الخميس، 4 يونيو 2026

اللحن الملعون

تأليف : امل شانوحة 

سيمفونية الصمت


في عطلة نهاية الإسبوع .. إستمع الأب الى اغنيةٍ شهيرة تصدّرت المحطّات الإذاعية ، وهو يراقب من وقتٍ لآخر طفله الذي يلعب بجانبه 

قبل انتباهه الى دموع ابنه ، بعد سقوطه على الأرض.. 

فأزال سمّاعاته .. لينصدم بهدوء الغرفة ، رغم صراخ ابنه بعلوّ صوته ! 


قبل مجيء زوجته من المطبخ ، لحمل طفلها وهي تعاتبه على عدم الإنتباه له .. لكنه ايضاً لم يسمع صراخها ! 

ولشدّة ارتباكه ، اعاد لبس السمّاعات .. ليسمع الأغنية الشهيرة بوضوح .. لكن ما ان غيّر الأغنية ، حتى عاد السكون المُقلق !

فأراد اخبار زوجته بما يحصل معه ، لكن صوته اختفى تماماً ! مع استمرار بثّ كلمات الأغنية برأسه ، رغم ايقافها من جواله !

***


ما حصل معه ، حصل مع آلافٍ غيره .. حيث اكتظّت العيادات بأشخاصٍ اصيبوا بالصمّ والبكم فور سماعهم للأغنية الشهيرة التي تلبّست عقولهم بتردّداتٍ خفيّة ، تبثّ اللحن مراراً وتكراراً دون توقف !


حيث طارد اللحن الضحايا في كل مكان ، حتى في أحلامهم .. جعلهم يتمنون الموت ، فقط ليحظوا بلحظة هدوءٍ واحدة.

***


وبسبب ما حصل ، أعلنت الحكومات حالة طوارئ..

وتمّ فحص الجوالات والقنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية ووسائل التواصل الإجتماعي التي نشرت الأغنية سابقاً ، وصولاً لسمّاعات المرضى ! دون عثور الخبراء التقنيين على فيروس أو إشارةٍ مجهولة..

والرابط الوحيد المشترك بين الضحايا : هو استماعهم لتلك الأغنية اكثر من مرة ، قبل إصابتهم بالمرض الغامض ! 

***


الى ان قام عالم صوتيات بإعادة تشغيل الأغنية بشكلٍ معاكس.. ليظهر صوتٍ أجشّ يقول بوضوح :

((الحاني ستتغلّغل في خلايا مخّكم ، الى ان يُصبح الموت أغلى امانيكم))

***


خلال الأشهر التالية.. تحوّلت الأغنية إلى أكبر كارثة بيولوجية ونفسيّة في تاريخ البشرية..

بعض الضحايا فقدوا عقولهم.. والبعض الآخر اعتزل العالم .. وآخرون قرّروا الإنتحار ، لعدم تحمّلهم سماع الأغنية للمرة المليون  

أما وسائل الإعلام ، فأطلقوا على صاحبة الأغنية لقب : المغنية الملعونة

***


في مكانٍ مهجور .. وقفت المغنية الشهيرة امام رجلٍ مُلثّم ، وهي تعترض بضيق :

- كنت طلبت من فرقتك الموسيقية ، لحناً يجتاح السوق .. فأصبحت بسببها منبوذة !

الرجل : انت اردّتي الشهرة والمال .. ونحن اعطيناك اغنية تصدّرتِ القوائم ، وجعلت اسمكِ خالداً.. امّا أن تكوني محبوبة الجماهير ، فهو طمعٌ منك  

المغنية : لكني الآن مكروهة من الجميع

الرجل : لا يهم !! ستكملين عملك ، كما نُصّ بالعقد بيننا .. وإلاّ سأحرمك من موهبتك للأبد .. ولدي طرقٌ تجعل الموت حلماً بعيد المنال ، بالنسبة لكِ أيضاً 

***


في صباح اليوم التالي ، نشرت المغنية مقطعاً أخيراً على الإنترنت.. اعترفت فيه بتعاملها مع جهةٍ غير رسمية ، وصفتها (بالّلا إنسانية).. ومن بعدها اختفت ! 

فتضاربت الشائعات بين انتحارها ، أو تصفيّتها من قبل القوى المُظلمة بعد فضحها للعقد السرّي 


لكن بمجرد اختفائها ، توقف فجأة التردّد الذي استمرّ في عقول الملايين لشهورٍ طويلة ، وحلّ الهدوء اخيراً .. مع عودة الأصوات الأخرى إلى آذان الضحايا الذين استعادوا ايضاً حبالهم الصوتية .. 

وتنفّس العالم الصعداء ، بعد انتهاء الكابوس الفني الذي أضرّ بالسلامة النفسية للمواطنين !

***


بعد شهور ، وفي محطّة قطار.. كان شابٌ فقير يغني للمارّة ، مقابل العملات المعدنية..

فتوقف أمامه رجلٌ أنيق ، وهو يسأله : 

- صوتك مميزٌ فعلاً ..فهل تبحث عن محبة الجمهور ، أم الشهرة العالمية ؟ 

فردّ الشاب دون تفكير :

- المال طبعاً !! فعندما اصبح مشهوراً ، لن يهمّني رأيّ قريبٌ او بعيد 

فابتسم الرجل : 

- خيارٌ ذكيّ .. اذاً رافقتي الى الإستديو الخاص بي ، لتسجيل اول اغانيك الرائجة التي ستغيّر التاريخ


ثم غادرا المحطة معاً.. 

دون انتباه الشاب لبطاقة عمل الرجل التي سقطت على الأرض ، والتي كُتب عليها بخطٍ ذهبيٍّ بارز:

((إبليس للإنتاج الفني)) 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللحن الملعون

تأليف : امل شانوحة  سيمفونية الصمت في عطلة نهاية الإسبوع .. إستمع الأب الى اغنيةٍ شهيرة تصدّرت المحطّات الإذاعية ، وهو يراقب من وقتٍ لآخر طف...