الاثنين، 22 يونيو 2026

نهضة من تحت الركام

تأليف : امل شانوحة 

اليتيم البطل


كبر الشاب سليمان وهو لديه عقدةٌ مُبهمة من الظلام ، فرغم تجاوزه العشرين الا ان جسده ينتفض عند انقطاع الكهرباء المفاجئ ، لهذا اعتاد النوم مع انارة غرفته ! 

كما يرفض تدفئة جسمه باللحاف السميك مهما اشتدّ برد الشتاء ، مُعلّلاً ذلك لوالديه : بأنه يشعر كأن بلاطة اسمنتيّة فوق صدره ، تمنعه التنفّس !

ورغم اعراضه الغريبة .. الا ان والديّه اليهوديّن لم يعترضا ابداً ، بل تفهّما معاناته بصبرٍ ولطف

^^^


لكن الأمور بدأت تضح ، بعد شجاره مع والده العسكري الذي يُلحّ على التحاقه بالجيش .. مع إصرار سليمان برفضه قتل الفلسطينيين ، طالما مُلتزمي البقاء في الجانب الآخر من الجدار الفاصل.. بل ويعتبر قصفهم من وقتٍ لآخر ، هو تعدّي على حرّيتهم الشخصيّة

ومن دون انتباه ، صرخ والده باستحقار :

- أُصولك القذرة ، تجعلك تدافع عن اولئك الملاعيين !!


فسارعت الأم بسحب زوجها من الغرفة ، وهي تعتذر من ابنها الذي لم يفهم كلامه !

وبسبب غموض ردّات ابيه العنيفة بالآونة الأخيرة ، تنصّت على غرفة والديّه..

ليسمع امه تعاتب والده :

- هل جننت ؟! ستفضح كل شيء

زوجها بعصبية : الا تسمعين إعتراضه على إبادة العرب ؟! لابد ان دمه الفلسطيني يحنّ لأهله


وما ان قال والده ذلك ! حتى عادت لذاكرة سليمان مُقتطفات من ماضيه : ((وهو يصرخ بخوفٍ شديد ، تحت ركام شقته التي تحطّمت بقصف العدو ، وهو ممددّ بجانب جثة والده الحقيقيّ ..عالقاً لساعات تحت ركامٍ بارد في عتمةٍ خانقة (والتي تسبّبت بعقده النفسيّة السابقة)  

ثم تذكّر المُسعف الأجنبي وهو يقول (بلغةٍ عربيةٍ ركيكة) في سيارة الإسعاف:

- طالما قُتل جميع افراد عائلتك ، فسأنقلك لأسرةٍ جديدة.. وهناك ، لن تشعر بالخوف مطلقاً))


فتمّتم سليمان بصدمة :

- هل كنت فعلاً طفلاً فلسطينيّاً ، تم بيعي لعائلةٍ يهودية ؟ الهذا أتذكّر اناشيدهم الوطنية ، مع سهولة تعلّمي للغة العربية من الإنترنت ؟!


ثم عاد الى غرفته .. وهو يتصرّف ، كأنه لم يسمع شيئاً (حتى لا يثير شكّ والديه بالتبني) بانتظار اكتشافه الحقيقة كاملةً

***


بعد يومين ، خرج والديّه لتناول العشاء بالمطعم .. بينما اعتذر عن مرافقتهما ، لشعوره بالنعاس


وبعد ذهابهما .. أسرع لعلّية منزله ، بحثاً عن مستندات او صورٍ تذكّره بالماضي


وبعد قليل ، وجد صندوقاً مُغبرّاً بإحدى الزوايا .. بداخله ورقة بيع بيتزا بمئة الف دولار !

فتساءل بدهشة : هل اشترى والدي البخيل ، بيتزا مصنوعة من الذهب ؟!


ثم تذكّر الأخبار الأخيرة عن جزيرة أبستين : ووصفهم الأولاد المخطوفين بالبيتزا

سليمان : يا الهي ! هذا عقد بيعي .. لكن ممّن اشتروني ؟!

وكان مكتوباً اسفل العقد ، اسم المُسعف الأمريكي الذي عمل مع (UN) في غزة


وهنا استذكر شيئاً آخر :

((مبناه ذوّ الطلاء البني الداكن ، قبل قصفه .. والذي كان يعرفه من خلال النخلة الكبيرة بجانبه ..التي كلما رآها والده الحقيقي من بعيد (وهو يقود سيارته) يقول لأبنائه الثلاثة :

- تلك نخلة جدكم !!

فتردّ امه (الجدة) التي تركب بجانبه :

- زوجي اعتاد رميّ بذور التمر من الشرفة ، باتجاه الساحة الرمليّة القريبة من المبنى.. وفي يومٍ ماطر ، نمت النخلة وحدها.. فهو لم يزرعها بيده قطّ))


وهنا قال سليمان (وهو مازال بالعلّية) : 

- نعم تذكّرت !! كان لديّ اخٌ كبير ، وأختٌ صغيرة ما تزال طفلة بحضن امي.. وإسمي الحقيقي كان.. ياربي ذكّرني به.. آه نعم !! عزّام.. هذا هو اسمي !! عزّام ، وليس سليمان.. والمسعف الحقير باعني لعائلتي اليهودية ! لكن كيف سأعود الى وطني ؟!

***


وفي الأيام التالية ، بحث مطوّلاً بالإنترنت المظلم .. الى ان وجد ضابطاً اسرائلياً خائناً يعمل على إدخال وإخراج الناس من الجزء البعيد عن المراقبة ، في الجدار العازل بين الدولتيّن !

فتواصل معه ، لإدخاله سرّاً الى فلسطين .. فطلب مبلغاً من المال.. اضّطر بسببه عزّام لبيع سيارته (دون علم والديّه بالتبني) لدفع ثمن المرور ، لذلك العميل الذي ادخله من الجدار وهو ينبّهه :

- فور تعدّيك لهذا الخط ، لا يمكنك الرجوع ابداً الى اسرائيل

فاكتفى سليمان بالقول : 

- ربما يوماً ما ، أجد طريقة للعودة الى هنا 

وكتم عبارة : ((بعد عودة الأرض لأهلها ، ولوّ طال الزمن))

^^^


ثم انطلق عزّام مشياً على الأقدام مسافةً طويلة ، الى ان اوقفته دوريّة فلسطينية

الشرطي : لما تمشي وحدك بهذا الشارع ، البعيد عن المنازل والمتاجر ؟

عزّام : انا فلسطيني ، تهجّرت بعمر ٦ سنوات الى لندن (فهو لم يرد اخباره بأنه قادم من اسرائيل)


ثم اردف قائلاً :

- اذكر شيئاً واحداً عن منطقتي القديمة .. هو انني كنت بمدرسة صلاح الدين الأيوبي الإبتدائية ، التي كانت تبعد شارعاً واحداً عن بيتي القديم.. فهل يمكنك إيصالي الى هناك ؟


فوافق الشرطي الفلسطيني على توصيله الى منطقته .. والتي ما ان نزل فيها ، حتى عادت اليه الكثير من ذكرياته : كلعبه الكرة مع اخيه الأكبر بالشارع القريب من المدرسة.. والدكّانة القديمة التي كان يشتري الحلوى منها


لكنه تجمّد فور رؤيته النخلة الطويلة قرب المبنى الذي أُعيد بنائه ، مع بقاء جزءاً مدمّراً منه : وهي الشقة التي هبطت فوق عائلته !

وما ان وضع يده على النخلة والدموع في عينيه ، حتى سمع بوّاب العمارة يقول :

- انا زرعتها بنفسي !!

ليسمع امرأة عجوز (تجاوزت الثمانين) تقول ، وهي تحمل اكياس الخضار:

- بل زوجي اعتاد رميّ بذور التمر بالفسحة الرملية للمبنى ، جعلتها تنمو وحدها بيومٍ ماطر 


وما ان سمعها عزّام ، حتى ناداها بسعادة : 

- جدتي !! الحمد الله انك بخير

واحتضنها ، وسط صدمتها هي والبواب !


الجدة بدهشة : من انت ايها الشاب ؟!


فأخذها بعيداً عن حارس المبنى ، وهو يقول : 

- انا عزّام يا جدتي ، الا تتذكّرينني ؟

- عائلة ابني ماتوا جميعاً ، بعد قصف شقتهم

(وأشارت الى الجزء المُهدّم من المبنى)

عزّام : لكني لم امت يا جدتي ، بل باعني مُسعفٌ اجنبي لعائلة بالتبني

(وأخفى موضوع اليهود)

الجدة : حفيدي عزّام لديه وحمة سوداء على بطنه

فرفع قميصه على عجل .. وما ان رأت الوحمة ، حتى احتضنته باكية :

- حبيبي عزّام !! اخبرني المسعفون انهم لم يجدوا جثتك مطلقاً ! ولولاك ، لما كنت حية اليوم 

عزّام مستفسراً : لم افهم !

الجدة : في تلك الليلة .. بكيت كثيراً ، رغبةً بمصّاصٍ من الحلوى .. فرفض والدك احضارها قبل موعد نومك.. لكني غافلته ، ونزلت الى الدكّان لشرائها لك.. وقبل وصولي للعمارة ، قصف العدو الشقة .. لأن والدك كان من المناضلين الشجعان.. وبذلك أنقذتني حلواك من الموت ! وفي نفس الوقت جعلتني اعيش 14 سنة ، وانا اتمنى لوّ انني متّ معكم.. واليوم فقط عرفت حكمة ربي من بقائي حية ، للإجتماع ثانيةً بحفيدي الغالي !!


وحضنها عزّام باكياً ، وهو يعد بتعويضها عن وحدتها السابقة.. 

هامساً بأذنها : عن رغبته الإنضمام للمقاومة ، كوالده البطل  


دون علمها بسرقته للمخطّطات العسكرية (لأبيه اليهوديّ) لمعركتهم القادمة.. والتي  ينوي إفشالها تماماً ، بعد معرفته بنقاط تمركّز العدو .. والتي ستجعله لاحقاً : قائد المقاومين الذي سيرهب الأعداء لسنواتٍ طويلة!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نهضة من تحت الركام

تأليف : امل شانوحة  اليتيم البطل كبر الشاب سليمان وهو لديه عقدةٌ مُبهمة من الظلام ، فرغم تجاوزه العشرين الا ان جسده ينتفض عند انقطاع الكهربا...