الأحد، 28 يونيو 2026

انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة 

بين الفقد والأمل


عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغم عقمها .. وبعد سنواتٍ طويلة من العلاج ، حملت اخيراً .. وكان كلا الزوجيّن ينتظران مولودهما الأول بفارغ الصبر .. 

وبشهرها الثامن ، ضجّ الإعلام بخبر وفاتها مع جنينها بحادث سير على الطريق العام .. مما افقد مراد صوابه ، خصوصاً بعد علمه بأن المُتسبّبة بالحادث : هي سارة (الآنسة ثلاثينية) التي دخلت بغيبوبة بعد الحادثة .. والتي عملت كسائقة حافلةٍ صغيرة ، تابعة لمدرسةٍ ابتدائيةٍ شعبية ..


وبعد انتهاء العزاء .. تردّد مراد على المشفى بانتظار استيقاظ سارة ، لمعرفة اسباب الحادث ..

حيث رشى الممرّض ، للسماح له بدخول غرفتها .. رغم منع الشرطة إقترابه منها ، بعد شعورهم بغضبه الشديد اتجاهها 

^^^


وخلال الليالي التي بقيّ ساهراً امامها ، خطرت بباله مراراً : فكرة خنقها بالوسادة حتى الموت .. فهي حرمته حب حياته ، ومن شعور الإبوّة .. 

رغم ان شرطة المرور والشهود أكّدوا قيامها بخطوةٍ جريئة بعد انحراف شاحنةٍ امامها .. ولكيّ تحمي 20 طالباً من موتٍ حتميّ ، خاطرت بحياتها بالإنحراف نحو اليمين .. مما أدّى لاصطدامها بسيارة زوجة مراد التي ماتت على الفور .. بينما صدمت سارة رأسها بزجاجها الأماميّ بعنف ، مُتسبّباً بغيبوبتها ..

لكن مراد لم يهتم بنجاة الطلّاب الفقراء ، بل صبّ اهتمامه على عقاب سارة التي دمّرت حياته.. ولهذا تكفّل بعلاجها ، لكيّ يضمن نجاتها !

***


وطوال شهر غيبوبتها .. جلس مراد بجانب سريرها لساعات ، وهو يتأمّل جمالها البريء.. مع عدم السماح لنفسه بتطوير مشاعره اتجاهها ، فهي بالنهاية قاتلة عائلته .. ولهذا خطّط طوال تلك الليالي ، بطريقة تجعلها تدفع الثمن غالياً ..

***


الى ان اتى يوم ، استيقظت فيه اخيراً .. لتجد اهلها بجانبها ، يُهَنِّئونها على السلامة ..لكن بنفس الوقت وجوههم قلقة ، كأنهم يخفون أمراً مريباً ! 


وبعد إصرارها على معرفة ما حصل.. اجاب اخوها :

- جميع الطلاّب بخير يا سارة ..أصيبوا بجروحٍ بسيطة ، وتعالجوا جميعاً.. لكن المشكلة بزوج المرأة الحامل التي ماتت بالحادثة ، فهو يصرّ..

فقاطعته بقهر : لم يكن امامي حلٌ آخر ، فالشاحنة انزلقت باتجاهي بعد انفجار إطارها !

- نعلم ذلك ..والشرطة اخبرت الرجل ببطولتك الجريئة ، لكنه مُصرّ على عقابك

سارة بخوف : هل سيسُجنني ؟!

اخوها : لا ندري بعد.. هو يرفض الكلام معنا.. حتى انني اخبرته باستعدادنا لرهن منزلنا ، لدفع تعويضٍ له.. لكن ذلك آثار غضبه .. وأخبرني انه ليس بحاجة لمالنا القذر !


وقبل إكمال كلامه ، دخل مراد الغرفة دون استتئذان ! وهو ينظر لسارة بحنق :

- اخيراً استيقظتي !! قدمت فور علمي بشفائك

سارة بارتباك : سيدي ، انا..

مراد مقاطعاً بلؤم : أغلقي فمك !! لم آتى لسماع تبريراتك عن الحادثة .. 


ثم فتح باب الغرفة وهو ينادي اشخاصاً من الخارج .. وما ان دخلوا ، حتى صُدمت عائلة سارة برؤية موظفٍ حكوميّ ورجليّن !

فسأله اخو سارة بقلق : مالذي يحصل ؟!

مراد : هذا كاتب عدل وشاهديّن .. سأتزوج سارة بالحال

وجاء كلامه صادماً للجميع !


سارة بارتباك : سيدي .. انا لا اريد الزواج مطلقاً

مراد بعصبية : أصمتي !! زواجك بي ، ليس خياراً.. بل أمر واجبٌ عليك.

سارة بقلق : وفي حال رفضت ؟

مراد : ارفع قضية تعويض ، تُفلسك انت وأهلك بعد بيع جميع املاككم

فصمت الجميع برعب !


ثم وجّه كلامه للموظف الحكومي : 

- رجاءً ، قم بواجبك

فجلس الموظف بجانب سريرها ، وهو يفتح دفتره :

- آنسة سارة ..هل توافقين على الزواج من السيد مراد ؟


فنظرت للعريس بعيونٍ دامعة .. فهي لا تعرف الرجل الذي يكبرها بعشرين سنة ! والذي كان واضحاً من عيونه الحادّة ، انه سيؤذيها بعد الزواج

لكنها ايضاً شعرت بخوف اهلها على مصيرهم الماديّ .. ولهذا وافقت مُرغمة بتوقيع عقد الزواج بيدها المرتجفة ! 


وبعد خروج الموظف والشاهديّن من الغرفة .. نظر مراد الى أهلها ، وهو يقول بحزم : 

- من اليوم ستنسون ان لديكم ابنة اسمها سارة التي سأجبرها على مقاطعتكم.. فنسبكم الوضيع لا يليق بمستوايّ الإجتماعي.. وإن حاولتم البحث عنها ، سأرسل من يحرق منازلكم !!

فالتزم الجميع الصمت برعب ، امام تهديده الغاضب !

مراد : والآن اريد البقاء وحدي مع عروستي القاتلة 

ثم سمح لهم بتوديعها للمرة الأخيرة


وبعد ذهابهم ، اقترب من سريرها مُهدّداً :

- سأجعلك تتمنّين الموت الف مرة.


ثم ازال المصل بعنف عن ذراعها ، جعلت الدماء تنفر منها وهي تحاول كتم ألمها

مراد بنبرةٍ آمرة : 

- هي إلبسي بسرعة !! سآخذك لمنزلي الجبليّ.. انتظرك بالخارج ، لا تتأخري


وبصعوبة نزلت من سريرها ، وهي مازالت تشعر بدوار المخدّر.. ولبست ثيابها وهي قلقة من قتلها ببيته الجبلي ، لكنه لم يترك خياراً آخراً امامها

^^^


في الطريق .. جلست تنظر من نافذتها بشرود ، وهي تتذكّر صراخ الطلّاب قبل لحظات من الحادثة.. محاولةً تجاهل انفاس العريس الغاضبة ، وهو يقود بسرعة باتجاه المنزل الذي سيكون سجنها قريباَ

^^^


بعد ساعتين ، وصلا الى هناك.. لكن جسمها كان متعباً للغاية ، لدرجة عدم قدرتها على الخروج من السيارة

مراد صارخاً : هيا اسرعي !! هل تمشين على قشر بيض ؟

سارة بإرهاق : جسمي مازال مُخدّراً بالأدوية ، وأطرافي خاملة..


وقبل ان تكمل عذرها ، تفاجأت بحمله لها ! ليس كعريس يحمل عروسته ، بل اقرب الى ذبيحة على وشك شوائها بالنار !

^^^


وبالفعل ما ان وصل لسرير غرفتها ، حتى رماها بعنف فوقه ..وهو يقول :

- ستُسجنين بهذا البيت ، الى ان تترجّيني على قتلك


ثم خرج ، وقفل الباب عليها من الخارج.. بينما انهارت سارة بالبكاء ، بعد تأكّدها بأنها ستعيش اسوء كوابيسها في الأيام القادمة 

^^^


بعد ساعة .. دخل عليها وهو يحمل صينية الشوربة :

- اريدك ان تستعيدي صحتك سريعاً .. لأن الأسابيع ، وربما الشهور القادمة لن تكون سهلة عليك


ثم خرج من غرفتها مجدداً .. وهذه المرة نسيّ إغلاق الباب ، بعد انشغاله بمكالمة على جواله..

فشربت حسائها ، وهي تستمع لمقتطفات من حديثه مع قريبه :

((انا اعرف كيف آخذ حقي منها.. لا تقلقوا بشأني ، لن ادخل السجن بسببها.. لكني سأجعلها تندم على اليوم الذي قتلت فيه حبيبتي))


فارتاحت قليلاً ، لمعرفتها بأنه لن يقتلها ويدفنها بالجبل.. خصوصاً بعد عثورها على ملف بخزانة غرفتها ، فيه شهادات تقدير : عن كونه افضل تاجرٍ بالبلد.. وهذا يعني انه لن يدمّر سمعته المهنية ، للإنتقام منها.. 

كما وجدت صورة تجمعه بزوجته الفاتنة ، حيث كان واضحاً نظرات الحب بينهما.. ولهذا أدركت حجم الألم في قلبه.. وقرّرت الصبر لأجل عائلتها

***


وفي الأيام التالية ، بدأ عقابه لها : من خلال إجبارها على تنظيف جميع غرف منزله ، كما اعتنائها بحديقته ، وترتيب صناديق عمله المتراكمة بالعلّية ، والطبخ له بالأصناف التي يختارها ، والإهتمام بكل الشؤون المنزلية .. 

بينما هو منشغلٌ بالعمل على حاسوبه ، اثناء مراقبته عملها الذي استمرّ منذ الصباح حتى المساء كل يوم !

***


وبعد اسبوعين من العمل المتواصل .. سمع مراد طرقاً على بابه ، بوقت العصر.. فاستغرب ذلك ! فهو لم يخبر اقاربه بأيّ منزلٍ من املاكه ، حبس سارة فيه


وعندما فتح الباب .. وجد رجلاً بدى عليه إرهاق السهر ، سلّمه طفلاً صغيراً وهو يقول:

- سيدي .. انا فلان الفلاني ، جاركم بالمنزل المجاور.. زوجتي بالسيارة تلد طفلنا الثاني .. ولا ادري اين اضع ابني البكر.. وكنا لمحنا زوجتك قبل ايام وهي تعتني بالحديقة.. رجاءً اعتنيا بإبننا ، ريثما نعود 

وأعطاه حقيبة اغراض الولد ..


وقبل ان يستوعب مراد المهمّة ! أطلقت زوجة الرجل صرخةً موجعة من السيارة ، جعلته يركض نحوها .. ثم قيادة سيارته مبتعداً!


فدخل مراد منزله ، وهو ينادي على سارة التي نزلت من العلّية .. لتنصدم بحمله لطفلٍ لم يتجاوز السنة .. وضعه في حضنها ، وهو يخبرها عن جاره الذي لم يره من قبل !

سارة : حسناً سأهتم به ، لحين عودته مع زوجته ومولدهما بالسلامة

فسلّم مراد الحقيبة لها : 

- وهذه اغراض الصبي

سارة : اذاً سأحضّر حليبه في الحال .. فالصغير يبدو جائعاً


وصار مراد يراقبها من بعيد .. وهي تدنّدن للطفل الذي تحمله بذراع ، وبيدها الأخرى تُحضّر حليبه على عجل بعد انفجاره بالبكاء

- حسناً حبيبي .. الطعام قادم .. إنتظر ريثما يسخن الحليب.


ثم دخلت معه الى غرفتها .. وفوق سريرها ، وضعت الوسادة على قدميها .. وهي تهزّ الصغير الذي تُشربه الحليب .. دون علمها بمراقبة مراد لهما من شقّ الباب ، وهو يسمعها تغني للطفل بصوتٍ أموميّ حنون 


فتركهما بمفردهما ، وعاد الى الصالة بعيونٍ دامعة وهو يتذكّر زوجته التي رغم حملها بعد علاجٍ طويل ..الا انها اخبرته : برغبتها تعين مربية لإبنهما ، دون تضيع وقتها بالإهتمام به ! 

بينما سارة تهتم بإبن الجيران كأنه طفلها ، وبكل حنانٍ ومحبة .. جعلت الصبي يعتاد عليها سريعاً ، رافضاً ترك حضنها طوال اليوم! 

***


وفي اليوم التالي .. اخذ مراد يراقبها وهي تحاول تعليم الطفل المشي بالحديقه ، وهي تشجّعه بلطفٍ ومثابرة :

- هيا يا صغيري .. عمرك قرابة سنة .. عليك تعلّم المشي ، لكيّ تُسهّل عمل والديك مع قدوم اخيك الصغير .. هيا يا بطل !! بضعة خطواتٍ اخرى


فلم يجد مراد نفسه الا وهو يقف بالجهة المقابلة للصغير .. وهو يفتح ذراعيه ، لتشجيعه على المشي.. 


وبعد مرور وقتٍ بالمحاولة ، ترك الصغير حضن سارة ..متوجهاً بتردّد نحو مراد الذي حضنه بفخر ، وهو يقبله بسعادة بعد خطواته الأولى.. بينما سارة تخفي فرحتها ، لرؤية الجانب الرحيم من مراد لأول مرة !


وبعد قليل.. اضّطرت لتحميم الصغير بعد توسيخ نفسه.. وعندما دخل مراد غرفتها ، سمعها تغني للطفل بالحمام .. قبل ان تناديه ، دون وعيٍ منها :

- مراد !! اعطني المنشفة الكبيرة

وكانت المرة الأولى التي تناديه بإسمه ، دون لقب سيد !


وعندما دخل الحمام.. وجدها بفستانها المبلول ، داخل حوض الإستحمام مع الصغير.. ورغم التصاق الفستان بجسمها الا انها لم تخجل منه ، فهو بالنهاية زوجها التي طلبت منه لفّ الصغير بالمنشفة ، وإلباسه ثيابه التي تركتها على سريرها .. بينما تكمل استحمامها على عجل..


فصار يُلبس الصغير ، وهو يتمّتم بصوتٍ مقهور : 

- كان المفترض ان اكون الآن أباً لطفلٍ جميل .. لكن القدر اخذ جنين زوجتي السابقة ، وأبدلني بك وبسارة.


وبعدها خرجت سارة وهي تلبس روب المنشفة .. واقتربت من مراد برائحتها الجميلة وشعرها المبلول ، وهي تربت على كتفه :

- بابا مراد.. الصغير يلبس قميصه بالمقلوب .. أعدّ الباسه له ، لحين اختيار ملابسي

وفتحت الدرج وهي تسأله :

- لم احضر الكثير من الغيارات معي.. فهل تسمح باستعارتي لملابس المرحومة؟

فأومأ برأسه ايجاباً ، وهو مازال منشغلاً بالصغير


فاختارت فستاناً ، وعادت للحمام .. ثم خرجت وهي تلبسه ..

وما ان رآها ، حتى قال بضيق :  

- الم تجدي غير فستانها الأحمر ؟

سارة باستغراب : وهل هناك مشكلة ؟!

- كنت اعشقها به

- حسناً سأغيّره بالحال

لكن بكاء الصغير المفاجئ ، جعلها تسارع بحمله وهي تقول : 

- لابد انه جائع.. سأطعمه اولاً .. ثم أغيّر الفستان 

مراد : لا داعي لذلك.. فقط اهتمي بالصغير


ثم اخذ جواله للإتصال بالمشفى المتواجد بالجبل ، على امل ان يكون جاره هناك..

وبعد ان اعطى مراد اسم جاره لموظف الإستقبال ، اوصله هاتفياً بغرفته..


فاعتذر الجار عن تأخره يومين.. طالباً المزيد من الوقت ، لعلاج مشكلةً صحية بمولوده الجديد ..فوافق مراد ، مرغماً على ذلك.. 


ثم ذهب للمطبخ ، لإخبار سارة بالأمر ..فأجابت :

- كان الله في عونهما.. 

ثم قبّلت الصغير الذي يشرب حليبه :

- اساساً تعوّدت على وجوده معنا

***


لكن في اليوم التالي ، ارتفعت حرارة الصغير.. فأحضر مراد الطبيب له ، والذي كتب لهم بعض الأدوية .. وطلب منهما التناوب على الإهتمام به ، لحين انخفاض حرارته ..

فأعطى مراد جواله الآخر لسارة (الذي احتفظ به بدرج مكتبه)..

- هذا سيكون رقمك الجديد ، لا تتصلي بأحد من معارفك القدامى .. سأذهب للصيدلية لإحضار ادوية الصغير .. وان احتجتما لشيءٍ آخر ، اتصلي بي فوراً 

^^^


وبعد عودته .. اضّطر مراد للبقاء بغرفة سارة ، لوضع الضمّادات الباردة على جبين الصغير.. ومن شدة تعب مراد ، نام بجانب سارة التي غفت وهي تحتضن الطفل المريض  

***


وفي الصباح التالي ، استيقظ الطفل نشطاً وهو يلامس وجههما .. فاستيقظ مراد وسارة منصدميّن من نومهما معاً ، بعد ثلاثة اسابيع على زواجهما ! 

ورغم انه شعورٌ جديد بالنسبة لسارة ، الا انها أحسّت بالطمأنينة بجانب مراد الذي لم يغادر السرير ، بل ظلّ يلاعب الصغير ويدغده .. بينما الطفل يضحك بسعادة ، بعد تعوّده على والديه الجديدين !


وهنا ادركت سارة ان عصبية مراد وغضبه منها بالفترة الماضية ، هي بسبب قهره على فقدان حبيبته وطفله الذي انتظر قدومه طويلاً .. ولذلك لم تعد خائفة منه ، بل تفهّمت جرحه جيداً 

^^^


ظهراً.. جلسا مع الطفل على طاولة الطعام ، وهما يتناوبان بإطعامه.. الى ان سمعا طرقاً على بابهما.. ليجدا الجار قدم مع زوجته التي تحمل طفلهما الثاني بالسيارة

- اعتذر عن الأيام التي قضاها ابني معكما.. لكن اليوم حتى سمحوا لنا بإخراج المولود من الحضّانة  

مراد : ان اردت ، يمكن لإبنك البقاء معنا فترةً اطول

الجار : لا داعي لذلك .. فحماتي قادمة بعد قليل ، لمساعدة ابنتها بالصغيريّن


ثم اخذ طفله الذي كان متعلّقاً برقبة سارة ، الا ان والده سحبه من حضنها ..وهو يقول له : 

- لا تبكي حبيبي .. فأمك بالسيارة .. الا تريد رؤية اخيك الصغير ؟


ثم شاهد مراد وسارة ، العائلة تذهب نحو منزلها المجاور .. وعادا للداخل وهما يشعران بفراغٍ كبير ، بعد ذهاب الصغير الذي قرّب المسافة بينهما


حيث حاول مراد إظهار تماسكه ، بتمثيل انشغاله بجواله.. 

بينما مسحت سارة دموعها وهي ترتّب المنزل من آثار الصغير الذي تعلّقت به كثيراً بالأيام الماضية

***


وفي المساء .. استيقظ مراد لشرب الماء ، ليجد سارة تبكي بالمطبخ وهي تحمل قبعة الصغير الذي تركها بسريرها 

مراد : يبدو انك تعلّقتي به !

سارة : جداً .. فأنا لطالما تمنّيت الأمومة

فردّ بقهر : وانا ايضاً رغبت الإحساس بالأبوّة ، الذي حرمتني انتِ منه

فتفاجأ بها تمسك يده بحنان :

- صدّقني لم يكن امامي حلٌ آخر .. فإمّا ان يموت 20 ولداً ، او اصطدم بسيارة زوجتك.. رجاءً سامحني.

فجلس امامها حزيناً :

- كانت حب حياتي.. لكن من خلال الأسابيع التي راقبتك فيها ، فهمت عيوب المرحومة

- ماذا تقصد ؟


مراد : الطبقة المخمليّة التي اعيشها ، تُجبرني على نوعٍ محدد من النساء.. وهن بالعادة انانيات ، يحببن قضاء وقتهن بالنادي وصالونات التجميل والتسوّق.. وعادةً لا يتحملن مسؤولية منزلٍ ومطبخٍ واولاد.. بل يتكلون على الطبّاخين والخدم والمربّيين.. وكان الأمر عادياً بالنسبة لي ..الى ان تذوّقت طعامك الشهي .. ورأيت ذوقك بترتيب المنزل وحدك ، دون خدمٍ بيننا.. كما عنايتك بالصغير وحنانك عليه .. وتمنّيت للحظة ، لوّ كنتِ فعلاً ام اولادي

سارة : انا اساساً زوجتك شرعاً .. هل نسيت ؟

فنظر اليها بدهشة :

- ألست غاضبة مني ، لزواجي بك بنيّة الإنتقام ؟!

- كان جرحك كبيراً ... فبيومٍ واحد ، خسرت زوجتك وطفلك الذي انتظرته طويلاً ... لهذا أتفهّم ألمك وصدمتك.. لكني لست شريرة ، ولم أتعمّد ايذاء احد.. بل تمنّيت كثيراً لوّ بقيت زوجتك حية ، وتوفيّت انا بالحادث 

مراد : لا تقولي هذا.. فأنت امرأة حنونة ، وسيدة منزلٍ رائعة.. هل تقبلين ان نفتح صفحة جديدة بحياتنا معاً ؟


سارة : إخبرني اولاً .. ماهي اللحظة التي جعلتك تقرّر ذلك ؟

فأجاب بتردّد : رؤيتك بحوض الإستحمام مع الطفل .. أغاظني جداً وجوده معكِ ! 

فسألته بابتسامة : هل غرت منه ؟!

- بصراحة نعم .. 

سارة : وانا أعجبني جانبك الرحيم الذي نجحت بتخبأته طويلاً ، الى ان فضحه الصغير المشاغب 

- أتدرين يا سارة .. الله ارسله الينا ، لتقريب المسافة بيننا

سارة : ما رأيك ان يكون لدينا طفلاً نرعاه ، كما اهتممنا بإبن الجيران ؟

مراد : موافق طبعاً !!

وحملها بحماس لغرفتهما ، ليبدأ شهر عسلهما الحقيقي ..

***


بعد اسبوع .. زار مراد وسارة عائلة الجار ، بعد شرائهما الهدايا للصغيريّن .. 

ثم ودّعتهم سارة قبل انتقالها الى قصر مراد في المدينة ، لبدء حياتهما الزوجية بعلاقةٍ صحية خالية من الخوف والرغبة بالإنتقام 

*** 


بعد عام ، وفور انجاب سارة لطفلها الأول .. سمح مراد بإعادة تواصلها مع عائلتها .. ليس هذا فحسب ! بل نقلهم الى منطقةٍ افضل ، بعد شراء منزلٍ كبيرٍ لهم.. كما ساهم بتوظيف بعض افراد اسرتها ، بمعمله الغذائيّ .. فهم بالنهاية اقارب ابنه الذي ملأ حياته سعادةً وفرحاً ، بعد ان اعطته سارة فرصةً أخرى للحياة !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة  بين الفقد والأمل عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغ...