تأليف : امل شانوحة
المتسابقون المقنّعون
فتح جاك عينيه ! ليجد نفسه داخل ملعبٍ رياضيّ ، واقفاً عند خط البداية بجانب ستة رجال يرتدون ملابس رياضية سوداء ، وأقنعةً بيضاء تخفي وجوههم ..
ورغم عدم لبسه للقناع مثلهم .. لكنه لاحظ وجود سمّاعة صغيرة مثبّتة في أذنه ، كبقيّة المشتركين .. كأنها شرطٌ أساسيّ في هذه المسابقة الغريبة !
والأغرب عدم وجود جمهور في الملعب ولا لوحات إعلانية ، ولا حتى ساعة تشير إلى موعد بدء السباق.. فقط مضمار طويل يمتدّ أمامهم ، وينتهي عند بوّابة ذهبية تلمع من بعيد !
ولم يمنحه المسؤول (الذي يراقبهم وحيداً من مقاعد المدرّبين) فرصة لسؤال الآخرين عمّا يحصل ، بعد إطلاق صافرته
وسرعان ما ركض الرجال الستة في منافسةٍ شرسة .. دفعت جاك للركض خلفهم ، دون فهمه بما يجري حوله !
^^^
في البداية ، كانوا جميعاً أسرع منه.. الى ان لاحظ المتسابق الأول الذي يسبقه بخطواتٍ قليلة ، يتراجع بعد ان خفّت طاقته !
وإذّ بجاك يسمع شكوى ذلك المتسابق المنهار في اذنه ، وهو يقول بألم :
- المشاكل العائلية ارهقتني .. لا اشعر بالأمان في منزل طفولتي
فتمّتم جاك في نفسه :
((كان عليك تعلّم إيجابيات اهلك ، ونسيان سلبيّاتهم لتكمل السباق !))
ثم التفت جاك اليه ، بعد توقفه عن الجري .. لينصدم بأن المتسابق الخاسر ازال قناعه .. ليظهر مدى تشابهه معه ، كأنه انعكاسه في المرآة !
لكن سرعان ما استعاد جاك توازنه ، مُكملاً مسابقة الركض الغريبة
^^^
بعد مسافةٍ أخرى ، تجاوز متسابقاً ثانياً بعد سماع شكوته من السمّاعة:
- سخروا مني طوال دراستي... ومازلت أسمع نقدهم الجارح في رأسي!
فقال جاك في نفسه بضيق :
((المتنمّرون لم يعودوا حولك .. كان عليك تجاهل أصواتهم لربح السباق))
ثم خلع الخاسر الثاني قناعه ، ليظهر ايضاً شبهه الكبير بجاك بنظراته المكسورة.
فحاول جاك تجاهل ما يحصل ، وهو يواصل الركض نحو البوّابة الذهبية
^^^
وعندما تجاوز المتسابق الثالث ، سمعه يقول بقهر :
- خدعتني المرأة الوحيدة التي أحببتها في حياتي ... ولا أستطيع محو جرحها العميق في قلبي !
فقال جاك بضيق في نفسه :
((يا رجل ، يوجد غيرها ! فهي لم تكن مُقدرة لك .. هيا قفّ ، واكمل السباق !!))
ليظهر الوجه ذاته (الشبيه بجاك) بعد ازالة قناعه !
لكن بال جاك كان مشغولاً بالوصول للنهاية ، بما تبقى من قوته
^^^
وعندما تجاوز المتسابق الرابع ، سمعه يقول (من السمّاعة) :
- لست مناسباً لربح السباق .. انا فاشل !! الجميع يصفني هكذا
فرد جاك :
((ما كان عليك تصديق حقدهم وغيرتهم منك))
وهذه المرة لم يهتم بتشابهه معه (بعد إزالة قناعه) .. فالمسابقة كلها ، عبارة عن كابوس غير منطقي بالنسبة له !
^^^
اما المتسابق الخامس الذي صار خلفه ، فسمعه يقول بندم :
- هو اذاني اولاً ، ومع ذلك أشعر بتأنيب الضمير لفضح اسراره !
جاك :
((أشغلت نفسك بالإنتقام ، وأهملت هدفك بالحياة))
وبعد ان رأى التشابه بينهما بعد ازالة قناعه ، تمّتم جاك بلا مبالاة :
- تماماً كما توقعت !
^^^
وحين تجاوز بصعوبة المتسابق السادس والأخير ، الذي توقف بإرادته قبل خطواتٍ قليلة من خط النهاية .. وهو يتنفّس غاضباً :
- لما ينتقدني الجميع؟!! لما يحقدون عليّ ؟!! لما لا يعترفون بنجاحي؟!
فردّ جاك في نفسه :
((لأنك جعلت رأيهم ، أهم من رأيك بنفسك))
وعندما ظهر الوجه ذاته ، بعد إزالة المتسابق الأخير قناعه ..
قال جاك بنفسه بخوف :
((ترى كم شبيهٌ لي في هذا العالم ؟! وكيف استطاعوا جمعهم بهذه المسابقة المريبة ؟! والأغرب أن آلامهم ومشاكلهم انتقلت إليّ ، كأنها أحمالٌ ثقيلة أُلقيت على عاتقي!))
ثم نظر إلى البوّابة الذهبية التي تبعد خطواتٍ قليلةٍ عنه ، باذلاً آخر ما تبقى من قوته.. الى ان تمكّن وحده من عبور خط النهاية !
^^^
وحين توقف جاك لالتقاط انفاسه .. سمع تصفيق المسؤول الذي اقترب منه مُهنّئاً ، ومعه الميدالية الذهبية التي وضعها على صدر جاك .. وهو يقول بفخر :
- احسنت يا بطل !! لقد فزت عليهم جميعاً
فنظر جاك خلفه ، ليرى المتسابقين الستة يواسون بعضهم على الخسارة :
- فزت على من ، سيدي ؟ وكيف تمكّنت من إحضار جميع اشباهي الى هذه المسابقة ؟!
المسؤول بابتسامة :
- انت لم تفزّ على غرباء ، بل فزت على نفسك.
ثم اشار للمتسابقين الستة ، وهو يكمل كلامه :
- في الحياة ، لست مضّطراً لمنافسة أشخاص آخرين .. فدائماً سيكون هناك من هو أغنى منك ، أو أشهر ، أو أسرع وصولاً لأهدافه .. لكن المنافسة الحقيقية والوحيدة ، هي مع نسخك الماضية
جاك بصدمة :
- هل كانوا جميعاً نسخاً مني ؟!
المسؤول :
- نعم !! فالمتسابق الأول : كان نسختك الخائفة التي ظلّت اسيرة ذكريات طفولتها.. والثاني : نسختك الضعيفة التي صدّقت تنمّر الآخرين.. والثالث : نسختك المكسورة التي أغلقت قلبها بعد خيبتك العاطفية .. والرابع : نسختك التي سمحت للفشل أن يحدّد قيمتها.. والخامس : نسختك التي شعرت بالندم وتأنيب الضمير ، بعد انتقامك من صديقك الخائن .. أما السادس والأخير : فهي نسختك الغاضبة ، من عدم تقدير المحيطين لمواهبك واحلامك !
جاك بقلق : وماذا عني ؟ كيف تصفني الآن ؟
فربت المسؤول على كتفه ، بفخر :
- نسختك الحالية هي التي استوعبت الدروس والخيبات الماضية ، ولهذا استحقيت الفوز.. ليس لأنك الأقوى بينهم ، بل لأنك الوحيد الذي رفض التوقف ، وأكملت المسير من حيث توقف الآخرون.. فكل إنسان يصنع نسخاً متعدّدة من ذاته طوال رحلته في هذه الدنيا .. والقرار المصيري ليس في تجنّب السقوط ، بل استخلاص أفضل نسخة ممكنة من حصيلة التجارب الصعبة التي مرّرت بها طوال حياتك
ثم فتح المسؤول البوّابة الذهبية ، التي ظهر خلفها طريقٌ طويل مجهول !
وهو يقول لجاك :
- السباق الحقيقي يبدأ اليوم .. فهيا انطلق للإمام ، واصنع المستقبل الذي حلمت به دائماً .. ولا تقلق من شيء ، فأنت تنطلق بأقوى نسخة من ذاتك.. النسخة التي لا تعرف الإنكسار والإحباط
فانطلق جاك للإمام بكل شجاعة ، بعد فهمه لمغزى السباق :
((فهو لم يتوجّب عليه هزيمة العالم... بل عليه فقط التغلّب على نسخه القديمة التي كادت تسرق منه مستقبله الواعد ونجاحه المشرق))

هذه القصة لعاصم وكل المحبطين من قرّاء مدونتي ، رجاءً مهما اشتدّت عليكم ظروف الحياة ، اياكم ان تيأسوا من رحمة الله .. فكل انسان خلقه الله لهدف ، ابحثوا عن مواهبكم وطوّروها وأفيدوا البشرية .. وازيلوا فكرة الإنتحار تماماً من عقولكم .. ليس عدلاً ان نعيش جحيم الدنيا والأخرة معاً ! نحن مسلمين ، وأملنا بالله قوي ولا ينقطع باليأس والمصائب !
ردحذف