحّارين في البحر اثناء العاصفة ! .. وعمّ الحزن بينهم , ووقفوا دقيقة صمت تكريماً لأرواحهما 

بعد يومين .. تفشّى مرضٌ جلدي بينهم , اصابهم بحكّة مؤلمة أدّت لاحقاً الى تعفّن جلودهم .. بينما وقف الطبيب عاجزاً عن معرفة اسباب المرض الغامض وطريقة علاجه ! 

وتمّ عزل الفتاة عن المرضى خوفاً عليها من العدوى .. ومات أكبر البحّارة سناً بعد انتشار الوباء في كافة جسمه .. فقاموا بلفّه بملاءة سريره ورميه في البحر .. 

بعدها بأيام .. إنتحر ثلاثة مصابين بعد ان تملّكهم اليأس من منظرهم المقزّز , حيث كان المرض أشبه بالجرب والجذام 

لكنه فجأة ! إختفى المرض بعد ان حصد ارواح البحّارة الأربعة .. وبدأ المصابين الثلاثة بالتماثل للشفاء دون حصولهم على دواءٍ او ترياق ! 

وما ان تنفّس الجميع الصعداء لانتهاء الأزمة المرضيّة , حتى علموا بأن برميل الماء العذب الكبير إنكسرت قاعدته دون سببٍ واضح , وانسكب كل ما فيه من مخزون المياه الذي كان كافياً لحين وصولهم لأول ميناء !

فعمّ الفزع بين البحّارة الذين حاولوا إيجاد مصدرٍ آخر لماء الشرب.. لكن لم تنفع طرق تحلية مياه البحر او التبخير .. والأسوء كان توقف المطر , رغم هطوله بغزارة طوال الفترة الماضية !  

لكن هذه لم تكن المشكلة الأخيرة .. بل تعرّض مطبخ السفينة لحريقٍ مُفاجىء بعد سقوط طنجرة القلي على الأرض , ممّا أدّى لانتشار الحريق الذي قضى على جميع المؤن الغذائية , قبل تمكّن البحّارة الفزعين من إطفائه .. وبالكاد نجوا من غرقٍ مؤكّد .. لكنهم باتوا يواجهون مصيراً اسوأ بالموت جوعاً وعطشاً قبل وصولهم الى شطّ الأمان !  
***

في ذلك المساء .. إنفجر أحد البحّارة غضباً : 
- لم أعد أتحمّل المزيد , علينا التخلّص فوراً من تيري اللعينة!!
القبطان باستغراب : وما دخلها بالموضوع ؟!
فردّ البّحار بعصبية : هذه الفتاة شؤم !! الا ترى المصائب التي انهالت علينا بعد إنقاذنا لها ؟ .. عواصف وامراض وحرائق وانتحارات وقتلى , واليوم اصبحنا بلا طعامٍ ولا ماء ! وكل هذا بسببها !!

البحّار الآخر : معك حق !! اساساً كانت شؤماً على اهلها 
- صحيح , وأظن قاتل عائلتها مات غرقاً ايضاً !  
- برأيّ علينا التخلّص منها , قبل ان نموت الواحد تلوّ الآخر
الطبيب مُعترضاً : هل الجوع أصابكم بالجنون ؟! هذه الصغيرة لا ذنب لها بما يحصل لنا 
- كنّا بألف خير قبل صعودها الى سفينتنا 
- هذا صحيح !! فنحن قمنا بعشرات الرحلات , ولم تصبنا كل هذه المصائب دفعةً واحدة ! وانا أقترح إعادتها الى البحر .. فمن يتفق معي ؟!!
- انا !!
- وانا ايضاً !!

وأجمع البحّارة على هذا الرأيّ , فلم يستطع القبطان معارضتهم خوفاً من إضرابهم عن العمل !
***

في صباح اليوم التالي .. وضعوا تيري في قاربٍ صغير مع قارورة ماء وبعض الخبز اليابس ..
فنادتهم من الأسفل ..
- ألن تركبوا معي ؟!
فأجابها أحد البحّارة : لا !! ستذهبين وحدك
تيري بقلق : الى اين ؟!
فردّ البحّار بلؤم : الى الجحيم !!
القبطان : إنتظروا يا رجال !!.. تيري عزيزتي ..عليك ان تُكملي الرحلة وحدك

فمسحت دموعها بخوف : الن تأتي معي ؟! 
القبطان محاولاً إخفاء حزنه : لا حبيبتي .. واريدك ان تبقي شجاعة , فمنزلك ليس بعيداً من هنا
فقال البحّار بلؤم : أتمنى ان تلقي عائلتك قريباً
القبطان معاتباً : إسكت يا رجل !!

وهنا سألته تيري : وهل سأصل سريعاً الى الشاطىء ؟ 
القبطان : نعم 
تيري : أتعدني يا عمّي ؟
فأمسك القبطان دمعته بصعوبة : أعدك يا صغيرتي .. ورجاءً لا تغضبي منّي , فوجهتنا بعيدة جداً عن منزلك .. ألقاء قريباً  
تيري بصوتٍ عالي : الى اللقاء يا اصدقاء !!

ولوّحت لهم ببراءة .. لكن القبطان والطبيب كانا الوحيدان اللذان لوّحا لها بحزن , الى ان اختفى قاربها المطاطيّ الصغير خلف الأمواج !
***

بعد حلول الظلام .. أخذت تيري تدنّدن في قاربها الضائع في المحيط .. 
وهنا ظهرت دوامةٍ كبيرة بالقرب منها .. 
فنظرت اليها , لترى ناراً يخرج منها كزوبعةٍ ضخمة تصل للسماء!
فقالت بصوتٍ عالي : لا داعي لكل هذه التأثيرات السينمائية يا ابي , فأنا وحدي هنا

فاختفى كل شيءٍ فجأة ! وظهر صوتٍ ضخم من اسفل البحر : 
- الم أقل لك ان البشر ملاعيين ؟ فهم تخلّوا عن فتاةٍ صغيرة بعد تعرّضهم لبعض الظروف العابرة
تيري بغضب : أتسمّي كل تلك المصائب بظروفٍ عابرة ؟! الم تعدني بأن لا تتدخّل في مغامراتي ؟!
فردّ الصوت : أردّت ان أسرّع لك النتائج , وأظهر لك مدى جبنهم ونذالتهم في مواجهة المجهول .. وأظني أثبت لك عزيزتي انهم لا يستحقون الجنة التي أحاول حرمانهم منها بكافة الطرق والوسائل 

تيري : وهل تظنهم علموا بأنني ابنة ابليس ؟
ابليس : لا اظن تخيلاتهم وصلت لهذه الدرجة , لكنهم مخلوقات سريعة التشاؤم والفزع كما لاحظتي ..المهم الآن , هل اقتنعتي بأن والدك عادلٌ في عقابي لهم ؟ 
- نعم ابي .. فبعد تخلّيهم عني , يمكنك القضاء على اولئك السفلة 
- جيد !! سأعطي الأوامر للجن الغوّاص بإغراق سفينتهم في الحال .. لكن ماذا عنك ؟ هل ستعودين الى قصري في اعماق البحر ؟

الفتاة : ليس بعد .. اريد مغامرة أخيرة مع البشر , لكن بشرط !! ان لا تتدخّل هذه المرة .. وأعدك ان أعاقبهم بنفسي أشدّ العقاب في حال تأكّدت من نواياهم الخبيثة  
صوت ابليس : ستثبت لك الأيام ان منهم من هو أشر من اخوتك الشياطين .. لكني سأدعك تخوضين التجربة وحدك , فلطالما كنت طفلتي المدلّلة .. وانا متأكّد انك ستعودين يوماً الى مملكتي وانت تبغضينهم أكثر مني .. الى اللقاء قريباً عزيزتي
***

في الصباح الباكر .. صرخ بحّارٌ يجلس فوق الصارية لسفينةٍ شراعية تابعة للقراصنة , بعد ان رأى من منظاره القارب المطاطيّ ..حيث نادى بعلوّ صوته :
- هناك فتاةٌ ضائعة في البحر !!

فأسرع قائد القراصنة بالنظر من منظاره نحو المكان الذي أشار عليه مراقبه .. وحين رآى تيري التائهة , قال في نفسه بخبث : 
- حوريّةٌ مجانية ! .. سأجعلها دميتي المُنحرفة 

ثم قاموا بسحبها اليهم , وهم لا يعلمون بأنهم قريباً سيتمنّون الموت الف مرة لإنقاذهم إبنة الشيطان المرعبة ! 

*******
ملاحظة : 
القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية , وأردّت تحويلها الى قصة مخيفة ..
رابط المقال :
https://www.kabbos.com/index.php?darck=6844

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحنان الأمومي

تأليف : امل شانوحة الإبن العاقّ في ظهر ذلك اليوم , واثناء إنشغالها في المطبخ .. دخل عليها ابنها الشاب بلباسه القوطيّ , بعد ان كانت ...