‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة تحفيزية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة تحفيزية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 3 سبتمبر 2026

صفقة الوفاء

تأليف : امل شانوحة


تاجر الصين

في مطار الصين .. راقب العجوز بضيق سير الحقائب ، اثناء مغادرة بقية المسافرون المكان.

وإذّ بشابٍ يحمل حقيبةً كبيرة يقترب منه ، وهو يقول : 
- استاذ .. حقيبتك معي 
فلم يتعرّف العجوز عليه ! وحين تأكّد أن الحقيبة له ، إنتزعها من يده .. معاتباً : 
- هذه حقيبتي ! لما أخذتها ، طالما ليست ملكك ؟
الشاب : 
- انت نسيتها على طاولة التفتيش في مطار اميركا ، ثم دخلت الى صالة المسافرين ، فلم استطع اللحاق بك .. لهذا ادّعيت انني قريبك لتسهيل الأمور ، فوضعوها على رقم مقعدي .. ولأنني سافرت على الدرجة السياحية ، وأنت على درجة رجال الأعمال ، لم أتمكّن الوصول إليك طوال رحلة الطيران. 

فشكره العجوز على عجل ، وهمّ بالخروج من المطار .. فلحقه الشاب :
- استاذ !! هل تسمح لي بمرافقتك إلى الفندق ؟
العجوز بضيق : 
- لست بحاجة الى جليس اطفال
- لم أقصد ذلك.. لكنها المرة الأولى التي أزور فيها الصين ، ولا أعرف لغتهم .. وكنت سمعتك تتحدث بطلاقة مع المضيفة الصينية ، وأظنك معتاداً على السفر إلى هنا..

فردّ العجوز بثقة:
- أنا رجل أعمال.. أزور الصين أكثر من مرة في السنة ، وأتعامل مع مصانعها منذ سنوات.
الشاب بحماس :
- ولهذا أريد مرافقتك ، لأني أخشى الضياع وحدي.
العجوز : ولما جئت إلى بلدٍ لا تعرف عنه شيئاً ؟
- لأني اريد البدء بتجارة ألعاب الأطفال..
العجوز بدهشة : 
- هذا مجالي أيضاً 
الشاب بسعادة :
- ممتاز !! اذاً اسمح لي بمرافقتك إلى المصانع التي تتعامل معها .. لربما أجد بعض الألعاب التي تناسب متجري الصغير.
العجوز بابتسامة :
- يعجبني طموحك.. حسناً يمكنك مرافقتي ، لكن بشرط !! عليك التعلّم مني دون التدخل في عملي  
الشاب : 
- اعدك ان أكون طالبك النجيب.

ثم حجز الشاب غرفة ، في الفندق نفسه الذي نزل فيه العجوز..
***

منذ صباح اليوم التالي ، بدأت رحلتهما التجارية .. 
حيث اخذه العجوز إلى المصانع الموثوقة ، وهو يشرح له كيفية فحصه جودة الألعاب .. وكيف يفاوضهم على السعر .. ومتى ينسحب من الصفقة.
بينما كان الشاب يدوّن الملاحظات في دفتره باهتمام ..
***

ومع الأيام ، لاحظ العجوز تعلّم الشاب بسرعةٍ مذهلة ! خاصة عندما يتناقشان امور التجارة اثناء عشائهم معاً في مطاعم الصين..

ولم ينتهي الشهر ، حتى نشأت علاقة صداقة جيدة بينهما .. عدا عن تعلّم الشاب الكثير من مهارة التجارة بالألعاب ، وفهمه لبعض الكلمات الصينية .. واعداً معلمه بالتسجيل في دوراتٍ مكثّفة فور عودته إلى أميركا ، لإتقان اللغة بطلاقة .
***

حين وصلا الى المطار الأميركي .. إستقبلهما وريث العجوز الذي طلب من سائقه الخاص إيصال والده إلى القصر .. بينما ذهب مع الشاب إلى مكتبه بالشركة.

وهناك سلّمه ظرفاً فيه مكافئة مالية عن مرافقته والده طوال وجوده بالصين

((فهذا الشاب كان بالحقيقة سائق العجوز الذي تم تعينه حديثاً ، والذي اوصل سيده للمطار حسب طلبه .. لكن قبل ابتعاده عن هناك ، اتصل به الوريث وهو يلومه على توصيل والده دون اذنه .. فقد ظهرت نتائج فحوصات ابيه الطبية التي تؤكّد بوادر مرض الزهايمر  
وبسبب ذلك ، عاد الشاب راكضاً الى المطار .. ليخبره الشرطي بنسيان العجوز حقيبته .. مما اجبر السائق على سحب كل ماله من بطاقته ، للحجز بنفس الطائرة .. بغرض ملازمة العجوز طوال الرحلة ، مدّعياً انه تاجرٌ صغير)) 

الوريث : ما فعلته مع ابي ، شهامةً منك .. وفي هذا الظرف ما يغطي كافة تكاليف رحلتك وزيادة.. لكني مضّطر لطردك من عملك كسائق ، كيّ لا ينتبه ابي لما حصل .. فمعرفته بمرضه سيدمّر نفسيته تماماً ، لعشقه للسفر والتجارة 

فرضخ الشاب لقرار الوريث ، وعاد الى منزله وهو ينوي البحث عن عملٍ جديد
***

بعد شهر .. إتصل به العجوز وهو يطلب منه القدوم الى قصره 
ليجد هناك المحامي ومعه اوراقاً رسمية ، بعد قرار العجوز بتعينه مُمثلاً لشركته في الصين ، ومنحه صلاحية التفاوض مع المصانع ..وإحضار البضائع والتعاقد مع الموردّين..
الشاب بارتباك : هذه وظيفة اكبر مني بكثير !

العجوز : لقد تعلمتَ في شهرٍ واحد ، ما يتعلّمه الآخرون في سنوات.. ولا داعي لأن تشرح لي شيئاً ، فإبني أخبرني بحقيقة ما جرى 
الشاب : غريب ! مع انه طلب مني ابقاء الأمر سرّاً
العجوز : هو أخبرني بمرضي ، بعد إصراري على تعينك .. فأنا لم اصبح من اهم تجّار البلد ، إلاّ لامتلاكي نظرة ثاقبة بالأشخاص .. ولهذا كسبت ثقتي لحظة مخاطرتك بمالك للحاق بي ، خوفاً من ضياعي بالصين بعد فقدان ذاكرتي .. وهذا الموقف يؤكّد استحقاقك للوظيفة بجدارة .. ولا تقلق ، سأرسل معك مساعدي ببداية سفرياتك ، الى ان تتقن العمل تماماً 
***

وبالفعل !! اثبت الشاب ذكائه التجاري ، مع سرعة تعلّمه ودقّة حساباته .. والأهم من ذلك ، أمانته النادرة 
عدا عن إتقانه اللغة الصينية بأقل من سنة .. حتى بات محترفاً بالتفاوض على الأسعار ، وجودة المنتجات مع اصحاب المصانع .. الى ان اصبح من اهم مورديّ شركة العجوز لألعاب الأطفال 

حتى ان الوريث الذي عارض تعيينه في البداية ، أصبح يعتمد عليه في الصفقات الآسيوية
^^^

وهكذا تبدّلت حياة الشاب من سائقٍ بسيط إلى تاجرٍ محترف ، بفضل قراره الإنساني الجريء : بعدم تركه مسناً مريضاً ، وحيداً في بلاد الغربة 


ورغم أن ذاكرة العجوز كانت تتلاشى كل يوم ، إلا أنه لم ينسى أبداً الشاب النبيل الذي عدّه ابناً ثانياً ، يمكن الإعتماد عليه حتى آخر عمره

الأربعاء، 20 مايو 2026

التاجرة الصغيرة

تأليف : امل شانوحة 

قانصة الفرص


داخل مطبخ المدرسة .. انتظرت طالبات الصف الثانوي عودة معلمة التدبير المنزلي التي تركت الحصة لاجتماعٍ ادرايّ طارئ 

فنظرت احداهن الى الكبدة النيئة وبقيّة المقادير على الطاولة ، قائلةً بقلق :

- يبدو سنتسمّم اليوم .. فالحصة شارفت على الإنتهاء ، والمعلمة لم تعدّ بعد!

الطالبة سناء : معك حق .. الأفضل ان نطبخها بالحال


وبدأت بتقطيع البصل ، بينما زميلاتها يُحذّرنها من عقاب المعلمة على لمسها الطعام دون اذنها !

فأجابت سناء بهدوء : ستفسد الكبدة مع هذا الحر .. ثم امي علّمتني الطبخ منذ صغري 


وخلال دقائق قليلة ، امتلأ المطبخ برائحةٍ شهية .. جعلت الطالبات يقتربن من القدر بإعجاب ! 


وبعد انهاء سناء الطبخة التي قسّمتها على الشطائر ..لم توزّعها على زميلاتها (كما توقعن) بل رتّبتها في صينيةٍ كبيرة ، حملتها الى غرفة المعلّمات 


لتعود بعد قليل مع رزمة من الأوراق النقدية..

فسألتها زميلاتها بذهول : هل بعتِها؟!

ابتسمت سناء بفخر: نعم .. والمعلمات طلبن المزيد غداً 


وبعد قليل ، عادت المعلمة الى المطبخ .. فظنت الطالبات انها ستعاقب سناء ، لكنها هنّأتها على لذة شطائرها .. وأعطتها العلامة الكاملة على موهبتها بالطبخ ، وعلى ذكائها التجاريّ الفطريّ !

***


ومنذ ذلك اليوم ، رغبت سناء بالمزيد من الفرص المالية .. 

وحصل ذلك بعد اسبوع ، عندما اوصلت الدفاتر إلى غرفة المعلمات .. فسمعت إحداهن تشكو لصديقتها : عن مأدبة عشاءٍ لعائلة زوجها ، مع ضيق وقتها للتحضير.


فتقدّمت سناء نحوها ، وهي تقترح بحماس : 

- امي طبّاخةٌ بارعة .. ووالدي سائق تاكسي ، سيوصل الطلبات ساخنة الى منزلك قبل موعد العزيمة


فأخذتها المعلمة جانباً ، وأملت عليها قائمة الأصناف التي تحتاجها مساءً

^^^ 


في اليوم التالي .. انتشر خبر العزيمة الناجحة بين المعلمات ، أسرع من انتشار القرارات الإدارية ! 

وبدأت الطلبات بالتزايد .. بينما تُسارع سناء العودة الى منزلها ، لمساعدة امها بالطبخ لساعات .. قبل اهتمامها بدروسها آخر الليل 


أما زميلاتها ، فكن يسخرن منها ويدعونها : 

- التاجرة الصغيرة!

لكنها تجيبهن بفخر :

- احاول مساعدة عائلتي بمصروف المنزل .. ولا عيب بالعمل الشريف

***


لم تكتفي بذلك.. بل عملت في مقصف المدرسة مقابل أجرٍ شهريٍّ بسيط ، ومساعدة العاملة في البيع وقت الفسحة


ثم صارت تنظّف كتب المكتبة وترتّبها بعد انتهاء الدوام ، مقابل مبلغٍ إضافي.


وبينما كانت بقية الطالبات تحلمن بيوم التخرّج ، كانت سناء تحسب الأرباح في دفترٍ صغير تُخبئه بحقيبتها.

***


فور تخرّجها الثانوي ، تزوجت سناء بعمرٍ صغير .. ولم تمضي سنة على انجابها طفل ، حتى اجبرتها ظروف الحرب التي اندلعت في بلادها الى الهجرة مع زوجها وابنها للغربة 


وهناك بدأت من الصفر.. شقةٌ ضيّقة ، ولغةٌ غريبة.. وأيامٌ طويلة من الإنكسار وانتظار الفرج 

***


وفي الغربة ، عاشت سنوات مع عائلتها على المساعدات الحكومية ..الى ان عادت يوماً باكية من المكتب الاداري بعد ان وصف الموظف العرب : بالعالة على دولتهم ! وأعطت زوجها اسورتيّ الذهب (كل ممتلكاتها) لبيعهما وشراء عربة طعامٍ صغيرة ، بعد قرارها الإعتماد على نفسها 

ثم اوقفت العربة قرب ملعبٍ رياضيّ ، حيث تجمّعت الجماهير امام بوّابته لساعات ، قبل بدء المباريات.


وكانت تبيع شطائر اللحم المُتبّلة على الطريقة العربية.. ولأن الرائحة غير مألوفة لديهم ، لم يقترب احد من عربتها .. 

فعادت حزينة الى بيتها ، دون ان تستسلم .. 

^^^


في موعد المباراة الثانية .. طلبت من ابنها (8 سنوات) القدوم معها (فور انتهاء مدرسته) لمساعدتها بالعمل .. حيث اعطته شطيرةً ساخنة ، لإعطائها لأسمن مشجّعٍ يقف بجانب البوّابة 


بهذه الأثناء .. انتبه الشباب (المتواجدون هناك) على سرعة التهام الرجل الضخم للشطيرة المجانية ..وصياحه ، مُطالباً الصغير بإحضار المزيد بأيّ سعرٍ يريده .. فسارعوا التجمّع حول عربة سناء 


وفي أقل من ساعة ، نفد كل شيء.. مما اسعد سناء لعدم فقدان موهبتها التجارية في الغربة

***


في الشتاء ، اعطت العربة لزوجها التي اوقفها (بناءً على مشورة سناء) قرب الحديقة العامة .. وعليها ثلاثة قدور كبيرة : 

شوربة العدس الأحمر ، والعدس البني ، وشوربة الشعيرية بالطماطم.

فمن شدة البرد ، بحثت الناس عن ايّ شيءٍ يمنحها الدفء بذلك الصقيع 


ولأن الأجانب لا يعرفون البقوليّات (التي اشترتها سناء من التسوّق الإلكتروني) أطلقوا عليها : 

((الشوربة الصفراء والبنية والحمراء))

ولأن الشوربات الملونة أشعرتهم بالطاقة والحيوية ، باتت القدور تُفرغ تماماً قبل مغيب الشمس.

***


مرّت سنوات الغربة .. وبفضل حسن تدبيرها الماليّ الصارم ، استطاعت فتح مطعماً للمأكولات العربية ، قرب مجمّع الشركات التجارية 


ولأنها فهمت عقليّة الأجانب الحريصين على اموالهم ، وخوفهم من تجربة المجهول .. سمحت للزبون الجديد بتذوّق ملعقة مجانية ، قبل طلبه الوجبات العربية التي فاجأت الموظفون بنكهاتها اللذيذة .. ليتحوّلوا مع مرور الوقت الى زبائن دائمين 


شيئاً فشيئاً ، صار مطعمها الأشهر في المنطقة..

***


وبعد عشرين عاماً من الكفاح في الغربة ، عادت سناء إلى وطنها..

وقرب مدرستها القديمة التي لُقبت يوماً فيها : بالتاجرة الصغيرة .. افتتحت أكبر مطعمٍ في المدينة.

^^^


وفي حفل الافتتاح ، سألتها زبونة باهتمام : 

- ما سر نجاحك؟

فأجابت سناء بابتسامة :

- كل شيء بدأ من حصة التدبير المنزلي… فشطائر الكبدة ايقظت موهبتي التجارية التي لم تولد من الكتب ، بل من اقتناصي لفرصٍ صغيرة رآها الآخرون تافهة ..ورأيتها فرصة العمر !


السبت، 14 فبراير 2026

حفل التكريم

تأليف : امل شانوحة 

الصف الأمامي


حصلت عجوز على بطاقة دعوة مجانية ، لحضور حفل تكريم للكتّاب العرب.. لم تعرف من أرسلها ! لكنها شعرت بالحماس والفرح ، لأن حلم حياتها هو حضور مناسبة تُنقل على الشاشات ووسائل التواصل الإجتماعي .. لهذا ارتدت أفضل ما لديها ، وصبغت وجهها بألوان زينة لا تناسب عمرها .. 

وذهبت إلى القاعة بخطواتٍ واثقة ، كأنها من ستُكرّم هناك ! 


فاستقبلها مُنسّق الحفل الذي قادها إلى مقعدها.. لتتفاجأ أنه بالصف الأمامي ، رغم عدم تعرّفها بعد على الفائزين الموهوبين !


لم تمضي دقائق .. حتى جاءت صبية ، أجلسها المنظّم بجانبها.. 

ثم جلس شابٌ وسيم بالمقعد الثالث بجانبهما.. ولأنهم غرباء ، التزموا الصمت بانتظار الحفل التكريمي 


ثم بدأ المذيع بإعلان أسماء الفائزين التسعة الأوائل من الكتّاب العرب.. 

وتوالت الأسماء والتصفيق .. دون معرفة الثلاثة أيّاً من المُكرّمين ، او سبب دعوتهم الى الحفل ! 


وحين أُعلن اسم الفائز الأول .. تجمّدوا في أماكنهم ، فالإسم معروفاً لديهم !

المذيع بصوتٍ جهوريّ : 

- نجلاء سعادة !! هي أفضل كاتبة عربية لعام 2027.


تصبّبت العجوز عرقاً ، فالفائزة قريبتها التي حاربتها لسنوات .. واستعانت بالسحر والشعوذة ، لتحطيمها بكل الطرق ! فقط لأن العرّافة أخبرتها يوماً : إن مستقبل نجلاء سيعلو على أبنائها. 

لهذا أنفقت مالها ، لاستدعاء اللعنات المتتالية .. لكن مصير نجلاء الذي تعثّر مطولاً ، رفض تغيّر ما قُدّر له ! 


أما الصبية التي جلست بجوارها : فكانت من أشدّ متابعي مدوّنتها قسوة.. ناقدة شرسة ، لا تترك قصة دون اتهام .. ولا سطراً دون التشكيك بسرقته من الذكاء الإصطناعي .. والتي نصحتها مراراً بالتوقف عن الكتابة ، والبحث عن وظيفةٍ مربحة ، مُدعيّةً حرصها على مستقبلها ! 


أما الشاب : فهو كاتبٌ منافس .. تظاهر بالحب ، لتعليقها به .. ثم هجرها ببرودٍ مُتعمّد ، لإطفاء موهبتها .. فدعته الليلة ، ليشهد العكس.


اعتلت نجلاء المسرح ، لتسلّم الجائزة.. ثم اعطاها المذيع الميكروفون لإلقاء كلمة .. فنظرت مباشرةً للصف الأول.

قائلةً بهدوء : 

((أريد من الجمهور شُكر هؤلاء الثلاثة)) 


فاقتربت الكاميرا منهم ، مُظهرةً وجوههم المرتبكة على الشاشة العملاقة.

وأكملت نجلاء كلامها : 

((فهم بنقدهم المُدمّر ، وأعمالهم السحريّة ، وغرامهم المزيّف… كانوا السبب في استمراري بالكتابة.. لولاهم ، لما أصرّيت على الانتصار.. رجاءً حيّوهم !! فهم السبب في تواجدي معكم الليلة)) 

 

فتعالت اصوات الاستنكار والهمسات الغاضبة من القاعة !

ونهض الثلاثة مرتبكين ، يجرّون خطواتهم نحو المخرج وسط استهجانٍ علنيّ..


وفور خروجهم المُهين ، ارتفع التصفيق صاخباً .. إحتفالاً بكاتبةٍ دفعت ثمن موهبتها ألماً وقهراً ، الى ان وصلت لقمّة النجاح !


السبت، 20 سبتمبر 2025

الظلال الستة

تأليف : امل شانوحة 

مراحل التطوّر


في ليلة الأوسكار المهيبة ، صمت الجمهور بانتظار إعلان الفائزين التي كانت من ضمنهم : الكاتبة العربية التي وقفت بثبات على خشبة المسرح ، بثوبها الأبيض الذي يُشبه صفحةً لم تُكتب بعد.. 

وقبل إستلام جائزتها ، قالت بصوتٍ هادئ :

- دعوني أعرّفكم اولاً ، على أصحاب الفضل بنجاحي هذه الليلة


فصعدنّ الى المسرح : ستة سيدات بفساتينهن السوداء ، تلبسن نظّاراتٍ قاتمة .. رؤوسهن مُنحنية ، كمن حملنّ على اكتافهن ثقل الماضي !  


ثم طلبت الكاتبة من مسؤول الحفل ، تسليط الإنارة على وجوههن .. لتنكشف المفاجأة : ستة نساء يُشبهنها تماماً .. وسط دهشة الجمهور !


فأكملت الكاتبة خطابها بثقة : 

- لا تخافوا !! هنّ لسنا توائمي ، بل نسخي الماضية اللآتي رافقتني برحلة الصعود .. فقد سمعت إنتقاداتكم قبل الحفل : ((بعدم إستحقاقي التكريم ، كوني لم أجتهد مثلكم !)).. فهذه السيدات الستة ، هنّ مراحل إنكساري.. كل واحدة منهن أجبرتها الظروف عند مفترق الطرق ، على التحوّل الى شخصيةٍ مُغايرة عن شخصيّتها الأصلية .. ولم يكن التغيير سهلاً .. فترك العادات والروتين اللذان تعوّدت عليهما لسنوات ، ليس بالأمر الهيّن .. فقد كان تحوّلي : انسلاخٌ نفسيّ وجسديّ مؤلميّن للغاية ، تسبّبا بليالٍ موجعة بالصداع والأرق .. عدا عن حزني العميق بفشلي المتواصل ، رغم جهودي بالكتابة وتميّزي بأفكار القصص ... جميع نسخي الستة ، كان عليهن تجاهل النقد المستمرّ من القريب والغريب الذين رأوا استمراري بموهبةٍ عقيمة ، هو فشلٌ ذريع ..والآن دعوني أعرّفكم على مراحل تطوّري الستة!! 


ثم تقدّمت النسخة الأولى من الكاتبة اثناء تعريفها للجمهور : 

- هذه النسخة ، أسميتها (المُتأمّلة) وهي تُعبّر عن مرحلة تفاؤلي بالنجاح ، بعد كتابة قصصي الأولى المُبدعة 


ومن بعدها اشارت الكاتبة لنسختها الثانية ، وهي تبتسم لها بفخر : 

- اما هذه !! فهي نسختي (المُجتهدة) التي تابعت تأليف القصص المتنوّعة بصمتٍ ورجاء  

ثم اختنق صوت الكاتبة قهراً ، وهي تنظر لنسختها الثالثة :

- وهذه اسميتها (المُتردّدة) التي كادت تستسلم عن موهبتها ، بعد فشلها المتواصل بإيصال موهبتها للمنتجين والمخرجين ، ومسؤولي المسابقات الأدبية !

ثم مدّت الكاتبة يدها ، للإمساك بنسختها الرابعة :

- وهذه أسميتها (المُحاربة) التي قاومت سخرية المحيطين من إستحالة حلمها 


ثم اقتربت نسختها الخامسة بوجهٍ شاحبٍ متعب .. لتقول الكاتبة بصوتٍ حنون ، كأنها تواسيها : 

- وهذه (المُنهارة) امام الأوجاع الجسديّة والآلام النفسيّة بعد فشلها بإيجاد من يُشارك همّها ، او يُبدّد شكوكها عن قيمة موهبتها !

ثم تقدّمت نسختها السادسة ، وهي ترفع رأسها بشموخ : 

- امّا هذه !! ف(المُخطّطة) وهي اجرأهنّ !! فهي من قرّرت تحويل قصصي الإلكترونية الى كتبٍ ورقية .. وصلت صداها لمسؤولي الأدب والفن ، بعد طول انتظار 


وأخذت الكاتبة نفساً عميقاً ، قبل قولها بنبرةٍ حاسمة :

- نجاحي الليلة لم يكن ثمار جهدي وحدي ، بل هو نتاج قراراهنّ الجريء  وصراعهن المرير.. ولولاهن !! لما وقفت امامكم على مسرحكم العالميّ 


ثم مدّت يدها نحوهن .. لتقوم الظلال الستة بالإندماج داخلها ، الواحدة تلوّ الأخرى .. مُضيئات جسم الكاتبة بوهجٍ أبيض ، اثناء استلامها الأوسكار الذي رفعته عالياً.. 

وسط تصفيق الجمهور الذين وقفوا احتراماً لها ، بعد إدراكهم اخيراً معاناة التحوّل والإستمراريةّ بحياة الموهوبين ، للوصول لقمّة النجاح والنجوميّة !


الخميس، 7 أغسطس 2025

ثمار الكفاح

تأليف : امل شانوحة 

الموهبة المُرهقة


في تلك الليلة .. استلقت الصبيّة على سريرها ، وهي تفكّر بقصتها الأولى التي نالت استحسان عائلتها .. وأخذت تتخيّل مستقبلها الزاهر .. وكيف ستتلقّى الدعوات من دوّر النشر ، لتوزيع قصتها التي ستتحوّل حتماً لفيلمٍ سينمائيّ يحصد نجاحاً محلّياً وعالمياً .. وأجرت مع نفسها حواراتٍ وهميّة خلال مقابلاتها التلفازيّة المستقبليّة ..كما تصوّرت نفسها وهي تعتلي المسرح للحصول على جائزتها ، كأفضل كاتبة صاعدة بعالم النجوميّة .. حتى انه تُناهى الى سمعها تصفيق الجمهور وصفيرهم ، تشجيعاً على موهبتها الفريدة التي ستكون سبب ثرائها ، وملاحقة الجمهور لتوقيع كتابها!


ثم وقفت بجانب المرآة ، وهي تتساءل بحماسٍ وفضول :                    - تُرى بأيّ عمرٍ ستنشهر موهبتي الكتابيّة ؟!


لترى انعكاسها وقد تحوّل لأمرأة بسن الخمسينات ، وهي تجيبها على سؤالها :

- النجاح لا يأتي من اول محاولة ، بل هو طريقٌ طويل مليء بالإنتكاسات والعثرات المؤلمة .. اما جواب سؤالك : فستنجحين بعد ٣٠ سنة من الجهد المتواصل


فتراجعت الصبيّة العشرينيّة للوراء ، وهي تقول باشمئزاز :

- لحظة ! أهذه انا بالمستقبل ؟! لقد شاب شعري وزاد وزني ، وضاع شبابي وجمالي ! .. كنت أظن ان القرّاء بإمكانهم تميّز الموهبة الإستثنائيّة بسهولة ، وإن نجاحي بهذا المجال سيكون سريعاً .. لا !! لن أُضيّع عمري بموهبةٍ تحتاج وقتاً طويلاً ، حتى تُعطي ثمارها ! سأبحث عن وظيفةٍ اداريّة ، أسترزق منها


وتوجّهت نحو طاولتها ، لتمزيق قصّتها الأولى .. فنادتها نسختها من المرآة:

- توقفي !! انت لم تسأليني عن حصيلة تعبنا ؟

الصبيّة بتهكّم : الواضح لي ، انكِ ضيّعت صحتك 

النسخة الكبيرة بنبرةٍ حزينة : هذا صحيح

- حسناً إخبريني ، كم ولدٍ أنجبنا ؟

- لم أتزوّج في شبابي ، ولم أخلّف

- يا سلام ! هذا يكفيني للتوقف عن احلامي الزائفة


وأمسكت قصّتها الورقيّة لتمزيقها ، فعادت نسختها الكبيرة لإيقافها :

- لحظة !! انت لم تُكملي اسئلتك

الصبية : إذاً إخبريني عن راتبي الشهريّ ؟

- لم أكسب مالاً ، قبل بيع قصّتي الأولى

- لثلاثين سنة ؟!

النسخة الكبيرة : نعم

- وكل هذا الوقت كنت تأخذين مصروفك من اهلك ، كالصغار؟!

- هذا صحيح

الصبيّة بعصبيّة : إعطيني سبباً واحداً لعدم تمزيق قصّتي المنحوسة؟!!

- هذه قصتك الأولى ، لكنها ليست الأخيرة


الصبيّة باهتمام : وكم قصة ألّفت حتى وصلت لعمرك ؟

النسخة الكبيرة بفخر : ألف قصة 

الصبية بصدمة : ألف ! كنت أظن انني سأكون محظوظة إن وصلت لخمسين فقط ! كيف استطعت فعل ذلك ؟!

- كما يُبنى السور ، حجرةً كل يوم .. وانت صممّتي بأن لا يمرّ اسبوع دون قصةٍ جديدة ، وأحياناً تنشرين خلال ايامٍ فقط


الصبيّة : وهل الكتابة المتواصلة أرهقتني ؟

النسخة الكبيرة : الا يظهر ذلك جليّاً عليّ ؟

الصبية : لا انكر ان شكلك مُزري

- شكراً لذوّقك

- حسناً إخبريني ، ماذا حقّقت بنهاية كفاحي ؟

- صُرتِ من اهمّ كتّاب بلدك .. وتحوّلت قصصك لفيديوهات وأفلامٍ سينمائيّة.. وأجبرت الجميع على احترامك وتقدير جهودك ، خاصة انك تنوّعتِ بالمواضيع الأدبيّة .. ولم تلتزمي بنوعٍ واحد ، كما فعل أكثريّة الكتّاب .. وهذا هو سبب تميّزك عنهم


الصبيّة بفرح : أحقاً !

- لا اريد خداعك .. فهذا الشيء لم يحصل الا بعد سنوات من استهزاء اقرانك بك ، حتى أصبحتِ رمزاً للفتاة الفاشلة والعاطلة عن العمل .. لكن الأقارب والأصدقاء لم يكونوا يعرفون انك تبنين مستقبلك بصمت .. والذي احتاج الكثير من الصبر والإرهاق النفسي والجسدي بسبب السهر المتواصل ، مُتسبّباً ألم العينين والأرق الدائم والصداع المستمرّ

الصبيّة بضيق : أعطيني مُلخّص حياتي .. ماذا استفدّت بالنهاية ؟

النسخة الكبيرة : دعيني أريك منزلك المستقبليّ 


وشاهدت الصبيّة الغُرف الفخمة والحديقة الكبيرة في شريطٍ مصوّر ، كفيديو عُرض على المرآة .. فقالت بدهشة :

- أهذه فلّتي ؟!

النسخة الكبيرة : بل قصرك الذي تعيشين فيه مع زوجك وابنك

- لحظة ! الم تقولي انك لم تتزوجي مُطلقاً ؟!

- قلت لم أتزوّج في شبابي .. لكن بعد شهرتي ، وجدّتُ نصيبي 

الصبيّة : وكيف أنجبتي بعمر الخمسين ؟!

- هو ابن زوجي الذي ربّيته كأبني .. وطالما يحترمني كأمه ، فلا داعي لتجربة متاعب الحمل والولادة                                                                                                                                                             

الصبيّة : أتقصدين بعد المجهود الجبّار ، سأحصل على المال والعائلة ؟

النسخة الكبيرة : بالإضافة للشهرة والسمعة الطيبة .. كما سيتسجّل اسمك بالتاريخ كصاحبة الألف قصة قصيرة ، كل واحدة اجمل من الأخرى ..والتي ستُترجم لاحقاً لعدّة لغات .. ومنها ما تحوّل لفيلمٍ عالميّ .. عدا عن الكثير من الجوائز المحلّية والدوليّة .. حتى أُنظري بنفسك !!

الصبيّة بصدمة : أهذه جائزة الأوسكار ؟!

- نعم ، انت العربية الوحيدة التي حصلتِ عليها

- اذا كانت هذه حصيلة تعبي ، فلن أُمزّق قصتي 


النسخة الكبيرة : أحسنت !! الآن ضعيها بالدرج.. ثم أُخرجي دفتراً جديداً ، لكتابة قصتك الثانية

فتنهّدت الصبيّة : أقلتِ الف قصة ؟!

- مع ملايين المتابعين

الصبيّة بضيق : سيكون مشواراً طويلاً ! 

- لن انكر انه ِسيكون مُتعباً ومُحبطاً بكثير من الأحيان ..عدا انه مُرهق من كافة النواحي .. لكن ثماره ستدوم لآخر عمرك ، وستساعدين مادياً كل من حولك .. والأهم من ذلك ، ستنشهر اسم عائلتك للأبد

- اذاً الأمر يستحق المحاولة

النسخة الكبيرة : بالتأكيد !! هيا عودي الى طاولتك ، للتفكير بموضوع القصة التالية

الصبيّة : على الأقل لن اقلق من نقص الأفكار ، طالما بشّرتني بتحقيق هدفي بنهاية المطاف 


فودّعتها النسخة الكبيرة ، قبل اختفائها من المرآة .. لتبدأ الصبيّة في التفكير بموضوع قصتها الثانية وهي تشعر ببعض اليأس ، بعد الإيقان بزراعتها بذرةٍ تحتاج عمراً لكيّ تنمو وتُثمر ، مع حكمةٍ ووعيٍّ ينضجان بكل حكاية.. لكنها ايضاً شعرت بالراحة ، لامتلاكها القدرة الذهنيّة على المتابعة حتى النهاية .. 


وبدأت بقصتها التي استمرّت بكتابتها طوال الليل .. والتي لن تكون ليلتها الأخيرة ، فالسهر المُرهق سيصبح عادتها لثلاثين سنةٍ القادمة!

 

الاثنين، 21 يوليو 2025

نقطة تحوّل

تأليف : امل شانوحة 

القصة المُعدّلة


جلست امام كعكة عيد ميلادها ٤٧ ، ببيجامتها وشعرها المنكوش ..وهي تحتفل وحدها بعد زواج إخوتها ، وبقائها مفردها في منزل اهلها .. وأخذت تُدنّدن بنبراتٍ ساخرة ، أغنيّة عيد الميلاد .. قبل إطفاء شمعتها ، وهي تتمنى للمرّة الأخيرة تغيّر حياتها المُملّة !

ومن بعدها فتحت حاسوبها وهي تتأمّل مدوّنتها التي فيها ٨٥٠ قصة متنوّعة ، والتي أمضت سنوات شبابها بكتابتها.. ورغم جوّدة وإحترافيّة الأفكار ، الا ان لديها قلّة من المتابعين ! 

فقالت بحسرة :

- كان عليّ سماع نصيحة إخوتي ، بالعمل بأيّةِ وظيفة اداريّة بدل تضييع عمري بالإهتمام بموهبة ستتلاشى أهميّتها بعد الذكاء الإصطناعي الذي قضى على المواهب البشريّة !


وقبل إغلاق حاسوبها ، إنتبهت لرسالة في بريدها الإلكترونيّ من منتجٍ مشهور يعرض عليها مليون دولار بعد اختيار إحدى قصصها لتحويلها لفيلمٍ سينمائيّ ! 


شعورٌ لم تعهده من قبل ! قشعريرة سرت بكل جسدها ، كأنها نبتةً ميتة سُقيت بماءٍ مُنعش.. 

وبيدين مُرتجفتين ، سألته عن اسم القصة التي أعجبته ؟

لتتفاجأ باختياره قصة : عن رسّامة طموحة تقرّر انهاء حياتها بعد فشلها ببيع لوحاتها ، التي انشهرت بالإنترنت بعد وفاتها ! 

وهي القصة الوحيدة التي سردت فيها الكاتبة معاناتها من تعسّر احوالها ، من خلال البطلة (الرسّامة) التي جسّدت فيها يأسها من الحياة الغير عادلة ! وهي قصة كئيبة بامتياز ، بسبب كره الكاتبة لعنوستها وفشلها بإيجاد وظيفةٍ مُلائمة.. 


ولم تنتهي الصُدف باختيار المنتج لقصة حياتها لتحويلها لفيلم ، بل طلب منها تغيير نهاية القصة لتكون اكثر تفاؤلاً للشباب ! 

فوعدته بتنفيذ طلبه بأسرع وقتٍ ممكن

***


لتمضي ليلتها في صراعٍ نفسيّ مع قصةٍ تحكي تفاصيل حياتها .. مما جعلها بين ناريّن : صدقها الأدبيّ ، ورغبتها بالتأثير الإيجابي على المشاهدين .. من خلال إرغام نفسها على تغيّر اسلوبها الدراماتيكيّ التي اعتادت عليه لسنواتٍ طويلة !


فخطرت ببالها فكرة : وهي نشر النسخة المُعدّلة في مدوّنتها ، لمعرفة رأيّ قرّائها إن كانوا يفضلوّن النهاية القديمة اليائسة ، ام النهاية الإيجابيّة الجديدة : ((وهي تمكّن البطلة (الرسّامة) من بيع اول لوحاتها ، لمعجبٍ يعمل سرّاً كهاكر.. إستطاع نشر لوحتها ضمن موقعٍ الكترونيّ تابع لأهم معرضٍ فنّي ، مُختصّ بلوحات اشهر الفنانين العالميين.. ليقوم الأثرياء برفع سعر اللوحة بالمزاد العلني.. مما جعل مسؤولوا المعرض يطالبون الرسّامة بإرسال المزيد من لوحاتها بعد زيادة الطلب عليها ! وكلّه بمساهمة الهاكر التي وافقت الزواج به ، بعد تغيّره حياتها بذكائه ومكره ، دون ان يكشف خداعه احد !))

***


لتتفاجأ الكاتبة باليوم التالي ، بالكثير من التعليقات الإيجابية على قصتها المُعدّلة ! (رغم ان الكاتبة اعتادت سابقاً بوجود تعليق او تعليقيّن على كل قصة تنشرها ، مهما كانت قوّتها الأدبيّة) لكن هذه المرة تجاوزت المئة تعليق من قرّائها المُخلصين الذين تابعوا مسيرتها الأدبيّة لسنواتٍ بصمت !

وجميعهم أيّدوا تغيير نمطها الكتابيّ .. وابتعادها اخيراً عن السوداويّة التي كانت تُنغّص نفوسهم رغم جوّدة افكارها الإبداعيّة !             


مما صدمها بالفعل ! فهي لم تكن تدري ان قصصها لها تأثير نفسي سلبي عليهم.. فهي حاولت إخراج يأسها من عقلها وقلبها على شكل قصةٍ خياليّة فحسب !

وهذا جعلها تشعر بالمسؤوليّة امام مئات الشباب والمراهقين الذين زوّدت إكتئابهم ونظرتهم المتشائمة للمجتمع طوال سنوات نشرها القصص !


فسارعت بنشر رسالة اعتذارٍ لهم :

((الى قرّاء مدوّنتي المُخلصين :

أعتذر عن كل قصة اطفأت نور الأمل في قلوبكم بسبب نهايتها المأساويّة .. فمن دون قصد تسرّب يأسي وحزني بين السطور ، دون إدراكي بظلالها السوداء التي حطّت على عقولكم وقلوبكم .. ليس رغبةً بإيذائكم ، بل جهلاً مني بتأثير الكلمة على نفوسكم وآمالكم المستقبليّة ! 

من اليوم فصاعداً ، سأكون على قدر المسؤوليّة لما تخطّه يُمنايّ.. رغم أنّي لن أُزيّف واقعنا الكئيب ، لكني سأبحث معكم عن نورٍ في آخر نفقنا الطويل المظلم.. 

الى ان نصل معاً ، لنهاية الألم والمعاناة.. ثم نتساعد للصعود الى سلّم النجاح خطوةً بخطوة.. 


شكراً لمرافقتكم دربيّ الطويل الشائك ، رغم افكاريّ السلبيّة .. انا مُمّتنة لعدم ترككم مدوّنتي المتواضعة.. 

ومنذ اليوم ، لن يكون هناك سوى قصصاً مُفعمة بالأمل والتفاؤل ، وإيماناً بقدرة الله على تغيير مستقبلنا نحو الأفضل .. 

انتم اجمل قصصي وأكثرها وفاءً.. 

كاتبتكم المُحبّة))


لتصلها مجموعة من الردود والمديح .. كما النقد البنّاء من قرّائها المُتمكّنين من اللغة الأدبيّة الذين قدّموا نصائح مفيدة تساعدها بمستقبلها القادم.. كما شجّعوها على تعاملها مع المنتج ، لتحويل قصة حياتها لفيلمٍ سينمائيّ

***


وهذا ما حصل لاحقاً .. بعد رفضها مبلغ المليون دولار من المنتج ، واستبداله بنسبة عشرين في المئة من ارباح الفيلم ، في حال نجح بصالات السينما بنسخته المُتفائلة ..فهي لا تريد الحصول على مبلغٍ كبير إن لم يشاهده احد (كيّ لا يتكبّد المنتج الخسارة وحده)


لكن مالا تعلمه الكاتبة انِِ هذه النسبة جعلتها تحصل على اضعاف المبلغ الذي كان سيقدّمه المنتج ، بعد ترجمة فيلمها لعدّة لغات ! حتى أصبح ايقونة ورمزاً ثقافيّاً للشباب ، بعد ان اعطاهم دفعة امل لمتابعة حلمهم ، وصولاً للنجاح والشهرة !

***


وفي المقابل .. أثّر الثراء المادي على نفسيّة الكاتبة التي اعتنت بجمالها لأول مرة منذ صباها ، بعد ان غيّرت اسلوب لبسها .. واشترت منزلاً صغيراً بالجبل ، لديه مطلّ رائع يلهمها المزيد من الكتابة.. 


كما تحسّنت علاقتها بإخوتها واقاربها بعد مساعدتهم ماديّاً ، عقب ظهورها بعدّة مقابلاتٍ تلفازيّة ، ومعارض الكتاب لتوقيع قصصها التي نشرتها مؤخّراً .. والتي حضرها مجموعة من قرّائها القدامى ، للتصوير معها.. 

وهي في المقابل اعطتهم هدايا قيّمة ، إمتناناً على دعمهم السابق طوال مسيرتها الكتابيّة

***


بعد سنوات ، وفي عيد ميلادها السبعين .. لم تكن وحدها ، بل مع مجموعة من المعجبين الذين اقاموا إحتفالاً لها بإحدى صالات السينما ، بعد عرض فيلمها العشرين الذي نجح عالميّاً كسابقيه


وبعد توديعها لهم ، عادت الى منزلها الجبليّ.. لكن فرحتها بنجاحها الأخير ، حرمها النوم .. فذهبت للشرفة المُطلّة على واديٍ مُزهر ، بنسماته العليلة .. واضاءت مصباحها .. لكتابة قصة جديدة متفائلة ، كعادتها بالسنوات الأخيرة .. والإبتسامة العريضة تعلو وجهها السمح .. يعكس نوراً داخليّاً ، سيضيء درباً للأجيال القادمة !


السبت، 28 مارس 2020

المخيّم الصيفيّ

تأليف : امل شانوحة


دروس في الحياة

وزّع قائد الرحلة اسئلة على المراهقين , بآخر ليلةٍ لهم في المخيّم.. 

وعندما قرأوها , نظروا الى بعضهم باستغراب ! ثم سأل أحدهم :
- ايها القائد !! هذه ليست اسئلة عن رحلتنا او طُرق التخييم ؟!
القائد : أعرف هذا , لكن إجاباتها ستحدّد مستقبلكم .. ابدأوا الكتابة!!

فانكبّ المراهقون على إجابة الأسئلة , وهم يشعرون بالحيرة والإرتباك !

بعد ساعة , جمع القائد الأوراق .. طالباً منهم من العودة الى خيامهم والنوم مُبكراً , إستعداداً للرحيل في صباح الغد 
*** 

داخل خيمة القائد , أخذ يقرأ إجاباتهم .. وكما توقع , اجاب بعضهم بطريقةٍ ساخرة .. والبعض الآخر بطريقةٍ تقليدية.. 

لكن هناك ورقة استوقفته , لمراهقٍ خجول وانطوائي !
حيث اجاب كالتالي : 

- هل انت شخصٌ مهم ؟
من وجهة نظري , نعم !! .. فرأيّ الآخرين لم يهمّني يوماً , طالما انني لا أعصي الله والوالدين 

- هل سيتذكّرك الآخرون بعد رحيلك ؟
لا أريد ان ينتهي عمري كإسمٍ مجهول في ورقة نعوة .. بل سأحرص ان أكون قدّوة طموحة وناجحة , وفردٌ صالح في المجتمع 

- ماهو أرثك ؟
لديّ موهبة في الكتابة ..وسأحاول من خلال قصصي توصيل افكاري للقرّاء , وابداء آرائي حول مشاكل مجتمعنا

- هل ستحقّق حلمك يوماً , ام ستأخذه معك للقبر ؟
اؤمن بأن الله اعطى الأحلام والطموحات للأشخاص المناسبين لتلك المهمّات , لهذا لن اتوقف قبل الفوز المنشود

- هل تتحلّى بالشجاعة لإخبار احدهم أنك تحبه , ام ستدفن مشاعرك في قلبك للأبد ؟
لم اكن يوماً شجاعاً في إظهار مشاعري .. لكن أرجو من الله انه كما وضع الحبيب في طريقي , أن يسمح لنا بإكمال حياتنا سويّاً  

- هل ستصبح قائداً ام تابعاً ؟
قائدٌ في مجال مهنتي , لأساعد به الآخرين  

- هل رأيك يهمّ من حولك ؟
انا أبدي رأيّ بجميع الأحوال , وهم احرار بتقبّله ام لا .. فلست من الأشخاص الذين يتجاهلون المشاكل , دون تقديم الحلول المنطقية من وجهة نظري 

- هل ستُحدث تغيراً في حياة الآخرين بالمستقبل ؟
أسعى لذلك بكل ما أوتيت من قوةٍ وتصميم وارادة .. فأنا خُلقت لحكمة , ولن اموت قبل تحقيقها , وبنجاحٍ يُبهر من حولي بإذن الله تعالى
***

في صباح اليوم الأخير من المخيّم .. طلب القائد من المراهق الطموح قراءة إجاباته امام رفاقه .. 
وبعد انتهائه , صفّق له بفخر .. مما أجبر البقيّة على التصفيق له 

ثم قال القائد لهم , بصوتٍ جهوريّ :
- يا شباب المستقبل !! .. النجاح يحتاج الى شجاعة .. والإبداع يحتاج الى تميّز .. والنجومية تحتاج لجهدٍ وعمل.. وتحقيق ذلك ليس سهلاً كما تتوقعون .. ولوّ كان , لامتلأت الأرض بالعلماء والأبطال والناجحين .. لكنه طريقٌ عَسِرْ , مليء بالمطبّات وخيبات الأمل .. فمنذ خطوتك الأولى نحو حلمك , ستُهاجم بآراء المحبطين من حولك , ومحاربة شكوكك الداخلية .. فنجاحك لن يُعجب الجميع ! .. تخيّل نفسك امام إعصار يحمل الأتربة والأخشاب المتطايرة وشظايا الزجاج الحادّ , وعليك العبور من خلاله للضفّة الأخرى : فإمّا ان تقتلك العاصفة , او تُصاب بجروحٍ لا يُمحيها الزمن .. فحياتك أشبه بالوقوف على جبلٍ صغير ! ومهمّتك الوصول لقمّة جبلٍ شاهق , مروراً بواديٍ سحيق الذي عادةً ما تصل اليه مُتعباً في منتصف العمر .. حينها تفاجىء بسيلٍ من المصائب على هيئة اشخاصٍ مُحبطين , وماصّي طاقتك الإيجابية , واصحاب الآراء السلبية , والعاشقين المزيفين , والأصدقاء المضلّلين حتى تصل الى ذرّوة احباطك .. وبعضهم ينتحر في هذه المرحلة الدقيقة من حياتنا 

فسأله أحد المراهقين باهتمامٍ وقلق : ولما يفعل الله بنا ذلك ؟!
القائد : لأنه يعلم تماماً ان نسختك التي أوصلتك الوادي لن تستطيع إكمال طريقها للقمّة , لهذا يُرسل اليك المشاكل الصعبة لقتل نسختك المُهترئة .. عندها تكون امام مفترق طرق : اما ان تستسلم وتعيش في الوادي الكئيب كإنسانٍ عادي حتى نهاية عمرك , او تتخلّى عن نسختك القديمة لإكمال مهمّتك (كفراشةٍ تخرج من شرنقتها) وبشخصيةٍ قوية تجعلك قادر على تسلّق الجبل الشاهق حيث النجومية والثروة والنجاح .. لذا عليك ان تدرك أن كلما تجاوزت مشكلةً صعبة , فهو دليل على تقدّمك خطوة نحو النجاح .. بشرط ان لا تكرّر اخطاءك , كيّ لا تدور في حلقةٍ مُفرغة ..فمصاعب حياتنا اشبه بمراحل العاب الأتاري التي ..

احد المراهقين مقاطعاً : إسمها بلايّ ستيشن !!
القائد مبتسماً : آه صحيح ! المهم ان تدرك بأن الله لن ينقلك للمرحلة التالية قبل تأكّده من اكتسابك الخبرة والدروس من المرحلة السابقة التي جعلتك اكثر صلابة لمواجهة المزيد من الصعوبات وصولاً للقمّة , فلا تستعجل النتائج .. وتأكّد ان حياتك لن تتغير أن واجهت مشاكلك بالطريقة نفسها : كالعودة لأصدقاء السوء , او حبيبك المزيّف .. فالدنيا عبارة عن متاهةٍ كبيرة : إن مشيت في ذات الإتجاه , ستواجه نفس السدّ .. لكن إن غيّرت اتجاهك كل مرة , ستجدّ حتماً الطريق الذي يُخرجك من المتاهة.. وحينها تصبح الحياة سهلة وممتعة بعد حلّك لغزها .. هل كلامي مفهوم ؟

فأومأوا برأسهم إيجاباً , ليُكمل القائد قائلاً : 
- في النهاية اريد كل واحدٍ منكم ان ينظر للحياة بتفاؤل , دون التحجّج بماضيه , وإلقائه اللوم على الآخرين .. فلا يهمّ ان كنت يتيماً او والديك منفصلين او فقيراً او مصاب بأمراضٍ مزمنة او لديك اعاقات جسدية .. فقط دعّ ماضيك خلفك وركّز على مستقبلك واهدافك ... ولوّ قرأت عن حياة المشاهير لوجدتهم جميعاً واجهوا أصعب الظروف وانتصروا عليها .. وهذا ما يجعل النجاح اكثر متعة , فالحياة السهلة مملّة للغاية .. والأفضل ان تحياها كمغامرةٍ جميلة , مثل راكب الأمواج الذي يتحمّس كلما صادفته موجة اكبر وأخطر , فهذا ما يصنع الأبطال .. واسعى دائماً لتحقيق حلمك بكل ما اوتيت من قوة , لتكنّ قدوة حسنة للأجيال من بعدك .. وبهذا الخطاب أُنهي مخيّمنا الصيفيّ , على أمل اللقاء بكم في السنة المقبلة

فالتفّ المراهقون حول قائدهم لتوديعه والدموع في عيونهم , قبل ركوبهم الحافلة متوجّهين الى بيوتهم , بعد ان حفرت نصائحه في عقولهم التي ستغيّر مستقبلهم نحو الأفضل 
******

ملاحظة :
النصائح المكتوبة في القصة تُعبّر عن رأيّ الخاص .. ولا ادري مدى صحتها ! لكن هذا ما علّمتني الحياة , وأردّتُ مشاركته معكم .. أتمنى ان تعجبكم قصتي (رغم قصرها)

المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة  الخطيب الغيّور دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :  - وأين اجرة...