السبت، 12 يونيو 2021

العازب الثريّ

فكرة : أختي أسمى
كتابة : امل شانوحة

 

أسلوب حياة  


قرّر مروان بعد بلوغه سن الخمسين الزواج عن طريق الإنترنت من خلال إعلانٍ عن إستضافته أربعين آنسة في قصره ، لمدّة تتراوح من عشرة ايام الى شهرين ، لاختيار عروسه التي ستتربّع عرش قلبه وثروته ، واضعاً مواصفات محدّدة ودقيقة :

((أن تكون جميلة .. لا تزيد عن سن الأربعين .. جسمها متناسق ورشيق.. خرّيجة جامعية.. تعرف لغتين على الأقل.. إجتماعية ومرحة .. تتقن فن الإتيكيت .. ومُتحدّثة لبقة)) 

***


وفي منطقةٍ شعبية .. وجدت جنى الإعلان في إحدى مواقع التواصل الإجتماعي ، فأرسلت طلباً لهم .. 


ثم ذهبت الى غرفة أمها لتخبرها بذلك ، فقالت لها :

- لكنك لا تتمتعين بالمواصفات التي طلبها هذا السيد 

جنى بحماس : لكن على الأقل يمكنني البقاء في قصره عشرة ايام ، لأجرّب حياة الأثرياء كما حلمت دائماً .. ارجوكِ وافقي !!

الأم بضيق : يارب إلهمني الصبر على طموحات ابنتي الخياليّة 

*** 


وفي غضون ايام .. أرسلت أكثر من مئة مراهقة وإمرأة طلباتهن المُرفقة بأجمل صورهنّ للسيد الثريّ الوسيم (مروان أمين) الذي انتقى منهن أربعين فتاةً فقط ، أرسل لهن الدعوات للقدوم الى قصره 

***


وفي الموعد المحدّد .. إصطففنّ السيدات في الصالة وهن ينتظرن بشوقٍ وحماس رؤية السيد مروان اللآتي تابعن اخباره لسنوات عن طريق المجلاّت ومقابلاته التلفازية .. 


ووصل السيد مروان ببذلته السوداء الرسمية ، ورائحة عطره الفوّاحة برفقة مدير اعماله السيد (نجيب) .. 

وأخذ يتمعّن في وجوه المشتركات ، مُكتفياً بإشارة من يده ، يُفسّرها مساعده لهن : 

فإن أشار بيده اليسار للفتاة : فهذا يعني أن تعود الى منزلها .. وإن أشار لليمين : فهي ستكمل المسابقة .. وأن اشار بأصبعه (بعلامة الموافقة) : فسيسمح لها بالضيافة في قصره لعشرة ايامٍ فقط ، لحين قراره النهائيّ بشأنها  


وقبل وصوله الى جنى ، رآها من بعيد وهي تشير له بيديها الإثنتين ، كأنها تترجّاه أن يسمح لها بالبقاء عشرة ايامٍ فقط ! 

فابتسم مروان لحركتها الطفولية ، هامساً لنجيب :

- يبدو انها تعرف جيداً إنها لن تصل للنهائيات 

فسأله نجيب بصوتٍ منخفض : هل أطردها سيدي ؟

مروان : لا شفقت عليها ، دعها تبقى فترة الضيافة فقط 


فتوجه نجيب نحوها لإخبارها بذلك ، ليتفاجأ بها تقفز بسعادة وهي غير مصدّقة أنها ستعيش لبعض الوقت في هذا القصر الفخم ! 

***


وبعد قيام مروان بطرد نصف المشتركات ، عاد الى غرفته بالطابق العلويّ ..في الوقت الذي كان فيه نجيب يريهنّ غرفة نومهن المشتركة في الطابق الأرضيّ التي فيها عشرين سريراً .. 


ومن بعدها صعد الى مكتب السيد ، ليتابعا المشتركات من خلال الكاميرات الموجودة في كل ركنٍ بالقصر ..

وشاهدا الفتيات وهن يرتبن ملابسهن في خزائنهن المنفردة ، بينما استمرّت جنى بالقفز على سريرها بسعادةٍ مفرطة .. 


فقال نجيب :

- لا ادري يا سيدي لما أبقيت تلك المخبولة ! فوزنها زائد وتصرّفاتها غير لبقة .. وهي خرّيجة آداب ، ولا تعرف لغات .. كان عليك طردها منذ البداية ، فهي غير مطابقة للمواصفات التي طلبتها في إعلانك

مروان : حين رأيت صورتها في الطلب ، لفت نظري براءة عينيها .. وبصراحة تصرّفاتها الطائشة تضحكني قليلاً .. دعها تستمتع بقصري لفترةٍ وجيزة  


وهنا انتبها على خروجها من الغرفة !

نجيب باستغراب : الى اين هذه ذاهبة ؟!

- يبدو انها ترغب بالتجوّل في قصري

- لكني أخبرتهن انني سأرافقهن بجولة داخل القصر وخارجه في الصباح الباكر ، ولا يحقّ لهن الخروج دون إذني !

مروان : دعنا نتابعها لنعرف أين وجهتها


وأخذا يراقبان جنى وهي تتجوّل في القصر ، وهي مذهولة من جمال الغرف ! 

وفور عثورها على المطبخ ، إستغلّت نوم الخدم لفتح الثلاجة وتناول بعض الأطعمة بنهمٍ وسعادة


فقال نجيب بقرف : ارأيت يا سيدي .. انها تأكل بكلتا يديها ، وقد ملأت فمها بالطعام ! سأنزل لإيقافها حالاً 

- دعها ، فهي تبدو جائعة 

- انها لا تناسبك سيدي ، فهي لا تُحسّن التصرّف 

مروان مبتسماً : يكفي انها عفويّة ، فطوال حياتي لم أصادف فتاةً تتصرّف على طبيبعتها ... فهي برُغم معرفتها بوجود كاميرات ، الا انها غير مكترثة بصورتها امامنا ! 

- هذا لأنها قادمة من منطقةٍ شعبيّة ، بينما بقية المشتركات من الطبقة المخملية ... يا الهي ! أنظر كيف التهمت قطعة الكيك بلقمتين فقط 

مروان : تبدو لي كطفلةٍ صغيرة .. 


بعد قليل تنهّد نجيب بارتياح : وهاهي أخيراً خرجت من المطبخ ..

- لا يبدو انها عائدة الى غرفة النوم ! 


وشاهداها وهي تنزل الى القبو .. لتتفاجأ بوجود مسبحٍ ضخمٍ هناك ، جعلها تقفز مباشرةً اليه بكامل ملابسها ! وأخذت تسبح فيه بكل حماسٍ ونشاط 


نجيب : المجنونة ! الا تعرف انه مضرٌّ بصحتها أن تسبح مباشرةً بعد تناول الطعام

فضحك السيد بسعادة.. 

نجيب : لا ادري سيدي مالذي يضحكك بتصرّفات البنت الهمجيّة ؟! 

مروان : لأني أحب الفتاة المرحة ، كما إني سعيد بأن قصري أفرحها لهذه الدرجة


وبعد خروجها من المسبح ..

نجيب بضيق : الآن ستوسّخ القصر كله بثيابها المبللّة ، وهذا سيغضب الخدم غداً 

مروان : أنظر ! تبدو عائدة الى غرفة النوم بعد كل هذا الجهد .. والأفضل أن ننام نحن ايضاً ، فغداً تبدأ رحلتي بالبحث عن عروستي المستقبلية 

- كما تشاء سيدي ، سأطفئ الكاميرات وأذهب الى غرفتي حالاً

***


وفي الليالي التالية .. رافق مروان كل واحدة منهن الى مطعمه الفاخر لتناول العشاء بغرض محادثتها عن احلامها وطموحها ، وتحليل شخصيتها من خلال مراقبته تصرّفاتها ، لمعرفة إن كانت ستصل للنهائيات ام لا

***


وبانتهاء الإسبوع الأول .. خسرت عدّة مشتركات المسابقة ، وأعادهن السائق الى بيوتهن للأسباب التالية :

فإحداهن : أتعبت الخدم بطلباتها المتكرّرة .. والثانية : أمسكها نجيب وهي تسرق التحف الصغيرة وتُخبّئها في حقيبتها ! اما الثالثة : فألحّت كثيراً على مروان بتوظيف بعض افراد عائلتها في شركته .. والرابعة : عاملت الخدم بقسوةٍ وغرور .. اما الخامسة : فشخصيتها فظّة ، كما إنها نشرت الإشاعات المسيئة بحقّ الأخريات ، بنيّة فوزها بالمسابقة..

***


وبحلول المساء .. طرد مروان إثنتين آخرتين بعد سماعهما (بواسطة الكاميرات الخفيّة) وهما تتحدثان (بعد نوم بقية المشتركات) بما سيفعلانه بعد زواجهما بمروان .. حيث تخطّط الأولى للحصول على نصف ثروته ، بعد اتهامه زوراً بضربها وتعنيفها اثناء سكره .. بينما تنوي الثانية وضع سمٌ بطيء المفعول في أدويته لموته المبكّر ، كيّ تعيش بسعادة مع عشيقها  في قصره وأملاكه !

***


في الصباح ، أخبرهما مساعده (نجيب) بقرار الطرد .. وحين اعترضتا ، أراهما التسجيل المسائيّ قائلاً :

- إحمدا الله انه لم يبلغ الشرطة عن عقليتكما الإجرامية

فأسرعتا بلمّلمة أغراضهما والرحيل عن القصر

***  


وأكملت ثلاثة عشر فتاة الرحلة مع السيد مروان الذي استمرّ بالذهاب مع المشتركات الى مطعمه المفضّل ، لمراقبة تصرّفاتهن العامة .. 


ولأجل هذا طرد خمس أخريات للأسباب التالية :

الأولى : لمعاملتها النادل بحقارةٍ ولؤم ، رغم انها من الطبقة المتوسطة ..

الثانية : لملاحظته بخلها ، بعد تضايقها من اسعار الأطباق الموجودة بقائمة الطعام .. كما نصحته بعدم دفع الإكرامية (بقشيش) لموظفي موقف السيارات والنادل !

الثالثة : تعاني من الوسواس القهريّ ، حيث طالبت النادل بلبس القفازات وإحضار صحناً وكأساً جديداً لشكّها بنظافتهما..ولم تقبل الجلوس قبل تنظيف مقعدها بالمطهّر ، رغم وجودها في مطعمٍ راقي!


الرابعة : درامية ونكديّة للغاية ، حيث استمرّت بالبكاء طوال الجلسة ! لأنها لا تصدّق نفسها بأنها برفقة بطلها المفضّل التي تابعت اخباره دائماً بالمجلاّت والجرائد .. مما أشعر مروان بالحرج ، بعد توجّه انظار زبائن المطعم اليهما 

الخامسة : تضايق من طمعها الزائد ، بعد طلبها من النادل إحضار عيّنة لها من كل صنفٍ موجود في البوفيه المفتوح ! وتقديم أغلى شرابٍ عندهم ، مُستغلّة وجودها مع الثريّ الذي عاد الى قصره بسيارة الأجرة ، آمراً سائقه إعادتها الى بيتها بعد إنهاء وجبة طعامها الضخمة 

***


وبذلك أصبح عددهنّ ثمان مشتركات فقط ، أكملن المسابقة مع مدير اعماله (نجيب) الذي وضع لهن برنامجاً مكثّفاً من الحصص الرياضية والتثقيفة ودروس الإتيكيت والموضة والأكل الصحّي وغيرها .. مع تعينه أفضل المتخصّصين بهذه المجالات ، مُشرفاً عليهم من وقتٍ لآخر .. بينما اكتفى السيد مروان بمشاهدة الدروس من كاميرات المراقبة .. 

وقد التزمن جميعاً بحضور الحصص بتركيزٍ واهتمام ، فيما عدا جنى التي حاولت بشتّى الطرق التهرّب من الدروس المملّة ..


وقد إستمتع مروان بمراقبتها وهي تثير غضب مساعده اثناء ملاحقته لها في ارجاء القصر لإعادتها الى صفّ الدراسة .. خاصة بعد أن رآها تجلس على الكرسي التي وضعته فوق ماكينة السير المتحرّكة في القاعة الرياضة ، وهي تشاهد التلفاز وتأكل الشوكولا ! وكان مظهرها كفيلاً برفع ضغط نجيب العصبي ، بعكس مروان الذي أضحكته دائماً بتصرّفاتها الغير متزنة

***


وفي إحدى حصص الإتيكيت .. جلس نجيب في آخر القاعة (داخل القصر) وهو يراقب المعلمة وهي تدرسهن اصول اللباقة في تناول المشروبات الساخنة ، ليتفاجأ بجنى تُغمّس قطعة البسكوت في كوب القهوة! 

فاقترب منها ، هامساً بحنق :

- ماذا تفعلين ايتها السّاذجة ؟

جنى : هكذا ألذّ ..(ومدّت البسكويت المبلّل نحوه) .. جرّب بنفسك

فطلب من الخادمة تغير كوبها الذي امتلا بفتات البسكوت..


فسخرت إحدى الفتيات منها بكلمةٍ فرنسية تعني : ((همجيّة)) ، مُضحكةً الفتيات عليها .. 

فردّت جنى بالفرنسية وبعصبية : ((على الأقل لست متصنّعة مثلكن))


مما أثار إستغراب نجيب الذي سألها : 

- هل تعرفين اللغة الفرنسية ؟!

جنى : والإنجليزية ايضاً 

- ظننتك خرّيجة آداب فقط !

- درست اللغتين في المعهد 

نجيب : ولما لم تضعي ذلك بطلبك الذي ارسلته لنا ؟

جنى : لا احب التفاخر بما أجيده 


فقالت إحداهن : الم تخبرك انها عملت في محل احذية ؟

جنى بحدّة : عملت في عدة وظائف بسيطة لمساعدة اهلي بمصروف المنزل ، فأنا لست فتاة تافهة أضيّع وقتي بالنوادي الرياضية ومراكز التجميل 


فسكتنّ جميعاً ، بينما أعجب مروان من جوابها (اثناء مراقبته لهن من حاسوب مكتبه) 

***


وفي منتصف الليل .. عثر نجيب على جنى بعد تسلّلها الى المطبخ لتناول الطعام ، فجنّ جنونه :

- سأصاب بجلطةٍ قلبية بسببك !! ألم تعديني هذا الصباح أن تلتزمي بالحميّة الغذائية ، فأنت الوحيدة التي وزنها زائد بين الفتيات

جنى : لم استطع النوم من شدّة الجوع 


وأخذت تملأ فمها ببخاخّ الجبنة المُعلّبة..

نجيب بعصبية : توقفي !! ستختنقين 

- اول مرة ارى جبناً ذائباً في قارورةٍ مضغوطة 

- هو اختراع قديم .. ثم هاتي الشطيرة من يدك !! مالذي وضعته فيها؟

جنى : سردين ومربى فراولة 

نجيب باشمئزاز : يا الهي ! ستتسمّمين من هذه الشطيرة المقرفة  

- ومالمشكلة إن جمعتهما معاً ، فأنا أحب الإثنين


وهنا انتبه على علبة الشوكولا المرمية في سلّة النفايات..

نجيب بصدمة : هل أكلتِ أربع وعشرون قطعة !

- كانت انواعها مختلفة 

- ولما أكلت المكرّر منها ؟

- لأني كلما أكلت نوعاً نسيت الطعم الذي سبقه ، وهكذا حتى أنهيتها كلها  

نجيب معاتباً : العلبة وحدها كفيلة بزيادة وزنك كيلوين على الأقل 

- أعدك أن أبدأ الحميّة غداً

- أخبرتني بهذا قبل اسبوع .. بصراحة لم أعد أتحمّل أخطائك ، تعالي معي الى السيد مروان

جنى بحماس : أحقاً ! لم نره منذ فترة .. هيا بنا

***


في مكتب مروان بالقصر ، أطلعه نجيب على أفعال جنى التي قالت:

- انا لا احب التقيّد بالقوانين سيدي ، وأحب العيش على سجيّتي 

نجيب باشمئزاز : رجاءً أطرد هذا الشيء من القصر 

- دعها يا نجيب على راحتها ، فهي بضيافتنا لعدة ايامٍ فقط


الغريب إن كلامه لم يضايقها ، بل شكرته لسماحه لها بتفويت الحصص الصعبة !


وبعد ذهابها ، قال مروان ضاحكاً :

- هذه اول مرة اراك بثياب النوم يا نجيب

وهنا انتبه مساعده على ملابسه ، مُعتذراً :

- آسف سيدي ، فهذه الفتاة تخرجني عن طوري 

مروان مُمازحاً : بصراحة لم اطردها حتى الآن ، لأنها تغيظك 

- سيد مروان !

- أمزح معك .. الآن إذهب واكمل نومك ، فغداً نذهب جميعاً الى مزرعتي ، لأرى تصرّف الفتيات مع المزارعين والحيوانات 

- كما تشاء سيدي

***


في الصباح الباكر ذهبوا الى المزرعة .. ليلاحظ مروان أن أكثرية الفتيات تضايقن من الطين ورائحة السماد والروث التي لا تناسب اثوابهن الفخمة ، رغم انه أخبرهن سابقاً بأن يلبسن شيئاً مريحاً ..والوحيدة التي التزمت بكلامه هي جنى التي حضرت ببنطلون الجينز وتيشرت وحذاء رياضي وقبعة قشّ ودون مكياج على وجهها ، لهذا تحرّكت بحرّية في المزرعة .. حيث شاهدها وهي تركب الفرس بشجاعة ، رغم انها تجربتها الأولى ! كما لعبت مع الخراف والدجاج .. وتحدّثت بتواضع مع المزارعين الذين أحبوها كثيراً ، بعكس البقية اللآتي إكتفين بالجلوس تحت المظلّة ، وهن تغطين أنوفهن باشمئزاز بالمناديل المعطّرة ..

***


وفي اليوم الثاني .. طلب مروان من المتسابقات أن يكتبن إقتراحهن حول النزهة التالية .. فاخترن جميعاً اماكن راقية وغالية يتمنون زيارتها .. فيما عدا جنى التي تمنّت ذهابهم جميعاً الى مدينة الملاهي ، وبرفقة نجيب ايضاً!

ولأن مروان يعجبه إستمرارها بمضايقة مساعده الصارم ، لهذا قبل إقتراحها

***


وفي الملاهي.. إستمتع مروان كثيراً بسماع صرخات نجيب الفزعة ، مع كل لعبة أجبرته جنى على ركوبه معها .. 

بينما اكتفت المشتركات بالجلوس مع مروان على كراسي الملاهي ، محاولات تملّق السيد الذي لم يكترث لهن .. واللآتي أصرّين على عدم المشاركة باللعب ، بحجّة إن هذا لا يليق بمكانتهنّ الإجتماعية .. وهن يتهامسن فيما بينهن عن سخافة جنى التي كانت الوحيدة التي قضت وقتاً جميلاً ذلك النهار

***


بعد عودتهم الى القصر .. إهتمّت جنى بتحضير شايّ الأعشاب لنجيب الذي شعر بالغثيان بسبب الملاهي ، مما خفّف غضبه اتجاهها لإجباره على اللعب معها بأوامرٍ من السيد مروان الذي نام مرتاحاً تلك الليلة

***


وفي اليوم التالي ، دعاهنّ السيد مروان للذهاب معه الى النادي .. فاقترحت جنى مرافقة نجيب لهم ، بشرط لبسه البنطال الرياضيّ القصير 

فوافق مروان على اقتراحها ، مُرغماً إيّاه على تغير طقمه الرسميّ  


وحين وصل نجيب بثيابه الرياضية ، إنفجرت جنى ضاحكة.. 

فقال لها نجيب بغيظ :

- كنت متأكّداً انك صاحبة الفكرة 

جنى ساخرة : الآن عرفت لما تلتزم بثيابك الرسمية ، مع أرجل غابات السافانا هذه ! 

فضحك مروان معها ..

نجيب بغيظ : سيدي ! أأنت معها ام معي ؟!

مروان : حسناً لا تغضب ، سأسمح لك بمعاقبتها في حال فزت عليها بكرة الطاولة 

- سأفعل ذلك بسهولة !!


لكنها فازت عليه ببراعة.. 

نجيب بدهشة : غريب ! لم أعرف انك تهوين الرياضة

جنى : حصلت على المركز الأول في الجامعة بهذه اللعبة ، وكنت حينها رشيقة ورياضية جداً

السيد مروان : ومالذي تغيّر ؟

جنى بنبرةٍ حزينة : أحببت رفيقي الذي خطبني بضعة اشهر ، قبل زواجه من صديقتي الغادرة .. فأفرغت غضبي وحزني بالطعام ، وإهملت شكلي وملابسي وعلاقاتي الإجتماعية 

نجيب : لم أكن أعرف إن قلبك مكسور !

- لا تقلق انا بخير


مروان : لنقل إنك يوماً ما أصبحت ثريّة ، فهل ستنتقمين من حبيبك السابق؟

- لا ، لأني أؤمن بالقدر .. فربما اراد الله لي زوجاً أفضل منه

مروان : وماذا عن صديقتك ، هل ستستضيفينها في بيتك ثانيةً ؟

- انا سامحتها لأني لا اريد الإحتفاظ بطاقةٍ سلبية داخلي .. لكني لست غبية لأنسى ما فعلته ، وأأتمنها مجدّداً على اسراري 

نجيب : أعجبني سماحة قلبك ! فمعظم النساء الذي تعرّف عليهن السيد ، كنّ حاقدات على أهاليهن وأصدقائهن 

مروان معاتباً : نجيب !

- انها الحقيقة سيدي

فأومأ مروان برأسه موافقاً .. فقالت جنى :

- كلٌ يتصرّف حسب تربيته ..والآن استأذنكما لأني اريد التجوّل قليلاً في النادي


وبعد ذهابها .. قال نجيب :

- اول مرة يعجبني كلامها !

مروان : وانا ايضاً تاثّرت أنها عانت كثيراً ، ومع هذا لم تدع ذلك يحبطها!

- كل يوم نكتشف شيئاً جديداً بهذه الفتاة

- وأخيراً رقّ قلبك لها ؟ 

نجيب : المهم هو قلبك سيدي

وأخذا يراقبانها من بعيد ، وهي تلعب كرة القدم مع الأطفال بحماسٍ ونشاط

*** 


وفي إحدى الليالي .. إستيقظ نجيب ليجد الصالة مضاءة ! وجنى تشاهد وحدها فيلماً سينمائيّ ، والقطة نائمة في حضنها

نجيب : غريب ! هذه القطة لا تحب أن يلمسها احد سوى السيد مروان

- عادةً ما تحبني القطط والكلاب ، والأطفال الرضّع ..ربما لأني ملاك

نجيب ساخراً : أحقاً ! ولما أيتها الملاك مازلتي مستيقظة حتى الآن ؟ ألم تقلّ لك إخصائية التجميل بأن السهر يؤذي البشرة ؟

جنى : دعك من هذا الكلام وتعال لمشاهدة الفيلم معي ، فهو درامي  وسيعجبك حتماً


فاقترب لإطفاء التلفاز ، لكنه توقف قائلاً : 

- أحب تمثيل هذا البطل 

جنى : وانا ايضاً ، أخيراً اتفقنا على شيء .. هيا تعال واجلس بجانبي لنتشارك الفشار

- كنت اتساءل لما رائحة المطبخ منتشرة بالقصر !

- صنعت نوعين : فشار مالح وكراميل

فجلس بجانبها وهو يقول : أعطني المالح


وبينما هما يتابعان الفيلم بكل تركيز ، دخل مروان قائلاً :

- آه قطتي هنا وانا أبحث عنها !

وكانت ردّة فعلهما أن أسكتاه ، قبل أن ينتبها لوجوده ! 


فقال نجيب مُعتذراً :

- آسف سيدي ! لكنّا وصلنا لأهم مقطع بالفيلم

مروان : ماذا تشاهدان ؟ آه هذا الفيلم أعلنوا عنه كثيراً ..

فسألته جنى وهي مازالت تتابع الفيلم : فشار مالح ام كراميل ؟

مروان : هاتي الكراميل

وجلس الثلاثة يتابعان الفيلم باهتمامٍ شديد

***


ومرّت الأيام بسرعة ، إنتهت فيها فترة الضيافة .. وذهب نجيب الى غرفة البنات لإخبار جنى بتجهيز نفسها للرحيل ، ليجدها تتلوّى بالفراش بعد ارتفاع حرارتها ! 

فأمره مروان بإحضار الطبيب لعلاجها ..

***


بعد ذهاب الطبيب ، قال نجيب لها :

- اذاً اعترفت للدكتور إن مرضك المفاجىء كان بسبب تناولك المثلجات في غيابي ؟

جنى بتعب : الحلويات هي نقطة ضعفي 

- اظنك فعلت ذلك عن قصد ، ليمدّد السيد إقامتك هنا 

- لا تقلق ، بالنهاية سأرحل.. لكن عندي شرط !!

نجيب : وتشترطين ايضاً ؟! 


جنى : نعم ، اريد علبة الشوكولا التي تخفيها بمخزنك السرّي خلف خزانة المطبخ

- وكيف عرفتي بمخبأي ؟!

جنى : راقبتك من بعيد .. المهم اريد أخذها لأهلي ، لأنهم لم يتذوقوا هذا النوع من قبل

- انها شوكولا سويسريّة فاخرة ، أكيد لا يعرفون طعمها .. على كلٍ ، خذي ما تشائين .. لكن إرحلي قبل إفسادك جميع قوانين القصر

جنى بتحدّي : بل سأبقى صخرة على صدرك ، لحين قرار السيد بخروجي من المسابقة

ومدّت لسانها له..


نجيب : أتعامل مع طفلةٍ غير ناضجة

- وانت ناضج اكثر من لزوم ، إستمتع بحياتك يا رجل

فخرج غاضباً من الغرفة ، وهو يتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة

*** 


واستمرّت الإمتحانات ، الى أن وصلت الآنسة الثريّة زهرة والفتاة البسيطة جنى الى مرحلة النهائيات .. 


وفي غرفة البنات .. باركت جنى لزهرة بموعد عرسها القريب من مروان.. 

زهرة : لكن السيد لم يقرّر بعد !  

جنى : الموضوع محسوم منذ البداية ، فأنت كنت أجمل الفتيات وأكثرهن ثراءً ، ومن طبقةٍ إجتماعية تناسب مقام السيد

فقالت بلؤم : بعكسك انت ، ولا أعرف كيف استمرّيتِ الى الآن في المسابقة

فكتمت جنى غيظها : معك حق ، لا ادري سبب بقائي بعد انتهاء ايام الضيافة العشرة 


ثم تنهّدت زهرة بضيق : يعني طالما إن الجميع يعرف انني الفائزة ، فلما قرّر السيد أن ترافقيه غداً الى المطعم ؟ 

- ربما يريد توديعي  

فقالت زهرة بلا مبالاة ، وهي تتمدّد في سريرها : 

- حسناً لن أهتم بالأمر كثيراً .. تصبحين على خير


وتركت جنى متضايقة ، دون علمها بأن مروان سمع حديثها المستفزّ من خلال الكاميرات الخفيّة .. 

وكان حينها في مكتبه ، بجانب نجيب الذي قال :

- وانا ايضاً محتار كالآنسة زهرة ! فجنى لا تعرف شيئاً من اصول الإتيكيت ، وأخاف أن تفسد سهرتك بتصرّفاتها الطائشة

مروان : رأيت من العدل أن أعطيها فرصة كما فعلت مع الفتيات الأخريات ، ومن بعدها أعلن قراري النهائي لهما

- كما تشاء سيدي

***


في ظهر اليوم التالي .. حاول نجيب تعليم جنى طريقة إستخدام عيدان الطعام اليابانية في أكل السوشي..

نجيب بعصبية : اولاً !! لا تضعي القطعة كلها في فمك ، فمن العيب أن يكون فم الفتاة مليئاً بالطعام 

جنى : لا ادري لما تمنعني من استخدام الشوكة بدل العصاتين السخيفتين 

- انا أعلّمك الطريقة الصحيحة ، فالسوشي هو الطبق المفضّل عند السيد 

- هو عبارة عن أرز مسلوق وسمكٌ نيء ، لم يعجبني مطلقاً


نجيب ساخراً : ولم يعجبك الكافيار ايضاً 

- بيض السمك ، مالجميل في ذلك ؟

- أتعرفين ثمن العلبة الصغيرة منه ..

جنى مقاطعة بعصبية : لا يهم !! يبقى مقرفاً .. أظني سأختار طبقاً آخر في المطعم 

نجيب بقلق : وماهو ؟

- لا ادري ، سأقرّر بعد قراءة قائمة الطعام

- الله يستر

***


في المساء .. خرجت جنى من غرفتها بثياب السهرة الصفراء ، ونجيب  خلفها مُعتذراً من مروان :

- آسف سيدي ، لم ترضى أن ترتدي الفستان الأحمر الذي اقترحته لها

جنى : لأن الأصفر يعجبني أكثر 

نجيب بعصبية : تبدين كمصباحٍ متحرّك !! 

- شكراً لك

نجيب صارخاً : لم يكن مدحاً !!


مروان : لا بأس يا نجيب .. (ثم قال لها) .. يهمّني أن تلبس فستاناً مريحاً لها 

فنظرت جنى الى نجيب :

- ارأيت كيف يتصرّف الأسياد المحترمين

نجيب وهو يحاول كتمان غضبه : صبّرني يارب !!


وودعهما عند الباب ، وهو يدعو الله أن لا تتصرّف بحماقة في المطعم كعادتها دائماً 

***


في الطريق .. سألته جنى : 

- عمرك بالخمسينات ، اليس كذلك ؟

مروان وهو يقود سيارته الفاخرة : نعم 

- ولما تصبغ شعرك ؟

- الا يعجبك ! فجميع اصدقائي يعجبهم إسلوبي وطريقتي الشبابيّة 

- ينافقونك فقط ، برأيّ أجمل أن تكون على طبيعتك 


مروان : لا احد يحب أن يهرم باكراً يا جنى

- الشيب وقارٌ وهيبة وليس عاراً ، فجميعنا سنكبر يوماً ما .. 

- حياة الأثرياء ليست سهلة ، فنحن مراقبين على الدوام من قبل الصحافة والناس

جنى : هم سيتحدثون عنك بالسوء في جميع الأحوال ، فلما تهتم برأيهم ؟ فطالما انك لا تؤذي احداً ، لا تكترث بكلام الناس  

- ليتني أجرّب شعور البساطة 

- يمكنك العيش كما يحلو لك ، فالقرار بيدك  


وصمتا قليلاً ، قبل أن يسألها :

- لم تخبريني بعد ، ما رأيك بقصري وحياتي المترفة ؟

ففاجأته قائلة : بصراحة .. مملّة للغاية

مروان بصدمة : أحقاً ! ألم تكوني متشوّقة لتجربة حياة الأثرياء ؟

- كنت مخطئة في ذلك ، فحياتنا البسيطة أجمل بكثير .. 

- إشرحي اكثر 

جنى : نحن نقول ما في قلبنا دون خوفٍ من رأيّ الآخرين .. ونتشارك طعامنا دون الإهتمام بسخافة الإتيكيت الغربي .. ونكوّن صداقات حقيقية ، وليست مزيفة كالفتيات اللآتي قابلتهن بالقصر

- بهذه معك حق .. فأنا للآن لم اجد صديقاً مخلصاً ينبّهني على اخطائي وينصحني لمصلحتي ، دون أن يكون طامعاً بمنصبٍ او مال 


جنى : وماذا عن شعر الذرة ؟

- من تقصدين ؟!

- نجيب الغليظ

فضحك مروان من قلبه : لما لقبّته هكذا ؟!

- من غرّته الصفراء المضحكة  

- هو قام قبل سنوات بزراعة شعرٍ في مقدّمة رأسه ، لكنه لم يوّفق في ذلك ، فأصبح صعب التصفيف .. (ثم سكت قليلاً) .. تماماً كشعر الذرة


وضحك من جديد قائلاً : حقاً أنه لقب يليق به ! لكن إيّاك ان يسمعه ، فهو حساسٌ جداً

جنى مُستنكرة : نجيب حسّاس ! بصراحة لم اجد أثقل من دم هذا الرجل ، لما لا تعيّن غيره ؟

- والدي قبل وفاته وظّفه لمساعدتي بقرارات القصر .. وهو مخلصٌ جداً ويقوم بعمله على أتممّ وجه ، فلما اطرده ؟

- هو فعلاً مخلصاً في عمله ، لكن زيادة عن اللزوم .. (ثم تنهّدت).. اساساً انا راحلة قريباً ، فلما أتدخل فيما لا يعنيني  


مروان : ماذا لوّ أُعجبت بك الليلة ، وقرّرت إختيارك ؟ 

- لا هذا مستحيل ، فأنا لا اطابق المواصفات التي وضعتها بالإعلان .. ثم زهرة فتاةٌ راقية وتناسبك جداً

- غريب ! انت الفتاة الوحيدة التي لم تتكلّم بالسوء عن بقية المشتركات بمشواري معها ؟

جنى : رحم الله امرئٍ عرف قدر نفسه ..

- يعجبني انك تقولين ما يخطر في بالك ، فهذا يدل على روحك الجميلة

- اليس أجمل من التصنّع ؟

مروان : هذا صحيح 

ثم التزما الصمت ، لحين وصولهما الى المطعم الفاخر 

***


في المطعم .. وفي انتظار الطعام ، سألها عن الأشياء التي تعجبها .. فأجابته : 

- لا ، الذهب والمجوهرات والحفلات والملابس لا تهمّني مطلقاً 

- اذاً ماهي الأشياء التي تعجبك في هذه الحياة ؟ 


ففكّرت جنى قليلاً ، قبل أن تقول  : 

- طعامٌ أعدّه بنفسي ويعجب عائلتي .. ورؤية احدهم يلاعب الأطفال برفقٍ وحنّية .. وأن يكون زوجي المستقبلي جيداً في تعامله مع اهلي ، ويحب عيوبي قبل مميزاتي 

فتنهد مروان بحزن : لا وجود لفتاةٍ تفكّر مثلك هذه الأيام ، يا جنى 

- إن كانت نيّتك الستر ، فسيضع الله في طريقك من ترضي قلبك وخاطرك ، فالدنيا لا تخلو من الطيبين 

- الأمر ليس بهذه السهولة ، على الأقل ليس في مجتمعي المتصنّع

***


وبعد تقديم الطعام ، حاولت قدر الإمكان الإلتزام بالاتيكيت .. فلاحظ مروان عدم راحتها بتناول الطعام ، فقال لها :

- كلي كما يحلو لك يا جنى

فحملت الشطيرة بيديها ، وهي تقول :

- هذه اختُرعت لتُأكل باليدين ، وليس بالشوكة والسكين

مروان : كنت اقترحت عليك شريحة اللحم المشوي ، لكنك لم توافقي

- وجيد انني لم أطلبها ، فشريحتك غير ناضجة بعد ! 

- انا طلبتها نصف شواء 


جنى : بصراحة انتم الأثرياء لا تعرفون لذّة الطعام الشعبي .. ولوّ انك تذوّقت طعام امي ، لما اكلت غيره

- ربما أفعل يوماً ما ، من يدري ؟

- شكراً لذوقك 

قالتها دون علمها أنه يعني ذلك .. 


ثم قالت ، وفمها مليء بالطعام :

- هل نطلب المثلجات بعد العشاء ؟ فمساعدك الغليظ يمنعني من الحلويات

فأجاب مبتسماً : حسناً كما تشائين

- لكن دون زبدة الفول السوداني ، لأن لديّ حساسيّة منه 

- سأخبر النادل بذلك

***


قبل إنهائها صحن الآيس كريم ، توقفت بعد شعورها بارتفاع حرارتها :

- يبدو أن هناك أثراً للفول السوداني بطبقي !

مروان بقلق : أتشعرين بالسوء ؟

- نعم .. الأفضل أخذي الى المستشفى ، فقد نسيت دوائي بالقصر


وبعد رؤيته لتورّم وجهها المفاجىء ، أسرع بنقلها الى المستشفى 

***


بعد حصولها على الحقنة ، تحسّنت حالتها تدريجياً .. لتجد مروان بجانب سريرها ، قلقاً عليها 

جنى : انا بخير ، وورم وجهي سيختفي بعد قليل 


ثم نهضت بتعب وهي تقول :

- هيا لنعدّ الى القصر

مروان : الأفضل بقائك هنا الليلة 

- لا ، الأمر ليس بهذه الخطورة.. لنعد قبل أن يقلق نجيب علينا

***


في طريق العودة ، سألها :

- هل أصبحتي بخير ؟

جنى : نعم ، زال الخطر والحمد الله ..رجاءً لا تخبر نجيب بما حصل ، فلست بمزاجٍ جيد لسماع ملاحظاته بشأن إفسادي سهرتك

- لم يكن ذنبك ..ومع هذا لن أخبره بشيء ، لا تقلقي


وصمتا قليلاً ، قبل أن يسألها :

- ألم تغيري رأيك بعد بحياة الأثرياء ؟

جنى : لا ، مازالت مملّة ..فأنت تعيشون لأنفسكم فقط

- لم أفهم !

- كل ما يهمّكم هو جمع المال ، دون أن تعلموا بأن السعادة الحقيقية هي بالعطاء .. فحين تُسعد غيرك ، تصبح لحياتك قيمة ومعنى


مروان : حسناً لنتخيّل انك ثرية ، كيف ستصرفين مالك ؟

- سأعالج والدايّ اولاً ، ثم اساعد اخوتي وأقاربي والأصدقاء .. ومن بعدها سكّان الحيّ الذي عشت فيه...

مروان مقاطعاً : هكذا ستفلسين سريعاً !

- من قال ذلك .. الا تعلم أن الله يبارك بمال المتصدّق ويحفظ اولاده ويبعد شِرار الناس عنه .. ولوّ إن الأثرياء إفتتحوا المصانع والمعامل والمزارع للفقراء ، لزادت ثروتهم بدل تكديسها في البنوك التي تجعلهم يتعرّضون للسحر والحسد ، ويتمنّى أقاربهم موتهم المبكر للحصول على الميراث 


مروان : غريب كيف اننا مختلفين بكل شيء ، ومع ذلك أشعر برابطٍ فكريّ ونفسيّ يجمعنا معاً !  

- ربما الإختلاف الذي بيننا ، جعلنا طاقة جاذبة لمن يكمّلنا

- كلامٌ عميق !

جنى : أحب قراءة علم نفس وتحليل الشخصيات 

- كل يوم أكتشف بك شيئاً جديداً ! وكأن لديك شخصيات متعدّدة

- أليس أفضل من الروتين المملّ ؟ 

فاكتفى بايماءة رأسه موافقاً على كلامها

***


في اليوم التالي .. أخبر مروان قراره الأخير لنجيب الذي قال :

- اذاً زهرة هي العروس

مروان : نعم ، فهي لم ترتكب أيّ خطأ .. وبعد مراقبتي لها بالكاميرات طوال شهرين : وجدت انها لم تذكرني بسوء ، ولم تقمّ بتصرفٍ طائش داخل او خارج القصر 

- قرارك صحيح .. فهي تناسب مستواك الإجتماعي ، وإنسانة لبقة في تصرّفاتها .. هل ستخبر الفتاتين بقرارك الآن ؟

- نعم ، إجمعهما في الصالة لحين نزولي

***  


فور إعلان مروان الخبر ، سارعت جنى بحضن زهرة وهي تقول بسعادة:

- مبروك يا عروس !!


ليلاحظ مروان تضايق زهرة التي أبعدتها برفق وهي تخفي اشمئزازها ، فقرّر مفاجأتهما قائلاً : 

- وأنت يا جنى ستكونين وصيفتها.. 

جنى بصدمة : إذاً لن أعود الليلة الى بيتي ؟!

مروان : لا ، ستشاركينا الفرح

فصارت تقفز بسعادة :

- سأحضر عرساً أسطوريّاً ، كم انا سعيدة !!


وقد لامس ردّة فعلها البريئة ، قلب مروان الذي مازال متردّداً لإضاعة هذه الفتاة الطيبة من يده

***  


وفي اليوم التالي .. إنشغل مروان ونجيب بتجهيز عروسته زهرة طوال النهار ..


وحين عادوا مساءً ، سمعوا صوت الموسيقى الشعبية تصدح في القصر! .. ليشاهدوا جنى ترقص مع الخدم بسعادة ، لقرب موعد العرس .. حتى إن كبير الخدم شاركها الرقص ..

 

فأسرعت زهرة الى غرفتها وهي تحمل اغراض التسوّق ، بينما اقترب مروان من خادمه العجوز وهو يسأله بدهشة : 

- حتى انت يا سعيد !

سعيد : بصراحة يا سيدي ، لا يمكن لأحد رفض طلبات جنى .. فهي أفضل فتاة قدمت الى القصر ، بطيبة قلبها وتواضعها مع الجميع

- وماذا عن زهرة ؟

- لم تكترث للعاملين منذ قدومها الى هنا


وقد أثرّ كلامه بقلب مروان ، الذي راقب جنى وهي تحاول إرقاص نجيب مُمازحةً : 

- هيا ارقص قليلاً ليخفّ كرشك

نجيب : انا جسمي متناسقٌ دائماً 

جنى : امتأكّد من ذلك ؟

نجيب : يبدو سنصبح جميعاً شعبيين ، إن أطلت البقاء معنا

جنى : انت مُجبر على تحمّلي ليومٍ آخر ، ومن بعدها لن تراني ثانيةً

 

ورغم انها قالتها بابتسامةٍ عريضة ، الا ان مروان شعر بحزن موظفيه ..حتى إن نجيب حاول إخفاء تأثّره من رحيلها ، بإعطائه الأوامر للعاملين بالنوم باكراً للإستعداد لتحضيرات العرس غداً

***


في يوم العرس .. دخلت جنى غرفة العروس لإعطائها الزهور ، لتسمعها بالصدفة وهي تحدّث اباها بالجوّال :

((نجحت خطتنا يا ابي ، سأتزوجه الليلة .. وبعد إطمئنانه إليّ ، سأغسل اموالنا المحرّمة في حسابه الشخصي النظيف .. فهو شخصية معروفة وبعيداً عن الشبهات)) 


ورغم صدمة جنى بما سمعته ! الا انها سارعت بفتح التسجيل الصوتي بجوالها ، قبل حديثها مع زهرة التي أنهت إتصالها سريعاً بعد انتباهها على وجودها بالغرفة ! لتعاتبها بلؤم لعدم استئذانها بالدخول


فردّت جنى : لما تريدين ايذاء السيد مروان بعد ثقته بك ، واختيارك من بين كل النساء ؟! 

زهرة بعصبية : إسمعي يا مخبولة !! أحلف إن أخبرته بشيء ، أن ارسل عصابتنا لقتل كل عائلتك .. هل سمعتي ؟!!

- انتم عصابة العقرب الشهيرة لتجّار مخدرات ، اليس كذلك ؟

زهرة بدهشة : كيف عرفتي ؟!

- شاهدت بالصدفة وشم فخدك ، اثناء تقلّبك في نومك 

- طالما عرفتي من اكون ، فيمكنك تخيّل تعذيبنا في حال فضحتِ خطتي لمروان

 

قالت ذلك بعد سحبها السكين الموجود في صحن الفواكه ، ووضعه على رقبة جنى التي قالت مرتجفة :

- لن اخبر احداً !! احلف لك .. اساساً بعد هذه الحفلة ، سيعيدني السيد نجيب الى حارتي الشعبية ، ولن نلتقي ثانيةً 

زهرة بلؤم : احسنت !! الآن إحملي طرف فستاني للنزول الى الحفلة ، فالعريس في انتظاري  

***


في الحفلة .. شعرت جنى بارتباكٍ شديد بعد قدوم الشيخ لكتب الكتاب امام المعازيم ، حيث وجدت نفسها بين نارين : إمّا تعريض نفسها واهلها لخطر العصابة الخطيرة ، او تترك السيد مروان يقع فريسة عروسته الشريرة 


وقبل سؤال الشيخ العروس عن رأيها ، بعد موافقة العريس

تفاجأ الجميع بتهديد زهرة المسجّل في جوال جنى التي وضعته على مكبّر الصوت ! 

وبعد فضح امرها ، قالت جنى بالميكرفون :

- الله سيحميني وعائلتي منك ايتها الملعونة !! فأنا لن اسمح لك بايذاء السيد مروان


وحين حاول مروان إمساك زهرة ، أخرجت مسدساً أخفته اسفل فستان عرسها ، مُهدّدة الجميع من الإقتراب منها .. قائلة بعصبية لجنى :

- سأعاقبك لاحقاً ايتها البدينة !!

وأسرعت بالهرب من صالة العرس ، ثم تبعها اقاربها وصديقاتها .. 

***


بعد ذهابهم .. سأل نجيب السيد مروان الذي مازال جالساً في مكانه ، بعد صدمته بما حصل ! 

- هل انت بخير سيدي ؟ 

مروان مذهولاً : لا أصدّق ما جرى !

نجيب : الحمد الله إنك كشفتها قبل زواجك منها.. 

- ما صدمني هو بطولة جنى التي عرّضت نفسها للخطر لأجلي!

- وانا ايضاً متفاجىء من تصرّفها الذكيّ !

مروان وهو يتلفّت حوله بالصالة التي ظلّ فيها اقاربه واصدقائه فقط: 

- واين هي الآن ؟


وذهبا للبحث عنها ، ليجداها تأكل من كيك العرس ..

نجيب بدهشة : يا الهي ! الا يهمّك سوى معدتك ؟

جنى وفمها مليء بالطعام : الكعكة لذيذة ، وحرام أن ترمى

نجيب : لا فائدة منك !

مروان بحزم : نجيب !! قمّ بتجهيزها فوراً ، وسأطلب من الحضور الإنتظار لحين كتب كتابنا

نجيب بصدمة : ماذا !

جنى بدهشة : هل ستتزوجني ؟!


مروان : نعم ، فأنت الوحيدة التي خاطرت بحياتها لأجلي ..كما انك تملكين قلباً طيباً ومرحاً ، وحاولتي تعليمي عدّة اشياء منها : الإهتمام بالجوهر وليس بالمظهر الخارجي ، وعدم الإكتراث بكلام الناس ، وحب العطاء من خلال إصرارك عليّ بدفع الإكرامية للنوادل والخدم ، وقد أسعدني فرحتهم حقاً !

فصارت تقفز بسعادة : أخيراً سأصبح عروساً !!

مروان : آه لم اسألك .. أتريدين عرساً آخر ، ام..

جنى مقاطعة : ولما هذه المصاريف ، فالصالة جاهزة الآن

مروان : جيد .. اذاً خذها يا نجيب الى محل الملابس القريب من هنا 

نجيب ساخراً : ومن اين أحضر لها فستاناً مربع الشكل ؟

جنى : مضحكٌ جداً ، الم ترى عروس بدينة من قبل ؟

نجيب : الأسهل أن آخذك الى خيّاط ، لكيّ يلفّ القماش الأبيض حولك 

جنى بعصبية : وهل انا مومياء ؟!!


مروان : كفى انتما الأثنان ، فالمعازيم في انتظارنا

جنى بضيق : بصراحة سيد مروان..

مروان مقاطعاً : رجاءً نادني بإسمي  

جنى بتردّد : حسناً .. مروان لا أريد الزواج دون وجود اهلي 

مروان : سأرسل احداً لإحضارهم في الحال .. 

ثم قال لنجيب : وبعد العرس تأخذهم الى بيتي في الجبل ، فأنا لا اريد لتلك المجرمة أن تؤذيهم بسببي

نجيب : حاضر سيدي ..


وحين ابتعدت جنى عنهما قليلاً ، همس نجيب لمروان :

- برأيّ لا تخبر الصحافة بزواجك ، لحين تحويلي هذا المخلوق الغريب الى بني آدم تحت الأضواء

مروان : إنتبه يا نجيب ، فأنت تتحدث الآن عن زوجتي المستقبلية

- آسف سيدي .. كل ما استطيع قوله انني سأفعل ما بوسعي لتليق جنى بمقامك ، مع إني لا اصنع المعجزات


وهنا اقتربت وهي تقول :

- بماذا تهمسان ؟ 

مروان : لا شيء عزيزتي ، هيا اذهبا الآن

فلفّت يدها حول ذراع نجيب وهي تقول :

- سنستمع كثيراً بالتسوّق معاً

مروان ممازحاً : يبدو انكما ستصبحان صديقين ، يا شعر الذرة

نجيب بصدمة : حتى انت لقبّتني بذلك ! .. اساساً سأخسر بقية شعري بسبب هذا الكائن الفضائيّ

جنى ساخرة : والله الصلع أهون من غرّتك المضحكة ..

نجيب بعصبية : سيدي ! قلّ شيئاً


مروان : جنى ، ما رأيك أن نطرده بعد الزواج ؟

جنى : لا ، أحتاجه لمراقبتك خارج القصر  

مروان بدهشة : الا تثقين بي ؟!

فأجاب نجيب : بصراحة معها حق ، فالفتيات ينجذبن اليك كالذباب

مروان معاتباً : نجيب ! 

جنى : هيا لا تتشاجرا يا اولاد ، فوراءنا عملٌ كثير

نجيب : حسناً لنعدّ قبل انتهاء المعازيم من تناول طعام البوفيه 

***


بعد ابتعادهما عن مروان ، قالت جنى لنجيب :

- على فكرة !! ابنة خالتي تليق بك كثيراً ، فهي تشبهني تماماً

نجيب : لا شكراً ، مصيبةٌ واحدة بالقصر تكفي الجميع .. 


وقبل خروجهما من القاعة ، أخذت بعض المعجنات من البوفيه .. 

نجيب معاتباً : جنى !!

- ماذا ! انا جائعة ..

- صبّرني يارب


وضحك مروان من بعيد : 

- كان الله في عونك يا نجيب ، فأمامك مهمةٌ صعبة 


ثم ذهب لمحادثة المعازيم وإشغالهم لحين عودتهما ، وهو متشوّق للزواج من تلك الفتاة العفويّة التي سلبت قلبه وعقله بشخصيتها المميزة والنادرة هذه الأيام !  

*****


ملاحظة :

كنت أتجنّب كتابة قصة مضحكة في مدونتي ، لأن الكوميديا هذه الأيام : إمّا استخفاف بعقول الناس او قلّة حياء ومساس بالدين .. لكن اختي استطاعت إيجاد هذه الفكرة الظريفة ، وكتبتها ونحن نتخيّلها كفيلمٍ مصري .. حيث اتفقنا أن بطليها هما : ((ياسمين عبد العزيز (بدور جنى) ، وبيومي فؤاد (بدور المساعد نجيب)) .. بينما اختلفنا من يقوم بدور السيد مروان ، حيث أصرّت أختي على الممثل (أحمد عزّ) .. بينما احترت انا بين (ظافر العابدين ، إيّاد نصّار) .. فما رأيكم أنتم ، من هم الممثلين الذين يناسبهم دور الأبطال الثلاثة؟ 

الأحد، 6 يونيو 2021

فارس الصحراء

 فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

حبٌ من نوعٍ آخر !


في صباحٍ بارد .. عاد زوج جوري من زيارته العائلية دون ابنه المراهق بعد قراره بتركه مع جدّته ، لأنّ أمّه تفسده بتربيتها المُدلّلة! 

ليحصل شجارٌ عنيف بين الزوجين ، إنتهى بالضّرب والطّلاق .


وبعد رحيله .. ومن شدّة صدمة الأم ، مشت مسافةً طويلة باتجاه الشاطىء .. وهناك سالت دموعها بصمتٍ موجع


وإذّ ببصّارة تقترب منها قائلةً :

- سينال عقابه قريباً .

جوري بدهشة : ماذا قلتِ !

البصّارة : دعك من طليقك ..فنصيبك الحقيقيّ ينتظرك بشوق ، ويرسل لك هذا الشعر : 

((ياريت يالقمر الهسيلي بادي  مباديك --- أبغي على الدّيرة اللّي ودّي بأهلها))

جوري باستغراب : يبدو شعراً بدويّاً !

- كل ما أعرفه انه سيعشقك بجنون .


ثم أسرعت بإعطائها المال بعد سماعها بوق سيارة أجرة ، لترى السائق يُشير لها من بعيد .. فركبت معه للعودة إلى منزلها.

***


في الطريق .. أحسّت جوري بدوخةٍ مفاجئة ، بعد رشّ السائق بخّاخاً على وجهها ..

وقبل أن تعيّ ما حصل ! سقطت على جنبها غائبة عن الوعيّ .

***


إستيقظت مساءً ، لتجد السائق متوقفاً على جانب طريقٍ مهجور وسط صحراءٍ شاسعة !

فصرخت فزعة :

- إلى أين خطفتني ؟!!

- أخيراً استيقظتي ، هيا إنزلي من السّيارة.


ورغم أنّها صحراء قافرة ، لكنّها أأمن من البقاء مع هذا السائق المخيف .. فهربت من السّيارة ، وقدماها تغوصان في الكثبان الرّملية ، محاولةً الإبتعاد عنه قدر الإمكان .. لتنتبه أنه ابتعد بسيارته دون الإكتراث بمصيرها !

فشعرت بأن طليقها له يدٌ في هذا ، وإنه دفع له للتّخلّص منها . 


وبعد أن أنهكها السير الحذر من وجود الأفاعي والعقارب الّلآتي لا تراهم بسبب الظّلمة الموحشة ، إنهارت من التعب والعطش فوق الرمال ، وهي تنظر للسّماء المليئة بالنّجوم ، وتدعي الله باكية أن يحمي إبنها من قساوة وظلم والده. 

وبعد ترديدها الشهادة أكثر من مرة ، أغميّ عليها وهي على يقين بأنّها النّهاية .

***


في الجهة المقابلة من الصّحراء ، تواجدت قبيلةٌ بدويّة بزعامة الفارس (ليث الأسعدي) الّذي قضى ليلته في زيارة أمّه المريضة الّتي قالت له : 

- بنيّ ، أصبحت بخير .. يمكنك العودة إلى زوجتك ، فقد تأخّر الوقت.

فأجابها بعصبية : وهل تستحق تلك المرأة الحقودة البقاء بجوارها ؟

- هي نصيبك ، وأم أولادك .

فتنهد بحزن : دعيني بهمّي يا أمّي .. (ووقف قائلاً) .. سأذهب لأستنشق بعض الهواء ، لعلّه يشفي ضيق صدري .

***


وبعد أن مشى وحيداً في الصّحراء لبعض الوقت ، رأى من بعيد شيئاً مكوّماً فوق الرّمال ! 

وحين قرّب شعلة النّار ، وجدها إمرأة غائبة عن الوعيّ وآثار الضّرب واضحة على وجهها المتورّم . 


فحملها على ظهر فرسه ، ونقلها إلى خيمة أمّه .. طالباً من أخته علاج حرارتها المرتفعة ، وتغير ملابسها المُتربة . 

ثم عاد قلقاً إلى خيمته بعد نوم زوجته واولاده .

***


قبيل الفجر .. إنتبه على خروج المرأة من خيمة امه ، وهي تسير في الصحراء تائهة الخطى.

فأسرع نحوها ، لتلتفت اليه وقد تحسّن مظهرها بعد لبسها الفستان البدويّ وغسل وجهها من الغبار ، حيث بدت إمرأة حسناء ، بشعرها البنيّ النّاعم وعيونها الملونة ، كأنّها أجنبيّة اكثر من عربية ! 


وسألته وهي مشتّتة الذهن :

- اين انا ؟!

- نحن في الصحراء الغربية ، وأنت في ضيافة قبيلة النّشامى.. ماهو اسمك ؟

ففكّرت قليلاً ، ثم قالت بقلق :

- لا أذكر شيئاً !

- مازلت متعبة ، عودي إلى الخيمة وارتاحي قليلاً.

- أشعر بالعطش ، أريد ماءً بارد .

وأغميّ عليها من جديد ، فأعادها إلى خيمة أمّه .. وطلب من أخته الإهتمام بضيفته لحين شفائها.

***


وبعد ايام .. تذكّرت ما حصل ، وأخبرتهم بما فعله طليقها لتّخلّص منها.

فقال ليث غاضباً : إخبريني بعنوانه لأنتقم لك منه !

- لا تتورّط مع ذاك المجنون ، فقط أعدني إلى المدينة .

- سأفعل بعد شفائك تماماً.. وبما انك معنا ، ستحضرين عرس ابنتي الكبرى

- أحقاً ! هل لديك أبناء ؟

- إحدى عشر صبياً ، وخمسة بنات .

جوري بدهشة : ما شاء الله ! 

- نعم نحن ننجب كثيراً.. المهم ستكون هناك مأدبة كبيرة وحفلٌ راقص طوال الليل ، أتمنى أن يعجبك.

***


في المساء .. تفاجأ ليث بجمالها بعد أن زيّنتها أخته بالكحل العربي الذي زاد من رونق عينيها الخضراوين ، كما أعجبه شعرها المسدول الذي تتطاير مع نسمات الليل الباردة . 


وكانت ذاهبة للإنضمام للنّساء .. لكنه ناداها للجلوس بجانبه ، مما أغاظ زوجته كثيراً .

ثم أخذت جوري تشاركه الطّعام ، وهي تراقب الحفل الراقص لإخوة العروس وأقاربها .

***


بعد قليل .. ذهبت لمساعدة النّساء بتقديم الشراب ، فأخذتها زوجته جانباً وهي تقول بحنق :

- لن أسمح لك بخطف زوجي !

جوري باستغراب : انا ضيفتكم ، وقريباً سأعود إلى منزلي ، ولا أنوي العيش في الصحراء،  فلا داعي للقلق مني.


ثم حاولت التهرّب من ليث ، إلا أنّه أصرّ على جلوسها بجانبه لحين انتهاء المبارزة الودّية بين ولديه الكبيرين .


وقبل نهاية الحفل ، أطاح أحدهما بالآخر الّذي وقع بجانبها ، لينكشف ثوبه عن قدمه التي تشبه حوافر الماعز !

وما أن رأت جوري ذلك ، حتى فرّت سريعاً من الخيمة .. ليلحقها ليث بعد إمساكه ذراعها ، فانتفضت مرتعبة :

- أبعد يدك عني !!

ليث بقلق : آسف ، ارجوك اهدأي .

- كيف اهدأ بعد رؤيتي لقدم ابنك المخيفة التي تدلّ إنكم جميعاً من قبيلة الجن !

- لكنّنا جن مسلمون.


فانهارت باكية ، وهي ترتجف بخوف : ارجوك لا تؤذيني .

- نحن لا نؤذي أحداً يا جوري.

- اذاً أعدني حالاً إلى منزلي ، أتوسّل اليك.

فتنهّد بحزن : 

- كما تشائين .. سأرسلك مع أحد أبنائي إلى خيمة عجوزٍ بدويّ .. هو أنسيّ مثلك ، وعلى علاقة جيدة معنا ، سيقوم بإيصالك إلى بيتك في المدينة .. (ثم مدّ يده مصافحاً).. أستودعك الله يا جوري.

لكنها لم تقبل مصافحته ، فعاد حزيناً إلى خيمته .

***


في الصّباح الباكر، عاد ابنه راكضاً إلى خيمته :

- مصيبة يا ابي !!

فاستيقظ ليث فزعاً : ماذا حصل ؟!

- قبل وصولنا إلى خيمة البدوي ، خرج رجال قبيلة القيسيّ وخطفوها.

ليث غاضباً : ولما لم تقاومهم ؟!

- كنت وحدي امام العشرات منهم ! 

- إذاً نادي رجالنا لبدء المعركة .


ابنه بدهشة : لكنّك ترفض العراك معهم منذ سنوات ، ما الّذي تغيّر الآن ؟!

- كنت سامحتهم على أخطائهم السّابقة ، لكنّي سأفعل المستحيل لتحرير ضيفتي.

الإبن بغيظ : اذاً أمّي معها حق ، انت أُغرمت بها فعلاً ! 

- هذا ليس من شأنك يا ولد !! إذهب وجهّز فرسي بالحال.

***


واستمرّت المعارك بين القبيلتين لثلاثة أيامٍ متواصلة بين كرٍ وفرّ ، لاحظت فيها جوري عدة اشياء : فليث حاربهم وهو يكبّر الله مع رجاله ، بعكس القبيلة المختطفة الّتي شاهدتهم يقومون بطقوس الشعوذة ليلاً كحرق الحيوانات أحياءً ، وهم يتلون التعويذات الشيطانية.

***


بعد فوز قبيلة النّشامى.. عادوا جميعاً على صوت الدفوف وزغردة نسائهم بعد فوزهم السّاحق على اعدائهم .


وعادت جوري إليهم وقد تغيرت مشاعرها اتجاه ليث ، فهي لم تعد خائفة منه أو من قبيلته ، خاصة بعد رؤيتها شجاعته بمعركته ضدّ الجنّ الكافر .. ومع ذلك رفضت الزواج منه ، لأنه عشقٌ حرام برأيها .


فاقترح عليها الذهاب معه إلى قريةٍ مجاورة ، لسؤال شيخٍ بشريّ عن الحكم الشرعيّ.. فوافقت بشرط : إن كان زواجهما باطلاً ، أن ينساها تماماً . 

***


خرجت جوري من المسجد وهي سعيدة بموافقة الشيخ والشّهود على عقد زواجها من ليث الذي طلب منها الإنتظار أمام فرسه ، لحين محادثته الشيخ منفرداً .


وفي داخل المسجد ، أعطاه كيساً من الدنانير الذهبية .. فقال الشيخ :

- هل سيختفي المسجد الوهمي بعد ذهابكما ؟

ليث مبتسماً : يبدو أنّك أحببت دور الشيخ ، يا ابن العم ؟!

- بصراحة شعرت بالرّفعة والهيبة.

- خذّ المال وعدّ إلى عائلتك ، فأنا سحرت عينيّ جوري لترى قريتك الوهميّة ، لأني لا أتحمّل خسارتها ..(ثم سلّم عليه) ..شكراً على كتب كتابنا ، والآن سأعود للإحتفال مع عروستي البشريّة.

***


في طريق العودة :

جوري : أتدري يا ليث ، لم اسألك بعد عن عمرك ؟

- على حسب أعماركم البشريّة ، أم عمري الحقيقي ؟

- الحقيقي طبعاً.

ليث : 534 سنة

- أهذا يعني انك عجوز ؟

- لا ، رجلٌ في الأربعينات حسب أعماركم .

جوري : جيد وأنا 37 ، يعني قريب من عمري.

- لكني حتماً لست من جيلك.

وضحكا بسعادة

***


وأقام لها عرساً ضخماً .. ذبح فيه الكثير من أغنامه ، مما أغاظ أبنائه الكبار وأمّهم الّتي حاولت طعنها بعد تسلّلها بين المعازيم ..إلا أنّ زوجها أبعدها قبل غرزها السّكين في قلب جوري ، مُخرجاً النّار من اصبعه .. لتختفي زوجته وسط دهشة الحضور ! 


فشهقت جوري بخوف :

- أقتلت زوجتك ؟!

فتنهد ليث محاولاً ضبط أعصابه  :

- بل أرسلتها إلى سجنٍ في باطن الأرض ، وستعود بعد سنوات لتنغّص حياتي من جديد ، لا تقلقي عليها


وطلب من العازفين إكمال الغناء ، بينما كتم أبنائه دموعهم بعد قتله أمّهم دون علم جوري التي خالجها الشكّ والرّيبة مما حصل ، وهي خائفة أن تكون تسرّعت بزواجها من هذا الفارس الغريب الأطوار! 

***


إلاّ أن ليث عاملها جيداً طوال شهر العسل ، ومع ذلك تضايقت من التعليقات الجارحة لأبنائه ونظراتهم الحاقدة ، بعد أن أخبروها بأنها السبب في مقتل أمّهم .

فطلبت من زوجها أن يشتري لها منزلاً في مدينتها ، وأن يزورها من وقتٍ لآخر .. وإن لم يفعل ، ستحاول الفرار من قبيلته بكل الطرق الممكنة.


فرضخ لطلبها مُرغماً ، واشتري شقة قريبة من منزل ابنها الأنسيّ 

***


بعد عودته إلى قبيلته .. زارت جوري ابنها الّتي لم تره منذ شهورٍ طويلة ، والّذي تفاجأ أنّها حيّة ! بعد أن أخبره والده إنّها خطفت ، دون أن تجد الشرطة أثراً لها .. ولم يعد يعلم شيئاً عن قضيتها بعد وفاة والده.


جوري بدهشة : والدك مات ؟! كيف حصل ذلك ؟

ابنها بحزن : كان يتحدّث مع صديقه بالجوّال أثناء قيادته السّيارة الّتي اصطدمت بالشجرة مودية بحياته .. وأخبرنا صديقه في العزاء إن آخر ما سمعه من أبي ، هو صراخه الخائف وهو يقول : جني !! .. قبل سماعه صوت الإصطدام المرعب !


فعلمت جوري أن ليث انتقم لها بظهوره المفاجىء أمام سيارته ، دون أن يخبرها بذلك !

فكتمت الخبر عن ابنها الذي وعدته أن تزوره دائماً ، دون إعطائه معلومات كثيرة عن عريسها الجديد !

***


بعد شهور .. دخل ليث شقتها ، ليجد غرفة نومها مقفلة ! فحوّل نفسه إلى طيف ليمرّ من خلال الباب .. فشهقت بخوف بعد إيقاظها من نومها  

فقال مبتسماً : 

- ألم تتعودي بعد أن الأبواب المقفلة لا تبعدني عنك ؟

- رجاءً عدّ في وقتٍ آخر ، فأنا لا أشعر بأني بخير .

ليث بقلق : ماذا حصل ؟!

- أشعر بدوارٍ وغثيان طوال النّهار.

- حسناً سأكشف عليك لأعرف مرضك.

جوري باستغراب : وكيف ستفعل هذا ؟!

- فقط أغمضي عينيك ، وسأدخل جسمك لأعرف السبب.

- لا ، هذا مخيف يا ليث !  

- لا تقلقي ، الأمر يأخذ ثانيتين فقط.


وحين فتحت عينيها ، رأته مستبشراً :

- مبروك يا عروس !! انت حامل بمولود ذكر.

جوري بدهشة : حامل ! وعرفت جنس المولود من شهره الأول ؟!

- لأنك حامل بجني صغير.

- جني !

- نعم ، ماذا توقعتي ؟!

جوري بضيق : لا اريد أن يكون ابني قبيحاً !

- سأتغاضى عن هذه الإهانة الغير مقصودة طبعاً  

- آسفة لم أقصد ، أنا خائفة فقط من كلام النّاس.


ليث : ابنك يعلم إنك متزوجة من بدويّ..وأكيد حماتك السابقة نشرت الخبر بين النّاس ، فمّما تقلقين ؟

- أخاف أن يكون حملي مختلفاً عن الحمل الطّبيعي.

- بالعكس ، حمل الجن أسهل بكثير، فهو فقط 5 شهور .. ولا يكبر بطنك كثيراً، مجرّد إنتفاخ بسيط ، حتى انه يمكنك إخفاء الحمل عن النّاس.

- إذاً لن أخبر أحداً بذلك.

***


بعد إتمامها الخمسة شهور دون ألمٍ او تعب . 

إستيقظت هذا الصباح ، لتجد بطنها عاد كما كان ! ولا أثر لحركة داخله ، مما أرعبها كثيراً.


وانتظرت حلول المساء لحين قدوم زوجها وسؤاله عن الجنين ، خوفاً أن تكون أسقطته دون علمها .. فأخبرها مبتسماً :

- أرسلت الولاّدة اليك أثناء نومك ، وهاهو ولدنا الآن مع أمّي.

- ماذا ! ولما لم تدعني أراه ؟!

- لأنّه صعب أن يعيش معك في المدينة بهيئته تلك . 

فقالت بعصبية : أريد رؤيته يا ليث فهو ابني ، ولا يحقّ لك حرماني منه.

ليث بحزم : إذاً ليس أمامك سوى العودة معي إلى القبيلة ، فأنا لا أريد جيرانك أن يسمعوا بكائه ، ويأخذهم الفضول لزيارتك ورؤيته.

- حسناً، لنذهب الآن .

***


وهناك رأت طفلها الذي يشبهها كثيراً ، الا انه لديه أقدام ماعز وقرن صغير في جبهته ! 

وبعد بقائها مع الطفل عدة ايام ، سألها زوجها :

- هل ستعودين إلى المدينة ثانيةً ؟

جوري وهي ترضع ابنها : لا يمكنني تركه ، فقد تعلّقت به كثيراً.

- اذاً سأسلّم الشقة لصاحب العمارة.

- لا ، دعها.. سأذهب إلى هناك من وقتٍ لآخر لزيارة ابني الأكبر.

ليث بسعادة : أهذا يعني انك ستبقين معنا ؟

- طالما انا وطفلي في خيمةٍ بعيدة عن ابنائك ، فلا مشكلة.

***


وظلّت جوري تتردّد إلى المدينة ، لحين تخرّج ابنها الأنسيّ وسفره مع عروسه للخارج ..وحينها استقرّت بالصّحراء مع زوجها ليث وقبيلته . 


وكلّما مرّ الناس بجانب خيمتها ، سألوها عن سبب بقائها وحدها في الصّحراء ؟!

فتجيبهم : أنّها مع قبيلتها .

فيستغربون من ذلك ! لأنّهم لا يرون قبيلة الجن كما تراهم هي .

لهذا انتشرت شائعة : عن وجود امرأة مجنونة تسكن وحدها الصّحراء ، والتي ظلّت هناك إلى أن فارقت الحياة ، بعد تزويجها احفادها الجن الّذين لم يرهم أحدٌ سواها !


الثلاثاء، 1 يونيو 2021

المنبوذون

 فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

 

العلاج الإجباريّ


في تلك الليلة الباردة .. ركضت ديانا بأسرع ما يمكنها ، هرباً من مجموعة شباب باتجاه الميناء .. واختبات في اول سفينة وجدتها هناك ..


وحين حاولوا اللحاق بها ، أوقفهم صاحب السفينة بعد إخراجه بطاقته الشخصية .. ليسارعوا بإلقاء التحيّة :

- سيدي !! علينا القبض عليها لأجل سلامتك

- إنتظروني قليلاً

وبعد تفتيشه السفينة ، خرج قائلاً :

- ليست هنا ، إبحثوا في السفن الأخرى 


وبعد ابتعادهم ، رفع حبل سفينته للإبحار الى وجهته ..

***


وفي الصباح .. إستيقظت ديانا فور دخول الرجل الى غرفة النوم (داخل السفينة) ومعه كوب القهوة .. 

وما أن رأته ، حتى فرّت باتجاه السطح .. وهي تصرخ فزعة :

- آسفة !! عليّ الذهاب حالاً 

- الى اين ؟!


وحين وصلت للأعلى ، وجدت نفسها في عرض البحر ! فقالت بخوف :

- أعدني الى الشاطىء ، ارجوك سيدي 

- لكنّا أوشكنا على الوصول الى فرنسا 

ديانا بدهشة : فرنسا ! كان حلمي الذهاب الى هناك ، لكنه بات مستحيلاً مع القوانين الجديدة الجائرة

- هيا إشربي قهوتك بهدوء ، لحين إحضاري حقيبة الإسعاف الأولية لعلاج ورم ذراعك

- لا بأس ، تعوّدت على معاملتهم القاسية

- إنتظريني هنا

***


وبعد عودته .. أخرج حقنة من حقيبته ، فصرخت فزعة :

- لا اريد حقن ! الا تفهمون ؟!!! 

الرجل : هي حقنة مسكّن لألم ذراعك ، فأنا طبيب .. 

ديانا مقاطعة بعصبية : لم أعد أثق بالأطباء ، فجميعكم مشتركين بالمؤامرة الكبرى

- ومن قال انني منهم ؟

- طالما لم يقبضوا عليك ، فأنت معهم 


الطبيب : لا ، انا لم آخذ لقاح الكورونا

ديانا باستغراب : وكيف سمحوا لك بدخول المطاعم والمحلاّت والسفر على راحتك ؟

- دفعت مبلغاً ضخماً لخبير كمبيوتر ، زوّر لي بطاقة التطعيم المُشفّرة

- أحقاً ! ليتني أفعل مثلك .. فالحياة أصبحت جحيماً بعد منعهم الغير ملقّحين دخول الأماكن العامة ، فهل تستطيع مساعدتي ؟

الطبيب : ربما أفعل بعد عودتنا بلادنا .. والآن سأذهب الى الكابينة لتوجيه السفينة الى ميناء فرنسا


ديانا بضيق : أتدري .. لطالما سخر زوجي من حلمي بزيارة برج إيفيل ، بعد إصراري على موقفي بشأن اللقاح المميت

- واين زوجك الآن ؟

ديانا بحزن : هجرني .. كما تخلّت عائلتي عني بسبب عنادي 

- لا تقلقي ، سنصل قريباً .. وحينها أجد طريقة لإدخالك البلاد 

فقالت بحماس : ياريت !! أتمنى رؤية الأماكن السياحية في فرنسا  

فابتسم لها ، وذهب الى غرفة القيادة ..

***


حين وصلا فرنسا .. تمكّن بطريقة ما ، لأخذها الى برج إيفيل كما حلمت دائماً .. لكنها اضّطرت لانتظاره خارج المحلاّت ، لعدم امتلاكها شهادة التطعيم الدولية .. وبعد انتهاء الطبيب من التسوّق ، عادا سوياً الى قاربهما

***


وفي اليوم التالي .. وقبل وصولهما الى انجلترا ، ترجّته أن يزوّر لها شهادة التطعيم ..

فأخرج جوّاله ، وبدأ يتحدث بلغةٍ لم تفهمها !  

وبعد انتهائه ، قال مبتسماً :

- حلّلت مشكلتك


فحضنته لشدة فرحها بحلّ أزمتها التي دامت أكثر من سنة ، عانت فيها من هجر الجميع لها وطردها من عملها .. إلى أن أُجبرت على السرقة للحصول على طعامٍ بالكاد يسدّ جوعها

***


وفور وصولهما الى الميناء ، تفاجأت بالشرطة تنتظرها هناك ! والذين سارعوا بالقبض عليها ، وهم يشكرون الدكتور (بيل أندرسون) لإبلاغه عنها 


فصعقت ديانا فور سماعها اسمه الحقيقي ! فهو الطبيب الذي اخترع فكرة لقاح كورونا الذي يدمّر الأجسام المضادّة في الدم ، تمهيداً لقتل ملايين البشر في المستقبل القريب .. 


ورغم صدمتها ! الا انها لم تعاتبه ، واكتفت بدمعةٍ حزينة سالت على وجنتها .. قبل وضعها في سيارة الشرطة وابتعادهم عن الميناء 


وعندما عاد الطبيب الى سفينته لأخذ حاجياته ، وجد فوق سريره ، رسالةً كتبتها ديانا له ..كان فيها :

((شكراً دكتور .. انت أفضل انسان قابلته في حياتي .. ساعدتني في الوقت الذي تخلّى عني الجميع .. انا مدينة لك بالكثير .. كنت أظن أن الدنيا خلت من الأخيار ، لكنك أثبت لي العكس .. أتمنى أن أردّ دينك قريباً))


فشعر بتأنيب الضمير لكسره قلبها وثقتها به .. فأسرع بركوب سيارة الأجرة للحاق بهم .. 

***


حين وصل الى مركز الشرطة .. وجد آثار الضرب على وجهها ، بعد مقاومتها الشرسة لأخذ اللقاح .. فطلب الطبيب أخذها الى مختبره لإجراء تجاربه الطبيبة على الأشخاص الغير ملقّحين .. فوافقوا على تسليمها له ، لأنه من الشخصيات الهامة في البلد

***


في الطريق .. ظلّت ديانا صامته بقهر ، إلى أن أوصلتهم سيارة الأجرة الى الميناء .. 


وهناك رفضت ركوب سفينته ثانيةً ، فهمس في أذنها :

- المراقبون في كل مكان .. رجاءً أدخلي ، فعليّ إخبارك بشيءٍ مهم


فدخلت مُرغمة ، وحين وصلا الى غرفة النوم في الأسفل ..إنفجرت غاضبة ، بعد صفعها له :

- ايها اللعين !! تسلّمني اليهم بعد وثوقي بك

- إسمعيني فقط

مقاطعة بغيظ : ماذا تريد أن تقول ؟!! انت الطبيب الأحمق الذي اخترع هذا اللقاح المرعب .. على الأقل كنّ جريئاً واعترف أن جميع الملقّحين سيموتون قريباً ، بعد تدميرك مناعتهم


فتنهّد بضيق : هذا صحيح

- ولما فعلت ذلك ؟!! لماذا تريد قتل ملايين البشر ؟

الطبيب : لحماية الأرض .. فقد زاد عددهم كثيراً ، ومصادر المياه لا تكفينا جميعاً ..لهذا اقترحت فكرة اللقاح لقتل المدمنين والمجرمين والمتسوّلين والمعاقين الذين لا لزوم لهم


ديانا بغضب : ومن انت لتقتلهم ؟!! أتظن نفسك إله ! دعّ الخلق للخالق يا رجل .. لربما المُدمن والمجرم يتوبان ، ويصبحا شخصين مُنتجيّن في المستقبل .. ثم كيف ستعيشون ايها الأغبياء بعد انتهاء مصادركم الغذائية بموت الفقراء من المزارعين والعمّال ؟ أتظن الدنيا قائمة فقط على المهندسين والأطباء ؟ هل انت أحمق لهذه الدرجة ؟ الله لم يخلقنا عبثاً ، وكل انسان له دور في الحياة


الطبيب : للأسف نصيحتك جاءت متأخرة ، فقد تلقّح حتى الآن اكثر من مليار شخص

- جميعهم من الطيبين الذين وثقوا بمنظمة الصحّة العالمية .. وبعد موتهم ، سيبقى الأشرار مثلكم .. حينها فقط تتحوّل الدنيا الى جحيم حقيقي

- لم يعدّ بإمكاني إيقاف المشروع وإنقاذهم .. لكن على الأقل يمكنني مساعدتك .. فبعضاً من اهلي وأصدقائي رفضوا التطعيم ايضاً ، فأرسلتهم الى جزيرتي وسط المحيط ، التي فيها ارضاً زراعية والكثير من المواشي تكفي لإعاشتكم جميعاً .. سأرسلك الى هناك ، لتحيوا بسلام


ديانا بعصبية : لا اريد منك شيئاً ايها اللعين !!

- لن تستطيعي الهرب بعد أن أصبح ملفك عند الشرطة ، ولا حلّ امامك سوى قبول مساعدتي .. لكن بشرط !! أن لا تخبري أحداً بذلك 


فاضّطرت ديانا للموافقة ، بعد أن أصبحت الحياة صعبة مع قوانين الصارمة ضدّ الأشخاص الغير ملقّحين ..

***


في اليوم التالي .. أرسلها مع صديقه القبطان الذي تكفّل بإيصالها الى الجزيرة .. 

وحين مدّ يده لتوديعها ، قالت له بحنق :

- لوّ كان بيدي لقتلتك بنفسي ، وأرحت البشريّة من أفكارك الهدّامة !! لكني سامحتك لأنك ساعدتني .. وأتمنى حقاً أن لا ألقاك ثانيةً 


وركبت السفينة ، بينما عاد الطبيب حزيناً الى قصره وهو يفكّر بكلامها .. قائلا بنفسه :

((معها حق ، من نحن لنقرّر مصير الناس .. ليتني لم أقترح فكرة اللقاح القاتل ، واكتفيت بتعقيم الفقراء .. يبدو أن التاريخ سيلعنني بوصفي أكبر مجرمٍ دمّر البشرية .. اللعنة عليّ))


ورغم إحساسه الكبير بتأنيب الضمير ، الا أن مشروعه مستمرّ لحين قتلهم ثلثيّ البشر حول العالم ، والذي سيحصل قريباً رغم أنف الجميع ! 


العازب الثريّ

فكرة : أختي أسمى كتابة : امل شانوحة   أسلوب حياة   قرّر مروان بعد بلوغه سن الخمسين الزواج عن طريق الإنترنت من خلال إعلانٍ عن إستضافته أربعين...