تأليف : محمد بيومي آل غلاب
مغامرة امل شانوحة
كان الضباب اللزج يلف نافذة غرفة الكاتبة أمل شانوحة كأنه خيوط عنكبوت خفية تعزل بيتها عن العالم الخارجي. كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل تماماً، وشاشة حاسوبها المحمول تبث توهجاً أزرق باهتاً ينعكس على جدران الغرفة الممتلئة بكتب الرعب والألغاز.
وفجأة، ومضت شاشتها معلنة عن وصول بريد إلكتروني** جديد من مجهول.
العنوان كان مقتضباً ويثير القشعريرة في العظام : دعوة إلى قرية الظلال.. حيث تُكتب النهايات بالدماء لا بالحبر.
فتحت أمل الرسالة بفضول ممزوج بالوجل، لتتوسع عيناها وهي تقرأ الكلمات المرتعشة:
(إلى الكاتبة التي تجرأت على سبر أغوار الظلمات وجعلت من أسياد الجحيم أضحوكة.. نتحداكِ أن تزوري قرية الظلال الواقعة خلف التلال المنسية لتكتبي قصتك القادمة من قلب الواقع المرير. العزلة هنا مطلقة، والحقيقة أغرب من الخيال، إن تجرأتِ!)
نادت أمل بصوت مرتفع يخترق سكون البيت: أمي! هل تنظرين إلى هذا البريد الغريب الذي وصلني للتو؟
خرجت والدة أمل السيدة آمنة من المطبخ بخطوات هادئة وهي تمسح يديها بمنديل، وخرجت خلفها أختها سلمى وهي تحمل كوباً من القهوة الدافئة.
اقتربت الوالدة آمنة وتفحصت الشاشة بعينين يملؤهما القلق الدفين وقالت بحذر..
الوالدة آمنة: يا ابنتي، هذا ليس سوى مقلب سخيف من أحد المتابعين الفضوليين، أظن أنه زميلك محمد آل غلاب، فهو يعتبرك أخته وأستاذته في كتابة القصص القصيرة، لا تكبري الأمور ولا تنقادي خلف خيالاتك المظلمة التي تتغذى على رعب القصص.
لكن سلمى خالفت والدتها الرأي، وابتسمت بتهكم خفيف قائلة.
سلمى: أنا أرى العكس تماماً يا أمي! أمل تعشق المغامرة والألغاز، ولعلها تجد هناك الإلهام الحقيقي لقصتها القادمة.. لكن يا أمل، كوني حذرة، ولا تنسي شحن حاسوبك بالكامل، فربما ينفد منكِ الحبر الإلكتروني هناك حيث لا كهرباء ولا شبكات اتصال!
قبل أن تخرج أمل، اقتربت منها سلمى وهي تهمس بحيلة تقنية.
سلمى: لقد ثبتّ للتو برنامج تتبع سري ومباشر على هاتفك وحاسوبك.. إذا لم ترسلي لي إشارة تطمئني بحلول شروق الشمس، فسأعرف إحداثيات موقعك وأتي إليكِ بنفسي.
ابتسمت أمل بثقة، ودفعتها روح المغامرة وحب الاستطلاع للذهاب.
ركبت سيارتها بعد منتصف الليل، وقادتها نحو التلال المنسية، مسترشدة بإحداثيات غامضة ومظلمة ظهرت في نهاية الرسالة.
بعد ساعتين من القيادة في طرقات وعرة وموحشة، وسط أشجار ميتة تشبه الأيدي العارية التي تحجب ضوء القمر الباهت، ظهرت أمامها قرية تبدو كأنها نزلت من كابوس قديم لا علاقة له بعالم البشر. البيوت حجرية سوداء ومتهالكة، والنوافذ مظلمة تماماً، والسكينة القاتلة تملأ المكان كأنها تمتص الأنفاس.
لم يكن هناك أي أثر للحياة سوى كوخ خشبي مهترئ ينبعث منه بصيص ضوء برتقالي ضعيف ومرتجف.
أوقفت أمل سيارتها وترجلت بخطوات مترددة. وما إن ابتعدت عن باب السيارة بخطوات قليلة، حتى سمعت صوت محرك السيارة الذاتي، لتتحرك سيارتها للخلف بمفردها بقوة وتصطدم بقسوة بشجرة ضخمة وتتعطل تماماً، محطمة زجاجها الخلفي ومنذرة بإغلاق باب العودة تماماً.
سرت ومضة من الرعب في قلب أمل، وحين همّت بالالتفات، بدأت تسمع أصوات همسات غريبة تناديها باسمها من خلف الأشجار الميتة: (أهلاً بكِ يا أمل.. لقد طال انتظاركِ..)، أدركت أمل حينها أنها أصوات ضحايا سابقين استدرجهم هذا الكيان وأفناهم.
تجاهلت رعبها، واقتربت من الكوخ الخشبي، وما إن مست يدها الخشب البالي حتى انفتح الباب من تلقاء نفسه بصرير مزعج يخترق سكون الليل المرعب.
داخل الكوخ، كانت الجدران مغطاة بكتب جلدية قديمة ملطخة بآثار غريبة، ورفوف تعلوها الجماجم البشرية والشموع الذائبة التي تنشر رائحة الكبريت. وفي المنتصف، كان يجلس رجل طاعن في السن، ذو لحية سوداء طويلة وعينين تقدحان بشرر أحمر مخيف، ووجه تحفره تجاعيد عميقة تنبض بالخبث المطلق.
ابتسم العجوز بابتسامة صفراء باردة، وقال بصوت أجش يشبه حفيف الأوراق الميتة في مقبرة منسية،
العجوز: أهلاً بكِ يا كاتبتنا المغرورة.. يا من كتبتِ عن الشياطين كأنهم أطفال صغار، وجعلتِ إبليس يظهر بصورة الكائن المهزوم الضعيف الذي يُهزم بكلمة عابرة على صفحات الإنترنت الرخيصة!
تجمدت أمل في مكانها، وشعرت ببرودة ثلجية تسري في أطرافها وهي تتراجع للخلف قائلة بصوت مرتعش أمل: من... من أنت؟ وكيف عرفت اسمي وما أكتبه في مسوداتي الخاصة؟
وقف العجوز وطالت قامته بشكل مفاجئ ومرعب حتى لامس سقف الكوخ الخشبي، واهتزت الشموع حوله وانطفأت دفعة واحدة، ليبقى ضوء أحمر قانٍ ينبعث من عينيه وحدهما. قال بصوت عميق يهز الجدران من أساساتها: أنا من سخرتِ منه في صفحات قصصك! أنا إبليس.. سيد الظلال الذي صورتِه عاجزاً ومهرجاً يثير الشفقة! جئت اليوم لألقنكِ درساً لا يُنسى، ولأجعلكِ تصرخين طلباً للموت فلا تجدينه!
حاولت أمل الركض نحو الباب المفتوح، لكن الأرض تحت قدميها تحولت فجأة إلى لزوجة سوداء شبيهة بالقطران الحارق، جذبت قدميها إلى الأسفل.
ظهرت حولها أيدٍ سوداء غير مرئية تمتد من الأرض لتكبيل معصميها.
اقترب منها إبليس ببطء، وضحكاته القاسية تملأ المكان صخباً، وقال باستهزاء لا يطاق،
إبليس: إلى أين يا كاتبتي العزيزة؟ أين تلك القوة والجرأة التي تملئين بها صفحاتك؟ الآن، ستكونين أول ضحية تُطبع قصتها بدماء حقيقية، ولن تنفعكِ أمكِ آمنة ولا سخريات أختكِ سلمى!
كانت أمل تكافح لتلتقط أنفاسها، وشعرت أن الهواء ينفد تماماً من صدرها. لكن عقلها ككاتبة ومبدعة لم يتوقف عن العمل تحت أقصى درجات الضغط والخطر. تذكرت حقيبة ظهرها التي كانت تحمل فيها حاسوبها المحمول باستمرار، وتذكرت نصيحة أختها سلمى الساخرة: (لا تنسي شحن حاسوبك، فربما ينفد منكِ الحبر الإلكتروني!).
جمعت أمل كل ما تبقى لها من طاقة روحية وبدنية، ومدت يدها اليمنى بصعوبة بالغة نحو حقيبتها الملقاة قرب القطران.
فتحت سحاب الحقيبة بقوة، وأخرجت حاسوبها المحمول الذي كان مضاءً ببطارية كاملة.
اقترب إبليس منها أكثر، ممدداً أصابعه الطويلة الحادة ليخترق بها رقبتها مباشرة، وهو يصرخ بغضب جنوني
إبليس: لا فائدة من آلاتك البشرية الوضيعة أمام طاقة الجحيم!
لكن أمل ضغطت على زر التشغيل بسرعة كببرة، وفتح ملفاً برمجياً سرياً خاصاً كانت قد صممته كفكرة خيالية لقصة مستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي المشفر والتعويذات الرقمية المتطورة التي أسمتها (مشروع حبر الشيطان).
ظهرت على الشاشة رموز برمجية وحروف عربية وعالمية غريبة ومتحركة تضيء بلون أبيض ناصع ومبهر وسط الظلام الدامس للكوخ. وجهت أمل الشاشة ساطع النور مباشرة نحو وجه إبليس وهي تهتف بصوت ثابت وقوي يعكس إرادة لا تُكسر،
أمل: أنت لست سوى وهم بشري غبي، وفكرة شيطانية تستمد قوتها المطلقة من خوف البشر وجهلهم! وبما أنني أنا من رسمك وابتكر تفاصيل ضعفك، فأنا وحدي من سيحذفك نهائياً من الوجود!
في تلك اللحظة الحرجة، حاول إبليس استخدام سلاحه الأخير؛ فتردد صدى صوت أختها سلمى من خارج الكوخ المظلم وهي تنادي بذعر مصطنع:
صوت سلمى: أمل! أمل.. افتحي الباب، لقد أتيت لأنقذك بنفسي!
لكن أمل أدركت أن سلمى ستأتي في الصباح بعد شروق الشمس إن لم ترسل لها رسالة وأن الليل مازال حالكاً، فعرفت أن الصوت ليس سوى خدعة شيطانية صوتية، فتجاهلته تماماً دون أن تلتفت للخلف، وضغطت بكل قوة على مفتاح الإدخال الأخير (Enter) لإطلاق الفيروس الرقمي النفسي الذي يعتمد على تفكيك الكيانات الوهمية عبر طاقة الإشعاع الضوئي المبرمج.
مع دوي صوت أشبه بانفجار طاقة رقمية كهرومغناطيسية هائلة، انطلقت موجة من الضوء الأبيض الساطع من شاشة الحاسوب كأنها ألف شمس مصغرة انفجرت في آنٍ واحد. ملأت النور زوايا الكوخ المظلم، واختلطت صرخات إبليس المدوية والمفزوعة بصوت تكسر الزجاج وتبخر الدخان الأسود الكثيف.
بدأ جسد إبليس يتفكك ببطء شديد، ويتحول إلى مكعبات وبكسلات رقمية سوداء صغيرة تتطاير في الهواء كالغبار المحترق، ثم أخذ يتقلص وينكمش حتى تبكسل تماماً وتحول إلى كيس بلاستيكي صغير وفارغ يتطاير بلا حياة على أرضية الكوخ الخاوية، قبل أن يختفي تماماً كأن لم يكن، وتعود قرية الظلال إلى صمتها وسكونها الطبيعي الأبدي.
سقطت أمل على ركبتيها وهي تلهث بشدة، وقد غرق وجهها بالعرق، لكن ابتسامة النصر العارمة تزين محياها. التقطت حاسوبها وأغلقته بهدوء وثبات.
بعد ساعات وفي أواخر الليل، عادت أدراجها سيراً على الأقدام حتى وصلت إلى بيتها الآمن مع ساعات الفجر الأولى. فتحت الباب لتجد أمها السيدة آمنة وأختها سلمى تقفان في الصالون بقلق هستيري لا يهدأ. ما إن رأوها حتى ركضتا نحوها بلهفة.
قالت الوالدة آمنة بدموع الفرح وهي تحتضنها بقوة،
السيدة آمنة: الحمد لله على سلامتك يا ابنتي! لقد عشت ليلة سوداء مرعبة وأنا أدعو لكِ بلا انقطاع!
بينما نظرت إليها سلمى بابتسامة خبيثة وعينين تلمعان بالفضول، وسألتها مازحة،
سلمى: إذن يا أمل.. هل انتهيتِ من كتابة قصة (حبر الشيطان) الموعودة؟ أم أن الشيطان هو من كُتبت نهايته الحتمية على يدكِ هذه المرة؟
رفعت أمل حاسوبها المحمول بابتسامة غامضة وهادئة وقالت: لقد تم الحذف النهائي بنجاح تام.. ولا أظن أن شبحه سيعود للظهور قريباً!
بعد عودتها واطمئنان السيدة آمنة وسلمى، تفتح أمل حاسوبها في وقت لاحق لتكتب قصة جديدة، لتفاجأ بأن السطر الأول قد كُتب تلقائياً دون أن تدخل حرفاً واحداً:
(شكراً لأنكِ أعدتِ تثبيتي.. اللعبة لم تنتهِ بعد).

الشكر الجزيل للزميل محمد على هذه المغامرة الجميلة التي جمعني فيها مع والدتي واختي ..
ردحذفالقصة رائعة ، وأعجبتني كثيراً ..
بقيت قصة اخيرة للأستاذ محمد بعنوان : قطرة عسل .. سأنشرها له قريباً بإذن الله
تحياتي للكاتب المبدع