السبت، 19 سبتمبر 2026

سباق الذات

تأليف : امل شانوحة 

المتسابقون المقنّعون


فتح جاك عينيه ! ليجد نفسه داخل ملعبٍ رياضيّ ، واقفاً عند خط البداية بجانب ستة رجال يرتدون ملابس رياضية سوداء ، وأقنعةً بيضاء تخفي وجوههم .. 

ورغم عدم لبسه للقناع مثلهم .. لكنه لاحظ وجود سمّاعة صغيرة مثبّتة في أذنه ، كبقيّة المشتركين .. كأنها شرطٌ أساسيّ في هذه المسابقة الغريبة !


والأغرب عدم وجود جمهور في الملعب ولا لوحات إعلانية ، ولا حتى ساعة تشير إلى موعد بدء السباق.. فقط مضمار طويل يمتدّ أمامهم ، وينتهي عند بوّابة ذهبية تلمع من بعيد !

ولم يمنحه المسؤول (الذي يراقبهم وحيداً من مقاعد المدرّبين) فرصة لسؤال الآخرين عمّا يحصل ، بعد إطلاق صافرته


وسرعان ما ركض الرجال الستة في منافسةٍ شرسة .. دفعت جاك للركض خلفهم ، دون فهمه بما يجري حوله ! 

^^^


في البداية ، كانوا جميعاً أسرع منه.. الى ان لاحظ المتسابق الأول الذي يسبقه بخطواتٍ قليلة ، يتراجع بعد ان خفّت طاقته ! 


وإذّ بجاك يسمع شكوى ذلك المتسابق المنهار في اذنه ، وهو يقول بألم : 

- المشاكل العائلية ارهقتني .. لا اشعر بالأمان في منزل طفولتي 

فتمّتم جاك في نفسه : 

((كان عليك تعلّم إيجابيات اهلك ، ونسيان سلبيّاتهم لتكمل السباق !))


ثم التفت جاك اليه ، بعد توقفه عن الجري .. لينصدم بأن المتسابق الخاسر ازال قناعه .. ليظهر مدى تشابهه معه ، كأنه انعكاسه في المرآة !


لكن سرعان ما استعاد جاك توازنه ، مُكملاً مسابقة الركض الغريبة 

^^^


بعد مسافةٍ أخرى ، تجاوز متسابقاً ثانياً بعد سماع شكوته من السمّاعة: 

- سخروا مني طوال دراستي... ومازلت أسمع نقدهم الجارح في رأسي!

فقال جاك في نفسه بضيق : 

((المتنمّرون لم يعودوا حولك .. كان عليك تجاهل أصواتهم لربح السباق))


ثم خلع الخاسر الثاني قناعه ، ليظهر ايضاً شبهه الكبير بجاك بنظراته المكسورة.

فحاول جاك تجاهل ما يحصل ، وهو يواصل الركض نحو البوّابة الذهبية

^^^


وعندما تجاوز المتسابق الثالث ، سمعه يقول بقهر : 

- خدعتني المرأة الوحيدة التي أحببتها في حياتي ... ولا أستطيع محو جرحها العميق في قلبي ! 

فقال جاك بضيق في نفسه : 

((يا رجل ، يوجد غيرها ! فهي لم تكن مُقدرة لك .. هيا قفّ ، واكمل السباق !!)) 


ليظهر الوجه ذاته (الشبيه بجاك) بعد ازالة قناعه !

لكن بال جاك كان مشغولاً بالوصول للنهاية ، بما تبقى من قوته

^^^


وعندما تجاوز المتسابق الرابع ، سمعه يقول (من السمّاعة) :

- لست مناسباً لربح السباق .. انا فاشل !! الجميع يصفني هكذا 

فرد جاك : 

((ما كان عليك تصديق حقدهم وغيرتهم منك)) 


وهذه المرة لم يهتم بتشابهه معه (بعد إزالة قناعه) .. فالمسابقة كلها ، عبارة عن كابوس غير منطقي بالنسبة له ! 

^^^


اما المتسابق الخامس الذي صار خلفه ، فسمعه يقول بندم : 

- هو اذاني اولاً ، ومع ذلك أشعر بتأنيب الضمير لفضح اسراره ! 

جاك : 

((أشغلت نفسك بالإنتقام ، وأهملت هدفك بالحياة))


وبعد ان رأى التشابه بينهما بعد ازالة قناعه ، تمّتم جاك بلا مبالاة :

- تماماً كما توقعت !

^^^


وحين تجاوز بصعوبة المتسابق السادس والأخير ، الذي توقف بإرادته قبل خطواتٍ قليلة من خط النهاية .. وهو يتنفّس غاضباً :

- لما ينتقدني الجميع؟!! لما يحقدون عليّ ؟!! لما لا يعترفون بنجاحي؟!

فردّ جاك في نفسه : 

((لأنك جعلت رأيهم ، أهم من رأيك بنفسك))


وعندما ظهر الوجه ذاته ، بعد إزالة المتسابق الأخير قناعه .. 

قال جاك بنفسه بخوف :  

((ترى كم شبيهٌ لي في هذا العالم ؟! وكيف استطاعوا جمعهم بهذه المسابقة المريبة ؟! والأغرب أن آلامهم ومشاكلهم انتقلت إليّ ، كأنها أحمالٌ ثقيلة أُلقيت على عاتقي!)) 


ثم نظر إلى البوّابة الذهبية التي تبعد خطواتٍ قليلةٍ عنه ، باذلاً آخر ما تبقى من قوته.. الى ان تمكّن وحده من عبور خط النهاية !

^^^


وحين توقف جاك لالتقاط انفاسه .. سمع تصفيق المسؤول الذي اقترب منه مُهنّئاً ، ومعه الميدالية الذهبية التي وضعها على صدر جاك .. وهو يقول بفخر :

- احسنت يا بطل !! لقد فزت عليهم جميعاً 


فنظر جاك خلفه ، ليرى المتسابقين الستة يواسون بعضهم على الخسارة :

- فزت على من ، سيدي ؟ وكيف تمكّنت من إحضار جميع اشباهي الى هذه المسابقة ؟!

المسؤول بابتسامة :

- انت لم تفزّ على غرباء ، بل فزت على نفسك.


ثم اشار للمتسابقين الستة ، وهو يكمل كلامه :

- في الحياة ، لست مضّطراً لمنافسة أشخاص آخرين .. فدائماً سيكون هناك من هو أغنى منك ، أو أشهر ، أو أسرع وصولاً لأهدافه .. لكن المنافسة الحقيقية والوحيدة ، هي مع نسخك الماضية 

جاك بصدمة :

- هل كانوا جميعاً نسخاً مني ؟!


المسؤول : 

- نعم !! فالمتسابق الأول : كان نسختك الخائفة التي ظلّت اسيرة ذكريات طفولتها.. والثاني : نسختك الضعيفة التي صدّقت تنمّر الآخرين.. والثالث :  نسختك المكسورة التي أغلقت قلبها بعد خيبتك العاطفية .. والرابع : نسختك التي سمحت للفشل أن يحدّد قيمتها.. والخامس : نسختك التي شعرت بالندم وتأنيب الضمير ، بعد انتقامك من صديقك الخائن .. أما السادس والأخير : فهي نسختك الغاضبة ، من عدم تقدير المحيطين لمواهبك واحلامك !

جاك بقلق : وماذا عني ؟ كيف تصفني الآن ؟


فربت المسؤول على كتفه ، بفخر : 

- نسختك الحالية هي التي استوعبت الدروس والخيبات الماضية ، ولهذا استحقيت الفوز.. ليس لأنك الأقوى بينهم ، بل لأنك الوحيد الذي رفض التوقف ، وأكملت المسير من حيث توقف الآخرون.. فكل إنسان يصنع نسخاً متعدّدة من ذاته طوال رحلته في هذه الدنيا .. والقرار المصيري ليس في تجنّب السقوط ، بل استخلاص أفضل نسخة ممكنة من حصيلة التجارب الصعبة التي مرّرت بها طوال حياتك


ثم فتح المسؤول البوّابة الذهبية ، التي ظهر خلفها طريقٌ طويل مجهول !

وهو يقول لجاك :

- السباق الحقيقي يبدأ اليوم .. فهيا انطلق للإمام ، واصنع المستقبل الذي حلمت به دائماً .. ولا تقلق من شيء ، فأنت تنطلق بأقوى نسخة من ذاتك.. النسخة التي لا تعرف الإنكسار والإحباط 


فانطلق جاك للإمام بكل شجاعة ، بعد فهمه لمغزى السباق :

((فهو لم يتوجّب عليه هزيمة العالم... بل عليه فقط التغلّب على نسخه القديمة التي كادت تسرق منه مستقبله الواعد ونجاحه المشرق))


هناك 4 تعليقات:

  1. هذه القصة لعاصم وكل المحبطين من قرّاء مدونتي ، رجاءً مهما اشتدّت عليكم ظروف الحياة ، اياكم ان تيأسوا من رحمة الله .. فكل انسان خلقه الله لهدف ، ابحثوا عن مواهبكم وطوّروها وأفيدوا البشرية .. وازيلوا فكرة الإنتحار تماماً من عقولكم .. ليس عدلاً ان نعيش جحيم الدنيا والأخرة معاً ! نحن مسلمين ، وأملنا بالله قوي ولا ينقطع باليأس والمصائب !

    ردحذف
  2. أنا أتعجب من هذا الإحباط والتشاؤم!! لماذا؟؟!!
    هذا ما يريده الشيطان يربد الكفر واليأس من رحمة الله والآيات معروفة
    قصة رائعة تشبه قصة النسخ الست
    سلمت أناملك أستاذة أمل

    ردحذف
  3. لا أظن أن اليائسين والمتشائمين قريبون من الله!
    هل يصلون؟ هل يستغفرون ؟هل يعملون الصالحات؟
    لو فعلوا ذلك لما كان لهم أدنى تشاؤم حتى لو فعلوها دون يقين وإيمان والله المستعان

    ردحذف

سباق الذات

تأليف : امل شانوحة  المتسابقون المقنّعون فتح جاك عينيه ! ليجد نفسه داخل ملعبٍ رياضيّ ، واقفاً عند خط البداية بجانب ستة رجال يرتدون ملابس ريا...