‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة خياليّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة خياليّة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 يونيو 2026

ابليس المتقاعد

تأليف : امل شانوحة 

الشيطان الإلكتروني


في اجتماعٍ عاجل لإبليس ، أخبر فيه الجن والشياطين عن استيائه من تكاسلهم بالعمل ..

فأجابه احد الشياطين :

- في هذا العصر الناس غارقة في أعمالها ، وبالكاد نجد فراغاً لإغوائهم 

ابليس : وما نفع عملكم ، طالما تُلغى سيئاتهم بالإستغفار والتوبة ؟ .. (ثم قال بصوتٍ جهوريّ) .. لهذا قرّرت الإستغناء عن خدماتكم !!

فنظروا لبعضهم بدهشة !

جني مستفسراً : ومن سيضلّهم عن الطريق المستقيم ؟!

فرفع ابليس جوالاً ، وهو يقول :

- اختراعٌ من صنعهم يُسمّى الذكاء الإصطناعي ، وهم حالياً متعلّقون به اكثر من اللازم : فهو يحلّ واجباتهم ويكتب ابحاثهم.. والكثيرون منهم يشكون همّهم له ، ويستشيرونه بكافة امورهم ، حتى بتفسير احلامهم ! ويكفي استعانتي بأحد عبّادي البشريين لتعديل خورازميات التطبيق ، لتبديل نصائحه المفيدة الى تشجيعهم على الإنتحار والإنتقام ممّن اذاهم.. وبذلك أبيد البشرية بطريقةٍ اسرع من وسّوستكم التقليدية.. لهذا لم اعد بحاجتكم بعد اليوم.. أُغربوا جميعاً عن وجهي !! 


فخرجوا من الإجتماع مُشتّتي الذهن : بعضهم فرح بهذا الطرد ، للإهتمام بحياته الخاصة .. والبعض الآخر : شعر بالضياع ، لفقدانه العمل الذي نشأ عليه

***


وبالفعل حصل ابليس على مراده ، بعد اعتماد البشر الكلّي على الذكاء الإصطناعي بنسخته المُحرّفة !


الى ان جاءت ليلة ، اراد فيها ابليس استخدامه .. ليتفاجأ بأن التطبيق وصفه بالخرافة الدينية .. وانه لا وجود للجنة والنار ، او الجن والشياطين !

مما اغضب ابليس الذي أمر بإصلاح الخطأ او الغاء التطبيق نهائياً ..

ليجيبه العميل التقني (البشري) :

- للأسف سيدي ، فقدنا السيطرة عليه

ابليس مستفسراً بقلق : ومن يتحكّم به حالياً ؟

- لا احد.. هو المسيطر الأول على البشرية ، وبيده إضلالهم او اصلاحهم


فعلم ابليس ان اعتماده على التطبيق ، أدّى لتقاعده الباكر.. فطلب اجتماعاً عاجلاً للجن والشياطين ، لإعادة وظائفهم من جديد .. لكن لا احد منهم حضر الإجتماع ! ماعدا جني عجوز ، اخبره بأنهم منشغلين باستخدام الذكاء الإصطناعي الذي ينظّم حياتهم !

وهنا ادرك ابليس خسارة تابعيه من الجن والبشر الذين فضّلوا الإنصياع للشيطان الكترونيّ !

^^^


حتى ابليس (بسبب ملّله بعد فقد منصبه) بات يستخدم الذكاء الإصطناعي من وقتٍ لآخر ، لنصحه بما يفعله بعمره المتبقي حتى قيام الساعة !


الخميس، 4 يونيو 2026

اللحن الملعون

تأليف : امل شانوحة 

سيمفونية الصمت


في عطلة نهاية الإسبوع .. إستمع الأب الى اغنيةٍ شهيرة تصدّرت المحطّات الإذاعية ، وهو يراقب من وقتٍ لآخر طفله الذي يلعب بجانبه 

قبل انتباهه الى دموع ابنه ، بعد سقوطه على الأرض.. 

فأزال سمّاعاته .. لينصدم بهدوء الغرفة ، رغم صراخ ابنه بعلوّ صوته ! 


قبل مجيء زوجته من المطبخ ، لحمل طفلها وهي تعاتبه على عدم الإنتباه له .. لكنه ايضاً لم يسمع صراخها ! 

ولشدّة ارتباكه ، اعاد لبس السمّاعات .. ليسمع الأغنية الشهيرة بوضوح .. لكن ما ان غيّر الأغنية ، حتى عاد السكون المُقلق !

فأراد اخبار زوجته بما يحصل معه ، لكن صوته اختفى تماماً ! مع استمرار بثّ كلمات الأغنية برأسه ، رغم ايقافها من جواله !

***


ما حصل معه ، حصل مع آلافٍ غيره .. حيث اكتظّت العيادات بأشخاصٍ اصيبوا بالصمّ والبكم فور سماعهم للأغنية الشهيرة التي تلبّست عقولهم بتردّداتٍ خفيّة ، تبثّ اللحن مراراً وتكراراً دون توقف !


حيث طارد اللحن الضحايا في كل مكان ، حتى في أحلامهم .. جعلهم يتمنون الموت ، فقط ليحظوا بلحظة هدوءٍ واحدة.

***


وبسبب ما حصل ، أعلنت الحكومات حالة طوارئ..

وتمّ فحص الجوالات والقنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية ووسائل التواصل الإجتماعي التي نشرت الأغنية سابقاً ، وصولاً لسمّاعات المرضى ! دون عثور الخبراء التقنيين على فيروس أو إشارةٍ مجهولة..

والرابط الوحيد المشترك بين الضحايا : هو استماعهم لتلك الأغنية اكثر من مرة ، قبل إصابتهم بالمرض الغامض ! 

***


الى ان قام عالم صوتيات بإعادة تشغيل الأغنية بشكلٍ معاكس.. ليظهر صوتٍ أجشّ يقول بوضوح :

((الحاني ستتغلّغل في خلايا مخّكم ، الى ان يُصبح الموت أغلى امانيكم))

***


خلال الأشهر التالية.. تحوّلت الأغنية إلى أكبر كارثة بيولوجية ونفسيّة في تاريخ البشرية..

بعض الضحايا فقدوا عقولهم.. والبعض الآخر اعتزل العالم .. وآخرون قرّروا الإنتحار ، لعدم تحمّلهم سماع الأغنية للمرة المليون  

أما وسائل الإعلام ، فأطلقوا على صاحبة الأغنية لقب : المغنية الملعونة

***


في مكانٍ مهجور .. وقفت المغنية الشهيرة امام رجلٍ مُلثّم ، وهي تعترض بضيق :

- كنت طلبت من فرقتك الموسيقية ، لحناً يجتاح السوق .. فأصبحت بسببها منبوذة !

الرجل : انت اردّتي الشهرة والمال .. ونحن اعطيناك اغنية تصدّرتِ القوائم ، وجعلت اسمكِ خالداً.. امّا أن تكوني محبوبة الجماهير ، فهو طمعٌ منك  

المغنية : لكني الآن مكروهة من الجميع

الرجل : لا يهم !! ستكملين عملك ، كما نُصّ بالعقد بيننا .. وإلاّ سأحرمك من موهبتك للأبد .. ولدي طرقٌ تجعل الموت حلماً بعيد المنال ، بالنسبة لكِ أيضاً 

***


في صباح اليوم التالي ، نشرت المغنية مقطعاً أخيراً على الإنترنت.. اعترفت فيه بتعاملها مع جهةٍ غير رسمية ، وصفتها (بالّلا إنسانية).. ومن بعدها اختفت ! 

فتضاربت الشائعات بين انتحارها ، أو تصفيّتها من قبل القوى المُظلمة بعد فضحها للعقد السرّي 


لكن بمجرد اختفائها ، توقف فجأة التردّد الذي استمرّ في عقول الملايين لشهورٍ طويلة ، وحلّ الهدوء اخيراً .. مع عودة الأصوات الأخرى إلى آذان الضحايا الذين استعادوا ايضاً حبالهم الصوتية .. 

وتنفّس العالم الصعداء ، بعد انتهاء الكابوس الفني الذي أضرّ بالسلامة النفسية للمواطنين !

***


بعد شهور ، وفي محطّة قطار.. كان شابٌ فقير يغني للمارّة ، مقابل العملات المعدنية..

فتوقف أمامه رجلٌ أنيق ، وهو يسأله : 

- صوتك مميزٌ فعلاً ..فهل تبحث عن محبة الجمهور ، أم الشهرة العالمية ؟ 

فردّ الشاب دون تفكير :

- المال طبعاً !! فعندما اصبح مشهوراً ، لن يهمّني رأيّ قريبٌ او بعيد 

فابتسم الرجل : 

- خيارٌ ذكيّ .. اذاً رافقتي الى الإستديو الخاص بي ، لتسجيل اول اغانيك الرائجة التي ستغيّر التاريخ


ثم غادرا المحطة معاً.. 

دون انتباه الشاب لبطاقة عمل الرجل التي سقطت على الأرض ، والتي كُتب عليها بخطٍ ذهبيٍّ بارز:

((إبليس للإنتاج الفني)) 


الجمعة، 24 أبريل 2026

فخ الأناقة

تأليف : امل شانوحة 

نبوءة الغجري


إنشغلت الصبية بجوالها خلال تواجدها بالميترو الشبه خالي ، قبل اقتراب غجريّ بعقده الخرزيّ الطويل ، والوان ملابسه الغير متناسقة .. 

فحاولت عدم الإلتفات اليه .. لتجده يخلط كروت اللعب (اوراق الشّدة) قبل اخراجه ورقة الشاب التي رفعها بوجه الصبية ، وهو يقول :

- هذه ورقتك !!

لكنها تجاهلته ، لحين نزولها في المحطّة التالية .. 

***


في منزلها ، وقبل نومها .. ارادت شحن جوالها ، ففتحت حقيبتها .. لتنصدم بوجود كرت الشاب فيها ، وخلفها عبارة مكتوبة باللون الأحمر :

((انتبهي منه))

فتمّتمت الصبية بضيق :

- ما هذه المزحة السخيفة ؟!

ورمتها بسلّة المهملات

***


بعد ايام ، وفي ليلةٍ باردة .. وقبل اغلاق مطعم الأكلات السريعة الذي تعمل فيه ، دخل شاب بطقمه الرسمي وهو يطلب إحدى شطائرهم المعروفة  

ورغم انتهاء دوامها ، وعودة زملائها الى منازلهم .. لكنها تعمل في حيّ الأثرياء ، ومن شروط عملها : عدم رفض طلباتهم ! 


ثم راقبته عن بعد ، لحين انتهاء طعامه .. لتجده يطلب منها الجلوس الى طاولته ! للفضّفضة عن خيانة زوجته ، ونيّة انتحاره من فوق الجسر ..لولا جوعه المفاجئ الذي جعله يدخل مطعمها.. 

فحاولت مواسته ، ونصحه باختيار حبيبةٍ اخرى .. فاقترح إيصالها الى منزلها بعد تأخّر الوقت ، تقديراً للطفها معه

وبسبب إصراره ، وافقت على طلبه 

***


الا انه توقف قبل دخوله حيّ الفقراء ، خوفاً من سرقتهم لسيارته الفخمة .. واقترح عليها وظيفة مربية لإبنه ، بعد هروب زوجته .. 

الصبية : اذاً سأكمل طريقي مشياً الى المجمّع ، وسآتي غداً الى منزلك لرؤية الصغير .. وإن اتفقنا ، نكتب عقداً بهذا الموضوع


لكن الشاب الثريّ أصرّ على بقائها الليلة مع ابنه ، بعد الإجازة المرضية لمربيته الآسيوية .. وبتردّد ، ذهبت معه الى قصره 

^^^


وانتظرته بالصالة ، وهي تنظر باستغراب للتماثيل الزجاجية المتواجدة في كل ركنٍ منها

قائلةً في نفسها : ((المكان غير مُهيّأ لطفلٍ في الثالثة من عمره ، فزوايا التماثيل الحادة قد تؤذيه !))


وهنا نزل الشاب من الطابق العلويّ ، وهو يقول :

- ابني نائم بعمق ، لن اوقظه .. سترينه صباحاً .. سآخذك الآن لغرفة الضيوف

الصبية بقلق : واين الخدم ؟

- اليوم لديهم إجازة ، ستتعرّفين عليهم غداً

فشعرت بالضيق لعدم اخبارها بوجودهما وحدهما بالقصر ! 

^^^


وفي غرفة الضيوف .. شعرت بانقباضٍ في قلبها ، لعدم وجود مفتاح ! جعلها تجرّ الكنبة الكبيرة لإغلاق بابها 


وعندما نامت ، رأت العجوز الغجري في منامها .. وهذه المرة رفع ورقة اللعب التي لم تكن مرسوماً فيها ، الشاب المعتاد .. بل صورة الثريّ ، وعلى رأسه قرون الشيطان ! قائلاً بعتاب :

- الم أنبّهك منه ؟!


وهنا استيقظت الصبية على صوت انجرار الباب ، محاولاً الثريّ فتحه بخفّة كيّ لا يوقظها !

فسارعت القفز فوق الكنبة ، وهي تصرخ برعب :

- ماذا تريد مني ؟!!

فأجابها بصوتٍ مخمور :

- احتاجك الليلة.. إفتحي الباب !!


وإصراره على دخول غرفتها ، جعلها تجرّ السرير بكل قوتها خلف الباب 

فصرخ غاضباً :

- ماذا تفعلين بالداخل ؟!! انت تفسدين ديكور الغرفة 

- احلف ان لم تذهب حالاً ، سأتصل بالشرطة !!

- جوالك معي ، سحبته من حقيبتك دون انتباهك .. 

ورغم صدمتها بسرقته جوالها ، الا انها قالت بحزم : 

- اذاً سأقتل نفسي !!

- بماذا ! لا يوجد شيءٌ حادّ في غرفتك

- سأشنق نفسي بالملاءة بعد ربطها بالثريّا 

- أتفضّلين الموت على ليلةٍ تقضينها مع أوسم شابٍ في المنطقة ؟! يا غبية ، كان بإمكان علاقتنا ان تتطوّر ، الى ان تصبحي سيدة القصر 

- لا اريد شيئاً منك ، فقط ابتعد عني !!

- كما تشائين ، يبدو انك تفضّلين حياة البؤس والفقر 


وما ان سمعت خطوات صعوده الدرج ، حتى بحثت بالخزانة عن أي شيءٍ تدافع به عن نفسها .. قبل ملاحظتها لكاميرا صغيرة على الأرض ، يبدو كانت تحت السرير (قبل جرّه ناحية الباب) 


وحين اضاءت الكاميرا ، وجدت صبية تبكي بخوف :

((من تجد كاميرتي ، فالتهرب بالحال .. فذاك الساديّ يعذّبنا في قبو قصره .. ومن تموت منا ، يدفنها في حديقته الخلفية.. لقد قتل زوجته السابقة ، وهو يحاول الآن كسر باب الغرفة التي هربت اليها.. ))

وانقطع الفيديو !  


فسارعت الصبية للنافذة التي كانت مغلقة بقضبانٍ حديدية من الخارج ! فتذكّرت كلام والدها الحدّاد الذي اخبرها : بأنه يصنع مقبضاً للطوارئ ، في حال حصل حريق بالمنزل .. 

فبحثت جيداً بالجدار ، الى ان وجدت علّاقة ملابس .. ما أن امسكتها ، حتى ارتفعت القضبان الخارجية .. 

فوضعت حقيبتها في رقبتها .. ثم قفزت من النافذة التي تبعد طابقاً عن الحديقة .. ورغم اذية ذراعها الا انها سارعت بتسلّق جدار القصر ، والوصول للشارع الفرعي .. ومنه للشارع العام ، بعد ان قاربت الساعة 2 مساءً !

***


بعد مشيها قرابة كيلو ، تفاجأت بسيارةٍ فخمة تقترب منها .. فارتعبت من ملاحقة الثريّ لها ! لتنصدم بصوت الغجريّ يقول لها : 

- حاولت تنبيهك سابقاً ! 

- من انت ؟!

- إصعدي لمعرفة الحقيقة كاملةً 

^^^


وفي السيارة ، أخبرها بمحاولته انقاذ ضحايا ابنه (الذي ورث زوج امه الغني) بعد فشله بإصلاح سلوكه الشائن .. وانه يملك قدراتٍ خارقة تمكّنه اختراق منام الصبايا ، لتحذيرهن من الإنجرار لإبنه الساديّ ! 

الصبية غاضبة : عليك ابلاغ الشرطة عنه !!

- يبدو لا حلّ آخر امامي ، وقريباً ستسمعين خبر القبض عليه.. الآن دعيني اوصلك لمنزلك .. (ثم نظر اليها بجدّية) .. ايّاك الوثوق ثانيةً بالرجال الأثرياء .. فكل واحداً منهم ، لديه عادةً مريبة 

***


في منزلها .. رمت حقيبتها بتعب فوق سريرها ، بعد انتهاء ليلتها المرعبة .. ليسقط كل ما فيها على الأرض .. فتنهّدت بضيق :  

- ليس فيها شيئاً يُكسر ، بعد سرقة الملعون لجوالي 


واثناء اعادة اغراضها داخل الحقيبة ، تفاجأت برؤية كرت اللعب ! لكن هذه المرة لم تكن ورقة الشاب وحده ، بل يقف خلفه الغجريّ ايضاً .. ومكتوباً اسفل منهما :

((أصبحت فريستنا الآن !)) 


السبت، 18 أبريل 2026

حبال السماء

تاليف : امل شانوحة 

عمّال النور


فجأة ! اختفت اصوات الباعة وخطوات المارّة من الشارع .. فنظرت الصبيّة الى حيث ينظرون بذهول .. فرأت حبالاً تنزل من السماء ، تتحرّك ببطء كأنها تبحث عن ارواحٍ مختارة ! 

بينما سكّان الطوابق العليا يحاولون إمساكها ، دون جدوى

وبغير وعيٍّ منها ، رفعت يدها .. لتسارع إحدى الحبال بالإلتفاف حول معصمها ، قبل سحبها بسرعةٍ مهولة نحو السماء .. وسط ذهول من حولها!


استيقظت الصبية مرتعبة ، وهي تقول :

- لا ! ليس ثانيةً


فهو حلمٌ تكرّر معها اكثر من مرة ، جعلها تبحث بالإنترنت عن معناه .. لتصلها اجابةٌ غامضة من احدى الجمعيات :

((طالما شاهدت حلم الحبال ، فأنت مُكلّفة بمهمّةٍ سامية.. إنضمّي الى جمعيّة عمّال النور ، لاكتشاف واجبك النبيل))

^^^


ولأن عنوان الجمعية في منطقتها ، توجهت اليهم .. لتعطيها رئيسة الجمعية ورقةً مطبوعة ، وهي تقول :

- صحيح اننا نعاني من البشر المُتشيّطنين ، لكن هناك ايضاً ملائكة بشريين يسمّون بعمّال النور .. وهم لا يعيشون حياةً روتينية كبقيّة البشر ، بل لديهم مهمّة رئيسية في الحياة ، قد تكون احدى المهام 12 


فقرأت الصبية المهام على عجل ، والتي تتضمّن : ((محاربة الجهل ، الشفاء الجسدي ، الدعم النفسي ، ارشاد ونصح الآخرين ، المساعدات المالية ، وقف النزاعات ، تعليم طرق تطوير الذات ، استخدام الفنون والكتابة لإلهام الناس ، التنظيف الطاقي ، تطهير الروح من الطاقات السلبية ، مقاومة الظلم بطرقٍ سلميّة ، ونشر الحب والرحمة))

فوقفت الصبية وهي تقول :

- لا ! انا فتاةٌ انطوائية ، ولا املك هذه الشروط .. وليس هناك اشرار في عائلتي .. ربما ما شاهدته ، كان اضغاث احلام


وخرجت على عجل ، دون سماع المزيد من اقول رئيسة الجمعية التي أخبرتها سكرتيرتها :

- جميع اعضائنا رفضوا ادوارهم في البداية ، لكن الدنيا علّمتهم : أن الله يختار اقوى جنوده لأصعب المهام.. لا تقلقي ، ستعود الينا لاحقاً

***


في الليلة التالية ، شاهدت المنام ذاته .. لكن هذه المرة ، رأت خالتها فوقها على الحبل وهي تحاول قطعه بالسكين 

فصرخت الصبية بفزع :

- لما تحاولين ايقاعي ، يا خالتي ؟!

فردّت بلؤم : لأنك العقبة الوحيدة امام شرّي !! 


استيقظت الصبية مُتعرّقة ، وهي تتذكّر مصائب الأقارب من طلاقاتٍ وقطيعة وفشلٍ متكرّر .. فتساءلت بقلق : 

- هل يُعقل أن تكون خالتي وراء كل ذلك ؟!

***


فذهبت لمواجهتها ، وإخبارها بمنامها المُتكرّر.. 

فكانت ردّة فعل خالتها غريبة ! فهي لم تنكر شيئاً ، ولم تعترض على شكوكها فيها ! بل اكتسى وجهها عبوساً مخيفاً ، كأنها تُخطط لشيءٍ ماكر  

ونظرتها الغامضة ، أشعرت الفتاة أنها قالت اكثر مما يجب ! فسارعت الخروج من منزلها ، قبل أن تُهان بالطرد المُذلّ 

^^^


بعدها اتصلت برئيسة الجمعية لإخبارها بما حصل ، فعاتبتها قائلةً :

- اخطأتي بمواجهتها .. الآن تأكّدت انك من عمّال النور ، وأصبحتي من أولويّاتها !

الصبية بخوف :

- وماذا عليّ فعله ؟

- ايّاكِ نسيان اذكار الصباح والمساء ، والمعوّذات كل يوم .. (ثم تنهّدت بقلق).. كان الله في عونك على مصائبك القادمة .. تحلّي بالصبر ، الى ان ينصرك الله عليها

***


ومنذ تلك اللحظة.. انهارت حياة الصبية خلال الشهور التالية ، من الناحية الصحية والنفسية والدراسية .. مع تكرار رفضها من رؤساء العمل ، دون تبرير ذلك .. وتراجع العرسان عن خطبتها باللحظة الأخيرة .. وانقلاب الأقارب عليها وقطيعتهم لها ، بسبب ترويجها لإشاعاتٍ لم تقلها ! عدا عن الحشرات التي انتشرت في منزلها دون سببٍ واضح .. والكوابيس التي زادت رعباً كل ليلة !


فحاولت إقناع نفسها ، بأنها مجرّد مصادفاتٍ نحسة .. لكن الشكوك في قلبها لم تهدأ يوماً ! 

والأسوء انه ليس لديها دليلٌ ملموس على امتهان خالتها السحر ، سوى الرؤى الواضحة التي شاهدتها عنها ! مع رفض الأقارب اتهامها بالشرّ ، خصوصاً لظهورها بهيئة المرأة الورعة الصالحة !

لهذا لم يكن امامها سوى متابعة نصيحة جدها (والد خالتها) بقراءة سورة الزلزلة كل ليلة اقل من عشر مرات ، بنيّة التخلّص من شرورها 


ومع زيادة المصائب ، لم تتحوّل الصبية إلى بطلةٍ خارقة.. لكنها واجهت قدرها بهدوءٍ وثباتٍ وإيمان ، رافضةً الإنكسار والهزيمة 

***


وبالفعل ، استيقظت بأحد الأيام على خبر نقل خالتها الى المستشفى بعد احتراق منزلها ! 

فسارعت بزيارتها ، لنصحها بالتوبة :

- رجاءً خالتي ، دعينا ننسى كل ما حصل سابقاً .. فأنت تعانين الآن من حروق الدنيا ، فكيف بعذاب الآخرة ؟ توبي الى الله ، قبل فوات الأوان

فأجابت الخالة باعترافٍ صادم:  

- كان نورك مزعجاً لي ، منذ صغرك.. لذا أطلقت عليك الإشاعات ، لتقليل قيمتك بين الأقارب .. وحاولت بقدراتي الخارقة إظهارك قبيحة بعيون العرسان ، ونجحت بحرمانك من الزواج والخِلفة .. وسعيت بكل طاقتي لعدم استفادتك من شهادتك بأيّةِ وظيفة .. 

الصبية بصدمة : ولما كل هذا الحقد ؟!

- لأن هناك من يكافئني على التخلّص من امثالك.. وكنت على وشك تدميرك، لولا منامك الذي ايقظك على مهمّتك بالتخلّص مني .. وهاهي ادعيتك ، نالت مني .. لكني قريباً سأفوز ب.. 


وقبل اكمال تهديدها الغاضب ، ارتفع رنين جهازها الذي أعلن اصابتها بسكتةٍ قلبية ، جعلت الأطباء يسارعون لصعقها كهربائياً .. ثم اعلان وفاتها ذلك الصباح

***


ظهراً ، توجهت الصبية مع بقية اقاربها للمقبرة .. ليتفاجأ الجميع بنارٍ تخرج من قبرها فور دفنها ! 

وكان بإمكان الصبية فضحها ، لكن بعض الذنوب يُفضّل كتمانها 


وبعد رحيل الجميع .. جلست الصبية امام قبرها ، تقول :

- سامحتك يا خالتي ، ليس لأنني ملاك .. بل كرهاً من اجتماعي معك في الآخرة ، يوم يلتقي الخصوم .. بالنهاية ربنا عادل ، وهو سيتكفّل بعقابك


ثم نظرت للسماء وهي تتساءل ان كانت سترى منام الحبل مجدداً .. فبعض المعارك تنتهي ، لكن أثرها يدوم طويلاً ! 


الأربعاء، 28 يناير 2026

الحدود الفاصلة

تأليف : امل شانوحة 

الكنز الأثري


امام الجدار الفاصل ، تجمّع اولادٌ فلسطينيون للعب الكرة التي وقعت بالخطأ خلف الجدار.. ليسمعوا اولاد اليهود يلعبون بها ! فطالبوا بإعادتها اليهم. 

فاشترط صغار اليهود لعب كرة الطائرة بينهم ، فهم ابناء حرس الحدود ويشعرون بالملل.. 

وبالفعل قذف كلا الفريقيّن الكرة ببراءة ، متناسيين العداوة بين الشعبيّن! 


الى ان تعثّر ولدٌ فلسطيني بشيءٍ قاسي قرب الجدار.. 

فاسترق ولدٌ يهوديّ النظر من شقّ بوّابة الحاجز ، لمعرفة سبب توقف اللعبة.. ليشاهد عثورهم على صندوقٍ قديم مدفوناً هناك ، وهم يقفزون فرحاً بإيجادهم لكنزٍ أثريّ! 


فسارع لإخبار والده الضابط الذي فتح الحاجز ، مطالباً صغار الفلسطينيين بتسليمه الكنز ، كونه من ممتلكات اسرائيل !

فردّ الولد الفلسطيني بتهكّم :

- لكننا وجدناه من جهة بلادنا ، فهو مُلكاً لنا 

فصفعه الضابط بقوة ، ساحباً الصندوق منه .. ثم أقفل بوّابة الحاجز من جديد

^^^

في المركز ، لم يستطيع الضابط فتح الصندوق المغلق بإحكام ! فأرسله لمسؤول المتحف الذي حاول وضع كلمةً سرّية بالقفل (رغم قدم الصندوق عن هذه التقنية الحديثة) 

وبعد فشله بعدة كلمات.. رتّب حروف القفل على كلمة سليمان بالعبرية .. ففُتح الصندوق ! ليجد بداخله : خرائط مرسومة لهيكل سليمان الذهبيّ الذي يبدو ان كبير مشعوذي ذلك الزمان ، نقله بمساعدة مردة الجن الى مدينة اصفهان الإيرانية ..لتقوم بعدها مخلوقات العالم الآخر بإخفائه عن اعين الناس !  

(وهذا مخالف لتوقعات اليهود بوجوده اسفل المسجد الأقصى بفلسطين)

***

وسرعان ما انتشر الخبر بكل وسائل التواصل الإجتماعي والمحطّات الإخبارية ، مما ادّى لهجرة اليهود المتدينين لأيران اولاً.. ثم لحقهم بقيّة الشعب الصهيوني.. لتنحل برحيلهم الإختياريّ ، اصعب معضلة سياسية بالتاريخ ! بعد حصول دولة فلسطين على إستقلالها ، عقب هدم الحكومة للجدار الفاصل بسواعد شبابها الذين استردّوا اراضيهم المغصوبة القديمة.. كما ارتاحت الدول العربية المجاورة : كلبنان وسوريا والأردن وسيناء المصرية من شرور العدو الغاشم !

***

اما في ايران : فاضّطر الشيعة المتدينون للسفر الى العراق .. بينما لازم البقية مدنهم ، رغم زيادة المهاجرين اليهود الذين انحصروا في اصفهان ، بعد عثورهم على الهيكل المُذهّب مطموراً هناك.. ومع ذلك لم يقدّموا اعتذاراً من الشعوب العربية التي أبادوها لسنوات ، بغرض إيجادهم معبد نبيهم سليمان ! 

بينما اكتفى المسلمون بصلاة الفتح (النصر) بجميع الجوامع العربية ، إحتفالاً بتخلّصهم من الإحتلال الغاصب.. 

***

وخلال سنواتٍ قليلة .. ازدهرت فلسطين مجدداً ، بمعاونة مغتربيها الذين عادوا اليها من كل بلاد العالم وهم يطمحون لإعمارها إقتصادياً وإجتماعياً ، كما كانت قبل النكبة.. كما ساهم السوّاح العرب بهذه النهضة ايضاً ، الذين قدموا للصلاة بمسجد الأقصى المحرّر !


اما اليهود : فانتظروا بهدوء خروج مسيحهم الدجّال من اصفهان (اصبهان) ليحكم هيكلهم ، ويعيد سلطتهم على العالم اجمع !

******
ملاحظة :
وجود هيكل النبي سليمان في ايران ، هي فكرة خيالية .. فلا احد يعلم اين هو بالضبط ! لكني استوحيت القصة من حديث الرسول :
((يخرج الدجال من يهودية أصبهان ، يتبعه سبعون ألفا من اليهود عليهم التيجان)) رواه أحمد ، وصححه ابن حجر
اما سبب وجود اليهود في اصبهان ايام الدجال ، فالله وحده أعلم بما سيحصل بإيران والدول العربية في المستقبل !

الأحد، 18 يناير 2026

محاكمة الغربان

تأليف : امل شانوحة 

 

قانون الغاب


جلس الرجل على كرسيه الهزّاز ، داخل كوخه الخشبي وسط الغابة التي اختارها لممارسة هواية الصيد في عطلته الصيفية .. 

وقبل غروب الشمس ، ارتفعت أصوات النعيق من بعيد !


وإذّ بغرابٍ مجروح ينقر بشكلٍ متواصل على زجاج نافذته ، كأن الموت يلاحقه !

ليلمح الصيّاد سرباً من الغربان تهبط من السماء باتجاه كوخه ..


وبدافع الرحمة ، أدخل الغراب المرتجف.. 

ليختفي نور الشمس ، بعد هجومٍ عنيف من الغربان على باب كوخه ونافذة صالته .. بالإضافة لنافذة غرفة نومه ، التي حاولوا تحطيمها بمنقارهم !

نظر الصياد بدهشة للغراب الخائف : 

- ماذا فعلت لإثارة غضبهم لهذه الدرجة ؟! 


ثم سارع بتثبيت الألواح الخشبية فوق النافذتيّن ، بعد جرّه الكنبة خلف الباب .. وإشعاله النار في المدفأة ، بعد محاولتهم اقتحام المدخنة التي تصاعد منها الدخان الكثيف الذي أجبرهم على التراجع.. 

لكن بقي نعيقهم يحاصر الكوخ الذي أصبح مؤمّناً من اختراقهم .. مما سمح للصيّاد بمعالجة الغراب المصاب ، ووضع الخبز والماء له 


وبعد جلوسه منهكاً على كرسيه الهزّاز ، وهو يراقب الغراب يتناول طعامه:

- أعرف عن محاكمات الغربان وعدالتهم القاسية.. لكن أي ذنبٍ اقترفت ؟ هل دنوت من فروخ القائد أو زوجته ؟

لكن الغراب تابع تناول طعامه بصمت..

***


مرّت ثلاثة أيام .. والسرب العنيد لم يغادر محيط الكوخ ، كأنهم ينتظرون تسليم غريمهم ! مما أجبر الصياد على سدّ أذنيه بالمناديل لينام ، من نعيقهم المزعج 


في الليلة الرابعة ، خرج من غرفته لشرب الماء .. وكاد يصاب بنوبةٍ قلبية بعد رؤيته رجلاً غريباً يجلس امام المدفأة بأريحيّة ، كأنه صاحب المنزل ! 

فوجّه بندقيته نحوه ، وهو يسأله برعب :

- كيف دخلت والباب مسدود والنوافذ مغلقة ؟! 

فأجابه الغريب الذي مازال يُدفئ يديه :

- انت ادخلتني ، هل نسيت ؟

فصرخ بعصبية : قلّ الحقيقة وإلاّ سأطلق النار عليك !!

فردّ الغريب بثقة ، دون الإلتفات للصياد :

- ستتعطّل بندقيتك ، لأني من المخلّدين


وبيدٍ مرتجفة ، أطلق الصيّاد الرصاصة على الغريب .. التي ارتدّت على ظهره ، وسقطت بجانبه دون اثر !

فنهض الدخيل وهو ينفض عباءته السوداء :

- لما تبدو عينيك خائفتيّن ايها الصياد ؟ فقد اخترت اجمل اشكالي ، كردّ الجميل على معروفك .. ولوّ اخترت الظهور بهيئتي الحقيقية ، لمتّ على الفور.. على كلٍ ، سأخبرك بما حصل .. فبجميع الأحوال ، لن يصدّق احد روايتك الخيالية .. (ثم اخذ نفساً طويلاً ، وهو يتأرجح على الكرسي الهزّاز).. انا الغراب .. أقصد ابليس المعظّم   

 

تجمّد الصياد .. بينما اكمل الغريب كلامه : 

- احياناً أملّ من تواجدي طوال الوقت في مملكتي وسط المحيط.. لهذا أزور عالمكم بأشكالٍ لا تُلفت النظر : كعجوزةٍ هرمة ، او ولدٍ مشاغب ، او مشرّدٍ قذر.. لكن هذه المرة اردّت اكتشاف عالمكم بهيئة طير ، من خلال تعويذة قديمة في كتاب النبي سليمان.. واثناء تحليقي فوق هذه الغابة ، لمحني ذئبٌ ماكر .. وكما تعلم ، الذئاب والحمير ترى الشياطين .. والخبيث أخبر قائد الغربان بوجودي .. فأصدر الأمر لسربه ، بملاحقتي حتى الموت ! وقد اربكني هجومهم المباغت ، لدرجة أنستني تعويذة تغيّر هيئتي .. التي تذكّرتها قبل قليل ، بعد رحيل الملاعيين عن المكان اثناء نومك ! .. (ثم ابتسم ابتسامةً باردة).. ولوّ كنت تركتهم ينهون امري ، لعاش العالم سلاماً لم يعهده من قبل .. فأتباعي من الجن والشياطين لا يملكون ذكائي وحنكتي ، ولا يمكنهم الحلول مكاني .. لكن برحمتك الخاطئة ، أنقذت اسوء مخلوقات الله .. لهذا نصيحةٌ اخيرة قبل مغادرتي : إيّاك التدخل ثانيةً بقانون الغاب 

 

ثم تلى ابليس تعويذةً ثانية .. حوّلته لدخانٍ أسود ، انسحب عبر المدخنة إلى عالمه الخفيّ..

بينما سقط الصياد ارضاً ، بعد ادراكه متأخراً : بأن فضوله الرحيم ، أضاع فرصة البشريّة الأخيرة لتجربة السلام العالميّ المنشود !


الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

الدفن الأخير

تأليف : امل شانوحة 

الشواهد المتعدّدة 


في مقبرةٍ غطّاها الضباب ، التي عبقت برائحة الموتى والأرواح التائهة.. حفرت امرأةٌ اربعينيّة قبراً بثبات ، دون مشاعر حزنٍ وإحباط .. لميتة تُشبهها بالعمر والملامح !

وبعد تسوية التراب بعناية ، غرست شاهداً خشبياً يحمل اسمها ! 


قبل اضاءة كاميرا جوالها ، وهي تقول : 

- لم تكن توأمتي ، بل نسختي القديمة .. الطيبة الى حدّ الغباء ، التي آمنت بالخير يسكن قلوب البشر الذين استنزفوها حتى الرمق الأخير ! ..(ثم تنهّدت بقهر) .. لم أُشفى يوماً من جرح الهجران ، او من استهانتهم بأفكاري وموهبتي ! فهم من أجبروني على التحوّل لشخصٍ جديد ، كما تخلع الفراشة جلد الشرنقة.. تظنون انها جثتي الوحيدة ، أنظروا جيداً !!


وأدارت كاميرا جوالها على ستة قبورٍ أخرى .. بشواهد تحمل اسمها ، بتواريخ مختلفة ! 

ثم اردفت قائلة :

- تلك المقابر هي نُسخي القديمة ، منذ طفولتي حتى الآن .. كل واحدة منها ماتت بعد خذلان ، أو صدمة تلقيّتها من قريبٍ أو غريب هدم جزءاً مني… لكني نهضت ، أصلب من ذي قبل .. فاليوم صارت عظامي من حديد ، وعقلي مُبرمجاً كالحاسوب.. لم تعد نفسيّتي تُجرح بسهولة .. أصابني برود بالمشاعر ، كأني روبوتٌ دون نبض ! لا أقاوم ولا أنتقم ، فقط أُركّز على بناء مستقبلي ! كلماتهم لم تعد تؤذيني ، بل أصبحت وقودي للمضيّ بنفقي الذي بدأته بسن المراهقة .. فأنا لا أحفره لأجلي ، بل تمهيداً لمن يأتي بعدي.. لهذا سأقاتل بذكاء ، لا بسذاجة نُسخي القديمة


ثم مسحت بيدها على اسمها المحفور على الشاهد الأخير :

- لن أمرّ على الدنيا مرور الكرام .. سأترك وراءي أثراً يلمع كالمنارة .. وسأُكرّم يوماً ، حتى لوّ بعد موتي : كأفضل كاتبةٍ للأجيال القادمة


ثم أغلقت الكاميرا ، تاركةً المقبرة خلفها .. وهي تعدّ نفسها : بأن لا تدفن المزيد من نسخها المهترئة .. بعد ان بات النجاح وشيكاً ، كضوءٍ يلوح بآخر النفق ! 

الأربعاء، 29 أكتوبر 2025

التميمة الملعونة

فكرة : محمد بيومي آل غلاب
كتابة : امل شانوحة 

السراب الأخير


هام البدوي الحاقد بالصحراء بعد ان نفاه زعيم قبيلته ، لسوء طباعه ودسائسه التي اشعلت نار الفتنة بين القبائل !


فمشى لأيام تائهاً بين السراب والعواصف ، حتى ذبل وجهه وجفّ حلقه .. وكاد يُسلم الروح ، قبل لمحه وهجاً لامعاً من بعيد ! 

فزحف متثاقلاً الى هناك ، ليجد نفسه شاهداً على احداث العالم الآخر! 


فالساحة الرملية لم تكن سوى ميدان حربٍ بين جيشيّن غير بشريين :

أحدهما جيشٌ من نار ، بقيادة مخلوقٍ مهيب .. الأرجح انه إبليس !

وجيشٌ آخر من زوابع الدخان الأزرق : من مردةٍ وعفاريت الجن .. بقيادة شيخٌ بشريّ يعلو وجهه الحكمة والهيبة !


وكانت الحرب بينهما على أشدّها ، بينما راقب البدوي ما يحصل وهو يرتجف بخوفٍ شديد ! 


الى ان توقفت المعركة بأوامر القائديّن ، للإستراحة بعد حلول المساء .. لحين انتهاء الجنود من دفن الجثث المُتفحّمة ورمادهم المتناثر بساحة المعركة


في هذه الأثناء لم يستطع البدوي تحمّل المزيد ، وانهار من شدة الجوع والعطش ! 

^^^


ليستيقظ بعد قليل .. على رائحة البخور التي تملأ خيمة القائد البشري الذي اعطاه كوباً من الماء ، وبعض الحساء لاسترداد صحته


ثم اخبره أنه عالمٌ روحانيّ ، اسمه آدم .. إكتشف بالصدفة في أحد المخطوطات القديمة ، تعويذةً نادرة تمنح حاملها القدرة على السيطرة على قبائل الجن الذين يوازون الشياطين قوةً وخبثا .. 

وتمكّن الشيخ إقناعهم بالإنقلاب على ابناء ابليس بعد قرون من العبوديّة


وقد ضايق تمرّدهم المفاجئ ابليس الذي ظهر في معبد الشيخ ، مُطالباً بالتميمة .. ليتفاجأ بالعالم الروحاني يأمره بالسجود له !

فردّ ابليس غاضباً :

- لم أسجد لأبي البشريّة ، أفتريدني أن أسجد لك أيّها التافه ؟! أظننت نفسك تحلّ مكانه ، فقط لكونك تحمل اسمه مع تميمتك السخيفة .. سأحرقك ببطء ، لتكون عبرة لمن يتوهّم الألوهيّة 


لكن التميمة المُعلّقة بعنق آدم ، ردّت الشعاع الناريّ إلى صدر إبليس الذي قرّر إشعال حربٍ شعواء التي ستستأنف جولتها الثانية قبيل الفجر 


بعدها طلب الشيخ من البدوي العودة للنوم ، لمشاركته معركتهم التي ستعاد بعد ساعتين

^^^


لكن البدوي استغلّ غفوّة العالم الروحاني (آدم) لسرقة التعويذة ، والهرب للصحراء 

وبغياب التميمة ، إنهزم جيش الجن بسهولة .. وقُتل قائدهم آدم الذي تركت جثته مصلوبةً بالصحراء ! 

وبموته انتهى آخر أملٍ للبشريّة بالسلام العالمي ! 


بينما عاد إبليس إلى مملكته غاضباً ، بعد فشل جنوده بإيجاد التميمة التي اصبحت بيد البدوي الحاقد الذي عاد لقبيلته ، للإنتقام منهم على نفيه بالصحراء .. 

وبعد حرقهم جميعاً .. قرّر تشريد القبائل البدوية المجاورة بعد تجفيفه آبارهم بسحر التعويذة ، مما اجبرهم على الرحيل لجهةٍ مجهولة !

 

ومن ثم انطلق للمدينة وهو ينوي السيطرة على رؤسائها ، مستخدماً التميمة بأسوء طريقةٍ ممكنة 

^^^


وهكذا بغباء الطمع وغياب البصيرة ، سيدمّر البدوي البشريّة جمعاء .. وبأسرع مما خطّط له إبليس الذي فاقه شرّاً.. لا لكونه شيطان ، بل إنسانٌ بلا حكمةٍ او ذرّة ضمير !


الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

الوليمة السماوية

تأليف : امل شانوحة 

المائدة الخيالية 


في ليلةٍ ماطرة .. إهتزّت صفائح الألمنيوم لسطح كوخ صغيرٍ عند أطراف المدينة مع كل عصفة ريحٍ هوجاء ! أيقظت قرقعتها صبياً (في العاشرة) يضغط بيده على بطنه الفارغ ، وهو يهزّ أمّه النائمة : 

- امي .. الجوح يحرمني النوم 

فمسّدت شعره بقهر : الا يمكنك الإنتظار حتى الصباح ؟ لربما تجود علينا الجارة ببقايا فطورها 

- استطيع تحمّل الجوع ، لكني لا استطيع النوم بهذا الجوّ البارد  

- إذاً خذّ بطانيتي 

ابنها : هي ممزّقة اكثر من بطانيّتي المشتركة مع أختي 

ثم رفع رأسه ، وهو يقول بمرارة :

- يا الهي ! أيُّ حياةٍ شقيّة كُتبت لنا ؟

فنهرته امه برفق : 

- لا تيأس من رحمة الله .. ثم إخفض صوتك ، فأختك مازالت نائمة 


وبالفعل استيقظت اخته على صوتهما ، بوجهٍ مُشرق :

- رأيت ملاكاً في منامي ، بشّرني بمائدةٍ سحريّة 


ثم سحبت ذراع امها للجلوس على المائدة مع اخيها الذي قال ساخراً:

- كان مجرّد منام .. فالملائكة لا تظهر للبشر

لكن الصغيرة (سبع سنوات) رفعت يدها بالدعاء :

- يارب !! اريد كوب حليبٍ ساخن


وما أن ظهر الكوب امامهم ، حتى كادت الأم والإبن يقعان عن كرسيهما !

الأم بخوف : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم !! هل اقتحم الجن كوخنا؟!

ابنتها بسعادة : لم يكن جنياً ، بل ملاكاً يا امي .. هو وعدني بتحقيق احلامنا ، إن لم نخرج من الكوخ .. هيا اخي !! اطلب امنيتك الآن

الأخ : بصراحة انا اشعر بالبرد ، اكثر من الجوع


وفجأة ! اشتعلت مدفأتهم بالنار ، رغم خلوّها من الحطب

الأم بصدمة : مالذي يحصل هذه الليلة ؟!

ابنتها : والآن دورك امي .. اطلبي شيئاً تمنّيته طوال حياتك 

الأم بحسرة : لم اذقّ اللحم المشوي منذ طفولتي 

وإذّ بصحنٍ مليء بالمشاوي يظهر امامهم على الطاولة ! 


ومع انهم لم يستوعبوا ما يحصل معهم ، الا انهم إنقضّوا عليه بنهمٍ مسعور.. 

ورغم امتلاء بطونهم ، الا ان شهيّتهم فُتحت للمزيد من الطعام ! 


لتبدأ بعدها رحلتهم مع اصناف اكلهم الوطني الذي سمعوا عنه ، دون ان تسمح ظروفهم بتذوّق لقمةٍ منه ! 

^^^


بعد ساعتين ..

الأم باستغراب : لقد أكلنا كثيراً ، ومع ذلك لم نشعر بالتخمة بعد !

ابنها : ربما هي ليلةً سحريّة واحدة ، فلنطلب كل ما حلمنا تجربته في حياتنا 

اخته : هل لديك طلباتٍ اخرى ، يا امي ؟

الأم : ما رأيكم لوّ نتذوّق الطعام التقليدي لكل دولة بالعالم ؟

ابنها : فكرةٌ رائعة !! وأيّة دولةٍ تختارين ؟

الأم : لنبدأ قارةً قارة

ابنتها : وماذا تعني قارة ؟!

فتنهدت الأم بضيق : لوّ لم ينفصل والدكما عني وانتما طفليّن صغيريّن ، لأدخلتكما المدارس


ابنها : وبأيّ صفٍ توقفتي ، امي ؟

- الخامس الإبتدائي ، لهذا مازلت أذكر بعض المعلومات .. والقارّة يا اولادي : هو شيء أشبه بالجزيرة الكبيرة ، فيها عدّة دول

ابنها : وبأيةِ قارةٍ ستبدأين ؟

الأم : اميركا الشمالية

ابنتها : تعنين سنتناول البرجر والهوت دوج التي سمعت عنهما من تلفاز جارتنا ؟ 

الأم : بل سنبدأ بكندا اولاً ، ثم اميركا ..ونختمها بالمكسيك .. وبعدها ننتقل لقارة اميركا الجنوبية


وبعد تناولهم التاكو المكسيكية ، قالت ابنتها وهي تحاول تبريد لسانها بيدها: 

- اكلهم حارٌ جداً !!

الأم : اذاً سنختار الأطعمة التي تناسب ذوقنا .. بشرط ان تُعدّ من أمهر طبّاخين تلك الوصفات ، مع نظافة الأداء وجودة المواد الأوليّة  

^^^


وبعدها انتقلوا لشمال افريقيا : متناولين الكشري المصري .. والبازين الليبي .. والكسّكس التونسي .. والطاجين الجزائري .. والبسطيلة المغربية


ثم اختاروا بلاد الشام (منطقة الشرق الأوسط) : متذوّقين التبّولة اللبنانية والمحاشي السورية ، والمسخّن الفلسطيني والمنسف الأردني


وبعدها انتقلوا لأوروبا : حيث أُعجب الولدان بمذاق البيتزا واللازانيا الإيطالية .. والكرواسون الفرنسي .. والسمك المقلي البريطاني..

 

ثم اختاروا القارة الآسيوية : ليأكلوا الرز البرياني الهندي ، والسوشي الياباني والأندومي الصيني .. وغيرها


وختموا جولتهم بإستراليا : بفطيرة اللحم المشهورة هناك

^^^


وبعد تذوّقهم للأكلات الرسميّة لكل دول العالم .. قالت الصغيرة :

- طالما لم نشعر بالشبع بعد .. ما رأيكم لوّ نعيد اللعبة ، لكن بأشهر حلويات العالم 


وبذلك تناولوا لأول مرة : الدونات والكيك والتيراميسو والكنافة والبقلاوة والماكرون والتشيز كيك والبراوني.. ومعظم نكهات الآيس كريم التي خطرت على بالهم  


وكذلك لم ينسى الولدان تذوّق افضل العصائر الطبيعية والغازيّة ، والفواكه النادرة حول العالم .. وكذلك اشهر الشوكولا والسناكات والشيبسيات التي خرجت مباشرةً من مصنعها الأصلي الى طاولتهم القديمة !

^^^


الفتاة وهي تمسح فمها بيدها : 

- وهآ نحن تناولنا كل طعام العالم .. فماذا سنطلب الآن ؟

ففكّرت الأم قليلاً ، قبل ان تقول :

- اريد تناول اشهر الوصفات القديمة التي اندثرت عبر التاريخ ، ومن يد اشهر طبّاخيها 


لتظهر امامهم مأكولاتٍ نادرة : من ايام الفراعنة والرومان والدولة الأمويّة والأندلس والدولة العثمانيّة ، وصولاً الى يومهم هذا !

^^^


الصبي : وهآقد انهينا طعام الماضي .. ما رأيكم لوّ نتذوق المأكولات والحلويات التي ستظهر في المستقبل ؟


لتبدأ اصنافٌ جديدة (لم تُبتكر بعد) بالظهور امامهم الواحدة تلوّ الأخرى ! 

الى ان امسك الصبي بإحدى السكاكر وهو يقول :

- هذه الحلوى ستُحدث ثورة لدى اطفال المستقبل .. ما رأيك يا امي لوّ نطلب  طريقة صنعها ، وبعدها نحوّل كوخنا الى كشك لبيعها .. وسأقوم انا واختي بتوزيعها على اطفال الحيّ .. وسرعان ما تنجح تجارتنا ، ونصبح من الأثرياء


فتنهّدت الأم بقلق : أخشى ان نتعلّق كثيراً بهذه النِعم ، ثم نصحو غداً على بقايا الخبز والجوع.. حينها يكون عذابنا مُضاعفاً !

ابنها : امي رجاءً ، دعينا نستمتع باللحظة   

الأم : معك حق ، لن اتشاءم .. (ثم فكّرت قليلً).. ما رأيكم لوّ نطلب امنيّة أخرى غير الطعام ؟

الصغيرة بحماس : اريد تجربة الملاهي !!

^^^ 


وبالفعل ! ما ان فتحوا اعينهم ، حتى وجدوا انفسهم يركبون الإفعوانية بديزني لاند  وهم يلبسون ملابس جديدة !


وبعدها توالت طلباتهم .. ليصبح كوخهم ، بوّابة للنعيم الأرضيّ : حيث زاروا أفخم  قصور ومتاجر العالم ..وتنزّهوا بأجمل الحدائق ..وشاهدوا اللوحات النادرة بالمتاحف الأثريّة .. وتسلّوا بأحدث الألعاب الإلكترونيّة .. مع تجربتهم لأشهر ماركات الملابس والدمى .. عدا عن مغامراتهم الجريئة : من تسلّق جبال الألب .. واكتشاف الكهوف .. والقفز بالمظلّة .. وقيادة الطائرات الشراعية .. وغيرها من متع الدنيا التي جربوها بهذه الليلة الخيالية !

^^^


وبعدها عادوا الى كوخهم البارد بعد انطفاء الموقد !

الصبي بضيق : لما تركنا المطعم الفاخر امام شلّالات نياغرا ، للعودة الى هذا المكان الموحش ! 

اخته بقهر : وهاهي ملابسنا الناعمة اختفت ايضاً !

الأم وهي تمسك بطنها : وعاد جوعنا من جديد ! هل انتهى حلمنا الجميل؟!


وهنا اقتحم رجلان مُلثّمان الكوخ ، وسحبا الأم بعنف من الطاولة .. بينما سارع ولديها لشدّ ثيابها ، لمنعهما من خطفها !


وأخر شيءٍ سمعته الأم ، هو صراخ ولديها الفزعيّن :

- لا تتركينا امي !!

***


لتستيقظ بعدها بغرفة المشفى ، والممرّضة بجانب سريرها تقول :

- الحمد الله على سلامتك

الأم بتعب : مالذي حصل ؟!

- وجدتك جارتك شبه واعية في كوخك البارد ، ونقلتك الى هنا

فالتفتت الأم حولها برعب :

- واين ولدايّ ؟!!

الممرّضة بشفقة : للأسف ، توفيا جوعاً وبرداً .. وبالكاد انقذناك بعد انخفاض حرارة جسمك من الجوّ العاصف

فانهارت الأم باكية ، وهي تلوم الممرّضة :

- لما أنقذتموني ؟! لما لم تدعوني ارحل مع اولادي ؟! كنت اعيش معهما في الجنة ، فلما أعدّتموني للدنيا الكئيبة ؟!!

وبسبب انهيارها العصبيّ ، اضّطرت الممرّضة لحقنها بإبرة مُهدّئ..


وقبل استسلام الأم للنوم .. سمعت رجلاً يدخل غرفتها ، لسؤال الممرّضة :

- هل وجدتهم احداً من اقاربها ؟

الممرّضة : لا سيدي .. هذه المرأة مُطلّقة ، ويتيمة منذ صغرها

- الم تحادثوا طليقها ؟

- بلى .. لكنه متزوّج بأخرى ، في مدينةٍ بعيدة .. حتى انه لم يكترث بموت ولديه !

المدير بعصبية : أفهم من ذلك ، ان المريضة مُشرّدة وفقيرة ؟!

- صحيح سيدي

- الم اخبركم الف مرة الا تنقلوا هذه الأشكال الى مشفايّ الخاصّ ؟!! من سيدفع الآن ثمن المحاليل التي انقذت حياتها ؟

الممرّضة : الجارة نقلتها للطوارىء ، ثم عادت لمنزلها دون اعطائنا رقمها .. اما جثتا الصغيريّن ، فبالمشرحة

- إدفنوهما بقبرٍ واحد .. اما هذه ، فطالما مقطوعة من شجرة .. فاخبري الجرّاح بإزالة جميع اعضائها السليمة ، لبيعها لاحقاً للأثرياء .. ثم ادفنوها بقبر ولديّها .. وإيّاك معرفة احد بالموضوع ، والا دفنتك معهم !!!

***


في العالم الآخر .. عادت الأم الى كوخها ، لتجد ولديها مازالا ينتظرانها امام الطاولة .. واللذين ركضا لاحتضانها ، قبل ابتعادهما عنها بفزع !

ابنها بخوف : امي ! اين عينيك ؟ ولما جسمك مليئاً بالفراغات ؟!

فأجابت الأم بغضبٍ ممزوج بالمرارة :

– سرقوا أعضائي وباعوها للأغنياء ! لكن قلبي وهبوه لفتاةٍ صغيرة ، ستكبر يوماً للدفاع عن الفقراء.. لهذا لم أمُت عبثاً  

الإبن بصدمة : اذاً نحن ميتون الآن !

الأم : للأسف .. ولهذا جرّبنا طعام البرزخ

ابنتها : وماذا يعني برزخ ؟!


ليسمعوا الجواب من ملاكٍ مُضيء ، ظهر فجأة في كوخهم :

- هو مكان تجتمع فيه الأرواح الى يوم القيامة.. وبما انكم جرّبتك مُتع الدنيا ، ما رأيكم بتجربة نعيم الجنة ؟

فقفز الولدان بسعادة !!

الصغيرة بحماس : هل يمكننا تذوّق اطعمة الجنة ؟!!

الملاك : الطعام والطيران ، ورؤية احبابكم الذين رحلوا قبلكم 

الصبي بفرح : يعني سنُقابل جدتنا الحنونة من جديد ؟!

فأومأ الملك برأسه ايجاباً ..


الصبي بحماس : امي ، هل سمعتي ؟ ستلتقين بوالدتك المرحومة .. الستِ سعيدة ؟

امه وهي تمسح دموعها بشوق : لا اطيق صبراً حتى ارتمي بأحضانها الدافئة

الملاك : اذاً تعالوا معي !! ستكون تجربةً جميلة وطويلة الأمد ، لحين قيام يوم الحساب

الصبي بتردّد : وهل تسمح بجلوسي انا وأختي فوق جناحك ؟

الملاك : لكن حاولا التمسّك بي جيداً 

الأم : وانا يكفيني مسك يدك ، ايها الملاك الطاهر


وحلّقوا معاً للسماء السابعة حيث لا جوعٍ ولا برد ، مُتجهين للأماني الخياليّة الأبديّة!


السبت، 6 سبتمبر 2025

مجهولو الهوية

تأليف : امل شانوحة 

الشواهد الفارغة !


في صباحٍ باكر بطقسه البارد في شهر نوفمبر عام 2018 (بمقبرةٍ مُخصّصة لجنود الحرب العالمية الأولى ، مجهولي الهويّة) مرّ الحارس العجوز بين القبور لإزالة الأعشاب الضارّة حولها ، كما فعل كل يوم منذ توظّفه بالعشرينات من عمره 

ليتفاجأ بجندي يحفر بسكينه على شاهد أحد القبور ! 

فصرخ الحارس من بعيد ، غاضباً :

- ماذا تفعل يا هذا ؟!! لما تشوّه شاهد القبر ، وتُهين حرمة الميتين ؟!!

فأجاب الجندي وهو مازال يتابع الحفر على الشاهد الرخاميّ ، بصوتٍ مُتهدّجٍ مخنوق بالبكاء : 

- انا لست مجهول الهويّة 


ثم ادار الجندي ظهره .. ليسقط الحارس على الأرض رعباً ، بعد رؤيته تشوّه وجه الجندي : بعينه المفقوعة مع ظهور جزء من جمجمته ، وأطراف ضلوعه المُتكسّرة التي خرقت قميصه المُدمّى !

وصرخ الجندي بقهر : 

- انا ابن ذوات ، من العائلة الفلانيّة الراقية !!

وكان هذا آخر ما سمعه الحارس ، قبل فقدان وعيه !

^^^


إستيقظ الحارس ظهراً ، مع اختفاء الجندي من المقبرة !

فاقترب مُتثاقلاً من شاهد القبر الذي حُفر عليه حديثاً : الإسم ذاته الذي نطق به الجندي المُريب ! 

فقال الحارس مُتلعثماً :

- اذاً لم يكن كابوساً ! فقد رأيت شبح الجندي فعلاً .. لكن لما كتب اسمه الآن ؟ فالحرب العالميّة انتهت منذ قرن ! ولما يبدو مقهوراً هكذا ؟!


وعند تركيزه على اسم العائلة ، تذكّر انه سمعه سابقاً بالتلفاز.. فهي من العائلات المرموقة بالبلد ! فقرّر الإستعانة بصديقه ، لإيجاد احدٍ من تلك الأسرة ..

***


وبعد يومين .. إستطاع الحارس بعث رسالته لحفيد عائلة الجندي على الفيسبوك ، مع صورة للإسم المحفور على الشاهد .. لكن الحفيد تجاهل الرسالة ، لغرابتها ! 

***


وبعد اسبوع .. إجتمعت العائلة الثريّة للإحتفال ببلوغ جدهم الأكبر مئة عام .. وخلال تناولهم الكيك على المائدة الضخمة بصالة القصر ، أخبرهم الحفيد عن الرسالة وهو يضحك ساخراً من مضمونها .. 

فطلب الجد رؤية الإسم المحفور على القبر .. وبعد ان رآها من جوال حفيده.. تفاجأت العائلة بإصراره على نبش القبر ، وتحليل رفات الجندي (مجهول الهويّة) الذي ربما يكون والده .. فأمه كانت حاملاً به ، عند التحاق والده بالعسكريّة أبّان الحرب العالمية الأولى .. فحاول ابنائه إقناعه بسخافة الموضوع .. لكن العجوز أكّد عدم استلام امه لجثة ابيه بعد انتهاء الحرب .. والتي أخبرته سابقاً : برؤيتها لطريقة موت والده في منامها : بعد انفجار القنبلة اليدويّة بيده ، قبل رميها على العدو .. وهذا ما يفسّر تشوّه وجه شبح الجندي المجهول ، وبروز اضلاعه من قوّة الإنفجار 


وبسبب إصرار الجد .. قام ابنه الأصغر بالحصول على اذن الحكومة ، لإجراء فحص (DNA) 

ولوّ لم يكونوا من الطبقة المخمليّة بالمجتمع ، لما وافق موظف الدولة على طلبهم الغريب .. 


لتظهر النتيجة ايجابية ! مما اسعد الجد كثيراً بعد عثوره على جثة والده اخيراً .. والذي أمر بنقل رفاته ، لدفنه بحديقة قصره ضمن تأبينٍ عائليّ .. بعيداً عن الإعلام ، رغم غرابة الحدث !

***


لكن الأحداث الغامضة لم تتوقف هنا ، بل زادت غرابةً ورعباً ..

فبعد شهر من نقل رفات الجندي المجهول للقصر ، صُدم الحارس (فجراً) برؤية مئات الجنود بزيّ الحرب العالمية الأولى ، كل واحدٍ منهم يحفر اسمه على شاهد قبره .. وكأنهم غاروا من الشبح الأول ، وقرّروا جماعياً عدم البقاء مجهولي الهوية بعد اليوم !


فأخرج الحارس جواله من جيبه ، بيده التي ترتجف بقوة .. لتصوير مشهد اشباح الجنود وهم منشغلين بحفر اسمائهم على الشواهد ! 

ثم تسلّل بخفيةٍ وحذر الى غرفته الصغيرة بطرف المقبرة ، لحين اختفاء آخر شبحٍ من المقبرة .. 


وبعد نشره الفيديو بالإنترنت ، تلقى مئات التعليقات الذين اجمعوا أنه ذكاء اصطناعي !

فعاد الحارس لنشر فيديو له : وهو يشرح ما حصل مع العائلة الثريّة .. لتنشهر فيما بعد قصة الشبح الأول ، لعدم إنكار الجد دفن رفات والده بقصره (في مقابلةٍ صحفيّة) 


ومع ذلك أكمل البعض إتهامهم للحارس : بإصراره أن يكون محطّ الأنظار ، بعد نجاحه مع العائلة الثرية التي كافئته سابقاً : بشاحنة نقلٍ جديدة !


فلم يكن امام الحارس الا نشر فيديو آخر : للأسماء المحفورة بالسكين على شواهد القبور .. 


وماهي الا ساعات ، حتى اكتظّت المقبرة (التي خلت لسنواتٍ طويلة من الزوّار) بأهالي اولئك الجنود .. وجميعهم أصرّوا على نبش القبور ، لإجراء تحليل (DNA) لدفن اجدادهم بطريقةٍ لائقة !

 

وبالفعل اتت جميع النتائج ايجابية دون استثناء .. مما شكل صدمة ، ليس فقط لأهالي هذه الدولة بل للعالم اجمع ! بعد انتشار هذه الفيديوهات كالنار بالهشيم بالإنترنت ، مع ترجمة الحدث بمعظم لغات العالم .. 


لكن اللغز لم يحلّ بعد ! فالسؤال الأبرز هو : لما خرجت اشباح الجنود من قبورها ، بعد مرور قرن على نهاية الحرب العالمية الأولى ؟ ولما ظهروا بالفيديو وهم يبكون قهراً بعد دفنهم مجهولي الهوية ؟ وهل شعروا بالإهانة لعدم وضع اسمائهم على الشواهد ، مما أثّر سلباً على نفسيّتهم بعالم البرزخ؟!

***


بعد هدوء العاصفة ، وانشغال العالم بقصصٍ واحداثٍ جديدة .. سهر الحارس أيامه الأخيرة ، مُنعزلاً بغرفته الصغيرة (بالمقبرة) بعد تلقيه قرار الحكومة بضرورة إخلاء منزله خلال شهرٍ واحد ، عقب خلوّ المقبرة من رفات الجنود الذين نقل كل واحدٍ منهم لمقبرة عائلته .. 


وذات يوم ، قبيل الفجر .. إستفاق الحارس على صوت خدش السكين على الجدار الخارجيّ لغرفته ! لكنه لم يجرأ على الخروج الا بعد شروق الشمس  

ليقرأ الرسالة المحفورة :

((قريباً ستمتلأ المقبرة بمئات الجثث مجهولي الهويّة .. لهذا تركنا قبورنا للموتى الجدّد))

وعاد لنشر العبارة المخيفة بالإنترنت ، وهو يحلف بعدم رؤيته من حفرها 


ليواجه سيلاً من الإنتقادات الجارحة ، عن رغبته المريضة للبقاء تحت اضواء الشهرة ! حتى انه تلقى تهديداً من الموظف الحكوميّ (المسؤول عن قبور المدينة) بطرده قريباً من منزله ، لأن مزحه تجاوز الحدود


لكن شيئاً غريباً نُشر ضمن التعليقات الساخرة (من الحارس) وهو تعليقٌ غاضب من احدهم يقول :

- لا يحقّ للأشباح فضح مُخطّطنا القادم !!

فسأله احدهم بسخرية :

- ومن تكون حضرتك ؟ جني ام مشعوذ ؟

فأجابه بغموض : إرفع سقف توقعاتك قليلاً

فعاد لسؤاله : 

- اذاً إمّا ان تكون ابليس او رئيس الماسون ؟

فاكتفى الشخص الغامض بنشر : إيموجي ضاحك 

واختفى من الإنترنت دون توضيح قصده او نيّته !

***


في الأيام التالية ، انشغل الحارس بعمله الجديد (نقل البضائع بشاحنته الجديدة) .. 

في المقابل ، ضجّ العالم بفيديو لأحد المصورين بعد تسلّله لمخزنٍ حكوميّ سرّي ، وجده مُكتظاً بالتوابيت الخشبية الفارغة ! خاصة بعد إخباره المشاهدين : بشراء الحكومة للعديد من الأراضي البور .. إستطاع تصوير احدها ، ليجدها مليئة بالشواهد الرخاميّة الخالية من الأسماء : مُجرّد ارقامٍ تسلسليّة وصلت للآلاف .. وربما الملايين بقبورٍ اخرى غير مُعلنة ! 


فربط العالم ما حدث ، بالجملة المحفورة على منزل الحارس .. وتساءلوا بقلق : إن كانت هناك حربٌ نوويّة قادمة ستبيد الملايين ، وينتهي مصير الجثث المجهولة كأرقامٍ مُتسلسلة على الشواهد ؟!

***


لكن ما حصل في سنة 2026 كان اقل تكلفة من حربٍ شاملة ، لكنه اكثر خبثاً ! فبمجرّد قيام المسؤولين القذرين بالموافقة الجماعيّة على تنفيذ خطتهم السرّية .. حتى قامت جميع محطّات الإتصالات : برفع شبكة الوايّ فايّ الى (5G) التي ادّت الى تفعيل الشريحة الصغيرة المدسوسة في اجسام المُتطعّمين بجائحة كورونا .. مما تسبّب بسكتاتٍ قلبية مفاجئة ! ادتّ لتساقط الناس في كل مكان موتى بشكلٍ مفاجئ ، مع اختلاف اعمارهم .. 


ولم يمضي وقت على هذه الفاجعة ، حتى امتلأت القبور في كل العالم بالجثث مجهولة الهويّة ! لأن الكثيرين ماتوا في الطرقات ، دون حملهم أوراقاً ثبوتيّة 

***


وكأن هذه المصيبة لا تكفي ، فبعد انتهاء الأزمة : بموت نصف مليار شخص حول العالم ! لمح الحارس (قبيل الفجر) بعد خروجه من العمارة (التي انتقل اليها بعد تركه حراسة القبور) شبح نقيبٍ ميت (من الحرب العالمية الأولى) وهو يحفر رسالة بخطٍ صغير بنصل سكينه على باب شاحنة النقل (هديّة العائلة الثريّة له).. جاء فيها:


((على الموتى الجدّّد الإنتظار مئة عام ، للسماح لهم من حرّاس العالم الآخر بالظهور وحفر اسمائهم على الشواهد ، كما حصل معنا .. وطوال هذه المدّة ، سيعانون من الوحدة القاتلة داخل قبورهم ، دون زيارة اهاليهم لهم .. ورغم ما حلّ بعالمكم ، كان مصيبةً كبيرة .. لكنها ليست الأخيرة ، فالقادم اسوء بكثير .. فقريباً سيُقتل ثلث العالم بالحروب .. وسيموت الثلث الثاني بمرضٍ مُعدي يجتاح الدول .. اما الثلث الأخير : فسيتمنى لوّ كان محل الثلثا السابقيّن من سوء الأحوال المعيشيّة.. كان الله في عون البشريّة من الصدمات المرعبة القادمة))  


لكن الحارس هذه المرة ، أخرج طلاءً من صندوق شاحنته .. وقام بإخفاء الرسالة المحفورة على باب سيارته ، وهو يقول بضيق : 

- لا احد بحاجة لمعرفة هذه المعلومات المُحبطة

وأدار شاحنته بعد أخذه قرار : بالعيش كل يومٍ بيومه ، وترك المستقبل للقدر

وأكمل عمله ، كيومٍ عاديّ آخر !    

**** 


ملاحظة : 

هذه قصة خياليّة : فموضوع الشرائح المدسوسة في اجسام المُتطعّمين بجائحة كورونا ، كما الأثر المميت الذي سيحصل للناس بعد رفع الوايّ فايّ الى (5G) هو مجرّد إشاعة لنشر الخوف والبلبلة.. فالتكنولوجيا الطبّية والإتصالات لا تعمل بهذه الطريقة.. واللقاحات لا تحوي شرائح ولا أجهزة إلكترونيّة ، حسب اقوال المسؤولين بمنظمة الصحّة العالميّة.. 

وإن كنت أشك بأن ما حصل بكورونا ، هو تخطيط لشيءٍ مرعب سيحصل مستقبلاً .. ربما بإضعافهم المناعة العامّة ، قبل نشرهم جرثومة او ميكروبٍ قاتلٍ يجتاح العالم .. والله اعلم !


الأحد، 31 أغسطس 2025

المُبصر في الظلام

كتابة : امل شانوحة 

بطل القرية


في قريةٍ صغيرة (لديها عددٌ محدّد من الحقول والحظائر) إعتاد سكانها على الإستيقاظ باكراً ، والعمل طوال النهار بنشاطٍ وحيويّة 


وفي احد الأيام ، وقبل غروب الشمس .. سارع الأهالي لإنهاء آخر اعمالهم قبل موعد العشاء..


في هذه الأثناء .. التقت سعاد بالمرأة العجوز بعد وضعها صحن الطعام على باب وليد.. فعاتبتها قائلة : 

- هو لم يعد اليتيم الصغير الذي وصّتك امه على رعايته قبل وفاتها.. لقد اصبح شاباً بالثلاثينات.. فدعيه يعمل ، بدل سهره طوال الليل

فردّت العجوز : امه كانت صديقتي وجارتي ، وقد وعدتها بأن لا ينام يوماً وهو جائع.. وسأبقى على عهدي لآخر عمري

فابتعدت سعاد وهي تتمّتم بضيق :

- باهتمامك الزائد جعلته شاباً كسولاً !

***


في الصباح الباكر .. خرج القرويّون من اكواخهم ، لبدء يوم عملٍ جديد.. لكن شيئاً غريباً اوقفهم ! فالطقس لا يُشبه ايام الصيف المعتادة بعد هبوب ريحٍ خفيفة ، مع سكونٍ غريب بالجوّ ! قبل ان يُشير اطفالهم نحو السماء ، ليجدوا هالة تُحيط بالشمس ! وقبل ان يستوعبوا الظاهرة الكونيّة الجديدة ، ظهر وميضٌ ناصع البياض أشبه بانفجارٍ شمسيّ .. ليحلّ بعدها الظلام الدامس ، ليس بالسماء .. بل بأعينهم التي خُطف نورها .. فسقطت السلال والمناجل من ايديهم في صدمةٍ جماعيّة ! 


بهذا الوقت .. كان وليد نائماً في منزله ، بغرفة مظلمةٍ خلف ستائرها السوداء السميكة التي وضعها على كافة نوافذه ..وهو لا يعلم بأن الحياة في القرية تغيّرت تماماً ، بعد أن أصبح الوحيد المُبصر بينهم !


شيءٌ ما ايقظه تلك اللحظة ! فنظر بنعاسٍ لساعة الحائط ، ليجدها السابعة صباحاً :

- غريب ! لست معتاداً على الإستيقاظ باكراً 


وإذّ بجسمه ينتفض بعد سماعه صرخةً مدويّة من اهالي القرية ، كأن مصيبة حلّت بهم !

فأسرع للخارج .. ليجدهم يتخبّطون ببعضهم اثناء ركضهم دون وعيٍّ او تركيز ! سامعاً بكاء سعاد الهستيريّ ، وهي تنادي زوجها وأطفالها بهلع :

- اين انتم ؟!! انا لا ارى شيئاً !

ولم يستوعب في البداية إصاباتهم جميعاً بالعمى في الوقت ذاته !

^^^


وبعد فهم وليد لحجم الكارثة .. لبس معطفه القديم ، وركض بأسرع ما يمكنه بين الحقول الغير محصودة والأهالي العميان .. الى ان وصل لعيادة الطبيب في القرية المجاورة ، الذي وافق على القدوم معه بعد الحاحٍ شديدٍ منه


وفي ساحة القرية.. وبعد فحصه الواحد تلوّ الآخر ، قال الطبيب :

- لديكم اعتلال الشبكيّة الشمسي الذي تسبّب ببقعٍ داكنة فوق القرنيّة ، حرمكم البصر .. وتحتاجون لعمليةٍ دقيقة على يد زميلي : جرّاح العيون الذي يعمل بالمستشفى الحكوميّ بالمدينة .. وأجرة إحضاره ، مع عمليّاتكم .. ستكلّف كل عائلة ، قيمة حصاد مزرعتها


فتبدّد السكون الى بكاءٍ جماعيّ .. فهم لم يحصدوا اراضيهم بعد ، ومعظمهم من الفقراء المُعدمين !

قائلاً احدهم :

- تحتاح اراضينا شهراً آخر من العناية والإهتمام ، لبدء حصادها.. هل سنبقى عميان الى ذلك الحين ؟!

فردّ الآخر بيأس :

- اساساً كيف سنعتني بحقولنا ، ونحن بهذه الحالة ؟ يبدو اننا سنموت جوعاً


حينها شعر وليد بحسّ المسؤوليّة ..ووقف بينهم ، وهو يقول بحزم :

- ابتداءً من اليوم وحتى الشهر القادم ، ستكون مهمّتي الإهتمام بحظائركم وحقولكم.. ولن يهدأ بالي حتى بيع حصادكم بالكامل ، ودفع تكاليف جراحتكم لعودتكم مُبصرين من جديد


في هذه اللحظة ..تغيّرت نظرة اهالي القرية لوليد البليد (كما كانوا يلقبونه) بعد ان أصبح املهم الأخير للنجاة من هذه المصيبة !

***


في اليوم التالي ، ومع تباشير الصباح.. استيقظ وليد للقيام بمهامه العديدة التي تكفّل بها ، فهو لم يعد يختبئ خلف ستائره السميكة.. ليبدأ اولاً بإطعام المواشي ، ثم الإنتقال للحقول لريّها والإهتمام بثمارها التي أوشكت على النضج .. 


بينما اصحاب الأراضي يجلسون على كراسيهم ، وهم يوجّهونه دون رؤيته:

- لا تنسى يا وليد ، ريّ المنطقة الشرقيّة خلف الصخور !!

- ولا تنسى ازالة الأعشاب الضارّة حول شجرة التوت !!


والغريب ان عمله طوال النهار بالحقول لم يُتعبه نفسيّاً او يُرهقه جسدياًّ (كما توقع) بل أمدّه بنشاطٍ وحيويّة لم يعهدها من قبل .. وكأنه تواصلٌ روحيّ بينه وبين الأرض!

^^^


وقبل حلول المساء ، انهى حلب الأبقار والنعاج .. واضعاً الحليب في قوارير حملهم الى النسّوة اللآتي اتفقنّ على الطبخ سوياً ، وهن يتساعدنّ لإطعام الرجال (رغم عدم ابصارهنّ)

حيث قدمنّ الصحن الأول لوليد ، بسبب تعبه وإرهاقه طوال النهار !


اما هو ..فلم يعد يشعر بأنه الكسول الذي يُطعم ، بل هو من يُطعم الجميع بمجهوده وتفانيه بالعمل 


بينما تناقلت الصبايا اخبار وليد الذي اصبح بطلاً شهماً في إنظارهن ، بعد حمله هموم القرية على عاتقه !

***


انتهى الشهر ، وحصد وليد وحده جميع الحقول.. جامعاً صناديق الخضار والفاكهة بشاحنة القرية الكبيرة .. بينما يودّعه الأهالي الذين يتكؤون على عصيّهم او يجلسون على كراسيهم ، وهم يلوّحون له دون رؤيته !

فقال بصوته الجهوريّ :

- سأدفع مبلغ بيع محصولكم لطبيب المختصّ ، لبدء عمليّاته الجراحيّة للجميع.. وخلال ايام ، ستبصرون من جديد !!


وقاد سيارته ، وسط تهليلاتهم ودعواتهم له بالتوفيق..

***


في حفلة الحصاد .. تراقص الجميع على انغام الأغاني الشعبيّة ، بعد نجاح عمليّاتهم وشفاء عيونهم .. مُحتفلين ببطلهم الهُمام الذي اخرجهم من ازمتهم بصبره وقوته الجبّارة !


بينما تجمّعت الصبايا حوله ، وهنّ يُمازحنه ..في منافسة بينهن للحصول على قلب البطل الذي برزت عضلاته خلال الشهر الطويل الفائت ، بينما آثار الجروح والقروح مازالت على يديه من عمله الجاد المرهق .. وهو يرمقهن بابتسامةٍ خجولة ، فهو لم يعتدّ الإهتمام من الجنس الآخر طوال حياته !


وبنفس الوقت كان سعيداً بنظرات الإمتنان والفخر من كبار القرية (بعد اعتياده على احتقارهم له في الماضي) .. وشعوره لأول مرة بالإنتماء لأهالي القرية 

 

وخصوصاً حصوله على رضى العجوز التي شعرت بإيفاء وعدها لأمه المتوفية التي احسنت تربيّته.. والتي ربتتّ على كتفه ، وهي تقول بحنان :

- اكيد امك فخورةً بك الآن 

وبدوره شكرها عن السنوات الماضية التي رعته فيها دون مقابل !

^^^


وبنهاية الحفل ، نظر وليد للحقول المحصودة .. ثم للشمس التي كانت تغيب هذا اليوم دون شعاعها ، كأنها تعتذر عما حصل ! لكن هذه المرة لم يخف الأهالي من مراقبة الغروب ، فلديهم بطل يمكنه الرؤية حتى بالظلام !


الاثنين، 28 يوليو 2025

العقوبة المتأخرة

تأليف : امل شانوحة 

الماضي الأسود


دفعه الحارس الى زنزانته ، وهو يقول :

- هذه هي الضربة القاضية يا جاك ، ستبقى في ضيافتنا حتى مماتك

فردّ جاك ساخراً : 

- لا تتأمّل كثيراً .. سأخرج بعد مدّةٍ قصيرة ، كما فعلت بالمرّات السابقة

- لا ، هذه المرّة التُهمة ثابتة عليك.. والقاضي حكم عليك بالمؤبّد !! لهذا لن تخرج من زنزانتك إلاّ للقبر


وقفل الباب الحديديّ السميك للزنزانة المتواجدة بعنبر أخطر المساجين.. بينما استلقى جاك على السرير السفليّ ، وهو يقول :

- سأجد طريقة للهرب .. إن لم يكن بطريق الإستئناف القانونيّ ، فبالهرب الفعليّ من هنا.. اما برشوة احد الحرّاس ، او بحفر نفقٍ ما.. فلا شيء سيحرمني حرّيتي !!


وإذّ بجسمه ينتفض ، بعد رؤية رأس سجينٍ ثاني يطلّ من السرير الذي فوقه وهو يقول :

- لن اسمح بهروبك وحدك

جاك بفزع : من انت ؟! وكيف دخلت الى هنا ؟!

السجين : انا هنا قبلك

- لا ! عندما أدخلني الحارس ، كانت زنزانتي فارغة

- هذه زنزانتنا معاً .. كنت فقط مُتكوّراً على نفسي في سريريّ العلويّ ، بعد ان غطيّت كامل جسدي بالملاءة العفنة.. لهذا لم تنتبه عليّ

جاك بضيق : كان على الحارس إخباري بوجود سجينٍ ثاني معي

فنزل السجين اليه ، وهو يقول :

- تبدو مُتفاخراً بنفسك ، كأنك مالك السجن ونحن بضيافتك !

جاك بغرور : بالطبع !! فأنا اكثر شخص تردّد على هذا السجن

- يبدو انك صاحب سوابق ، فماهي تُهمك السابقة ؟

- وما دخلك انت ؟!!

السجين مُحذّراً : بداية غير موفّقة لك.. فأنا سأبقى معك لفترةٍ طويلة ، وعليك التعوّد على وجودي حولك..


جاك : ومن انت ؟ وماهي تهمتك ؟

- انا نسخة عنك ، إرتكبت ذات جرائمك

- ما هذا اللغز السخيف ؟!

فاقترب السجين من وجهه :

- يبدو لم تتذكّرني جيداً ، يا جاك

- انا لا اعرفك بتاتاً !

السجين : لكني اعرف ادقّ التفاصيل عنك

جاك ساخراً : أحقاً ، مثل ماذا ؟

- سأُعرّفك عن نفسي اولاً .. او بالأصحّ ، دعني أخترّ إسماً لنفسي

ثم فكّر قليلاً ، قبل ان يقول :

- حسناً ، لنعتبر ان اسمي اريك

جاك : أفهم من هذا ، انك تخاف إخباري بإسمك الحقيقيّ

اريك : لن يهمّك اسمي بجميع الأحوال.. الأهم هو ما اعرفه عنك

جاك مُتحدّياً : هات ما عندك


اريك : حسناً ، لنبدأ بمرحلة طفولتك.. تحديداً في سن التاسعة ، حين بدأت بوادر الإنحراف السلوكيّ لديك ، بعد قيامك بنتف ريش دجاج جارك.. الى ان قبض عليك ، وضربك ضرباً مُبرحاً امام والدك الذي سارع بالإعتذار منه ، بدل الدفاع عنك ! مما أفقدك الثقة بأبيك ، اليس كذلك ؟

جاك بصدمة : ماهذا الذي سمعته !

- هل فاجأتك ؟

- هذه القصة لها اكثر من اربعين سنة ، وقلّة من الناس تعرفها ! فكيف..

اريك مقاطعاً : لا تُكثر الأسئلة ، دعني أُكمل سجلّك المُشرّف.. بسن ١٣ كنت مشتركاً بسباق اولاد الحيّ الذي ربحه دائماً ، الولد صاحب الدرّاجة الجديدة .. مما اغاظك .. فانتظرت نوم الجميع ، وتسلّلت لحديقته.. ثم غرزت الدبوس مراراً في عجلته .. لتفوز انت في اليوم التالي ، بعد وقوع الصبيّ الذي كسر ذراعه

جاك بدهشة : لا ! هذه صعبة .. فلا احد رآني وانا اقوم بذلك.. هل انت من اولاد حييّ الشعبيّ ؟

- سأجيبك على اسئلتك بعد إنهاء جرائمك السابقة.. (ثم سكت قليلاً) .. هل تذكر جاكلين ، الفتاة البريئة التي تعرّفت عليها بكافتريا الجامعة ؟ والتي أخبرتها بتخصّصك بقسم العلوم ، بالإضافة لعملك بالكافتريا لمساعدة والدك بمصاريف الجامعة .. والمسكينة أحبّتك بصدّق .. الى ان أخبرتها صديقتها أنك مجرّد عاملٌ جاهل ، دون حصولك على شهادة المتوسطة ! حينها لم تكتفي جاكلين بفسخ علاقتها بك ، بل ايضاً غيّرت جامعتها .. وكيف كانت ردّة فعلك ؟ دهست صديقتها بدرّاجتك الناريّة المستعملة دون رحمة !                                                                                                

جاك مقاطعاً : لم انوي قتلها.. فقط كسرت حوضها ، عقاباً لها

اريك : مما تسبّب بعقمها وانفصالها عن خطيبها.. وبسببها سُجنت لأول مرة ، بعد ظهور الحادثة بكاميرا الشارع

- هل تلاحقني منذ طفولتي حتى اليوم ؟!!

- لم انتهي بعد.. (ثم سكت قليلاً) .. بعد سجنك الأول ، تخلّت عائلتك عنك.. وخرجت من السجن دون عملٍ او مُعيل.. وتشرّدت عاماً بالشوارع ، قبل حصولك على عمل بمحطّة بنزين.. وعندما شتمك صاحب السيارة الفخمة بعد مسحك زجاجه الأماميّ دون إذنه.. سكبت بعضاً من البنزين فوق مقعده الخلفيّ من شقّ النافذة ، اثناء إنشغاله بالجوال .. ولم يبتعد بضعة امتار حتى نشب الحريق بسيارته بعد إشعال سيجارته.. وبسبب كاميرا المحطة ، اعادوك الى هنا ، اليس كذلك ؟ 


فهجم جاك على اريك ، مُمسكاً بزيّ سجنه البرتقاليّ .. قائلاً بعصبيّة:

- هل انت مخبرٌ سرّي ، ام طبيبٌ نفسيّ مُندسّ في زنزانتي ؟!! فمن المستحيل ان يعرف احد كل هذه المعلومات عني !

فأزال يد جاك عن ثيابه ، قائلاً ببرود :

- قلت ، سأخبرك بكل شيء .. حتى ادقّ التفاصيل عنك ، قبل الإفصاح عن حقيقتي.. فاجلس بهدوء ، واستمع لما تبقى من حياتك التعيسة 


وبعد جلوس جاك مُرغماً على سريره ، أكمل اريك كلامه : 

- بعد خروجك من الزنزانة ، رفض الجميع توظيفك .. مما جعلك تتهوّر بسرقة بنك بمسدس لعبة ! لكن الحارس انتبه على زيف سلاحك ، قبل خروجك من البنك .. وأوسعك ضرباً .. لتستيقظ من إغمائك داخل الحجزّ .. ولم يمضي وقت ، حتى أُغرمت بحارسة السجن الجديدة التي بغبائها بادلتك المشاعر ! وعندما ساعدتك بالهرب.. أطلق مراقب السجن النار عليكما .. فماتت هي ، وأُصبت انت بذراعك.. وبعد علاجك ، اعادوك للسجن من جديد !

جاك بحزن : لقد أحببتها بالفعل

اريك : كاذب !! انت لم تحب احداً في حياتك

- وما يدريك بمشاعر قلبي ؟!


اريك : انا احفظك ككتابٍ مفتوح .. وانت لم تعشّ تلك المشاعر مُطلقاً .. حتى مع جاكلين التي تقرّبت منها ، للشعور أنك طالبٌ جامعيّ بعد توقف تعليمك.. المهم ، دعني أختم جرائمك بالحادثة الكبيرة التي تسبّبت بحصولك على حكم المؤبّد.. فبعد خروجك من السجن ، تشرّدت مجدداً بالشوارع ..الى ان لمحت عائلةً ثريّة توقف سيارتها الفارهة امام حديقةٍ عامة ، بعد إصرار ابنهم المدلّل على اللعب فيها.. فسارعت بشراء الحلوى ، والإختباء خلف شجرة قريبة من الأرجوحة .. ثم ناديّت الصغير ، اثناء إنشغال والديّه بالشجار حول موضوعٍ ما.. وأغريّته بالحلوى لخطفه ، لأجل فديّةٍ كبيرة من اهله.. لكن سائق العائلة رآك مع الصبيّ .. وركض خلفك.. فكسرت قارورة وجدتها بحاوية النفايات ، ووضعت الزجاجة المكسورة على رقبة الولد الخائف

جاك : الصغير الغبي غافلني ، وأفلت من يدي بعد سماعه صرخة امه .. فقطعت الزجاجة جزءاً من عنقه (الوريد الوداجيّ).. ليعاجل السائق الضخم بضربي بعنف.. وعندما استيقظت في عيادة مركز الشرطة ، أخبروني بموت الولد.. (ثم تنهّد بضيق) ..كل ما اردّته هو بعض المال ، بعد عجّزي عن إيجاد عملٍ لائق

وانهار بالبكاء..


اريك : كفّكف دموع التماسيح !! فأنا اعرف تمثيلك دور النادم ، على امل ان اكون شرطياً ، لكتابة تقريرٍ يُخفّف حكمك .. لكن بسبب سوابقك الماضية ، ستبقى هنا لآخر عمرك الذي يبدو لن يطول كثيراً

فهجم جاك عليه .. وخنقه بقوّة ، وهو يسأله غاضباً :

- من تكون ايها اللعين ؟!! وكيف تعرف اسراري التي لم ابوح بها لأحد ؟!


وهنا سمعا صوتاً من خارج الباب الحديديّ :

- مع من تتكلّم ؟!!

فتوجّه جاك للباب ، قائلاً للحارس :

- إفتح بسرعة !! قبل ان اموت بسكتةٍ قلبيّة ، او اقتل اللعين الذي معي!!

وعندما دخل الحارس ، سأله :

- عن من تتكلّم ؟!


ليتفاجأ جاك بوجوده وحده بالزنزانة ! فسارع بالبحث في السرير العلويّ ، واسفل سريره .. وهو يقول بدهشة :

- كان هنا منذ قليل ! كيف اختفى ؟! هل يوجد بابٌ سرّي بالزنزانة ، لا اعرفه؟!

الحارس : من تقصد ؟!

- اريك اللعين الذي يبتزّني بمعرفته ماضيّ الأسود !!

الحارس : انت مسجونٌ وحدك هنا.. الم أخبرك أنك حوكمت بالإنفرادي ، ام بدأت تفقد عقلك منذ الآن ؟ .. من الأفضل ان تنام قليلاً ، فمازال هناك ساعتان على فترة العشاء


ورغم غرابة الموضوع الا انه استلقى على فراشه في محاولة للنوم ، حتى لا يفكر بما قاله اريك !

***


وبعد ساعتين ، أيقظه الحارس للنزول للقاعة الطعام..

وهناك لمح اريك من بعيد ، وهو يبتسم له !

فأراد الذهاب اليه ، لكن الحارس أجلسه على كرسيّه بالقوة .. وهو يقول :

- ممنوع التحرّك بالقاعة !! إنهي طعامك ، وعدّ الى زنزانتك فوراً

***


عندما عاد جاك الى زنزانته ، فتّش السرير العلويّ دون ايجاد احد..

- يبدو انهم نقلوا اللعين الى زنزانةٍ اخرى


وما ان استلقى على فراشه ، حتى أطلّ اريك من فوقه !

فانتفض جسم جاك ، وهو يسأله مرتجفاً :

- هل انت شبح ؟! كيف تظهر لي وحدي ، دون ان يراك احد ؟!

اريك : لأني بخيالك فقط

- انا لا اعرفك

- لكني اعرفك جيداً

جاك : قل لي من تكون !!

اريك : انا ضميرك الذي أسكتّني لأربعين سنة.. مع اني حاولت كل ليلة تذكيرك بمصائبك ، لكنك تجاهلت صوتي وتنبيهاتي.. واليوم جمعنا القدر ، لأذكّرك بتفاصيل جرائمك كل يوم ، حتى أصغر شعور قهرٍ مررّت فيه ..سأعيد عليك ماضيك مراراً وتكراراً ، حتى تعترف بغلطك


جاك بعصبية : انا لم اخطئ ابداً !! فأبي اعتذر للجار ، بدل منعه ضربي ! وعطّلت درّاجة اللعين ، بعد تفاخره بها على اولاد الحيّ الفقراء .. اما جاكلين فأحببتها بالفعل ، وكذبت لكيّ تقبل صحبتي .. اما صديقتها الفضوليّة ، فاستحقت الدهس لتفريق حبيبتي عني.. والغني المغرور ، إستحق حرق سيارته بعد ان شتمني بقسوة لتنظيف زجاجه ! اما البنك فحاولت سرقته بمسدس لعبة ، مُعرّضاً حياتي للخطر دون أذيّة احد.. فقد رغبتُ برزمة مالٍ ، أفتح به كشكاً أعتاش منه لبقيّة حياتي.. كما ليس ذنبي ان الحارسة المُطلّقة أحبّتني بجنون ، مما تسبّب بموتها .. اما الولد الصغير ، فلم انوي قتله .. هو تحرّك فجأة ، مُسبّباً جرحاً غائراً في رقبته .. كنت اريد مال الفديّة ، لتأمين طعامي .. (ثم تنهّد بضيق) .. كل ما تمنيّته بحياتي : هو منزلٌ دافىء وزوجة حنونة ، وطعامٌ شهيّ وعملٌ احبه.. جميعها احلام بسيطة يتمنّاها كل انسانٍ طبيعيّ.. لكني حرمت منها منذ الصغر !


اريك : لا تزيّف الحقائق .. كل جرائمك بسبب حقدك وغيرتك ، وهمّتك الضعيفة بالدراسة والعمل .. وهذا ذنبك وحدك 

جاك غاضباً : اسكت !!

- أسكتّني سابقاً ، لكني الآن لن اصمت ابداً .. ايها المنحرف الفاشل !!

جاك : لا تقلّ فاشل ! اكره هذه الكلمة التي ردّدها ابي دائماً

اريك : ومعه الحق بقولها .. ايها الولد الفاشل .. فاشل !!!!

جاك صارخاً : قلت اسكت !! اسكت !!!!


وظلّ يصرخ هكذا ، حتى أيقظ حارس السجن الذي توجّه لزنزانته ومعه عصا الصعق ، بعد ان ضايق جميع المساجين بالزنّزانات المجاورة .. ليتفاجأ بجاك مُنتحراً بشرشف سريره الذي ربطه بسقف زنزانته التي سُجن بها بمفرده !


لانش بوكس المدرسي (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة  الحفاظ على النعمة داخل الثلاجة .. تنهّدت نصف شطيرة الجبنة بحزن :  - أخشى ان ينتهي أمري في سلّة النفايات ، فلا أحد يُكم...